كتاب اللقيط
هو فعيل بمعنى مفعول، يقال للصبي الضائع: لقيط وملقوط ومنبوذ ودعي، وهذه الأسماء مأخوذة من طرفي حاله، فالمنبوذ: من نَبْذه وطرحه، واللقيط والدعي: من لَقْطِه وادعائِه، ولم يسموه نبيذًا؛ لئلا يلتبس بالمشروب سفهًا، وتسميته لقيطًا حقيقة شرعية.
والأصل في الباب: عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِ وَالتَّقْوَى﴾، ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، فإنه بإحيائها يسقط فرض الكفاية عن الناس جميعًا، فإحياؤهم بالعصمة من عذاب الله لهم.
وقال صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمان)، وقال: (من لا يرحم لا يرحم)، وقال: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) وسيأتي في الباب حديث أبي جميلة.
قال: (التقاط المنبوذ فرض كفاية) أركان الالتقاط الشرعي ثلاثة:
أحدها: نفس الالتقاط، وهو من فروض الكفايات صيانة للنفس المحرمة عن الهلاك، فإذا التقط أهل الحضانة .. سقط الفرض، وإلا .. أثم كل من علم به من المسلمين.
وَيَجِبُ الإِشْهَادُ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ،
والركن الثاني: اللقيط وأشار إليه المصنف بقوله: (المنبوذ) وهو: كل صبي ضائع لا كافل له، فخرج بالصبي: البالغ، لأنه مستغن عن الحضانة والتعهد فلا معنى لالتقاطه، والأصح: أنه لا فرق بين المميز وغيره.
والمراد بالكافل: الأب والجد ومن يقوم مقامهما، والبالغ المجنون في ذلك كالصبي، ولكن ذكروا الصبي في الحد؛ لأنه الغالب، والمجنون في ذلك نادر.
والالتقاط: الأخذ، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَونَ﴾.
ونبذ الطفل من أقبح المنكرات، والتقاطه من نصر المظلوم الذي أمرنا به، ومن تغيير المنكرات الواجب تغييره، ولو لم يعلم به إلا واحد .. وجب عليه أخذه، فلو لم يلتقط حتى علم به غيره هل يكون الفرض عليهما، أو يختص الوجوب بالأول لتعلق الوجوب به قبل قدوم الآخر؟ قال ابن الرفعة: فيه احتمال يتلقى من خلاف في أن من سبق إلى الوقوف عليه هل يكون أحق به عند التزاحم، أو لا يكون أحق به بل يكونان فيه كما لو حضرا معًا؟
قال الشيخ: والذي ينبغي القطع به أن يكون عليهما؛ لأن الخطاب للجميع، ويجوز للملتقط دفعه إلى الحاكم على الأصح، ويحرم بعد أخذه رده إلى مكانه قطعًا.
قال: (ويجب الإشهاد عليه في الأصح) نص الشافعي هنا على وجوب الإشهاد وفي اللقطة على استحبابه، والصحيح: تقرير النصين.
والفرق: أن اللقيط يحتاج إلى حفظ حريته ونسبه .. فوجب الإشهاد كما في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النكاح، واللقطة المقصود منها المال، والإشهاد في التصرفات المالية مستحب لا واجب.
والطريقة الثانية: إثبات قولين، أو وجهين بالنقل والتخريج:
أحدهما: يجب فيهما.
والثاني: لا فيهما، وكل من قال في اللقطة بالوجوب قال به هنا.
ومن الأصحاب من قال: إن كان الملتقط عدلاً .. لم يجب الإشهاد، وإن كان مستورًا .. وجب.
وكان ينبغي أن يعبر بـ (المذهب) كما في (الشرحين) و (الروضة)؛ ففيهما طريقان: أصحهما: القطع، وقيل: قولان أو وجهان كاللقطة، وقيل: يلزم مستور العدالة دون ظاهرها.
وإذا أوجبنا الإشهاد على الملتقط فتركه .. قال في (الوسيط): لا تثبت له ولاية الحضانة ولغيره انتزاعه من يده، قال الرافعي: وهذا يشعر باختصاص الإشهاد الواجب بابتداء الالتقاط، وفي هذا الإشعار نظر.
والظاهر: أن مراده: لا تثبت له ولاية الحضانة ما لم يُشهد، فلا يشعر باختصاص الوجوب بالابتداء، فمتى أشهد .. تثبت له الولاية، ولا يبعد أن يقال: إن الوجوب على الفور، فمتى أخره .. فسق وخرج عن الأهلية، فلا يفيده الإشهاد بعد ذلك إلا أن يتوب فيكون كالالتقاط الجديد.
وخص الماوردي الخلاف بما إذا التقطه بنفسه، أما إذا سلمه له الحاكم .. فيندب للحاكم الإشهاد عليه به، فيغني تسليم الحاكم عن إشهاد الملتقط، ولا حاجة في ابتداء الأخذ ودوامه إلى مراجعة الحاكم إجماعًا.
وإذا أشهد .. فليشهد عليه وعلى المال الذي معه، ويكون ذلك أول أخذه.
وَإِنَّمَا تَثْبُتُ وِلاَيَةُ الاِلْتِقَاطِ لِمُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ عَدلٍ رَشِيدٍ.
وَلَوِ الْتَقَطَ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ .. انْتُزِعَ مِنْهُ،
قال: (وإنما تثبت ولاية الالتقاط لمكلف حر مسلم عدل رشيد) هذا هو الركن الثالث وهو: الملتقط، ويعتبر فيه التكليف والحرية والإسلام والعدالة والرشد، فأضدادهم لا يصح التقاطهم؛ لأنها ولاية تثبت على الغير بالاختيار فاعتبر فيها الأوصاف المذكورة كولاية القضاء، لكن اشتراط الإسلام إنما يعتبر إذا كان اللقيط محكومًا بإسلامه، فإن كان محكومًا بكفره .. فللكافر التقاطه؛ لأنه أهل للولاية عليه بشرط أن يكون عدلاً في دينه.
ومقتضى إطلاقهم: جواز أن يلتقط اليهودي النصراني وبالعكس بدليل التوارث.
واشتراط المصنف العدالة مخالف لقوله وقول الرافعي: إن المستور يصح التقاطه، لكن يوكل به رقيب إلا أن يوثق به فيصير كالعدل.
لا جرم اعتبر الماوردي والروياني الأمانة وهو أقرب، ثم سيأتي في (الحضانة) كلام في اعتبار التنقي من العمى والبرص ونحو ذلك، ويشبه مجيئه هنا إذا كان الملتقط يتعاهد الطفل بنفسه.
وأفهمت عبارة المصنف: أنه لا يحتاج إلى إذن الحاكم وهو المشهور.
وحكى صاحب (التقريب) وجهًا: أنه لابد من إذن الإمام؛ لأنه من باب الولايات.
وقال الدارمي: إذا وجده ثم أعطاه غيره .. لم يجز حتى يرفعه إلى الحاكم، والمرأة في ذلك كالرجل، ولا يمنع الفقير، وقيل: ينزع من الفقير.
قال: (ولو التقط عبد بغير إذن سيده .. انتزع منه)؛ لأنه ولاية وتبرع وليس من أهلهما.
فَإِنْ عَلِمَهُ فَأَقَرَّهُ عِنْدَهُ أَو الْتَقَطَهُ بِإِذْنِهِ .. فَالسَّيِّدُ الْمُلْتَقِطُ.
وَلَوِ الْتَقَطَ صَبِيٌّ أَوْ فَاسِقٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ أَوْ كَافِرٌ مُسْلِمًا .. انْتُزِعَ.
وَلَوِ ازْدَحَمَ اثْنَانِ عَلَى أَخْذِهِ .. جَعَلَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا،
قال: (فإن علمه فأقره عنده أو التقطه بإذنه .. فالسيد الملتقط) ويكون العبد نائبه في الأخذ والتربية، قال الماوردي: هذا قبل الرفع إلى الحاكم، أما بعده .. فيدفعه إلى من يراه ولا حق للسيد فيه، وسواء في ذلك القن والمدبر ومعلق العتق بصفة وأم الولد.
والمكاتب إذا التقط بغير إذن السيد .. انتزع منه أيضًا، فإن التقط بإذنه .. ففيه الخلاف في تبرعاته بالإذن، لكن المذهب الانتزاع؛ لأن في التقاطه ولاية وليس هو أهلها، فإن قال السيد: التقط لي .. فالسيد هو الملتقط.
والمبعض إذا التقط في نوبته في استحقاقه الكفالة وجهان لم يصحح الرافعي منهما شيئًا، وهو عند عدم المهايأة كالتقاط الرقيق.
قال: (ولو التقط صبي أو فاسق أو محجور عليه أو كافر مسلمًا .. انتزع)؛ لعدم أهليتهم لذلك، وهذا الحكم اتفق عليه الأصحاب، ولم يجروا فيه القولين في انتزاع اللقطة من الفاسق والعبد؛ لأن المقصود هنا الحضانة وهي ولاية لا تثبت لهما، وفي اللقطة معنى الاكتساب وهو لهما.
والمراد بـ (المحجور عليه): السفيه المحجور عليه بالتبذير، فلا تثبت هذه الولاية له وإن كان عدلاً، ولا يشترط في الملتقط الذكورة، بل الحضانة بالإناث أليق، ولا كونه غنيًا؛ إذ ليست النفقة على الملتقط والفقير أهل للحضانة كالغني، وفي (المهذب) وجه: أنه لا يقر في يد الفقير؛ لأنه لا يتفرغ لحضانته لاشتغاله بطلب القوت، والصحيح الأول.
قال: (ولو ازدحم اثنان على أخذه .. جعله الحاكم عند من يراه منهما أو من غيرهما) صورة المسألة قبل الأخذ: إذا قال كل منهما: أنا آخذه وأحضنه؛ لأنه لا حق لهما قبل الأخذ.
فَإِنْ سَبَقَ وَاحِدٌ فَالْتَقَطَهُ .. مُنِعَ الآخَرُ مِنْ مُزَاحَمَتِهِ، وَإِنِ الْتَقَطَاهُ مَعًا وَهُمَا أَهْلٌ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ غَنِيٌّ عَلَى فَقِيرٍ، وَعَدْلٌ عَلَى مَسْتُورِ،
قال: (فإن سبق واحد فالتقطه .. منع الآخر من مزاحمته)؛ عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه .. فهو أحق به) وقد تقدم أن أبا داوود رواه ولم يضعفه.
واحترز بالسبق بالأخذ عما إذا سبق بالوقوف عنده؛ فإن ذلك لا اعتبار به على الأصح.
قال: (وإن التقطاه معًا وهما أهل .. فالأصح: أنه يقدم غني على فقير)؛ لأنه ربما يواسيه بماله، ولأن الفقير قد يشتغل بطلب القوت عن الحضانة.
والثاني: أنهما يستويان ونسبه المتولي للجمهور؛ لأن الفقير أهل كالغني، ولأن نفقة اللقيط لا تجب على ملتقطه بلا فرق بين الغني والفقير.
وفي وجه ثالث: لا يقر بيد فقير وإن انفرد.
وعلى الأصح: لو تفاوتا في الغنى .. فهل يقدم أكثرهما مالاً؟ وجهان: أصحهما في زوائد (الروضة): لا يقدم، وقد يقال: إن الفقير السمح قد يكون أصلح وأشفق عليه من الغني الشحيح.
وينبغي أن يرجع في التقديم إلى اجتهاد القاضي العالم الأمين، فمن رآه منهما أصلح .. قدمه.
وينبغي جريان الخلاف فيما إذا كان أحدهما أحسن خلقًا أو أطيب حرفة والآخر بضد ذلك، ولم يذكروه.
قال: (وعدل على مستور)؛ احتياطًا للصبي.
والثاني: يستويان؛ لأن المستور لا يسلم مزية الآخر ويقول: لا أترك حقي بأن لم تعرفوا حالي.
و (المستور): من لم تثبت عدالته عند الحاكم، ومن علمت حاله بالتزكية فهو
فَإِنِ اسْتَوَيَا .. أُقْرِعَ
العدل باطنًا، أما العدل عند الله فلا يعلمه إلا هو سبحانه، والتفاوت فيها كثير، فمنهم العدل والأعدل، والحر أولى من المكاتب وإن التقط بإذن سيده.
ولو كان أحدهما عبدًا التقط بإذن سيده .. فالاعتبار بالسيد والآخر، ولا تقدم المرأة على الرجل، بخلاف الأم في الحضانة، لأن شفقتها أكمل.
ويتساوى المسلم والذمي في اللقيط المحكوم بكفره، وقيل: يقدم المسلم ليعلمه دينه، وقيل: الذمي؛ لأنه على دينه.
ويقدم البلدي عل القروي سواء وجداه في قرية أو بادية كما سيأتي.
قال: (فإن استويا) أي: في الصفات المعتبرة وتشاحا (.. أقرع)؛ لتعذر الاجتماع على الحضانة، ولأن إخراجه عنهما إبطال لحقهما، وتخصيص أحدهما بلا قرعة عند الأسبق لا سبيل إليه فتعينت القرعة كالزوج يسافر بإحدى زوجاته، وهذا هو الأصح المنصوص وقول الجمهور، واستأنسوا له بقوله تعالى: ﴿إِذ يُلقُونَ أَقْلَامَهُم أَيُّهُم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أي: اقترعت الأحبار على كفالتها بإلقاء أقلامهم.
وقال أبو علي ابن خيران: لا قرعة بينهما ولكن يجتهد الحاكم، فأيهما رآه أصلح للقيط .. وضعه عنده، فإن استويا أو تحير .. أقرع، ونسب هذا الغزالي إلى ابن أبي هريرة ولعلهما توافقا، وهذا كالوجه المتقدم في مقاعد الأسواق والآتي في التزاحم في (الدعوى).
ولا يخير الصبي بينهما وإن كان له سبع سنين فأكثر، بخلاف تخييره بين الأبوين؛ لأن هناك يعول على الميل بسبب الولادة، وقال الإمام: يحتمل أن يخير، ويقدم اختياره على القرعة، لكنه صوره فيما إذا التقطاه ولم يتفق فصل الأمر حتى يلغ سن التمييز.
وإذا خرجت القرعة لأحدهما فترك حقه للآخر .. لم يجبر كما ليس للمنفرد نقل حقه إلى غيره، ولو ترك حقه قبل القرعة .. فوجهان:
وَإِذَا وَجَدَ بَلَدِيٌّ لَقِيطًا بِبَلَدٍ .. فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَادِيَةٍ،
أصحهما: ينفرد به الآخر كالشفيعين.
والثاني: لا، بل يرفع الأمر إلى الحاكم حتى يقره في يد الآخر إن رآه، وله أن يختار أمينًا آخر فيقرع بينه وبين صاحبه، فإن خرج عليه .. ألزمه القيام بحضانته.
ولو خرجت القرعة لأحدهما فترك حقه لصاحبه .. لم يجز كما لو أخذه المنفرد ليس له نقل حقه وتسليم اللقيط إلى غيره.
وقال الماوردي: له ذلك ولا يجبر على إمساكه، ويتسلمه الحاكم منه.
قال: (وإذا وجد بلدي لقيطًا ببلد .. فليس له نقله إلى بادية)؛ لمعنيين:
أصحهما: أن عيش أهل البادية خشن، والغالب قصورهم عن علوم الأديان والصناعات ففيه إضرار باللقيط.
والثاني: أن ظهور نسبه بموضع التقاطه أغلب؛ لأنه يطلب فيه، قال الرافعي:
فلو كان الموضع المنقول إليه من البادية قرييًا من البلد يسهل تحصيل ما يردا منه، فإن راعينا خشونة العيش .. لم يمنع، وإن راعينا النسب فإن كان أهل البلد يختلطون بأهل ذلك الموضع .. فكذلك، وإلا .. منع، ومتى فعل الملتقط ذلك أو قصده .. نزع اللقيط منه.
قال الشيخ: والبادية خلاف الحاضرة، والحاضرة هي المدن والبلاد والقرى والريف، فالريف هي الأرض التي فيها زرع وخصب، والقرية العمارة المجتمعة قليلة كانت أو كثيرة وغلب إطلاقها على القليلة، فإن كبرت سميت بلدًا؛ لحسن الإقامة فيها، فإن عظمت سميت مدينة.
وكما لا يجوز نقله من البلد إلى البادية لا يجوز نقله من البلد إلى القرى، كذا أطلقه الأصحاب، وهو على ما تقدم من تخصيص القرية في العرف بالصغيرة، وإلا .. فهي تشمل الصغيرة والكبيرة، وقد سمى الله تعالى مكة قرية فقال: ﴿عَلَى رَجُلٍ منَ الْقَريَتَينِ عَظِيمٍ﴾ وسماها بلدًا في قوله: ﴿لاَ أُقسِمُ بِهَذَا البَلَدِ﴾ فالقرية أعم والبلد أخص والمدينة أخص، فكل مدينة بلد ولا ينعكس، وكل بلد قرية ولا ينعكس، هذا في
وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ نَقلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَأَنَّ لِلْغَرِيبِ إِذَا الْتَقَطَ بِبَلَدٍ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ بِبَادِيَةٍ .. فَلَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَلَدٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَدَوِيٌّ بِبَلَدٍ .. فَكَالْحَضَرِيِّ،
أصل الوضع، وأما في الإطلاق العرفي .. فعلى ما قدمناه، وعليه ينزل كلام الأصحاب في هذا الباب.
قال: (والأصح: أن له نقله إلى بلد آخر)؛ بناء على العلة الصحيحة؛ لأن معيشة البلاد متقاربة بخلاف معيشة القرى والبوادي، وهذا هو المنصوص.
والثاني: ليس له نقله إلى بلد آخر، وينزع اللقيط منه رعاية لأمر النسب.
قال المتولي: ولا فرق بين سفر النقلة والتجارة والزيارة، ومحل الجواز عند أمن الطريق وتواصل الأخبار، ولم يفرق الأصحاب هنا بين مسافة القصر ودونها، وقطع الماوردي فيما دونها بالجواز، وخص الخلاف بمسافر القصر إذا تواصلت الأخبار.
قال: (وأن للغريب إذا التقط ببلد أن ينقله إلى بلده)؛ لتقارب المعيشة.
والثاني: لا؛ لأجل النسب، وحيث منعناه .. نزعنا اللقيط من يده كما تقدم، والمراد: الغريب الذي اختبرت أمانته، وإلا .. لم يقر في يده قولاً واحدًا.
قال: (وإن وجده) أي: البلدي (ببادية .. فله نقله إلى بلد)؛ لأنه أرفق به، فإن أقام هناك .. أقر في يده لا محالة، فإن كانت البادية مهلكة .. فلابد من نقله بلا خلاف، وإن كان في حلة أو قبيلة في البادية، فإن كان من أهل حلة مقيمين في موضع راتب .. أقر في يده، وإن كان ممن ينتقلون من موضع إلى موضع منتجعين .. ففي منعه وجهان: أصحهما في زوائد (الروضة): لا يمنع.
قال: (وإن وجده بدوي ببلد .. فكالحضري) فإن أراد الإقامة في البلد .. أقر في يده، وإن أراد الخروج إلى البادية .. نزع منه، وإن أراد الخروج إلى بلد آخر .. فعلى الوجهين السابقين في البلدي.
و (البدوي) من سكن البادية، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِكُم مِنَ البَدوِ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: (من بدا .. جفا).
أَوْ بِبَادِيَةٍ .. أُقِرَّ بِيَدِهِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ لِلنُّجْعَةِ .. لَمْ يُقرَّ.
وَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ الْعَامِّ كَوَقْفٍ عَلَى اللُّقَطَاءِ،
و (الحضري): من سكن الحاضرة وقد سبق تفسيرها.
قال: (أو ببادية .. أقر بيده)؛ لأن ذلك كبلدة أو قرية، وقيده الإمام بما إذا تواصلت أخبار الحلتين، فإن لم تتواصل .. فوجهان.
قال: (وقيل: إن كانوا ينتقلون للنجعة .. لم يقر)؛ لأن في ذلك تضييعًا لنسبه، ولم يصحح الرافعي في المسألة شيئًا، وصحح في (الروضة) ما صححه هنا.
و (النجعة) بضم النون وسكون الجيم: طلب الكلا في موضعه، تقول منه: انتجعت، وانتجعت فلانًا إذا أتيته تطلب معروفه.
قال ذو الرمة - واسمه غيلان -[من الوافر]:
رأيت الناس ينتجعون غيثًا .... فقلت لصيدح: انتجعي بلالا
قال: (ونفقته في ماله العام) قال ابن المنذر: أجمعوا على أنها لا تجب على الملتقط، بل هي في ماله كالطفل الذي له أب، قال الشيخ: وليس هو في الحقيقة ماله، بل مال الجهة العامة، وكذا قوله بعد: (فإن لم يعرف له مال) أي: لا عام ولا خاص ففيه تجوز، والمراد: ما يستحق أن يصرف إليه منه وإن لم يكن ملكه.
قال: (كوقف على اللقطاء)؛ فإن الوقف عليهم صحيح بلا خلاف، ويكفي إمكان الجهة وإن لم يتحقق وجود اللقيط، وكذلك الوصية لهم، قال في (الوجيز): وكذلك الهبة لهم، قال الرافعي: لكن الهبة لغير معين مما يستبعد فيجوز تنزيله على ما إذا كان معينًا، أو تنزل الجهة العامة منزلة المسجد حتى يجوز تمليكها بالهبة ويقبلها القاضي، واختاره الشيخ.
أَوِ الْخَاصِّ وَهُوَ: مَا اخْتَصَّ بِهِ كَثِيَابٍ مَلْفُوفَةٍ عَلَيْهِ وَمَفْرُوشَةٍ تَحْتَهُ وَمَا فِي جَيْبِهِ مِنْ دَرَاهِمَ [وَغَيْرِهَا] وَمَهْدِهِ وَدَنَانِيرَ مَنْثُورَةٍ فَوْقَهُ وَتَحْتَهُ.
وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارٍ .. فَهِيَ لَهُ.
وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ
قال: (أو الخاص وهو) كل (ما اختص به كثياب ملفوفة عليه) وكذلك الملبوسة له من باب أولى؛ لأن للصغير يدًا واختصاصًا كالبالغ، فإن الأب إذا مات وترك طفلاً ومالاً .. كان المال في يد الطفل، فيحكم له بملك ما يتصل به من ذلك.
قال: (ومفروشة تحته) وكذلك المغطى بها كاللحاف، ومن المختص به ما وقف عليه بخصوصه، أو وصي له به، أو وهب له وقبله له الحاكم.
قال: (وما في جيبه من دراهم [وغيرها] ومهده ودنانير منثورة فوقه وتحته)؛ لما قلناه من أن له يدًا كالبالغ، وكذلك المشدودة عليه وعلى ثوبه، وفي المنثورة تحت فراشه وجه في (الحاوي)، وكذلك يقضى له بالدابة التي عنانها بيده أو مشدودًا في وسطه أو راكبها.
قال: (وإن وجد في دار .. فهي له)؛ لليد، لأنها تقصد للإيواء والسكنى، وكذلك الخيمة والحانوت، وفي البستان وجهان طردهما صاحب (المستظهري) في الضيعة، قال المصنف: وهو بعيد، وينبغي القطع بأنها لا تكون له.
هذا إذا لم يكن فيها غيره، فإن كان .. فهل يكون بينهما أو لا يكون للقيط فيها ملك؟ فيه نظر، وإذا قلنا بالشركة وكان فيها جماعة فهل يكون له النصف ولغيره النصف أو تكون بينهم على عدد الرؤوس؟ فيه أيضًا نظر واحتمال.
قال: (وليس له مال مدفون تحته) قال في (الكافي): بلا خلاف، ولأن الكبير لو كان جالسًا على أرض تحتها دفين .. لم يحكم بأنه له، ولأنه لا يقصد بالدفن الضم إلى الطفل، ثم ينظر: فإن كان عليه ضرب الإسلام .. فهو لقطة، وإلا .. فهو ركاز
وَكَذَا ثِيَابٌ وَأَمْتِعَةٌ مَوْضُوعَةٌ بِقُرْبِهِ فِي الأَصَحِّ
يملكه واجده ويخمسه، فلو كان معه أو في الدفين رقعة مكتوب فيها: أنه له .. فوجهان: أصحهما عند الغزالي: أنه له بقرينة المكتوب، والموافق لكلام الأكثرين: أنه لا أثر لذلك، وهو الأصح.
قال الإمام: ليت شعري! ما يقول الأول لو دلت على دفين بعيد؟
قال المصنف: مقتضاه: أنه يجعله للقيط؛ فإن الاعتماد إنما هو على الرقعة لا على كونه تحته.
نعم؛ لو كان الدفين في يد غيره .. فلا يعول على الرقعة قطعًا.
قال: (وكذا ثياب وأمتعة موضوعة بقربه في الأصح) كما لو كانت بعيدة.
والثاني - وهو قول ابن أبي هريرة -: أنها تجعل له؛ لأن مثل هذا يثبت له اليد والاختصاص، ألا ترى أن الأمتعة الموضوعة في السوق بقرب الشخص تجعل له.
واحترز بـ (القريبة) عن البعيدة عنه؛ فإن البالغ لا يضاف إليه البعيد منه فاللقيط أولى، ولم يتعرض الأصحاب لضابط القرب والبعد، قال الشيخ: والظاهر: أن المعتبر في ذلك العرف.
تنبيه:
قال المصنف في (نكته): محل الخلاف في كون الأمتعة القريبة والدفين ليس له إذا لم يحكم بكون الأرض له كمسجد أو طريق أو صحراء، فإن كان فيما يحكم له به كدار ونحوها .. فإطلاق الأصحاب في (باب الركاز) أنه لصاحب الأرض يقتضي: أنه يكون للقيط، وبه صرح الدارمي، وأشار إليه صاحب (التقريب) وغيره.
فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ .. فَالأظْهَرُ: أَنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ،
فرع:
الدابة التي ترعى بالقرب منه في كونها له وجهان حكاهما سليم في (المجرد)، وصحح: أنها له، والمعروف: أنها ليست له، ولم يحك الإمام خلافًا في أن المسيبة لا تكون له، وكذلك المربوطة بالبعد عنه، ولو كانت مشدودة باللقيط وعليها راكب .. فهي بينهما عند ابن كج، وأقره عليه الشيخان، وضعفه في (المهمات) بأن اللقيط في هذه الحالة غايته أن يكون كرجل عاقل قائد لدابة وعليها راكب، وصحح الشيخان في (باب الصلح): أن اليد فيها للراكب.
اهـ
والذي قاله ابن كج ظاهر منقاس؛ لأن الراكب إذا كان ضعيفًا أو صغيرًا .. يحكم بأنها لهما لعدم أولوية أحدهما، وإن كان كبيراً بالغًا .. فلا؛ لأنه لو كانت الدابة له .. لنزعها من اللقيط، فغايته أن للكبير يدًا فعلية وللقيط يدًا حكمية فتعادلا، والذي استشهد به في (المهمات) محله في البالغين العاقلين المستقلين.
قال: (فإن لم يعرف له مال) أي: لا بالخصوص ولا بالعموم (.. فالأظهر: أنه ينفق عليه من بيت المال)؛ لأن الكبير العاجز ينفق عليه من بيت المال فهذا أولى، ويكون من سهم المصالح وهو خمس الخمس، واستدل له الرافعي بأن عمر استشار الصحابة في نفق اللقيط فقالوا: (من بيت المال)، ومقتضى كلام ابن المنذر: أن هذا قول عامة أهل العلم.
والذي رواه مالك والشافعي والبيهقي: أن رجلاً من سليم - يقال له: سفيان أبو جميلة - وجد منبوذًا في زمن عمر فجيء به إليه، فلما رآه .. قال: عسى الغوير أبؤسًا، ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأخذتها، فقال عريفي: إنه رجل صالح، قال: فاذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته.
والقول الثاني: لا ينفق عليه من مال بيت المال؛ لأن مال بيت المال يصرف إلى ما لا وجه له سواه، واللقيط يجوز أن يكون رقيقًا فنفقته على سيده، أو حرًا له مال أو قريب فنفقته في ماله أو على قريبه.
فعلى هذا: يستقرض الإمام لنفقته من بيت المال أو من واحد من الناس، فإن لم يكن في بيت المال شيء ولم يقرض أحد من الناس .. جمع الإمام أهل الثروة من البلد وقسط عليهم نفقته، ويجعل نفسه منهم إن كان موسرًا، ثم إن بان رقيقًا .. رجعوا على سيده عليه، وإن بان حرًا وله مال أو قريب .. فالرجوع عليه، وإن بان حرًا لا قريب له ولا مال ولا كسب .. قضى الإمام حقهم من سهم الفقراء والمساكين أو الغارمين كما يراه، كذا قاله الرافعي تبعًا للماوردي والروياني، وقال في زوائد (الروضة): اعتبار القريب غريب قل من ذكره، وهو ضعيف؛ فإن نفقة القريب تقسط بمضي الزمان.
اهـ
واعترض عليه بأن نفقة القريب بالاستقراض لا تسقط بذلك كما سيأتي في بابه.
وحيث قلنا: تسقط النفقة على الأغنياء .. فذلك عند إمكان الاستيعاب، فإن كثروا وتعذر التوزيع عليهم .. قال الإمام: يضربها السلطان على من يراه منهم يجتهد فيه، فإن استووا في نظره .. تخير.
كل هذا في اللقيط المحكوم بإسلامه، وكذا في المحكوم بكفره على الأصح عند الرافعي والمصنف، والأصح في (الكفاية): المنع، ونقله القاضي حسين عن النص؛ لأن مال بيت المال معد لمصالح المسلمين، والصحيح: الأول؛ إذ لا وجه لتضييعه، وعلى الثاني: يجمع الإمام أهل الذمة ويقسط نفقته عليهم دينًا عليه.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ .. قَامَ الْمُسْلِمُونَ بِكِفَايَتِهِ قَرْضًا، وَفِي قَوْلٍ: نَفَقَةً.
وَلِلْمُلْتَقِطِ الاِسْتِقْلاَلُ بِحِفْظِ مَالِهِ فِي الأَصَحِّ،
قال: (فإن لم يكن) أي: في بيت المال شيء، أو كان ما هو أهم منه (.. قام المسلمون بكفايته)؛ إذ لا يحل تضييعه، وهذا أمر واجب عليهم بالاتفاق، فإذا قام به بعضهم .. حصل الغرض واندفع الحرج عن الباقين، وإن امتنعوا .. أثموا كلهم، وطالبهم الإمام، فإن أصروا .. قاتلهم، وهذا تفريع على القول الأظهر.
قال: (قرضًا، وفي قول: نفقة) يعني: إذا ألزمنا المسلمين كفايته .. فالأظهر المنصوص - وهو قول الأكثرين -: أن طريقه طريق القرض حتى يثبت الرجوع، كما يبذل الطعام للمضطر بالعوض؛ لأنه قد يكون رقيقًا أو حرًا وله مال أو قريب.
والثاني - وهو قول الصيدلاني -: أن طريقه طريق النفقة؛ لأنه محتاج عاجز فأشبه المجنون والفقير والزمن.
قال الرافعي: ولم يتعرض الأصحاب لطرد الخلاف في أنه إنفاق أو اقتراض إذا كان في بيت المال مال وقلنا: نفقته منه، والقياس طرده، قال المصنف: ظاهر كلامهم: أنه إنفاق فلا رجوع لبيت المال قطعًا، قال الشيخ: وهذا هو المختار.
قالا: وحيث قلنا: يقسطها الإمام على الأغنياء فذاك عند إمكان استيعابهم، فإن كثروا وتعذر التوزيع عليهم .. قال الإمام: يضربها السلطان على من يراه منهم باجتهاده، فإن استووا في اجتهاده .. تخير، والمراد: أغنياء تلك البلدة أو القرية.
وقوله: (قرضًا) منصوب على نزع الخافض؛ أي: على جهة القرض.
قال: (وللملتقط الاستقلال بحفظ ماله في الأصح)؛ لأنه يستقل بحفظ المالك، وهو أولى به من القاضي فكان أولى بحفظ ماله.
والثاني: ليس له ذلك، بل يحتاج إلى إذن القاضي؛ لأن إثبات اليد على المال يحتاج إلى ولاية عامة أو خاصة، ولا ولاية للملتقط.
وَلاَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ إِلاَّ بِإِذْنِ الْقَاضِي قَطْعًا
والظاهر: تخصيص الخلاف بالعدل الذي يجوز إيداع مال اليتيم عنده لا في كل ملتقط.
والأصح: أنه إذا ظهر منازع للمنبوذ في المال المخصوص به .. لم يكن للملتقط مخاصمته.
قال: (ولا ينفق عليه منه إلا بإذن القاضي)؛ لأن ولاية المال لا تثبت لقريب غير الأب والجد، فالأجنبي أولى، فإن أنفق بغير إذن .. ضمن.
قال: (قطعًا) ليس قطعًا، بل في المسألة قولان شهيران حكاهما القفال والشيخ أبو محمد في (السلسلة) في (كتاب الدعوى) في الكلام على مسألة الظفر، والرافعي ذكر الخلاف أيضًا هناك، ولم يذكر في (المحرر) ولا في (الروضة) لفظ (قطعًا)، ومحله: إذا أمكنت مراجعته، وإلا .. أنفق بنفسه، وفي قول: يدفع إلى أمين لينفق، لكن يشترط الإشهاد، فإن تركه .. ضمن في الأصح.
تتمة:
قال المتولي وغيره: إذا جوزنا أن يأذن له في الإنفاق فأنفق، ثم بلغ اللقيط واختلفنا .. فالقول قول الملتقط إذا كنا ما يدعيه قدرًا لائقًا بالحال، قال الرافعي: وقد سبق في هرب الجمال وجه: أن القول قول الجمال، والقياس طرده هنا، وإن ادعى زيادة على اللائق .. فهو مقر بتفريطه فيضمن، ولا معنى للتحليف.
قال الإمام: لكن لو وقع النزاع في عين فزعم الملتقط أنه أنفقها .. فيصدق لتنقطع المطالبة بالعين، ثم يضمن كالغاصب إذا ادعى التلف.
هذا كله إذا أمكن مراجعة القاضي، فإن لم يكن هناك قاض فهل ينفق من مال اللقيط عليه بنفسه أم يدفع إلى أمين ينفق عليه؟ قولان: أظهرهما: الأول.
فعلى هذا: إن أشهد .. لم يضمن على الصحيح؛ وإلا .. ضمن على الأصح.
فَصْلٌ:
إِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَفِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ، أَوْ بِدَارٍ فَتَحُوهَا وَأَقَرُّوهَا بِيَدِ كُفَارٍ صُلْحاً أَوْ بَعْدَ مِلْكِهَا بِجِزْيَةٍ وَفِيهَا مُسْلِمٌ .. حُكِمَ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ.
وَإِنْ وُجِدَ بِدَارِ كُفَارٍ.
فَكَافِرٌ إِنْ لمَ يَسْكُنْهَا مُسْلِمٌ، وَإِنْ سَكَنَهَا مُسْلِمٌ كَأَسِيرٍ وَتَاجِرٍ .. فَمُسْلِمٌ فِي الأَصَحِّ
قال: (
فصل
:
إذا وجد لقيط بدار الإسلام وفيها أهل ذمة، أو بدار فتحوها وأقروها بيد كفار صلحًا أو بعد ملكها بجزية وفيها مسلم) أي: يمكن أن يولد له ذلك اللقيط (.. حكم بإسلام اللقيط)؛ تغليبًا للدار، ولإمكان كونه من مسلم، فإن كان المسلمون بها أكثر .. فالظاهر: أنه مسلم، وإن لم يكن إلا مسلم واحد .. فلا يمكن دعوى الظهور ولكن الاحتمال، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، كذا رواه أحمد، فلذلك يحكم بكونه مسلمًا، لا سيما والدار دار إسلام، وقد أطلق الرافعي دار الإسلام على الثلاثة التي ذكرها المصنف.
واحترز بقوله في الثالثة: (وفيها مسلم) عن دار كان فيها مسلمون سكنوها ثم ارتحلوا عنها وغلب عليها المشركون، وليس فيها الآن من يعرف بالإسلام، أو كان فيها مسلم لا يمكن أن يكون منه .. فالمنبوذ بها كافر في الأصح.
وقال الشيخ أبو إسحاق المروزي: إنه مسلم؛ لأن الدار دار إسلام، واختاره الشيخ.
قال: (وإن وجد بدار كفار .. فكافر إن لم يسكنها مسلم)؛ لأن الإسلام إنما يعلو إذا احتمل، ولا احتمال هنا، وقال الفوراني: إذا اجتاز بها مسلم .. فهو مسلم، وإن قال: ليس هذا مني .. قُبل في نفي نسبه عنه، ولا يقبل في ترك الإسلام.
قال: (وإن سكنها مسلم كأسير وتاجر .. فمسلم في الأصح)؛ تغليبًا للإسلام.
وَمَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ فَأَقَامَ ذِمِّيٌّ بَيِّنَة بِنَسَبِهِ .. لَحِقَهُ وَتَبِعَهُ فِي الْكُفْرِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْدَّعْوَى .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ فِي الْكُفْرِ،
والثاني: كافر؛ تبعًا للدار.
قال الإمام: ويشبه أن الخلاف في قوم ينتشرون في البلد، أما الذين في المطامير .. فيتجه أن لا أثر لهم كما لا أثر للمجتازين، فعلى الأول: لابد أن يكون ممن يمكن أن يولد له كما سبق، وإلا .. فلا، ولو قال ذلك المسلم: ليس هذا الولد مني .. قبل قوله في نفي نسبه عنه دون إسلامه.
ثم المحكوم بإسلامه بالدار إذا بلغ ووصف الكفر .. فهو كافر أصلي، وقيل: قولان كتابع أبيه وسابيه.
والثاني: مرتد.
وحيث حكمنا بكفر اللقيط فكان أهل البلد أصحاب ملل مختلفة .. قال الرافعي: القياس: أن يجعل من خيرهم دينًا، وقال في (المطلب): ينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا اختلف دين أبويه هل يتبع أشرفهما دينًا أو لا؟
وذكر شارح (التعجيز) عن جده: أن اللقيط إذا وجد ببرية .. يكون مسلمًا ترجيحًا للإسلام، وهذا ظاهر إذا كانت يدارنا، فإن كانت بحيث لا يطرقها مسلم .. فلا.
قال: (ومن حكم بإسلامه بالدار فأقام ذمي بينة بنسبه .. لحقه)؛ لأنه كالمسلم في لحوق النسب.
قال: (وتبعه في الكفر) ويرتفع ما ظنناه من إسلامه؛ لأن الدار حكم باليد والبينة أقوى من اليد المجردة، والغالب في ولد الكافر أن يكون كافرًا.
قال: (وإن اقتصر على الدعوى) أي: استلحقه من غير بينة (.. فالمذهب: أنه لا يتبعه في الكفر) بل يثبت نسبه اتفاقًا، ولا يلزم منه الكفر؛ لجواز كونه من
وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْصَّبِيِّ بِجِهَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لاَ تُفْرَضَانِ فِي لَقِيطٍ: إِحْدَاهُمَا: الْوِلَادَةُ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا وَقْتَ الْعُلُوقِ .. فَهُوَ مُسْلِمٌ، فَإِنَ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا .. فَمُرْتَدٌ.
وَلَوْ عَلِقَ بَيْنَ كَافِرِيْنَ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا .. حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، ......
مسلمة، هذه أصح الطرق عند الأكثرين، وقيل: قولان: ثانيهما يتبعه في الكفر تبعًا لنسبه كما لو أقام به بينة، وخص الماوردي الخلاف بما إذا استلحقه قبل أن تصدر من اللقيط صلاة أو صوم، وإلا .. لم يتبعه قطعًا.
قال: (ويحكم بإسلام الصبي بجهتين أخريين لا تفرضان في لقيط) وإنما ذكرا في (باب اللقيط) استطرادًا.
قال: (إحداهما: الولادة، فإذا كان أحد أبويه مسلمًا وقت العلوق .. فهو مسلم)؛ لأنه جزء من مسلم بالإجماع، وكذا إذا كانت الأم مسلمة؛ لأن الولد خلق منهما جميعًا، وسيأتي الحكم في ولد المرتدين في بابه.
قال: (فإن بلغ ووصف كفرًا .. فمرتد) وهذا لا خلاف فيه أيضًا؛ لأنه كان مسلمًا ظاهرًا وباطنًا، وهذه التبعية أقوى التبعيات.
قال: (ولو علق بين كافرين ثم أسلم أحدهما .. حكم بإسلامه) سواء أسلم قبل الوضع أو بعده، طفلاً كان أو مميزًا، فيحكم بإسلامه في الحال حتى يتعلق القصاص والدِّية بقتله، ويرث من قريبه المسلم ويرثه لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتهُم ذُريَّتُهُم بِإِيمَانٍ).
وقوله: صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه) فجعل موجب كفره كفرهما جميعًا.
وقال مالك: لا يتبع الأم إذا أسلمت إلا أن يكون من زنا، أو يكون جنينًا في بطنها.
وحكي الشيخ نجم الدين الخبشاني في (شرح الوسيط) عن بعض العلماء: أنه يتبع الأم ولا يتبع الأب، ونقله ابن حزم أيضًا عن بعض المدنيين، وقال في (كتاب الجهاد): إن ولد الحربية والذمية من زنا أو إكراهٍ مسلمٌ ولابد؛ لأنه ولد في الإسلام وليس له أبوان يخرجانه منه، ولم يذكر في ذلك خلاف عن أحد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فرع:
في معنى الأبوين الأجداد والجدات، سواء كانوا وارثين أم لم يكونوا، فإذا طرأ إسلام الجد .. تبعه الطفل إذا لم يكن الأب حيًا، فإن كان حيًا فوجهان:
أحدهما: لا يتبعه في الإسلام؛ لأن الجد لا ولاية له في حياة الأب، والجدة لا حضانة لها في حياة الأم، وإلى هذا ذهب القاضي حسين وجماعة.
قال الرافعي: وأقربهما: التبعية؛ لأن سببها القرابة وهي لا تختلف بحياة الأب وموته كسقوط القصاص وحد القذف.
ولو أسلم الجد للأم والأب حي .. اطرد الوجهان، وفي (الروضة): موضع قول الرافعي: (أقربهما التبعية) الأصح.
وحكى الماوردي في تبعية الولد لجده أو جدته ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كان الأب أو الأم موجودًا .. لم يتبع، وإلا .. يتبع.
وقال الرافعي في (كتاب السير): إذا أسلم الجد أو الجدة .. هل يصون صغار أحفاده؟ وجهان: أظهرهما: نعم، قال الروياني: إن محلهما إذا كان أبوه حيًا، فإن كان ميتًا .. صانهم وجهًا واحدًا.
ووجه ابن أبي هريرة منع التبعية بأن إسلام الجد لو كان إسلامًا له .. لوجب أن يحكم بإسلام جميع الأطفال بإسلام جدهم آدم عليه السلام.
وأجاب ابن الرفعة بأن كلامنا في إسلام جد بعد وجود ولد الولد، وآدم عليه السلام كان موجودًا قبل وجود ذريته فلا يلزم ما ذكر.
وجوابه: أن من أتبع ولد ولد لجده إذا أسلم قال: إذا كان الجد مسلمًا انعقد بعد إسلامه له ولد ولد .. انعقد على الإسلام كما صرح به القاضي حسين في (باب دعوى الأعاجم)، ورجح ابن الرفعة قول القاضي حسين، واختاره الشيخ، وبه جزم الحليمي، وأفتى به قاضي القضاة تقي الدين بن رزين، وقال: إنه الحق، وإن كلام الرافعي خارج عن المذهب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كل هذا في ولد موجود قبل إسلام الجد، وكذا فيما انعقد بعد إسلامه كما تقدم عن القاضي حسين، أما إذا مات الجد والأب حي ثم حدث له بعد ذلك ولد .. قال الشيخ: لم يتعرض له الرافعي ولا غيره فيما وقفت عليه إلى الآن لهذه المسألة، ويحتمل أن يقال: لا يستتبع؛ لأن الاستتباع يليق بالحي لا بالميت.
وعلى هذا: لا يرد الاستدلال بآدم عليه السلام، ويحتمل أن يقال: يستتبع، وعلى هذا يرد، ويجاب عنه بأن الكلام في جد يعرف النسب إليه بحيث يحصل بينهما التوارث، قال: والأمر مشكل من الطرفين إن قيل بالاستتباع .. فقد يصر الولد على الامتناع والقتل صعب، وإن قيل بعدم الاستتباع .. فتمكين من يحتمل إسلامه من الكفر أصعب.
اهـ.
لكن عبارة (الحاوي الصغير) صريحة في التبعية بذلك، وبها أفتى عامة مشايخ العصر، ونقل في (المحلى) عن الأوزاعي: أن عم الصغير إذا أسلم .. يكون مسلمًا.
فائدة:
من مات وهو صغير على أقسام:
أولاد الأنبياء في الجنة بالإجماع.
وأولاد غيرهم كذلك على المشهور، وقيل بالوقف، وأولاد المشركين فيهم هذا القولان.
وقيل: على الأعراف، وقيل: يمتحنون في الآخرة، وقيل: في النار.
واستدل لكونهم في الجنة - وهو الصحيح - بقوله صلى الله عليه وسلم في (الصحيح): (وأولاد المشركين).
وقال أحمد: إذا مات الذمي وزوجته حامل .. حكم بإسلام الجنين، وأجراه
فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا .. فَمُرْتَدٌ، وَفِي قَوْلٍ: كَافِرٌ أَصْلِيٌّ
بعض أصحابه فيما إذا مات وهو صغير بعد انفصاله، والجمهور على أنه كافر؛ لأنه ثبتت له التبعية بالعلوق.
قال: (فإن بلغ ووصف كفرًا .. فمرتد)؛ لسبق الحكم بإسلامه، فأشبه من أسلم بنفسه ثم ارتد.
قال: (وفي قول: كافر أصلي)؛ لأنه كان محكومًا بكفره أولاً، وأزيل ذلك بطريق التبعية، فإذا استقل .. انقطعت ووجب أن يعتبر بنفسه، فإن حكمنا بكونه مرتدًا .. لم ينقض شيئًا مما أمضيناه من أحكام الإسلام، وعلى مقابله: ينقضها على الأصح ويستدرك ما يمكن استدراكه، حتى يرد ما أخذ من تركة قريبه المسلم، ويأخذ من تركة قريبه الكافر ما حرمناه منه، ونحكم بأن عتقه عن الكفارة لم يقع مجزئًا.
كل هذا إذا لم يصف الإسلام بعد بلوغه، فإن وصفه .. فمرتد قطعًا.
ومن فوائدهما كما ذكره الرافعي في (الظهار): وجوب التلفظ بالإسلام بعد البلوغ على الثاني دون الأول، ولذلك قال في (كتاب التوبة) من (الإحياء): إن المسلم تبعًا لأبويه لا يغني عنه إسلامهما شيئًا ما لم يسلم بنفسه، ونص عليه الحليمي أيضًا، وإذا جعلناه كافرًا أصليًا .. ألحقناه بدار الحرب.
ويتفرع على القولين: تجهيزه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين إذا مات قبل البلوغ وبعد الإفصاح، ورأى الإمام أن يتساهل في ذلك وتقام فيه شعائر الإسلام، قال في (الروضة): وهو المختار أو الصواب؛ لأن هذه الأمور مبنية على الظواهر، وظاهره الإسلام، وهو كما قال.
فرع:
المحكوم بكفره إذا بلغ مجنونًا .. حكمه حكم الصغير، حتى إذا أسلم أحد أصوله .. تبعه؛ لأنه بالجنون عاد إلى حكم الطفولية، ولهذا تعود ولاية الأب عليه في ماله ونكاحه، وإذا بلغ عاقلاً ثم جن .. فكذلك على الأصح.
الْثَانِيَةُ: إِذَا سَبَى مُسْلِمٌ طِفْلاً .. تَبعَ الْسَّابِيَ فِي الإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ،
قال: (الثانية: إذا سبى مسلم طفلاً .. تبع السابي في الإسلام إن لم يكن معه أحد أبويه)؛ لأنه صار تحت ولايته وليس معه من هو أقرب إليه فتبعه كما تبع الأبوين.
قال الإمام: وكأن السبي لما أبطل حريته .. قلبه قلبًا كليًا فعدم ما كان، واستفتح له وجود تحت يد السابي وولاية، فأشبه تولده من الأبوين المسلمين، والمجنون في ذلك كالطفل.
وحكى جماعة من الأصحاب وجهًا: أن المسبي باق على كفره لا يتبع السابي، وفي (المهذب) و (الحاوي): أنه ظاهر المذهب، ونبه في (الروضة) على ضعفه وشذوذه؛ لئلا يغتر به، وأن الصواب المقطوع به في كتب المذهب: الجزم بإسلامه.
وقال ابن حزم: من سُبي من صغار أهل الحرب سواء سبي مع أبويه أو مع أحدهما أو دونهما .. فهو مسلم، قال: وهو قول الأوزاعي والثوري والمزني.
ثم لا فرق بين أن يكون السابي بالغًا أو طفلاً عاقلاً أو مجنونًا فلذلك أطلقه المصنف.
وإذا قلنا: إنه محكوم بإسلامه فهل هو ظاهرًا وباطنًا كما في الحكم بإسلامه تبعًا لأحد أبويه، أو ظاهرًا فقط؟ وجهان حكاهما الماوردي في (كتاب السير)، وقال: ظاهر المذهب: الأول، ويظهر أثرهما فيما إذا وصف الكفر بعد البلوغ، أما إذا كان معه أبواه أو أحدهما .. فإنه لا يتبع السابي قطعًا، وأسقطه المصنف اكتفاء بالمفهوم، وصرح به في (المحرر)، قال الشيخ: ولا يعرف فيه خلافًا في المذهب إلا ما نقله ابن حزم عن المزني.
قال في زوائد (الروضة): وقول الأصحاب: (معه أحد أبويه) يحتمل أن يكون ذلك مثالاً، والمراد: أحد أصوله، أو على حقيقته ويجري في الأجداد والجدات الخلاف.
وَلَوْ سَبَاهُ ذِمِّيٌّ .. لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ فيِ الْأَصَحِّ
والمراد بالمعية: أن يكونا في جيش واحد وغنيمة واحدة، لا كونهما في ملك واحد، فإن كانا في عسكرين .. تبع السابي، ولو سبي معهما ثم ماتا .. لم يحكم بإسلامه؛ لأن التبعية محلها ابتداء السبي، وإذا دخل دار الإسلام مع أبويه أو أحدهما ثم انفرد .. لم يحكم بإسلامه.
قال: (ولو سباه ذمي) أي: وحمله إلى دار الإسلام (.. لم يحكم بإسلامه في الأصح)؛ لأن أولاده كفرة، ودار الإسلام لم تؤثر فيهم فأولاد غيره إذا سباهم أولى.
والثاني: يحكم بإسلامه؛ لأنه إذا سباه .. صار من أهل دار الإسلام، والذمي من أهلها فيحكم بإسلامه تبعًا للدار، ولصاحب هذا الوجه أن يجيب عن حجة الوجه الأول بأن دار الإسلام لم تؤثر في أولاد الكافر؛ لأن تبعية النسب أقوى وقد عارضتها وفي المسبي الدار منفردة.
واستشكل الشيخ صورة المسألة، ثم صورها بما إذا سرقه ذمي وقلنا: المسروق لا يخمس به السارق وهو منفرد به، أما إذا قلنا: لا يختص به .. فيكون للمسلمين فيه شيء ويده نائبة عنهم فيه، فيقوى فيه القول بكونه مسلمًا؛ لأن الحق عليه للمسلمين.
فروع:
إذا أسلم الذمي السابي له هل يصير مسلمًا؟ قل من تعرض له، قال الشيخ: ينبغي أن يكون مسلمًا؛ لأن له عليه ولاية وكفالة وملكًا.
وموضع الخلاف إذا سباه في جيش المسلمين، فأما إذا سباه الذمي وحده .. فهو على دين سابيه قطعًا، صرح به الماوردي في (كتاب السير)، وحاوله ابن الرفعة تفقهًا.
وَلاَ يَصِحُّ إِسْلَامُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ اسْتِقْلَالاً عَلَى الصَّحِيحِ
ولو سباه مسلم وذمي .. حكم بإسلامه تبعًا للمسلم تغليبًا للإسلام، قال القاضي حسين.
وإذا اشترى كافر عبدًا صغيرًا ثم أسلم السيد هل يحكم بإسلام الطفل؟ خرجه البغوي في (فتاويه) على الوجهين، قال: ويحتمل أن يرتب فيقال: إن لم يحكم بإسلامه في السبي .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان، وكذلك الحكم لو سباه حربي وأسلم فيه الوجهان.
ومن سباه ذمي وحكمنا بعدم إسلامه على الأصح ثم سبي أبواه ثم أسلما .. لم يصر مسلمًا بإسلامهما؛ لأن كفره لم يكن من قبلهما فيزول بزوالهما عنه، قاله الحليمي.
وهذه مسألة حسنة يقال فيها: طفل محكوم بكفره أسلم أبواه فلم يتبعهما في الإسلام، قال الشيخ: وعلى مقتضاها: لو لم يسبيا ولكنهما أسلما إما في دار الحرب وإما خرجا منها بأنفسهما ثم أسلما .. فإنه لا يتبعهما في الإسلام؛ لانفراده عنهما قبل ذلك وإبقائه على الكفر.
وإذا باع الذمي المسبي المنفرد بنفسه من مسلم .. لم نحكم بإسلامه أيضًا على الأصح؛ لأن ملك المسلم طرأ وهو رقيق، ومهما حكمنا بإسلامه تبعًا للسابي فبلغ وأعرب بالكفر .. فحكمه حكم من حكم بإسلامه تبعًا لأبويه.
قال: (ولا يصح إسلام صبي مميز استقلالاً على الصحيح)؛ لأنه غير مكلف فأشبه المجنون وغير المميز ولا يصح إسلامهما اتفاقًا، ولأن نطقه بالشهادتين إما خبر وإما إنشاء، فإن كان خبرًا .. فخبره غير مقبول، وإن كان إنشاء .. فهو كعقوده وهي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
باطلة، وأيضًا نطقه إما إقرار أو شهادة وليس من أهلهما، ولأن إسلامه التزام؛ لأن معناه: انقدت لله تعالى وألزمت نفسي أحكامًا، فهو كالضمان والتزام الصبي لا يصح، وهذا هو المشهور المنصوص قديمًا وجديدًا.
والثاني: يصح إسلامه استقلالاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليًا إلى الإسلام قبل بلوغه فأجاب، ولا يلزم من كونه غير مكلف أن لا يصح كالصلاة والصوم وسائر العبادات، وقد قال الإمام: إنه ضعيف نقلاً قوي توجيهًا، قال: وقد صححوا إحرامه، والفرق بينه وبين الإسلام عسر، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وبه قال الإصطخري وابن أبي هريرة، وحكم به الشيخ زين الدين ابن الكتناني أيام نيابته القضاء، وكذلك قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، واختاره الشيخ أولاً ثم رجع عنه واختار رأي الجمهور.
وأجابوا عن قياسه على العبادات بأنها تقع منه نفلاً والإسلام لا يتنفل به، وعن إسلام علي بأنه كان ابن خمسة عشرة سنة، وهو بعيد لقوله (من الوافر):
سبقتهمُ إلى الإسلام طرًّا .... صغيرًا ما بلغت أوان حلمي
لكن هذا الشعر لم يصح عنه.
والجواب الصحيح: ما نقله البيهقي في (المعرفة): أن الأحكام إنما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة في عام الخندق، أما قبل ذلك .. فكانت منوطة بالتمييز.
كل هذا في أحكام الدنيا، أما ما يتعلق بالآخرة .. فقال الأستاذ أبو إسحاق: إذا أضمر الإسلام كما أظهره .. كان من الفائزين بالجنة وإن لم تتعلق بإسلامه أحكام
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدنيا، قال الرافعي: ويعبر عن هذا بأن إسلامه صحيح باطنًا وظاهرًا، واستشكله الإمام؛ لأن من نحكم له بالفوز لإسلامه كيف لا نحكم بإسلامه؟ ثم قال: وقد يجاب عنه بأنا قد نحكم بالفوز في الآخرة وإن لم نحكم بالإسلام في الدنيا كمن لم تبلغه الدعوة، واعترض ابن الرفعة على الرافعي بأن قول الإمام: (من لم يحكم له بالفوز لإسلامه) يخرج عن هذه الصورة وهو اعتراض حسن.
وتعبير المصنف بـ (الصحيح) يقتضي ضعف الخلاف، وهو قوي كما تقرر فكان ينبغي التعبير بالأصح.
تتمة:
إذا فرعنا على الصحيح .. حيل بينه وبين أبويه وأهله الكفار؛ لئلا يفتنوه، فإن بلغ ووصف الكفر .. هدد وطولب بالإسلام، فإن أصر .. رد إليهم، وهذه الحيلولة مستحبة على الأشبه عند المتولي والرافعي، وواجبة عند الغزالي والشيخ، فليتلطف بأبويه ليؤخذ منهما، فإن أبيا .. فلا حيلولة على الأول.
وفي كلام الرافعي في (باب الحضانة) ما يقتضي أن الحيلولة واجبة، ونقل الإمام في (باب الهدنة) إجماع الأصحاب عليه، ويجري هذا فيما لو كان رقيقًا لذمي وأسلم، لكن جزم الإصطخري في (أدب القضاء) بأنه يباع عليه كالبالغ، وإذا قلنا بصحة إسلام المميز .. ورثناه من قريبه المسلم، وحكمنا له بسائر أحكام الإسلام.
وعلى هذا: لو ارتد .. قال الرافعي: صحت ردته لكن لا يقتل حتى يبلغ، فإن تاب وإلا .. قتل، وقال المصنف: الحكم بصحة ردته - قال الرافعي -: بعيد بل غلط.
قال الشيخ: وفي التغليط نظر؛ لأن الحكم ببطلانها يقتضي توريثه من قريبه المسلم وهو بعيد، فقياس الحكم بإسلامه الحكم بردته لكنه لا يقتل قبل البلوغ.
فَصْلٌ: إِذَا لَمْ يُقِرَّ اللَّقِيطُ بِرِقٍّ .. فَهُوَ حُرٌّ إِلاَّ أَنْ يُقِيمَ أَحْدٌ بَيِّنَهً بِرِقِّهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِشَخْصٍ فَصَدَّقَهُ .. قُبِلَ إِنْ لَمْ يَسْبِقْ إِقْرَارُهُ بِحُرِّيَّةٍ قال: (
فصل
:
إذا لم يقر اللقيط برق .. فهو حر)؛ لقول عمر: (هو حر) وعلينا نفقته وحكى ابن المنذر على ذلك الإجماع، ولأن الرق في الآدميين خلاف الأصل؛ لأنهم خلقوا ليسخِّروا لا ليسخَّروا، ولأن غالب الناس أحرار فيعمل بذلك؛ لأنه الأصل والغالب، لكن الشافعي قال في (المختصر): لو قذفه قاذف .. لم أحده حتى أسأله، فإن قال: أنا حر .. حددت قاذفه، فتستثنى هذه الصورة من إطلاق المصنف.
قال: (إلا أن يقيم أحد بينة برقه) فيعمل بها كما سيأتي.
قال: (وإن أقر به لشخص فصدقه .. قبل إن لم يسبق إقراره بحرية) كسائر الأقارير.
وفي قول: لا يقبل؛ للحكم بحريته بالدار فلا ينقض.
واحترز عما إذا كذبه؛ فإن الرق لا يثبت، وكذا لو عاد بعد ذلك وصدقه؛ لأنه لما كذبه .. ثبتت حريته بالأصل فلا يعود رقيقًا.
ولو أقر بالرق لزيد فكذبه فأقر لعمرو .. ففي تخريج ابن سريج: أنه يقبل كما لو أقر بمال لزيد فكذبه فأقر به لعمرو، والمذهب المنصوص: المنع؛ لأن الإقرار
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَسْبِقَ تَصَرُّفٌ يَقْتَضِي نُفُوذُهُ حُرِّيَّةً كَبَيْعٍ وَنِكَاحٍ، بَلْ يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي أَصْلِ الْرِّقِّ وَأَحْكَامِهِ الْمُسْتَقْبَلَةِ لاَ الْمَاضِيَةِ الْمُضِرَّةِ بِغَيْرِهِ فِي الأَظْهَرِ،
الأول تضمن نفي الملك لغيره، فإذا رد المقر له .. خرج عن كونه مملوكًا له أيضًا فصار حرًا بالأصل، والحرية مظنة حقوق الله تعالى والعباد فلا سبيل إلى إبطالها بالإقرار الثاني.
واحترز المصنف أيضًا عما إذا سبق إقرار بعد البلوغ بالحرية .. فإنه لا يقبل الثاني على الأصح؛ لأنه بالإقرار الأول التزم أحكام الأحرار في العبادات وغيرها فلم يملك إسقاطها، وقيل: يقبل كما لو أنكرت المرأة الرجعة ثم أقرت.
تنبيه:
ينبغي اعتبار الرشد في المقر، ففي (فتاوى) صاحب (الإقليد) عن شيخه ابن عبد السلام: أن اعتراف الجواري بالرق لا يقبل؛ لأن الغالب عليهن السفه وعدم المعرفة، وهذه العلة موجودة في غالب العبيد إلا أن الشرع كلفنا بالعمل الظاهر.
قال: (والمذهب: أنه لا يشترط أن لا يسبق تصرف يقتضي نفوذه حرية كبيع ونكاح، بل يقبل إقراره في أصل الرق وأحكامه المستقبلة لا الماضية المضرة بغيره في الأظهر).
إذا وجدت من هذا المقر تصرفات يقتضي نفوذها الحرية كالبيع والنكاح وغيرهما ثم قامت بينه برقه .. نقضت تصرفاته المقتضية للحرية، وجعلت صادرة [عن عبد] لم يأذن له سيده، ويسترد ما قبضه من زكاة أو ميراث وما أنفق عليه من بيت المال، وتباع رقبته فيها، فلو لم تقم بينة، ولكن أقر بالرق وقلنا بالصحيح - وهو قبول إقراره - .. ففيه طرق ملخصها ما ذكره المصنف: أنه تثبت له أحكام الأرقاء في المستقبل.
فَلَوْ لَزِمَهُ دَينٌ فَأَقَرَّ بِرِقٍّ وَفِي يَدِهِ مَالٌ .. قُضِيَ مِنْهُ، وَلوِ ادَّعَى رِقَّهُ مَنْ لَيْسَ في يَدِهِ بِلاَ بَيِّنَةٍ .. لَمْ يُقْبَلْ،
وثانيهما: قولان: ثانيهما: أنه يبقى في أحكام الحرية مطلقًا؛ لأنه محكوم بحريته بظاهر الدار وتعلقت به حقوق لله تعالى وللعباد فلا يقبل إقراره بما يسقطها.
وقيل: يبقى فيما يضر بغيره كما لو قال: لزيد علي ألف ولي عنده رهن .. فيقبل في الدين دون الرهن.
وأما الماضي .. فيقبل إقراره فيما يضر به من التصرفات السابقة قطعًا مؤاخذة له، لكن يستثنى من هذا ما لو كان اللقيط امرأة وتزوجت ثم أقرت بالرق والزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة .. فإنه لا ينفسخ نكاحه على الأصح في زوائد (الروضة) كالحر إذا وجد الطول بعد نكاح الأمة، ومقتضى قبول إقراره في المستقبل - وإن أضر بالغير - قبوله لكن النكاح كالمقبوض المستوفى.
قال: (فلو لزمه دين فأقر برق وفي يده مال .. قضي منه)؛ هذا تفريع على الأظهر، وهو أنه يقبل إقراره فيها؛ لكونه يضر به دون ما يضر بغيره، فيقضي الدين مما في يده، فإن بقي معه شيء .. فهو للمقر له، وإن بقي من الدين شيء .. فهو في ذمته حتى يعتق، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يقر بالرق ابتداء وبين أن يدعي رقه شخص فيصدقه.
ولو ادعى رجل رقه فأنكره ثم أقر له .. ففي قبوله وجهان؛ لأنه بالإنكار لزمه أحكام الأحرار، وقال في (الروضة): ينبغي أن يفصل، فإن قال: لست بعبد .. لم يقبل إقراره بعده، وإن قال: لست بعبد لك .. فالأصح: القبول؛ إذ لا يلزم من هذه الصيغة الحرية.
قال: (ولو ادعى رقه من ليس في يده بلا بينة .. لم يقبل) بلا خلاف؛ إذ الظاهر الحرية فلا تترك إلا بحجة بخلاف النسب؛ فإن قبوله مصلحة للصبي وثبوت حق له، وهنا القبول إضرار له وإثبات رق عليه.
وَكَذَا إِنِ ادَّعَاهُ الْمُلْتَقِطُ فِي الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ رَأَيْنَا صَغِيرًا مُمَيِّزًا (أَوْ غَيْرَهُ) فِي يَدِ مَنْ يَسْتَرِقُّهُ وَلَمْ يُعْرَفِ اسْتِنَادُهَا إِلَى الْتِقَاطٍ .. حُكِمَ لَهُ بِالرِّقِّ، فَإِنْ بَلَغَ وَقَالَ: أَنَا حُرٌّ .. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ
قال: (وكذا إن ادعاه الملتقط في الأظهر)؛ لأن الأصل الحرية فلا يخالف بمجرد الدعوى، ويد الملتقط لا تدل على الملك.
والثاني: يقبل قوله ويحكم له بالرق، كما لو التقط مالاً وادعى أنه له ولا منازع له .. فيقبل قوله حتى يجوز شراؤه منه.
وفرق الجمهور بأن المال مملوك وليس في دعواه تغيير صفة له، واللقيط حر ظاهرًا وفي دعواه تغيير صفته، وخص الماوردي الخلاف بما إذا ادعاه قبل التقاطه، فإن ادعاه بعده .. لم يقبل قطعًا، فاجتمع من ذلك ثلاثة أوجه: أصحها: عدم القبول.
وحيث قلنا: لا يقبل .. فنقل المزني في (جامعه الكبير): أنه لا ينزع منه، وقال الماوردي: الذي أراه وجوب انتزاعه؛ لأنه قد خرج بدعوى رقه عن الأمانة في كفالته، وربما صارت استدامة يده ذريعة إلى رقه.
قال: (ولو رأينا صغيرًا مميزًا (أو غيره) في يد من يسترقه ولم يعرف استنادها إلى التقاط .. حكم له بالرق) أي: إذا ادعاه؛ عملاً باليد والتصرف.
وقيل: لا، كالملتقط فإن كان غير مميز .. حكم له بالرق قطعًا.
وتقييده بـ (المميز) يعلم منه: أن غيره من باب أولى، وإنما يحكم برقه إذا حلف لخطر شأن الحرية، وهذا الحلف واجب على النص، وقيل: مستحب.
قال: (فإن بلغ وقال: أنا حر .. لم يقبل قوله في الأصح إلا ببينة)؛ لأنا قد حكمنا برقه في حال الصغر فلا يرفع ذلك الحكم إلا بحجة، لكن له تحليف السيد وإقامة البينة على حريته.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: يقبل قوله إلا أن يقيم مدعي الرق بينة على رقه؛ لأن الرق إنما جرى عليه حين لا قول له ولا منازعة، فإن صار معتبر القول .. فلابد من إقراره أو البينة عليه، أما لو ادعى أنه حر الأصل .. فلا يقبل جزمًا، وكذلك لو أقر بالرق لغير صاحب اليد.
فروع:
الأول: اشترى بالغًا عاقلاً فادعى أنه حر الأصل .. صدق بيمينه، فإذا حلف .. رجع المشتري على بائعه بالثمن، وحكى البغوي في (فتاويه) عن القاضي: أنه لا يرجع؛ لأن يده ما أزيلت ببينة إلا أن يقيم ببينة أنه حر الأصل، والاحتياط لمن اشترى عبدًا بالغًا: أن يسأله عن رقه لبائعه ويشهد عليه، وإن ادعى أن سيده أعتقه .. لم يسمع قوله.
الثاني: صغيرة في (يد رجل) يدعي نكاحها فبلغت وأنكرت .. يقبل قولها وعلى المدعي البينة، وهل يحكم في صغرها بالنكاح؟ قال ابن الحداد: نعم كالرق، والأصح: المنع.
وفرق الأصحاب بأن اليد في الجملة دالة على الملك، ويجوز أن يولد وهو مملوك والنكاح طارئ فيحتاج إلى البينة.
الثالث: إذا قذف لقيطًا .. عزر، وإن كان بالغًا .. حد إن اعترف بحريته، فإن ادعى رقه فقال المقذوف: (بل أنا حر .. فالقول قول المقذوف] على الأظهر، وقيل: قطعًا.
ويجري القولان فيما إذا قطع طرفه حر وادعى رقه وقال: بل أنا حر، وقيل: يجب القصاص قطعًا؛ لأن الحد يغني عنه التعزيز لاشتراكهما في الزجر، فإن لم نوجب القصاص .. أوجبنا الدية في اليدين، ونصفها في إحداهما على الأصح، وعلى الثاني: القيمة أو نصفها.
ولو قذف اللقيط واعترف بأنه حر .. حُدّ حَدّ الأحرار، وإن ادعى أنه رقيق وصدقه المقذوف .. حُدَّ حَدَّ العبيد، وإن كذبه .. فالأصح: حد الأحرار.
وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِرِقِّهِ .. عُمِلَ بِهَا، وَيُشَتَرَطُ أَنْ تَتَعَرَّضَ الْبَيِّنَةُ لِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَفِي قَوْلٍ: يَكْفِي مُطْلَقُ الْمِلْكِ.
وَلَوِ اسْتَلْحَقَ اللَّقِيطَ حُرٌّ مُسْلِمٌ .. لَحِقَهُ
قال: (ومن أقام بينة برقه .. عمل بها)؛ لظهور فائدتها، سواء كان هو الملتقط أو غيره.
قال: (ويشترط أن تتعرض البينة لسبب الملك) لكونه عن إرث أو شراء أو غير ذلك؛ لأنا لا نأمن أن يكون اعتماد الشاهد على ظاهر اليد.
قال: (وفي قول: يكفي مطلق الملك) كسائر الأموال، ولم يرجح الرافعي في (الشرحين) شيئًا من القولين، ونقل في (الروضة) الترجيح عن (المحرر)، والرافعي لم يفصح فيه بترجيح بين، وهذه الشهادة تقبل هنا من رجل وامرأتين على القولين؛ لأن الغرض إثبات الملك، وإذا اكتفينا بالشهادة على أنه ولد أمته .. قبل من أربع نسوة أيضًا؛ لأن الشهادة على الولادة ثم يثبت الملك في ضمنها كثبوت النسب في ضمن الشهادة على الولادة.
قال: (ولو استلحق اللقيط حر مسلم .. لحقه) ولا يحتاج إلى بينة ولا قافه لكن بالشروط السابقة في الإقرار، وادعى الإمام فيه الإجماع، وسواء الرشيد والسفيه؛ لأنه أقر له بحق لا ضرر فيه على غيره فأشبه ما لو أقر بمال، والمعنى فيه: أن الإشهاد على النسب يعسر فلو لم يحصل بالدعوى .. لضاعت الأنساب.
وسواء في ذلك اللقيط وغيره، لكن يستحب أن يقال للملتقط: من أين هو لك؟ ليخبر عن جهة صحيحة يلحق النسب بها كالنكاح والوطء في ملك اليمين أو نكاح فاسد، وإن لم يسأله .. جاز، كذا قاله الصيمري في (شرح الكفاية).
وينبغي أن يجب الاستفسار؛ لأن كثيرًا من الناس يعتقدون أن ولد الزنا يلحق، وإذا استلحقه .. حكم بأنه ولده، وتجري بينهما أحكام النسب من الميراث والإنفاق ودفع الزكاة والولاية في المال والنكاح وغير ذلك.
وَصَارَ أَوْلَى بِتَرْبِيَتِهِ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ عَبْدٌ .. لَحِقَهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ سَيِّدِهِ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَتْهُ امْرَأَةٌ .. لَمْ يَلْحَقْهَا فِي الأَصَحِّ،
وقول المصنف: (مسلم) لا مفهوم له؛ فإن الكافر يستلحق من حكم بكفره؛ لاستوائهما في الجهات المثبتة للنسب كما تقدم، وإنما كلامه هنا في لقيط محكوم بإسلامه، لكن لابد أن يكون ذكرًا كما سيأتي.
قال: (وصار أولى بتربيته) أي: من الملتقط؛ فإن كفالة الأجنبي كانت للضياع وقد زالت بوجود الأب، و (أولى) هنا من باب قولهم: فلان أولى بماله يعنى: أنه لا حق لغيره فيه، وإنما عبروا بذلك للفرق بين الحر والعبد.
قال: (وإن استلحقه عبد .. لحقه) أي: في النسب خاصة؛ لأنه في أمر النسب كالحر؛ لإمكان حصوله منه بنكاح أو وطء شبهة، لكن لا يسلم إليه لاشتغاله عنه بخدمة السيد، ولا نفقة له عليه؛ إذ لا مال له، إنما ينفق عليه من بيت المال.
قال: (وفي قول: يشترط تصديق سيده)؛ لما فيه من الإضرار به بسبب الإرث المتوهم على تقدير عتقه.
وقيل: لا يلحقه قطعًا، وقيل: يلحقه قطعًا إن كان مأذونًا له في النكاح ومضى زمن إمكانه، وإلا .. فالقولان، والمذهب: اللحوق مطلقًا.
ويجري الخلاف في إقرار العبد بأخ أو عم، وقيل بالمنع هنا قطعًا؛ لأن لظهور نسبه طريقًا آخر وهو إقرار الأب والجد.
قال: (وإن استلحقته امرأة .. لم يلحقها في الأصح) سواء كانت ذات زوج أم لا، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه يمكنها أن تقيم البينة على الولادة بطريق المشاهدة والرجل لا يمكنه فمست الحاجة إلى إثبات النسب من جهة بمجرد الدعوى، ولأنها إذا أقرت بالنسب .. كأنها تقر بحق عليها وعلى غيرها إذا كانت فراشًا لزوج، وبطل إقرارها في حق الزوج فيبطل جميعه؛ لأن الإقرار الواحد إذا بطل بعضه .. بطل كله.
أَوْ اثْنَانِ .. لَمْ يُقَدَّمْ مُسْلِمٌ وَحُرٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ وَعَبْدٍ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ .. عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ فَيَلْحَقُ مَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ،
والثاني: يقبل ويلحقها؛ لأنها أحد الأبوين، وعزاه في (التقريب) إلى ابن سريج، ويستدل له بقصة داوود وسليمان حين تحاكم إليهما امرأتان لهما ابنان فذهب الذئب بأحدهما وادعى كل منهما أن الباقي ابنها، فحكم به داوود للكبرى وحكم به سليمان للصغرى بمجرد الدعوى منهما.
والثالث: يلحق الخلية دون المزوجة؛ لتعذر الإلحاق بها دونه.
وعن أحمد روايتان كالوجه الثاني والثالث.
وإذا قلنا باستلحاقها ولها زوج .. لم يلحقه في الأصح، وقال أبو الطيب بن سلمة: يلحقه.
واستلحاق الأمة كاستلحاق الحرة إذا جوزنا استلحاق العبد، وقال القاضي أبو الفرج: إن صححنا استلحاق المرأة .. صح استلحاق الخنثى وثبت نسبه، ولو مات هذا الطفل .. ورثه الخنثى ميراث أم.
وليس المراد بالزوج من هي في عصمته، بل كونها فراشًا لشخص لو ثبت نسب اللقيط منها بالبينة .. لحق صاحب الفراش، سواء كانت في عصمته أم في العدة، حكاه في (الكفاية) عن البندنيجي.
وإذا أقامت بينة .. لحقها قطعًا، وكذا يلحقه إن أمكن وشهدت بالولادة على فراشه، وإلا .. فأصح الوجهين عند المصنف: المنع.
قال: (أو اثنان .. لم يقدم مسلم وحر على ذمي وعبد)؛ لأن كلاًّ منهما أهل لو انفرد فأشبه المسلمين أو الحرين، وهذا تفريع على أن العبد من أهل الاستلحاق وهو الأظهر.
وقدم أبو حنيفة المسلم على الذمي والحر على العبد كالحضانة، وفرق أصحابنا بأن الحضانة لحق الطفل والنسب لحق الله تعالى.
قال: (فإن لم تكن بينة .. عرض على القائف فيلحق من ألحقه به)؛ لأن للقافة أثرًا في الانتساب عند الاشتباه كما سيأتي في موضعه.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِفٌ، أَوْ تَحَيَّرَ، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا .. أُمِرَ بِالِانْتِسَابِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَنْ يَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا،
وقيل: لا مدخل للقافة في الإلحاق بالأم، وهذا ما لم يقم الآخر بينة، فإن أقامها .. فالأصح: أنها تقدم على إلحاق القائف.
قال: (فإن لم يكن قائف) أي: في البلد أو دون مسافة القصر، وقال الإمام: مسافة العدوى، وقال الماوردي: المراد أن لا يوجد في الدنيا.
قال: (أو تحير، أو نفاه عنهما، أو ألحقه بهما .. أمر بالانتساب بعدد بلوغه إلى من يميل طبعه إليه منهما) بالميل الطبعي الذي يجده الولد إلى الوالد والقريب إلى القريب بحكم الجبلة لا بحكم التشهي؛ لما روى البيهقي: أن رجلين ادعيا رجلاً لا يدري أيهما أبوه، فقال عمر رضي الله عنه: (اتبع أيهما شئت) وقال: إسناده صحيح.
وقيل: لا يشترط البلوغ، بل بالتمييز كما يخير الولد بين أبويه في تلك الحالة، والمصنف أطلق الانتساب، وهو مشروط بما إذا كانا حيين عند الانتساب وعرف الصبي حالهما قبل البلوغ وكان فطنًا ذكيًا، فإن انتفى ذلك .. لم ينسب، قاله الماوردي.
وتعبيره بـ (الأمر) يقتضي أنه واجب وهو كذلك، فإن امتنع منه .. حبس.
فروع:
نفقته في مدة الانتظار عليهما، فإذا انتسب إلى أحدهما .. رجع عليه الآخر، كذا قاله الرافعي في (باب القافة)، وقيده في (باب العدة) بما إذا أنفق بإذن الحاكم، وقيل: لا يرجع؛ لأنه يقول: إنما أنفقت على ولدي، والأول أصح.
قال القاضي: ولو كان التداعي بين امرأتين .. لم ترجع الأخرى لما أنفقته قطعًا.
وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ .. سَقَطَتَا فِي الأَظْهَرِ
وإذا مات الولد .. قام والده مقامه في الانتساب، قال ابن اللبان: وكذا إن كان معتوهًا، وقال القاضي حسين: إذا كان مجنونًا .. لا ينتسب ابنه كما لا يخلفه في سائر الحقوق، ولو كانا ولدين انتسب كل منهما لواحد .. دام الإشكال، فإن رجع أحدهما إلى الآخر .. قبل.
ولو ألحقه قائف بذا آخر بذاك .. فالصحيح: أنه ابن الأول، وقيل: يتعارضان ويصير كأن لا قائف.
هذا إذا لم يكن سبب اختلافهما الشبه، فإن كان بأن اعتبر أحدهما الشبه الخفي كالخلق وتشاكل الأعضاء والآخر الشبه الظاهر كالبياض والسواد .. فالأصح: تقدم الشبه الخفي.
ولو ألحقه القائف بأحدهما فأقام الآخر بينة .. قدمت البينة على الصحيح؛ لأنها حجة في كل خصومة، ولو بلغ فانتسب إلى أحدهما وألحقه القائف بالآخر في وقت واحد فهل الأولى الانتساب أو الإلحاق؟ وجهان: أصحهما: الثاني.
قال: (ولو أقاما بينتين متعارضتين .. سقطتا في الأظهر)؛ لعدم إمكان العمل بهما فيصير كما لو لم تكن بينة ويعرض على القائف.
وعن ابن أبي هريرة: لا تسقطان وترجح إحداهما بقول القائف.
هذا كله على التساقط، ومن المعلوم: أنه لا يأتي هنا قول القسمة ولا الوقف؛ لما في ذلك من ضياع مصلحة الطفل، وهل يأتي قول القرعة؟ وجهان: أصحهما: لا؛ لأن القرعة لا تعمل في النسب، وحينئذ فلا حقيقة لهذا القول هنا، ولهذا قال المصنف في (نكته): ليس لنا موضع تسقط فيه الأقوال الثلاثة في استعمال البينتين إلا في هذا الموضع ومسألة الشك في النجاسة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تتمة:
عند تعارض البينتين لو اختص أحد المتداعبين بيد .. قال الرافعي: لم ترجح بينة بها، بخلاف الأملاك حيث قدم فيها بينة ذي اليد.
وفي (الإيضاح) للمسعودي و (أمالي أبي الفرج الزاز): أنه لو أقام أحدهما بينة بأنه في يده من سنة والثاني بينة بأنه في يده من شهر وتنازعا في نسبه .. فصاحب المتقدمة التاريخ مقدم، لكن هذا كلام غير مهذب؛ فإن ثبوت اليد لا يقتضي ثبوت النسب، قال ابن الرفعة: بل هو كلام مهذب؛ فإن كان أحدهما صاحب يد .. فقدمت بينته كبينة الداخل، قال: وهذا أمر لابد منه، ولعلهم أهملوه لمعرفته من القواعد.
- ... * ... *
خاتمة
إذا تنازعا في اللقيط فذكر أحدهما أن على ظهره شامة أو علامة وأخبر بالذكورة أو الأنوثة وأصاب ذلك فيها .. لم يتقدم على الآخر بذلك، وقال أبو حنيفة: يتقدم.
لنا: أنهما لو تنازعا في اللقطة ووصفها أحدهما .. لم يرجح بذلك فكذلك هنا، ولو ألحقه القائف بأحدهما ثم بالآخر .. لم ينقل إليه؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وقال الرافعي: إن هذا فيما إذا عرض عليه معهما، أما لو كان العرض مع أحدهما فألحقه به ثم عرض على الآخر فألحقه به .. فالمنصوص: أنه لا يثبت نسبه من واحد منهما وإن ألحقته قافة.
كِتَابُ الْجِعَالَةِ