النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 461-500
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 461-500

وَلَوْ يُمَّمَ بِإِذْنِهِ .. جَازَ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عُذْرٌ.
وَأَرْكَانُهُ: نَقْلُ اَلتُّرَابِ،  والثاني: يصح، وهو قول الشيخ أبي حامد والحليمي والقاضي أبي الطيب والروياني، واختاره الشيخ؛ لأنه قصد ووصل التراب إلى العضو بقصده، فصار كما لو جلس تحت ميزاب ونوى الوضوء.
هذا بالنسبة إلى الوجه، وأما اليد .. فيجب ترتيبها على الوجه.
وأفهمت عبارة المصنف: أن التراب إذا عمه ولم يردده .. لم يجزه.
قال: (ولو يمم بإذنه .. جاز) كالوضوء، ولكن يكره حال القدرة، ويجب عليه ذلك عند العجز.
أما إذا يمم بغير إذنه .. فهو كوقوفه بمهب الريح، سواء قدر على منعه فلم يمنعه أم لا.
قال: (وقيل: يشترط عذر)؛ لأنه لم يقصد التراب.
فرع: يممه غيره فأحدث أحدهما بعد أخذ التراب وقبل المسح، ففي (فتاوى القاضي حسين): أن ذلك لا يضر.
واستشكله الرافعي، وقال: ينبغي أن يبطل بحدث الآذن، والذي قاله متجه.
قال: (وأركانه: نقل التراب).
(ركن الشيء): جانبه الأقوى، وجمعه أركان، والتي ذكرها المصنف خمسة: النقل، والنية، ومسح الوجه، ومسح اليدين، والترتيب، وستأتي مرتبة كذلك.
وزاد في (الروضة) شيئين آخرين: التراب والقصد، وفي (شرح المهذب): القصد فقط.
وإسقاطهما أولى؛ لأن التراب كالماء في الوضوء وهو شرط، والقصد داخل في النقل؛ لأنه إذا نقل التراب على الوجه المشروط وقد نوى .. كان قاصداً بلا شك.
الركن الأول: النقل.

فَلَوْ نَقَلَ مِنْ وَجْهٍ إِلَى يَدٍ أَوْ عَكَسَ .. كَفَى فِي اَلأَصَحَّ  فلو كان على العضو تراب فردده عليه من جانب إلى جانب .. لم يكف، واستدلوا له بأن القصد شرط كما تقدم، وإنما يكون قاصداً إذا نقل التراب.
قال الرافعي: وغير هذا الاستدلال أوضح منه.
قال الشيخ: ولا شك أن القصد والمسح مدلول عليهما بالآية، وأما النقل .. فلا يدل عليه، فلك أن تنازع في جعل القصد شرطاً وتقول: ينبغي أن يعد ركناً؛ لأن التيمم مفسر به، أو به مع المسح، وأما النقل .. فخارج عنهما، فكيف يجعل النقل ركناً والقصد شرطاً؟ ثم إنه لو حذف لفظة (القصد) واقتصر على النقل .. لكفى؛ فإن النقل يلزم منه القصد.
وفائدة عد النقل ركناً: أنه لو أحدث بعده وقبل المسح .. كان عليه الأخذ ثانياً.
قال: (فلو نقل من وجه إلى يد أو عكس .. كفى في الأصح)؛ لحصول مسمى النقل.
وصورة الأولى – أي: النقل من الوجه إلى اليدين -: أن يزول ما مسح به وجهه، ثم يطرأ عليه تراب فينقله إلى اليد، وإلا كان المنقول مستعملاً لا يجزئ على الصحيح.
ولذا عللوا الاكتفاء بذلك بأنه منقول من غير العضو المسموح، فجاز كالمنقول من الرأس والظهر وغيرهما.
والثاني: لا يكفي؛ لان أعضاء التيمم كعضو واحد، فأشبه ما لو نقل من أعلى الوجه إلى أسفله.
ومن الساعد إلى الكف.
والأخذ من اليد إلى الأخرى كالأخذ من الوجه إلى اليد؛ لأنهما عضوان، قال القاضي حسين.
وفي وجه حكاه ابن الرفعة: يمتنع؛ لأنهما كعضو واحد.
ولو تمعك في التراب لعذر جاز جزماً، وكذا بغير عذر عند الأكثرين؛ لحديث عمار بن ياسر، ولأن القصد إلى التراب قد تحقق بذلك.
وقيل: لا يجوز لعدم النقل.

وَنِيَّةُ اَسْتِبَاحَةِ اَلصَّلاَةِ، لاَ رَفْعِ اَلْحَدَثِ،  قال: (ونية استباحة الصلاة).
هذا هو الركن الثاني وقد تقدم في (باب الوضوء) بيان ما يتعلق بالنية.
والأصل في ذلك: أن التيمم لا يرفع الحدث عندنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو: (أصليت بأصحابك وأنت جنب)؟ ولأمره صلى الله عليه وسلم باستعمال الماء عند وجوده، ولو ارتفع الحدث .. لم يجب.
وقال ابن سريج: يرتفع في حق فريضة واحدة، وجعله ابن خيران قولاً، وغلط فيه؛ لأن الحدث لا يتبعض.
وعن المزني: أنه يرفعه مطلقاً، وهو خطأ؛ لأنه لو رفعه لما عاد برؤية الماء قبل الصلاة.
والمزني موافق على عوده بذلك.
وإذا نوى المتيمم استباحة الصلاة، ونحوها مما لا يباح إلا بالطهارة، كالطواف وحمل المصحف، وسجود التلاوة والشكر .. صح تيممه؛ لأنه قد تعرض للمقصود بالتيمم.
ولو نوت الحائض استباحة الوطء .. صح أيضاً في الأصح.
فإن قيل: قوله هنا: (استباحة الصلاة)، وفي (الوضوء): (استباحة مفتقر إليه) .. تبع فيه (المحرر) وهو يفهم منه التغاير.
قلنا: ليس كذلك بل لو نوت هنا استباحة مس المصحف ونحوه .. صح على المذهب، ولو نوت ما تندب له الطهارة .. فينبغي أن يجيء فيه الخلاف، وأولى بالمنع.
قال: (لا رفع الحدث)؛ لأن التيمم لا يرفعه، وإنما يبيح الصلاة.
وقيل: يصح؛ لان رفع الحدث يتضمن استباحة الصلاة، فيكون قصد الرفع متضمناً لقصد الاستباحة.
ولو نوى الجنب رفع الجنابة .. فهو كرفع الحدث، وكذا لو نويا الطهارة عن الحدث كما نقله في (شرح المهذب) عن جماعة، وفي (الكفاية)

وَلَوْ نَوَى فَرْضَ اَلتَّيَمُّمِ .. لَمْ يَكْفِ فَي اَلأَصَحَّ.
وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِاَلنَّقْلِ، وَكَذَا اَسْتِدَامَتُهَا إلَى مَسْحِ شَيْءٍ مِنَ اَلْوَجْهِ عَلَى اَلصَّحِيحِ.
عن العراقيين.
وكذا ما في معناها مما يتوقف على الطهارة، كالطواف والوطء وغيرهما، جنباً كان أو محدثاً، فيصح تيممه في الجملة.
وفي (النهاية) في (باب مسح الخف): أن محل الخلاف في التيمم الذي ليس معه مسح، أما الذي معه مسح .. فإنه بمثابة مسح الخفين.
قال الشيخ: وفيه نظر.
ولا فرق في نية الاستباحة بين أن يعين الحدث أو لا، حتى لو كان جنباً فنوى الاستباحة عن الحدث أو عكسه غلطا .. صح؛ لأن التعرض للحدث غير واجب فلا يضر الغلط فيه.
وادعى في (شرح المهذب) الاتفاق عليه، ونقله في (زوائد الروضة) عن المتولي فقط.
والمسألة مشهورة في المذهب منصوصة للشافعي.
وعن البويطي والربيع: أنه إذا انتقل من الأعلى إلى الأسفل .. لا يصح، وإن انتقل من الأسفل إلى الأعلى .. صح.
قال: (ولو نوى فرض التيمم .. لم يكف في الأصح)؛ لأن التيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يجعل مقصوداً بخلاف الوضوء، ولهذا تجديد الوضوء دون التيمم.
والثاني: يصح تيممه كالوضوء.
قال الروياني: ويكون كمن تيمم للنفل، ويجريان في نية الطهارة الواجبة .. ولو اقتصر على نية التيمم .. لم يجزه.
قال: (ويجب قرنها بالنقل) أي: النقل الأول، وهو النقل إلى الوجه لا إلى اليدين؛ لأنه أول فعل مفروض في التيمم.
والمراد بـ (النقل): الضرب كذا في (شرح المهذب) و (الكفاية).
قال: (وكذا استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصحيح)؛ لأنه

فَإِنْ نَوَى فَرْضاً وَنَفْلاً .. أُبِيحَا، أَوْ فَرْضاً .. فَلَهُ اَلنَّفْلُ عَلَى اَلْمَذْهَبِ،  المقصود، وما قبله وإن كان ركناً .. فليس مقصوداً في نفسه.
ولو قارنته ثم عزبت، أو أحدث قبل مسح الوجه .. لم يجز على الصحيح.
وكذلك لو أخذ التراب بكفه قبل الوقت وتيمم به بعد الوقت .. لم يجزئه.
والوجه الثاني: لا تجب الاستدامة، كما لو قارنت نية الوضوء أول غسل الوجه ثم انقطعت.
وعبارة المصنف والرافعي تقتضي: جريان الخلاف فيما إذا قارنت النقل ومسح الوجه ولكن عزبت فيما بينهما.
والمتجه: أن ذلك يكفي، وهو المذكور في (شرح المفتاح) لأبي خلف الطبري.
قال: (فإن نوى فرضاً ونفلاً .. أبيحا)؛ عملاً بنيته.
وقيل: ليس له التنفل بعد خروج وقت الفريضة المعينة؛ لأن النفل تابع وقد خرج وقت المتبوع.
وقيل: ليس للمتيمم أن يتنفل بالكلية، كما قد قيل به في المستحاضة، حكاه في (شرح المهذب) في (باب الحيض) عن حكاية القاضي حسين.
والأصح عند الأكثرين: أنه لا يشترط تعيين الفريضة المنوية، ولهذا عبر المصنف بقوله: (فرضاً)، ولم يعبر بالفرض كما عبر به في (المحرر).
وقيل: لا بد من تعيينها كالصلاة.
فعلى الأول: إن أطلق .. صلى أي فرض شاء، وإن عين واحدة .. جاز أن يصلي غيرها.
قال: (أو فرضاً .. فله النفل على المذهب)؛ لأن النوافل تابعة، فإذا استباح المتبوع .. استباح التابع، كما إذا أعتق الأم .. يعتق الحمل.
والقول الثاني: لا؛ لأنه لم ينوها.
والثالث: له ذلك بعد الفرض لا قبله؛ لأن التابع لا يقدم.

أَوْ نَفْلاً أَوِ اَلصَّلَاَة .. تَنَفَّلَ لاَ الْفَرْضَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قال الشيخ: ولو قيل: يستبيح النافلة التابعة لتلك الفريضة دون ما عداها .. لم يبعد، ولكن لم أرد من قال به.
فرع: نية التيمم للجنازة كنية النفل؛ لأنه يسقط بفعل الغير، وقيل: كفرض، وهذا وارد على إطلاق المصنف، إلا أن يراد بالفرض المفروض على الأعيان، لا الكفاية.
والتيمم للمنذور كالتيمم للفرض.
قال: (أو نفلاً أو الصلاة .. تنفل لا الفرض على المذهب).
اشتمل كلامه على مسألتين: إحداهما: إذا نوى النفل ولم يتعرض للفرض، وفيها قولان: أظهرهما: لا يستبيح الفرض؛ لأنه أصل والنفل تابع، فلا يجعل المتبوع تابعاً.
والثاني: نعم؛ قياساً على الوضوء.
الثانية: إذا نوى الصلاة من غير تعرض لفرض ولا نفل .. فالمذهب: أنها كنية النفل فقط؛ قياساً على ما لو تحرم بالصلاة .. فإن صلاته تنعقد نفلاً.
وقيل: يستبيح الفرض والنفل؛ لأن الصلاة اسم جنس كما لو نواهما.
ويخالف ما لو نوى المصلي الصلاة .. فإنه لا يمكن أن يجمع فيها بين فرض ونفل بنية واحدة، ولو جمع .. لم يصح، فحمل على الأقل وهو النفل.
وقال الماوردي: لا يستبيح الطواف في الثانية، وفيه نظر للمصنف.

وَمَسْحُ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ،  فروع: ظن أن عليه فائتة ولم يجزم بها، فتيمم لها ثم تذكرها .. لم يصح تيممه.
وسيأتي قريب منه فيما إذا نسي صلاة من خمس.
ولو تيمم لفائتتين أو منذورتين .. استباح إحداهما على الأصح.
والثاني: لا يستبيح شيئاً.
ولو تيمم صبي بعد دخول الوقت لصلاة الوقت، ثم بلغ .. صلى به النفل لا الفرض على الأصح.
من استباح النفل .. استباح من المصحف وحمله وقراءة القرآن، والجلوس في المسجد، وتمكين الزوج إن كانت حائضاً، إلا أن يكون تيممها للفرض وقد صلته .. ففي حلها للزوج بغير تيمم وجهان.
ولو تيممت الحائض للوطء، ثم رأت الماء في أثنائه .. ففي وجوب قطعه وجهان في (طبقات العبادي): قال المحمودي: يجب القطع، وقال غيره: لا.
قال: (ومسح وجهه ثم يديه مع مرفقيه).
تضمنت هذه الجملة ثلاثة أركان: مسح الوجه بالتراب.
ومسح اليدين به.
والترتيب بين الوجه واليدين.
فالأول والثاني دليلهما قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾.
وروى أبو داود [333]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم، فمسح وجهه ويديه).
ويجب أن يستوعب مسح وجهه ويديه؛ لأن من مسح وجهه ويديه ولم يستوعب ..

وَلاَ يَجِبُ إَيصَالُهُ مَنْبِتَ اَلشَّعْرِ اَلْخَفِيفِ  صح أن يقال: ما مسح وجهه وإنما مسح بعضه، وادعى المصنف في ذلك الإجماع.
وخلاف أبي حنيفة في استيعاب الوجه مشهور في (الرافعي) وغيره.
فعنه: أنه يجوز أن يترك منه الربع، وعنه: يكتفى بمسح أكثره.
وعندنا: يجب مسحه كله، حتى النازل من اللحية عن الذقن في الأصح كالوضوء.
ويجب مسح القدر الذي أقبل من الأنف على الشفة.
وواجب اليدين أن يمسحهما إلى المرفقين كالوضوء.
وروى الحاكم [1/ 179]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين).
والصحيح: وقفه على ابن عمر.
والقديم – ورجحه في (شرح المهذب) و (الوسيط) -: أنه يكفي مسح اليدين إلى الكوعين؛ للحديث المذكور.
وفي (الكفاية): أنه الذي يتعين ترجيحه.
وأما الترتيب .. فسبق دليله في الوضوء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون التيمم عن حدث أصغر أو أكبر.
وإنما لم يجب الترتيب في الغسل؛ لأنه لما وجب تعميمه .. صار كعضو واحد، والتيمم يجب في عضوين فأشبه الوضوء.
وفي (البخاري) [347] و (سنن أبي داوود) [325] من حديث عمار: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه)، وهو يقتضي: عدم الترتيب ولم أر أحداً من الأصحاب صار إليه، ويستدل بذلك على عدم الترتيب في الوضوء أيضاً.
قال: (ولا يجب إيصاله منبت الشعر الخفيف)؛ لما فيه من المشقة بخلاف الماء، بل لا يستحب ذلك أيضاً.
وقيل: يجب إيصاله إلى كل ما يصل الماء إليه في الوضوء، وقطع الأكثرون بالأول.

وَلاَ تَرْتِيبَ فِي نَقْلِهِ فِي اَلأَصَحَّ، فَلَوْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ وَجْهَهُ وَبيَسَارِهِ يَمِينَهُ .. جَازَ.
وَتُنْدَبُ: اَلتَّسْمِيَةُ، وَمَسْحُ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِضَرْبَتَيْنِ.
قُلْتُ: اَلأَصَحُّ اَلْمَنْصُوصُ: وُجُوبُ ضَرْبَتَيْنِ وَإِنْ أَمَكَنَ بِضَرْبَةٍ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قال: (ولا ترتيب في نقله في الأصح، فلو ضرب بيديه ومسح بيمينه وجهه وبيساره يمينه .. جاز)؛ لأن النقل وسيلة إلى المسح، فلا يشترط فيه ما يشترط في القصد.
والثاني: يجب كما في المسح.
قال: (وتندب: التسمية) أي: أوله وإن كان جنباً أو حائضاً؛ قياساً على الوضوء.
قال: (ومسح وجهه ويديه بضربتين) أي: بغير نقص ولا زيادة؛ لورودهما في الأخبار.
وقيل: يستحب ثلاثاً، واحدة للوجه، واثنتان لليدين.
ويستحب في كل ضربة أن تكون باليدين جميعاً، لكن صورة الضرب ليست متعينة، فإن التمعك كاف كما تقدم، وكذا وضع اليد على التراب الناعم.
ثم إن في (المحرر) ذكر كيفية التيمم المشهورة، وأسقطها المصنف من غير تنبيه عليها في (الدقائق)، وهو قد قال في (شرح المهذب): إنها مستحبة.
لكن في (الكفاية): أنها لا تستحب؛ لأنه لم يثبت فيها شيء، والمقصود إيصال التراب.
قال: (قلت: الأصح المنصوص: وجوب ضربتين وإن أمكن بضربة بخرقة ونحوهما والله أعلم)؛ لحديث ابن عمر.
ولأن الاستيعاب غالباً لا يتأتى بدونهما، فأشبه الأحجار الثلاثة في الاستنجاء.
والعجب أن المصنف صحح هذا ودليله ضعيف، وترك الاكتفاء بمسح اليدين إلى الكوعين وحديثه صحيح.

وَيُقَدِّمُ يَمِينَهُ وَأَعْلَى وَجْهِهِ، وَيُخَفَّفُ اَلْغٌبَارَ.
وَمُوَالاَةُ اَلتَّيَمُّمِ كَاَلْوُضُوءِ.
قُلْتُ: وَكَذَا اَلْغُسْلُ، وَيُنْدَبُ تَفْرِيقُ أَصَابِعِهِ أَوَّلاً، وَيَجِبُ نَزْعُ خَاتَمِهِ فِي اَلثانِيَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قال: (ويقدم يمينه وأعلى وجهه) كالوضوء.
وقيل: يبدأ بأسفله ثم يستعلي، وفارق الوضوء؛ لأن الماء ينحدر بطبعه فيعم الوجه، والتراب لا يجري إلا بإمراره باليد، فيبدأ بأسفل وجهه ليقل ما يحصل في أعلاه من الغبار فيكون أسلم لعينيه.
قال: (ويخفف الغبار)؛ لئلا يتشوه.
وفي (صحيح البخاري) [347]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نفض يديه).
قال: (وموالاة التيمم كالوضوء)، فيأتي فيه القولان؛ لأن كلاً منهما طهارة عن حدث، وإذا اعتبرنا هناك مدة الجفاف .. فنعتبر هنا أن يقدر التراب ماء.
وقيل: تجب الموالاة في التيمم قطعاً، وقيل: لا قطعاً.
قال: (قلت: وكذا الغسل)؛ لكونه طهارة أيضاً.
وقيل: لا تجب فيه الموالاة قطعاً، حكاه الرافعي في (باب الوضوء)، وهو بعيد.
قال: (ويندب تفريق أصابعه أولاً)؛ لأنه أبلغ في إثارة الغبار.
وقيل: لا يتسحب ولكن يباح.
وقال القفال: لا يجوز التفريق في الأولى؛ لأن يكون أخذ التراب لليد قبل مسح الوجه وهو بعيد.
وإنما اقتصر المصنف على الأولى؛ لأن الخلاف فيها والتفريق في الثانية مندوب قطعاً.
وفي (الكفاية): أنه يستحب التفريق أيضاً عند مسح الوجه.
قال: (ويجب نزع خاتمه في الثانية والله أعلم) حتى يصل التراب إلى محله، بخلاف الوضوء للطافة الماء.

وَمَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ مَاءٍ فَوَجَدَهُ: إَنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلاَةٍ .. بَطَلَ  ونزعه في الأولى مستحب ليكون مسح جميع الوجه باليد؛ اتباعاً للسنة.
ومن هذا يعلم: أن النزع لا يجب حالة الضرب، وإنما يجب عند المسح.
والخاتم بفتح التاء وكسرها، والخيتام والخاتام كلها بمعنى – وحكى ابن هشام السبتي: ختام ككتاب – والجمع خواتيم.
وقال الثعالبي وغيره: لا يقال: خاتم إلا إذا كان له فص، وإلا فهو فتخة.
وعلى هذا جرى الأصحاب فيما لو أقر بخاتم ثم قال: أردت غير الفص .. فإنه لا يقبل.
فروع: لا يجوز مسح العضو المتنجس قطعاً، كما لا يصح غسله عن الوضوء مع بقاء النجاسة.
ولو كانت يده نجسة وضرب بها على تراب ومسح وجهه .. جاز في الأصح.
ولو تيمم ثم وقعت عليه نجاسة .. لم يبطل تيممه على المذهب.
ولو تيمم قبل الاجتهاد في القبلة .. فكما لو تيمم وعليه نجاسة.
قال: (ومن تيمم لفقد ماء فوجده) كان الأحسن أن يقول: فتوهمه؛ ليدخل ما فوق الوهم كظهور سراب أو ركب.
قال: (إن لم يكن في صلاة .. بطل) سواء ضاق الوقت عن الوضوء أم لا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته)، صححه الترمذي [124] والحاكم [1/ 176] وغيرهما.
وبالقياس على ما إذا وجده في أثناء التيمم .. فإنه مجمع على بطلانه، وعلى ما إذا

إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَانِعٍ كَعَطَشٍ، أَوْ فِي صَلاَةٍ لاَ تَسْقُطُ بِهِ .. بَطَلَتْ عَلَى اَلْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَسْقَطَهَا .. فَلاَ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ اَلنَّفْلُ.
شهد شهود الفرع، ثم حضر شهود الأصل قبل الحكم.
ودخل في قوله: (إن لم يكن في صلاة) ما إذا وجده في أثناء التكبير؛ لأنه لا يدخل في الصلاة إلا بتمامه، وقد صرح الرافعي فيها بالبطلان في (باب صفة الصلاة)، ونقله في (شرح المهذب) هنا عن الروياني فقط، ثم قال: ولم أجد لغيره تصريحاً بموافقته ولا بمخالفته، هو حسن.
قال: (إن لم يقترن بمانع كعطش)؛ لأن وجوده في هذه الحالة كالعدم، ومثله المرض، وتعذر استقائه من البئر.
وكذلك يبطل بتوهم الماء إلا أن يقارنه مانع، كما لو سمع إنساناً يقول: أودعني فلان ماء – وهو يعلم غيبة فلان – فلا يبطل تيممه.
فإن كان حاضراً أو جهل غيبته .. بطل.
فإن أخر لفظ الوديعة بأن قال: عندي ماء وديعة لفلان .. بطل تيممه مطلقاً.
ورأى القاضي حسين تخريجه على ما لو قال: علي ألف من ثمن خمر.
قال: (أو في صلاة لا تسقط به .. بطلت على المشهور)؛ لأنه لا بد من إعادتها، فلا فائدة في الاستمرار.
وقيل: يتمها لحرمتها.
والخلاف في (الروضة) وجهان، وهو الصواب.
والغريب أن الرافعي في (المحرر) عبر بالأصح.
قال: (وإن أسقطها .. فلا)؛ لأنه شرع في المقصود، فكان كما لو وجد المكفر الرقبة بعد الشروع في الصوم على الأصح.
لكن إذا سلم منها .. بطل تيممه.
قال: (وقيل: يبطل النفل)؛ لقصور حرمته عن الفرض.
ومحل ما ذكره: في الصلوات الخمس، أما إذا يمم الميت وصلي عليه، ثم وجد الماء .. فإنه يجب غسله والصلاة عليه، سواء كان في أثناء الصلاة أو بعدها، كما أفتى

وَاَلأَصَحُّ: أَنَّ قَطْعَهَا لِيَتَوَضَّأَ أَفْضَلُ، وَأَنَّ اَلْمُتَنَفَّلَ لاَ يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ،  به البغوي ثم قال: ويحتمل أن لا يجب، وهذا الاحتمال جزم به ابن سراقة في (التلقين).
وكأن الفرق بين الميت وغيره: أن هذا خاتمة أمر الميت فاحتيط له بخلاف الحي.
فرع: المتيمم في الحضر لا يصلي على الميت – قاله ابن خيران – لأن إيجاب ذلك في الصلوات الخمس إنما كان لحرمة الوقت، وذلك منتف في الجنازة، ولأن في تكليفه الذهاب إلى القبر مشقة، بخلاف فرائض الأعيان.
وأيضاً القضاء لا يتأتى حقيقة؛ لعدم الوقت المحدود.
قال: (والأصح: أن قطعها ليتوضأ أفضل)؛ خروجاً من الخلاف؛ فإن من العلماء من حرم عليه الاستمرار، ولأنه لو وجد الرقبة في أثناء الصيام .. كان الأفضل العدول إلى الإعتاق فكذلك هنا.
والثاني: الأفضل الاستمرار؛ لأن الخروج منه إبطال للعمل.
والثالث: الأفضل أن يقلب فرضه نفلاً ويسلم من ركعتين.
والرابع: يجب الاستمرار فيها ويحرم قطعها.
والخامس – ذكره الإمام -: إن ضاق الوقت .. حرم الخروج، وإلا فلا، وهذا هو الصحيح في (شرح المهذب) و (التحقيق) و (المهمات)؛ لأنه يلزم من جواز القطع في هذه الحالة تفويت الصلاة مع القدرة على إيقاع جميعها في الوقت بلا ضرورة.
ويشكل على هذه المسألة ما إذا شرع في الصلاة منفرداً، ثم قدر على جماعة .. فإن الأصح: استحباب قلبها نفلاً.
قال: (وأن المتنفل لا يجاوز ركعتين)؛ لأنه الأحب المعهود في النوافل.
وقيل: له أن يزيد ما شاء، كما لو تطويل الأركان.
وقيل: يقتصر على ركعة؛ بناء على حمل النذر المطلق عليها، حكاه في (الكفاية).

إِلاَّ مَنْ نَوَى عَدَداً فَيُيِمُّهُ.
وَلاَ يُصَلَّي بِتَيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ،  قال: (إلا من نوى عدداً فيتمه)؛ لأن إحرامه انعقد كذلك فأشبه المكتوبة المقدرة، ولا يزيد عليه؛ لأن الزيادة كافتتاح نافلة بدليل افتقارها إلى قصد جديد.
وقيل: لا يزيد على ركعتين؛ لأنه عرف الشرع فيها.
وقيل: له أن يزيد ما شاء؛ لأن حرمة تلك الصلاة باقية ما لم يسلم.
وقيل: يقتصر على ركعتين.
وكان الأحسن أن يقول: إلا من نوى شيئاً فيتمه؛ ليدخل من أحرم بركعة، فإنه لا يزيد عليها، ولا تسمى عدداً.
وحكم المريض إذا شفي فيها حكم واجد الماء فيها.
وإذا رأى الماء في أثناء الطواف .. قال الفوراني: إن قلنا: يجوز تفريقه .. توضأ، وإلا .. فكالصلاة.
قال: (ولا يصلي بتيمم غير فرض)؛ لأن الوضوء كان لكل فرض التيمم بدل عنه، ثم نسخ ذلك في الوضوء بأنه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على ما كان عليه، ولا يصح قياسه عليه؛ لأنه طهارة ضرورة.
وروى البيهقي [1/ 221] عن ابن عمر أنه قال: (يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث).
وروى الدارقطني [1/ 185] عن ابن عباس أنه قال: (من السنة أن لا يصلي بتيمم واحد إلا صلاة واحدة، ثم يحدث للثانية تيمماً).
والسنة في كلام الصحابي تنصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجوز المزني أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل، بناء على أصله – وهو: أنه يرفع الحدث مطلقاً – وبهذا قال ابن المنذر واختاره الروياني.
ويستثنى من إطلاقه: المتيمم للجنابة عند عجزه عن استعمال الماء إذا تجردت جنابته عن الحدث؛ فإنه يصلي بتيممه فرائض، كما تقدم في أول (باب أسباب الحدث).

وَيَتَنَفَّلُ مَا شَاءَ, وَالنَّذْرُ كَفَرْضٍ فِي الأَظْهَرِ.
وسواء اتفق الفرضان كصلاتين, أو اختلفا كطواف وصلاة, وسواء الصبي وغيره على الأصح.
فلو قال: ولا يفعل .. كان أحسن ليعم الطوافين, والصلاة والطواف, والجمعة والخطبة على الأصح.
لكن يرد تمكينها الزوج, فإنها تفعله مرارا بتيمم واحد, وتجمع بينه وبين الصلاة.
فلو نوى بتيممه استباحة فرضين قضاء, أو قضاء وأداء, فهل يصح تيممه ويستبيح به فرضا منهما, أو لا يصح؟ فيه وجهان أصحهما: الأول.
وهذا إذا قلنا: إن تعيين الفريضة لا يشترط.
قال: (ويتنفل ما شاء)؛ لأن النافلة وإن تعددت فهي في حكم صلاة واحدة بدليل أنه: لو أحرم بركعة .. فله جعلها مئة وبالعكس.
ولأن في تكليفه التيمم لكل نافلة مشقة, ويؤدي إلى تركها, والشرع خفف فيها.
ويؤخذ من هذا: أن من صلى فرضا بتيمم .. له إعادته به؛ لأن الفرض الأول كما سيأتي, وبه صرح الخفاف في (الخصال).
قال: (والنذر كفرض في الأظهر)؛ لأنه تعين على الناذر فأشبه المكتوبة, وإذا تيمم له .. جاز أن يعدل عنه إلى الفرض.
والثاني: لا؛ لأن وجوبه عارض, فلا يلحق بالفرض الأصلي.
وصرح المصنف بضعف هذا الخلف في (الروضة) , وكذلك الشيخ في (كتاب الصيام) , فكان ينبغي التعبير بالمشهور.
والخلاف ينبني على أنه: يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع أو جائزه.
فلو قال: لله علي إتمام كل صلاة أدخل فيها .. كان له أن يشرع في نفل بعد أداء فريضة بتيمم؛ لأن ابتداءها نفل, قاله الروياني.

وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ جَنَائِزَ مَعَ فَرْضٍ, وَأَنَّ مَنْ نَسِيَ إِحْدَى اٌلْخَمْسِ .. كَفَاهُ تَيَمُمٌ لَهُنَّ.
قال: (والأصح: صحة جنائز مع فرض)؛ لأنها كالنوافل: في جواز تركها, وعدم انحصار عددها, وتعينها على المكلف عند انفراده إنما هو بطريق العرض, فلا يلحق بالواجب الأصلي.
والثاني: لا؛ لأنها فرض في الجملة, وكما لا يصليها قاعدا ولا على الراحلة.
والثالث: إن لم تتعين .. جاز كا لنفل, وإن تعينت .. فكالفرض, والذي صححه المصنف هو المنصوص في (المختصر).
قال: (وأن من نسي إحدى الخمس .. كفاه تيمم لهن)؛ أن المنسية واحدة وما عداها ليس بفرض, بل هو وسيلة.
والثاني: يجب لكل واحدة تيمم؛ لأن فعل الجميع واجب.
وعطف المسألة على ما قبلها يقتضي: قوة الخلاف, وصرح في (الروضة) بضعفه.
ولو قال المصنف: كفاه لهن تيمم .. كان أحسن؛ لئلا يوهم أنه لو نوى بتيممه الخمس كفى.
والمراد: أنه يتيمم تيمما واحدا للمنسية منهن ويصلي به الخمس.
وإذا صلى الخمس ثم تذكر المنسية .. جزم في (شرح المهذب) – تبعا للروياني وابن الصلاح – بوجوب إعادتها, وقد تقدم في أول الفرع الذي قبل قوله: (ومسح وَإِنْ نسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ .. صَلَّى كُلَّ صَلاَةٍ بِتَيَمُمٍ, وَإِنْ شَاءَ .. تَيَمَّمَ مَرَّتَيْنِ وَصَلَّى بِالأَوَّلِ أَرْبَعاً وِلاَءً, وَبِالثَّانِي أَرْبَعاً لَيْسَ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا,  وجهه) قريب من هذا.
ومن هنا يعلم: أن من نسي صلاة من خمس .. يلزمه أن يصلي الخمس.
وقال المزني: يكفيه أن يصلي أربع ركعات ينوي بها الفائتة, ويجهر في الأوليين, ويجلس في الثالثة والرابعة, ويسجد للسهو ويسلم؛ لأن الفائتة إن كانت صبحا .. فقد أتى بها وزيادة ركعتين على وجه الشك, فلا يضر كزيادتهما سهوا والسجود يجبره, وكذا إن كانت مغربا .. فالركعة الزائدة على وجه الشك فالزيادة سهوا, وإن كانت رباعية .. فالزائد تشهد يجبر بالسجود.
وإنما قال يجهر؛ لأن الغالب على الصلوات الخمس الجهر, وغلطه الأصحاب في ذلك.
قال: (وإن نسي مختلفتين) كظهر وعصر (.. صلى كل صلاة بتيمم) , فيصلي الخمس بخمس تيممات, سواء علم أنهما من يوم أو يومين, وهذه طريقة ابن القاص.
قال: (وإن شاء .. تيمم مرتين وصلى بالأول أربعا ولاء) كالصبح والظهر والعصر والمغرب.
وضبط المصنف بخطه (ولاء) بالمد ولا وجه له.
ولم يذكر هذا القيد في (الروضة) تبعا للرافعي, بل مقتضى كلامه عدم اشتراطه, ولعله أراد بذلك الاستحباب.
قال: (وبالثاني أربعا يس منها التي بدأ بها) كالظهر والعصر والمغرب والعشاء, فيخرج مما عليه بيقين؛ لأنه أدى الصبح بتيمم والعشاء بتيمم وكلا من الظهر والعصر والمغرب بتيممين, وهذه طريقة ابن الحداد واستحسنها الأصحاب وعليها التفريع.
وقيل: تتعين طريقة ابن القاص تعجيلا لبراءة الذمة.

أَوْ مُتَّفِقَتَينِ .. صَلَّى اٌلْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِتَيَمُّمَيْنِ.
وَلاَ يَتَيَمَّمُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِ فِعْلِهِ,  والوجه الثاني – في أصل المسألة -: أنه يتيمم مرتين يصلي بكل تيمم الخمس, وهو شاذ.
ولو نسي ثلاث صلاوات أو أربعا .. فثلاث تيممات في الأولى, وأربع في الثانية, ويصلي كما تقدم.
وضابطه: أن تضرب المنسي في عدد المنسي فيه, وتزيد على الحاصل عدد المنسي, ثم تضرب المنسي في نفسه, وتسقط الحاصل من الجملة, فالباقي عدد المقضي, والتيمم بعدد المنسي.
ففي صلاتين تضرب اثنين في خمسة, وتزيد على الحاصل اثنين, وتضرب الاثنين في نفسها يحصل أربعة, وتسقطها من الجميع يبقى ثمانية, واعمل ذلك في ثلاث صلوات وأربع.
قال: (أو متفقتين .. صلى الخمس مرتين بتيممين)؛ ليخرج عن العهدة بيقين, ولا يكون ذلك إلا من يومين كصبحين أو ظهرين أو عصرين.
وعلى الوجه الآخر .. يلزمه عشرة تيممات.
فإن شك: هل هما متفقتان أو مختلفتان؟ أخذ بالأحوط وهو أنهما متفقتان.
قال: (ولا يتيمم لفرض قبل وقت فعله)؛ لأنها طهارة ضرورة فلا تباح إلا عند وقت الضرورة, وهو قبل الوقت غير مضرور إليها.
وجوزه أبو حنيفة والروياني قبل الوقت كالوضوء, وهو قياس قول المزني.
ويشترط أيضا العلم بدخول الوقت على الأصح, وأخذ التراب في القت.
فلو أخذه قبله ثم مسح به في الوقت .. لم يصح كما تقدم.
ووقت الجنازة الغسل أو التيمم, وقيل: الموت, وبه أفتى الغزالي.
ولو تيمم لجنازة بعد غسلها, ثم مات آخر .. جازت الصلاة عليه به.
ووقت الفائتة تذكرها, ووقت تحية المسجد دخوله.
ووقت صلاة الاستسقاء الاجتماع لها في الصحراء, كذا في (الشرح) و (الروضة) ,

وَكَذَا اٌلنَّفْلُ اٌلْمُؤَقَّتُ فِي الأَصَحِّ.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلاَ تُرَاباً .. لَزِمَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْض  وهو مشكل فإن الصلاة تصح جماعة وفرادى, والاجتماع لا ضابط له.
وقضية إطلاقهم .. أنه لا يصح التيمم للجمعة إلا بعد الخطبة, وأن الخطيب يحتاج إلى تيممين.
أما لو علم بالوقت دون علمه بجهة القبلة .. ففي صحة تيممه قبل معرفة الجهة وجهان.
والنذر المتعلق بوقت معين حكمه حكم الفرض.
ولا فرق بين التيمم لفقد الماء أو لمرض.
وإنما قال: (قبل وقت فعله) ولم يقل: قبله؛ لتدخل المجموعة تقديما.
فلو تيمم للظهر وصلاها, ثم تيمم للعصر ليجمعها فدخل وقتها قبل فعلها .. بطل الجمع والتيمم.
تنبيه: لا يرد على المصنف: من تيمم لفائتة ضحوة فلم يصلها به حتى زالت الشمس .. فإنه يصلي به الظهر في الأصح؛ لأنه لم يتيمم لظهر بل تيمم لغيرها في وقتها, غايته أنه يصلي به غير التي تيمم لها, ومثله لو تيمم لحاضرة في وقتها ثم تذكر فائتة فله أن يصليها به في الأصح.
قال: (وكذا النفل المؤقت في الأصح) سواء الراتب وغيره؛ إلحاقا له بالفرض.
والثاني: لا بل يجوز قبله؛ لأن أمره أوسع, ولهذا جاز الجمع بين نوافل بتيمم.
واحترز ب (المؤقت) عن النوافل المطلقة؛ فإنه يتيمم لها متى شاء, إلا في أوقات الكراهة في الأصح.
قال: (ومن لم يجد ماء ولا ترابا) لكونه في موضع ليسا فيه (.. لزمه في الجديد أن يصلي الفرض) لحرمة الوقت, كالعاجز عن السترة وإزالة النجاسة, ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) [خ 7288 – م 1337]

وَيُعِيدَ  وفي (الصحيحين) [خ 336 – م 367]: (أن عقد عائشة لما فقدته .. صلوا وهم على غير وضوء, فأنزل الله تعالى آية التيمم).
فإن كان جنبا .. لا يقرأ فيها غير الفاتحة بلا خلاف.
وصحح المصنف والشيخ وجوب قراءتها, وصحح الرافعي امتناع ذلك.
واحترز ب (الفرض) عن النقل, فلا يصليها ولا يحمل مصحفا ولا يمكث في المسجد إذا كان جنبا, ولا تمكن زوجها إذا كانت منقطعة الحيض والنفاس.
قال: (ويعيد)؛ لأنه عذر نادر.
والثاني: تجب الصلاة بلا إعادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بها في حديث عائشة, وهذا القول مطرد في كل صلاة وجبت في الوقت مع خلل, وهو مذهب المزنيظو واختاره في (شرح المهذب)؛ لأنه أدى وظيفة الوقت, وإنما يجب القضاء بأمر جديد ولم يثبت فيه شيء.
والثالث: لا تجب الصلاة وتجب الإعادة؛ لأنا لو أوجبنا الأداء .. لأوجبنا فرضين للوقت الواحد, لكن يستحب ذلك لحرمة الوقت.
والرابع: كالثالث, إلا أن الإعادة لا تجب لما سبق.
والخامس: أنها تحرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) رواه مسلم [224]. وفي (الترمذي) [3]: (مفتاح الصلاة الطهور).
ومراد المصنف وغيره بالإعادة: القضاء لا الاصطلاح الأصولي, ولا يخفى أن قضاءه يشرع إذا قدر على الماء, وكذلك إذا على التراب في موضع يغني عن الإعادة, فإن لم يغن عنها .. لا يعيد؛ لأنها صلاة لا تنفعه ولا ضرورة إليها ولا حرمة وقت.
وقع في (نكت المصنف): أنه يعيد إذا قدر على التيمم مطلقا, وهو سهو, وإنما وجبت الإعادة؛ لأنه عذر نادر.
وأفهم كلامه: أن المأتي به في هذه الحالة صلاة صحيحة.

وَيَقْضِي اَلْمُقِيمُ اَلْمُتَيَمِّمُ لِفَقْدِ اَلْمَاءِ, لاَ اَلْمُسَافِرُ,  قال في (شرح المهذب): ولهذا تبطل بالحديث والكلام ونحوهما اتفاقا, وكذا برؤية الماء أو التراب في أثنائها على الصحيح.
وقيل: ليس صلاة ولكنها تشبه الصلاة, كالإمساك في رمضان, حكاه في (شرح المهذب) , وجزم به في (الكفاية) في (باب الحيض).
وبنى عليهما المتولي في (كتاب الأيمان): لو حلف لا يصلي فأتى بها.
ثم إذا أعاد .. ففي لبفرض منهما أقوال أو أوجه: أحدهما: الأولى, وإنما أمر بالثانية تلافيا لما اختل من الأولى.
والثاني: الثانية وهو الأصح, وإنما أمر بالأولى لحرمة الوقت.
والثالث: كلاهما فرض, قال المصنف وهو أفقه.
والرابع: إحداهما لا بعينها.
قال: (ويقضي المقيم المتيمم لفقد الماء) أي: على الجديد؛ لأنه عذر نادر إذا وقع لا يدوم.
والقديم المختار عند المصنف: لا يعيد؛ لأنه أتى بالمقدور.
وفي قول: لا تلزمه الصلاة في الحال, بل يصبر حتى يجده.
قال: (لا المسافر) سواء تيمم عن حدث أكبر أو أصغر؛ لأن الفقد في السفر يعم.
وروى أبو داوود [342] والنسائي [1/ 213] عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر, فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا, ثم وجدا الماء في الوقت, فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر.
ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة, وأجزأتك صلاتك) , وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الأجر مرتين).
صحح إرساله أبو داوود [342] , وصحح الحاكم وصله على شرطهما [1/ 178]. وعلى تقدير إرساله اعتضد بإجماع الفقهاء السبعة, والقياس على المريض,

إِلاَّ اَلْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ فِي اَلأَصَحِّ  وبفعل الصحابي؛ فإنه صح: (أن ابن عمر تيمم ولم يقض) , وهو قول أكثر أهل العلم.
وقيل: يقضي في السفر القصير؛ لأنه في حكم الحضر.
تنبيه: قولهم: المقيم يقضي والمسافر لا يقضي, جار على الغالب في حالتي السفر والإقامة من كثرة الماء في الحضر وقلته في السفر, فلو انعكس الحال انعكس الحكم.
والجمعة لا تدخل في عبارة المصنف؛ لأنه لا قضاء لها.
والمتجه: فعلها وقضاء الظهر.
قال: (إلا العاصي بسفره في الأصح) , فإنه يلزمه أن يصلي بالتيمم ويقضي في الأصح؛ لأنه ليس من أهل الرخصة.
والثاني: لا يقضي؛ لأنه لما وجب عليه .. صار عزيمة.
وفي وجه ثالث: لا يستبيح التيمم أصلا, ويقال له: إن تبت .. استبحت, وإلا أثمت بترك الصلاة, وهو غريب في النقل, قوي في المعنى لا سيما إذا أمكنه الرجوع والصلاة بالماء قبل خروج الوقت؛ لأن سفر المعصية لا تتعلق به رخصة, وكذلك الحكم في العاصي بإقامته في موضع يندر فيه وجود الماء كما سبق.
قال الشيخ: إذا تقرر أن الاعتبار بموضوع ندور الماء وغلبته من نظر إلى سفر أو حضر, وهذا إشكال قوي ينبغي أن ينظر فيه في التوفيق بين الكلامين, ولا يستقيم ذكر مسألة العاصي إلا ممن يرى أن المسافر إذا اجتاز ببلد وتيمم .. لا يقضي, فعلى هذا: تظهر الفائدة فيها.

وَمَنْ تَيَمَّمَ لِبَرْدٍ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ, أَوْ لِمَرَضٍ يَمْنَعُ اَلْمَاءَ مُطْلَقَاً, أَوْ فِي عُضْوٍ وَلاَ سَاتِرَ .. فَلاَ, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِجُرْحِهِ دَمٌ كَثِيٌر, وَإِنْ كَانَ سَاتِرٌ .. لَمْ يَقْضِ فِي اَلأَظْهَرِ إِنْ وُضِعَ عَلَى طُهْرٍ,  وجواب هذا: أن تيمم العاصي بسفره إعانة له على السفر, ولذلك لا يحل له أكل الميتة وإن جوزناها للعاصي المقيم.
قال: (ومن تيمم لبرد) أي: في السفر (.. قضى في الأظهر)؛ لندور فقدان ما يسخن به الماء أو يدثر به أعضاءه.
والثاني: لا يقضي, وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر عمرو بن العاص بالإعادة.
وجوابه: لعله كان يعلم ذلك, أو أن القضاء على التراخي, أو تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز.
وقال الحسن وعطاء: لا يجوز له التيمم, بل يستعمل الماء وإن مات.
هذا ومحل القولين في السفر, فإن كان حاضرا .. فالمذهب: القطع في حقه بالوجوب, وقيل بالقولين.
قال: (أو لمرض يمنع الماء وطلقا, أو عضو ولا ساتر .. فلا) سواء كان حاضرا أو مسافرا؛ لأن المرض عذر عام.
قال: (إلا أن يكون بجرخه دم كثير) , ففي هذه الحالة يقي, لأن العجز عن إزالته بماء مسخن ونحوه نادر.
والتقييد ب (كثير) زاده على (المحرر).
وسيأتي في (شروط الصلاة) ما يخالف تصحيحه هنا.
واحترز به عن اليسر فإنه لا يضر, اللهم إلا إذا كان على موضوع التيمم وكان كثيفا يمنع وصول التراب إلى المحل, فإن القضاء يجب حينئذ لا لأجل النجاسة بل لنقصان البدل والمبدل, كما سيأتي في الجبيرة إذا كانت في محل التيمم.
قال: (وإن كان ساتر .. لم يقض في الأظهر إن وضع على طهر)؛ لحديث جابر الصحيح في المشجوج فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالإعادة, ولأن المسح

فَإِنْ وُضِعَ عَلَى حَدَثٍ .. وَجَبَ نَزْعُهُ, فَإِنْ تَعَذَّرَ .. قَضَى عَلَى اَلْمَشْهُورِ  على الخف يغني عن الإعادة مع أنه لا ضرورة إلى لبسه, فالمسح على الجبيرة أولى.
والثاني: يجب؛ لأنه عذر نادر.
قال: (فإن وضع على حدث .. وجب نزعه) أي: إن أمكن؛ لأنه مسح على ساتر فاشترط فيه الوضع على طهر كالخف.
وقيل: لا يجب؛ لأنه موضوع ضرورة.
فالنزع عند الإمكان واجب سواء وضع على حدث أم طهر, فذكره ههنا خاصة يوهم أنه لا يجب نزعه في السم الأول وليس كذلك.
قال: (فإن تعذر .. قضى على المشهور)؛ لفوات شرط الوضع على الطهارة.
والثاني: لا؛ لإمكان العذر.
وكان ينبغي أن يقول: على المذهب؛ فإن الأظهر في (الرافعي) وفي (شرح المهذب): الجزم بالوجوب.
وعبر في (الروضة) بالأظهر.
تتمة: جميع ماذكره المصنف محله إذا كان الساتر على غير محل التيمم, فإن كان على محله .. وجب القضاء بلا خلاف؛ لنقصان البدل والمبدل جميعا كذا نقله الرافعي عن المتولي وابن الصباغ وأقره.
هذا أوجبنا على الجديد, أما على القديم الذي اختاره المصنف: فإنه لا قضاء, وحيث أوجبنا الإعادة .. ففرضه الثانية كما تقدم في فاقد الطهورين, وقيل: الأولى, وقيل: إحداهما لا بعينها, وقيل: كلاهما واختاره القفال والفوراني وابن الصباغ والشيخ.
وفائدة الخلاف: في فعلهما بتيمم واحد وغير ذلك.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خاتمة تيمم عن جنابة أو حيض, ثم أحدث .. حرم عليه ما يحرم على المحدث, إلا قراءة القرآن واللبث في المسجد.
ولا يعرف جنب يباح له المسجد وقراءة القرآن سواه.


بَابُ الْحَيْضِ

باب الحيض

أصله: السيلان, تقول العرب: حاضت الشجرة إذا سال صمغها, وحاض الوادي إذا سال.
وله عشرة أسماء: الحيض والطمث, والضحك والإكبار, والإعصار والدراس, والعراك بالعين, والفراك بالفاء, والطمس بالسين, حكاهما صاحب (الأحوذي) , والعاشر النفاس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: (أنفست).
وهو في الاصطلاح: دم يخرج بعد بلوغ المرأة, من أقصى رحمها, على سبيل الصحة, من غير سبب, في أوقات معلومة.
والاستحاضة: سيلان الدم في غير أوقاته, من غير مرض وفساد, من عرق فمه في أدنى الرحم - يسمى: العاذل بالذال المعجمة - يتصل بالحيض تارة وين

فصل

أخرى.
والنفاس سيأتي.
ودم الفساد: الخارج قبل تسع سنين.
فجموع ما يخرج من الفرج أربعة دماء.
ونقل البخاري عن بني إسرائيل: أول ما وقع الحيض فيهم, ثم أبطله بقوله

أَقَلُّ سِنِّهِ: تِسْعُ سِنِينَ,  صلى الله عليه وسلم: (إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم).
وقيل: أول من حاضت حواء – بالمد – لما كسرت الشجرة الحنطة أدمتها, فقال تعالى: وعزتي وجلالي لأدمينك كما أدميت هذه الشجرة.
قال الجاحظ: والذي يحيض من الحيوان أربعة: الآدميات والأرانب والضبع الخفاش.
وصدر الباب في (المحرر) بقوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض﴾ الآية.
والمحيض الأول في الآية: هو الدم بالاتفاق, والثاني: كذلك عندنا.
وقيل: زمان الحيض, وقيل: مكانه وهو الفرج, كالمبيت والمقيل: اسم لموضعهما, وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين.
والسائل عنه: أسيد بن حضير, وعباد بن بشر.
قال: (أقل سنه: تسع سنين) أي: قمرية؛ لأنه لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة, فرجع فيه إلى الوجود.
قال الشافعي: أعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة؛ يحضن لتسع سنين.

وَأَقَلُّهُ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ, وَأَكْثرُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيهَا  وسواء في سن الحيض البلاد الحارة كتهامة, والباردة كالصين.
وقيل: إذا رأته بنت التسع ونحوها في البلاد الباردة لا يكون حيضا.
وأصح الأوجه: أنها باستكمالها, وقيل: نصفها, وقيل: أولها.
والأصح: أن التسع تقريب.
وعلى هذا: إذا رأت الدم قبله بزمن لا يسع طهرا وحيضا .. يكون حيضا, دون ما إذا وسعهما.
قال: (وأقله: يوم وليلة).
المراد: مقدار يوم وليلة, وهو أربع وعشرون ساعة؛ لأنه أقل ما علم, كذا قاله الشافعي, وهذا نصه في عامة كتبه, ونص في مواضع على أن: أقله قدر يوم فقط.
وقيل: قولان.
وقيل: دفعة كالنفاس وهو غريب.
قال: (وأكثره: خمسة عشر بلياليها) , نقل ذلك عن عطاء وشريك وجماعة من التابعين, واستأنسوا له بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منكن يا معشر النساء)! قيل: وما نقصان دينهن وعقلهن يا رسول الله؟ قال: (أما نقصان عقلهن .. فشهادة اثنتين منهن بشهادة رجل واحد, وأما نقصان دينهن .. فإن إحداهن تمكث شطر عمرها لا تصلي).
وعبر بذلك عن الحيض, لكن لم يذكره أهل الحديث بهذا اللفظ, بل بلفظ: (أليس إذا حاضت .. لم تصل ولم تصم) , فعمدتنا الاستقراء.
وأما غالب الحيض فست أو سبع؛ لما روى أبو داوود [291] والترمذي [128]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمنة: (تحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله)

وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ اَلْحَيْضَتَيْنِ: خَمْسَ عَشَرَ, وَلاَ حَدَّ لِأَكْثَرِهِ  أي: فيما أعلمك الله من عادة النساء, إن كانت عادتهن ستا .. فتحيضي ستا, وإن كانت عادتهن سبعا .. فتحيضي سبعا.
قال: (وأقل طهر بين الحيضتين: خمسة عشر)؛ لأنه أقل ما يثبت وجوده, ولأن أكثر الحيض إذا كان خمسة عشر .. لزم في الطهر ما ذكرناه.
وقول صاحب (المهذب): ولا أعلم فيه خلافا, معترض بما روي عن بعض أصحاب مالك: أنه عشرة أيام, وعن أحمد: لا حد له, وعن يحيى بن أكثم: أنه تسعة عشر يوما.
لنا: أن الله تعالى أجرى العادة أن الشهر ينقسم إلى طهر وحيض, ولو صح حديث: (ناقصات عقل ودين) .. لكان دليلا.
واحترز بقوله: (بين الحيضتين) عما إذا رأت الحامل الدم وجعلناه حيضا, ولم يكن بينه وبين النفاس أقل الطهر .. فإنه لا يقدح في كونه حيضا في الأصح, وعما إذا رأت أكثر النفاس ثم انقطع دون خمسة عشر, ثم عاد الدم .. فهو حيض في الأصح, وعن طهر الآيسة والمبتدأة.
قال: (ولا حد لأكثره) بالإجماع, فإن المرأة قد لا تحيض أصلا, وقد تحيض في السنة مرة واحدة.
وحكى القاضي أبو الطيب: أن امرأة كانت تحيض في زمنه في كل سنة يوما وليلة.
واقتضت عبارة المصنف: أنه لو اطردت عادة امرأة بأن تحيض دون يوم وليلة, أو أكثر من خمسة عشر .. أن ذلك لا يتبع, وهو كذلك على أصح الأوجه؛ لأن بحث الأولين أتم وأوفى, واحتمال عروض دم فاسد للمرأة أقرب من خرق العادة المستمرة.
والثاني: نعم؛ لأن المرجع في هذه المقادير إلى الوجود.
والثالث: إن وافق ذلك مذهب أحد من السلف .. أخذنا به, وإلا .. فلا.

وَيَحْرُمُ بِهِ: مَا حَرُمَ بِاَلْجَنَابَةِ, وَعُبُورُ اَلْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ, وَاَلصَّوُمُ,  والذي نص عليه الشافعي الثاني, حكاه صاحب (التقريب) والماوردي, واختاره المتولي وابن الصلاح وطوائف من المحققين.
وأما غالب الطهر .. فيعرف من غالب الحيض, فإذا كان ذلك ستا أو سبعا .. كان هذا أربعا وعشرين أو ثلاثا وعشرين.
قال: (ويحرم به: ماحرم بالجنابة)؛ لأنه أغلظ, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعي الصلاة أيام أقرائك) , وقال لعائشة: (افعلي ما يفعل الحاج, غير أن لا تطوفي بالبيت).
وفي القديم: لخوف النسيان, وقيل: قدر حاجة التعليم إن كانت معلمة.
قال: (وعبور المسجد إن خافت تلويثه)؛ صيانة له عن القاذورات, ولهذا لم يفترق الحال فيه بين المسلمة والذمية, بخلاف الجنب.
وهذا التقييد لا حاجة إليه؛ لأن الكلام في خاصية الحيض, وخوف التلويث لا يختص به, بل المستحاضة ومن به سلس البول أو جراحة نضاحة الدم يخشى من مروره التلويث كذلك.
فلو أمنت .. فالأصح: الجواز, وقيل: يحرم لغلظ حدثها.
ومحل الخلاف: قبل انقطاعه, أما بعده .. فالجمهور على الجزم بالجواز.
وفهم من هذا: تحريم دخول المنتعل بنعل فيه نجاسة رطبة.
أما إدخال البهيمة المسجد .. فسيأتي في الحج.
قال: (والصوم) بالإجماع, قال الإمام: كون الصوم لا يصح منها لا يدرك معناه؛ فإن الطهارة ليست مشروطة فيه, وهو يضعفها وصوم الضعيف صحيح.
والصحيح عند الجمهور: أن الحائض ليست مخاطبة بالصوم في حال الحيض.

وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ بِخِلاَفِ اَلصَّلاَةِ, وَمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا,  وفائدة الخلاف في (الذخائر): فيما إذا قلنا: يجب التعرض للأداء والقضاء في النية.
فإن قلنا بوجوبه عليها .. نوت القضاء, وإلا نوت الأداء؛ فإنه وقت توجه الخطاب إليها.
قال: (ويجب قضاؤه بخلاف الصلاة)؛ لقول عائشة: (كنا نؤمر بقضاء الصوم, ولا نؤمر بقضاء الصلاة) , وأجمعت الأمة على هذين الحكمين.
وفيه من المعنى: أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم, وقد أعاد المصنف مسألة الصلاة في أوائل (الصلاة) , ولم يبين الشيخان حكم قضائها الصلاة: هل هو حرام أو مكروه؟ ونقل ابن الصلاح والمصنف في (طبقاتهما) عن (شرح التبصرة) للبيضاوي: أنه حرام.
وفي (شرح الوسيط) للعجلي, و (البحر) و (الشامل): أنه مكروه.
وأما ركعتا الطواف .. فنص الشافعي على أنها: تقضيهما, وتكون الصلاة في حديث عائشة محمولة على الصلاة المعهودة, لأن ركعتي الطواف لا آخر لوقتهما, فلا يتأتى قضاؤهما.
قال: (وما بين سرتها وركبتها)؛ لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾.
وروى أبو داوود [214] والبيهقي [1/ 312] – بإسناد جيد – عن حرام بن حكيم – وهو بفتح الحاء والراء المهملتين, لا بالزاي كما قاله الزنكلوني – عن عمه عبد الله بن

وَقِيلَ: لاَ يَحْرُمُ غَيْرُ اَلْوَطْءِ  سعد قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: (لك ما وراء الإزار) , حسنه الترمذي [133]. ومراد المصنف: تحريم المباشرة, كما عبر به في (شرح المهذب) و (التحقيق) , وهو يقتضي: إباحة النظر بشهوة.
ويحتمل أن يريد: تحريم الاستمتاع مطلقا, وبه عبر في (الروضة) تبعا (للرافعي).
أما الاستمتاع بنفس السرة والركبة .. ففي (شرح المهذب) المختار: الجزم بجوازه.
قال: (وقيل: لا يحرم غير الوطء)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) , رواه مسلم [302] واختاره الماوردي في (الإقناع) , والروياني في (الحلية) , والمصنف في (التنقيح) و (التصحيح) و (شرح المهذب) و (التحقيق) , وحمل الحديث الأول عليه.
قال الشيخ: والأقوى حمل الثاني على الأول؛ لأن: (من حام حول الحمى .. يوشك أن يقع فيه).
وجميع هذه الأحكام تثبت بمجرد رؤية الدم ظاهرا, فإن نقص عن اليوم والليلة غيرنا الحكم.
وقيل: إن أمن الوطء لقوة ورع أو ضعف شهوة .. جاز, وإلا فلا, قاله أبو الفياض وهو حسن.
وقيل: يحرم جميع ما أصابه دم الحيض من بدنها دون غيره.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وشذ ابن حربويه وعبيدة السلماني فقالا: تحرم مباشرتها في جميع بدنها.
وإذا قلنا: لا يحرم .. فهو مكروه.
فروع: عد في (المهذب) الطهارة مما يحرم عليها.
قال المصنف: ومراده إذا قصدت التعبد بها مع علمها بأنها ل تصح, وإنما أثمت بذلك؛ لتلاعبها.
ولم يصرح الرافعي بالتحريم, بل عبر بعدم الصحة.
كل هذا في الطهارة لرفع الحدث, أما الطهارة االمقصودة للتنظيف – كأغسال الحج – فإنها تأتي بها, كما سيأتي في بابه.
ومباشرتها له فيما بين السرة والركبة القياس: تحريمها.
وفي (الرونق) و (اللباب): يحرم عليها حضور المحتضر, فإن كان لأجل حضور الملائكة .. ليكن الجنب كذلك؛ لما تقدم أن: (الملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب).
فلو خالف واستمتع بالحائض عالما بالتحريم .. فقد ارتكب كبيرة, ولا غرم عليه في الجديد, بل يستغفر الله ويتوب, ويستحب أن يتصدق بدينار إن كان وطؤه في إقبال الدم, وبنصف دينار إن كان في إدباره, وهذه الصدقة واجبة في القديم, ونقله الدارمي عن الجديد أيضا.
وإنما اختلف بحسب الإقبال والإدبار؛ لأنه في أوله قد كان قريب عهد بجماع فلا يعذر, وفي آخره بعيد عهد به فخفف عنه.
وإذا ادعت الحيض وظن صدقها .. حرمت المباشرة, أو كذبها فلا, بخلاف تعليقه طلاقها بحيضها, فإن القول قولها في الحالتين؛ لأنه مفرط في تعليقه.
ولو اتفقا على الحيض واختلفا في انقطاعه .. فالقول قولها.

فَإِذَا اَنْقَطَعَ .. لَمْ يَحِلِّ قَبْلَ اَلْغُسْلِ غَيْرُ اَلصَّوْمِ وَاَلطَّلاَقِ.
وَاَلاسْتِحَاضَةُ حَدَثٌ دَائِمٌ كَسَلَسٍ, فَلاَ تَمْنَعُ اَلصَّوْمَ وَاَلصَّلاَةَ.

 قال: (فإذا انقطع) أي: لزمن الإمكان (.. لم يحل قبل الغسل غير الصوم والطلاق)؛ لأن الحيض قد زال وصارت كالجنب, وصومه صحيح بالإجماع, ويجوز أيضا الطلاق؛ لأن تحريمه إنما كان لتطويل العدة وقد زال بمجرد الانقطاع.
وأما تحريم المباشرة فيما دون السرة والركبة .. فيبقى إلى أن تطهر.
واعترض على المصنف في استثناء الطلاق, ولم يتقدم له ذكر في (باب المحرمات) , ولهذا لم يستثنه في (المحرر) , وقد استثنى الرافعي مع ما ذكره المصتف شيئين: المنع من الطهارة, وسقوط قضاء الصلاة.
وكان الأحسن أن يقول: لم يحل قبل التطهير؛ ليندرج فيه التيمم, فإنه يكفيها إذا وجد شرطه.
ويباح وطؤها بالتيمم في الحضر كما أباح الصلاة, ولو لم تجد الماء والتراب .. وجبت الصلاة كما سبق, ولا يباح وطؤها في الأصح كما تقدم.
والذمية إذا انقطع حيضها .. لا يطأها الزوج حتى تغتسل, وسيأتي حكمها في آخر (باب ما يحرم من النكاح).
قال: (والاستحاضة حدث دائم كسلس) المراد: أن حكمها حكم سائر الأحداث لا حكم الحض, سواء اتصلت بالحيض أم لا.
و (السلس) هنا بفتح اللام على أنه مصدر, فيشمل سلس النجو والبول والمذي الذي يحدث بغير سبب من نظر وغيره.
أما من به سلس الريح .. فيتوضأ لكل فريضة.
قال الشافعي: وقل من يستديم به سلس المني؛ لأن معه تلف النفس.
قال: (فلا تمنع الصوم والصلاة)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهما حمنة بنت جحش وكانت مستحاضة, رواه الترمذي [128] وصححه.

فَتَغْسِلُ اَلْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ,  قال: (فتغسل المستحاضة فرجها) أي: وجوبا, قبل الوضوء أو التيمم إن كانت تتيمم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فاغسلي عنك الدم وصلي) , متفق عليه [306 خ – 333م].
قال: (وتعصبه)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة: (تلجمي) , قال الترمذي [128]: حسن صحيح.
وفي حديث أم سلمة: (ولتستثفر بثوب).
ويجب أن تسد الفرج بقطنة ونحوها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث حمنة: (أنعت لك الكرسف) , وهو: القطن.
وإنما أمرت بذلك دفعا للنجاسة وتقليلا لها.
وتتلجم وتستثفر فإن كان الدم يندفع بالحشو لقتله .. لم يلزمها غيره, وإلا شدت وتلجمت.
وكيفية العصابة: أن تشد في وسطها خرقة أو خيطا, وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين تجعل وسطها على فرجها ملصقة بالقطنة التي في الفرج إلصاقا جيدا, وتشد الطرفين في التي في وسطها من قدامها وخلفها شدا محكما, ويسمى: تلجما واستثفارا, من لجام الدابة وثفرها.
قال الرافعي: والحشو والتلجم واجب إلا في صورتين: إحداهما: أن تتأذى به ويحرقها الدم باجتماعه, فلا يلزمها.
والثانية: أن تكون صائمة فتترك الحشو نهارا, وتقتصر على الشد والتلجم.
قال ابن الرفعة: فإن قيل: قد تعارض في هذا مصلحة الصلاة والصوم, فينبغي أن يكون كما لو ابتلع بعض خيط ثم طلع الفجر وطرفه خارج وهو صائم, والأصح فيه: مراعاة الصلاة.

وَتَتَوَضَّأُ وَقْتَ اَلصَّلاَةِ, وَتُبَادِرُ بِهَا, فَلَوْ أَخَّرَتْ لِمَصْلَحَةِ اَلصَّلاَةِ كَسَتْرٍ وَاَنْتِظَارِ جَمَاعَةٍ .. لَمْ يَضُرَّ, وَإِلاَّ .. فَيَضُرُّ عَلَى اَلصَّحِيحِ.
وَيَجِبُ اَلْوُضْوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ,  وجوابه: أن الاستحاضة علة مزمنة فالظاهر دوامها, فلو راعينا الصلاة لتعذر عليها قضاء الصوم, وأما هناك فالقضاء متيسر كل وقت.
وسلس البول يدخل قطنة في إحليله فإن انقطع, وإلا .. لف على رأسه خرقة.
قال في (الكفاية): ول يجوز له أن يعلق قارورة يتقاطر فيها بوله؛ لأنه يصير حاملا للنجاسة في غير معدنها بغير ضرورة.
قال: (وتتوضأ وقت الصلاة)؛ لأنها طهارة ضرورة, ولا ضرورة قبل الوقت.
وقيل: يجوز تقديمها إذا انطبق آخرها على أول الوقت.
قال: (وتبادر بها) أي: بالصلاة, بعد احتياطها وطهارتها تخفيفا للمانع؛ لأن الحدث يتكرر منها وهي مستغنية عن احتماله بالمبادرة.
قال: (فلو أخرت لمصلحة الصلاة كستر وإنتظار جماعة .. لم يضر)؛ لأنها لا تعد بذلك مقصرة, وكذلك التأخير لإقامة الصلاة, والاجتهاد في القبلة, والذهاب إلى المسجد الأعظم, وكذا لتحصيل سترة لا تصل إليها.
وعد الرافعي من ذلك التأخير للأذان – والمرأة لا يستحب لها الأذان على المعروف – فكان المراد: إجابته لا تعاطيه.
قال: (وإلا) أي: وإن أخرت لا لمصلحة الصلاة (.. فيضر على الصحيح)؛ لأنها تصلي مع نجاسة يمكن التحفظ عنها.
والثاني: لا يضر كتطويلها الصلاة, وقياس على التيمم.
والثالث: إن أخرت إلى أن خرج الوقت .. لم يكن لها أن تصلي بتلك الطهارة, وإن لم يخرج .. حاز؛ لأن الواجب موسع.
قال: (ويجب الوضوء لكل فرض) , فلا تجمع بين فرضين بوضوء واحد؛ لدوام حدثها, وإنما جوزنا الفريضة الواحدة للضرورة.

وَكَذَا تَجْدِيدُ اَلْعِصَابَةِ فِي اَلأَصَحَّ.
وَلَوَ اَنْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ اَلْوُضُوءِ وَلَمْ تَعْتَدِ اَنْقِطَاعَهُ وَعَوْدَهُ, أَوِ اَعْتَادَتْ وَوَسِعَ زَمَنُ اَلِانْقِطَاعِ وُضُوءاً وَاَلصَّلاَةَ .. وَجَبَ اَلْوُضُوءُ.
وروي عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض, فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (توضئي لكل صلاة) , قال الترمذي [125]: حسن صحيح.
والنذر كالفرض على المذهب.
أما النفل .. فلها أن تتنفل ما شاءت كالمتيمم, وفي وجه: ليس لها أن تتنفل بحال.
قال: (وكذا تجديد العصابة في الأصح) – أي: مع حشو الفرج وتطهيره – كما يجيب تجديد الوضوء.
والثاني: لا؛ لأنه لا معنى للأمر بإزالة النجاسة مع استمرارها.
ويجريان فيما إذا لم تصل ولكن انتقضت طهارتها بلمس أو ريح أو مس, فإن بالت .. وجب التجديد جزما, وكذلك إن زالت العصابة عن موضعها زوالا له بال, أو ظهر الدم على جوانبها .. فتجدد قطعا.
قال: (ولو انقطع دمها بعد الوضوء ولم تعتد انقطاعه وعوده, أو اعتادت ووسع زمن الانقطاع وضوءا والصلاة) أي: التي توضأت لها على أقل ممكن (.. وجب الوضوء).
أما في الأولى .. فلاحتمال الشفاء, والأصل عدم عوده.
أما في الثانية .. فلإمكان أداء الصلاة على الكمال في الوقت.
ولا تؤخر لجماعة ونحوها إذا خافت أو علمت عود الدم قبل إتمام الصلاة, بل تتعين المبادرة جزما.
فلو لم يسع زمن الانقطاع الوضوء والصلاة ... فلا عبرة به.
ولو أخبرها من يعتمد من أهل المعرفة بالعود, فكما لو اعتادت.
فلو امتد الانقطاع .. بان بطلان الطهارة, ووجب القضاء؛ اعتبارا بما في نفس الأمر.

فَصْلٌ: رَأَتْ لِسِنَّ اَلْحَيْضِ أَقَلَّهُ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَهُ .. فَكُلُّهُ حَيْضٌ, وَاَلصُّفْرَةُ وَاَلْكُدْرَةُ حَيْضٌ فِي اَلأَصَحِّ,  ولو عبر المصنف بالطهارة بدل الوضوء .. كلن أحسن لشموله غسل الفرج من النجس.
ولو كان الانقطاع في الصلاة .. فكهو قبلها.
تتمة: قول الأصحاب: إذا شفيت المستحاضة .. يلزمها استئناف الوضوء, المراد به: إذا خرج منها دم في أثناء الصلاة أو بعد الوضوء, وإلا فلا يلزمها الوضوء بل تصلي بوضوئها الأول بلا خلاف؛ لأنه بان أن طهارتها تامة رافعة للحدث, صرح به في (البسيط) وغيره.
ويجوز وطء المستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر, ولا كراهة في ذلك وإن كان الدم جاريا, ولها قراءة القرآن.
وإذا توضأت .. استباحت مس المصحف وحمله, وسجود التلاوة والشكر, وعيها الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات, فلا يثبت لها شيء من أحكام الحيض بلا خلاف.
قال: (

فصل

: رأت لسن الحيض أقله ولم يعبر أكثره .. فكله حيض) سواء وافق العادة أو خالفها, اتفق لونه أو اختلف؛ لأن الشروط قد اجتمعت, واحتمال تغير العادة ممكن, حتى إذا رأت خمسة عشر, فإن جاوزها .. تبينا أن الأحمر استحاضة.
قال: (والصفرة والكدرة حيض في الأصح) سواء كانت مبتدأة أو معتادة, خالف عادتها أو وافق, وهما ليسا من ألوان الدم, إنما هما كالصديد تعلوه صفرة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وكدرة, والدليل على ذلك ما رواه البخاري تعليقا, ومالك [130] وغيره متصلا: أن النساء كن يبعثن إلى عائشة الدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض, فتقول: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) تريد: الطهر من الحيضة.
و (الدرجة) – بدال مهملة مضمومة, وراء مهملة ساكنة بعدها جيم -: خرقة ونحوها تدخلها النرأة في فرجها, ثم تخرجها لتنظر: هل بقي شيء من أثر الحيض أو لا؟ و (القصة البيضاء) ,هي: القطنة أو الخرقة البيضاء التي تحتشي بها المرأة عند الحيض.
ويقابل الأصح ستة أوجه: أحدها: أنهما ليسا حيضا؛ لقول أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا) , كذا رواه أبو داوود [311] والحاكم [1/ 174] وغيرهما.
ووقع في (الوسيط) من قول زينب بنت جحش, وفي (النهاية) من قول حمنة, والصواب: الأول.
والثاني – وبه قال الإصطخري -: أنهما حيض في أيام العادة فقط.
والثالث: إن تقدمهما دم قوي ولو بعض يوم .. كانا حيضا.
والرابع: يشترط تقدم دم قوي يوما وليلة.
والخامس: يشترط أن يتقدمهما قوي ويلحقهما قوي.
والسادس: يشترط أن يتقدمهما قوي يوما وليلة, ويلحقهما قوي يوما وليلة.
ولم يسلم في (شرح المهذب) قول الرافعي: إن محل الخلاف في غير أيام العادة, أما في أيامها .. فهو حيض, وتابعه على ذلك في (الروضة).

فَإِنْ عَبَرَهُ: فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً مُمَيِّزَةً؛ بِأَنْ تَرَى قَوِيَاً وَضَعِيفاً .. فَاَلضَّعِيفُ اَسْتِحَاضَةٌ, وَاَلْقَوِيُ حَيْضٌ إِنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ وَلاَ عَبَرَ أَكْثَرَهُ, وَلاَ نَقَصَ اَلضَّعِيفُ عَنْ أَقَلِّ اَلطُّهْرِ  قال: (فإن عبره) أي: عبر الدم أكثر الحيض, وهذا ضابط المستحاضة, وهي تنقسم إلى: مبتدأة مميزة, ومعتادة مميزة, وغير مميزة, وقد تكون ناسية للقدر والوقت وسيأتي.
قال: (فإن كانت مبتدأة مميزة؛ بأن ترى قويا وضعيفا .. فالضعيف استحاضة, والقوي حيض إن لم ينقص عن أقله ولا عبر أكثره, ولا نقص الضعيف عن أقل الطهر)؛ لما روى أبو داوود [290] والنسائي [1/ 185] والحاكم [1/ 174] – وقال: على شرط مسلم -: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: (دم الحيض أسود يعرف, فإذا كان ذلك .. فأمسكي عن الصلاة, وإذا كان الآخر .. فتوضئي وصلي فإنما هو عرق).
فإن فقد واحد من الشروط الثلاثة .. فهي غير مميزة, فلو رأت خمس عشر حمرة, ثم خمس عشر سوادا, ثم استمر السواد .. فهي فاقدة للتمييز, فتترك الصلاة في الشهر الأول بكامله, وفي الشهر الثاني يوما وليلة على الصحيح, وستا أو سبعا على القول.
قال الأئمة: وليس لنا مستحاضة تجع الصلاة هذه المدة إلا هذه.
قال شيخنا: ولك أن تقول: قد تؤمر بالترك في أضعاف ذلك, كما إذا رأت صفرة ثم شقرة, ثم سوادا بلا ثخانة ولا رائحة كريهة, ثم سوادا بأحدهما, ثم سوادا بهما معا, ونحو ذلك, وأقام كل دم خمسة عشر يوما, فإنها تترك في كل واحد للمعنى الذي ذكروه, وهو كونه أقوى مما قبله.
ولو لم تكن الخمسة عشر متصلة, بأن كانت ترى يوما أسود, ويومين أحمر .. فلا تمييز.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل