النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 133-172
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هو بالمد: الولاية المعروفة، وجمعه أقضية كغطاء وأغطية ورداء وأردية.
قال عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
وهو في الأصل: إحكام الشيء وإمضاؤه وفراغه، ومنه: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فالقاضي ينهي الأمر ويفرغ منه.
وقضى بمعنى أوجب، ومنه: ﴿وقَضَى رَبُّكَ﴾، فالقاضي يوجب الحكم على المحكوم عليه.
والقضاء: الإتمام، ومنه: ﴿فَإذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾، فسمي القضاء قضاء؛ لأن القاضي يتم الأمر بالفصل ويمضيه ويفرغ منه.
وسمي حكمًا لما فيه من منع الظالم من الظلم، ومنه الحكمة التي توجب وضع الشيء في محله، أو من إحكام الشيء مأخوذ من حكَمة اللجام؛ لمنعها الدابة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهو في الشرع: فصل الخصومة بحكم الله تعالى.
ونقل ابن بري عن بعضهم: أنه فرق بين القضاء والحكم بأن الحكم: إظهار ما يفصل به بين الخصمين قولًا، والقضاء: إيقاع ما يوجبه الحكم فعلًا.
وقال ابن عبد السلام: الحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية هو إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه، بخلاف المفتي؛ فإنه لا يجب عليه إمضاءه.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿وإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾، ﴿وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب .. فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ .. فله أجر) رواه الشيخان [خ 7352 – م 1716]، وفي رواية للحاكم [4/ 88]: (إذا اجتهد فأخطأ .. فله أجر، وإن أصاب .. فله عشر أجور).
قال المصنف: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، إن أصاب .. فله أجران باجتهاده وإصابته، وإن أخطأ .. فله أجر باجتهاده في طلب الحق، وسيأتي في نقض الحكم بيان هذا الحديث.
فأما من ليس بأهل للحكم .. فلا يحل له أن يحكم، فإن حكم .. فلا أجر له، بل هو آثم ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد روى الأربعة والحاكم [4/ 90] والبيهقي [10/ 117]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، فأما الذي في الجنة .. فرجل عرف الحق فقضى به، واللذان في النار: رجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى للناس على جهل).
فالقاضي الذي ينفذ حكمه هو الأول، والثاني والثالث لا اعتبار بحكمهما، ولذلك كان السلف يتحامون الدخول في القضاء؛ لخطر أمره روى البيهقي [10/ 97] عن محارب بن دثار: أنه كان إذا جلس للقضاء قال: اللهم إنك تعلم أني لم أجلس هذا المجلس الذي ابتليتني به وقدرته عليه إلا وأنا أكرهه وأبغضه، فاكفني شر عواقبه.
قال: وطُلب قعنب التميمي للقضاء فلم يقبل، فلم يزل به الأمير إلى أن ولي كرهًا، فدخل منزله فسقط عليه البيت فمات متواريًا.
وقال أبو جعفر المنصور للّيث بن سعد: أوليك القضاء؟ فلم يفعل، فاستشاره في رجل يوليه، فأشار بعثمان بن الحكم الجذامي، فلما بلغه ذلك .. عاهد الله أن لا يكلم الليث أبدًا.
وقال: وعرض على الحسين بن منصور النيسابوري قضاء نيسابور، فاختفى ثلاثة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أيام ودعا الله فمات في اليوم الثالث.
وورد في كتاب السلطان بتولية نصر بن علي الجهضمي عشية قضاء البصرة فقال: أشاور نفسي الليلة وأخبركم غدًا، فأتوا إليه من الغد فوجدوه ميتًا.
ولما مات عبد الرحمن بن أذينة قاضي البصرة .. طلب أبو قلابة عبد الله بن زيد للقضاء، فهرب حتى أتى الشام، فوافق ذلك عزل قاضيها فذكر للقضاء فهرب حتى أتى اليمامة، فسئل عن ذلك فقال: ما وجدت مثل القاضي العالم إلا مثل رجل وقع في بحر فما عسى أن يسبح حتى يغرق.
وقال مكحول: لو خيرت بين القضاء والقتل .. اخترت القتل.
وامتنع الشافعي رضي الله عنه لما استدعاه المأمون لقضاء الشرق والغرب.
وامتنع أبو حنيفة رحمه الله لما استدعاه المنصور، فحبسه وضربه.
وحكى القاضي الطبري وغيره: أن الوزير ابن الفرات طلب أبا علي بن خيران ليوليه القضاء، فهرب منه فختم دوره نحوًا من عشرين يومًا، وأشرت إلى ذلك في المنظومة بقولي [من الرجز]: وطيَّنوا البابَ على أبي علي ... عشرين يوما لِيَلِي فما وَلِي وما أحسن قول قاضي القضاة شرف الدين بن عين الدولة [من المتقارب]: وليت القضاء وليت القضا .... ء لم يك شيئًا توليته فأوقعني في القضاء القضا .... وما كنت قدمًا تمنيته وقال قاضي القضاة عماد الدين بن السكري وقد عاتبه بعض أصحابه على توليته القضاء [من السريع]: يا ذا الذي آلمني عتبه .... أنسيت ما قدر في الماضي والله ما اخترت سوى قربه .... فاختار أن يعكس أغراضي إن الذي ساقك لي واعظًا .... هو الذي صيرني قاضي

هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ،  وقال آخر [من المتقارب]: فيا ليتني لم أكن قاضيا ... ويا ليتها كانت القاضيه قال: (هو فرض كفاية) بل هو أسنى فروض الكفايات وأعلى مراتب الولايات.
فأما كونه فرضًا .. فلقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، ولأن طباع البشر مجبولة على التظالم ومنع الحقوق، وقل من ينصف من نفسه.
ولا يقدر الإمام على فصل كل الخصومات بنفسه، فدعت الحاجة إلى ولاية القضاء.
وأما كونه على الكفاية .. فلأنه أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وهما على الكفاية.
وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليًا إلى اليمين قاضيًا فقال: يا رسول الله؛ تبعثني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: (اللهم اهده وثبت لسانه) قال: فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما شككت في قضاء بين اثنين، رواه أبو داوود [3577] والحاكم [4/ 93] وقال: صحيح الإسناد.
واستخلف النبي صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة واليًا وقاضيًا، وقلد معاذًا قضاء بعض اليمين.
وبعث أبو بكر أنسًا إلى البحرين قاضيًا، وبعث عمر أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضيًا، وابنَ مسعود إلى الكوفة، وعثمان قلد شريحًا القضاء، وعلي قلد ابن

فَإِنْ تَعَيَّنَ .. لَزِمَهُ طَلَبُهُ،  عباس قضاء البصرة، فلو كان فرض عين .. لم يكف واحد.
وقال الرافعي: هو فرض كفاية لا غنى عنه بالإجماع.
فقوله: (بالإجماع) متعلق بلا غنى عنه لا بالأول؛ فإنه بعد ذلك نقل عن ابن كج كراهته.
وعن القاضي أبي الطيب: استحباب نصب القضاء في البلدان، قال ابن الرفعة: ولم أره لغيره، فعلى المشهور: إذا قام به من فيه الكفاية .. سقط الفرض عمن خوطب به، وهم من تكاملت فيهم الشروط الآتية، فإذا امتنعوا كلهم .. أثموا جميعًا، وحينئذ فالأصح: أن للإمام إجبارهم على التولية.
فإن قيل: لم يذكروا هنا ما يسقط به الفرض .. فالجواب: أنه محمول على ما ذكروه في (السير) من أنه لا يكفي أن يكون في الإقليم مفت واحد تعسر مراجعته بل المعتبر مسافة القصر.
لكن في (الوسيط) و (النهاية) قبيل (باب القسمة): أنه لا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن قاضٍ، ونقله شريح الروياني عن الإصطخري؛ لما في إحضار الخصوم من البلد البعيد من المشقة.
قال: (فإن تعين .. لزمه طلبه) كغيره من فروض الكفايات إذا تعينت، فإن توقف على بذل مال .. لزمه كما يلزمه شراء الرقبة للكفارة والطعام في المجاعة، هذا هو المشهور.
وقال الماوردي: لا يلزمه طلبه؛ لأن فرض التقليد على الإمام، قال ابن الرفعة: ولعله إذا علم به الإمام، وإلا .. لزمه إعلامه كما أطلقه ابن الصلاح وغيره، وعلى هذا: يستحب بذل المال ولا يجب.
هذا كله إذا لم يعرض عليه، فإن عرض .. لزمه القبول بلا خلاف.
وشمل إطلاقه ما إذا خاف على نفسه من الميل، وهو كذلك؛ لأن فرض العين

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لا يسقط بخوف العاقبة، وعليه مراقبة الله فيما عليه وله.
ويندب أن يقول إذا دعي: سمعًا وطاعة.
والصحيح: أنه إذا امتنع من الدخول فيه .. أجبر عليه؛ لأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره، فأشبه صاحب الطعام إذا منعه من المضطر.
وفي وجه: لا يجبر، واستدل له الرافعي بحديث: (إنا لا نكره أحدًا على القضاء) وهو غريب، والأول أصح، وحمل الحديث على حالة عدم التعين.
فإن قيل: هو بامتناعه من الواجب المتعين عليه فاسق، قال الرافعي: فيمكن أن يقال: يؤمر بالتوبة أولًا ثم يولى.
واختار المصنف أنه لا يفسق؛ لأن امتناعه غالبًا بتأويل فلا يعصي وإن كان مخطئًا.
وعلم من كلام المصنف: أنه لا يصير مولّىً بمجرد تعيينه وتكامل الشروط فيه، بل لا بد من تولية من الإمام؛ لأن الولاية عقد فافتقرت إلى عاقد.
وحكى الماوردي فيه الإجماع، وشذ بعض أهل المذاهب فجعل ولاية القضاء عند اجتماع شروطها منعقدة بلا عاقد.
وكلام الخطابي يقتضي: الانعقاد عند الضرورة من عينه الإمام ونحوه؛ فإنه ذكر في قصة مؤتة: أنه لما أصيب زيد ثم جعفر ثم ابن رواحة .. أخذها خالد من غير إمرة ففتح له، ووافق الحق، فصار ذلك أصلًا في الضرورات إذا وقعت في مهمات الدين.
وترجم البخاري عليه: (باب من تأمر في الحرب من غير إمرةٍ إذا خاف العدو)، والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فليرتض المسلمون رجلًا) وخالد ارتضاه المسلمون فكان مولّىً من جهة النبي صلى الله عليه وسلم.

وَإِلاَّ: فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ وَكَانَ يَتَوَلاَّهُ .. فَلِلْمَفْضُولِ الْقَبُولُ، وَقِيلَ: لاَ.
وَيُكْرَهُ طَلَبُهُ، .....

 قال: (وإلا) أي: وإن لم يتعين عليه (فإن كان غيره أصلح وكان يتولاه .. فللمفضول القبول) بناء على أن الإمامة العظمى تنعقد للمفضول مع وجود الفاضل وهو الأصح، لأن تلك الزيادة خارجة عن حد الإمامة، والقضاء أولى بالجواز؛ لإمكان التدارك فيه بنظر من فوقه من الولاة، بخلاف الإمام.
قال: (وقيل: لا) أي: لا يجوز القبول بناء على منع الانعقاد.
ويدل له ما روى الحاكم [4/ 92] والبيهقي [10/ 118]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من استعمل رجلًا على عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله عنه .. فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين).
وقال الماوردي: محل القولين: إذا لم يكن عذر في تولية المفضول، فإن كان بأن كان أطوع في الناس أو أقرب إلى القلوب، أو كان الأفضل غائبًا أو مريضًا .. انعقدت قطعًا، فإن منعنا ولاية المفضول .. حرم الطلب والتولية والقبول، وإن أجزنا .. جاز القبول، وكره الطلب، وقيل: يحرم.
واحترز بقوله: (وكان يتولاه) عما إذا كان لا يصلح ولا يتولاه .. فإنه كما لو لم يوجد.
قال: (ويكره طلبه)؛ لما فيه من الخطر، لأن الولاية تفيد قوة بعد ضعف، وقدرة عن عجر، تتخذها النفس المجبولة على الشر ذريعة إلى الانتقام من العدو، والنظر للصديق، وتتبع الأغراض الفاسدة، ولا يوثق بحسن عاقبتها وسلامة مجاورتها، فالأولى أن لا يطلب ما أمكن، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: (لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة .. وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة .. أعنت عليها) متفق عليه [خ 6622 – م 1652].

وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ .. فَلَهُ الْقَبُولُ.
وَيُنْدَبُ الطَّلَبُ إِنْ كَانَ خَامِلًا يَرْجُو بِهِ نَشْرَ الْعِلمِ  وقال صلى الله عليه وسلم: (من طلب القضاء واستعان عليه .. وكل إليه، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه .. أنزل الله ملكًا يسدده).
وقال: (من ولي القضاء .. فقد ذبح بغير سكين) رواهما أبو داوود [3573 – 3566]، وقال الترمذي: حسنان غريبان [1323 – 1325]. ومعنى الذبح في الحديث: أنه متعرض للذبح؛ فإنه يريد أن يحكم على الصديق والعدو بحكم واحد.
وقيل: صار كمذبوح؛ فإنه يحتاج إلى إماتة شهوته وقهر نفسه بالمنع من المخالطة، وبغير سكين كناية عن شدة الألم؛ فإن الذبح بغيرها تعذيب، ويحتمل أنه عدل عن السكين؛ لأنه مفسد للدين لا للبدن.
قال: (وقيل: يحرم) بناء على امتناع ولاية المفضول، وعلى هذا: تحرم توليته.
قال: (وإن كان مثله .. فله القبول)؛ إذ لا محذور فيه، وقد أتاه من غير مسألة فيعان عليه.
وعلم من قوله: (فله) أنه لا يجب عليه، وهو الأصح؛ لأن غيره قد يقوم به.
وقد صحح ابن حبان [5056]: أن ابن عمر امتنع لما سأله عثمان القضاء.
وظاهر عبارته استواء القبول وعدمه في حقه.
وحكى الشيخ أبو خلف الطبري وجهين في الأَولى له، وصحح: أنه الأولى عدم القبول؛ لما فيه من الخطر، خصوصًا إذا خاف على نفسه اتباع الهوى، قال الرافعي: وينبغي أن يحترز؛ فإن أهم الغنائم حفظ السلامة.
قال: (ويندب الطلب إن كان خاملًا يرجو به نشر العلم)؛ لحصول المنفعة بنشره.
و (الخامل): الساقط الذِّكر الذي لا يعرف.

أَوْ مُحْتَاجًا إِلَى الرِّزْقِ، وَإِلًا .. فَالأَوْلَى تَرْكُهُ.
قُلْتُ: وَيْكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ  قال: (أو محتاجًا إلى الرزق) أي: مع الشهرة؛ لأنه يكسب كفايته بسبب هو طاعة، لما في العدل من جزيل الثواب.
وقال القفال: لا يندب الطلب بحال، ولكن تستحب له الإجابة إذا طلب، وقال بعض أصحابنا: يكره الطلب مطلقًا؛ لظاهر حديث عبد الرحمن بن سمرة.
وفي (صحيح مسلم) [1733]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله ولا أحدًا حرص عليه).
و (حرص) بفتح الراء، ومن الصور التي يستحب فيها الطلب أيضًا: إذا كانت الحقوق مضاعة؛ لجور أو عجز، أو فسدت الأحكام بتولية جاهل فقصد بالطلب تدارك ذلك، ويندب حينئذ بذل المال لتحصيله، وقد أخبر الله تعالى عن يوسف عليه السلام: أنه طلب فقال:، وإنما طلب ذلك شفقة على المسلمين لا منفعة لنفسه.
هذا إذا لم يكن هناك قاض مولّىً، فإن كان وهو غير أهل .. فكالعدم، وإن كان أهلًا والطالب يروم عزله .. فهذا الطلب محظور وهذا الطالب مجروح، سواء كان فاضلًا أو مفضولًا.
قال: (وإلا) أي: وإن كان مع الشهرة مكفيًا (.. فالأولى تركه) أي: ترك الطلب إذا كان من أهل العفة والأمانة مكفيًا معروفًا بالعلم يرجع إليه في الفتاوى .. فالأولى له الاشتغال بنشر العلم والفتيا؛ لما في القضاء من الأخطار، وعلى هذا: يحمل امتناع من امتنع من تقليد القضاء من السلف الصالح.
قال: (قلت: ويكره على الصحيح والله أعلم) أي: الطلب والقبول إن لم يطلبه، وهذا الذي صححه الرافعي في (الشرح)، وقال هنا: إنه يروى عن الشافعي: أنه أوصى المزني في مرض موته أن لا يتولى القضاء، وعرض عليه كتاب الرشيد بالقضاء .. فلم يجبه إليه.
اهـ. والمعروف: أن الذي كتب بالقضاء إلى الشافعي المأمون بن الرشيد كما تقدم.

وَالاِعْتِبَارُ فِي التَّعْيِينِ وَعَدَمِهَ بِالنَّاحِيَةِ.
وَشَرْطُ الْقَاضِي: مُسْلِمٌ، مُكَلَّفٌ، حُرٌّ،  قال الإمام: ولأن الولايات تستخرج من النفوس خبايا البليات، ومن العصمة ألا يقدر.
قال: (والاعتبار في التعيين وعدمه بالناحية) فلا يجب على من يصلح للقضاء طلب القضاء ببلدة أخرى لا صالح بها، ولا قبوله إذا ولي.
قال الرافعي: يجوز أن يفرق بينه وبين القيام بسائر فروض الكفايات المحوجة إلى السفر كالجهاد وتعلم العلم ونحوهما، فإن تلك يمكن القيام بها والعود إلى الوطن، وعمل القضاء لا غاية له، فالانتقال له هجرة، وترك الوطن بالكلية تعذيب.
قال: (وشرط القاضي: مسلم) فلا تجوز تولية الكافر لا على المسلمين ولا على الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، ولا سبيل أعظم من القضاء.
قال الماوردي والروياني: وما جرت به العادة من تنصيب الحاكم بين أهل الذمة منهم .. فتقليد رئاسة وزعامة لا تقليد حكم وقضاء، ولا يلزمهم حكمه بإلزامه، بل بالتزامهم، ولا يلزمون بالتحاكم عنده.
وهذا الشرط داخل في اشتراط العدالة، والمصنف كثيرًا ما يكتفي باشتراط العدالة عن اشتراط الإسلام.
قال: (مكلف) فلا يولى صبي ولا مجنون؛ لنفصهما، ولأنهما لا يتعلق بقولهما حكم على أنفسهما فعلى غيرهما أولى.
وقد ادعى الإمام الإجماع عليه في المجنون، وسواء المنقطع وغيره.
وقال الماوردي: لا يكفي العقل الذي يتعلق به التكليف حتى يكون صحيح الفكر جيد الفطنة بعيدًا عن السهو والغفلة؛ ليتوصل إلى وضوح المشكل.
قال: (حر) فلا تصح ولاية الرقيق، ولا من بعضه رقيق، سواء تعلق به سبب العتق كالمكاتب والمدبر أو لا بالقياس على الشهادة، ولأنه ناقص عن ولاية نفسه، فعن ولاية غيره أولى.

ذَكَرٌ، عَدْلٌ، سَمِيعٌ،  قال: (ذكر) فلا تصح ولاية المرأة ولو فيما تقبل شهادتها فيه ولو بين النساء؛ لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.
وفي (البخاري) [4425] عن أبي بكرة نفيع بن الحارث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأه)، ولأنهن ناقصات عقل ودين، والمرأة مأمورة بالستر، والقاضي يحتاج إلى مخالطة الرجال.
وأبعد ابن جرير فجوز تقليد المرأة القضاء مطلقًا.
وجوزه أبو حنيفة فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه.
فلو ولى حنفي امرأة فيما تقبل شهادتها فيه على معتقده فحكمت .. قال الإصطخري: نقض قضاءها، وقال غيره: لا.
والخنثى المشكل كالمرأة، فإن بانت ذكورته قبل التولية .. صحت توليته قطعًا، وإن بانت بعدها .. لم تبن صحتها على المذهب.
قال: (عدل) فلا يولى الفاسق؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في أقل الحكومات فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، ولأنه ممنوع من النظر في مال الولد مع وفور شفقته فنظره في أمر الكافة أولى بالمنع، والعدالة معتبرة في سائر الولايات.
والمراد: فاسق بما لا شبهة له فيه.
قال المارودي: وهو أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوقيًا للمآثم، بعيدًا عن الريب، مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا لمروءة مثله في دينه ودنياه، فإن انخرم منها شيء .. منع الولاية كما يمنع قبول الشهادة.
ومن لا تجوز شهادته من المبتدعة لا تجوز توليته القضاء، وقال الماوردي: لا تجوز تولية الشيعة.
قال: (سميع)؛ لأن الأصم لا يفرق بين الإقرار والإنكار، فإن كان يسمع ولو بصياح في أذنه .. فهو سميع، فلو طرأ الصمم على السمع .. انعزل.

بَصِيرٌ، نَاطِقٌ، كَافٍ،  قال: (بصير) فلا يولّى الأعمى؛ لأنه لا يعرف الطالب من المطلوب، فلو سمع البينة ثم عمي .. قضى على الأصح.
وفي وجه ضعيف اختاره ابن أبي عصرون – وبه قال مالك –: تصح ولايته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة.
والجواب: أنه كان في إمامة الصلاة دون الحكم، لكن روى الطبراني في (معجمه الكبير) [11/ 147]: أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على الصلاة وغيرها من أمورها المدينة.
وتستثنى صورتان: إحداهما: إذا نزل من في القلعة على حكم أعمى.
والثانية: إذا سمع البينة قبل العمى.
ويجوز أن يكون القاضي أعور بخلاف الإمام كما تقدم في (قتال البغاة).
قال: (ناطق) فلا تصح تولية الأخرس؛ لأنه كالجماد، وفي من فهمت إشارته وجه ضعيف.
قال: (كاف) الكفاية: كلمة جامعة، وهي شرط في صحة كل ولاية، وهي هنا: النهضة والقيام بعمل القضاء، فلا تجوز تولية المغفل ومختل النظر بكبر أو مرض ونحوهما.

مُجْتَهِدٌ،  واحتجوا لاعتبار هذا الشرط بما روى مسلم [1826]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: (إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين، ولا تليَنَّ مال يتيم).
قال الشيخ عز الدين: وذلك أن الولاية لها شرطان: العلم بأحكامها والقدرة على تحصيل مصالحها ودرء مفاسدها، وقد نبه عليهما يوسف عليه السلام بقوله: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
فإذا فقد الشرطان .. حرمت الولاية.
ومن لا تقبل شهادته من أهل البدع لا يصح تقليده القضاء، وكذا لا يجوز تقليد من لا يقول بالإجماع، أو لا يقول بأخبار الآحاد، وكذا حكم نفاة القياس الذين لا يقولون بالاجتهاد أصلًا، بل يتبعون النصوص فإن لم يجدوا .. أخذوا بقول سلفهم كالشيعة.
فإن كانوا مجتهدين في مجرى الكلام ويثبتون الأحكام على عموم النصوص وإشاراتها .. جاز تقليدهم على الأصح.
قال: (مجتهد) فلا تصح تولية الجاهل بالأحكام الشرعية وطرقها المحتاج إليها، ولأنه لا يصلح للفتوى فالقضاء أولى، قال الله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾.
والضمير في (عنه) يعود على ما ليس للإنسان به علم، ويكون المعنى: أن الله يسأل سمع الإنسان وبصره وفؤاده عما قال مما لا علم له به، فيقع تكذيبه من جوارحه، وذلك غاية الخزي.
ويحتمل عوده على (كل) التي هي السمع والبصر والفؤاد؛ أي: أن الله يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده فكأنه قال: كل هذا كان الإنسان عنه مسؤولًا، فهو على حذف مضاف.
ولا يخفى أنه يستثنى من هذا المحكَّمُ في النكاح كما تقدم في بابه.
وقال أبو حنيفة: تجوز تولية العامي، ثم هو يسأل أهل العلم.

وَهُوَ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ، وَخَاصَّةُ وَعَامَّهُ، وَمُجْمَلَهُ وَمُبَيَّنَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ،  قال: (وهو: أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام)؛ لأن أهلية الاجتهاد لا تحصل إلا بالعلم بالكتاب والسنة.
وآيات الأحكام – كما قيل – خمس مئة آية، وفيه نظر؛ فإن الأحكام كما تستنبط من الأوامر والنواهي تستنبط من القصص والمواعظ ونحوهما، وكذلك قيل: أحاديث الأحكام خمس مئة حديث.
وكان الحافظ عبد الغني جعل (العمدة) خمس مئة حديث كذلك.
قال الغزالي: ولا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية فيه بجمع أحاديث الأحكام كـ (سنن أبي داوود)، وسبقه إلى ذلك البندنيجي، واعترض عليه المصنف في التمثيل بـ (سنن أبي داوود) بأنه لم يستوعب الصحيح من الأحكام ولا اشترطه، وكم في (الصحيحين) من حديث حكمي ليس فيه، ولا يرد؛ فإنه لم يدع استيعاب الجميع، بل الاعتناء بالجميع.
ولا يشترط حفظ الآيات عن ظهر قلب، قال الروياني: وكذلك الأخبار، لكن نقل الفوراني عن النص: أنه يشترط حفظ جميع القرآن.
قال: (وخاصه وعامه) فـ (الخاص): خلال العام، و (العام): لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر.
ولا بد من معرفة العام المخصوص، والمراد به الخصوص والخاص الذي أريد به العموم.
وأفرد المصنف الضمير حملًا على لفظ (ما).
قال: (ومجمله ومبينه) فـ (المجمل): ما لم تتضح دلالته، و (المبين) ضده.
قال: (وناسخة ومنسوخه) فيعلم ما نسخ لفظه وبقيت تلاوته وعكسه، وجميع أنواعه التي قررها العلماء فيه.

وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ وَغَيْرَهُ، وَالْمُتَّصِلَ وَالْمُرْسِلَ، وَحَالَ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَلِسَانَ الْعَرَبِ لُغَةً وَنَحْوًا، وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِجْمَاعًا وَاخْتِلاَفًا، وَالْقِيَاسَ بِأَنْوَاعِهِ،  قال ابن برهان: ولا بد من معرفة أسباب النزول، وكذلك لا بد من معرفة المطلق والمقيد، والمتشابه والمفصل، والنص والظاهر؛ لأن الجهل بهذه الأشياء يمنع من الاجتهاد.
قال: (ومتواتر السنة وغيره) وهو الآحاد.
وقيل: لا يوجد اليوم حديث متواتر إلا ثلاثة تواتر معناها: حديث إتيان الحوض، وحجة الوداع، (ومن كذب علي متعمدًا ...)، واقتصر بعضهم على الحديث الثالث.
قال: (والمتصل والمرسل، وحال الرواة قوة وضعفًا)؛ لأنه بذلك يتوصل إلى تقرير الأحكام.
قال: (ولسان العرب لغة ونحوًا) فيعرف صيغ الأمر والنهي، والخبر والاستفهام، والوعيد والوعد، والإطلاق والتقييد، والأسماء والأفعال والحروف، وما لا بد منه في فهم الكتاب والسنة.
قال الزمخشري: علوم العربية ترتقي إلى اثني عشر علمًا، غير أن أصولها أربعة: اثنان يتعلقان بالمفردات هما اللغة والتصريف، ويليهما الثالث وهو علم النحو؛ فإن المركبات هي المقصود منه وهو كالنتيجة لها، ثم علم المعاني.
قال: (وأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم إجماعًا واختلافًا)؛ حتى لا يخالف الإجماع باختيار قول ثالث.
قال: (والقياس بأنواعه) أي: جليه وخفيه، وصحيحه وفاسده.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولا يشترط التبحر في هذه العلوم، بل تكفي معرفة جمل منها، فلا يكون في النحو كسيبويه، وفي اللغة كالخليل، بل المعتبر ما يوصله إلى معرفة الحكم، وتعلم ذلك سهل؛ لأنه جمع ودون.
واقتصار المصنف على الأدلة الأربعة المتفق عليها يقتضي أنه لا تشترط معرفة المختلف فيها كالاستصحاب، والمصالح المرسلة، وقياس العكس، والأخذ بأقل ما قيل، ولا بد من معرفتها؛ لترتب بعض الأحكام عليها.
وأفهم أنه لا تشترط معرفة أصول الاعتقاد، لكن حكى الرافعي عن الأصحاب اشتراطه، وهذا إنما حكاه الغزالي في (المستصفى) عن الأصوليين، ثم خالفهم وقال: يكفي اعتقاد جازم، ولا تشترط معرفتها على طريق المتكلمين؛ فإنها لم تكن في عهد الصحابة.
واجتماع هذه العلوم إنما يعتبر في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الأبواب، أما المقلد .. فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه.
قال شيخ الإسلام ابن دقيق العيد: لا يخلو العصر عن مجتهد إلا إذا تداعى الزمان وقربت الساعة.
وأما قول الغزالي والقفال: إن العصر خلا عن المجتهد المستقل .. فالظاهر أن المراد: مجتهد قائم بالقضاء؛ فإن العلماء كانوا يرغبون عنه.
قال ابن الرفعة: ولا يختلف اثنان أن ابن عبد السلام وابن دقيق العيد بلغا رتبة الاجتهاد.
وقال ابن الصلاح: إمام الحرمين والغزالي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الأئمة المجتهدين في المذهب.
وقال مالك: خصال القضاء لا تجتمع الآن في أحد، فإذا اجتمعت في شخص خصلتان .. رأيت أن يولى العقل والورع، فبالعقل يسأل وبالورع يكف، فمن شأن ابن آدم أن لا يعلم كل شيء، ومن شأنه أن يعلم ثم ينسى، ومن شأنه أن يعلم ثم يزيده الله علمًا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال عمر بن عبد العزيز: لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيًا حتى تكون فيه خمس خصال: العفة والحلم والعلم واستشارة ذوي الرأي وأن لا يبالي بملامة الناس.
وقال القاضي أبو الطيب: من جمع شرائط القضاء ولكن بلسانه لكنة تمنعه من تقويم (الفاتحة جاز أن يولى القضاء.
ويستحب أن يكون القاضي كامل الأعضاء، قرشيًا، حسن الصفات والخط، ولا يشترط أن يحسن الكتابة على الأصح، وأن يكون زائد الورع، كثير التقوى، خاليًا عن الشبهة في الاعتقاد، متضلعًا بعلوم الشروط والأقضية، متصفًا بكل صفة جميلة تزيده هيبة في النفوس وعظمة.
ورعاية العلم والتقوى أولى من رعاية النسب، وأن يكون حكيمًا ذا فطنة ويقظة لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة، صحيح الحواس، عالمًا بلغات أهل ولايته، جامعًا للعفاف نزهًا، بعيدًا من الطمع، بريئًا من الشحناء، صدوق اللهجة، ذا رأي ومشورة، إذا وعد وفى، لين الكلمة، ظاهر السكينة والهيبة والوقار.
وروي: أن عليًا ولى أبا الأسود الدؤلي القضاء ساعة ثم عزله فقال: لمَ عزلتني؟ فو الله ما خنت ولا جنيت! فقال: (بلغني أن كلامك يعلو الخصوم).
وقال الحليمي: ينبغي للإمام أن لا يولي الحكم بين الناس إلا من جمع إلى العلم السكينة والتثبت، وإلى الفهم الصبر والحلم، وكان عدلًا أمينًا، نزهًا عن المطاعم الدنيئة، ورعًا عن المطامع الرديئة، شديدًا قويًا في ذات الله، متيقظًا متحفظًا من سخط الله، ليس بالنكس الخوار فلا يهاب، ولا المتعظم الجبار فلا ينتاب، بل وسطًا خيارًا.
ولا يدع الإمام مع ذلك أن يديم الفحص عن سيرته والتعرف بحاله وطريقته، فيقابل منه ما يجب تغييره بعاجل التغيير، وما يجب تقريره بأحسن التقرير، وأن يكف الأمراء والعمال عن معارضته ومزاحمته، ويأمرهم جميعًا بطاعته فيما يتصل بالانقياد للأحكام من نقض أو إبرام.
ويتوقى أن يقال في ولايته: هذا حكم الله وهذا حكم الديوان؛ فإن هذا شرك

فَإِنْ تَعَذَّرَ جَمْعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَوَلَّى سُلْطَانٌ لَهُ شَوْكَةٌ فَاسِقًا أَوْ مُقَلِّدًا .. نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ،  من قائله، إذ لا حكم إلا الله، وإن سمع الوالي من قال ذلك وأقره عليه .. فهو مثله.
قال: (فإن تعذر جمع هذه الشروط فولى سلطان له شوكة فاسقًا أو مقلدًا ... نفذ قضاؤه للضرورة)؛ لئلا تتعطل مصالح الناس.
ويؤيده: أنا ننفذ قضاء البغاة لمثل هذه الضرورة؛ كذا نقله الرافعي عن الغزالي ثم قال: وهو حسن، لكن قال ابن شداد وابن أبي الدم وابن الصلاح: ما قاله الغزالي لا نعلم أحدًا قاله، بل قطع الأصحاب قاطبة بأن الفاسق لا ينفذ حكمه وإن ولاه الإمام، وحكاه القاضي عن النص، وجزم به الشيخان في (باب البغاة).
وإذا كان قاضي البغاة تعتبر فيه مع العلم العدالة بلا خلاف فكيف تنفذ أحكام قاضي أهل العدل مع فسقه؟ وهذه المقالة لم ينفرد بها الغزالي، بل جزم بها الدرامي في (الاستذكار)، والجاجرمي في (الإيضاح).
ويستدل له بإجماع الأمة على تنفيذ أحكام الحكام الظلمة وأحكام من ولوا.
وأما القاضي العادل إذا استقضاه أمير باغ .. أجابه إليه، فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن ذلك لمن استقضاه زياد فقالت: إن لم يقض لهم خياركم .. قضى لهم شراركم.
والمنقول: أن قضاء الفاسق لا ينفذ، وقال ابن الرفعة: كلام صاحب الكافي دال على تردد فيه إذا كان ثَمَّ من يصلح، فإن لم يكن .. فلا وجه إلا تنفيذ حكمه، قال: ولو استولى الكفار على إقليم فولوا القضاء رجلًا مسلمًا .. يظهر نفاذ حكمه للضرورة، قال: وإذا ابتلينا بولاية امرأة أو صبي القضاء .. ففي نفوذه وقفة.
قال الأذرعي: وخرج بـ (السلطان) ما إذا ولى قاضي القضاة في النواحي من ليس بأهل .. فالظاهر أن حكمه لا ينفذ، ويفارق السلطان لخوف سطوته وبأسه، بخلاف القاضي غالبًا.

وَيُنْدَبُ لِلإِمَامِ إِذَا وَلَّى قَاضِيًا أَنْ يَاذَنَ لَهُ فِي الاِسْتِخْلاَفِ،  وقد أطلق الرافعي أنه إذا استخلف من لا يصلح للقضاء .. فأحكامه باطلة لا يجوز إنفاذها.
فرع: إذا لم يكن في البلد إلا مفت واحد يصلح للفتوى .. تعين عليه أن يفتي، فإن كان هناك غيره .. فهو من فروض الكفايات، ومع هذا لا يحمد التسارع إليه؛ فقد كان الصحابة رضي الله عنهم – مع مشاهدتهم الوحي – يحيل بعضهم على بعض في الفتوى، ويحترز عن استعمال الرأي والقياس ما أمكن، وقد أطال المصنف هنا في الروضة في صفات المفتي والمستفتي.
فرع: لا يشترط أن يكون للمجتهد مذهب مدون، وإذا دونت المذاهب .. فهل يجوز للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب؟ الأصح: الجواز كما لو قلد في القبلة هذا أيامًا وهذا أيامًا.
ولو قلد مجتهدًا في مسائل وآخر في مسائل أخرى واستوى المجتهدان عنده أو خيرناه .. فالذي يقتضيه فعل الأولين الجواز، كما أن الأعمى إذا قلنا: لا يجتهد في الأواني والثياب .. له أن يقلد في الثياب واحدًا وفي الأواني آخر؛ لكن الأصوليون منعوا منه للمصلحة.
وقال أبو إسحاق: إذا اختار من كل مذهب ما هو أهون .. فسق به، وعن ابن أبي هريرة: لا يفسق.
قال: (ويندب للإمام إذا ولى قاضيًا أن يأذن له في الاستخلاف)؛ ليكون أسهل له وأسرع إلى فصل الخصومات، ويتأكد ذلك عند اتساع الخطة وكثرة الرعية واتساع العمل.
قال الماوردي: وإذا قلده بلدًا وسكت عن ذكر ضواحيها، فإن جرى العرف

فَإِنْ نَهَاهُ .. لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. اسْتَخْلَفَ فِيمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لاَ فِي غَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ.
وَشَرْطُ الْمُسْتَخْلَفِ كَالْقَاضِي،  بإفرادها عنها .. لم تدخل في ولايته، وإن جرى بإضافتها .. دخلت، وإن اختلف العرف .. روعي أكثرهما عرفًا، فإن استوى .. روعي أقربهما عهدًا.
قال: (فإن نهاه .. لم يستخلف)؛ لأنه لم يرض بنظر غيره.
فإن كان ما فرضه إليه لا يمكنه القيام به .. قال القاضي أبو الطيب: كان النهي كالعدم.
قال الرافعي: والأقرب أحد أمرين: إما بطلان التولية وبه قال ابن القطان، وإما اقتصاره على الممكن وترك والاستخلاف، قال المصنف: وهو أرجحهما.
قال: (وإن طلق .. استخلف فيما لا يقدر عليه)؛ لأن العرف يقتضيه فحملت التولية عليه.
قال: (لا في غيره في الأصح)؛ لأن العرف لا يقتضيه.
والثاني: يستخلف في الجميع كالإمام، واختاره ابن أبي عصرون؛ لأن الإمام لما ولاه .. صار ناظرًا للمسلمين، فله الاستنابة فيما له التصرف فيه كالإمام.
كل هذا في الاستخلاف العام، أما الأمور الخاصة كتحليف وسماع بينة .. فقطع القفال بجوازه للضرورة، ومقتضى كلام الأكثرين أنه على الخلاف.
ومحل الخلاف عند الإطلاق في العجز المقارن، أما الطارئ كما لو مرض أو أراد أن يغيب عن البلد لشغل .. فيجوز له الاستخلاف قطعًا، قاله في (التهذيب)، ولا يأتي هذا في حالة النهي.
قال ابن سريج: ولو جعل لرجل التزويج والنظر في أمر اليتامى .. لم يكن له أن يستنيب فيه، ونقله الرافعي عنه في (فصل العزل) وأقره، فليس للعاقد ولا لناظر الأيتام الاستنابة فيما فوض إليهما.
قال: (وشرط المستخلف كالقاضي)؛ لأنه فرعه فاشترط فيه ما اشترط فيه.
ويؤخذ من هذا: أنه له أن يستخلف أباه وابنه، وبه صرح الماوردي والبغوي

إِلاَّ أَنْ يُسْتَخْلَفَ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ – كَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ – فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ أَوِ اجْتِهَادِ مُقَلَّدِهِ إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ خِلاَفَهُ  وغيرهما، كما أن للإمام أن يستخلف في أعماله من يرى من أولاده، ومحل جواز استخلاف الولد أو الوالد إذا ثبتت عدالته عند عيره، لكن يستثنى من ذلك إذا فوض الإمام إليه اختيار قاض .. فإنه لا يختار ولده كما لا يختار نفسه.
قال: (إلا أن يستخلف في أمر خاص – كسماع بينة – فيكفي علمه بما يتعلق به)، ولا تشترط فيه رتبة الاجتهاد، كذا نقله الرافعي هنا عن الجويني وغيره، وجزم في الكلام على التزكية بأنه إذا نصب حاكمًا في الجرح والتعديل .. تعتبر فيه صفات القضاء.
وإذا جوزنا الاستخلاف فاستخلف حنفيًا أو مالكيًا أو بالعكس .. فالمشهور: الجواز.
قال: (ويحكم باجتهاده أو اجتهاد مقلده) أي: بفتح اللام (إن كان مقلدًا)؛ لأنه إنما يحكم بما يعتقده.
قال: (ولا يجوز أن يشرط عليه خلافه)؛ لأنه لا يعتقد ذلك.
والمراد: إذا شرط على النائب المجتهد أن يخالف اجتهاده ويحكم باجتهاد المنيب .. لم يجز، وكذا إذا جاز تولية المقلد للضرورة .. فاعتقاد مقلده في حقه كاجتهاد المجتهد لا يجوز أن يشترط عليه الحكم بخلافه.
فلو خالف وشرط القاضي الحنفي على نائبه الشافعي الحكم بمذهب أبي حنيفة.

وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ رَجُلًا فِي غَيْرِ اللهِ تَعَالَى .. جَازَ  قال في (الوسيط): له الحكم بالمسائل التي اتفق عليها المذهبان فقط.
وسئل الدامغاني عن حنفي ولى شافعيًا على أن يحكم بمذهب أبي حنيفة هل يصح؟ قال: نعم؛ لأن القاضي أبا حازم ولى ابن سريج ببغداد على أن لا يقضي إلا بمذهب أبي حنيفة فالتزمه.
وفي (فتاوي القاضي حسين): لو شرط عليه أن لا يقضي بشاهد ويمين ولا غائب .. لغا الشرط وقضى باجتهاده.
قال: (ولو حكم خصمان رجلًا في غير حَقِّ الله تعالى .. جاز)؛ ففي (سنن البيهقي) [10/ 145]: أن عمر وأبي بن كعب تحاكما إلى زيد بن ثابت في نخل، وعثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم [5/ 268]، وعمر والعباس إلى أبي بن كعب في أرض بالقرب من المسجد، ولم ينكر ذلك أحد.
واستدل الرافعي بقوله صلى الله عليه وسلم: (من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل .. فعليه لعنة الله).
ولو لم يكن لحكمه اعتبار ولزوم .. لما كان لهذا التهديد معنىً، والحديث غريب لا يعرف.
نعم؛ روى أبو داوود [4916] والنسائي [8/ 226] وابن حبان [504] والحاكم [1/ 24]: أن هانئًا الحارثي لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه .. سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلِمَ تكنى بذلك؟! قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء .. أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما أحسن هذا؟! فما لك من الولد؟) قال: شريح وعبد الله ومسلم، قال: (من أكبرهم؟) قال: شريح، قال: (فأنت أبو شريح) ودعا له ولولده.
وكان شريح بن هانئ من أعيان أصحاب علي، شهد معه حروبه كلها، وعاش مئة وعشرين سنة.

مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عَدَمُ قَاضٍ فِي الْبَلَدِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِمَالٍ دُونَ قِصَاصٍ وَنِكَاحٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ إِلاَّ عَلَى رَاضٍ بِهِ، فَلاَ يَكْفِي رِضَا قَاتِلٍ فِي ضَرْبِ دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ،  أما حدود الله تعالى .. فلا يحكم فيها؛ إذ ليس لها طالب معين، ولأنها أمور خطرة فتناط بنظر الحكام، وهذا الاستثناء من زيادات (المنهاج) على (المحرر) ولا بد منه، لكن قوله: (خصمان) يوهم اعتبار الخصومة، وليس كذلك؛ فإن التحكيم يجري في النكاح، فلو قال: اثنان .. كان أحسن.
وقوله: (رجلًا) يوهم عدم جواز اثنين.
وقال في (المطلب): لو تحاكما إلى اثنين .. لم ينفذ حكم أحدهما حتى يجتمعا.
قال: (مطلقًا) أي: سواء كان في الأموال أم غيرها، وسواء كان هناك قاض أم لم يكن، وسواء كان المحكم فيه قصاصًا أم نكاحًا أو غيرهما مما سيأتي.
قال: (بشرط أهلية القضاء)؛ لأن ذلك منزل منزلة الحكم، فإذا لم يكن أهلًا .. لم ينفذ حكمه اتفاقًا.
قال: (وفي قول: لا يجوز)؛ لأن تقليد القضاء من مناصب الإمام فلا يثبت للآحاد، ولأن في ذلك افتتانًا على الإمام والحكام، وإنما تحاكم عمر وعثمان مع خصميهما؛ لأنهما خصميهما؛ لأنهما إمامان فتحكيمهما تولية للحكم، واختاره الإمام والغزالي.
قال: (وقيل: يشترط عدم قاض في البلد)؛ لأن في جواز ذلك مع وجود القاضي تفويت الحكومات عليه.
قال: (وقيل: يختص بمال دون قصاص ونكاح ونحوهما) كاللعان واحد القذف؛ لأنها أمور خطرة فتناط بنظر القاضي ومنصبة.
والصحيح: لا فرق؛ لأن من صح حكمه في المال .. صح في غيره كالمولَّى من جهة الإمام.
قال: (ولا ينفذ حكمه إلا على راض به، فلا يكفي رضا قاتل في ضرب دية على عاقلته) إن لم يرضوا بحكمه، ولا يكفي رضا القاتل.

فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ .. امْتَنَعَ الْحُكْمُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الرِّضَا بَعْدَ الْحُكْمِ فِي الأَظَهَرِ  وقيل: يكفي رضاه، والعاقلة تبع له.
وخصه السرخسي بقولنا: تجب الدية على الجاني، ثم تتحملها العاقلة، فإن قلنا: تجب عليهم ابتداء .. اشترط رضاهم قطعًا، واستحسنه الرافعي.
وما ذكره من اشتراط الرضا محله: إذا كان المحكم غير القاضي، فلو كان أحد المتحاكمين القاضي نفسه .. فالمذهب أنه لا يشترط رضا الآخر؛ لأن المحكم نائبه، وهذا حيث له أن يستنيب.
فروع: ليس للمحكم الحبس على الأصح، بل غايته الإثبات والحكم.
قال في (الوسيط): وإذا حكم بشيء من العقوبات كالقصاص وحد القذف .. لا يستوفيه؛ لأن ذلك خرم لأُبَّهة الولاية، وإذا رفع حكمه إلى القاضي .. لم ينقضه إلا حيث ينقض حكم قاضي الإمام.
والراجح: أنه ليس له أن يحكم بعلمه؛ لانحطاط رتبته.
وإذا ثبت الحق عند المحكم وحكم به أو لم يحكم .. فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة؛ لأن قوله بعد الافتراق لا يقبل كالقاضي بعد العزل، قاله الماوردي.
وإذا تحاكم رجل وبكر إلى فقيه ليزوجها منه وجوزنا التحكيم فيه فقال المحكم: حكمتني لأزوجك من هذا فسكتت .. كان سكوتها إذنًا كما لو استأذنها الولي فسكتت.
قال: (فإن رجع أحدهما قبل الحكم .. امتنع الحكم)، حتى لو أقام المدعي شاهدين فقال المدعى عليه: عزلتك .. لم يكن له أن يحكم.
قال: (ولا يشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر) كحكم الحاكم.
والثاني: يشترط؛ لأن رضاهما معتبر أولًا في ابتداء الحكم، فكذلك في انتهائه.

وَلَوْ نَصَبَ قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ وَخَصَّ كُلًا بِمَكَانٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ نَوْعٍ .. جَازَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَخُصَّ فِي الأَصَحِّ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْحُكْمِ  قال: (ولو نصب قاضيين ببلد وخص كلًا بمكان أو زمن أو نوع) بأن جعل أحدهما يحكم في الأموال والآخر في الدماء والفروج.
قال: (.. جاز)؛ لأن الضرورة قد تدعو إلى ذلك، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا وأبا موسى حاكمين إلى اليمن، وأردفهما بعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
قال ابن كج: وكذا لو ولاهما على أن يحكم كل واحد منهما في الواقعة التي يرفعها المتخاصمان إليه.
فإن شرط عليهما الاجتماع في الحكم .. لو يجز، قال ابن الرفعة: بالاتفاق؛ لأن اختلاف الاجتهاد غالب، والتقليد ممتنع، فيؤدي إلى بقاء الخصومات واستمرار المنازعات.
قال: (وكذا إن لم يخص في الأصح) كما إذا عمم؛ لأنهما كالوكيلين والوصيين.
والثاني: لا يجوز كالإمامة العظمى، وصححه الإمام والغزالي وابن أبي عصرون، ونقله مجلي عن الأصحاب، فعلى هذا: إن ولاهما معًا .. بطلت ولايتهما، أو متعاقبين .. صحت تولية الأول دون الثاني.
قال: (إلا أن يشترط اجتماعهما على الحكم) فإنه لا يجوز؛ لأن بذلك يكثر الخلاف في مواقع الاجتهاد فتتعطل الحكومات.
فرعان: أحدهما: تلوية القضاء تنعقد بما تنعقد به الوكالة، وهو المشافهة باللفظ، والمراسلة والمكاتبة عن الغيبة.
وصريح اللفظ: وليتك القضاء، واستخلفتك واستنبتك، واقض بين الناس، أو احكم ببلد كذا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والكنايات: اعتمدت عليك في القضاء، أو فوضته إليك، أو أسندت.
وعند المشافهة يشترط القبول على الفور، وفي المراسلة والمكاتبة لا يشترط الفور.
وسبق في (الوكالة) خلاف في اشتراط القبول، وفي الفور يأتي مثله هنا.
والثاني: إذا خلا الزمان عن إمام وعن سلطان ذي كفاية .. فأطلق الإمام في (الغياثي) أن الأمور موكولة إلى العملاء، ويلزم الأمة الرجوع إليهم، ويصيرون ولاة العباد، فإن عسر جمعهم على واحد .. استقل أهل كل ناحية باتباع علمائهم، فإن كثر علماء ناحية .. فالمتبع أعلمهم، فإن استووا واتفقوا على أحدهم .. فذاك، وإن تنازعوا أقرع.
تتمة: يجب على الإمام نصب قاض في كل بلدة وناحية خالية عن قاض، فإن عرف حال من يوليه عدالة وعلمًا .. فذاك، وإلا .. أحضره وجمع بينه وبين العلماء؛ ليعرف علمه، ويسأل عن سيرته جيرانه وخلطاءه.
فلو ولى من لا يعرف حاله .. لم تنعقد توليته وإن عالم بعد ذلك كونه بصفة القضاء.
وما ذكروه من عدم الصحة قد استشكل قديمًا؛ لأنه قد تبين اجتماع الشروط حالة الولاية، وليس هو مما تعتبر فيه النية حتى يقال: إنه أقدم عليه مترددًا فلا يصح كما لو اقتدى بمن بان رجلًا، بل هذا نظير البيع والنكاح والإجارة وغيرها من العقود المستجمعة للشروط في نفس الأمر لا في ظن العاقد.
وقد أجابوا في جميعها بالصحة كما إذا باع مال أبيه على ظن حياته، بل هذه أولى بالصحة؛ لظنه هناك عدم وجود الشروط، لأن الفرض أنه ظنه لغيره، وهاهنا لم يظن شيئًا.
والجواب: أن تولية الحاكم حكم بأهلية المولَّى، وليس للحاكم أن يحكم إلا بعد

فَصْلٌ: جُنَّ قَاضٍ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ عَمِيَ، أَوْ ذَهَبَتْ أَهْلِيَّةُ اجْتِهَادِهِ وَضَبْطِهِ بِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ، لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ،  قيام المستند، حتى لو حكم ثم قامت بينة بعد ذلك على وفق الحكم .. لم يكن ذلك الحكم نافذًا.
ويجوز أن يجعل الإمام نصب القاضي إلى والي الإقليم وأمير البلد وإن لم يكن المعجول إليه صالحًا للقضاء؛ لأنه سفير محض.
قال: (فصل: جن قاض، أو أغمي عليه، أو عمي، أو ذهبت أهلية اجتهاده وضبطه بغفلة أو نسيان .. لم ينفذ حكمه)؛ لأن القضاء عقد جائز، ولهذا له عزل نفسه، وللإمام عزله.
وقيل: لا يبطل به وإن بطلت الوكالة به؛ لأنه أقوى منها، حكاه في (البحر) وضعفه، والذي جزم به الرافعي والمصنف في الإغماء حكاه الروياني وجهًا وضعفه واستبعده، والقول بعدم انعزاله وجه محكي في (الوكالة)، وفي الحكمين في الشقاق، وقد حكاه الرافعي فيه، ولم يحكه في (القضاء)، والقضاء أقوى من الوكالة وأولى بعدم الانعزال، كما قال في (البحر).
واختار الشيخ عدم الانعزال بالإغماء، وأنه لا يسلب الولايات؛ لأنه مرض يطرأ ويزول، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في بابي (الوكالة) (والقراض).
وينبغي أن يفصل بين أن يطول زمنه فينعزل به، أو لا فلا يوثر كالنوم.
وأما العمى .. ففيه الوجه الشاذ الذي تقدم، وفي معناه الخرس والصمم، وذهاب أهلية الاجتهاد والضبط؛ فإنه ركن في القضاء.
وهل العمى إذا عرض سالب للولاية أو مانع؟ فيه وجهان اختلف في تصحيح ما يترتب عليهما، فصححوا عود ولايته إذا شفي، وصححوا فيما إذا عمي بعد الدعوى عنده وسماع البينة نفوذَ قضائه على المتحاكمين المعروفين، فحينئذ تستثنى هذه من إطلاق المصنف.

وَكَذَا لَوْ فَسَقَ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ زَالَتْ هَذِهِ الأَحْوَالُ .. لَمْ تَعُدْ وِلاَيَتُهُ فِي الأَصَحِّ.
وَلِلإِمَامِ عَزْلُ قَاضٍ ظَهَرَ مِنْهُ خَلَلٌ،  ومراده بعدم نفوذ حكمه: انعزاله كما صرح به الأصحاب.
قال: (وكذا لو فسق في الأصح)؛ لوجود المنافي.
والثاني: ينفذ حكمه كالإمام الأعظم والمسألة تقدمت في (الوصايا).
وقال الماوردي والروياني: إن أصر على الفسق .. انعزل، وإن أقلع بتوبة ومعصية حفية .. لم ينعزل.
قال: (فإن زالت هذه الأحوال .. لم تعد ولايته في الأصح) كالوكالة، ولأن الشيء إذا .. بطل لم ينقلب إلى الصحة بنفسه وإن زال المانع كالبيع ونحوه.
والثاني: تعود من غير استئناف؛ لأن التولية الأولى اقتضت دوام الولاية، فإذا وجد المانع ثم زال .. وجب العود؛ لمقتضى السبب الأول.
وفي (أمالي السرخسي): القطع بأن الإغماء إذا زال .. تعود الولاية، بخلاف الجنون.
ولو ارتد ثم أسلم .. لم تعد ولايته قطعًا.
ويجري الخلاف في الوصي وقيم الحاكم، بخلاف الأب والجد؛ لقوة ولايتهما.
ولو زالت أهلية الناظر المشروط في أصل الوقف ثم عادت .. عادت ولايته جزمًا كما أفتى به المصنف؛ لقوته، إذ ليس لأحد عزله ولا الاستبدال به.
ولو أخبر الإمام بموت القاضي أو جنونه أو فسقه فولى غيره ثم بان خلافه .. لم يقدح ذلك في ولاية الثاني.
وإذا أنكر كونه قاضيًا .. نقل في (البحر) عن جده أنه ينعزل، وأقره ابن الرفعة عليه، ويشبه أن يقال: إن كان له غرض في ذلك .. لم ينعزل، وإلا .. انعزل كالوكيل.
ولو سافر القاضي سفرًا طويلًا بغير إذن الإمام .. لم ينعزل بذلك.
قال: (وللإمام عزل قاض ظهر منه خلل)؛ لأنه يجب عليه أن ينظر للمسلمين بالمصلحة، وهذا عين المصلحة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ففي (سنن أبي داوود): أن النبي صلى الله عليه وسلم عزل إمامًا كان يصلي بقوم ويبصق في القبلة، وقال: (لا يصلي بهم بعدها أبدًا) وإذا ثبت هذا في إمامة الصلاة .. فالقاضي أوبى.
قال في (الوسيط): وتكفي فيه غلبة الظن، وبه جزم في (الشرح الصغير).
ومن غلبة الظن: كثرة شكوى رعيته، وكراهيتهم له، فقد عزل عمر سعدًا عن الكوفة لما شكوه إليه، واعتذر عن عزله، وأدخله عند موته في الستة الذي جعل الأمر شورى بينهم وقال: (إني لم أعزله لعجز ولا لخيانة) رواه البخاري في (باب مناقب عمر).
قال الشيخ عز الدين: ومن دقيق النظر الذي لا يفهمه إلا مثل عمر رضي الله عنه من إقامة حقوق الله وحقوق المسلمين: أن عمر عزل خالد بن الوليد عن قنسرين، وأشخصه إلى المدينة لما بلغ عمر إضافة الناس الفتوح إلى خالد، ونسوا إضافة ذلك إلى الله تعالى، فعزله خوفًا على المسلمين من ذلك.
لكن في (مسند أحمد) [3/ 475] في عزله سبب آخر غير هذا، أخرجه عن ناشرة بن سمي اليزني قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول في خطبته: (إني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد، إني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان، فنزعته وأمرت أبا عبيدة، فقال أبو عمرو بن حفض: والله ما عدلت! نزعت عاملًا استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغمدت سيفًا سله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعت لواء نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر: إنك حديث السن مغضب في ابن عمك).
وفي (أمالي ابن عبد السلام): يجب العزل مع الريبة؛ دفعًا للمفسدة، لقوله صلى الله عليه وسلم (من ولي من أمور المسلمين شيئًا ثم لم يجتهد لهم ولم أَوْ لَمْ يَظْهَرْ وَهُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ وَفي عَزْلِهِ بِهِ مَصْلَحَةٌ كَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ، وَإِلاَّ .. فَلاَ، لَكِنْ يَنْفُذُ الْعزْلُ فِي الأَصَحِّ،  ينصح .. فالجنة عليه حرام).
قال: (أو لم يظهر وهناك أفضل منه)؛ لما في ذلك من تحصيل مصلحة زائدة.
قال: (أو مثله) وكذا دونه (وفي عزله به مصلحة كتسكين فتنة) هذا قيد في المثل لا في الأفضل، وقيده في (المحرر) بعدم الفتنة في عزله أيضًا فقال: أو مثله وفي عزله به للمسلمين مصلحة، وليس في عزله فتنة.
قال: (وإلا .. فلا) أي: وإن لم تكن فيه مصلحة .. فليس له عزله.
وشملت عبارة المصنف مسألتين: إحداهما: أن لا تكون في عزلة مصلحة.
والثانية: أن يكون الموجود دون المتولي فلا يجوز العزل فيهما.
هذا ظاهر كلامه، وسوى في (الروضة) و (الشرحين) بين المثل والدون فقال: وإن كان مثله أو دونه، فإن كان بالعزل به مصلحة من تسكين فتنة ونحوها ولو على سبيل الاحتمال .. فللإمام عزله، فإن لم تكن فيه مصلحة .. لم يجز.
ونقل في (الشرح الكبير) هذا التفصيل عن الإمام، وجزم به في (الروضة) و (الشرح الصغير).
كل هذا إذا وجد من يصلح للقضاء، وإلا .. لم يجز عزل الصالح، ولا ينعزل بالعزل.
قال: (لكن ينفذ العزل في الأصح)؛ للمصلحة وطاعة السلطانة.
والثاني: لا؛ لأنه لا خلل في الأولى، فلا خلل في عزله.
ونقل ابن أبي الدم طريقة ثالثة: أنه ينعزل قولًا واحدًا.

وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ خَبَرَ عَزْلِهِ  تنبيه: سكوت المصنف عن العزل بعزل نفسه يوهم أنه لا ينعزل بذلك، والذي جزم به الشيخان: أن للقاضي أن يعزل نفسه كالوكيل.
وقال الماوردي في (الإقناع): لا ينعزل إلا بإذن من ولاه؛ لأنه لم يول نفسه فلم يجز أن يعزلها.
وفي (البحر) و (الحاوي): إن كان معذورًا .. جاز اعتزاله، وإلا .. فلا بد من إعلام الإمام واستعفائه.
وقال القاضي شريح: إن لم يتعين عليه .. انعزل، وإن تعين .. لم ينعزل بعزل نفسه في أظهر الوجهين، وبهذا جزم ابن عبد السلام.
هذا في الأمر العام، أما الوظائف الخاصة كالإمامة والأذان والتصوف والتدريس والطلب والنظر ونحوه .. فلا ينعزل أربابها بالعزل من غير سبب كما أفتى به كثير من المتأخرين، منهم قاضي القضاة تقي الدين بن رزين والشيخ؛ فقال: ولي تدريسًا .. لم يجز عزله بمثله ولا بدونه، ولا ينعزل بذلك، ولا شك في التحريم.
وفي (الروضة) في آخر (باب الفيء): أنه إذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض الجند المثبتين في الديوان بسبب .. جاز، وبغير سبب لا يجوز.
وإذا ثبت هذا في الحقوق العامة .. ففي الخاصة أولى، وقد قالو: إن الفقيه لا يزعج من بيت المدرسة، لثبوت حقه بالسبق.
قال: (والمذهب: أنه لا ينعزل قبل بلوغه خبر عزله)؛ لعظم الضرر بنقص الأحكام وفساد الأنكحة وإبطال التصرفات العامة، بخلاف الوكيل.
وقيل: على قولين كالوكيل، لكن يستثنى من هذا ما إذا علم الخصم أنه

وَإِذَا كَتَبَ الإِمَامُ إِلَيْهِ: إِذَا قَرَاتَ كِتَابِي فَأَنْتَ مَعْزُولٌ، فَقَرَأَهُ .. انْعَزَلَ، وَكَذَا إِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ فِي الأَصَحَّ، وَيَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَانْعِزَالِهِ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ كَبَيْعِ مَالِ مَيْتٍ، والأَصَحُّ: انْعِزَالُ نَائِبِهِ الْمُطْلَقِ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الاِسْتِحْلاَفِ،  معزول .. فلا ينفذ حكمه عليه؛ لعلمه أن غير حاكم باطنًا، ذكره المارودي في (النكاح).
فإن رضيا بحكمه .. كان كالتحكيم بشرطه، ولم يتعرضوا لما يحصل به بلوغ الخبر، وينبغي إلحاق ذلك بخبر التولية، بل أولى حتى يعتبر شاهدان، وتكفي الاستفاضة.
قال: (وإذا كتب الإمام إليه: إذا قرأت كتابي فأنت معزول، فقرأه .. انعزل)؛ لوجود القراءة، ولا ينعزل قبل القراءة قطعًا.
واحترز المصنف بقوله: (إذا قرأه) عما إذا كتب إليه: عزلتك أو أنت معزول من غير تعليق على القراءة .. فإنه كما لو عزله بلفظه، ففيه الطريقان.
قال: (وكذا إن قرئ عليه في الأصح)؛ لأن الغرض إعلامه، سواء كان قارئًا أو أميًا وجوزناه.
والثاني: لا ينعزل؛ لأنه علقه على أمر لم يوجد، والانعزال في الأمي أولى.
والظاهر: أنه تكفي هاهنا قراءة موضع العزل فقط لا جميع الكتاب، ولا يأتي في الخلاف السابق في الطلاق فيما إذا ذهب بعضه أو انمحق.
قال: (وينعزل بموته وانعزاله من أذن له في شغل معين كبيع مال ميت) كالوكيل؛ فإنه ينعزل بموت الموكل، وكذا بيع مال غائب أو سماع بينة في حادثة معينة.
قال: (والأصح: انعزال نائبه المطلق إن لم يؤذن له في الاستخلاف)؛ لأن

أَوْ قِيلَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ عَنْ نَفْسِكَ، أَوْ أَطْلَقَ، فَإِنْ قَالَ: اسْتَخْلِفْ عَنِّي .. فَلاَ.
وَلاَ يَنْعَزِلُ قَاضٍ بِمَوْتِ الإِمَامِ،  الاستخلاف هاهنا لحاجته إلى من يعاونه في العمل وقد زال بزوال ولايته.
قال: (أو قيل له: استخلف عن نفسك، أو أطلق)؛ لظهور غرض المعاونة، وبطلانها ببطلان ولايته.
قال: (فإن قال: استخلف عني .. فلا)؛ لأنه مأذون من جهة الإمام، وكان الأول سفيرًا محضًا في التولية.
والثاني: ينعزل مطلقًا كما ينعزل الوكيل بموت الموكل.
والثالث: لا مطلقًا؛ رعاية لمصلحة الناس.
والرابع: إن استخلف بالإذن .. لم ينعزل، وإلا .. انعزل.
والخامس: إن كان المولي قاضي القضاة .. لم ينعزل بموته وعزله من ولاَّه، قاله المارودي.
فرع: تنازع خصمان في الحضور إلى الأصل والنائب، طلب أحدهما الرفع إلى الأصل والآخر إلى النائب .. قال في (الحاوي): إن كان القاضي يوم الترافع ناظرًا .. فالداعي إليه أولى بالإجابة من الداعي إلى نائبه؛ لأنه الأصل، وإن كان الناظر نائبه .. فالداعي إليه أولى؛ لأنه أعجل.
وقال الإمام والغزالي: يجاب الداعي إلى الأصل مطلقًا.
قال: (ولا ينعزل قاض بموت الإمام) أي: ولا بانعزاله؛ لأن الإمام يعقده للمسلمين، فإذا مات .. لم يبطل ما عقده لغيره، كولي المرأة إذا زوجها ثم مات .. لم يبطل النكاح.

وَلاَ نَاظِرُ يَتِيمٍ وَوَقْفٍ بِمَوْتِ قَاضٍ، وَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدً عَزْلِهِ: حَكَمْتُ بِكَذَا، فَإِنْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ بِحُكْمِهِ .. لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ جَائِزِ الْحُكْمِ .. قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ،  وحكم من ولاه الإمام حكمًا عامًا يختص بمصالح الولاية كالقاضي، وذلك كنظر الجيوش والحسبة ووكالة بيت المال، فلا ينعزل متولي ذلك بموت الإمام.
وقد غلط بعض الفقهاء فأفتى بعزل وكيل بيت المال بعزل السلطان ظنًا منه أنه كالوكيل ينعزل بموت الموكل، والصواب: عدم انعزاله؛ لأنه ليس وكيلًا عنه، بل متوليًا كالحاكم.
قال: (ولا ناظر يتيم ووقف بموت قاض)؛ لئلا تنسد أبواب المصالح، وجعلهما الغزالي كالخلفاء.
قال: (ولا يقبل قوله بعد عزله: حكمت بكذا)؛ لأنه لا يملك الحكم حينئذ فلا يقبل إقراره به.
قال: (فإن شهد مع آخر بحكمه .. لم يقبل على الصحيح)؛ لأنه يشهد بفعل نفسه.
والثاني: يقبل؛ لأنه لم يجر لنفسه بذلك نفعًا ولم يدفع ضررًا.
ومحل الخلاف في غير الإقرار، فإذا شهد أنه أقر في مجلس حكمه .. قبلت شهادته قطعًا؛ لأنه لم يشهد على فعل نفسه.
قال الماوردي: ولا يحتاج في هذا الإقرار إلى استرعاء؛ لأن الإقرار في مجلس الحكم استرعاء، فإن أراد أنه يقبل مع شاهد آخر أو مع يمين المدعي .. فواضح، وإن أراد أن يقبل وحده معه إلزام الحكم .. ففيه نظر.
قال: (أو بحكم حاكم جائز الحكم .. قبلت في الأصح) كما تقبل شهادة المرضعة كذلك.
والثاني: المنع؛ لأنه قد يريد نفسه وكما لا يجوز لشاهد الفرع إبهام شاهد الأصل وإن وصفه بالعدالة وزكَّاه.

وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ قَبْلَ عَزْلِهِ: حَكَمْتُ بِكَذَا، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلاَيَتِهِ .. فَكَمَعْزُولٍ  وهل الوجهان في الكتاب فيما إذا لم يعلم القاضي أنه يعني نفسه فإن علم .. فكما لو أضاف إلى نفسه، أو هما إذا علم، وإلا .. قبل قطعًا؟ فيه احتمالان للرافعي، صحح المصنف الأول.
قال: (ويقبل قوله قبل عزله: حكمت بكذا)؛ لقدرته على الإنشاء حينئذ، حتى لو قال على سبيل الحكم: نساء هذه القرية طوالق من أزواجهن .. قبل قوله من غير حجه.
وعن مالك: لا يقبل قوله إلا بحجة بينة.
ورد بولي البكر المجبر إذا قال: زوجتها من هذا .. فإنه يقبل بالإجماع، ففرق مالك بأن ولي البكر غير مهتم؛ لتمام شفقته، بخلاف الحاكم.
قال الشيخ عزل الدين: وقول مالك متجه.
قال: (فإن كان في غير محل ولايته .. فكمعزول)؛ لأنه ليس له إنشاء الحكم ثَمَّ، فلا يقبل إقراره.
والمراد بـ (محل ولايته): بلد قضائه.
وظن بعضهم أنه لا ينفذ حكمه في غير مجلسه المعد للحكم، وهو خطأ صريح نبه عليه ابن الصلاح والمصنف في (الطبقات).
وقوله: (كمعزول) يفهم أن الولاية ليست ثابتة له في هذه الحالة، ويؤيده أن الواحد من العصبات لا يسمى وليًا في النكاح قبل الإذن حقيقة، لكن كلام الإمام مصرح بأن الولاية ثابتة، وإنما تعذر الشرط نفوذ الحكم، ولهذا إذا عاد .. لا يحتاج إلى تولية جديدة.

وَإِذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى مَعْزُولٍ أَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ بِرَشْوَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَبْدِيْنِ مَثَلًا .. أُحْضِرَ وَفُصِلَتْ خُصُومَتُهُما، وَإِنْ قَالَ: حَكَمَ بِعَبْدِيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَالًا .. أُحْضِرَ.
وَقِيلَ: لاَ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ،  قال: (وإذا ادعى شخص على معزول أنه أخذ ماله برشوة أو شهادة عبدين مثلًا) أي: أو غيرهما ممن لا تقبل شهادته.
قال: (.. أحضر وفصلت خصومتهما)؛ لأن هذا كالغصب، وله أن يوكل ولا يحضر، فإذا حضر أو وكيله .. استؤنفت الدعوى.
وإنما يجب إحضاره إذا ذكر شيئًا يقتضي المطالبة شرعًا كما مثله المصنف، فلو طلب إحضاره إلى مجلس الحكم ولم يعين شيئًا .. لم يجب إليه؛ إذ قد لا يكون له حق، وإنما قصد ابتذاله بالخصومة.
و (الرشوة) مثلثة الراء: عطية بشرط أن يحكم له بغير حق، أو يمتنع عن الحكم عليه بحق، بخلاف الهدية؛ فإنها عطية مطلقًا.
وأول من ارتشى في الأحكام يرفأ حاجب عمر، فلما علم به .. عزله.
قال: (وإن قال: حكم بعبدين، ولم يذكر مالًا .. أحضر)؛ ليجيب عن دعواه كما لو طلب إحضار غيره، كذل صححه في (الروضة)، ولم يطلقه في (أصلها)، بل نقله عن الروياني وغيره، وظاهر ما في (الصغير) و (المحرر) ترجيح الوجه الثاني؛ إذ قال في (المحرر): رجحه مرجحون، وفي (الشرح) الصغير رجعه البغوي، ولم يتعرض فيهما لتجيح الأول.
قال في (الدقائق): وليس ما في (المنهاج) مخالفًا لما في (المحرر)؛ لأنه لا يمنع أن الأول رجحه آخرون أو الأكثرون، قال: وقد صحح هو الأول في (الشرح)، وصححه آخرون.
اهـ وليس في (الشرحين) هاهنا إلا ما تقدم من الإغراء.
قال: (وقيل: لا حتى تقوم بينة بدعواه)؛ لأن الظاهر جريان حكمه على الصواب، واختاره الشيخ.

فَإِنْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ .. صُدِّقَ بِلاَ يَمِينٍ فِي الأَصَحِّ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ: بِيَمِينٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ ادُّعِيَ عَلَى قَاضٍ جَوْرٌ فِي حُكْمٍ .. لَمْ يُسْمَعْ، وَيُشْتَرَطُ بَيِّنَةٌ،  قال: (فإن حضر وأنكر .. صدق بلا يمين في الأصح) واستحسنه الرافعي في) الكبير)، ورجحه في (الصغير) أيضًا، وصححه الشيخ في (الحلبيات)؛ لأنه أمين الشرع فيصان منصبه عن التحليف والابتذال بالمنازعات الباطلة كالمودع.
قال: (قلت: الأصح: بيمين والله أعلم)؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (واليمين على من انكر) واختاره العراقيون والروياني، ولا فرق في ذلك بين أن يدعي عليه الحكم في مال أو دم.
ثم إن المصنف خالف هذا في (الروضة) في (الدعاوى)، فصحح في الباب الثالث: أن القاضي المعزول لا يحلف، وهو الصواب؛ فقد نص عليه الشافعي كما نقله شريح الوياني في (روضته)، والعموم مخصوص بالمعنى كما خصت الملامسة بالمحارم، فإن اليمين إنما توجهت على المنكر لاتهامه بدفع الضرر عن نفسه، وهو منتف عن القاضي؛ لأنه أمين الشرع فلا تتطرق إليه تهمة، وأحكامه الأصل فيها السداد حتى يقوم دليل على خلافه.
هذا فيمن عزل مع بقاء أهليته أما من ظهر فسقه وجوره وعلمت خيانته .. فالظاهر أنه يحلف قطعًا، ولا يأتي فيه خلاف.
والدعوى على نائب المعزول كالدعوى على المعزول؛ لانعزاله بعزله على الأصح، وأما امناؤه الذين يجوز لهم اخذ الجرة إذا حوسب بعضهم فبقي عليه شيء فقال: أخذت هذا المال أجرة على عملي، وصدقه المعزول .. لم ينفعه تصديقه، ويسترد منه ما يزيد على أجرة المثل.
قال: (ولو ادعي على قاضٍ) أي: في حال ولايته (جور في حكم .. لم يسمع، ويشترط بينة)؛ لأنه لو فتح باب التحليف .. لتعطل القضاء، وعلله الشيخ بأن القاضي نائب الشرع، والدعوى على النائب دعوى على المستنيب، والدعوى على الشرع لا تسمع.

وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحُكْمِهِ .. حَكَمَ بَيْنَهُمَا خَلِفَتُهُ أَوْ غَيْرُهُ.
فَصْلٌ: لِيَكْتُبِ الإِمَامُ لِمَنْ يُوَلِّيهِ،  فإن فرض إقامة بينة عادلة .. فقد خرج عن إنابة الشرع، فتسمع إذ ذاك كما أن المعزول ليس نائبًا للشرع الآن.
وكذلك الشاهد إذا ادعي عليه أنه شهد بالزور وأريد تحليفه كما سيأتي في كلام المصنف في (الدعوى).
وعن الشيخ أبي حامد: أن قياس المذهب التحليف في الجميع كسائر الأمناء إذا ادعيت خيانتهم.
قال: (وإن لم تتعلق بحكمه .. حَكَمَ بينهما خليفتُه أو غيره)؛ لأجل فصل الخصومة.
تتمة: إذا لم يتظلم متظلم على القاضي المعزول .. لم يجب على المولى تتبع أحكامه، وفي جوازه وجهان: أحدهما: نعم احتياطًا.
والثاني – وهو الذي يظهر من جزم (الروضة) -: لا؛ لأنه قدح فيه، ولأن الظاهر منها السداد، فإن ظهر له فيها المخالفة، فإن تعلقت بحق الله كطلاق وعتق .. قال القاضي أبو الطيب: فسخها، وإلا .. لم يتعرض لها؛ لأن لها مستحقًا معينًا.
هذا في أحكام الصالح للقضاء، اما من لا يصلح .. فتنتقض أحكامه كلها، أصاب فيها أم أخطأ؛ لأنه حكم من لا يجوز حكمه فأشبه احكام بعض الرعية من غير تحكيم، كذا صرح به طوائف من العراقيين.
قال: (فصل: ليكتب الإمام لمن يوليه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم كتابًا حين بعثه إلى اليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، رواه أصحاب السنن.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكتب لحبان الصدائي، رواه أحمد مطولًا [4/ 168]، وابن أبي شيبة مختصرًا وكتب لوائل بن حجر.
وكتب أبو بكر لأنس حين بعثه إلى البحرين، وختمه بخاتم النبي صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري في (الزكاة) [3106]. وروى حارثة بن مضرب: أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أهل الكوفة: أما بعد: فإني بعثت إليكم عمارًا أميرًا وعبد الله بن مسعود قاضيًا ووزيرًا، فاسمعوا لهما وأطيعوا؛ فقد آثرتكم بهما.
وقال القفال الشاشي: ينبغي أن يتخذ الإمام لنفسه نسخة منه؛ ليتذكر بها إن نسي أنه ولاه.
ويستحب أن يعظه فيه، وأن يوصيه بتقوى الله، والعمل بما في العهد، ومشاورة أهل العلم، وتفقد الشهود والأطفال وغير ذلك.
وفي معنى الإمام: القاضي الكبير إذا استخلف في أعماله البعيدة.
وينبغي للقاضي أن يتصفح كل ما يكتب عنه؛ لاحتمال أن يصف عليه الكاتب شيئًا.
وإتيان المصنف بـ (لام الأمر) يقتضي وجوب الكتابة، وليس كذلك بالاتفاق، بل هو مستحب، ولهذا لم يكتب النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، بل اقتصر على وصيته.
ويستحب أن يقرأ عليه عهد عمر الذي كتبه إلى أبي موسى، رواه أحمد والدراقطني [4/ 206] والبيهقي [10/ 135]. قال الشيخ أبو إسحاق في (الطبقات): وهو من أجل كتاب؛ فإنه بين فيه آداب القضاء وصفة الحكم وكيفية الاجتهاد واستنباط القياس، ولفظه:

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل