قال الجوهري: هو أخذ الشيء ظلمًا، فيدخل فيه المأخوذ بسرقة أو محاربة أو اختلاس، ولا يمتنع أن يسمى غصبًا وإن اختص بأسماء، كما يسمى بيع أحد النقدين بالآخر صرفًا وإن شمله اسم البيع.
وهو من كبائر الذنوب، واشترط الهروي فيه أن يكون نصابًا، ونقل الماوردي الإجماع على فسق فاعله وكفر مستحله.
والأصل في تحريمه آيات منها: قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾.
وفي (الصحيحين) [خ105 - م1218]: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم).
وافتتحه في (المحرر) بقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ ومعناها: لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل.
قال: وفي الحديث: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) وأيضًا: (من غصب شبرًا من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة) فأما الحديث الأول .. فرواه الأربعة والحاكم عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه، والثاني في (الصحيحين) [خ2453 - م1610] وغيرهما بلفظ (من ظلم) و (من أخذ) وهو يعم الغصب، وأما لفظ (غصب) .. ففي كتب الفقهاء.
والآيات والأحاديث في الباب كثيرة.
هُوَ: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقَّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا،
قال: (هو: الاستيلاء على حق الغير عدوانًا).
(الاستيلاء): الغلبة على الشيء، تقول استولى زيد على كذا إذا صار في يده.
وقوله: (حق الغير) أشمل من قول غيره: مال غيره؛ إذ يدخل فيه ما يجري مجرى المال كالكلب وجلد الميتة والسرجين وحبة الحنطة، وحق التحجر، والمنافع كإقامة من قعد في المسجد أو موات أو استحق سكنى بيت برباط.
أما الفواسق كالغرب ونحوه .. فلا ملك فيها لأحد ولا يد ولا اختصاص، فلا يجب ردها على من أخذت منه، كذا نقله الرافعي في (كتاب ضمان البهائم) عن الإمام وأقره.
ودخول الألف واللام على (غير) قليل في اللغة كثير في ألسنة الفقهاء، وقد عده الحريري لحنًا.
وخرج بقوله: (عدوانًا) المقبوض بالعقود مضمونًا كان أو غير مضمون كالعارية والوديعة، والأمانات كاللقطة وما ألقته الريح.
وهذا الحد غير جامع؛ لخروج ما إذا أخذ مال غيره وهو يظنه له .. فإنه يضمنه ضمان المغصوب وليس بعدوان فلو قال: (بغير حق) كما نقل القاضي والإمام .. لا طرد، ولا مانع لدخول السرقة فلو زاد: (جهرًا) كما استحسنه في (الشرح الصغير) .. لانعكس.
ثم لفظ الاستيلاء يقتضي: أنه لو كان له أشجار فأراد سوق الماء إليها فمنعه ظالم حتى تلفت .. لا يضمن؛ لأنه لم يستول، وهو أصح الوجهين عند الرافعي، وأجراهما المتولي فيما لو قرب النار إلى السمن حتى ذاب أو نقله إلى الشمس، وقطع
فَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشٍ .. فَغَاصِبٌ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ.
وَإِنْ دَخَلَ دَارَهُ وَأَزْعَجَهُ عَنْهَا، أَوْ أَزْعَجَهُ وَقَهَرَهُ عَلَى الدَّارِ وَلَمْ يَدْخُلْ .. فَغَاصِبٌ،
الماوردي بالضمان واختاره الشيخ.
قال: (فلو ركب دابة أو جلس على فراش .. فغاصب وإن لم ينقل)؛ لحصول غاية الاستيلاء وهو الانتفاع على وجه التعدي.
وقيل: يشترط النقل، فلا يكون غاصبًا بدونه؛ لأن أهل العرف لا يعدونه بدونه غاصبًا.
قال الرافعي: يشبه أن تكون المسألة مصورة بما إذا قصد الجالس أو الراكب الاستيلاء، أما إذا لم يقصد .. ففي كونه غاصبًا وجهان، وأغفل في (الروضة) هذا وقال: أصحهما: أنه غاصب، سواء قصد الاستيلاء أم لا.
وفي ترجيح كونه غاصبًا إذا لم يقصد نظر، فقد صرح المتولي والخوارزمي بأنه لا ضمان عليه.
ولو كان بين يديه شيء منقول فأخذه إنسان لينظر هل يصلح له فيشتريه، أو ليعمل له مثل فتلف في يده .. ضمنه.
ولو دخل دارًا لينظرها لشرائها أو لبناء مثلها فانهدمت في تلك الحالة .. لا ضمان على الصحيح.
قال: (وإن دخل داره وأزعجه عنها) أي: أخرجه منها وانفرد باليد عليها (أو أزعجه وقهره على الدار ولم يدخل .. فغاصب) وإن لم يقصد الاستيلاء؛ لأن نفس الاستيلاء مغن عن قصده.
و (القهر): الغلبة، والمراد بدخول الدار: بأن يكون على هيئة من يقصد السكنى، بأن يكون معه أهله وأمتعته.
وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ وَاهٍ.
وَلَوْ سَكَنَ بَيْتًا وَمَنَعَ الْمَالِكَ مِنْهُ دُونَ بَاقِي الدَّارِ .. فَغَاصِبٌ لِلْبَيْتِ فَقَطْ.
وَلَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ الاِسْتِيلاَءِ وَليْسَ الْمَالِكُ فِيهَا .. فَغَاصِبٌ، وَإِنْ كَانَ وَلَمْ يُزْعِجْهُ .. فَغَاصِبٌ لِنصْفِ الدَّارِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لاَ يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ
قال: (وفي الثانية وجه واه) أي: فيما إذا استولى ولم يدخل وجه: أنه لا يكون غاصبًا؛ لأن أهل العرف لا يطلقون عليه الغصب.
قال المتولي: والأقمشة التي في الدار إن منع المالك من نقلها .. صار ضامنًا لها، وإلا .. فلا.
قال: (ولو سكن بيتًا ومنع المالك منه دون باقي الدار .. فغاصب للبيت فقط)؛ لقصر الاستيلاء عليه.
قال: (ولو دخل بقصد الاستيلاء وليس المالك فيها .. فغاصب) سواء كان الداخل ضعيفًا أو قويًا؛ لوجود الاستيلاء، كمن غصب قلنسوة ملك .. فإنه غاصب مع سهولة استرجاعها.
وقيل: إن كان الداخل ضعيفًا لم يكن غاصبًا؛ لأنه لا يعد مستوليًا.
قال: (وإن كان ولم يزعجه .. فغاصب لنصف الدار)؛ لاجتماع يديهما عليها واستيلائهما.
وقال بعض الأصحاب: لا يكون غاصبًا لشيء منها، كما لو أخذ بعنان الدابة وصاحبها راكب.
قال: (إلا أن يكون ضعيفًا لا يعد مستوليًا على صاحب الدار) ففي هذه الحالة لا يكون غاصبًا لشيء منها، لأنه في هذه الحالة لا يتحقق منه الاستيلاء، وما لا يمكن تحقيقه لا اعتبار بقصده.
ولو كان المالك ضعيفًا والداخل قويًا .. فقياسه أن يكون غاصبًا لجميعها، ولم
وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ .. ضَمِنَهُ
يصرحوا به، ولعله لاستمرار يد المالك على القبض، وحيث لا يجعل الداخل غاصبًا تلزمه أجرة المثل بشرطه.
وحكم الأرض حكم الدار، حتى لو غرقها سيل أو علاها رمل في يده ضمنها.
فرع:
أعطى عبد إنسانًا شيئًا ليوصله إلى بيته بغير إذن سيده، قال القاضي: يكون ضامنًا؛ لأنه لو استعمله لذلك ضمنه.
وما ضمن بالعارية ضمن بالغصب.
قال البغوي في (الفتاوى): هذا عندي فيما إذا قهره على العمل أو كان أعجميًا يرى العمل لكل من يأمره.
قال: ولو أن الزوج بعث عبد زوجته في شغل دون إذنها .. ضمن بكل حال؛ لأن عبد المرأة قد يرى طاعة زوجها، فهو كالأعمى في حق الأجنبي.
وسئل ابن الصلاح عن رجل أخذ بيد مملوك لغيره وأخافه بسبب تهمة فهرب لوقته، فأجاب بأنه لا يضمنه إن لم يكن نقله من مكان إلى مكان بقصد الاستيلاء.
قال: (وعلى الغاصب الرد) أي: على المالك أو وكيله أو وليه وإن غرم عليه أضعاف قيمته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه).
قال: (فإن تلف عنده .. ضمنه) بالإجماع، وكذا لو أتلفه هو أو أجنبي من باب أولى.
وَلَوْ أَتْلَفَ مَالاً فِي يَدِ مَالِكِهِ .. ضَمِنَهُ.
وَلَوْ فَتَحَ رَاسَ زِقٍّ مَطْرُوحٍ عَلَى الأَرْضِ فَخَرَجَ مَا فِيهِ بِالْفَتْحِ، أَوْ مَنْصُوبٍ فَسَقَطَ وَخَرَجَ مَا فِيهِ .. ضَمِنَ،
هذا إذا كان المتلف له قيمة، فإن لم يكن كالسرجين ونحوه .. فلا ضمان، ولو كان مستحق السرجين غرم على نقله مؤنة .. لم نوجبها على الغاصب كما أجاب به البغوي.
ولو رد الدابة إلى الإصطبل .. برئ إذا علم المالك بها أو أخبره من يعتمد خبره، ولا يبرأ قبل العلم أو الإخبار.
قال: (ولو أتلف مالًا في يده مالكه .. ضمنه) بالإجماع، لكن يستثنى منه:
العبد المرتد، والحيوان الصائل وغيره، والقاتل حرابة، وكسر الباب، ونقب الجدار في مسائل الظفر كما سيأتي.
وما إذا لم يتمكن المنكر في إراقة الخمر إلا بكسر ظرفها.
وما إذا لم يتمكن من دفع الصائل وقاطع الطريق إلا بعقر جواده وكسر سلاحه.
وما يتلفه العادل على الباغي في حالة الحرب وعكسه، وما يتلفه الحربي فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه مخاطب بفروع الأحكام لا بالضمان، وهذه المسألة ليست من الغصب، لكن الأصحاب ذكروا ههنا أسباب العدوان استطرادًا، سواء كان باليد العادية وهو الغصب بالمباشرة كهذه، أو بالسبب كفتح القفص ونحوه.
فرع:
دخل دكان حداد وهو يطرق الحديد فطارت شرارة فأحرقت ثوبه كان هدرًا وإن دخل بإذن الحداد.
قال: (ولو فتح رأس زق مطروح على الأرض فخرج ما فيه بالفتح، أو منصوب فسقط وخرج ما فيه .. ضمن)؛ لأنه باشر إتلافه.
واحترز بقوله: (بالفتح) عن جامد قرب إليه نارًا فالأصح: أن الضمان على المقرب كما تقدم قريبًا.
وَإِنْ سَقَطَ بِعَارِضِ رِيحٍ .. لَمْ يَضْمَنْ.
وَلَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ وَهَيَّجَهُ فَطَارَ .. ضَمِنَ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ طَارَ فِي الْحَالِ .. ضَمِنَ، وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ .. فَلاَ.
و (الزق) بكسر الزاي: السقاء، جمعه في القلة أزقاق، وفي الكثرة زقاق بكسر الزاي وضمها.
قال: (وإن سقط بعارض ريح .. لم يضمن) وكذا عارض الزلزلة ووقوع طير؛ لأن الهلاك لم يحصل بفعله.
قال ابن الصباغ: وكذا لو لم يعلم كيف سقط، أما إذا طلعت الشمس على الجامد فأذابته .. ضمنه في الأصح.
والفرق بينه وبين عروض الريح: أن طلوع الشمس محقق فلذلك قد يقصده الفاتح بخلاف الريح.
ويجري الوجهان فيما إذا أزال أوراق العنب وجرد عناقيده للشمس فأفسدتها، وفيما لو ذبح شاة فهلكت سخلتها أو حمامة فهلك فرخها.
وقيل: إن كان المالك حاضرًا وأمكنه التدارك فلم يفعل .. لم يضمن.
ولو حل رباط سفينة فغرقت بالحل .. ضمنها، أو بحادث كهبوب ريح أو غيره .. فلا.
واحترز بـ (العارض) عن المقارن فإنه من ضمان الفاتح حينئذ وهو متجه.
قال: (ولو فتح قفصاً عن طائر وهيجه فطار .. ضمن)؛ لأنه ألجأه إلى ذلك، وادعى الماوردي فيه الإجماع.
قال: (وإن اقتصر على الفتح .. فالأصح: أنه إن طار في الحال .. ضمن، وإن وقف ثم طار .. فلا)، لأن طيرانه في الحال دليل على أن تنفيره وطيرانه بعد الوقوف أمارة ظاهرة على أنه طار باختياره.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: يضمن مطلقًا؛ لأن الفاتح متسبب في إعدامه.
والثالث: لا يضمن مطلقًا؛ لأن للطائر قصدًا واختيارًا.
وقيل: إن اضطراب وطار في الحال .. ضمن، وإن طار من غير اضطراب.
فلا.
ولو كان الطائر في أقصى القفص فأخذ يدب قليلًا قليلًا ثم طار .. فحكمه حكم ما لو طار عقبه.
و (الطائر) مفرد والجمع طير.
والمصنف اعترض في (نكت التنبيه) على الشيخ في قوله: (ولو فتح قفصًا عن طائر) بأن قال: الأولى أن يقول: (عن طير) وعلله بأنه غير طائر في القفص، وهو قد عبر بما أنكره عليه.
فروع:
كسر الطائر في خروجه قارورة، أو انكسر القفص بخروجه، أو وثبت هرة عند الفتح فدخلت وأكلت الطائر .. لزمه الضمان، كذا قاله الشيخان، ولعل هذا إذا كانت حاضرة حالة فتحه وعلم بها، وإلا .. فهو كعروض مطر وهبوب ريح بعد الفتح.
ولو حل رباط أو فتح إصطبلها فخرجت وضاعت .. فهو كفتح القفص.
ولو حل قيد العبد فهرب، فإن كان مجنونًا .. فكالبهيمة، وإن كان عاقلًا .. لم يضمن، وقيل: إن كان آبقًا ضمن.
ولو أمر طفلًا أو مجنونًا بإرسال طائر في يده فأرسله وطار .. فهو كفتح القفص عنه إن نفره أو أمر الطفل بتنفيره .. ضمنه، وإلا .. فوجهان.
وَالأَيْدِي الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ أَيْدِي ضَمَانٍ وَإِنْ جَهِلَ صَاحِبُهَا الْغَصْبَ.
ثُمَّ إِنْ عَلِمَ .. فَكَغَاصِبٍ مِنْ غَاصِبٍ، فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا يَلِفَ عِنْدَهُ،
ولو وقع طائر على جداره فنفره، أو فتح باب الحرز فسرق غيره، أو دل غاصبًا أو سارقًا ففعل، أو بنى دارًا فألقت الريح فيها ثوبًا وضاع .. لم يضمن.
قال: (والأيدي المترتبة على يد الغاصب أيدي ضمان) حتى يتخير المالك بين أن يطالب الغاصب عند التلف وبين أن يطالب من ترتبت يده على يده؛ لثبوت يد كل منهم على مال الغير من غير استحقاق.
قال: (وإن جهل صاحبها الغصب)؛ لأن الجهل يسقط الإثم لا الضمان، والمراد بـ (الأيدي المترتبة) ما قصد بها واضعها الاستيلاء، وإلا .. فمن رفع كتاب شخص عن الأرض لينظر فيه ويعيده .. ليس بغاصب كما قاله القاضي حسين.
وكذلك لو غصب شاة ودفعها لقصاب جاهل بالحال فذبحها .. لا ضمان على القصاب، وكذا لو دفع الحنطة لطحان جاهل .. لا ضمان على الطحان.
والمراد أيضًا باليد: ما كانت مبنية على يد الغاصب خالفة لها كأنها نائبة عنها، فيخرج من ذلك الغاصب من الغاصب فإن ضمانه مستقل، فللمالك عند التلف أن يضمن من شاء منهما.
نعم؛ تستثنى أيدي الحكام وأمنائهم فلا ضمان عليهم؛ لوضعها على وجه الحظ والمصلحة، وكذلك من انتزع المغصوب ليرده لمالكه إذا كان الغاصب حربيً أو عبدًا للمغصوب منه، وكذا غيرهما في وجه.
قال: (ثم إن علم .. فكغاصب من غاصب، فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده)؛ لوجود حد الغصب، ويطالب بكل ما يطالب به الغاصب ولا يرجع على الأول إن غرم، ويرجع عليه الأول إن غرم، أما إذا كانت القيمة في يد الأول أكثر .. فالمطالب بالزيادة الأول خاصة.
وَكَذَا إِنْ جَهِلَ وَكَانَتْ يَدُهُ فِي أَصْلِهَا يَدَ ضَمَانٍ كَالْعَارِيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَوَدِيعَةٍ .. فَالْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ.
وَمَتَى أَتْلَفَ الآخِذُ مِنَ الْغَاصِبِ مُسْتَقِلًا بِهِ .. فَالْقَرَارُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا.
وَإِنْ حَمَلَهُ الْغَاصِبُ عَلَيْهُ بِأَنْ قَدِّمَ لَهُ طَعَامًا مَغْصُوبًا ضِيَافَةً فَأَكَلَهُ .. فَكَذَا فِي الأَظْهَرِ.
وَعَلَى هَذَا: لَوْ قَدَّمَهُ لِمَالِكِهِ فَأَكَلَهُ .. بَرِئَ الْغَاصِبُ.
قال: (وكذا إن جهل) أي: الثاني الغصب (وكانت يده في أصلها يد ضمان كالعارية) وكذلك البيع والسوم والقرض ونحوها؛ لأنه دخل في العقد على الضمان، فلم يكن الغاصب غارًا له في ذلك.
قال: (وإن كانت يد أمانة كوديعة .. فالقرار على الغاصب)؛ لأنه دخل على أن يده نائبة عن يد الغاصب، فإن غرم الغاصب .. لم يرجع عليه بلا خلاف، وإن غرمه .. رجع على الغاصب.
وفي وجه: أن القرار عليه، وفي الموهوب له قولان: أصحهما: أن القرار عليه؛ لأنه أخذه للتمليك.
والثاني: على الغاصب؛ لأن يد الاتهاب ليست يد ضمان.
قال: (ومتى أتلف الآخذ من الغاصب مستقلًا به) أي: بالإتلاف وهو من أهل الضمان (.. فالقرار عليه مطلقًا) سواء كانت يد ضمان أو أمانة؛ لأن الإتلاف أقوى من إثبات اليد العادية.
قال: (وإن حمله الغاصب عليه بأن قدم له طعامًا مغصوبًا ضيافة فأكله .. فكذا في الأظهر)؛ لأن المباشر للإتلاف، وإليه عادت منفعته.
والثاني: القرار على الغاصب؛ لأنه غره، وهذان القولان هما قولان المباشرة والغرور ومحلهما عند جهل الأكل وإلا .. فعليه قطعًا.
أما إذا أمر الغاصب رجلًا بإتلاف المغصوب بقتل أو إحراق ففعله جاهلًا بالغصب .. فالمذهب القطع بأن القرار على المتلف؛ لأن الفعل حرام، وقيل: على قولين.
قال: (وعلى هذا) يعني على الأظهر في أكل الضيف (لو قدمه لمالكه فأكله .. برئ الغاصب) أي: على القول بأن القرار على الآكل يبرأ الغاصب إذا أكله
فَصْلٌ:
تُضْمَنُ نَفْسُ الرِّقِيقِ بِقِيمَتِهِ تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ،
المالك، وعلى الثاني: لا يبرأ.
ولو لم يطعمه الغاصب ولكن أكله المالك ظانًا أنه طعام الغاصب .. برئ وجهًا واحدًا.
ولو صال العبد المغصوب على مالكه فقتله بالدفع .. لم يبرأ الغاصب، سواء علم أنه عبده أم لا؛ لأن الإتلاف بهذه الجهة كإتلاف العبد نفسه، ولهذا لو كان العبد لغيره .. لم يضمنه كما تقدم، وقيل: يبرأ عند العلم، وهو ضعيف.
تتمة:
إذا قال الغاصب للمالك: أعتق هذا العبد، فأعتقه جاهلًا .. نفذ وبرئ الغاصب على الأصح، وبه قطع المتولي.
ولو زوج الغاصب الجارية المغصوبة من مالكها فتزوجها جاهلًا بالحال فتلفت عنده .. لم يبرأ، كما لو أودعها عند فتلفت، ولو استولدها .. نفذ الاستيلاد قطعًا وبرئ الغاصب.
قال: (
فصل
:
تضمن نفس الرقيق بقيمته) كما تضمن نفس الحر بالدية وإن زادت على دية حر.
وقال أبو حنيفة: إذا زادت قيمته على الدية لا يضمن الزائد.
وقال أحمد: الواجب فيه المثل الصوري.
قال: (تلف أو أتلف تحت يد عادية) بتخفيف الياء بمعنى متعدية، وهذا الحكم لا يختلف الأصحاب فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أعتق شركًا له في
وَأَبْعَاضُهُ الَّتِي لاَ يَتَقَدَّرُ أَرْشُهَا مِنَ الْحُرِّ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتَهِ، وَكَذَا الْمُقَدَّرَةُ إِنْ تَلِفَتْ، وَإِنْ أُتْلِفَتْ .. فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، وَعَلَى الْجَدِيدِ: تَتَقَدَّرُ مِنَ الرَّقِيقِ.
وَالْقِيمَةُ فِيهِ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ
عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد .. قوم عليه).
وجه الاستدلال: أنه لو كان يضمن بالمثل .. لضمن مثل الحصة، ولو عبر بـ (يد ضامنه) .. لشمل المستعير والمستام وغيرهما، لكن الباب لما كان معقودًا للتعدي عبر بالعادية، وقدم الكلام في ضمان الآدمي لشرفه، وخصه بالرقيق؛ لأن ضمان الحر يأتي في (باب الجنايات).
قال: (وأبعاضه التي لا يتقدر أرشها من الحر بما نقص من قيمته) سواء تلف تحت يد ضامنة أم أتلف بغير حق وذلك كنحول الجسد وذهاب البكارة وجرح الفخذ ونحوها، ولا خلاف فيه، فلو لم تنتقص القيمة كالسمن المفرط إذا نقص .. لم يلزم به شيء.
قال: (وكذا المقدر إن تلفت) وذلك كاليد والرجل والعين ونحوها إن تلفت بآفة سماوية؛ لأن التقدير إنما ورد في الجناية، فخص بموردها؛ لأنه خلاف الأصل، وقيل: يجب أكثر الأمرين، وقيل: نصف القيمة كالجناية.
قال: (وإن أتلفت) وقيل: نصف القيمة كالجناية.
قال: (وإن أتلفت) أي: بجناية مضمونة (.. فكذا في القديم) أي: يجب نصف ما نقص من القيمة أيضًا كسائر الأموال.
قال: (وعلى الجديد: تتقدر من الرقيق.
والقيمة فيه كالدية في الحر، ففي يده) أي: المحترمة المضمونة (نصف قيمته) سواء زادت على الأرش أو نقصت؛ لأنه أخذ شبهًا من البهيمة من حيث إنه يضمن بوضع اليد، ومن الحر من حيث إنه يضمن بالقصاص وتجب به الكفارة وتقام عليه الحدود.
وإذا دار فرع بين أصلين .. أجري عليه حكم أكثرهما شبهًا به، وهو الحر فيما نحن فيه.
وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ بِالْقِيمَةِ، وَغَيْرُهُ مِثْلِيٌّ وَمُتَقَوِّمٌ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمِثْلِيَّ: مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ،
قال الشافعي رضي الله عنه: وبقول سعيد بن المسيب أقول: جراح العبد من ثمنه كجراح الحر من ديته في كل قليل وكثير.
كل هذا إذا لم ينقص نصف القيمة عن أرش ما نقص من القيمة، فإن نقص .. وجب أرش النقص.
وحاصله يجب فيما أتلف بالجناية من الأبعاض أكثر الأمرين من أرش النقص والمقدر، وستأتي المسألة قبيل (باب موجبات الدية) إن شاء الله تعالى.
والمكاتب والمدبر وأم الولد في ذلك كالقن.
واحترز بالمضمونة عما لو وجب قطعها في الحرابة فإنها مهدرة، وكذا يد المرتد.
قال: (وسائر الحيوان) أي: باقيه يضمن (بالقيمة) وهذا لا خلاف فيه عندنا، فتضمن أعضاؤه بما نقص من قيمته.
وأوجب أبو حنيفة في عين الدابة ربع قيمتها؛ لأن عمر رضي الله عنه قضى بذلك، وهذا إن صح يحمل على أن الربع كان قدر النقص.
وأوجب مالك في قطع ذنب حمار ذي الهيئة وذنب بغلته تمام القيمة، ويأخذ المتلف العين؛ لأنها لا تصلح له بعد ذلك.
قال الفوراني: الحيوان يخالف الجماد في حكم واحد وهو: أنه لا يضمن إلا بعد الاندمال، والجماد يضمن في الحال وإن كان ساريًا.
قال: (وغيره) أي: غير الحيوان من الأموال (مثلي ومتقوم)؛ لأنه إن كان له مثل .. فهو المثلي، وإلا .. فالمتقوم وهو بكسر الواو كما تقدم.
قال: (والأصح: أن المثلي: ما حصره كيل أو وزن وجاز السلم فيه) فخرج المعدود والمذروع، وخرج بما جاز السلم فيه المعجونات والجواهر الكبار ومعروض النار وغيرها، ويقابل الأصح أوجه:
كَمَاءٍ
أحدها: إسقاط، وجاز فيه السلم، ونقض بالمعجونات.
والثاني: يزاد على ما في الكتاب، وجاز بيع بعضه ببعض، ونقض بالفواكه الرطبة واللحم الطري.
والثالث: ما ينقسم بين الشريكين بلا تقويم، ونقض بالأرض المتساوية الأجزاء فإنها تنقسم كذلك وليست مثالية.
والرابع: ما لا تختلف أجزاء النوع منه في القيمة وربما قيل: في الجرم والقيمة.
فرع:
في (فتاوى القفال): أن بزر القز لا مثل له ولا يجوز السلم فيه؛ لأن أهل الصنعة لا يعرفون أن هذا البزر يكون نسجه أبيض أو أحمر فهو كالسلم في الجواهر.
تنبيه:
يرد على ضابط المصنف القمح المختلط بالشعير، فإنه لا يجوز السلم فيه كما ذكره صاحب (التنبيه) في (باب القرض) مع أن الواجب على متلفه إخراج القدر المحقق من الجنسين.
قال: (كماء) أي: خالص غير مشوب، وهذا لا خلاف فيه، وإنما مثل به لأنه قد يتوهم أنه غير مثلي؛ لأنه في العادة لا يكال ولا يوزن، وهل الملح مثلي كالعذب؟ لا نص فيه.
وَتُرَابٍ وَنُحَاسٍ وَنِبْرٍ وَمِسْكٍ وَكَافُورٍ وَقُطْنٍ
قال شريح الروياني وغيره: إنما يكون الماء والجمد من المثليات إذا لم يخالطهما تراب.
وفي (المطلب) في (باب الإجارة): أن الماء الحر متقوم؛ لدخول النار فيه ودرجات حموه لا تنضبط، وهذا يطرق غيره من المائعات إذا حميت بالنار.
قال: (وتراب) أي: خالص، هذا هو المعروف، وفيه وجه بعيد لا وجه له، وكذلك الرمل، أما القمامات التي تجمع في الحمامات ونحوها .. ففي (المطلب): أنه لا يتعلق بها ضمان عند التلف؛ لأنها محتقرة.
قال: (ونحاس) وهو بضم النون وحكى ابن خالويه كسرها، والحديد ونحوه كالنحاس، وفي النحاس أيضًا وجه بعيد لا وجه له.
قال: (وتبر) وهو بكسر التاء: الذهب غير المضروب، وبعضهم يطلقه على الفضة أيضًا، وقال الكسائي: يطلق على النحاس والحديد.
قال: (ومسك وكافور)؛ لأنهما ينضبطان بالصفة، وفي هذه أيضًا وجه بعيد.
قال: (وقطن) أي: بعد إخراج الحب، أما قبله .. فيظهر القطع بأنه متقوم كما قاله في (المطلب)، والعزل مثلي على المشهور.
قال الشيخ: ومن ذهب إلى خلافه .. لم يبعد؛ لأن أجزاءه مختلفة، لكنه يجوز السلم فيه، فلذلك كان الأصح أنه مثلي، وأما الصفوف .. فقال الشافعي رضي الله عنه: يضمن بالمثل إن كان له مثل، وهذا توقف منه في أنه مثلي أم لا، وحكى في (البحر) قولين.
وَعِنَبٍ وَدَقِيقٍ، لاَ غَالِيَةٍ وَمعْجُونٍ.
فَيُضْمَنُ الْمِثْلِيُّ بِمِثْلِهِ
قال: (وعنب) وكذلك الرطب ونحوهما من الفواكه مثلية على الأصح.
والثاني: لا، تفريعًا على اعتبار بيع بعضها ببعض وهو ممتنع، والمصحح هنا هو الأصح في (الروضة)، وصحح في (شرح المهذب) في (زكاة المعشرات): أن الرطب والعنب متقومان.
قال: (ودقيق)؛ لأنه يضبط بصفات السلم، وكذا النخالة كما أفتى به ابن الصلاح، وهذه تقدمت في (باب السلم).
ولو اختلفا فقال المالك: المغصوب مثلي، وقال الغاصب: لا مثل له .. رجع فيه إلى اجتهاد الحاكم.
قال: (لا غالية ومعجون)؛ لأنهما متقومان لما فيهما من التركيب.
والحبوب الجافة السليمة والتمر غير المكنوز والزبيب والأدهان والألبان والخلول الخالصة مثلية قطعًا، وكذلك الدراهم والدنانير الخالصة على الصواب، والمغشوشة إن جوزنا التعامل بها .. فمثلية، وإلا .. فلا.
قال البغوي: والآخر عندي مثلي، وذكر الماوردي أن الزيتون متقوم، ولعله على طريقه من يجعل الرطب والعنب كذلك، وفي اللحم في (روضة شريح) و (البحر) أوجه: ثالثها: اليابس مثلي، والرطب متقوم.
والأصح: جواز أخذ القيمة عن المثلي بالتراضي.
قال: (فيضمن المثلي بمثله)؛ لأنه أقرب إلى التالف من القيمة، ولأن المثل كالنص والقيمة كالاجتهاد، ولا يصار إلى الاجتهاد إلا عند فقد النص.
هذا إذا كان للمثلي حينئذ قيمة، أما إذا أتلف الماء في المفازة واجتمعا على
تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ،
شاطئ نهر، أو أتلف الجمد في الصيف واجتمعا في الشتاء .. فإنه تلزمه القيمة هناك.
قال: (تلف أو أتلف) زاد في (المحرر): (تحت يد عادية) فحذفه المصنف لدلالة ما تقدم عليه، فورد عليه المستعير والمستام فإنهما يضمنان المثلي بالقيمة فكان الأحسن ذكره هنا وحذفه هناك، وقد يجاب بأن كلامه في الغصب دون غيره.
فروع:
الأول: غصب حنطة فطحنها وتلف الدقيق عنده، أو جعله خبزًا وأكله.
قال العراقيون: يضمن المثل، والأشهر: ما قطع به البغوي أن المتقوم إن كان أكثر قيمة .. غرمها، وإلا .. فالمثل، وعن القاضي حسين: يغرم أكثر القيم، وليس للمالك مطالبته بالمثل.
فعلى هذا: إذا قيل: من غصب حنطة في الغلاء فتلفت عنده، ثم طالبه المالك في الرخص هل يغرم المثل أو القيمة؟ لم يصح إطلاق الجواب بواحد منهما بل الصواب أن يقال: إن تلفت وهي حنطة .. غرم المثل، وإن صارت إلى حالة التقويم ثم تلفت .. فالقيمة.
وكان القاضي قد لقن المسألة الرئيس أبا علي المنيعي ليغالط بها فقهاء مرو، ويغلط من أطلق الجواب منهم.
والمنيعي هو: حسان بن سعيد بن حسان من ذرية خالد بن الوليد رضي الله عنه، كان في أول أمره تاجرًا، ثم صار مشارًا إليه عند السلاطين، أنفق جملة مستكثرة على بناء المساجد والربط وأنواع الخيرات منها: جامع مرو الذي كان إمام الحرمين خطيبه، وكان كثير التواضع، روى الحديث عن البغوي وغيره، توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وستين وأربع مئة.
فَإِنْ تَعَذَّرَ .. فَالْقِيمَةُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَقْصَى قِيَمِهِ
الثاني: لو تغير المثلي إلى مثلي آخر كالسمسم يصير شيرجًا ثم تلف عنده .. قال العراقيون والغزالي: يضمنه المالك بما شاء منهما، وقال البغوي: إن كانت قيمة أحدهما أكثر .. غرم مثله، وإلا .. فيتخير المالك.
الثالث: إذا لزمه المثل .. لزمه تحصيله إن وجده بثمن المثل، فإن لم يجده إلا بزيادة .. فوجهان: أصحهما عند البغوي والروياني: يلزمه المثل.
والأصح عند الغزالي والشاشي والمصنف: لا يلزمه تحصيله؛ لأن الموجود بأكثر من ثمنه كالمعدوم كالرقبة وماء الطهارة.
قال: (فإن تعذر) أي: في البلد وحواليه كما في انقطاع المسلم فيه، كذا قاله الرافعي ونازعه فيه ابن الرفعة.
قال: (.. فالقيمة) أي: قيمة المثل؛ لأنه حينئذ يشبه ما لا مثل له، وقيل: قيمة المغصوب.
فلو وجد المثل بعد أخذ القيمة .. فليس لأحدهما ردها وطلبه في الأصح.
وإذا وجد المثل بأكثر من ثمن المثل فهل يلزمه تحصيله؟ وجهان: رجح كلًا مرجحون، ففي (التنبيه): العدول إلى القيمة، وصححه المصنف كرقبة الكفارة وماء الطهارة، وممن رجح تكليفه المثل: البغوي والجرجاني والروياني في غير (البحر)، وابن أبي عصرون، وهو المختار قياسًا على العين؛ فإنه يجب ردها وإن غرم فيه أضعاف قيمتها، وفرق الأولون بأنه تعدى في العين دون المثل.
قال: (والأصح: أن المعتبر أقصى قيمة) هو بفتح الياء وكسر الميم جمع قيمة بسكون الياء.
مِنْ يَوْمِ الْغَضْبِ إِلَى تَعَذُّرِ الْمِثْلِ وَلَوْ نَقَلَ الْمَغْضُوبَ الْمِثْلِيَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ .. فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُكَلِّفَهُ رَدَّهُ،
قال: (من يوم الغصب إلى تعذر المثل)؛ لأن وجود المثل كبقاء عين المغصوب، فإذا لم يفعل .. غرم أقصى قيمة المدتين، كما أن المتقومات تضمن بالأقصى لهذا المعنى.
ويقابل الأصح عشرة أوجه: قيمة يوم التلف، قيمة يوم فقد المثل، قيمة يوم الطلب، وبه قال أبو حنيفة، فإن الإعواز حينئذ يتحقق، ونسبة القاضي أبو الطيب وابن الصباغ إلى الأكثرين، وقيل: قيمة يوم الأداء، وقيل: الأكثر من الغصب إلى الأداء، وقيل: الأكثر من الغضب إلى التلف، وقيل: الأكثر من التلف إلى فقد المثل، وقيل: الأكثر من التلف إلى الطلب، وقيل: الأكثر من فقد المثل إلى الطلب، وقيل: إن انقطع من الدنيا .. فيوم فقد المثل، أو من بلده .. فيوم الحكم.
وعبر بعضهم فيما تقدم عن الطلب بالحكم وصوبه الشيخ.
أما إذا كان المثلي مفقوداً عن التلف .. فأوجه ثمانية وهي: الأقصى من الغصب إلى التلف وهو قياس الأصح، الأقصى من الغصب إلى الأداء، قيمة يوم الطلب، قيمة يوم الأداء المفصل، فتحرر أن الوجوب يتعلق بالعين ما دامت باقية وبنوعيها وهو أعم منها إذا تلفت وبماليتها وهي القيمة إذا تعذر المثل.
ولو قال المستحق: لا آخذ القيمة وأنتظر وجود المثل .. قال في (البيان): له ذلك.
قال في (الروضة): ويحتمل أن يأتي فيه الخلاف في صاحب الحق إذا امتنع من قبضه هل يجبر ويمكن الفرق؟ ولو لم يأخذها حتى وجد المثل .. تعين قطعاً.
قال: (لو نقل المغصوب المثلي إلى بلد آخر) أي: يعلمه المالك (.. فللمالك أن يكلفه رده) كما كان وهذا لا خلاف فيه عندنا إذا علم مكانه؛ لعموم قوله)
وَأَنْ يُطَالِبَهُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَالِ، فَإِذَا رَدَّهُ .. رَدَّهَا
صلى الله عليه وسلم: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه).
وأفهم قوله: (إلى آخره) أنه إذا نقله إلى دار أخرى بالبلد أنه لا يرهق إلى القيمة للحيلولة إذا أمكن إحضاره في الحال، فإن تعذر أو تأخر .. أرهقه إليها، وإلا .. فالقيمة فقط، وقد سبق ذلك عند قوله: (وعلى الغاصب الرد) فإن هذه بعض تلك الأحوال؛ لأن تلك أعم من المثلي والمتقوم، وقد تقدم هناك وجه في المحتاج إلى مؤنة كثيرة، أما إذا جهل موضعه .. فلا يؤمر بالرد؛ لامتناعه.
قال: (وأن يطالبه بالقيمة في الحال) وإن كان مثليا؛ لأنه أحال بينه وبين ملكه، فأوجبنا القيمة لتسد مسد العين فيطالب بالقيمة للحيلولة، وإن كان قد كلف ردها .. فهما حقان واجبان في الحال عند العلم بموضع المغصوب.
ومعنى الحيلولة: أن المأخوذ بقيمة العين بسبب الحيلولة.
والصحيح المشهور: أن المغصوب منه يملكها، وإلا .. لما سدت مسد العين، وهي ملك قرض خلافاً للقفال، قالوا: وهي أقصى القيم من الغصب إلى الطلب، ولو بذلها الغاصب .. لم يلزم المالك قبولها؛ لأنها ليست حقاً ثابتاً في الذمة حتى يجبر على قبوله أو الإبراء منه، بل لو أبرأه المالك عنها لم ينفذ.
ثم ضمان الحيلولة ثابت في كل مغصوب تعذر رده، وينبغي إذا زادت القيمة بعد ذلك أن يطالب بالزائد، وينبغي وجوب المثل في المثلي، وكلامهم كالصريح في القيمة مطلقاً؛ لأن ذلك إنما يكون في الضمان الذي يقطع العلقة، وضمان الحيلولة إنما هو ليسد مسده في مدة الحيلولة.
قال: (فإذا رده .. ردها) أي: وجوباً؛ لأنه إنما أخذها للحيلولة وقد زالت، هذا إذا كان على مسافة بعيدة لا يمكن رده إلا بزمن طويل، فإن كان المغصوب منه على مسافة قريبة .. لم يطالب بالقيمة، بل برد المغصوب.
قال في (المهذب): ويسترجعه بزوائد المتصلة، وفيه نظر من حيث إن البدل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القيمة وهي الدراهم والدنانير ولا زيادة لها، فيجوز أن يرد إذا اعتاض عن القيمة شاة مثلاً فيردها مع زوائدها.
قال الشيخ: ورأيت في حاشية تمثيله ببلد يتعاملون فيه بالحيوان، وتردد الجويني في جواز إبدال النقد بغيره، والأقوى في (الروضة): المنع.
فروع:
إذا اتفقنا على ترك التراد .. فلابد من بيع بشروطه، فلو ظهر على المالك دين مستغرق .. فالغاصب أحق بالقيمة التي دفعها؛ لأن هذا عين ماله، وهذا أولى من المفلس؛ لأن هناك يحتاج إلى اختيار، وهنا بمجرد عود المغصوب يستقر الملك في القيمة.
والأشهر في (الرافعي): أنه ليس للغاصب حبس المغصوب ليسترد القيمة وإن كانت الدراهم المبذولة للحيلولة بعينها باقية في يد المالك.
وتردد الشيخ أبو محمد في أنه هل يجوز له إمساكها وغرامة مثلها؟ قال المصنف والشيخ: الأقوى: أنه لا يجوز، كما أن للمقرض استرداد عينه وهذا أولى.
وزوائد المغصوب قبل دفع القيمة مضمونة على الغاصب قطعاً، وبعد دفعها وجهان: أصحهما: أنها مضمونة أيضاً.
وإذا غصب أم ولد فأبقت من يده .. غرم قيمتها للحيلولة، فإذا مات السيد عتقت واسترد الغاصب ما أخذ منه أو بدله.
فَإِنْ تَلِفَ فِي الْبَلَدِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ .. طَالَبَهُ بِالْمِثْلِ فِي أَيِّ الْبَلَدَيْنِ شَاءَ، فَإِنْ فَقَدَ الْمِثْلَ .. غَرَّمَهُ قِيمَةَ أَكْثَرِ الْبَلَدَيْنِ قِيمَةً.
وَلَوْ ظَفِرَ بِالْغَاصِبِ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّلَفِ .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لاَ مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ كَالنَّقْدِ .. فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْمِثْلِ، وَإِلاَّ .. فَلاَ مُطَالَبَةَ بِالْمِثْلِ، بَلْ يُغَرِّمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ
قال: (فإن تلف في البلد المنقول إليه .. طالبه بالمثل في أي البلدين شاء) كالعين، وكذا في أي موضع شاء من المواضع التي وصل إليها في طريقه بين البلدين، بل لو أعاده الغاصب إلى بلده فتلف فيه .. فالتخيير بحاله.
قال: (فإن فقد المثل .. غرمه قيمة أكثر البلدين قيمة)؛ لأنه كان تجوز له المطالبة بالمثل فيهما.
فعلى هذا: إذا غرمه قيمة البلد المنقول إليه فاختلفت القيمة بالنسبة إلى يوم الغصب ويوم التلف ويوم المطالبة .. فتجري الأوجه العشرة المتقدمة.
قال: (ولو ظفر بالغاصب في غير بلد التلف) أي: والمغصوب مثلي والمثل موجود، وكذا إن ظفر بالمتلف الذي ليس بغاصب.
قال: (.. فالصحيح: أنه إن كان لا مؤنة لنقله كالنقد) أي: اليسير (.. فله مطالبته بالمثل، وإلا .. فلا مطالبة بالمثل)؛ لما فيه من الضرر، بل يرغمه قيمة بلد التلف قطعاً للنزاع، وهذا قول الأكثرين ويقابله وجهان:
أحدهما: له طلب المثل مطلقاً.
والثاني: إن لم تزد قيمة ذلك البلد على بلد التلف .. طالبة بالمثل، وإلا .. فبالقيمة، صرح به جماعة ونقل عن النص، قال الشيخ: وهو أولى لكن قال الإمام: إن الأئمة لم يفصلوا.
قال الشيخ: وحمل إطلاق الأئمة على التفصيل متعين.
قال: (بل يغرمه قيمة بلد التلف)؛ لأنه قد تعذر على المالك الرجوع إلى المثل قياساً على الانقطاع، وهذا إذا لم ينتقل المغصوب عن موضعه، وإلا .. فقيمة أكثر البقاع كما تقدم.
وَأَمَّا الْمُتَقَوَّمُ .. فَيُضْمَنُ بِأَقْصَى قِيْمَةٍ مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، وَفِي الإِتْلاَفِ بِلاَ غَصْبٍ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، فَإِنْ جَنَى وَتَلِفَ بِسَرَايَةٍ .. فَالْوَاجِبُ: الأَقْصَى أَيْضًا.
وَلاَ تُضْمَنُ الْخَمْرُ
قال: (وأما المتقوم .. فيضمن بأقصى قيمة من يوم الغصب إلى التلف)؛ لأنه في حال زيادة القيمة غاصب مطالب بالزيادة، فلما لم يرد في تلك الحالة .. ضمن بدله.
فإن كانت الزيادة في العبد أو الأمة بسبب الغناء وفي الكبش بسبب النطاح والديك بالهراش .. فالنص: أنه لا يضمن ما زاد بسبب ذلك.
أما القبالة .. فتجب فيها قيمة الكاغد وأجرة الكاتب كما سيأتي في آخر (الوديعة) إن شاء الله تعالى.
قال: (وفي الإتلاف بلا غصب بقيمة يوم التلف)؛ لأن ضمان الزائد في المغصوب إنما كان لتعديه وهنا لا عدوان.
قال: (فإن جنى وتلف بسراية .. فالواجب: الأقصى أيضاً)؛ لأنا إذا اعتبرنا الأقصى في اليد العادية .. فلأن نعتبره في نفس الإتلاف أولى.
مثاله: جنى على بهيمة وقيمتها مئة، وهلكت وقيمة مثلها خمسون: تلزمه مئة، فلو لم يهلك المغصوب لكن أبق العبد.
أو ضلت الدابة أو ضاع الثوب .. فللمالك أن يضمنه القيمة في الحال للحيلولة، والاعتبار بأقصى القيم من الغصب إلى المطالبة.
قال: (ولا تضمن الخمر) سواء كانت لمسلم أم ذمي، وسواء أراقها حيث تجوز إراقتها أم لا؛ لأنها محرمة ولا قيمة لمحرم، لأن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء .. حرم عليهم ثمنه.
رواه أبو داوود [3482].
والخنزير كالخمر، وكذا حكم كل نبيذ مسكر وكل نجس العين؛ لعدم المالية، وأوجب أبو حنيفة ضمان خمور أهل الذمة، وفي الخمرة المحترمة وجه: أنها طاهرة فعلى هذا: تضمن.
وقال في (الدقائق): إن الحشيشة مسكرة، فعلى هذا: يتجه إلحاقها
وَلاَ تُرَاقُ عَلَى ذِمِّيٍّ إِلاَّ أَنْ يُظْهِرَ شُرْبَهَا أَوْ بَيْعَهَا، وَتُرَدُّ عَلَيْهِ إِنْ بَقِيَتِ الْعَيْنُ، وَكَذَا الْمُحْتَرَمَةُ إِذَا غُصِبَتْ مِنْ مُسْلِمٍ
بالخمر، وفي ضمان المتنجس من الزيت والماء وجهان.
قال: (ولا تراق على ذمي)؛ لأنا أقررناهم على الانتفاع بها، ومن تعرض لذلك أو اعتراض عليهم فيها .. زجر، فإن عاد .. أدب وإن كان إذا أتلفها لا يضمنها.
قال: (إلا أن يظهر شربها أو بيعها) ولو من مثله فحينئذ تراق؛ لأنه تعدى بذلك، وكذا حكم إظهار هبتها وعرضها للبيع ونحو ذلك، فكان الصواب التعبير بـ (الإظهار) كقوله في (الجزية): (ويمنعون من إظهار خمر وخنزير).
وضابط الإظهار: أن يكون بحيث يطلعون عليهم من غير تجسس، وهل المعاهد والمستأمن في ذلك كالحربي؟ فيه نظر.
قال: (وترد عليه إن بقيت العين)؛ لما سبق من تقريرهم عليها، وفي وجه حكاه الإمام عن المحققين: تجب التخلية فقط، وهو قوي.
وعلى الأصح: على الغاصب مؤنة الرد كما صرح به في (المحرر).
وأشار بقوله: (إن بقيت العين) إلى أنها إن تلفت .. لم تضمن.
قال: (وكذا المحترمة إذا غصبت من مسلم)؛ لأن له إمساكها لتصير خلا، وفسر الرافعي هنا المحترمة بالتي عصرت من غير قصد الخمرية، وفسرها في (الرهن بالتالي عصرت بقصد الخلية وبين العبارتين فرق.
وفي (الكفاية) عن العراقيين: تراق محترمة كانت أو غيرها، ولا يحسن قول المصنف في (التصحيح): الصواب وجوب رد المحترمة.
وَالأَصْنَامُ وَآلاَتُ الْمَلاَهِي لاَ يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيْءٌ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهَا لاَ تُكْسَرُ الْكَسْرَ الْفَاحِشَ، بَلْ تُفْصَلُ لِتَعُودَ كَمَا قَبْلَ التَّالِيفِ،
أما غير المحترمة .. فتراق على المسلم، وفي وجه غريب: ترد عليه ليطفئ بها ناراً أو يبل بها طيناً ونحوه.
وحيث جازت الإراقة لا يجوز كسر الأواني إلا أن لا يقدر عليها إلا به كالرمي بالحجارة، وكذا لو كانت في قوارير ضيقة الرؤوس ولو اشتغل بإراقتها أدركته الفساق ومنعوه، فلو لم يخف ذلك لكن كان يضيع فيه زمانه ويبطل شغله .. فله كسرها، قاله في (الإحياء).
وللإمام كسر الظروف التي تجعل فيها الخمر زجراً وتأديباً دون الآحاد.
قال: (والأصنام وآلات الملاهي لا يجب في إبطالها شيء)؛ لأنها محرمة الاستعمال، وصنعتها محرمة والمحرم لا بدل له.
روى الشيخان [خ 2222 - م155/ 243] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لينزلن عيسى ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير).
وكذلك حكم أواني الذهب والفضة والصلبان، سواء كسرها مسلم أو ذمي، ومتى أظهر الذمي الصليب ونحوه .. كسرناه.
والصحيح: أنه لا فرق في ذلك بين أن يشترط عليهم في عقد الذمة أم لا.
روى البيهقي [6/ 101] عن أبي حصين رضي الله عنه: أن رجلاً كسر طنبوراً لرجل فرفعه إلى شريح .. فلم يضمنه.
قال: (والأصح: أنها لا تكسر الكسر الفاحش، بل تفصل لتعود كما قبل التأليف) وضابطه أن يزول الاسم ويعسر العود حتى إذا أراد اتخاذ آلة محرمة من مفصلها .. لنال الصانع التعب الذي يناله في ابتداء الاتخاذ.
والثاني: أنها ترض حتى تنتهي إلى حد لا يمكن أن تتخذ آلة محرمة ولا غيرها.
فَإِنْ عَجَزَ الْمُنْكِرُ عَنْ رِعَايَةِ هَذَا الْحَدِّ لِمَنْعِ صَاحِبِ الْمُنْكَرِ .. أَبْطَلَهُ كَيْفَ تَيَسَّرَ.
والثالث: تفصل بحيث لا يصلح معه الاستعمال المحرم، حتى إذا رفع وجه البربط وبقي على صورة قصعة .. كفى، ولم يكتف أحد من الأصحاب بقلع الأوتار مع ترك الآلات، لأنها منفصلة عن الآلة في حكم المجاورة لها.
نعم؛ لو وجد الآلة بدون وتر .. ففي إزالة تلك الصورة احتمال لابن الرفعة.
وقال في (البسيط) أجمعوا على أنه لا يجوز إحراقها؛ لأن رضاضها متمول ومن اقتصر في إبطالها على الحد المشروع فيه .. لا شيء عليه، ومن جاوزه فعليه التفاوت بين قيمتها مكسورة على الحد المشروع فيه وبين قيمتها على الحد الذي أتى به.
قال: (فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحد بمنع صاحب المنكر .. أبطله كيف تيسر)؛ للحاجة إلى ذلك، ولأن صاحبه مفرط، وكان شيخنا رحمه الله تعالى يقول: في حفظي أن الكافر ليس ذلك.
فرع:
المرأة والعبد والفاسق والصبي المميز يشتركون في جواز الإقدام على إزالة سائر المنكرات، ويثاب الصبي عليه كما يثاب البالغ، ولكن إنما تجب إزالته على المكلف، وليس لأحد منع الصبي من إنكار المنكر فإنه وإن لم يكن مكلفاً .. فهو من أهل القرب وليس من أهل الولايات.
فرع:
أتلف ديكاً هراشاً أو كبشاً نطاحاً وجبت قيمته غير هارش وناطح؛ لأن الزيادة
وَتُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الدَّارِ وَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا بِالتَّفْوِيتِ وَالْفَوَاتِ فِي يَدٍ عَاديَةٍ، وَلاَ تُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ إِلاَّ بِالتَّفْوِيتِ،
بسبب الوصف المحرم، وكذا أفتى به القاضي حسين، وكذلك لا يضمن ما زاد بسبب الغناء في العبد والأمة على النص خلافاً للروياني وسيأتي آخر الفصل.
قال: (وتضمن منفعة الدار والعبد ونحوهما بالتفويت والفوات في يد عادية) أو مترتبة عليها؛ لأن المنافع متقومة فكانت مضمونة بالغصب كالأعيان، فالتفويت: الاستعمال، والفوات: أن تضيع المنفعة من غير انتفاع كإغلاق الدار، فلو كان للعبد صناعات .. ضمن أعلاها لا كلها.
ولو كانت الأجرة في مدة الغصب متفاوتة .. فالصحيح: أنه يضمن في كل بعض من أبعاض المدة بأجرة مثلها فيه.
والثاني: كذلك إن كانت الأجرة في أول المدة أقل، فإن كانت أكثر .. ضمنها بالأكثر في جميع المدة.
والثالث: بالأكثر في جميع المدة، وهو ضعيف.
وأشار بقوله: (ونحوهما) إلى كل عين يصح استئجارها، فالمنفعة المحرمة التي لا يجوز عقد الإجارة عليها كالمعازف لا تضمن، واحترز بذلك عما لا يصح كالخنزير والكلب إذا قلنا: لا يصح استئجاره، فإنه لا أجرة له، ولو اصطاد به شيئاً كان كما لو غصب شبكة أو قوساً فاصطاد بهما.
وقيل: للمالك كصيد العبد المغصوب.
قال: (ولا تضمن منفعة البضع) وهو الفرج (إلا بالتفويت) أي بالوطء فيضمنه بمهر المثل، ولا يضمن بالفوات تحت اليد حرة كانت أو أمة؛ لأن اليد لا تثبت عليها، ولهذا يزوج السيد المغصوبة ولا يؤجرها كما لا يبيعها؛ لأن يد الغاصب حائلة وإن كانت عنده، ولأن منفعة البضع تستحق استحقاق ارتفاق، وسائر المنافع
وَكَذَا مَنْفَعَةُ بَدَنِ الْحُرِّ فِي الأَصَحِّ.
وَإِذَا نَقَصَ الْمَغْصُوبُ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ .. وَجَبَ الأَرْشُ مَعَ الأُجْرَةِ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ بِهِ بِأَنْ بَلِيَ الثَّوْبُ فِي الأَصَحِّ
تستحق استحقاق ملك تام؛ لأن المستأجر يؤجر ويعير بخلاف الزوج، وأيضاً منفعة البضع إنما يقصد بها الألفة وهذا المعنى لا يضمن باليد، ولأن المهر لا يزيد بطول المدة ويمكن استدراكه بالعقد والأموال بعكس ذلك.
قال: (وكذا منفعة بدن الحر في الأصح) أي: لا تضمن بالفوات إذا حبسه وعطله ولم يستوف منفعته؛ لأنه لا يدخل تحت اليد، فمنافعه تفوت في يده.
والثاني: أنها تضمن بالفوات؛ لأنها تتقوم بالعقد الفاسد فأشبهت منافع الأموال، أما ضمانها بالتفويت .. فلا خلاف فيه.
فلو استولى على حر كبير أو صغير مدة .. لم يضمن ثيابه في الأصح، كذا صححه الرافعي في (كتاب السرقة).
قال: (وإذا نقص المغصوب بغير استعمال) كمرض ونحوه (.. وجب الأرش مع الأجرة) للنقص والفوات، وتجب أجرته سليماً قبل حدوث النقصان.
قال: (وكذا لو نقص به) أي: بالاستعمال (بأن بلي الثوب في الأصح) كما لو حصل النقصان بسبب آخر.
والثاني: لا يجب إلا أكثر الأمرين من الأجرة والأرش؛ لأن النقصان نشأ من الاستعمال وقد قوبل الاستعمال، بالأجرة فلا يجب له ضمان آخر، والقائل بالأول يقول: الأجرة ليست في مقابلة الاستعمال، بل في مقابلة الفوات.
فرعان:
أحدهما: ما ثبت فيه الانتفاع لعامة المسلمين كالشوارع وأراضي عرفات والأراضي الموقوفة على الموتى إذا استولى شخص عليها ومنع الناس منها ولم ينتفع
فَصْلٌ:
ادَّعَى تَلَفَهُ وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ .. صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِه فِي الأَصَحِّ،
بها، أو نصب على الشارع باباً ومنع الناس .. لم يضمن منافعها، فإن انتفع بها بوضع متاع أو نحوه .. لزمه أجرتها.
الثاني: غصب ثوباً ونجسه أو تنجس عنده لا يجوز له تطهيره ولا للمالك أن يكلفه ذلك، فإن غسله فنقص .. ضمن النقص، ولو رده نجساً فمؤنة التطهير على الغاصب، وكذا أرش النقص اللازم منه، وتنجس المائع الذي لا يمكن تطهيره إهلاك؛ لأنه لا يمكن تطهيره، فإن جوزنا تطهيره .. فهو كالثوب.
تتمة:
إذا انتفع بمسجد بأن اتخذه مسكناً أو محزناً يضع فيه متاعه .. ضمن أجرة المثل، قال المتولي: وتكون لمصالح المسلمين كما لو أتلف مال بيت مال، وبه أفتى قاضي القضاة ابن رزين، والمعروف الذي أفتى به الغزالي والمصنف بأنها تصرف في مصالح المسجد.
وسئل الشيخ عمن هدم جدار مسجد غير مستحق الهدم ما يلزمه؟ فأجاب: تلزمه إعادته، ولا يأتي فيه ضمان الأرش كما قيل في الجدار المملوك والموقوف وقفاً غير تحرير؛ لأنهما مالان والمسجد ليس بمال، بل هو كالحر، ولذلك لا تجب أجرته بالاستيلاء عليه حتى يستوفي منفعته.
قال: (
فصل
):
ادعى تلفه وأنكر المالك .. صدق الغاصب بيمينه في الأصح)؛ لأنه قد يكون صادقاً ويعجز عن البينة فيتخلد حبسه عليه، ولأنه غارم.
والثاني: يصدق المالك؛ لأن الأصل البقاء، وحقه متعلق بالعين لا ببدلها.
فَإِذَا حَلَفَ .. غَرَّمَه الْمَالِكُ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ أَوِ الثِّيَابِ الَّتِي عَلَى الْعَبْدِ الْمَغْضُوبِ أَوْ فِي عَيْبٍ خَلْقِيٍّ .. صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ، وَفِي عَيْبٍ حَادِثٍ .. يُصَدَّقُ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ فِي الأَصَحِّ،
هذا عند إطلاق دعوى التلف، فإن قيده بسبب ظاهر .. فلا يبعد أن يحبس حتى يقيم بينة بالتلف لإمكانه.
قال: (فإذا حلف .. غرمه المالك في الأصح)؛ لأنه بيمين الغاصب عجز عن الوصول إلى العين.
والثاني: لا يغرم؛ لأنه يزعم أن العين باقية وحقه متعلق بها لا ببدلها.
فرع:
قال الغاصب: رددته حياً أو مات عندك، وقال المالك: بل مات عندك، وأقام كل منهما بينة .. تعارضتا وتساقطتا وضمنه الغاصب؛ لأن الأصل بقاؤه عنده، وقدم أبو يوسف بينة المالك ومحمد بن الحسن بينة الغاصب.
قال: (ولو اختلفا في قيمته أو الثياب التي على العبد المغصوب أو في عيب خلقي .. صدق الغاصب بيمينه) أما في الأولى .. فلأن الأصل براءة ذمته، وأما في الثانية، فإذا قال الغاصب: الثياب التي على العبد لي، وقال المالك: هي لي .. فالقول قول الغاصب قطعاً؛ لأن يده على المغصوب وثيابه.
فلو كان المغصوب حراً صغيراً .. فالأصح: أن القول قولي الولي، ولا يمن عليه فينتظر بلوغ الصبي.
وأما التنازع في العيب الخلقي .. فصورتها: أن يقول الغاصب: ولد أكمه أو أعرج أو فاقد الأطراف .. فهو المصدق، لأن الأصل العدم، والمالك متمكن من إقامة بينة بما يدعيه، وقيل: يصدق المالك، وقيل: يفرق بين ما يندر وما لا يندر.
قال: (وفي عيب حادث .. يصدق المالك بيمينه في الأصح)؛ لأن الأصل والغالب دوام السلامة.
وَلَوْ رَدَّهُ نَاقِصَ الْقِيمَةِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، فَصَارَتْ بِالرُّخْصِ دِرْهَمًا، ثمَّ لَبِسَهُ فَأَبْلاَهُ فَصَارَتْ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَرَدَّهُ .. لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، وَهيِ قِسْط التَّالِفِ مِنْ أَقْصَى الْقِيَمِ.
قُلْتُ: وَلَوْ غَصَبَ خُفَّيْنِ قِيمَتُهُمَا عَشَرَةٌ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الآخَرَ وَقِيمَتُهُ
والثاني .. الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته، وهذا هو المنصوص ورجحه الجمهور.
وصورة المسألة: أن يكون المغصوب تالفاً، فلو رد وبه عيب وقال: غصبته هكذا، وقال المالك: بل حدث العيب عندك .. فالمصدق الغاصب؛ لأن الأصل براءة الذمة عما زاد عن تلك الصفة، ثم الخلاف في المسألة قولان فكان الصواب التعبير بالأظهر.
قال: (ولو رده ناقص القيمة) أي: بسبب الرخص (.. لم يلزمه شيء)؛ لأن الفائت رغبات الناس فقط، والمغصوب باق بحاله، وقال أبو ثور: يلزمه نقص القيمة، ووافقه بعض أصحابنا، وادعى الإمام أنه منقاس.
قال: (ولو غصب ثوباً قيمته عشرة، فصارت بالرخص درهماً، ثم لبسه فأبلاه فصارت نصف درهم فرده .. لزمه خمسة، [وهي قسط التالف من أقصى القيم]؛ لأن الناقص باللبس نصف الثوب، والخمسة نصف أقصى قيمة الثوب، والنقصان الثاني وهو أربعة ونصف بالرخص فلا يضمن.
وتجب مع الخمسة المذكورة أجرة اللبس، وهذا تفريع على الجمع بين الأرش والأجرة كما سبق، فإن لم يجمع بينهما .. فالواجب أكثر الأمرين من الخمسة وأجرة المثل، قال الإمام: والصفات في هذا كالأجزاء.
قال: (قلت: ولو غصب خفين قيمتهما عشرة فتلف أحدهما ورد الآخر وقيمته
دِرْهَمَانِ، أَوْ أَتْلَفَ أَحَدَهمَا غَاصِبًا، أَوْ فِي يَدِ مَالِكِهِ .. لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ حَدَثَ نَقْصٌ يَسْرِي إِلَى التَّلَفِ بِأَنْ جَعَلَ الْحِنْطَةَ هَرِيسَةً .. فَكالتَّالِفِ، وَفِي قَوْلٍ: يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ
درهما، أو أتلف أحدهما غاصباً، أو في يد مالكه .. لزمه ثمانية في الأصح والله أعلم) خمسة للتالف، وثلاثة لما حصل من التفريق الحاصر عنده، أما الأولى .. فلأنه وضع يده عليهما معاً، وأصل المغصوب وصفاته مضمونة.
قال في زوائد (الروضة): وفيه وجه غريب في (التنبيه) و (التتمة): أنه يلزمه درهمان.
اهـ
وحكايته عن (التتمة) وهم فالذي فيها وجه: أنه تلزمه خمسة كما إذا أتلف رجل أحدهما وآخر الآخر .. فإنه يسوى بينهما، وهو وجه ثالث في المسألة.
وصورة المسألة المقيس عليها هذا الوجه: أن يتلفا دفعة واحدة، فإن تعاقبا .. لزم الثاني ثلاثة، وفي الأول الخلاف، وأما الصورتان الأخيرتان .. ففيهما الأوجه الثلاثة، والصحيح في الكتاب نقله في زوائد (الروضة) عن الأكثرين وعليه العمل ثم قال: ووجه الخمسة صححه الإمام ونقله البغوي عن الأكثرين وهو الأقوى، واتفقوا على أنه لا يقطع بسرقة أحدهما إذا لم يبلغ وحده نصاباً وإن ضمناه إياه.
وقوله: (خفين) أي: فردتين فكل واحدة تسمى خفاً، والحكم كذلك في أحد زوجي النعل ومصراعي الباب.
قال: (ولو حدث نقص يسري إلى التلف بأن جعل الحنطة هريسة .. فكالتالف)؛ لأنه لو ترك بحاله فسد.
فعلى هذا: هل تكون الهريسة للغاصب أو للمالك كما لو نجس زيته وقلنا: لا يطهر بالغسل؟ وجهان.
قال: (وفي قوله: يرده مع أرس النقص)؛ قياساً على التعييب الذي لا يسري، وهذا الوجه اختاره الإمام والبغوي، وفي المسألة قول ثالث استحسنه في (الشرح
وَلَوْ جَنَى الْمَغْضُوبُ فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ مَالُ .. لَزِمَ الْغَاصِبَ تَخْلِيصُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالْمَالِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ .. غَرَّمَهُ الْمَالِكُ،
الصغير) وقطع به بعضهم: أن المالك يتخير بينهما، ورابع: يتخير الغاصب.
واحترز عما لا يسري، فإن الواجب على الغاصب إنما هو رده مع الأرش مطلقاً، وإطلاقه يفهم أنه لا فرق بين حصول النقص الساري بفعل الغاصب أو بغيره، وكان ينبغي أن يقيده بفعله، وكأنه اكتفى عنه بالمثال.
وصورة المسألة: غصب دقيقاً وسمناً وتمراً فجعله عصيدة، أو غصب ماء وزيتاً فخلطهما ونحو ذلك.
ولو تعفن الطعام في يده لطول المكث .. فقيل: هو كالهريسة، والأصح في زوائد (الروضة): أنه يتعين أخذه مع الأرش قطعاً.
قال: (ولو جنى المغصوب فتعلق برقبته مال .. لزم الغاصب تخليصه)؛ لأنه نقص حدث في يده وهو مضمون عليه.
قال: (بالأقل من قيمته والمال)؛ لأن الأقل إن كان هو القيمة .. فهو الذي دخل في ضمانه، وإن كان هو المال المتعلق بالرقبة .. فهو الذي وجب، وفي قول: بفديه بالأرش بالغاً ما بلغ، وهما كالقولين فيما يفديه السيد به.
ولا شك أن من جملة عيوب المبيع جنايات الخطأ إذا كثرت والعمد إذا لم يتب، فإن تاب .. فوجهان، وجوز ابن الرفعة إلحاق عمد الخطأ بالعمد، فيلزم الغاصب أيضاً أرش هذا العيب.
قال: (فإن تلف في يده) أي: تلف العبد الجاني في يد الغاصب (.. غرمه المالك) أي: أقصى القيم كغيره من الأعيان المضمونة.
وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ تَغْرِيمُهُ وَأَنْ يَتِعَلَّقَ بِمَا أَخَذَهُ الْمَالِكُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ.
وَلَوْ رَدَّ الْعَبْدَ إِلَى الْمَالِكِ فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ .. رَجَعَ الْمَالِكُ بِمَا أَخَذَهُ الْمَجْنِيُ عَلَيْهِ عَلَى الْغاَصِبِ
قال: (وللمجني عليه تغريمه) أي: تغريم الغاصب؛ لأن جناية المغصوب مضمونة عليه.
قال: (وأن يتعلق بما أخذه المالك) أي: بقدر حقه وهو الأقل فقد يكون بعض القيمة وقد يكون كلها؛ لأن حقه كان متعلقاً بالرقبة، فيتعلق ببدلها قياساً على بدل المرهون.
وقيل: ليس له ذلك، وإنما يطالب الغاصب فقط؛ لأنهما كرجلين لكل منهما دين على ثالث، وليس للمالك مطالبة للغاصب بالأرض قبل أن يغرم الغاصب المجني عليه كما قال الإمام؛ لاحتمال الإبراء، وهو مقتضى قول المصنف: (ثم يرجع).
وقال ابن الرفعة: له ذلك كما يطالب الضامن المضمون بتخليصه.
قال شيخنا: والذي ذكره بحثاً وتشبيهاً إنما يقتضي المطالبة بالأداء للمجني عليه للمالك، وليس كلام الإمام فيه.
قال: (ثم يرجع المالك على الغاصب)؛ لأن الذي أخذه المالك لم يسلم إليه، بل أخذ منه بجناية مضمونة على الغاصب.
قال: (ولو رد) أي: الغاصب (العبد إلى المالك فبيع في الجناية .. رجع المالك بما أخذه المجني عليه على الغاصب)؛ لأن الجناية حصلت حين كان المغصوب مضموناً عليه، ثم للمسألة صور:
إحداها: أن يغصبه بعد أن جنى ثم يرده فيباع فيها .. فلا رجوع.
الثانية: أن يجني ثانياً في يد الغاصب وكل منهما يستغرقه ثم يرده فيباع ويقسم .. فيرجع بنصفه.
وَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَنَقَلَ تُرَابَهَا .. أَجْبَرَهُ الْمَالِكُ عَلَى رَدِّهِ أَوْ رَدِّ مِثْلِهِ وَإِعَادَةِ الأَرْضِ كَمَا كَانَتْ، وَلِلنَّاقِلِ الرَّدُّ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ الْمَالِكُ إِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ،
الثالثة: أن يغضبه غير جان فيجني عنده ثم يرده فيباع فيه ويقسم .. فيرجع به كله، وهي مسألة الكتاب.
قال: (ولو غصب أرضاً فنقل ترابها) أي: من غير حفر بل كشطه عن وجهها.
قال: (... أجبره المالك على رده أو رد مثله) ولو غرم عليه أضعاف قيمته وقد قال عليه الصلاة والسلام (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) أي: رد ما أخذت، ولأن التراب مثلي كما سبق، فإن تعذر .. فالنص أنا نقوم الأرض بترابها ثم بعد نقله منها يجب ما بينهما.
وقيل: يجب الأكثر من هذا ومن قيمة التراب منقولاً وحكي عن النص.
فلو كانت الأرض متنجسة بسماد تعين هذا الوجه، ولا يكلف رد مثله فيما يظهر.
قال: (وإعادة الأرض كما كانت) من انبساط وارتفاع، فإن بقي نقص .. وجب أرشه معها، هذا هو النص هنا، والنص فيمن باع أرضاً فيها أحجار فنقلها أنه تلزمه التسوية فقيل: قولان، وقيل بتقرير النصين، والفرق ضعيف.
قال: (وللناقل الرد وإن لم يطالبه المال إن كان له فيه غرض) بأن كان قد نقله إلى ملكه وأراد تفريغه، أو إلى ملك غيره، أو شارع يخاف من التعثر به الضمان، بل لو منعه المالك من ذلك .. لم يسمع لدفع الضرر عنه، كما لو توسط أرضاً مغصوبة ثم عزم على الرجوع عن الغصب .. لا يكون بخروجه آثماً وإن كان متصرفاً في أرض الغير للضرورة.
وَإِلاَّ .. فَلاَ يَرُدُّهُ بِلاَ إِذْنٍ فِي الأَصَحِّ، وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَا حَفْرُ الْبِئْرِ وَطَمُّهَا.
وَإِذَا أَعَادَ الأَرْضَ كَمَا كَانَتْ وَلَمْ يَبْقَ نَقْصٌ .. فَلاَ أَرْشَ، لَكِنْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ الإِعَادَةِ، وَإِنْ بَقِيَ نَقْصٌ .. وَجَبَ أَرْشُهُ مَعَهَا
وإذا رد التراب إلى الأرض فمنعه المالك من بسطه .. لم يبسطه وإن كان في الأصل مبسوطاً.
ولو قال المصنف: وإن منعه المالك .. كان أحسن، فإن له الرد أيضاً مع المنع كما صرح به الأصحاب، فيكون له الرد مع السكوت من باب أولى.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يكن له غرض بأن نقله إلى موات أو من أحد طرفي الأرض المغصوبة إلى الآخر.
قال: (.. فلا يرده بلا إذن في الأصح)؛ لأن تصرف في التراب والمكان بغير إذن المالك.
والثاني: له ذلك؛ لأنه رد ملكه إلى محله، فلو فعل .. كان للمالك أن يكلفه النقل على الأول لا الثاني.
قال: (ويقاس بما ذكرنا حفر البئر وطمها) فله الطم بترابه إن كان باقياً، وبمثله إن كان تالفاً على هيئته الأولى، ثم إن أمره المالك بالطم .. لزمه، وإلا .. فله أن يستقل به ليدفع عن نفسه خطر الضمان بالسقوط فيها.
وقال المزني: لا يطم إلا بإذن المالك، فإن منعه المالك وقال: رضيت باستدامة البئر .. امتنع عليه الطم في الأصح واندفع عنه الضمان.
ولو كان الغاصب طوى البئر بآلة نفسه .. فله نقلها وللمالك إجباره عليه، فإن وهبها منه .. لم يلزمه القبول في الأصح.
قال: (وإذا أعاد الأرض كما كانت ولم يبق نقص .. فلا أرش)؛ لعدم الموجب له.
قال: (لكن عليه أجرة المثل لمدة الإعادة)؛ لأنه فوتها بسبب هو فيه متعد.
قال: (وإن بقي نقص .. وجب أرشه معها) أي: مع الأجرة كما تضمن سائر صفات العين المغصوبة الفائتة.
وَلَوْ غَصَبَ زَيْتًا وَنَحْوَهُ وَأَغْلاَهُ فَنَقَصَتْ عَيْنُهُ دُونَ قِيمَتِهِ .. رَدَّهُ وَلَزِمَهُ مِثْلُ الذَّاهِبِ عَلَى الأَصَحِّ، وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ فَقَطْ .. لَزِمَهُ الأَرْشُ، وَإِنْ نَقَصَتَا .. غَرِمَ الذَّاهِبَ وَرَدَّ الْبَاقِيَ مَعَ أَرْشِهِ إِنْ كَانَ نَقْصُ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ
قال: (ولو غصب زيتاً ونحوه) أي: من الأدهان (وأغلاه فنقصت عينه دون قيمته .. رده ولزمه مثل الداهب على الأصح)؛ لأن له بدلا مقدراً وهو المثل فأوجبناه، كما إذا خصى العبد فزادت قيمته .. فإنه يضمن قيمته على الجديد.
والثاني – وهو قول صاحب (التخليص) -: أنه يرده ولا غرم عليه؛ لأن ما حصل به النقص حصلت به الزيادة فلم يكن سبباً في الغرامة وهو خلاف النص، بل قال الإمام: إنه ليس بشيء؛ فكان ينبغي التعبير بـ (الصحيح) لذلك.
قال: (وإن نقصت القيمة فقط .. لزمه الأرش) هذا لا خلاف فيه.
قال: (وإن نقصتا .. غرم الذاهب ورد الباقي مع أرشه إن كان نقص القيمة أكثر) هذا هو المنصوص ومعناه: أنه يرد الباقي ويغرم الذاهب مطلقاً.
ثم إن لم يكن حصل في الباقي نقص .. فلا شيء عليه مع ذلك، وإن كان حصل فيه نقص في القيمة .. فعليه الأرش.
مثال الأول: رطلان قيمتهما درهمان صارا بالإغلاء رطلا قيمته درهم .. فيرده ورطلاً.
ومثال الثاني: صاراً رطلاً قيمته نصف درهم .. فيرد الباقي ويرد معه رطلاً ونصف درهم.
ولو غصب عصيراً وأغلاه .. فقيل: كالزيت يضمن مثل الذاهب وإن لم ينقص قيمته، والأصح: لا يضمن مثل الذاهب؛ لأنه مائيته، والذاهب من الزيت زيت.
ويجري الخلاف في العصر إذا صار خلا ونقصت عينه دون قيمته، وفي الرطب إذا صار تمراً، وأجراه الماوردي في اللبن إذا صار جبناً.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ السَّمَنَ لاَ يَجْبُرُ نَقْصَ هُزَالٍ قَبْلَهُ، وَأَنَّ تَذَكُّرَ صَنْعَةٍ نَسِيَهَا يَجْبُرُ النِّسْيَانَ وَتَعَلُّمُ صَنْعَةٍ لاَ يَجْبُرُ نِسْيَانَ أُخْرَى قَطْعًا
قال: (والأصح: أن السمن لا يجبر نقص هزال قبله)؛ لأن السمن الثاني غير الأول.
والثاني: يجبره وهو قول ابن أبي هريرة، كما لو أبق العبد ثم عاد فإنه يزول بالعود ضمان الحيلولة الواجب بالإباق.
فلو انعكس الحال بأن كانت معتدلة فسمنت في يد الغاصب سمناً مفرطاً ونقصت قيمتها .. فإنه يردها ولا شيء عليه؛ لأنه لم تنقص حقيقة ولا عرفاً.
قال: (وأن تذكر صنعة نسبها يجبر النسيان)؛ لأن العائد هو الأول، والسمن الثاني زيادة في الجسم محسوسة مغايرة لما كان.
والثاني: لا يجبر كالسمن، وهنا طريقة قاطعة بالانجبار وفي السمن طريقة قاطعة بعدمه.
ولا فرق في عود الصنعة بين أن يتذكر بنفسه أو بالتذكير فلذلك أطلقه المصنف.
قال: (وتعلم صنعة لا يجبر نسيان أخرى قطعاً)؛ لاختلاف الأغراض، فلو تذكرها في يد المالك .. قال في (المطلب): يشبه أن يجبر أيضاً حتى يسترد ما دفع من الأرش، ولو تعلمها .. فالمتجه: عدم الجبر فلا يسترد، وكذا لو كان يحسن سورة فنسيها وحفظ أخرى.
وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّ الْخَلَّ لِلْمَالِكِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ الأَرْشُ إِنْ كَانَ الْخَلُّ أَنْقَصَ قِيمَةً.
وَلَوْ غَصَبَ خَمْرًا فَتَحَلَّلَتْ، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّ الْخَلَّ وَالْجِلْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ
وعود الحسن كعود السمن لا كتذكر الصنعة.
ولو سقطت أوراق الشجر ثم أورقت .. لم ينجبر الأول بالثاني بخلاف شعر الجارية وسنها؛ لأنها غير متقومة.
ولو زادت قيمة الجارية بتعلم الغناء ثم نسيته .. فالمنصوص والمختار عند المصنف: أنه لا يضمن النقص.
قال: (ولو غصب عصيراً فتخمر ثم تخلل .. فالأصح: أن الخل للمالك)؛ لأنه عين ماله.
قال: (وعلى الغاصب الأرش إن كان الخل أنقص قيمة)؛ لحصوله تحت يده، فلو لم تنقص قيمته عن قيمته .. اقتصر عليه.
والثاني: يغرم مثل العصير.
وقال الماوردي: يغرم قيمته؛ لأنه بالتخمير كالتالف.
وعلى هذا: فالخل للمالك على الأصح؛ لأنه فرع ملكه، والخلاف جار فيما لو غصب بيضاً فصار فراخاً في يده، أو حباً فزرعه ونبت، أو بزر قز فصار قزاً.
والأصح: أن الحاصل للمالك، ولا غرم على الغاصب إلا أن يكون الحاصل أنقص قيمة مما غصبه.
قال: (ولو غصب خمراً فتخللت، أو جلد ميتة فدبغه .. فالأصح: أن الخل والجلد للمغصوب منه)؛ لأنهما فرع ملكه.
والثاني: أنهما للغاصب؛ لحصولهما عنده مما ليس بمال.
والثالث: الخل للمالك؛ لأنه حصل بلا علاج، والجلد للغاصب؛ لأن ماليته حصلت بفعله.
والرابع: عكسه؛ لأن جلد الميتة يقتني فحق المالك فيه آكد، والخمر لا يجوز اقتناؤها؛ لأن الكلام في غير المحترمة، فإن فرضت محترمة .. كانت كجلد الميتة.
فَصْلٌ:
زِيَادَةُ الْمَغْصُوبِ إِنْ كَانَتْ أَثَرًا مَحْضًا كَقُصَارَةٍ .. فَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ بِسَبَبِهَا، وَلِلْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ رَدَّهُ كَمَا إِنْ أَمْكَنَ، وَأرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا كَبِنَاءٍ وَغِرَاسٍ .. كُلِّفَ الْقَلْعَ
تتمة:
احترز بقوله: (غصب) عما إذا أعرض المالك عنها بأن أراق الخمر أو ألقى الشاة الميتة فأخذها شخص .. فالأصح في زوائد (الروضة) هنا و (أصلها) في (الصيد والذبائح): أنه ليس للمعرض الاسترداد.
قال: ﴿فصل﴾:
زيادة المغضوب إن كانت أثراً محضاً كقصارة .. فلا شيء للغاصب بسببها)؛ لتعديه بذلك العمل، وفارق المفلس حيث كان شريك البائع كما تقدم في بابه؛ لأنه شريك لم يتعد.
ومن صور المسألة: طحن الحنطة وخياطة الثوب بخيط منها وضرب الطين لبناً والسبائك حلياً أو دراهم وذبح الشاة وشي اللحم.
قال: (وللمالك تكليفه رده كما كان إن أمكن) فيرد اللبن طيناً والحلي سبيكة؛ لأنه متعد، فإن لم يكن كالقصارة ونحوها .. لم يكلف ذلك، بل يرده بحاله وله أرش النقص إن نقصت قيمته، فإن رضي المالك بالبقاء .. لم يكن له الرد، إلا أن يكون ضرب دراهم بغير إذن السلطان أو على غير عياره فيخاف التعزير.
قال: (وأرش النقص) هو منصوب عطفاً على الرد، وإنما كلفه بذلك لأنه نشأ مما فعله متعدياً.
قال: (وإن كانت عيناً كبناء وغراس .. كلف القلع)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة لم تكن لأحد قبله .. فهي له، وليس لعرق ظالم حق) رواه أبو داوود والترمذي.
قال الراوي: (وقد أبصرت رجلين من بياضة يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم