النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 479-518
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هو في اللغة: حل القيد والإطلاق، يقال: ناقة طالق، أي: مرسلة ترعى حيث شاءت.
وفي الشرع: اسم لحل قيد النكاح، وهو لفظ جاهلي ورد الشرع باستعماله يقال: طلقت المرأة بفتح اللام على الأصح- ويجوز ضمها- تطلُق بالضم فيهما فهي طالق وطالقة.
قال الأعشى في (ديوانه)] 216 [من (الطويل): أجارَتَنا بِينِي فإنك طالقة .... كذاك أمور الناس غاد وطارقة والأصل فيه من الكتاب العزيز قوله:} الطَّلَقُ مَرَّتَانِصلى ﴿. وقوله:﴾ يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ {. ومن السنة النبوية: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها) رواه ابن عساكر] 3/ 204 [وغيره، وروى الحاكم] 2/ 196 [والدارقطني] 4/ 35 [وأبو داوود] 2171 [والحافظ المنذري] 2/ 719 [: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق).
وفي (الصحيحين)] خ 3331 - م 1468 [حديث: (المرأة خلقت من ضلع إن أقمتها .. كسرتها، وإن تركتها .. استمتعت لها على عوج فيها وكسرها طلاقها) ولا خلاف بين المسلمين فيه.
قال: (يشترط لنفوذه التكليف) فلا يقع طلاق الصبي ولا المجنون تنجيزاً ولا تعليقاً؛ لأن عبارتهما غير معتبرة، والقلم مرفوع عنهما فلا يلزمهما حكم.

إِلاَّ السَّكْرَانَ  وفي (الترمذي)] 1191 [موقوفاً: (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه).
وكذلك الحكم في كل زائل العقل، لكن قد يتصور طلاق النائم والمغمى عليه والمجنون فيما إذا علق طلاقها في حال التكليف بصفة فوجدت وهو غير مكلف.
ويشترط الاختيار، فلا ينفذ من المكره كما سيأتي.
قال: (إلا السكران) فإنه ينفذ طلاقه في الأظهر؛ لإجماع الصحابة على مؤاخذته بالقذف، وهذا الاستثناء من زيادته على (المحرر) و (الشرحين).
قال في (الروضة): كذا اقتصر عليه الغزالي وغيره، وقد يورد عليه السكران؛ فإنه يقع طلاقه على المذهب وهو غير مكلف كما قاله أصحابنا وغيرهم في كتب الأصول، ولكن مرادهم أنه غير مخاطب حال السكر، ومرادنا هنا: أنه مكلف بقضاء العبادات بأمر جديد.
اهـ وما قاله عن الأصوليين فيه نظر، فجمهورهم على أنه مكلف وهو المنصوص،

وَيَقَعُ بِصَرِيحِهِ بِلاَ نِيَّةٍ، وَبِكِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ:  وبه صرح الجويني والقاضي حسين في (باب الأذان)، وابن الصباغ والجرجاني وابن أبي عصرون وصاحب (الإستقصاء) وغيرهم في هذا الباب، فالصواب: حذف هذا الاستثناء.
قال: (ويقع بصريحه بلا نية) حتى لو قال: لم أنو به طلاقاً .. لم يقبل بالإجماع، واحتج له الخطابي بقوله تعالى:} وَلاَ تَتَّخِذُ?اءَايَتِ الله هُزُواًج {، ولأنا لو لم نقل بذلك .. لتعطلت الأحكام، ولم يخالف في ذلك إلا داوود؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (الأعمال بالنيات).
فإن قيل: قول الغزالي: (لا بد من قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق) كيف يجمع بينه وبينقولهم: الصريح لا يحتاج إلى نية؟ .. أجاب الشيخ بأنه لا منافاة بين الكلامين؛ فإنه احترز بـ (قصد اللفظ) عن سبق اللسان ومن جريان اللفظ من النائم والعجمي الذي لا يعرف مدلوله.
وقوله: (لمعناه) يريد به المعنى الذي وضع له، وليس المراد اشتراط نية الطلاق كما في الكناية، بل إذا قال: أنت طالق .. فيه ثلاثة أشياء: النظق بالحروف وكونها مستعملة في معناها وقصد إيقاع الطلاق.
فقصد إيقاعه لا يشترط وهو الذي يحتاج إليه في الكناية دون الصريح، وقصد اللفظ لا بد منه، واستحضار معناه شرط أيضاً وهو المراد بقوله: (لمعنى الطلاق) أي: مستعملاً لمعناه لا من حيث إرادة الإيقاع بل قصد أن ينطق بهذا اللفظ مستعملاً له في معناه.
نعم؛ يستثنى المكره، فصريح الطلاق كناية في حقه، إن نوى به .. وقع، وإلا .. فلا على الأصح.
قال: (وبكناية بنية)؛ لما روى البخاري] 5254 [عن عائشة: أن ابنة الجون لما

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم .. قالت: أعوذ بالله منك، قال: (لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك) فكان ذلك طلاقاً لها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أراد الفراق، فإن لم ينوه .. لم يقع بالإجماع.
ووقع في (الوسيط) في أول (كتاب النكاح): أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها .. علمها نساؤه أن تقول له ذلك عند لقائه، وقلن: هذه كلمة تعجبه، فاتفق ما اتفق وهذه الزيادة في (طبقات ابن سعد)] 8/ 144 [بإسناد ضعيف.
وروى الشافعي] أم 7/ 236 [عن مالك بلاغاً: أن رجلاً على عهد عمر يطوف إذ لقيه الرجل فسلم عليه فقال: من أنت؟ قال: أنا الذي أمرت بحملي إليك، فقال: أَنشدك برب هذا البيت هل أردت بحبلك على غاربك الطلاق؟ فقال لو استحلفتني على غير هذا المكان .. ما صَدَقْتُك، أردت الفراق، فقال عمر: هو ما أردت، بانت منك امرأتك.
ومن (الصحيحين)] خ 4418 - م 2769 [: أن كعب بن مالك قال لامرأته: الحقي بأهلك حتى يقضي الله ما يشاء، ولم يقع به طلاق؛ لأنه لم ينوه، فكذا بقية الكنايات.
وعن ابن سيرين ومالك: أن الطلاق يقع بمجرد النية من غير احتياج إلى لفظ، ويرد عليهما ما في (الصحيحين)] خ 2528 - م 127 [: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به) فهذا الحديث حجة لعدم المؤاخذة بذلك في كل ما له متعلق في الخارج.
وأما ما لا متعلق له في الخارج من أعمال القلوب .. فمنها ما يؤاخذ به قطعاً ولا يندرج تحت الحديث.
قال الشيخ: وكثير من الناس يغلطون فيه ويجرون القسمين مجرىً واحداً، حتى رأيت شيخنا الشيخ علم الدين العراقي صنف كتاباً في المؤاخذة بالعزم، وذكر من القرآن أربع مئة وخمسين موضعاً يدل له، وأكثرها مما هو من أعمال القلوب.

فَصَرِيحُهُ: الطَّلاَقُ، وَكَذَا الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ عَلَى الْمَشْهُورِ  تنبيهات: أحدها: المراد بالكناية: ما احتمل معنيين فصاعداً، وهي في بعض المعاني أظهر، كذا قاله الرافعي في آخر الركن الرابع.
الثاني: يستثنى السكران؛ فإنه لا يقع طلاقه بالكناية، قاله في (المطلب) ونوزع فيه.
الثالث: لنا طلاق يقع على زوج من غير لفظ صريح ولا كناية، وهي: إذا اعترف الزوج بفسق شاهدي العقد وأنكرته المرأة كما تقدم.
وكذلك إذا زوج الأمة ثم قال: نكحتها وأنا واجد طَول حُرة .. فإنه يجعل طلاقاً، بخلاف ما إذا ادعت المرأة زوجية رجل فأنكر .. لم يكن طلاقاً على الأظهر، ولم يحل لها نكاح غيره، كذا في (فتاوى القفال).
قال: (فصريحه: الطلاق)؛ لإجماع العلماء عليه، المراد: ما اشتق من لفظه من فعل واسم فاعل واسم مفعول.
قال: (وكذا الفراق والسراح على المشهور)؛ لورودهما في القرآن وتكررهما على ألسنة حملة الشرع.
وفي (مراسيل أبي داوود)] 220 [: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى:} الطَّلَقُ مَرَّتَانِصلى ﴿قيل: أين الثالثة يا رسول الله؟ قال:﴾ أَوْ تَسْرِيُح بِإِحْسَنٍ {فسماه الشارع طلاقاً وهذا هو الجديد.
والثاني: أنهما كنايتان؛ لاستعمالهما فيه وفي غيره كالحرام، وهذا قديم، ولا فرق في ذلك بين المسلم والكافر، فلو قال الكافر: لم أرد بالطلاق معناه .. لم يسمع.

كطلقتك وأنت طالق ومطلقة ويا طالق، لا أنت طلاق والطلاق في الأصح ...

 تنبيهان: أحدهما: تقدم أن لفظ الخلع مع ذكر المال صريح، وكذا إن يذكر معه المال على مقتضى تفريغ الأكثرين وإن كان في (الروضة) خلافه، فكان ينبغي أن يذكره هنا كما فعل في (المحرر).
الثاني: تستثنى مسألتان لا يكون لفظ الطلاق فيهما صريحاً مع النية: إحداهما: لو لقن كلمة الطلاق بلغة لا يعرفها ولم يعلم أن معناها الطلاق ولكن نوى بها قطع النكاح .. فإنه لا يقع، كما لو خاطبها بكلمة لا معنى لها وقال: أردت بها الطلاق.
والثانية: العجمي إذا قال: أنت طالق وقال: أردت بهذه اللفظة مدلولها بالعربية .. لا يقع على الأصح؛ لأنه لا يعلم معناها، وهذا غريب لفظ أريد به معناه ولا ينفذ؛ لجهله بأن الكلمة موضوعة لذلك المعنى.
قال: (كطلقتك وأنت طالق ومطلقة) أي: بتشديد اللام (ويا طالق) ومثله يا مطلقة، فصراحة (طلقتك) و (أنت طالق) بالإجماع، وأما (أنت مطلقة) و (يا طالق) .. فعن أبي حنيفة: أنهما ليسا بصريح، وعندنا وجه مثله، لكن صراحة (يا طالق) محله فيمن لم يكن اسمها، فإن كان اسمها طالق .. فهو كناية.
قال: (لا أنت طلاق والطلاق في الأصح) بل هما كنايتان؛ لأن المصادر غير موضوعة للأعيان، لكنها قد تجيء بمعنى اسم الفاعل كقوله تعالى:} قُلْ أَرَيَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً {أي: غائراً، قال الشاعر (من الطويل): فأنت طلاق والطلاق عزيمة .... ثلاثاً ومن يخرق أعق وأظلم فبيني بها أن كنت غير رفيقة .... فما لامرىء بعد الثلاثة مقدم والوجه الثاني: أنهما صريحان كيا طالق، وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لأن لفظ الطلاق لا يطلق كيف ما فرض إلا للفراق، فإذا جرى على خلاف المألوف .. فالاعتبار بأصل الكلمة، ويجريان في (أنت طلقة) وفي (أنت الفراق والسراح).

وترجمة الطلاق بالعجمية صريح على المذهب.
وأطلقتك وأنت مطلقة كناية.
وَلَوِ اشْتَهَرَ لَفَّظُ الطَّلاَقِ كَالْحَلاَلِ أَوْ حَلاَلُ اللهِ عَلَىَّ حَرَامٌ .. فَصَرِيحٌ فِي الأَصَحِّ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ

 قال: (وترجمة الطلاق بالعجمية صريح على المذهب) وكذا سائر اللغات؛ لشهرة استعمالها في معناها عند أهل تلك اللغة.
والثاني: ليست صريحة؛ لأن اللفظ الوارد في القرآن عربي.
قال: (وأطلقتك وأنت طالق) أي: بإسكان الطاء فيهما وتخفيف اللام (كناية)؛ لعدم الاشتهار، وقيل: صريح؛ لتقارب الإطلاق والتطليق كالإكرام والتكريم.
قال: (ولو اشتهر لفظ الطلاق كالحلال أو حلال الله علىَّ حرام .. فصريح في الأصح)؛ لغلبة الاستعمال وحصول الفهم، ونظيره: أنت علي حرام، والحرام يلزمني، وعليَّ الحرام، ووافق ابن الرفعة الرافعي في ذلك.
قال: (قلت: الأصح: أنه كناية والله أعلم)؛ لأنها لم تتكرر في القرآن ولا على ألسنة حملة الشرع، هذا عليه الأكثرون، وهو منصوص (الأم) والبويطي، وللخلاف التفات إلى أن الاصطلاح الخاص هل يقضى به كالاصطلاح العام؟ وأصله مسألة صداق السر والعلانية.
قال الروياني: كان القفال يقول إذا استفتي عن هذه المسألة: إذا سمعت غيرك حلف بهذا ما كنت تفهم منه؟ إن فهمت منه الصريح .. فصريح لك، واختار هذا الأستاذ أبو إسحق وكثير من فقهاء خراسان، ومما تعم به البلوى: عليّ الطلاق والطلاق يلزمني.
وفي (شرح الكفاية) للصيمري: أن ذلك صريح، وهو الصواب المفتى به في هذا الزمان؛ لاشتهاره في معنى التطليق.
وأفتى الشيخ الطوسي تلميذ محمد بن يحيى وابن الصلاح بعده بأنه لا يقع بذلك شيء؛ لخروج اللفظ عن صيغة الاشتراط.

وَكِنَايَتُهُ كَأَنْتِ خَلِيَّةٌ، بَتَّةٌ، بَتْلَةٌ، بَائِنٌ، اعْتَدِّي، اسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ،  وفي (البحر) عن (المنثور) للمزني: إن نوى .. كان طلاقاً، وإلا .. فلا.
قال: (وكنايته كأنت خلية) أي: من الزوج، فعيلة بمعنى فاعلة؛ أي: خالية، وجعلت كناية؛ لاحتمال أنها خالية من غيره.
والكناية تنقسم إلى خلية وحفية، فالخلية: التي يكثر استعمالها في الفراق وهذه منها، والحفية بعد ذلك.
قال: (برية) أي: من عصمتي وزوجيتي.
قال: (بتة) أي: مقطوعة الوصلة من نكاحي.
وفي الحديث: أن ركانة بن عبد يزيد طلق زوجته سهيمة بنت عويمر البتة، فاستحلفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما أردت إلا واحدة فجعلها واحدة، ثم طلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان، رواه الشافعي (شم 1/ 153) والراقطني] 4/ 33 [وأبو داوود] 2189 [والترمذي] 1177 [وابن ماجه] 2501 [والحاكم] 2/ 199 [وقال: صحيح، وقال البخاري وأحمد: إنه مضطرب الإسناد.
وفي (شرح أدب الكاتب): أن سيبويه قال: لا يجوز إلا البتة بالألف واللام، وأجاز الفراء بتة بغير ألف ولام.
قال (بتلة) أي: متروكة النكاح، ومنه نهي عن التبتل.
والمرأة البتول: المنقطعة عن الرجال التي لا شهوة لها فيهم، وبها سميت مريم أم المسيح عليهما السلام، وسميت فاطمة البتول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها فضلاً وديناً وحسباً، وقيل: لانقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى.
قال: (بائن) أي: مفارقة من البين وهو الفراق.
وبائن هي اللغة الفصيحة كطالق، ويجوز في لغة قليلة بائنة.
قال: (اعتدي، استبرئي رحمك) هذان اللفظان يحتاجان لإضمار؛ لأن الاستعداد والاستبراء من آثار الطلاق فذكرهما يقتضي إضمار الطلاق لاستحالة وجودهما بدونه وكأنه قال: اعتدي واستبرئي؛ لأني طلقتك، وسواء المدخول بها وغيرها.

اَلْحَقِي بِأَهْلِكِ، حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، لاَ أَنْدَهُ سَرْبَكِ، اعْزُبِي، اغْرُبَي، دَعِينِي، وَدِّعِينِي، وَنحْوِهَا  وقيل: إن لم يدخل بها .. لم يقع به طلاق وإن نوى.
قال: (اِلحقي بأهلك) سواء كان لها أهل أم لا؛ لحديث كعب بن مالك المتقدم، وهو بكسر الهمزة وفتح الحاء.
قال: (حبلك على غاربك) أي: خليت سبيلك بالطلاق كما يخلى البعير بالصحراء بإلقاء زمامه على غاربه، وهو ما تقدم من الظهر وارتفع من العنق.
قال: (لا أنده سربك) أي: تركتك فلا أهتم بشأنك؛ لأني طلقتك.
ومعنى (أنده) أزجر، و (السرب) بفتح السين: الإبل.
وكان هذا طلاقهم في الجاهلية، كانوا إذا قال أحدهم ذلك لامرأته .. بانت منه، لكنها الآن كناية خفية؛ لقلة استعمالها، وألحق بها ابن الصباغ قوله لها: سلام عليك؛ لأنه يستعمل عند الفراق، ولذلك قالها إبراهيم عليه لأبيه؛ لأنها تحية مفارق، ولذلك قال النقاش: حليم خاطب سفيهاً مثل:} وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَماً {. قال: (اعزبي، اغربي) الأولى بعين مهملة وزاي؛ أي: ابعدي، والثانية بمعجمة وراء مهملة؛ أي: صبري غريبة مني وفيه معنى البعد.
قال: (دعيني) أي: اتركيني.
قال: (ودِّعيني) من الوداع.
قال: (ونحوها) أشار به إلى أن ألفاظ الكنايات لا تنحصر في ذلك، فمنها: أنت كالميتة، واستتري، وتقنعي، وتجرعي، وابعدي، واذهبي، وتجردي، وتزودي، واخرجي، وسافري.
ومنها: لفظ العفو والإبراء، فإذا قال: عفوت عنك، أو أبرأتك، ونوى الطلاق .. وقع، ولا تكاد ألفاظها تنحصر.
وقال جد الروياني: إذا قال: أوقعت الطلاق في قميصك أو ثوبك .. كان كناية.

وَالإِعْتَاقُ كِنَايَةُ طَلاَقٍ وَعَكْسُهُ، وَلَيْسَ الطَّلاَقُ كِنَايَةَ ظِهَارٍ وَعَكْسُهُ  وعد ابن القاص منها: أغناك الله؛ لقوله تعالى:} وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلَاً مِّن سَعَتِهِج {. واحترز بقوله: (ونحوها) عما لا إشعار له بالطلاق ككلي واشربي، فلا يقع به طلاق وإن نواه؛ لأن مثل ذلك لا يعبر به عنه، وعما إذا أضاف إلى الكناية ما يدل على المراد كقوله: أنت بائنة بينونة لا تحلي لي أبداً .. فإنه لا يخرجه بذلك عن الكناية، بخلاف ما تقدم في (الوقف) أنه إذا قال: تصدقت بكذا .. كان كناية فإن زاد: لا يباع ولا يوهب .. فالأصح: صراحته.
وعلم من إطلاق المصنف أن الكنايات لا تلحق بالصرائح بسؤال المرأة الطلاق، ولا بقرينة اللجاج والغضب؛ لأن اللفظ محتمل في نفسه، وقد يقصد المتكلم باللفظ خلاف ما تشعر به القرينة، وألحق مالك وأحمد الكنايات بالصرائح بذلك.
قال: (والإعتاق كناية طلاق وعكسه)؛ لأن كلاً منهما وضع لإزالة الملك فناب أحدهما مناب الآخر، فصريح العتق كناية في الطلاق بلا خلاف.
وأما صرائح الطلاق وكناياته .. فهي عندنا كناية في العتق، فإذا قال لأمته: أنت طالق أو طلقتك ونوى العتق .. عتقت، خلافاً لأبي حنيفة إلا في قوله: لا ملك لي عليك، أو لا سلطان؛ فإنه يوافق على أنهما كناية في العتق.
ويستثنى لفظ الاعتداد واستبراء الرحم فلا يعتق بهما العبد؛ لاستحالة معناهما في حقه بخلاف الأمة، وكذلك يستثنى إذا قال لعبده أو أمته: أنا منك حر، أو أعتقت نفسي ونوى العتق .. فالأصح: لا عتق بخلاف الزوجة؛ لأن الزوجية تشمل الجانبين، بخلاف الرق؛ فإنه يختص بالمملوك.
ولو وكل سيد الأمة زوجها في عتقها فطلقها أو أعتقها وقال: أردت به الطلاق والعتق معاً .. وقعا ويصير كإرادة الحقيقة والمجاز باللفظ الواحد.
قال: (وليس الطلاق كناية ظهار وعكسه)؛ لأن كل واحد منهما وجد نفاذاً في موضوعه فلا يعمل في غيره بالنية.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ، أَوْ حَرَّمْتُكِ وَنَوَى طَلاَقاً أَوْ ظِهَاراً .. حَصَلَ، أَوْ نَوَاهُمَا .. تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ- وَقِيلَ: طَلاَقٌ، وَقِيلَ: ظِهَارٌ- أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا .. لَمْ تَحْرُمْ  قال: (ولو قال: أنت علي حرام، أو حرمتك ونوى طلاقاً أو ظهاراً .. حصل) أي: ما نواه فيهما؛ لأن التحريم ينشأ عن الطلاق وعن الظهار بعد العود، فصحت الكناية عنهما من باب إطلاق المسبب على السبب.
وفي وجه: لا يقع به الطلاق إذا قلنا: إنه صريح في اقتضاء الكفارة، فإن قال: أنت حرام ولم يقل: عليَّ .. فهو كناية بلا خلاف، وإن قال: أنت علي كالميتة أو الدم أو الخنزير أو الخمر .. فكما لو قال: أنت علي حرام.
قال: (أو نواهما .. تخير وثبت ما اختاره)؛ لاستحالة توجه القصد إلى الظهار واللاق، وللإمام احتمال أن لا يقع واحد منهما.
هذا إذا نواهما دفعة، فإن نواهما مرتباً .. فعن ابن الحداد: إن تقدم الظهار .. حصلا، أو الطلاق .. فالظهار موقوف، فإن راجع .. فصحيح والرجعة عود، وإلا .. فلغو.
وقال الشيخ أبو علي: لا فرق بين أن ينويهما دفعة أو مرتباً، ووافقه على ذلك الرافعي في (الشرح الصغير)، وكذلك أطلق في (المحرر) وتبعه المصنف.
قال: (وقيل: طلاق)؛ لأنه أقوى إذ هو يزيل الملك.
قال: (وقيل: ظهار)؛ لأن الأصل بقاء النكاح، والتصريح بهذين الوجهين من زوائد المصنف على (المحرر)؛ فإنه جعل التخيير أظهر ولم يذكر مقابله.
ووجه رابع: يثبت ما أقر به أولاً، فإن قال: أردت الطلاق والظهار .. وقع الطلاق، وإن قال: أردت الظهار والطلاق .. لزمه الظهار.
قال: (أو تحريم عينها .. لم تحرم)؛ لأن الأعيان لا توصف بذلك.
وفي (سنن النسائي)] 6/ 151 [عن ابن عباس: أن رجلاً قال له: إني جعلت امرأتي علي حراماً فقال: كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا:} يَأَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَ اللهُ لَكَصلى {الآية.

وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَذَا إِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ فِي الأَظْهَرِ، وَالثَّانِي: لَغْوٌ.
وَإِنْ قَالَهُ لِأَمَتِهِ وَنَوَى عِتْقَهَا .. ثَبَتَ، أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا أَوْ لاَ نِيَّةَ .. فَكَالزَّوْجَةِ  وكذلك الحكم لو نوى تحريم فرجها أو وطئها، وكذا لو قال لها: الحل منك علي حرام.
قال: (وعليه كفارة يمين)؛ لقوله تعالى:} قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَنِكُمْج ﴿. وروى النسائي] سك 8857 [عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم مارية على نفسه .. أنزل الله تعالى الآية.
وقاس الشافعي تحريم الزوجة على تحريم الأمة.
والمراد: مثل كفارة اليمين، وليست هذه يميناً، وما وقع في (الوسيط) من كونها يميناً خلاف الصواب؛ لأن اليمين لا تنعقد إلا باسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته.
ثم هل تجب الكفارة في الحال أو بعد الوطء؟ وجهان: أصحهما: الأول؛ لأن الله تعالى فرضها دون شرط الإصابة.
قال: (وكذا إن لم تكن نية في الأظهر)؛ لعموم ما تقدم من تحريم مارية.
وفي (الصحيحين)] خ 4911 - م 1473 [عن ابن عباس: أنه كان يقول: في ذلك كفارة يمين وقال:﴾ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ {، ولأن لفظة التحريم صريحة في وجوب الكفارة فلا معنى للنية.
وروى البيهقي] 7/ 351 [: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية أمر كل من حرم على نفسه ما كان حلالاً أن يعتق رقبة أو يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم).
قال: (والثاني: لغو)؛؟ لأنه لو كان صريحاً .. لما انصرف إلى غيره بالنية.
وفي قول: يجب في الأمة دون الزوجة للآية.
قال: (وإن قاله لأمته ونوى عتقها .. ثبت)؛ إذ الأعمال بالنيات، وهذا لا خلاف فيه.
قال: (أو تحريم عينها أو لا نية .. فكالزوجة) فلا تحرم، وعليه كفارة يمين في الأولى وكذا في الثانية على الأظهر.

وَلَوْ قَالَ: هَذَا الثَّوْبُ أَوِ الطَّعَامُ أَوِ الْعبْدُ عَلَيَّ حَرَامٌ .. فَلَغْوٌ  كل هذا في أمة تحل له، فإن كانت محرمة عليه على التأييد كالأخت .. لم يلزمه شيء؛ لصدقه في وصفها، وإن كانت معتدة أو مرتدة أو مجوسية أو مزوجة أو صائمة أو حائضاً أو نفساء .. فثلاثة أوجه: أحدها: أن الجواب كذلك.
الثاني: تجب الكفارة.
والثالث: أن التحريم إن كان سريع الزوال كالصوم والحيض والنفاس .. وجبت، وإن كان بطيئه كالنكاح والعدة .. لم تجب.
ويجري الخلاف فيما إذا قال لزوجته وهي متصفة بشيء من هذه الصفات التي يمكن اتصافها به كعدة الشبهة والإحرام، ولو خاطب الرجعية به .. لم يلزمه شيء.
قال: (ولو قال: هذا الثوب أو الطعام أو العبد علي حرام .. فلغو) لا يتعلق به كفارة ولا غيرها؛ لما روى الترمذي] 3054 [عن ابن عباس: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إني إذا أصبت اللحم .. انتشرت للنساء وأجد شهوة، وإني حرمته على نفسي، فأنزل الله تعالى:} يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ {وقال: حسن غريب.
وحكى ابن الصلاح في (طبقاته) عن أبي عبيد علي بن الحسين بن حربويه: أنه أوجب الكفارة على من حرم ذلك، وسوى بينه وبين تحريم البضع من الزوجة.
فروع: قال: كل ما أملكه حرام علي، وله زوجات وإماء ومال، ونوى تحريمهن أو أطلق وجعلناه صريحاً، أو قال لأربع زوجات: أنتن علي حرام .. اكتفى في الجميع بكفارة واحدة على المذهب.
ولو قال لزوجته: أنت حرام مراراً ونوى تحريم عينها أو لم ينوه، فإن كان في مجلس .. كفته كفارة واحدة، أو مجالس وأراد التأكيد .. فكذلك، وإن أراد الاستئناف .. فالأصح: أن عليه لكل مرة كفارة، وإن أطلق .. ففي تعددها قولان.

وَشَرْطُ نِيَّةِ الْكِنَايَةِ: اقْتِرَانُهَا بِكُلِّ اللَّفْظِ،  ولو قال: متى ما قلت لامرأتي: أنت علي حرام فإني أريد الطلاق، ثم قال لها ذلك بعد مدة .. فالأصح: أنه كما لو ابتدأ؛ لاحتمال أن نيته تغيرت.
ولو قال: انت طالق ثلاثاً أوْ لا- بإسكان الواو- لم يقع شيء كما لو قال: هل أنت طالق.
ولو قال: أنت طالق أوَّلاً- بتشديد الواو- وهو يعرف العربية .. طلقت، والمعنى: أنت أوَّلةٌ في الطلاق.
ولو قال: لست لي بزوجة .. فوجهان: أحدهما: لا يقع شيء.
وأصحهما: أنه كناية.
ولو قال: أنت طال ولم ينطق بالقاف .. طلقت؛ حملاً على الترخيم، وقال البوشنجي: ينبغي أن لا تطلق وإن نوى.
حادثة: سئل الشيخ عن رجل قا لزوجته: الطلاق يلزمني ما تكوني لي يا امرأة، فقال: تطلق بذلك الطلاق الذي حلف، إن كان ثلاثاً .. فثلاث، وإن كان واحدة .. فواحدة.
ونظير المسألة: ما أفتى به ابن الصلاح أنه لو قال لجماعة عند سفره: اشهدوا عليَّ أني إن غبت عنها سنة فما أنا لها بزوج ولا هي لي بامرأة .. فأجاب بأن هذا في الظاهر إقرار بزوال الزوجية بعد سنة، فيحكم بصحته ظاهراً ولها التزوج بعد انقضاء عدتها، وأما باطناً فيتوقف على أن يكون نوى الطلاق بذلك، أو وجد منه سبب من أسباب الفرقة.
قال: (وشرط نية الكناية: اقترانها بكل اللفظ)؛ لأنها إذا قارنت البعض .. فالذي قارنته غير مستقل بالإفادة.
وقيل: يشترط اقترانها بأوله؛ إذ بذلك يعرف قصده من اللفظ ويلحق بالصريح،

وَإِشَارَةُ نَاطِقٍ بِطَلاَقٍ لَغْوٌ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ.
وَيُعْتَدُّ بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ فِي الْعُقُودِ وَالْحُلُول، فَإِنْ فَهِمَ طَلاَقَةُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ .. فَصَرِيحَةٌ، وَإِنِ اخْتَصَّ بِهَا فَطِنُونَ .. فَكِنَايَةٌ  ولا يضر أن تعزب في آخره، وهذا رجحه في (الشرح الصغير)، ونقل ترجيحه في (الكبير) عن الإمام والغزالي، وهو المفتى به خلاف ما وقع في الكتاب، ولم يتعرضوا لاقترانها بوسط اللفظ كما إذا اقترنت بالتاء من أنت وبالياء من بائن.
وقضية ما ذكره الرافعي عن المتولي من تشبيه الخلاف هنا بالخلاف في الجمع بين الصلاتين: أن يأتي خلاف هنا أيضاً في الاكتفاء بها في الوسط كما هو في الجمع بين الصلاتين، وبه صرح في (التتمة) و (البيان).
قال: (وإشارة ناطق بطلاق لغو) وإن أفهم بها كل أحد؛ لأن عدوله عن العبارة إلى الإشارة يوهم أنه غير قاصد للطلاق.
قال: (وقيل: كناية)؛ لحصول الإفهام بها كما كتب.
وفي ثالث: إن وقعت جواباً للسؤال بأن قالت: طلقني فأشار بيده اذهبي ونوى .. كان كناية، وإلا .. فلا.
قال: (ويعتد بإشارة الأخرس في العقود والحلول)؛ لما تقدم في البيع، وسواء أمكنه الكتابة أم لا، وقيل: إن أحسنها .. فكإشارة الناطق.
ودخل في الحلول والفسوخ ما أشبهها من الطلاق والعتاق ونحو ذلك، وكذلك يعتبر في الأوقارير والدعاوى، وقد تقدم ما يستثنى من ذلك.
قال: (فإن فهم طلاقه بها كل أحد .. فصريحة، وإن اختص بها فطِنون .. فكناية) كما في لفظ الناطق، فإذا لم يفهم .. فلا اعتبار بها قطعاً، ومن الأصحاب من جعل إشارته صريحة مطلقاً.
و (الفطنون) جمع فطن وهو: الفاهم، وضده الغبي، ومن الأمثال الشهيرة: البطنة تذهب الفطنة.
وإذا كتب الأخرس الطلاق .. فالأصح: أنه كناية في حقه؛ لاحتمال تجربة القلم.

وَلَوْ كَتَبَ نَاطِقٌ طَلاَقاً، وَلَمْ يَنْوِهِ .. فَلَغْوٌ، وَإِنْ نَوَاهُ .. فَالأَظْهَرُ: وُقُوعُهُ، فَإِنْ كَتَبَ: إِذَا بَلَغَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ .. فَإنَّمَا تَطْلُقُ بِبُلُوغِهِ،  قال: (ولو كتب ناطق طلاقاً، ولم ينوه .. فلغو)؛ إذ لا لفظ ولا نية ويحتمل تجربة القلم، وقيل: تطلق ويكون ذلك صريحاً؛ لأن الكتابة أحد الخطابين.
وصورة مسألة الكتاب: أن لا يتلفظ بما كتبه، فإن تلفظ بها واقترنت به نية .. طلقت جزماً قال: (وإن نواه.
ز فالأظهر: وقوعه)؛ لأنها قويت بالنية.
والثاني: لا؛ لأنه فعل من قادر على القول فلم يقع بها الطلاق كإشارته، وقطع بهذا قوم، وبالأول آخرون، فكان ينبغي أن يعبر بـ (المذهب)، لكن المصحح طريقة القولين، والأصح: طردهما في الغائب والحاضر.
وضابط المكتوب عليه: كل ما ثبت الخط عليه من كاغد ولوح ورَقٍّ وثوب وحجر وعظم ونحوه، سواء كتب بحبر أو مداد أو غيرها، أو نقر صورة الأحرف في خشب أو حجر، وكذا لو خط على الأرض.
فلو رسم صورة الحروف في الماء والهواء .. فليس ذلك بكتابة على المذهب، وقال الإمام: لا يمتنع أن يلحق ذلك بإشارة القادر، ونازعه الرافعي فيه.
قال: (فإن كتب: إذا بلغك كتابي فأنت طالق .. فإنما تطلق ببلوغه) وكذا إذا جاءك ووصل إليك؛ لأنه تعليق، لكن المراد ببلوغه على صفته، ووراء ذلك أحوال: أحدها: أن يصل وقد انمحى جميع ما فيه بحيث لا تمكن قراءته .. فلا تطلق على الصحيح.
الثاني: أن ينمحي ويبقى أثره بحيث تمكن قراءته .. فتطلق.
الثالث: أن يصل بعض القرطاس دون بعض، فإن كات الضائع موضع الطلاق .. لم تطلق؛ لأن الذاهب مقصود الكتاب فلم ينطلق الاسم على الباقي، أو لأن الكتاب اسم لجميع أجزائه ولم يأتها جميعه.

وَإِنْ كَتَبَ: إِذَا قَرَاتِ كِتَابِي- وَهِيَ قَارِئَةٌ- فَقَرَأَتْهُ .. طَلَقَتْ، وَإِنْ قُرِىءَ عَلَيْهَا .. فَلاَ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَارِئَةً فَقُرِىءَ عَلَيْهَا .. طَلَقَتْ  وفي وجه: يقع؛ لأن الكتاب قد جاء.
وقيل: إن كتب إذا بلغك كتابي هذا الكتاب .. لم تطلق، وإلا .. طلقت.
وإن كان الذاهب السوابق واللواحق كالبسملة والحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .. فالأصح: الوقوع أيضاً.
فروع: كتب: إذا أتاك طلاقي فأنت طالق.
ز طلقت، وإن أتاها غيره .. فلا، وإن كتب: إذا أتاك نصف كتابي فأتاها كله .. ففي الوقوع وجهان، أصحهما عند المصنف: نعم.
ولو ادعت أن كتابه وصل إليها بالطلاق فأنكر الكتابة .. صدق بيمينه، فإن أقامت بينة أنه خطه .. لم تسمع إلا أن يراه الشاهد يكتبه ويحفظه معه بحيث لا يغيب عنه إلى حين الشهادة؛ لاحتمال التزوير.
قال: (وإن كتب: إذا قرأت كتابي- وهي قارئة- فقرأته .. طلقت)؛ لوجود المعلق عليه، سواء تلفظت بذلك أم لا، بل يكفي فهم ذلك، وهذا ميل للمعنى لا للفظ وهو يخالف ما سيأتي، فإن قرأت بعضه .. فكما لو وصل إليها بعض الكتاب دون بعض.
قال: (وإن قرئ عليها .. فلا في الأصح)؛ لأنها لم تقرأه.
والثاني: نعم؛ لأن المقصود علمها بما فيه كالتعليق بررؤية الهلال، وهذا بخلاف القاضي إذا كتب إليه من ولاه إذا قرأت كتابي فانت معزول- وهو يحسن القراءة- فقرىء عليه .. فإنه ينعزل في الأصح؛ لأن المقصود إعلامه بالحال، والفرق: أن العادة في الحكام أن تقرأ عليهم المكاتيب.
قال: (وإن لم تكن قارئة فقرىئ عليها .. طلقت)؛ لأن القراءة في حق الأمية محمولة على الاطلاع بخلاف القارئة.
وقيل: لا تطلق كالتعليق بالمستحيل.

فَصْلٌ: لهُ تَفْوِيضُ طَلاَقِهَا إِلَيْهَا.
وَهُوَ تَمْلِيكٌ فِي الْجَدِيدِ فَيُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ تَطْلِيقُهَا عَلَى الْفَوْرِ  تتمة: جميع ما تقدم إذا كان الزوج يعلم حالها، فإن لم يعلم هل هي قارئة أو أمية .. فأقوى احتمالي الرافعي انعقاد التعليق على قراءتها بنفسها؛ نظراً إلى حقيقة اللفظ، وعلى هذا فترد هذه الصورة على المصنف.
قال: (فصل: له تفويض طلاقها إليها) بالإجماع، هذا في تفويض التنجيز، أما تفويض التعليق فلا يصح؛ لأنه يمين، واليمين لا تدخلها النيابة.
وصورة التفويض الصحيح: أن يقول لها: طلقي نفسك أو طلقي نفسك إن شئت.
قال: (وهو تمليك في الجديد)؛ لأنه يتعلق بغرضها فنزل منزلة قوله: ملكتك.
قال: (فيشترط لوقوعه تطليقها على الفور)؛ لأن شأن التمليك القبول على الفور، وأتى المصنف ب (الفاء)؛ ليدل على أن الأحكام مفرعة على الجديد، وهو الذي عليه الجمهور.
وقال ابن القاص وغيره: يكفي في الفور أن تقع في مجلس التخاطب، ونص عليه الشافعي ما لم يعرض قاطع من موته أو جنونه أو رجوعه أو التشاغل عنه بقول أو فعل.
وقال ابن المنذر: لها أن تطلق متى شاءت.
كل هذا إذا لم يقل لها: طلقي نفسك متى شئت، فإن قاله .. طلقت متى شاءت، وكذلك إذا صرح بلفظ التوكيل بأن قال لها: وكلتك في طلاق نفسك .. فالصحيح: أنه لا يشترط الفور.

وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي بِألْفٍ فَطَلَّقتْ .. بَانَتْ وَلَزِمَهَا الأَلْفُ.
وَفِي قَوْلٍ: تَوْكِيلٌ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فَوْرٌ فِي الأَصَحِّ، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهَا خِلاَفُ.
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ: لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَطْلِيقِهَا.
وَلَوْ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَطَلِّقِي .. لَغَا عَلَى التَّمْلِيكِ.
وَلَوْ قَالَ: أَبِينِي نَفْسَكِ فَقَالَتْ: أَبَنْتُ وَنَوَيَا .. وَقَعَ، وَإِلاَّ .. فَلاَ  قال: (وإن قال لها: طلقي بألف فطلقت .. بانت ولزمها الألف) ويكون تمليكاً بعوض كالبيع، ويعتبر فيها جواز التصرف كالخلع.
قال: (وفي قول: توكيل) كما لو قال لأجنبي: طلقها.
قال: (فلا يشترط فور في الأصح) أي: في قبوله أو تطليقها كما في توكيل الأجنبي.
والثاني: يشترط؛ لما فيه من شائبة التمليك، وهذا احتمال للقاضي حسين لا وجه محقق.
قال: (وفي اشتراط قبولها خلاف الوكيل) أي: المتقدم في بابه، ويأتي الوجه الفارق بين صيغة الأمر كطلقي نفسك وبين صيغة العقد كوكلتك في طلاق نفسك.
قال: (وعلى القولين: له الرجوع قبل تطليقها)؛ لأنه إما توكيل أو تمليك لم يتصل به قبول، وإذا صح الرجوع فطلقت قبل علمها به .. فوجهان في (الحاوي) كوكيل القصاص.
قال: (ولو قال: إذا جاء رمضان فطلقي .. لغا على التمليك) كما إذا قال: ملكتك هذا العبد إذا جاء رأس الشهر، وعلى مقابله: يصح كما لو قال لأجنبي: طلقها إذا جاء رمضان أو بعد شهر ونحوه.
قال: (ولو قال: إبيني نفسك فقالت: أبنت ونويا) أي: هو التفويض إليها وهي تطليق نفسها بذلك (.. وقع)؛ لأن الكناية مع النية كالصريح.
قال: (وإلا .. فلا) يعني إذا لم ينويا أو لم ينو أحدهما .. لم يقع، أما إذا لم ينو الزوج .. فلأنه لم يفوض الطلاق إليها، وأما إذا لم تنو هي .. فلأنها ما امتثلت.
وعن أبي حنيفة: تكفي نية الزوج، ولا حاجة لنيتها.

وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي فَقَالَتْ: أَبَنْتُ وَنَوَتْ، أَوْ أَبِينِي وَنَوَى فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ .. وَقَعَ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي وَنَوى ثَلاَثاً فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ وَنَوَتْهُنُّ .. فَثَلاَثٌ، وَإِلاَّ .. فَوَاحِدَةٌ فِي الأَصَحِّ.
لَوْ قَالَ: ثَلاَثاً فَوَحَّدَتْ أَوْ عَكْسُهُ .. فَوَاحِدَةٌ  قال: (ولو قال: طلقي فقالت: أبنت ونوت) أي: نفسها (أو أبيني ونوى فقالت: طلقت .. وقع) كما لو قال: بع فباع بلفظ التمليك، وقال ابن خيران وابن حربويه: لا يقع للمخالفة.
تنبية: عبر في (المحرر) عن الأولى بقوله: طلقي نفسك، وفي الثانية بأبيني نفسك، وهي تقتضي اعتبار النفس فيهما، وحذفها المصنف؛ لينبه على أنه ليس بشرط، وهو الأصح في (الكفاية) و (تعليق القاضي حسين)، ونقله عن النص؛ لأن تقديره: طلقت نفسي.
وأفهمت عبارته أيضاً: أن التخالف في الصريح لا يضر من باب أولى كما لو قال: طلقي نفسك فقالت: سرحت، ولا خلاف فيه.
قال: (ولو قال: طلقي ونوى ثلاثاً فقال: طلقت ونوتهنّ .. فثلاث)؛ لأن اللفظ يحتمل وقد نوياه.
قال: (وإلا .. فواحدة في الأصح) المراد: إذا لم تنو هي العدد.
والأصح: واحدة؛ لأن صريح الطلاق كناية في العدد وهي لم تنو عدداً.
والثاني: ثلاث، وكأنه فوض إليها أصل الطلاق وتولى بنفسه قصد العدد.
ومحل الوجهين إذا نوى هو الثلاث ولم تنو هي عدداً، أما إذا لم ينو واحد منهما أو نوت هي دونه .. فواحدة لا يتجه غيره.
قال: (ولو قال: ثلاثاً فوحدت أو عكسه .. فواحدة) أما الأولى .. فلأن ما أوقعته داخل في المفوض إليها، وقال مالك: لا يقع شيء.
وأما في الثانية .. فلآن من ملك إيقاع طلقة تقع الطلقة إذا طلق ثلاثاً، كما لو لم يملك الزوج إلا واحدة فقال أنت طالق ثلاثاً.

فَصْلٌ: مَرَّ بِلِسَانِ نَائِمٍ طَلاَقٌ .. لَغَا.
لَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِطَلاَقٍ بِلاَ قَصْدٍ .. لَغَا،  تنبيه: في (فتاوى البغوي): لو قال: طلقي نفسك ثلاثاً فطلقت واحدة فراجع .. فلها أن تطلق ثانية وثالثة.
ولو قال: طلقي نفسك ثلاثاً فقالت: طلقت ولم تذكر عدداً ولا نوته .. فالمذهب: وقوع الثلاث، وفيه احتمال للإمام: أنه يقع واحدة، وغذا كان التفويض أو تطليقها بكناية .. فالقول قول الناوي مثبتاً كان أو نافياً، قاله المتولي وغيره.
قال ابن الرفعة: صورة المسألة: أن يقع الاختلاف بينها وبين الوارث فتقول: إنها نوت ليحرمها الإرث، فلو كان الزوج هو المدعي .. واخذناه بدعواه؛ لأنه حق عليه إلا أن يبدي عذراً كما لو قال: هذا ملكي وملك من اشتريت منه ثم ظهر مستحقاً .. فإنه يرجع بالثمن.
قال: (فصل: مر بلسان نائم طلاق .. لغا)؛ لرفع القلم عنه، فلو استيقظ وقال: أجزت ذلك الكلام أو أوقعته فلغو أيضاً، خلافاً لأبي حنيفة في أوقعته.
والمبرسم والمغمى عليه كالنائم، وكأن المصنف يستغني عن هذا باشتراط التكليف في أول الباب.
ولو تلفظ بالطلاق ثم قال: كنت حينئذ صبياً أو نائماً .. قال أبو العباس الروياني: يصدق بيمينه، قال في (الروضة): وفي تصديق النائم نظر بخلاف الصبي.
قال: (ولو سبق لسانه بطلاق بلا قصد .. لغا) كاليمين بالله تعالى، وكذلك إذا تلفظ بالطلاق حاكياً كلام غيره، وكذا الفقيه إذا كرر لفظ الطلاق في تصويره ودرسه، وكذلك إذا ظن طهارتها من الحيض فقال أنت الآن طاهر فسبق لسانه إلى أنت طالق.

وَلاَ يُصَدَّقُ طَاهِراً إلاَّ بِقَرِينَةٍ.
وَلَوْ كَانَ اسْمُهَا طَالِقاً فَقَالَ: يَا طَالِقْ، وَقَصَدَ النِّدَاءَ .. لَمْ تُطَلَّقْ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ.
وَإِنْ كَانَ اسْمُهَا طَارِقاً أَوْ طَالِباً فَقَالَ: يَا طَالِقُ، وَقَالَ: أَرَدْتُ النِّدَاءَ فَالْتَفَّ الْحَرْفُ .. صُدِّقَ  قال: (ولا يصدق ظاهراً إلا بقرينة)؛ لأن الظاهر الغالب أن البالغ العاقل لا يتكلم بكلام إلا ويقصده، فإذا قال: طلقتك ثم قال: سبق لساني وإنما أردت طلبتك .. فالنص: أنه لا يسع امرأته أن تقبل منه، وعن الماوردي وغيره: أن هذا في المتهم، فإن ظنت صدقه بأمارة فلها القبول ولا مخاصمة، ولمن سمعه وعرف الحال أن لا يشهد عليه.
ونقل الشيخان عن أبي العباس الروياني في (الفروع المنثورة): أن من سمع لفظ طلاق من رجل وتحقق أنه سبق لسانه إليه .. لم يكن له أن يشهد عليه بمطلق الطلاق، ويؤيد ذلك نص الشافعي فيمن سمع رجلاً سبق لسانه إلى كلمة كفر أنه لا يحل له أنه يشهد عليه بذلك.
قال: (ولو كان اسمها طالقاً فقال: يا طالق، وقصد النداء .. لمتطلق)؛ لأنه صرفه عن معناه، وكون اسمها كذلك قرينة تسوغ تصديقه.
وكذلك الحكم لو كان له عبد اسمه حر أو معتوق فناداه بذلك قاصداً النداء .. لم يعتق.
قال: (وكذا إن أطلق في الأصح)؛ لأن الظاهر إرادة الاسم.
والثاني: تطلق؛ لصراحة اللفظ، وهما يقربان من القولين فيما إذا كرر أنت طالق ولم يقصد تأكيداً ولا تكرراً.
وضبط المصنف (يا طالقْ) بتسكين القاف، وكأنه يشير إلى أنه إذا قال: يا طالقُ بالضم .. لا تطلق؛ لأنه يرشد إلى العلمية، وإن قال: يا طالقاً بالنصب .. تعين صرفه إلى التطليق، وينبغي في الحالين أن لا يرجع إلى دعوى خلافه.
قال: (وإن كان اسمها طارقاً أو طالباً فقال: يا طالق، وقال: أردت النداء فالتف الحرف .. صدق) أي: ظاهراً؛ لأنها قرينة واضحة فيصدق جزماً، وخالف

وَلَوْ خَاطَبَهَا بِطَلاَقٍ هَازِلاً أَوْ لاَعِباً، أَوْ وَهُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً؛ بِأَنْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ نَكَحَهَا لَهُ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ .. وَقَعَ  ما إذا قال: أنت طالق وهو يحل وثاقها وقال: أردت الطلاق من الوثاق؛ فإن في تصديقه خلافاً.
قال: (ولو خاطبها بطلاق هازلاً أو لاعباً، أو وهو يظنها أجنبية؛ بأن كانت في ظلمة، أو نكحها له وليه أو وكيله ولم يعلم .. وقع) أما وقوع طلاق الهازل .. فحكى ابن المنذر فيه الإجماع، وأما ما عداه .. فمقيس عليه.
وروى أيو داوود] 2188 [والترمذي] 1184 [والحاكم] 2/ 198 [كلهم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة).
قال البغوي في (شرح السنة): وخص الثلاث؛ لتأكد أمر الفرج، ولأن البيع وسائر التصرفات تنعقد بالهزل على الأصح وإن كان ظاهر الحديث يقتضي المنع فيما سوى الثلاث.
وظاهر إطلاق المصنف: أنه يق ظاهراً وباطناً، وهو كذلك في الهازل، خلافاً للإمام، فإنه قال: يدين كالجاد.
وأما في الثانية .. ففي (الروضة): أن في الوقوع باطناً وجهين بناهما المتولي على البراءة من المجهول، إن قلنا: لا يصح .. لم تطلق باطناً.
اهـ وهو يقتضي ترجيح المنع.
والهزل واللعب في كلام الفقهاء واللغويين كالمترادف.
وقال في (الفائق): الهزل واللعب من وادي الاضطراب، والذي يشهد له الاستعمال: أن الهزل يخص الكلام واللعب أعم، وقد يقال: الهزل قصد اللفظ دون المعنى بأن يختار التلفظ بالكلمة ولا يرضى بمعناها.

وَلَوْ لَفَظَ عَجَمِيٌّ بِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ .. لَمْ يَقَعْ  مهمة: في (البسيط): أن واعظاً طلب شيئاً من الحاضرين فلم يعطوه فقال متضجراً منهم: طلقتكم ولم يعلم أن زوجته فيهم، ثم تبين أنها فيهم .. فأفتى الإمام بطلاقها، وفي القلب منه شيء.
قال الرافعي: ينبغي أن لا تطلق؛ لأنه عام يقبل الاستثناء بالنية، فأشبه استثناء بعض من سلم عليهم بالنية فإنه إذا لم يعلم أنها فيهم مقصوده غيرها.
وفق المصنف بأن المسلم علم بوجود المستثنى فاستثناه، وهنا بخلافه، فإفتاء الإمام عجيب؛ فإنه لم يقصد بلفظ الطلاق معناه، وأيضاً النساء لا يدخلن في خطاب الرجال عند الجمهور إلا بدليل، فلا تطلق لهذا إلا لما قاله الرافعي.
اهـ والحق: أن مسألة الواعظ ومسألة ما إذا خاطبها وهو يظنها أجنبية واحدة، فإما أن يقال بالوقوع فيهما أو لا فيهما، ثم يرد على الشيخين أنهما نقلا عن الروياني أنه لو قال: كل امرأة لي في السكة طالق وزوجته .. فيها تصحيح: أنها تطلق ولم يتعقباه بنكير.
وعن (فتاوى الغزالي): لو زاحمته امرأة فقال: تأخري يا حرة فبانت أمته: أنها لا تعتق وهما نظير مسألة الواعظ.
قال: (ولو لفظ عجمي به بالعربية ولم يعرف معناه .. لم يقع) كما لو لقن كلمة الكفر وهو لا يعرف معناها فتكلم بها .. لا يحكم بكفره.
قال المتولي: هذا إذا لم يكن له مع أهل ذلك اللسان اختلاط، فإن كان .. لم يصدق في الحكم ويدين باطناً.
وقال في (الإستقصاء): يصدق في أنه لا يعرف معناها مطلقاً، والمسألة في (الشرحين) و (الروضة) و (المحرر) مصورة بما إذا تلفظ بذلك بعد التلقين، وتعبير المصنف يقتضي أنه لا فرق.
والمراد بـ (العجمية): لغة لا يعرفها، لا خصوص لغة.

وَقِيلَ: إِنْ نوَى مَعْنَاهَا .. وَقَعَ.
وَلاَ يَقَعُ طَلاَقُ مُكْرَهٍ  قال: (وقيل: إن نوى معناها) أي: عند أهل تلك اللغة (.. وقع)؛ لأنه قصد لفظ الطلاق لمعناه، واختاره الماوردي.
قال: (ولا يقع طلاق مكره)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا طلاق في إغلاق) رواه أبو داوود] 2187 [وابن ماجه] 2046 [، وصححه الحاكم] 2/ 198 [. قال الشافعي وأبو عبيد والخطابي والقتبي: (الإغلاق): الإكراه، وبالقياس على الردة بالإكراه.
وفي (سنن البيقهي)] 7/ 357 [: أن رجلاً على عهد عمر تدلى من جبل يشتار عسلاً فأمسكت امرأته الحبل وقالت: طلقني ثلاثاً وإلا قطعته، فذكرها الله والإسلام فأبت، فطلقها ثلاثاً، ثم أخبر بذلك عمر فقال: (ليس هذا بطلاق) ووافقه علي وابن عباس وابنه عبد الله وزيد بن ثابت، ولا مخالف لهم من الصحابة فصار إجماعاً، واحتج له البخاري بحديث: (الأعمال بالنيات) أراد: ان المكره طلق لفظاً من غير نية.
وحكى القاضي قولاً إنه يقع؛ لعموم قوله تعالى:} فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ {والمراد: من أكره بغير حق، أما المكره بحق .. فيقع طلاقه كإكراه القاضي المولى بعد المدة، واستشكله الرافعي وابن الرفعة بأنه لا يؤمر بالطلاق عيناً بل به أو الفيئة، ولأن القاضي لا ينتهي في ذلك إلى صفة الإكراه من القتل أو القطع، ولذلك أسقط مسألة المولى من (الشرح الصغير) و (المحرر)، وأيضاً القاضي هو المطلق على المولى على الأصح، لكن يستثنى ما إذا نوى المكره حال التلفظ الطلاق .. فإنه يقع على الأصح كما تقدم.
وأما إذا أكرهه غيره على طلاق زوجة نفسه .. فيقع على الأصح؛ لأنا إنما سلبناه حكم لفظه لدفع الضرر عنه، وليس في إيقاع الطلاق ضرر عليه، ومن الأصحاب من قال: لا يقع؛ لعموم الإكراه.
ولو نذر عتق عبد بعينه وامتنع من عتقه فأكره عليه .. نفذ، قاله في (البحر)، وجعله إكراهاً بحق.

فَإِنْ ظَهَرَ قَرِينَةُ اخْتِيَار؛ بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى ثَلاَثٍ فَوَحَّدَ، أَوْ صَرِيحٍ أَوْ صَرِيحٍ أَوْ تَعْلِيقٍ فَكَنَى أَوْ نَجَّزَ، أَوْ عَلَى طَلَّقْتُ فَسَرَّحَ، أَوْ بِالْعُكُوسِ .. وَقَعَ.
وَشَرْطُ الإِكْرَاهِ: قُدْرَهُ الْمُكْرِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ بِوِلاَيِةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ، وَعَجْزُ الْمُكْرَهِ عَنْ دَفْعِهِ بِهَرَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَظَنُّهُ أَنَّهُ امْتَنَعَ .. حَقَّقَهُ  قال: (فإن ظهر قرينة اختيار؛ بان أكره على ثلاث فوحد، أو صريح أو تعليق فكنى أو نجز، أو على طلقت فسرح، أو بالعكوس) بأن أكره على واحدة فثلث، أو على أن يلطق بكناية فصرح، أو على أن ينجز فعلق، أو على أن يقول: سرحتها فقال: طلقتها.
قال: (.. وقع)؛ لأن مخالفته تشعر باختياره فيما أتى به.
وكذا إذا أكره على طلاق إحدى امرأتيه فطلق واحدة معينة .. فالمذهب: الوقوع، خلافاً للقاضي حسين، ويجريان فيما إذا قال: اقتل أحدهما وإلا قتلتك.
قال: (وشرط الإكراه: قدرة المكرِهِ على تحقيق ما هَدَّد به بولايةٍ أو تغلُّبٍ، وعجز المكرَهُ عن دفعه بهرب أو غيره، وظنه أنه إن امتنع .. حققه)؛ لأنه لا يتحقق العجز عن الدفع إلا بهذه الأمور الثلاثة.
والتهديد بقتل الولد أو الوالد إكراه على الأصح، لا بقتل ابن العم ونحوه على الصحيح، وأمرُ السلطانِ هل هو إكراه؟ فيه قولان: أرجحهما لا، إلا أن يعلم بالعادة أنه متى خولف أوقع الفعل .. ففيه خلاف.
قال ابن الرفعة: والقياس أنه كالإكراه.
وتعبير المصنف بـ (الظن) يقتضي أنه لا يشترط التحقق وهو الأصح.
وكان ينبغي أن يقول: قدرة المكره عاجلاً فلو قال: لأقتلنك غداً .. فليس بإكراه.
وأهمل من الشروط: أن لا يكون المهدد به مستحقاً عليه فلو قال وَليُّ القصاص للجاني: طلقها وإلا اقتصصت منك .. لم يكن إكراهاً، كذا جزم به الرافعي، وحكى الدارمي فيه وجهين.

وَيَحْصُلُ بِتَخْوِيفٍ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ إِتْلاَفِ مَالٍ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ قَتْلٌ، وَقِيلَ: قَتْلٌ أَوْ قَطْعٌ أَوْ ضَرْبٌ مَخُوفٌ.
وَلاَ تُشْتَرَطُ التَّوْرِيَةُ بِأَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا،  قال: (ويحصل الإكراه بتخويف بضرب شديد أو حبس أو إتلاف مال ونحوها)؛ فإنه يعد في العرف إكراهاً، وذلك كشتم الوجيه وصفعه، وهي من زياداته على (المحرر).
والمراد: ان ذلك يختلف باختلاف الناس، ومداره على العرف الشائع، لكنهأطلق الحبس وهو مقيد بالطويل كما نقله في (الشامل) عن النص، وصحح في (الروضة) أن إتلاف المال ليس بإكراه، والصواب ما في الكتاب؛ فإنه المنصوص، لكنه يختلف باختلاف الناس، فلا يكون تخويف الموسر بأخذ خمسة دراهم إكراهاً.
قال: (وقيل يشترط القتل)؛ لحرمة النفس.
قال: (وقيل: قتل أو قطع أو ضرب مخوف)؛ لإفضائها إلى الهلاك، هذه الأوجه الثلاثة هي الموجودة للمتقدمين من العراقيين وغيرهم، ووراءها أربعة أخرى: أحدها- وهو الأرجح عند الإمام-: لا يحصل إلا إذا خوفه بما يسلب الاختيار، ويجعله كالهارب من الأسد الذي يتخطى النار والشوك ولا يبالي.
والثاني- وهو المختار عند القاضي-: تشترط عقوبة بدنية يتعلق بها قود؛ ليخرج عنه أخذ المال والحبس المؤبد.
والثالث: تشترط عقوبة شديدة تتعلق ببدنه، فيدخل فيه الحبس الطويل، وكذا النفي من البلد؛ لشدة مفارقة الوطن.
والرابع- وهو الأصح في (الروضة) -: لا يشترط سقوط الاختيار سقوط الاختيار، بل إذا أكرهه علىفعل يُؤْثِر العاقل الإقدام عليه حذراً مما يهدد به .. حصل الإكراه، فينظر فيما طلب منه وما هدد به، فقد يكون الشيء إكراهاً في مطلوب دون مطلوب وشخص دون شخص.
قال: (ولا تشترط التورية بأن ينوي غيرها) أو يقول عقب اللفظ: إن شاء الله.

وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَهَا بِلاَ عُذْرٍ .. وَقَعَ.
وَمَنْ أَثِمَ بِمُزِيلِ عَقْلِهِ مِنْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ .. نَفَذَ طَلاَقُهُ وَتَصَرُّفُهُ لَهُ وَعَلَيْهِ قَوْلاً وَفِعْلاً عَلَى الْمَذْهَبِ،  وضابطه: ان ينوي ما لو صرح به .. لقبل ولم يقع الطلاق، وليس منحصراً في أن ينوي غيرها كما توهمه عبارة المصنف.
وأصل (التورية) من وراء، كأنه جعل البيان وراء ظهره وأعرض عنه.
قال: (وقيل: إن تركها بلا عذر .. وقع)؛ لإشعاره بالاختيار.
والأصح: المنع؛ لأنه مجبر على اللفظ، ولا نية له تشعر بالاختيار، فإن ترك التورية لدهشة أو نحوها .. فلا تؤثر قطعاً واندفع الطلاق.
فرع: أمسك السلطان شخصاً بسبب غيره وطالبه به فقال: لست من أزليائه، أو لا أعرف موضعه، أو طلب منه مالاً فقال: ليس عندي شيء فلم يتركه حتى يحلف بالطلاق فحلف كاذباً .. قال القفال وغيره: يقع الطلاق؛ لأنه لم يكرهه، بل هو متوصل به إلى دفع الطلب عنه، بخلاف ما إذا قال له اللصوص: لا نتركك حتى تحلف بالطلاق أنك لا تذكر ما جرى أو لا تخبر بنا أحداً فحلف ثم أخبر بما جرى لا يقع؛ لأنهم أكرهوه على الحلف بالطلاق.
قال الروياني: والفتوى عندي أنه يحلف ويوري ولا يقع الحنث.
قال: (ومن أثم بمزيل عقله من شراب أو دواء .. نفذ طلاقه وتصرفه له وعليه قولاً وفعلاً على المذهب)؛ لما قدم أن شرط المطلق التكليف إلا السكران أخذ في بيان ذلك، فمن تعدى بتعاطي ما يزيل عقله من مسكر أو دواء مجنن أو غير ذلك كإلقاء نفسه من شاهق .. وقع طلاقه؛ لأنه عاص بسبب الزوال فيجعل كأنه لم يزل، ويكون كالصاحي، ويجعل زوال العقل لكونه تعدى كعدم الزوال.
أما السكران .. فلما تقدم في أول الباب من إجماع الصحابة عليه، واستدل له الشافعي بحديث: (رفع القلم عن ثلاث) قال: والسكران ليس في معنى واحد من هؤلاء، وبأنه يجب عليه قضاء الصلاة والصوم وغيرهما، والقلم غير مرفوع عنه بخلاف المجنون.

وَفِي قَوْلٍ: لاَ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ  وأورد عليه النائم؛ فإنه يقضي ولا ينفذ طلاقه، وأجيب بأنه غير عاص بتأخير الصلاة.
قال الشافعي: وهو قول أكثر من لقيت من المفتين.
وأما المتعدي بالتداوي .. فلأنه في معناه، واحترز به عمن أوجر خمراً أو أكره على شربها، أو لم يعلم أنه من جنس ما يسكر، أو شرب دواء يزيل العقل بقصد التداوي .. فإنه لا يقع طلاقه ولا يصح تصرفه.
قال الرافعي: ولك أن تقول: في التداوي بالخمر خلاف، فإن جرى في الدواء المزيل للعقل قليله وكثيره .. فالمذكور هنا جواب على جواز التداوي، ويمكن ان يقدر تخصيص الخلاف بالقدر الذي يزيل العقل.
وتصوير هذه الصورة فيما إذا ظن أن القدر الذي يتناوله لا يزيل العقل وبذلك صرح بعضهم، وإن لم يجر الخلاف في الدواء فسببه: أن الطبع يدعو إلى الخمر فاحتيج إلى الزجر، بخلاف الدواء.
والتعبير بـ (الشراب) يتناول الخمر والنبيذ، بخلاف اقتصار (المحرر) على الخمر.
قال: (وفي قول: لا)؛ لاختلال نظره فأشبه المجنون، واختاره المزني وابن سريج وأبو طاهر الزيادي وأبو سهل الصعلوكي وابنه سهل.
والأصح: الوقوع، وبه قال أبو حنيفة، وعن أحمد روايتان كالقولين، وعن مالك قولان.
قال: (وقيل: عليه) كالقتل دون ماله كالاتهاب والاحتطاب؛ تغليظاً عليه.
فائدة: السكر: عبارة عن حالة تحصل من استيلاء أبخرة متصاعدة من المعدة على معادن الفكر، واختلفت عبارة الأصحاب في حده: فعن الشافعي: السكران: الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم.

وَلَوْ قَالَ: رُبُعُكِ أَوْ جُزْؤُكِ أَوْ كَبِدُكِ أَوْ شَعْرُكِ أَوْ ظُفْرُكِ طَالِقٌ .. وَقَعَ  وعن المزني: الذي لا يفرق بين الأرض والسماء وبين أمه وامرأته.
وقيل: الذي يفضح بما كان يحتشم منه.
وقيل: من يتمايل ماشياً ويهذي في كلامه.
وقيل: الذي لا يعلم ما يقول.
والأقرب الرجوع فيه إلى العادة، فإذا انتهى إلى حالة يقع عليه اسم السكران .. فهو موضع الكلام، ولم يرتض الإمام هذه العبارات، بل قال: له ثلاثة أحوال:

  • أن تعتريه هزة وطرب، ولا يستولي عليه الخمر ولا يزول عقله في هذه الحالة.
    والثانية: نهاية السكر أن يصير طافحاً ويسقط كالمغمى عليه، لا يتكلم ولا يكاد يتحرك.
    والثالثة: متوسطة بينهما، وهي: أن تختلط أحواله ولا تنتظم أقواله وأفعاله ويبقى تمييز وفهم، فهذه في نفوذ الطلاق فيها الخلاف، وفي الأولى ينفذ لا محالة.
    وأما الثانية .. فالأظهر عند الإمام- وهو الذي ذكره الغزالي-: أنه لا ينفذ.
    وقيل: على الخلاف، قال الرافعي: وهو أوفق؛ لإطلاق أكثرهم.
    قال: (ولو قال: ربعك أو بعضك أو جزؤك أو كبدك أو شعرك أو ظفرك طالق .. وقع) فيما عدا الشعر والظفر بالإجماع، وبالقياس على العتق.
    قال ابن الرفعة: وكان بعض مشايخي يستشكل قياسه عليه؛ لأنه ميغوض لله تعالى والعتق محبوب لديه.
    وعدد المصنف الأمثلة؛ ليشير إلى أنه لا فرق بين الجزء الشائع والمعين، وأما إذا أضاف الطلاق إلى ما ينفصل كالشعر والسن والظفر .. فكذلك على المشهور.
    وفي قول: لا تطلق كما لا يبطل الوضوء بلمسه، وبناه في (البحر) على أن فيه روحاً أم لا، وهو يقوي ما حاوله الرافعي من طرد الوجه في الظفر.
    ولو أضاف إلى عضو زائد .. وقع كالأصلي، وشرط الوقوع: دوام الاتصال،

وَكَذَا دَمُكِ عَلَى الْمَذْهَبِ, لاَ فَضْلَةٌ كَرِيقٍ وَعَرَقٍ, وَكَذَا مَنِيٌّ وَلَبَنٌ فِي الأَصَحِّ  فلو التصقت أذنها بعد انفصالها ثم أضاف الطلاق إليها .. لم يقع؛ بناء على أن الزائل العائد كالذي لم يعد.
وحيث حكمنا بالوقوع هل نقول: وقع على ما سماه ثم سرى إلى باقيها، أو وقع على الجملة ابتداء؟ وجهان, أشبههما: الأول, وتظهر فائدتهما فيما لو قال لمقطوعة يمين: يمينك طالق كما سيأتي.
ولو قال سِمَنُك طالق .. جزم القاضي والبغوي والمتولي والغزالي بأنه يقع، وهو المجزوم به في (الشرح الصغير)، ووقع في (الكبير) و (الروضة): أنه لا يقع, والمنقول المعتمد: الوقوع، ونُسَخُ (الرافعي) في ذلك مضطربة.
ولو قال: اسمك طالق .. لم تطلق, قال المتولي: إلا أن يريد بالاسم ذاتها ووجودها.
ولو قال: حسنك طالق .. لم تطلق على الصحيح.
قال: (وكذا دمك على المذهب)؛ لأن به قوام البدن كالروح, بخلاف غيره الفضلات كالريق.
والثاني: لا, كالدمع والعرق.
قال: (لا فضلة كريق وعرق)؛ لانها غير متصلة اتصال الخلقة فلا يلحقها حل ولا تحريم، وإنما البدن وعاء لها، وفيهما وجه ضعيف، ويجريان في سائر الفضلات كالبول والمخاط, وفي الأخلاط كالبلغم والمِرَتَيْن.
وفي الشحم تردد للإمام, وميله إلى عدم الوقوع, والأقرب عند الرافعي الوقوع, وعبر في (الروضة) ب (طلقت في الأصح) فأشعر بوجهين ليسا في (الشرح).
قال: (وكذا مني ولبن في الأصح) فاشعر بوجهين ليسا في (الشرح).
والثاني: الوقوع؛ لأن أصل كل واحد منهما الدم, والظاهر في الإضافة إلى الدم الوقوع.

وَلَو قَالَ لِمَقْطُوعَةِ يَمِينٍ: يَمِمينُك طَالِقٌ .. لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ وَنَوَى تَطْلِيقَهَاَ .. طَلُقَتْ, وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلاَقاً .. فَلاَ, وَكَذَا إِنْ لَمْ يَنْوِ إضَافَتْهُ إِلَيْهَا فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ .. أشْترِطَ نِيِّةُ الطَّلاَقِ, وَفِي الإضَافَةِ الْوَجْهَانِ  وشمل التعبير بـ (المني) ما لو قال: جنينك طالق, والحكم كذلك على الصحيح؛ فإنه مني منعقد.
قال: (ولو قال لمقطوعة يمين: يمينك طالق .. لم يقع على المذهب)؛ لأنا وإن جعلنا البعض عبارة عن الكل فلا بد من دخول المضاف إليه؛ لتنتظم الإضافة, فإذا لم تكن .. لغت الإضافة كما لو قال لها: ذكرك طالق.
والطريق الثاني: تخريجه على الخلاف, فإن جعلناه من باب التعبير بالبعض عن الكل .. وقع, أو من باب السراية .. فلا.
ولو قال: أنت طالق إلا يدك .. طلقت؛ لأنها لا تتبعض.
قال: (ولو قال: أنا منك طالق ونوى تطليقها .. طلقت) خلافاً لأبي حنيفة وأحمد.
لنا: أن على الزوج حجراً من جهتها، فلا ينكح أختها ولا أربعاً سواها, فإذا أضاف الطلاق إلى نفسه .. أمكن حمله على هذا السبب, ومن الأصحاب من زعم أن الرجل معقود عليه وهو ضعيف؛ لأنها لا تستحق من منافعه شيئاً.
قال: (وإن لم ينو طلاقاً .. فلا)؛ لأن اللفظ خرج عن الصراحة بإضافته إلى غير محله فشرط فيه ما شرط في الكناية.
قال: (وكذا إن لم ينو إضافته إليها في الأصح)؛ لأن محل الطلاق المرأة دون الرجل, واللفظ مضاف إليه فلا بد من النية الصارفة.
والثاني: يقع الطلاق؛ لأنه وجد اللفظ وقصده فيقع ويحل محله.
وقال: (ولو قال: أنا منك بأئن .. اشترط نية الطلاق)؛ لأنه كناية.
قال: (وفي الإضافة) أي: نية الإضافة إليها (الوجهان) أي: في قوله: أنا منك طالق, وقد عرف تقريرهما.

وَلَوْ قَالَ: اسْتَبْرِئِي رَحِمِي مِنْكِ .. فَلَغْوٌ, وَقِيلَ: إِنْ نَوَى طَلاَقَهَا .. وَقَعَ.
فَصْلٌ: خِطَابُ الأَجْنَبِيَّةِ بِطَلاقٍ, وَتَعْلِقُهُ بِنكَاحٍ وَغَيْرِهِ لَغْوٌ  فإن قيل: هذه الصورة كان المصنف مستغنياً عنها بما قبلها؛ لأنه إذا شرطت النية في: أنا منك طالق – وهي من الصرائح – اشترطت في: أنا منك بائن بطريق أولى .. فالجواب: أنه صرح به للتفصيل في الكنايات بين القريبة والبعيدة.
وأيضاً: فإذا لم ينو طلاقاً في قوله: أنا منك طالق .. فيه خلاف, ولا خلاف في اشتراط النية في: أنا منك بائن؛ لكونه كناية.
قال: (ولو قال: استبرئي رحمي منك .. فلغو)؛ لأن اللفظ غير منتظم في نفسه, والكناية شرطها: أن تحتمل معنيين فصاعداً، وهي في بعض المعاني أظهر.
قال: (وقيل: إن نوى طلاقها .. وقع) , ويكون المعنى: استبرئي الرحم التي كانت لي, ورجحه البغوي فيما لو قال لها: انا معتد منك.
تتمة: قال المتولي: لو قال لرجل: طلق امرأتي فقال: طلقتكَ ونوى وقوعه عليها .. لم تطلق؛ لان النكاح لا تعلق له به, بخلاف المرأة مع الزوج.
ولو قال: مالي طالق .. قال جد الروياني: إن لم ينو التصدق به .. لم يلزمه شئ, وإن نواه .. فالأصح: يلزمه التصدق, وفيه وجهان: أحدهما: يتصدق بجميعه.
والثاني: يتخير بينه وبين كفارة يمين.
قال: (فصل: خطاب الأجنبية بطلاق, وتعليقه بنكاح وغيره لغو) أما المنجز .. فبالإجماع, وأما المعلق .. فاحتج له ابن عباس بقوله تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ الآية.

وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَعلِيقِ الْعَبْدِ ثَالِثةً كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الْدَّارَ .. فَأنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً, فَيَقَعْنَ إِذَا عَتَقَ أَوْ دَخَلَتْ بَعْدَ عِتْقِهِ ...

 وبقوله صلى الله عليه وسلم: (لا طلاق إلا بعد نكاح) رواه الأربعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, وقال الترمذي: حسن صحيح, وقال الحاكم [2/ 419]: إنه أصح شيء ورد في الباب.
وروى الدارقطني [4/ 19]: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إن أمي عرضت علي قرابة لها أتزوجها فقلت: هي طالق إن تزوجتها, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا بأس) فتزوجها, وبهذا قال جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.
وقال شريك: النكاح عقد والطلاق حَل, ولا يكون الحل إلا بعد العقد, وتعليق العتق بالملك كتعليق الطلاق بالنكاح, فلا فرق.
وقال مالك: إن عمم بان قال: كل امرأة أتزوجها طالق .. لم يقع, وإن خص بمحصورات أو بامرأة معينة .. وقع.
وقال أبو حنيفة: يقع عمم أو خصص, وعن أحمد روايتان كالمذهبين.
قال: (والأصح: صحة تعليق العبد ثالثة كقوله: إن عتقت أو إن دخلت الدار .. فأنت طالق ثلاثاً, فيقعن إذا عتق أو دخلت بعد عتقه)؛ لأنه ملك أصل الطلاق فاستتبع الصفة, ولأن مطلق النكاح يفيد الطلقات الثلاث غير أن الرق مانع من تنجيز الثالثة, ولا يلزم من منعه من تنجيزها منعه من تعليقها, كما أنه لا يملك في حال البدعة طلاق السنة ويملك تعليقه.
والثاني: لا يصح تعليقها؛ لأنه لا يملك تنجيزها منعه من تعليقها, كما أنه لا يملك في حال البدعة طلاق السنة ويملك تعليقه.
والثاني: لا يصح تعليقها؛ لأنه لا يملك تنجيزها.
وأورد الشيخ زين الدين الكتناني على هذه المسألة: أن الراجح فيما إذا ملك نصاباً وتوقع حصول نصاب من غيره فعجل عنه: عدم الجواز, فيحتاج إلى الفرق, والجامع أن ملك الأصل أقيم مقام ملك الفرع, والنكاح أولى, ويمكن الفرق بأن

وَيَلْحَقُ رَجْعيَّةَ لاَ مُخْتَلَعَةً.
وَلَوْ عَلّقَ بِدُخُولِ فَبَانَتْ ثُمَّ دَخَلَتْ .. لَمُ يَقَعْ إِنْ دَخَلَتْ فِي الْبَيْنُونَةِ, وَكَذا إنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي الأَظْهَرِ,  التعجيل عن النصاب المتوقع فيه صحة إخراج الزكاة قبل سببها وهو النصاب وشرطها وهو الحول, وهنا إذا صححنا التعليق .. فإنما صححناه بعد وجود سببه وهو النكاح وانتفاء شرطه وهو الحرية, أو وجود مانعه وهو الرق.
قال: (ويلحق رجعية)؛ لبقاء ولايته عليها؛ لأنها في عصمته ولذلك ترثه ويرثها.
وحكى الجيلي وجهاً – وعزاه إلى (الوسيط) -: أنه لا يلحقها, وأنكره عليه ابن الرفعة, والعجب أن الروياني حكاه في (الظهار) وهو مثل الطلاق.
قال: (لا مختلعة)؛ لأنه ليست زوجة, وبهذا قال كافة العلماء.
وقال أبو حنيفة: يلحقها صريح لفظ الطلاق, ولا تلحقها الكناية, ولا مرسل الطلاق بأن يقول: كل امرأة لي طالق, وبه قال ابن مسعود وأبو الدرداء, واحتجوا بما روى أبو يوسف في (أماليه) بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة) والحديث موضوع, ويروى بإسناد ضعيف موقوفاً على أبي الدرداء.
قال: (ولو علق بدخول فبانت ثم نكحها ثم دخلت .. لم يقع إن دخلت في البينونة)؛ لان اليمين انحلت بذلك الدخول, ولأنه تعليق سبق هذا النكاح فلا يؤثر كما لو علق طلاقها بالنكاح.
وقوله: (فبانت) أحسن من قول (المحرر): فبانت بالطلاق؛ فإن التقييد بالطلاق مضر, وبينونتها بالفسخ كالطلاق كما جزم به الرافعي في (الردة).
قال: (وكذا إن لم تدخل في الأظهر)؛ لأنه لا جائز أن يريد النكاح الثاني؛ لأنه يكون تعليق طلاق قبل نكاح, فتعين أن يريد الأول, والأول قد أرتفع, والثاني يقع؛ لأن التعليق والصفة وجدا في الملك, وتخلل البينونة لا يؤثر؛ لأنه ليس وقت الإيقاع ولا وقت الوقوع.

وَفِي ثَالِثٍ: يَقَعُ إِنْ بَانَتْ بِدُونِ ثَلاثٍ.
وَلَوْ طَلَّقَ دُونَ ثَلاَثٍ وَرَاجَعَ أوْ جَدَّدّ وّلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ .. عَادَتْ بِثَلاَثٍ.
وَلِعَبْدٍ طَلْقَتَانِ فَقَطْ,  قال: (وفي ثالث: يقع إن بانت بدون ثلاث)؛ لأن العائد الباقي من الطلاق فتعود بصفتها وهي: التعليق بالفعل المعلق عليه.
ولا يقع إن أبانها بثلاث؛ لأنه أستوفى ما علق من الطلاق, وهذه الطلقات جديدة.
وتجري الأقوال في عود الإيلاء والظهار, فإن قلنا بالأول وكانت الصفة مما لا يمكن إيقاعه في البينونة كقوله: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً .. فيتخلص إذا أبانها ثم نكحها, ولا يقع في النكاح الثاني.
قال: (ولو طلق دون ثلاث وراجع أو جدد ولو بعد زوج .. عادت ببقية الثلاث).
أما إذا جدد قبل أن تتزوج بغيره أو تزوجت بغيره ولم يدخل بها .. فبالإجماع تعود بما بقي, وإن تزوجت بغيره ووطئها الزوج .. فالحكم كذلك عندنا وعند مالك وأحمد؛ لما روى البيهقي [7/ 364]: أن عمر سئل عمن طلق امرأته طلقتين فانقضت عدتها وتزوجت غيره وفارقها ثم تزوجها الأول فقال: (هي عنده على ما بقى من الطلاق) , ووافقه على ذلك علي وأبي بن كعب وعمران بن حصين, ولا مخالف لهم.
وقال أبو حنيفة: إذا دخل بها زوج آخر .. عادت بالثلاث, ويهدم الزوج ما بقى من طلقات الزوج الأول؛ لأن ذلك روي عن ابن عمر وابن عباس.
وأشار المصنف بقوله: (ولو بعد زوج) إلى أنه موضع الخلاف, لكن كان ينبغي أن يقول: (وإصابة) كما عبر به في (المحرر).
قال: (وإن ثلث .. عادت بثلاث) بالإجماع؛ لأنه نكاح مستقل ثبت أحكامه.
قال: (ولعبد طلقتان فقط) سواء كانت الزوجة حرة أو أمة؛ لأن الاعتبار في الطلاق بالزوج؛ لأنه المالك له.

وَلِلْحُرِّ ثَلاَثٌ.
وَيَقَعُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ, وَيَتَوَراَثَانِ فِي عِدَّةِ رَجْعِيَّ لاَ بَائِنٍ, وَفِي الْقَدِيمِ: تَرِثْهُ  روى البيهقي [7/ 369]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطلاق بالرجال والعدة بالنساء) لكن قال ابن الجوزي: الصواب: أنه من كلام ابن عباس.
وقال عمر رضي الله عنه: (العبد يطلق طلقتين وتعتد الأمة بقرئين).
وروى الدارقطني مرفوعاً [4/ 39]: (طلاق العبد اثنتان).
والمبعض كالقن, قاله الرافعي في أثناء الباب.
لكن قد يملك العبد الثالثة, وصورته: أن يطلق الذمي طلقتين ثم يحارب ويسترق ثم يريد نكاحها ... فالأصح: أنها تحل له ويملك عليها الثالثة؛ لأنها لم تحرم عليه بالطلقتين, وطرآن الرق لا يمنع الحل الثابت.
وقيل: لا تحل؛ لأنه رقيق طلق طلقتين.
قال: (وللحر ثلاث) وإن كانت الزوجة أمة؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ فأين الثالثة؟ فقال: ﴿أو تسريح بإحسان﴾ , وعمومها يشمل الأمر, ولأن الطلاق مشروع بحالة الزوج ةفاعتبر بجانبه.
واعتبره أبو حنيفة بالنساء كالعدة, واختاره ابن سريج في (كتاب الودائع).
قال: (ويقع في مرض موته) كما يقع في صحته, وحكى في ذلك الإجماع, لكن نقل خلافه عن الشعبي.
قال: (ويتوارثان في عدة رجعي) بالإجماع أيضاً؛ لبقاء آثار الزوجية.
قال: (لا بائن)؛ لانقطاع العصمة وكما لا يرثها لو ماتت قبله بالاتفاق.
قال: (وفي القديم: ترثه)؛ لأنه متهم بدفع الإرث, كما يحجب القاتل؛ لأنه متهم بجلب الإرث, وبهذا قال الأئمة الثلاثة مستدلين بأن عبد الرحمن بن عوق طلق زوجته تماضر الكلبية في مرض موته .. فورثها عثمان, رواه مالك في (الموطأ) [2/ 571].

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قال ابن داود والماوردي: فصولحت من ربع الثمن على ثمانين ألف دينار, وقيل: دراهم.
فإن قيل: اتفقوا على أن أسباب التوارث أربعة: القرابة والنكاح والولاء والإسلام, وتوريث المبتوتة خارج عن ذلك .. فالجواب: أنه داخل في سبب النكاح, وهذا القديم منصوص عليه في الجديد أيضاً, كما نقله سليم في (المجرد) , والمحاملي في (المجموع) , وإنما ترث عليه بشروط: أحدها: كون الزوجة وارثة, فلو طلق المسلم زوجته الذمية في المرض فأسلمت في العدة, أو الحر زوجته الرقيقة فعتقت, أو العبد امرأته ثم عتق ومات الزوج في هذه الصورة .. لم ترث.
الثاني: عدم اختيارها, فلو اختلعت أو سألت, أو قال: أنت طالق إن شئت فشاءت, أو اختاري نفسك فقالت: اخترت, أو علق الطلاق بفعلها الذي لا ضرورة لها به ولا حاجة ففعلته .. فليس بفارٍّ, ولا ترثه.
الثالث: كون البينونة في مرض مخوف ومات بسببه, فإن برئ منه .. فلا قطعاً, أو بسبب فسيأتي.
الرابع: كونها بالطلاق, فلو فسخ نكاحها بعيبها في المرض .. فليس بفارٍّ على الصحيح.
ولو قذفها في الصحة أو في المرض ولاعنها المرض .. لم يكون فارّاً, نص عليه.
الخامس: كونه منجزاً, فلو علق طلاقها بصفة تحتمل أن توجد في الصحة والمرض,.
ولم يتعلق بفعله كقوله: إذ قدم زيد أو جاء رأس الشهر فأنت طالق فقدم أو جاء وهو مريض .. فقولان: أصحهما – وبه جزم العراقيون -: أنه ليس بفارٍّ.
ثم إلى متى ترثه؟ فيه أقوال: أحدها: ترثه في أي وقت مات.
والثاني: إن مات قبل أن تنقضي العدة .. ورثت, وإن مات بعده .. لم ترث.
والثالث: إن مات قبل أن تتزوج .. ورثته, وإن تزوجت .. لم ترث.

فَصْلٌ: قَالَ: طَلَّقْتُكِ, أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ, وَنَوَى عَدَدَاً .. وَقَعَ, وَكَذَا الْكِنَايِةُ  تتمة: مات بسبب آخر بأن قتل في ذلك المرض .. قال المتولي وابن الصباغ: ترث, وقطع صاحب (المهذب) وغيره بانها لا ترث, وحكاهما الروياني قولين, وهذا يلتفت إلى أصل تقرر في (كتاب الوصية).
ولو أبان في مرض موته أربع نسوة ونكح أربعاً ثم مات .. فالإرث للجميع على الأصح في القديم.
وقيل: للأوليات, وقيل: للأخريات.
ولو طلق امرأة ونكح أخرى .. فلا وجه إلا توريثهما.
ولو أقر في المرض أنه أبانها في الصحة .. لم يجعل فارّاً على الصحيح.
قال: (فصل: قال: طلقتك, أو أنت طالق, ونوى عدداً .. وقع) سواء المدخول بها أو غيرها؛ لأن اللفظ صالح له وللوحدة, فتصرف بالنية إلى العدد؛ لأن الأعمال بالنيات.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يقع بقوله: (أنت طالق) إلا واحدة وإن نوى العدد؛ لأنه صريح في الوحدة, فلم يجز أن يجعل كناية في الثلاث؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون اللفظ الواحد صريحاً وكناية في حالة واحدة بخلاف نية الكناية.
وأجيب بأن المصدر مضمر فيه وهو محتمل للعدد؛ لانه يفسر بأعداد المصادر فيقال: أنت طالق ثلاث تطليقات.
قال: (وكذا الكناية) أي: إن نوى لها عدداً .. وقع وقبل منه؛ لحديث ركانة المتقدم؛ فإنه دل على أنه لو أراد الزيادة على الواحدة .. لوقعت.
ويشترط في نية العدد: اقترانها بكل اللفظ, فإن نوى في أثنائه .. فعلى ما تقدم في نية أصل الطلاق, قاله المتولي وغيره.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنَوَى عَدداً .. فَوَاحِدَةٌ, وَقِيلَ: الْمَنْوِيُّ.
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ وَاحِدَةٌ وَنَوَى عَدَداً .. فَالْمَنْوِيُّ, وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ, وَاللهُ أَعْلَمُ  وعلم من قوله: (عدداً) أن الواحدة تقع من غير نية؛ لانها لا تسمى عدداً.
قال: (ولو قال: أنت طالق واحدة ونوى عدداً .. فواحدة)؛ لان المنوي مناقض للملفوظ به, والنية مع اللفظ الذي لا يحتمل لا تعمل.
وضبط المصنف بخطة (واحدة) بالنصب ولا يختص به, بل الرفع والجر والسكون مثله, والتقدير في الجر: أنت ذات واحدة أة متصفة بواحدة, أو يكون المتكلم لاحناً, واللحن لا يمنع الحكم.
قال: (وقيل: المنْوي)؛ لان الأعمال بالنيات, وكأنه صيرها متوحدة منه بالطلاق الذي أوقعه, وهذا هو الصحيح في (الروضة) , وكلام الرافعي مشعر به؛ فإنه نقل الأول عن الغزالي وحده, والثاني عن البغوي وغيره.
وفي وجه ثالث: إن بسط النية على جميع اللفظ .. فواحدة, أو على أنت طالق فقط .. فالمنوي, ويلغو ذكر الوحدة, وهو مشكل.
ولو قال: أنت واحدة – بالخفض أو بالسكون على الوقف – فلا يبعد جريان الخلاف فيه.
قال: (قلت: ولو قال: أنت واحدة) أي: بالرفع (ونوى عدداً .. فالمنوي)؛ حملاً للتوحيد على التوحيد عن الزوج بالعدد المنوي, والمطلقة تتوحد مرة بطلقة ومرة بأكثر فاعتبرت النية.
قال: (وقيل: واحدة والله أعلم)؛ لأن السابق إلى الذهن من أنت واحدة أنها طالق واحدة كما لو قال: أنت طالق, والخلاف جار في أنت طالق واحدة بالرفع, لكنهم لم يفرقوا في هذه المسائل بين من يعرف النحو وغيره, وللفرق اتجاه.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل