. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنه أثر عبادة مشهود له بالطيب، فكان إبقاؤها راجحاً على إزالتها كدم الشهيد، وأجمعنا على عدم التحريم في السواك، فتثبت الكراهة.
وقولنا: (مشهود له بالطيب) احتراز من بلل الوضوء وأثر التيمم.
وما يصيب ثوب العالم من المداد، فإنه مشهود له بالفضل لا بالطيب.
واختصاصه بما بعد الزوال؛ لأن التغير قبله يكون من أثر الطعام، وبعده من الصيام، وروي: (استاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي؛ فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كان نوراً بين عينيه يوم القيامة)، وهذا يخص قوله صلى الله عليه وسلم: (من خير خصال الصائم السواك) رواه ابن ماجه [1677]، أو يحمل على ما قبل الزوال.
وقيل: لا يكره السواك له مطلقاً، وبه قال الأئمة الثلاثة، واختاره المصنف في (شرح المهذب)، وحكاه في (الروضة) هنا قولاً؛ لما روى الترمذي [725] وحسنه عن عامر بن ربيعة قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم).
وروى عن الشافعي: أنه لم ير به بأساً أول النهار وآخره.
وعن القاضي حسين: أنه يكره في الفرض، ولا يكره في النفل؛ خوفاً من الرياء بتقدير الترك.
وفي (الرونق) و (شرح المحب الطبري) وجه: أنه لا يكره إلا بعد العصر؛ لأثر فيه رواه البيهقي [4/ 274].
وفي (ودائع ابن سريج): أنه لا يكره إلا عند الإفطار، والأصح في (شرح المهذب): أن الكراهة تزول بغروب الشمس.
وعن الشيخ أبي حامد: أنها تبقى إلى الإفطار.
وَاَلتَّسْمِيَةُ أَوَّلَهُ،
قال: (والتسمية أوله)؛ لما تقدم في أول (الطهارة): أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده في الماء وقال: (توضؤوا باسم الله)، قال أنس: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، والقوم يتوضؤون حتى توضؤوا عن آخرهم، وكانوا نحو سبعين رجلاً.
وروى الدارقطني [1/ 74] والبيهقي [1/ 44]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ وذكر اسم الله عليه .. كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه .. كان طهوراً لما مر عليه الماء).
قال المصنف: معناه: أنه طهور من صغائر الذنوب، لكن الحديث لم يصح، وأما تصحيح الحاكم له .. فإنه اشتبه عليه، وانقلب عليه إسناده.
وأما حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) .. ففي (أبي داوود) [102] و (الترمذي) [25]، لكنه لم يصح.
وقال أحمد: لا أعلم في التسمية حديثاً ثابتاً، ولذلك قال: ليست سنة فيه، بل هي محبوبة في كل أمر ذي بال، لا اختصاص لها بالوضوء.
وعن الشيخ أبي حامد: أنها هيئة فيه.
و (الهيئة): ما يتهيأ به لفعل العبادة.
و (السنة): ما كان من أفعالها الراتبة.
وأكمل ألفاظها: بسم الله الرحمن الرحيم، فأن قال: باسم الله .. حصل فضل التسمية بلا خلاف.
وقال الأستاذ أبو منصور: يقول: باسم الله وعلى ملة رسوله الله صلى الله عليه وسلم.
وفي (بداية الهداية): بسم الله الرحمن الرحيم ﴿رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾.
فَإِنْ تَرَكَ .. فَفِي أَثْنَائِهِ، وَغَسْلُ كَفَّيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ طُهْرَهُمَا .. كُرِهَ غَمْسُهُمَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا،
ويستحب التعوذ قبلها، والإتيان بالشهادتين، ويقول: الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً.
والحكم في الآكل إذا ترك التسمية كالمتوضئ؛ لما روى النسائي [سك 6725] وأحمد [4/ 336] عن أمية بن مخشي الخزاعي – ولا يعرف له سواه -: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يأكل ولم يسم، فلما كان في آخر لقمة قال: باسم الله أوله وآخره، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما زال الشيطان يأكل معه، فلما سمى .. قاء ما أكل).
قال: (فإن ترك .. ففي أثنائه)؛ تداركاً لما فات، كما أن الآكل إذا نسيها في أول الأكل .. تداركها.
وتعبيره بـ (الترك) أحسن من قول (المحرر): نسي؛ إذ لا فرق بين العم والنسيان، فلو لم يسم حتى فرغ .. فات محلها.
ويندب إذا تدارك في الأثناء أن يقول: باسم الله على أوله وآخره، كما يستحب ذلك في الطعام.
قال: (وغسل كفيه)؛ لما روى الشيخان عن عبد لله بن زيد [خ 185 – م 235] وعثمان [خ 160 – م 226]: (أنهما وصفاء وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسلا يديهما ثلاثاً قبل المضمضة والاستنشاق)، والمنقول: أنه يغسلهما كذلك.
قال: (فإن لم يتيقن طهرهما .. كره غمسهما في الإناء قبل غسلهما)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه .. فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)، متفق عليه [خ 162 – م 278] إلا لفظ: (ثلاثاً) فلمسلم فقط.
وفي الحديث إعلام بأن الأمر بذلك إنما هو لأجل توهم النجاسة؛ لأنهم كانوا أصحاب أعمال ويستنجون بالأحجار، وإذا ناموا جالت أيديهم فربما وقعت على محل
وَاَلْمَضْمَضَةُ وَاَلِاسْتِنْشَاقُ،
النجو، أو بثرات في الجسد، فإذا صادفت ماء قليلاً .. نجسته.
وإذا كان هذا هو المراد فمن لم ينم واحتمل نجاسة يده .. كان في معنى النائم، فلهذا عبر المصنف بقوله: (فإن لم يتيقن طهرهما)؛ فإنه شامل للقائم من النوم وغيره، وعدم التيقن يحصل بشكه في نجاستهما، أو توهمها، أو تيقن النجاسة.
واحترز بـ (الإناء) عن البرك والأنهار، لكن المائع – وإن كثر – حكمه حكم القليل، فإن خالف وغمس .. لم يفسد الماء بذلك؛ للشك في نجاستهما.
فإذا تيقن طهرهما .. لم يكره الغمس على الأصح.
وعبر عنه في (التصحيح) بالصواب، وهو معترض بحكاية الخلاف، بل هو قوي.
والأصح: أنه لا يستحب له الغسل قبل الغمس أيضاً.
وحيث كرهنا له الغمس لا تزول الكراهة إلا بالغسلات الثلاث، نص عليه في (البويطي)، ونقله في (الروضة) عنه وعن الأصحاب، ولا فرق بين نوم الليل والنهار.
وقال في (شرح المسند): يمكن أن يقال: الكراهة في نوم الليل أشد.
وهذه الغسلات هي المطلوبة أول الوضوء، لكن تأكد تقديمها عند الشك على إدخال اليد، كذا أشعر به كلام الرافعي، وبه صرح البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
قال: (والمضمضة والاستنشاق)؛ لما روى مسلم [832] عن عمرو بن عبسة السلمي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض ويستنشق فينتثر .. إلا خرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء).
وَاَلأَظْهَرُ: أَنَّ فَصْلَهُمَا أَفْضَلُ،
ومعنى (خرت): سقطت وذهبت، ويروى: جرت بالجيم، أي: جرت مع ماء الوضوء.
ولو قال المصنف: (المضمضة ثم الاستنشاق) .. كان أولى؛ لأنه صحح في زوائد (الروضة): أنه يشترط تقديم غسل الكفين عليهما، وأن تقديم المضمضة على الاستنشاق مستحق، وقد أشار إليه بعد ذلك بقوله: (ثم الأصح).
وأما عدم وجوبهما .. فلقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي علمه الصلاة: (توضأ كما أمرك الله)، وليس فيما أمره الله المضمضة والاستنشاق.
ثم أقلهما جعل الماء في الفم والأنف، ولا يشترط مجه ولا إدارته على الصحيح، فيكفي بلعه.
وأكملهما المبالغة، وهو: أن ينتهي الماء إلى أقصى الحلق والخياشيم.
والحكمة في تقديم السنن الثلاثة على الوضوء: أن يدرك أوصاف الماء الثلاثة اللون والطعم والريح.
وقال ابن عبد السلام: قدمت المضمضة لشرف منافع الفم على الأنف؛ لأنه مدخل القوت الذي هو قوام الحياة، ومحل الأذكار الواجبة والمندوبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
واتفق الأصحاب على أنه: يستحب أن يأخذ الماء بيده اليمنى، كما ثبت في (الصحيحين) [خ 160 – م 226]، ونص عليه في (المختصر).
قال: (والأظهر: أن فصلهما أفضل)؛ لما روى أبو داوود [40] عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق).
وروى ابن السكن في (سننه الصحاح) عن شقيق بن سلمة قال: شهدت علي بن أبي طالب وعثمان توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وأفرادا المضمضة من الاستنشاق، ثم قالا:
ثُمَّ اَلأَصَحُّ: يُمَضْمِضُ بِغَرْفَةٍ ثَلاَثاً، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأُخْرَى ثَلاَثاً، وَيُبَالِغُ فِيهِمَا غَيْرُ اَلصَّائِمِ.
(هكذا توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم).
والثاني: الأفضل الجمع؛ لما روي عن علي كرم الله وجهه في وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد).
قال: (ثم الأصح) أي: على قول الفصل (يمضمض بغرفة ثلاثاً، ثم يستنشق بأخرى ثلاثاً)؛ لما روى البزار عن علي أنه كذلك وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنكر ابن الصلاح هذه الرواية، وليست منكرة.
والحكمة في ذلك: أن لا ينتقل عن عضو إلا بعد إكمال ما قبله.
والثاني: بست غرفات، يتمضمض بثلاث ويستنشق بثلاث؛ لأنه أقرب إلى النظافة، وهو أنظفها وأضعفها.
وعلى قوله الفصل .. تقديم المضمضة على الاستنشاق مستحق؛ لأنهما عضوان مختلفان، فتعين الترتيب فيهما كسائر الأعضاء، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (ثم).
وقيل: إنه متسحب؛ لأنهما لما تقاربا نزلا منزلة العضو الواحد.
والخلاف في الأفضل، فلو تمضمض واستنشق كيف كان .. فقد أدى سننهما.
قال: (ويبالغ فيهما غير الصائم)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: (أكمل الوضوء، وبالغ [في] الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) رواه الأربعة، وصححه الترمذي [788] وابن خزيمة [151] وابن حبان [1054].
وفي رواية للدولابي: (وبالغ في المضمضة والاستنشاق).
وقال الصيمري والماوردي: إن الصائم يبالغ في المضمضة دون الاستنشاق؛ لأن المتمضمض متمكن من رد الماء عن وصوله إلى جوفه بأن يطبق حلقه، بخلاف المستنشق فإنه لا يمكنه دفع الماء بالخيشوم.
قُلْتُ: اَلأَظْهَرُ: تَفْضِيلُ اَلْجَمْعِ بِثَلاَثِ غُرَفٍ، يُمَضْمِضُ مِنْ كُلًّ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَتَثْلِيثُ اَلْغَسْلِ
وهذا النهي على سبيل الكراهة لا التحريم، كما جزم به في (شرح المهذب).
والفرق بينه وبين تحريم القبلة للصائم عند تحريك الشهوة: أن المبالغة نشأت عن سبب مأمور به وهو المضمضة، وتلك عن سبب منهي عنه.
وسوى القاضي أبو الطيب بينهما، فجزم بتحريم المبالغة أيضاً.
قال: (قلت: الأظهر: تفضيل الجمع بثلاث غرف، يمضمض من كل ثم يستنشق والله أعلم).
قال الشيخ: وهو الذي لا يترجح غيره، ويتعين الجزم به؛ لأنه المنصوص في (الأم)، والذي صحت به الرواية عن عبد الله بن زيد وغيره.
فالرافعي يرجح قول الفصل، والمصنف قول الوصل.
فإن قلنا بقول الفصل .. فالأصح: عندهما أنه بغرفتين.
وإن قلنا بالجمع .. فالأصح: عندهما أنه بثلاث غرفات.
قال: (وتثليث الغسل) بالإجماع، فلو زاد .. فهل يكره أو يحرم، أو لا يكره ولا يحرم؟ فيه أوجه، أصحها: أولها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: (فمن زاد على هذا أو نقص .. فقد أساء وظلم) رواه أبو داوود [136] وغيره بإسناد صحيح.
قال ابن الرفعة: مراده أساء بالنقص عن المرة، وظلم بالزيادة على الثلاث، وقيل: عكسه.
فلو غمس يده في ماء كثير راكد وحركها .. حصل التثليث عند القاضي حسين
وَاَلْمَسْحِ، وَيَاخُذُ اَلشَّاكُّ بِاَلْيَقِينِ،
والبغوي، وأفتى الشيخ بمخالفتهما؛ رعاية لصورة العدد، ولأن الماء قبل الانفصال عن المحل لا يثبت له حكم فلا يحصل العدد به.
قال: (والمسح)، المراد: مسح الرأس والأذنين والصماخين؛ لما روى أبو داوود [107 عن عثمان] والنسائي عن علي كرم الله وجهه أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ومسح رأسه ثلاثاً وقال: (هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم)، لكن جاء في (صحيح مسلم) [235] في وصف عبد الله بن زيد وضوءه صلى الله عليه وسلم: (أنه مسح رأسه مرة واحدة).
وفي رواية له [235]: (أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين، ورأسه مرة).
لا جرم استحب بعض أصحابنا المسح مرة واحدة، وحكاه الترمذي عن الشافعي، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، واختاره ابن المنذر.
وفي وجه: أن مسح الأذنين مرة واحدة.
واحترز بـ (تثليث الغسل والمسح) عن القول، كالتسمية أوله والتشهد آخره، ولم يصرح في ذلك بالتكرار إلا الروياني، فإنه صرح بتثليث التشهد آخره، وجاءت فيه رواية في (ابن ماجه) [469]، والزيادة على الثلاث مكروهة، وقيل: حرام، وقيل: خلاف الأولى.
فرع:
توضأ مرة، ثم توضأ ثانياً كذلك قبل صلاة، ثم توضأ ثالثاً كذلك .. نال فضيلة التثليث كما أفهمه كلام الفوراني والروياني والإمام وغيرهم.
وفي (فروق الجويني) ما يقتضي خلافه.
قال: (ويأخذ الشاك باليقين) في المفروض وجوباً، وفي المسنون ندباً؛ لأن الأصل عدم ما زاد، كما لو شك في عدد الركعات، فإذا شك: هل غسل ثلاثاً أو مرتين؟ أخذ بالأقل وغسل أخرى.
وَمَسْحُ كُلِّ رَاسِهِ، ثُمَّ أُذُنَيْهِ،
وقال الشيخ أبو محمد: يأخذ بالأكثر حذرا من أن يزيد رابعة؛ فإنها بدعة، وترك السنة أهون من ارتكاب بدعة.
وأجاب الأولون بأن البدعة ارتكاب الرابعة عالما بكونها رابعة.
قال: (ومسح كل رأسه)؛ لأنه أكثر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخروجا من الخلاف، فيأخذ الماء بكفيه ثم يرسله، ثم يلصق طرف سبابته بطرف سبابته الأخرى، ثم يضعهما على مقدم رأسه ويضع إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهذه مرة واحدة.
وهذا الاستحباب لمن له شعر ينقلب بالذهاب والرد، فالذي لا شعر له أو له شعر لا ينقلب .. اقتصر على الذهاب، فلو رد .. لم تحسب ثانية؛ لأنه صار مستعملا.
وإذا مسح زيادة على الواجب .. فهل يقع جميعه واجبا، أو الواجب ما يقع عليه الاسم خاصة؟ فيه خلاف، واختلاف تصحيح في مسائل تأتي في مواضعها.
قال: (ثم أذنيه)؛ لما روى أبو داوود [124] عن المقدام بن معدي كرب: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه في صماخيهما).
قيل: وذلك مستحب بباقي بلل الرأس، والصحيح: أنه بماء جديد.
وأتى المصنف بـ (ثم)؛ ليعلم أنهما مرتبان على مسح الرأس، فلو قدمهما عليه .. لم تحصل السنة في الأصح، وعطف في (المحرر) بالواو ففاته ذلك.
قائدة:
روى الدارقطني وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى أعطاني نهرا، يقال له: الكوثر، في الجنة.
لا يدخل أحد إصبعيه في أذنيه، إلا سمع خرير ذلك النهر) قالت: فقلت يا رسول الله؛
فَإِنْ عَسُرَ رَفْعُ الْعِمَامَةِ .. كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا.
وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ.
وكيف ذلك؟ قال: (أدخلي إصبعيك في أذنيك وسدي، فالذي تسمعين فيهما من خرير الكوثر).
وهذا النهر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، تتشعب منه جميع أنهار الجنة.
قال: (فإن عسر رفع العمامة .. كمل بالمسح عليها) سواء وضعت على طهر أم حدث؛ لما تقدم في حديث المغيرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته).
والتعبير بـ (العسر) تبع فيه (المحرر) و (الشرحين).
والذي في (الروضة): ولو لم يرد نزع ما على رأسه من عمامة أو غيرها .. مسح ما يجب من الرأس، ويسن تتميم المسح على العمامة.
فاقتضت: أنه لا فرق بين أن يكون له عذر أم لا.
وبه صرح في (شرح المهذب).
وأشار بقوله: (كمل) إلى أنه لا بد من مسح شيء من الرأس خلافا لمحمد بن نصر المروزي، فإنه ذهب إلى جواز الاقتصار على العمامة.
وفي مسح الرقبة بعد الأذنين أوجه:
أحدها: أنه يسن بماء جديد، واختاره الروياني والغزالي.
والثاني: وإليه مال الأكثرون أنه أدب وليس بسنة.
والثالث: أنه بدعة واختاره المصنف.
قال: (وتخليل اللحية الكثة)؛ فأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته الشريفة وكانت غزيرة، صححه ابن حبان [1081] والحاكم [1/ 149].
و (التخليل): تفريق الشعر، وأصله إدخال الشيء في خلال الشيء، وكذلك تخليل ما في معناها كالعارض، وتكون أصابعه من أسفلها.
وقال المزني: تخليلها واجب.
وَأَصَابِعِهِ، وَتَقْدِيمُ الْيَمِينِ.
قال في (الروضة): ومراده وجوب إيصال الماء إلى المنبت.
ويستثنى المحرم فإنه لا يخلل؛ لأن نتف الشعر حرام، والتخليل سنة ويخاف منه المحذور، قال المتولي في (كتاب الحج).
وخالفه الشيخ في (الحلبيات) فقال: التخليل باق على سنيته، لكنه في حالة الإحرام أضعف من الاستحباب، ثم مال إلى أولوية الترك.
وتستثنى لحية المرأة والخنثى؛ لأنه تقدم وجوب غسل بشرتهما.
قال: (وأصابعه)؛ لما روى الترمذي [39] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت .. فخلل بين أصابع يديل ورجليك).
فلو خلقت أصابعه ملتحمة .. لم يجز فتقها.
والأولى في تخليل اليدين التشبيك: وفي الرجلين أن يكون بخنصر يده اليسرى، من أسفل رجله اليمنى ويختم بخنصر رجله اليسرى؛ لما روى أبو داوود [149] والترمذي [40] وابن ماجه [446] عن المستورد بن شداد أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ .. يدلك أصابع رجليه بخنصره).
وقال أبو طاهر الزيادي: يخلل ما بين كل إصبعين بإصبع من أصابع يديه.
قال: (وتقديم اليمين) بالإجماع.
وروى أبو داوود [4138] وابن ماجه [402] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأتم .. فابدؤوا بميامنكم).
وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله، متفق عليه [خ 168 – م 268].
فإن قدم اليسرى .. صح بالإجماع، ونص في (الأم) على كراهته.
أما الكفان والخدان والأذنان .. فالسنة تطهيرها معا، لغير الأقطع على الأصح.
وفي الوجه يبدأ بأعلاه، وفي اليد والرجل بالأصابع، إلا أن يكون غيره يصب عليه فبالمرفق والكعب.
وأما الخفان فيمسحهما معا.
وَإِطَالَةُ غُرَّتِهِ وَتَحْجِيلِهِ.
وَالْمُوَالاَةُ، وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ.
قال: (وإطالة غرته وتحجيله)؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم الغز المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله .. فليفعل).
فـ (إطالة الغرة): أن يغسل مع وجهه من مقدم رأسه وعنقه زائدا على الجزء الواجب.
و (التحجيل): أن يغسل فوق مرفقيه وكعبيه، وغايته: استيعاب العضد والساق، وقيل: نصفهما، وقيل: الزيادة من غير تحديد.
ولا يصير الماء مستعملا بانتقاله إلى موضع الغرة والتحجيل، بخلاف ما لو انتقل إلى غيرهما كفوق الركبة .. فإنه يصير مستعملا.
وأطلق الغزالي وجماعة: أن الغرة في اليدين والرجلين، والصحيح: أن هذا التحجيل.
قال: (والموالاة)؛ اتباعا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وصرفنا عن الوجوب:
ما صح عن ابن عمر أنه توضأ في السوق، فغسيل وجهه ويديه ومسح برأسه، فدعي إلى جنازة، فدخل المسجد ثم مسح على خفيه، وكان ذلك بحضرة جماعة من الصحابة ولم ينكروا عليه.
والقياس على رمي الجمار والطواف؛ فإنها لا يبطلان بالتفريق.
قال: (وأوجبها القديم)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم واظب عليها وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)، ولأنه عبادة يبطله الحدث فأبطله التفريق،
وَتَرْكُ الاِسْتِعَانَةِ.
كالصلاة إذا طول الركن القصير.
وأجاب الأصحاب بأن الصلاة يبطلها التفريق اليسير ولا يبطل الوضوء بالإجماع.
والأصح في ضابط الكثير: أن يجف المغسول مع اعتدال الزمان ومزاج الإنسان.
والقليل: دون ذلك.
والمعتبر: آخر غسلة – ويقدر مسح الرأس غسلا – وقيل: يرجع فيه إلى العادة، وقيل: قدر ما يمكن فيه تمام طهارة.
والأصح: أن الخلاف لا يجري إذا كان التفريق بعذر كالنسيان ونحوه.
قال: (وترك الاستعانة)؛ لأنه الأكثر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه نوع تكبر وهو لا يليق بحال العبادة.
وروى البزار [260]: أن أبا بكر – وقيل: عمر – هم بصب الماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إني لا أحب أن يعينني على وضوئي أحد)، لكنه ضعيف.
ودليل جوازها ما رواه الشيخان [خ 182 – م 274] عن المغيرة: (أنه صب على النبي صلى الله عليه وسلم)، وفيهما أسامة [خ 181 – م 1280] نحوه.
وفي (ابن ماجه) [390] عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: (أنها صبت عليه).
وفيه [391]: (وصب عليه صفوان بن عسال في سفر)، فلذلك كان الأصح: أنها خلاف الأولى لا مكروهة.
ومحل هذا الخلاف: إذا استعان بمن يصب عليه الماء، فإن استعان بمن يحضره له .. فلا بأس.
وإن استعان بمن يغسل أعضاءه .. كره قطعا.
وتعبير المصنف وغيره بالاستعانة يقتضي: اختصاص الحكم بطلب المتوضئ
وَالنَّفْضِ، وَكَذَا التَّنْشِيفُ فِي الأَصَحِّ.
ذلك، فلو أعانه غيره وهو ساكت .. لا يكون خلاف الأولى، كما لو حلف لا يستخدمه فخدمه ساكتا .. لا يحنث، وليس المراد ذلك بل الاستقلال بالأفعال ولو لم يأمره.
هذا فيمن يمكنه أن لا يستعين، فأما من لا يقدر على الوضوء إلا بذلك كالأقطع .. فإنه تلزمه الاستعانة ولو بأجرة المثل إن وجدها فاضلة عن كفايته وكفاية من تلزمه كفايته ليومه وليلته، وقضاء دينه، فإن لم يجد .. صلى وأعاد كفاقد الطهورين؛ لندوره.
قال: (والنفض) أي: وترك النفض؛ لأنه كالتبري من العبادة.
ولحديث: (إذا توضأتم .. فلا تنفضوا أيديكم؛ فإنه مراوح الشيطان)، لكنه ضعيف.
واستثنى بعضهم النفض عند مسح الرأس والأذن والرقبة، فإنه مستحب إذا أمن الرشاش.
وفيه نظر؛ لأنه يستحب في هذه الأحوال أن يرسل يديه لا أن ينفضهما.
وفي النقض أوجه:
أحدها: مكروه، وجزم به الرافعي في كتبه.
والثاني: خلاف الأولى، وهو المنصوص.
والثالث: مباح، ورجحه المنصنف؛ لأن في (الصحيح) [خ 276 – م 317] في صفة غسله صلى الله عليه وسلم: (أنه انطلق وهو ينفض الماء بيده).
قال: (وكذا التنشيف في الأصح)؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه يزيل أثر العبادة.
وكان الأحسن حذف (كذا)؛ لأن ما قبله مختلف فيه أيضا.
وقيل: إنه مباح يستوي فعله وتركه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نقل عنه فعله وتركه، واختاره في (شرح مسلم).
وَيَقُولُ بَعْدَهُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
....
وقيل: يستحب لما فيه من الاحتراز عن إلصاق الغبار.
وقيل: يكره في الصيف دون الشتاء لعذر البرد، فإن دعت ضرورة إلى التنشيف .. فلا كراهة ولا أولوية في تركه، لكن روى السهيلي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له منديل يمسح به وجهه من الوضوء).
قال في (الذخائر): وإذا تنشف .. فالأولى أن لا يكون بديله وطرف ثوبه ونحوهما.
أما تنشيف الميت .. فمستح بلا خلاف؛ لئلا يفسد الكفن، كذا علله الرافعي.
وأما غسل البدن من النجاسة .. فالمتجه: أنه لا كراهة في التنشيف منه.
قال: (ويقول بعده: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم؛ اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين)؛ لما روى مسلم [234] عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صادقا من قلبه .. فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء).
زاد الترمذي [55] فيه: (اللهم؛ اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين).
قال: (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)؛ لما روى الحاكم [1/ 564]، والنسائي في (عمل اليوم والليلة) [81]: (أن من ذكره .. كتب في رق، ثم طبع بطابع، فلم يكسى إلى يوم القيامة).
واختلف في (سبحانك اللهم وبحمدك) فقيل: جملة واحدة و (الواو) زائدة
وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الأَعْضَاءِ؛ إِذْ لاَ أَصْلَ لَهُ.
وقيل: جملتان و (الواو) عاطفة أي: وبحمدك سبحتك.
وقال الخطابي: المعنى: وبمعونتك التي هي نعمة توجب علي حمدك سبحتك لا بحولي وقوتي.
ويستحب أن يأتي بهذا الذكر مستقبل القبلة، قال الرافعي، وأسقطه من (الروضة).
وفي (الإحياء) و (البحر): ويومئ بطرفه إلى السماء ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي (رحلة ابن الصلاح): عن أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن البردي الشافعي أنه قال في كتاب (الغنية): يستحب أن يقرأ سورة القدر.
ووفاة المذكور سنة إحدى وخمسين وخمس مئة.
وروى النسائي [825] وابن السني [28] عن أبي موسى الأشعري أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ، سمعته يقول: (اللهم؛ اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي)، فقلت: يا رسول الله؛ سمعتك تدعو بكذا وكذا، فقال: (وهل تركن من شيء)؟
قال: (وحذفت دعاء الأعضاء؛ إذ لا أصل له) لما قدم في الخطبة: أنه لا يحذف من (المحرر) شيئا من الأحكام ولا من الأذكار .. اعتذر عن حذف دعاء الأعضاء لعدم ثبوته، وسبقه إلى ذلك ابن الصلاح، وقد روي من طرق موقوفا على علي رضي الله عنه وغيره.
وجمع الحافظ ابن عساكر فيه جزءا، وهو مروي عن السلف، والحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال.
فيقول عند غسل الوجه: اللهم؛ بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
وعند غسل اليد اليمنى: اللهم؛ أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا.
وعند غسل اليسرى: اللهم؛ لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحكى المصنف والقاضي عياض قولين:
أحدهما: أن جميع المؤمنين من الأمم يأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم يعذب الله من يشاء من عصاتهم.
والثاني: إنما يأخذه من يمينه الناجون من النار خاصة.
وعند مسح الرأس: اللهم؛ حرم شعري وبشري على النار.
عند الرجلين: اللهم؛ ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام.
وزاد الرافعي في (الشرح) عند مسح الأذنين: اللهم؛ اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وهمزة (أعطني) للقطع لا للوصل، و (قدمي) بتشديد الياء على التثنية.
تتمة:
يكره الإسراف في الماء، وجزم المتولي بتحريمه؛ لما روى البيهقي في (الشعب) [2788] عن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: (ما هذا السرف يا سعد؟!) قال: وفي الوضوء إسراف؟! قال: (نعم، وإن كنت على نهر جار).
ويرتفع حديث كل عضو بغسله، وقال الإمام: يتوقف على فراغ الأعضاء.
وتظهر فائدة الخلاف فيما لو أحدث في الأثناء، فأراد هو أو غيره أن يتوضأ بما كان قد استعمله في الأعضاء السابقة.
فإن قلنا بالأول .. لم يجز، أو بمقالة الإمام .. جاز.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خاتمة
ختم الله لكاتبه بخير
من آداب الوضوء: استقبال القبلة فيه.
وأن يصلي عقبه ركعتين.
وأن يبدأ في غسل وجهه بأعلاه، وفي غسل اليدين والرجلين بأطراف الأصابع إن كان يغسل بنفسه، فإن صب عليه غيره .. غسل من مرفقيه، وعقبه إلى أطراف الأصابع.
وأن يجعل الإناء عن يساره إن كان يقلب منه، فإن غرف .. فعن يمينه.
والجلوس بحيث لا يناله رشاش.
والشرب من فضل الوضوء بعد الفراغ من هيئاته.
ولا يلطم وجهه بالماء.
ولا يتكلم في أثنائه إلا بذكر الله عز وجل.
بَابُ مَسْحِ الْخُفِّ
باب مسح الخف
لما كان الواجب في الرجل الغسل، والمسح بدل عنه .. عقب به باب الوضوء، ولم يبوب له في (المحرر).
وذكره الرافعي عقب التيمم؛ لأنهما مسحان يبيحان الصلاة.
ولو عبر بالخفين .. كان أولى؛ فإنه لا يجوز مسحه من رجل وغسل الأخرى، ولكنه أراد الجنس لا التوحيد.
والأصل في مشروعيته ما رواه الشيخان [خ 387 - م 272] عن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه)، ورواه الترمذي [94] بإسناد فيه إبراهيم بن أدهم، وليس في الكتب الستة رواية عن إبراهيم سواه.
زاد الترمذي [93]: قال إبراهيم بن يزيد النخعي: وكان يعجبهم - يعني: أصحاب عبد الله - حديث جرير؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة - لأنها نزلت سنة ست -
يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ.
فلا يكون الأمر الوارد فيها بغسل الرجلين ناسخا للمسح كما صار إليه بعض الصحابة.
وروى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال: حدثني سبعون من الصحابة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخف).
ولأن الحاجة إلى دفع الحر والبرد تدعو إليه، ونزعه لكل وضوء يشق، ولم ينكره إلا الشيعة والرافضة والإمامية والخوارج.
قال: (يجوز في الوضوء)؛ للأدلة السابقة.
واحترز بذلك عن الغسل، فلا يجوز فيه، ولا في إزالة النجاسة.
فلو أجنب أو دميت رجله، فأراد أن يمسح على الخف ليقوم مقام غسل الرجل .. لم يجز بل لا بد من الغسل.
ويدل لمنع المسح في الجنابة ما رواه ابن خزيمة [17] والترمذي [96] – بإسناد صحيح – عن صفوان بن عسال قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم).
والفرق بين الوضوء والغسل من جهة المعنى: أن الوضوء يتكرر والحاجة إلى لبس الخف عامة، فلو كلف نزعه في كل وضوء .. لشق، بخلاف الجنابة؛ فإنها لا تتكرر كتكرره.
وأما باقي الأغسال وغسل النجاسة .. فبالقياس على الجنابة للمعنى المذكور.
وأشار بقوله: (يجوز) أنه لا يجب ولا يندب، ولا يمتنع ولا يكره، ولكن غسل الرجل أفضل من المسح، كما قاله في آخر (صلاة المسافر) من (الروضة)، إلا أن يتركه رغبة عن السنة، أو شكا في جوازه، أو خاف فوت عرفة واستنقاذ أسير، ونحو ذلك .. فالمسح أفضل، كذا قالوه.
وفي تصوير جوازه عند الشك في جوازه نظر، فضلا عن كونه أفضل.
واختار ابن المنذر: أن الغسل والمسح سواء.
ولو كان المحدث لابس خف بشرطه ودخل الوقت، ووجد ما يكفيه لو مسح الخف ولا يكفيه إن غسل .. قال ابن الرفعة: الذي يظهر وجوب المسح لقدرته على
لِلْمُقِيمِ يَوْماً وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلاَثَةً بِلَيَالِيهَا،
الطهارة الكاملة، وبذلك صرح الروياني في (البحر) في (باب التيمم).
وقال الشيخ أبو محمد: المنصوص أن من أرهقه الحدث ومعه ما لا يكفيه ولو تخفف لكفاه .. أنه يلزمه لبس الخف ليحصل الوضوء، وصحح الشيخان خلافه.
ولا يكره المسح على الخف، لكن حكى في (الكفاية) عن القاضي أبي الطيب: أنه مكروه، وهو وهم؛ فإن ذلك مذهب مالك.
وكلام المصنف يقتضي: أنه لا يجوز المسح للمتيمم، وهو كذلك إذا كان تيممه لاعواز الماء؛ لأنه عند رؤيته يعود حكم حدثه.
وقال ابن سريج: يمسح؛ لأن التيمم عنده يرفع الحدث.
لكن يستثنى التيمم المضموم للوضوء لجرح ونحوه، فإنه كطهارة المستحاضة ومن في معناها من دائمي الحدث، فقيل: لا يمسح على الخفين أصلا.
وقيل: إنه كالسليم سفرا وحضرا.
والثالث: الأصح المنصوص: يجوز له المسح في حق فريضة واحدة إذا لم يكن قد صلى بوضوئه فريضة ولم يشف، فإن شفي .. لزمه الاستئناف وغسل الرجلين.
وفهم من كلام الشيخين أن المتيمم لبرد ونحوه يمسح الخف، ولا يعرف لغيرهما.
وأما المتحيرة .. فلا نقل فيها، ويحتمل أن لا تمسح؛ لأنها تغتسل لكل فريضة، ويحتمل أن يقال: إن اغتسلت ولبست الخف .. فهي كغيرها، وإن كانت لابسة قبل الغسل .. لم تمسح.
قال: (للمقيم يوما وليلة، وللمسافر ثلاثة بلياليها)؛ لقول أبي بكرة نفيع بن الحارث: (أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما) رواه ابنا خزيمة [192] وحبان [1324]. وقال الخطابي: إنه صحيح الإسناد.
وشرط جواز الثلاثة للمسافر: أن يكون سفره طويلا، مباحا، وأن يكون له قصد معلوم.
مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسٍ.
فما لا يقصر فيه لقصره أو تحريمه .. يمسح فيه كمقيم.
وقيل: لا يمسح في سفر المعصية البتة.
وفي القديم: لا يتأقت، لكن صح أنه رجع عنه.
تنبهان:
أحدهما: ليلة اليوم هي المتقدمة عليه لا المتأخرة، فالمسافر يمسح ثلاثة أيام وثلاث ليال مطلقا، كما يمسح المقيم يوما وليلة، ولا يؤخذ ذلك من التعبير (بلياليها)، إلا على تقدير وقوع ابتداء المدة عند الغروب دون ما إذا كانت عند الفجر.
الثاني: رخص السفر ثمان:
أربع تختص بالطويل، وهي: المسح ثلاثا، والقصر، والجمع، والفطر.
وأربع تجوز في القصير والطويل: أكل الميتة، والتنفل على الراحلة، وإسقاط الصلاة بالتيمم، وترك الجمعة.
وفي (المهمات) زيادة على ذلك.
والأصل في مطلق الرخص ما روى مسلم [2356] عن عائشة قالت: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر، فتنزه عنه ناس فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: (ما بال أقوام يرغبون عما رخص الله لهم فيه؟! فو الله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية).
قال: (من الحدث بعد لبس) أي: إكمال اللبس، وذلك باستقرار القدم.
فلو أحدث ورجله في ساق الخف .. لم يمسح في الأصح؛ لأنها عبادة مقدرة بوقت، فكان أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة.
قال ابن الرفعة: وهذا يدل على امتناع تجديد الوضوء المشتمل على لبس الخف، ولا شك في أنه مكروه.
والمجزوم به في (شرح المهذب): أنه مستحب، وفي (شرح الوسيط) نحوه.
فَإِنْ مَسَحَ حَضَراً ثُمَّ سَافَرَ أَوْ عَكَسَ .. لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ.
وَشَرْطُهُ: أَنْ يُلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ،
وذهب الأوزاعي وأبو ثور وابن المنذر إلى أن ابتداء المدة: من المسح، واختاره في (شرح المهذب).
واعتبرها الحسن البصري من اللبس، واختاره الشيخ؛ لأنه وقت جواز الرخصة.
قال: (فإن مسح حضرا ثم سافر أو عكس .. لم يستوف مدة سفر)؛ تغليبا لحكم الحضر، كما لو أحرم بصلاة في سفينة في البلد، فسارت وهو في الصلاة .. فإنه يتمها صلاة حضر بالإجماع.
وشملت عبارته ما إذا مسح في الحضر أحد خفيه، ثم سافر ومسح الآخر في السفر .. فيمسح مسح مقيم عند المصنف.
وجزم الرافعي بأنه يتم مدة مسافر.
واحترز بقوله: (مسح حضرا) عما إذا أحدث حضرا، ثم ابتدأ المسح في السفر .. فإنه يتم مدة السفر على الصحيح.
وقال أبو إسحاق: يمسح مسح مقيم.
وقوله: (لم يستوف مدة سفر) يشمل ما لو بقي من مدة الإقامة شيء .. فيتمه، وأما إذا لم يبق شيء .. فيجب النزع، وأما إذا كان قد استوفي في السفر أكثر من يوم وليلة .. فلا يقضي صلوات ما زاد عليه، بل تنقضي المدة من وقت القدوم.
وقال المزني: يمسح ثلث ما بقي من ثلاثة أيام ولياليهن.
قال: (وشركه: أن يلبس بعد كمال طهر)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكرة: (إذا تطهر فلبس خفيه).
وقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة حين رام نزع خفي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين).
فلو لبسهما قبل غسل الرجلين .. لم يجز قطعا.
سَاتِرَ مَحَلِّ فَرْضِهِ،
ولو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف .. لم يجز أيضا.
قال الشيخ: وفي دلالة حديث المغيرة على الصورة الثانية نظر؛ لأنه يصح إذا أدخل كل واحدة طاهرة أن يقال: أدخلهما طاهرتين، كما تقول: ضربت الزيدين مجردين، فهي حال من كل واحد.
ولكنا نقول: إنه إذا احتمل والمسح رخصة لا تناط بالشك .. فيرجع إلى الأصل، لا جرم قال المزني وأبو ثور وأبو حنيفة: لا حاجة إلى النزع في الصورتين، وهو القياس؛ لأن استدامة اللبس ليس كما ذكروه في (كتاب الأيمان).
وعبارة (المحرر): بعد تمام طهر، ولو حذفها وحذف المصنف لفظة (كمال) لما ضرهما؛ لأن حقيقة الطهر أن يكون كاملا، لكن المصنف ذكره؛ لنفي توهم التجوز به عن البعض.
ولم يحترز بـ (الكمال) عن طهر المتيمم ودائم الحدث، كما وهم فيه بعضهم؛ فإن طهارتهما كاملة ضعيفة لا ناقصة، والضعيف ضد القوي [و] دون الكامل والتام.
وأيضا المذهب: أن دائم الحدث، والمتيمم لا لفقد الماء إذا تطهر ولبس ثم أحدث .. مسح لما كان يصليه بطهارة لبسه لو بقيت، فلا يصح الاحتراز عنه.
قال: (ساتر محل فرضه)، وهو القدم؛ لأن فرض الظاهر الغسل وفرض المستور المسح، فإذا اجتمعا .. غلب حكم الأصل وهو الغسل، فلا يجوز المسح على المخرق في محل الفرض على الجديد، سواء كان التخرق قليلا أو كثيرا.
والقديم: يجوز إن كان يتماسك في الرجل.
ولو تخرقت الظهارة وحدها .. جاز إن كان الباقي قويا، وإن تخرقا من موضعين غير متحاذيين .. جاز.
طَاهِراً،
والمراد: الستر من الجوانب والأسفل، لا من العلو على الأصح – ضد ستر العورة؛ فإن المعتبر فيها الستر من الجوانب والعلو لا من الأسفل – يكن يستثنى ما لا يستر إذا كان واسع الرأس، بحيث يرى منه بعض القدم .. فالأصح: جواز المسح عليه.
وإذا كان شفافا يرى معه بشرة القدم كالزجاج .. فإنه يجوز المسح عليه إذا أمكن متابعة المشي عليه؛ لأن المراد بالستر ما يمنع نفوذ الماء.
وادعى في (الروضة) و (شرح المهذب) الاتفاق عليه، وليس كذلك بل جزم البندنيجي فيه بالمنع؛ لعدم ستره القدم.
ومن نظائر هذه المسألة رؤية المبيع من وراء زجاج وهو لا يكفي؛ لأن المطلوب نفي الغرر وهو لا يحصل؛ لأن رؤية الشيء من وراء زجاج يرى غالبا على خلاف ما هو عليه.
قال: (طاهرا)، فلا يجوز على نجس العين، ولو كان يتيمم لمس المصحف ونحوه، وكذلك المتنجس لا يمسحه إلا بعد غسله.
وقائدة المسح – وإن لم تنحصر – في الصلاة، فالمقصود الأصلي هو الصلاة وما عداها تابع، ولأن الخف بدل عن الرجل وهي لا تطهر مع بقاء النجاسة عليها.
فرع:
لا يجوز المسح على خف خرز بالهلب – وهو شعر الخنزير – ولا الصلاة فيه وإن غسله سبعا إحداهن بالتراب؛ لأن الماء والتراب لا يصلان إلى مواضع الخرز، فإذا غسله سبعا .. طهر ظاهره دون موضع الخرز.
ولو عرقت رجله .. لا يحكم بنجاستها، ولو أدخل رجله فيه وهي رطبة .. لم تنجس.
وكان أبو زيد المروزي يصلي فيه النوافل دون الفرائض، فراجعه القفال فقال: الأمر إذا ضاق اتسع.
يُمْكِنُ تِبَاعُ الُمَشْيِ فِيهِ لِتَرَدٌّدِ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ.
قِيلَ: وَحَلاَلاً.
قال الرافعي: أشار إلى كثرة النوافل.
وقال المصنف: بل الظاهر أنه أشار إلى عموم البلوى فعفي عنه مطلقا.
ويدل له من السنة ما روى الترمذي الحكيم: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخرازة بشعر الخنزير، فقال: (لا بأس بذلك).
وحكى الدارمي وجهين في جواز خرز الخف به إذا كان رطبا؛ للضرورة الداعية إليه.
قال: (يمكن تباع المشي فيه) ولو كان لابسه مقعدا؛ لأن المسح عليه إنما شرع لحاجة اللابس إلى الاستدامة، وهي لا تتأتى إلا فيما هذا شأنه.
فلو تعذر المشي عليه لثقله كالحديد، أو غلظه كالخشب .. امتنع المسح عليه، وكذا لسعته أو ضيقه على الأصح.
فإن كان الضيق يتسع بالمشي .. جاز بلا خلاف، كذا في (شرح المهذب).
وقيده في (الكافي) بالاتساع عن قرب.
ولو أمكن فيه المشي، ولكن تعذر التتابع كالخرقة والجلد الرقيقين .. لم يجز.
قال: (لتردد مسافر لحاجاته)، فلا يعتبر أن يمشي عليه فراسخ، ولا يكفي المشي اليسير، بل تردد المسافر لحاجته – عند النزول والرحيل – من الاحتطاب والاحتشاش والحط والتحميل.
وفي (الرونق) و (اللباب) ضبط بثلاثة أميال، وضبطه الشيخ أبو محمد بقدر مسافة القصر وهو المعتمد.
وهل المراد المشي فيه بمداس أو لا؟ لم يتعرضوا لذلك.
وسبب اشتراط هذه الأمور أن ما سوى ذلك لا تدعو الحاجة إليه.
قال: (قيل: وحلالا)، هو قول ابن القاص.
وأشار ابن الصباغ والغزالي إلى ترجيحه؛ لأن المسح رخصه وهي لا تناط بالمعاصي.
وَلاَ يُجْزِئُ مَنْسُوجٌ لاَ يَمْنَعُ مَاءً فِي الأَصَحِّ، وَلاَ جُرْمُوقَانِ فِي الأَظْهَرِ،
وذهب الأكثرون إلى الجواز، وقاسوه على الوضوء بالماء المغصوب، والصلاة في الأماكن المغصوبة.
قال: (ولا يجزئ منسوج لا يمنع ماء في الأصح)؛ لأن الغالب في الخفاف أن تمنع نفوذ الماء، فتنصرف نصوص المسح إليها ويبقى الغسل واجبا فيما عداها.
والثاني: يجوز كما لو تخرقت بطانة الخف وظهارته من موضعين غير متوازيين .. يجوز المسح عليه مع نفوذ الماء، واختاره الإمام والغزالي.
لكن تستثنى مواضع الخرز، فإنه لا يضر نفوذ الماء منها كما نقله في (شرح المهذب) عن القاضي وغيره.
والمراد بـ (الماء): ماء المسح كما عبر به الماوردي.
وقال الإمام: أن يمنع الماء إذا صب عليه.
ويشترط في الممسوح أن يسمى خفا، فلو لف على قدميه قطعتي أدم وأحكمهما بالشد، وأمكنه متابعة المشي عليهما .. لا يجوز المسح عليهما؛ لعسر إزالة ذلك وأعادته على هيئته.
قال: (ولا جرموقان في الأظهر)؛ لأن الحاجة إليه نادرة فلا تتعلق به هذه الرخصة العامة، كالجبيرة فإنه لا تتعلق بها الرخصة إلا في حق الكسير خاصة.
و (الجرموق) بالضم فارسي معرب، وهو: خف كبير يلبس فوق الخف، سواء كان له ساق أم لا.
والقول الثاني: يجوز كالخف، ولأن الحاجة تدعو إليه للبرد والوحل، واختاره المزني وأبو الطيب والروياني في (الحلية)، ونقله أبو حامد عن كافة العلماء.
ونقل ابن الصلاح عن والده: أنه يجوز في البلاد الباردة قولا واحدا، ثم رده.
ومحل القولين إذا كان الأعلى والأسفل قويين، فإن كانا ضعيفين .. لم يجز المحس عليهما قولا واحدا.
فإن أدخل يده في صورة القولين ومسح الأسفل .. صح، وإلا فلا.
وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ فِي الأَصَحِّ.
وَيُسَنُّ مَسْحُ أَعْلاَهُ وَأَسْفَلِهِ.
فإن كان الأعلى قويا بحيث يجوز مسحه لو انفرد، والأسفل ضعيفا .. صح مسح الأعلى على الصحيح.
فإنا كانا بالعكس .. صح مسح الأسفل، وإن اقتصر على مسح الأعلى .. لم يصح إلا أن يصل منه البلل إلى الأسفل، فيصح إن قصده بمسح الأعلى واتصل البلل إلى الأسفل لعلمه بذلك، وكذا إن قصدهما أو لم يقصد شيئا في الأصح.
فرع:
لو لبس الخف على الجبيرة .. لم يجز المسح عليه على الأصح في زوائد (الروضة)؛ لأنه ملبوس فوق ممسوح، فأشبه المسح على العمامة.
قال: (ويجوز مشقوق قدم شد في الأصح)؛ لحصول الارتفاق به.
والمراد: ما شد بالسرج، وهي العرى.
والثاني: لان كما لو لف على القدم قطعة أدم وأحكم شدها كما تقدم.
وشرطه أن لا يبقى شيء من الرجل أو اللفافة على عقبيه يتبين في حالة المشي.
قال: (ويسن مسح أعلاه وأسفله) أما مسح الأعلى .. فلا خلاف فيه.
وأما الأسفل .. فلما روى ابن ماجه [550] عن المغيرة بن شعبة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله)، وكان ابن عمر يفعله، لكن الحديث ضعيف، لا جرم قال ابن المنذر: لا يستحب مسح الأسفل.
وكان أحمد لا يفعله.
فلو كان أسفله متنجسا بنجاسة معفو عنها .. اقتصر على الأعلى؛ لأنه لو مسح الأسفل زاد التلويث، ولزمه حينئذ غسل اليد وأسفل الخف.
ولو غسل الخف بدل مسحه .. جاز على الصحيح، ويكره كما تقدم في غسل الرأس.
خُطُوطاً، ويَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ يُحَاذِي الْفَرْضَ، إِلاَّ أَسْفَلَ الرِّجْلِ وَعَقِبَهَا .. فَلاَ عَلَى المَذْهَبِ.
ويكره تكرار المسح، بل يقتصر على مسحة واحدة.
قال: (خطوطا)؛ لقول الحسن البصري: من السنة أن يمسح على الخف خطوطا.
والأولى في كيفيته: أن يضع أصابع كفه اليسرى تحت العقب، واليمنى على ظهور الأصابع، ويمر باليسرى إلى أطراف الأصابع من أسفل واليمنى إلى الساق.
وقد سكت المصنف عن الساق، والمذهب: استحباب مسحه أيضا، فيجعل راحة اليسرى على العقب، وأصابعه تحته ويفعل ما سبق.
قال: (ويكفي مسمى مسح)؛ لأن الشارع علقه باسم المسح، والتعميم غير واجب بالاتفاق، والتقدير لا يهتدى إليه إلا بتوقيق ولم يرد، فكان الواجب ما ينطلق عليه الاسم، كمسح الرأس فيكفي وضع يد وغيرها عليه بلا مد، إلا أن يكون عليه شعر فلا يكفي الاقتصار على مسح الشعر جزما.
والمراد: مسح ظاهره؛ فإنه لو مسح باطن أعلاه .. لم يجزه.
وقد رأى أبو حنيفة المسح بثلاثة أصابع، ومالك وأحمد بالأكثر.
قال: (يحاذي الفرض)؛ لأنه بدل عن الغسل.
و (المحاذاة) بالذال المعجمة: المقابلة.
قال: (إلا أسفل الرجل وعقبها .. فلا على المذهب)؛ لأن الاقتصار عليهما لم يرد، وثبت الاقتصار على الأعلى، والرخصة يجب فيها الاتباع.
وعن علي رضي الله عنه: (لو كان الدين بالرأي .. لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه) رواه أبو داوود [163].
قُلْتُ: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَلاَ مَسْحَ لِشَاكٍّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ.
ولأنه موضع لا يرى غالبا، فلم يجز الاقتصار على مسحه كباطن الخف الداخل.
والثاني: يكفي لأنهما يحاذيان محل الفرض، فأشبه المحاذي لمشط الرجل.
وقال ابن سريج: لا خلاف بين المسلمين أنه لا يجوز الاقتصار على مسح أسفل الخف.
وقيل: قولان.
وجعل الرافعي محل الخلاف فيما يحاذي أخمص القدمين.
و (العقب): مؤخر الرجل، وهي مؤنثة، وجمعها أعقاب، قال عليه الصلاة والسلام: (ويل للأعقاب من النار)، خصه بالعذاب؛ لأنه العضو الذي لم يغسل.
قال: (قلت: حرفه كأسفله والله اعلم) فلا يجوز الاقتصار عليه؛ لاشتراكهما في عدم الرؤية غالبا.
قال: (ولا مسح لشاك في بقاء المدة)؛ لأن الأصل الغسل والمسح رخصة جوزت بشرط، فإذا لم يتيقن شرط الرخصة .. رجع إلى الأصل.
وقال المزني: يجوز المسح؛ لأن الأصل بقاء مدته.
والأصحاب نظروا إلى الأصل الأول، وألغوا الثاني كما إذا شك المسافر: هل وصل إلى بلده أو لا؟ وهل نوى الإقامة أو لا؟ لا يترخص.
وإذا رمى صيدا ثم غاب عنه فوجده ميتا، وشك: هل أصابته رمية أخرى؟ لم يحل.
وإذا شكوا في انقضاء وقت الجمعة .. لم يصلوها.
هذه كلها ترك فيها الأصل الثاني المشكوك فيه للأصل الأول.
فلو مسح على الخف في صورة الشك وصلى، ثم بان أنه مسح في غير المدة .. أعاد الصلاة والمسح، ولو زال شكه وتحقق بقاء المدة .. جاز المسح.
فَإِنْ أَجْنَبَ .. وَجَبَ تَجْدِيدُ لُبْسٍ، وَمَنْ نَزَعَ وَهُوَ بِطُهْرِ الْمَسْحِ .. غَسَلَ قَدَمَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ: يَتَوَضَّأُ.
قال: (فإن أجنب .. وجب تجديد لبس)، وكذا إذا حاضت أو نفست أو ولدت؛ لحديث صفوان المتقدم، وعللوه بأن هذه الأمور لا تتكرر فلا يشق النزع لها، بخلاف الحدث الأصغر، وللشيخ فيه بحث طويل.
قال: (ومن نزع) أي: الخفين أو أحدهما، وفي معناه ما لو انقضت المدة، أو شك في بقائها، أو ظهر بعض الرجل بتخرق أو غيره، أو خرج عن الصلاحية لضعفه، أو دميت رجله ولم يمكن غسلها فيه.
قال: (وهو بطهر المسح) احترز به عما إذا نزع وهو بطهارة الغسل، بأن كان بعد اللبس والحدث توضأ وغسل رجليه داخل الخف، فإنه هنا لا يلزمه شيء.
قال: (.. غسل قدميه)؛ لأنه الأصل والمسح بدل، فإذا زال .. وجب الرجوع إلى الأصل.
قال: (وفي قول: يتوضأ)؛ لأنها عبادة يبطلها الحدث، فإذا بطل بعضها .. بطل كلها كالصلاة، ولأن ذلك كالحدث بالنسبة إلى طهارة القدمين، والحدث لا يتبعض عوده حكما.
وفي موضع القولين ست طرق، لا تصحيح فيها في (الشرح) ولا في (الروضة).
والأصح في زوائدها: أنه يرتفع الحدث عن الرجل قياسا على مسح الرأس، ويجوز الجمع به بين فرضين.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تتمة:
إذا انقضت مدة المسح .. ليس له أن يصلي بعد ذلك بحكم المسح.
ونقل المتولي وغيره عن الحسن البصري: أن له أن يصلي ما لم يحدث؛ لأن طهره قد صح فلا يبطل إلا بحدث، واختاره ابن المنذر والمنصنف في (شرح المهذب)، ويقال: إن الأستاذ أبا إسحاق حكاه وجها لبعض أصحابنا.
خاتمة ختم الله لكاتبه بالحسنى قال في (الإحياء) في (باب ما لا بد للمسافر من تعلمه): يستحب لمن أراد أن يلبس الخف أن ينفضه؛ لئلا يكون فيه حية أو عقرب أو شوكة، واستدل لذلك بما رواه الطبراني [طب 7620] عن أبي أمامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما).
بابُ الغسلِ مُوجِبُهُ: مَوْتٌ، وَحَيْضٌ،
باب الغسل
هو بفتح الغين وضمها، والفتح أفصح عند اللغويين، والضم أشهر عند الفقهاء.
وبالكسر: ما يغسل به من سدر ونحوه.
ولما كان الغسل من الجنابة معلوما قبل الإسلام، بقية من دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام - كما بقي الحج والنكاح - لم يحتاجوا إلى تفسيره، بل خوطبوا بقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
وهي دليل الباب، ولذلك نذر أبو سفيان: أن لا يمس رأسه ماء من جنابة، حتى يغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الحدث الأصغر .. فلم يكن معروفا عندهم قبل الإسلام، فلذلك بين أعضاءه وكيفيته والسبب الموجب له.
قال: (موجبه: موت)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماء وسدر)، متفق عليه [خ 1265 - م 1206] من رواية ابن عباس.
لكن يستثنى شهيد المعركة والذمي، والسقط إذا بلغ أربعة أشهر، ولم يختلج، ولم تظهر عليه أمارة الحياة، كما سيأتي في (الجنائز).
قال: (وحيض)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإذَا تَطَهَّرْنَ﴾.
قيل: المراد اغتسلن.
وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: (إذا أقبلت الحيضة .. فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها .. فاغسلي عنك الدم وصلي)، متفق عليه [خ 206 - م 333].
وأجمعوا على ذلك.
وَنِفَاسٌ، وَكَذَا وِلاَدَةٌ بِلاَ بَلَلٍ فِي الأَصَحِّ،
وهل الموجب للغسل من الحيض خروج الدم، أو انقطاعه، أو الخروج موجب عند الانقطاع؟ فيه ثلاثة أوجه:
صحح العراقيون والروياني: الأول.
والخراسانيون و (شرح المهذب): الثاني.
والأصح في (الروضة): الثالث.
وفي وجه رابع: أنه يجب بالخروج والانقطاع والقيام إلى الصلاة.
قال إمام الحرمين: ليس لهذا الخلاف ثمرة فقهية، وليس كذلك بل تظهر فائدته: فما لو استشهدت قبل انقطاعه .. لم تغسل على الثاني والثالث، وعلى الأول .. الوجهان في الجنب الشهيد.
وفيما إذا أجنبت – وقلنا: إنها تقرأ القرآن على القديم – فلها أن تغتسل عن الجنابة لاستباحة قراءة القرآن.
وفيما إذا قال لزوجته: إن وجب عليك غسل فأنت طالق، فحاضت.
فإن قلنا: يجب بالخروج .. طلقت به، وتستحب له الرجعة كالطلاق البدعي، ولا يأثم.
وإن قلنا: يجب بالانقطاع .. طلقت به، ويكون سنيا.
قال: (ونفاس)؛ لأنه دم حيض مجتمع.
قال: (وكذا ولادة بلا بلل في الأصح)؛ لأنه مني منعقد، ولأنه يجب بخروج الماء الذي يخلق منه الولد، فبخروج الولد أولى.
والثاني – وبه قال ابن أبي هريرة -: لا يجب به شيء؛ لما روى مسلم [343] عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الماء من الماء)، والولد لا يسمى ماء.
وَجَنَابَةٌ.
والمصنف حكى الخلاف وجهين تبعا للرافعي، وحكاه ابن يونس في (شرح التنبيه) قولين.
والوجهان جاريات في إلقاء العلقة والمضغة، والأصح فيهما أيضا: الوجوب.
وهل يصح غسلها بمجرد وضعها، أو لا يصح حتى تمضي ساعة؟ فيه وجهان.
الصحيح: الأول.
ولو ولدت في نهار رمضان ولم تر دما .. فالمذهب بطلان صومها، وقيل: لا يبطل؛ لأنها مغلوبة كالاحتلام، وقواه في (شرح المهذب) من جهة المعنى، وضعفه من جهة التعليل.
قال: (وجنابة)؛ للآية المتقدمة والإجماع.
و (الجنابة) في اللغة: البعد.
سمي بذلك ههنا؛ لأنه نهي عن قرب مواضع القرب، ويقال: رجلان جنب ورجال جنب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
ومن ﴿والْجَارِ الجُنُبِ﴾، وهو: الأجنبي.
﴿والصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾، هو: الصاحب في السفر، وقيل: الزوجة.
بِدُخُولِ حَشَفَةٍ أَوْ قَدْرِهَا.
وفي (السنن): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة ولا جنب).
والمراد به: الذي يترك الاغتسال من الجنابة عادة، فيكون أكثر أوقاته جنبا، وهذا يدل على قلة دينه وخبث باطنه.
والمراد بالملائكة: غير الحفظة، وغير ملائكة الموت.
قال: (بدخول حشفة أو قدرها) فرجا، لما روى مسلم [350] عن عائشة: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم بحضرتها، عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل: أيغتسل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا وهذه نفعله ثم نغتسل).
يقال: أكسل الرجل، إذا خالط أهله ولم ينزل.
وفي (الصحيحين) [349]: (إذا التقى الختانان .. فقد وجب الغسل).
و (التقاؤهما): تحاذيهما وإن لم يتضاما؛ لأن ختانها أعلى من مدخل الذكر.
فَرْجاً، وَبِخُرُوجِ مَنِيٍّ.
يقال: التقى الفارسان، إذا تحاذيا.
وذلك يحصل بغيبوبة الحشفة، فلو أولج بعضها .. لم يجب على الصحيح؛ لأن التحاذي لا يحصل بذلك.
والمراد: قدرها من المقطوع؛ لأنه قائم مقامها.
وقيل: لا بد من تغيب جميع الباقي، فلو كان الباقي، دون قدرها .. لم يجب الغسل به بالاتفاق، وهكذا الحكم في سائر الأحكام المتعلقة بالجماع.
ولا فرق في الإيلاج بين الناسي والمكره وغيرهما، ولا في الذكر بين أن يكون منتشرا أو لا، ولا بين أن يكون عليه خرقة أم لا في أصح الأوجه، والثالث: إن كانت خشنة تمنع الحرارة والرطوبة .. لم يجب الغسل، والا وجب، وهذه الأوجه تجري في جميع الأحكام.
قال: (فرجا) سواء كان قبلا أو دبرا، من ذكر أو أنثى، آدميا أو غيره، حيا أو ميتا، ولا يعاد غسل الميت مكلفا أو غيره، حلالا أو حراما، ولو سمكة، خلافا لأبي حنيفة في البهيمة والميتة.
ويستثنى الخنثى، فلا غسل بإيلاج حشفته، ولا بإيلاج في قبله، لا على المولج ولا على المولج فيه.
وفي الإيلاج في البهيمة وجه ضعيف ذكره الماوردي في الحدود.
قال: (وبخروج مني) ولو قطرة في يقظة أو منام، بجماع أو غيره، من رجل أو امرأة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء) رواه مسلم [343] وغيره.
والمراد: مني الإنسان نفسه، فلو استدخلت منيا ثم خرج .. فلا شيء على الصحيح.
والمراد: الخروج الكلي في حق الرجل البكر.
مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ،
أما الثيب .. فيكفي خروجه إلى باطن فرجها؛ لأنه في الغسل كالظاهر.
فلو أحس الرجل بانتقال المني .. فلا غسل حتى يتحقق خروجه، خلافا لأحمد.
ولو خرج المني بعد أن اغتسل .. لزمه إعادة الغسل، خلافا لمالك.
وقال أبو حنيفة: يجب إن لم يبل قبل الغسل.
وعن أحمد ثلاث روايات كالثلاثة.
و (المني) مشدد الياء.
سمي منيا؛ لأنه يمنى، أي: يصب، وسمع تخفيفه عن ابن الأعرابي.
قال: (من طريقه المعتاد) بالإجماع.
قال: (وغيره)، كما لو خرج من ثقبة في الذكر أو الخصية، كذا صححه في (الشرح) و (الروضة).
وقال المتولي: فيه التفصيل والخلاف في النقض بخارج من منفتح، وجزم بهذا في (التحقيق)، وصوبه في شرحي (المهذب) و (التنبيه)، ثم قال: قال أصحابنا: هذا في المني المستحكم، فإن لم يستحكم .. لم يجب بلا خلاف.
والصلب هنا كالمعدة هناك.
فروع:
احتلم ولم ير المني، أو شك: هل خرج منه شيء أم لا.
لم يلزمه الغسل.
وإن رأى المني ولم يذكر احتلاما .. لزمه الغسل؛ لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل: يجد البلل ولم يذكر احتلاما، قال:
وَيُعْرَفُ بِتَدَفُّقِهِ، أَوْ لَذَّةٍ بِخُرُوجِهِ، أَوْ رِيحِ عَجِينٍ رَطْباً وَبَيَاضِ بَيْضٍ جَافّاً،
(يغتسل)، وعن الرجل يرى أنه احتلم ولم يجد البلل، فقال: (لا غسل عليه) رواه الدارمي [792] وأبو داوود [240] والترمذي [113] وغيرهم، لكنه ضعيف ويغني عنه حديث أم سلمة الآتي.
وإذا رأى في ثوبه منيا أو في فراش لا ينام فيه غيره، ولم يذكر احتلاما .. وجب عليه الغسل على الصحيح المنصوص، وتجب إعادة كل صلاة لا يحتمل حدوث المني بعدها.
وأطلق الجمهور المسألة، وقيدها الماوردي بما إذا رأى المني في باطن الثوب، فإن رآه في ظاهره .. فلا غسل لاحتمال أنه أصابه من غيره، ولأن لبن الخفاش يشبه مني الآدمي في لونه ورائحته، وفي ذلك قصة غريبة اتفقت لأبي يوسف مع أبي حنيفة.
قال: (ويعرف بتدفقه) أي: انصبابه، بأن يخرج بتزريق، ولا يسيل دفعة واحدة سيلانا متصلا، كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾.
أي: مدفوق، كما قالوا: سر كاتم، أي: مكتوم.
قال: (أو لذة بخروجه).
(اللذة): نقيض الألم ن وهي: ما تستطيبه النفس.
يقال: لذه ولذ به يلذ لذا ولذاذة، وعلامتها: أن يعقبها فتور وانكسار الشهوة.
قال: (أو ريح عجين رطبا وبياض بيض جافا)؛ لأنه لا توجد صفة من هذه الثلاثة في خارج غيره، فأي صفة وجدت منها .. كفت.
وقوله: (رطبا وجافا) حالان من المني، لا من العجين وبياض البيض.