النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 351-390
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْجَمِيعِ .. اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ فِي الأَظْهَرِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ .. فَعَلَهَا.
والأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الْعَدُولَ عَنِ الصَّوْمِ إِلَى الإِطْعَامِ؛ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتِهِ إِلَى عِيَالِهِ  ولو شره في الإطعام فقدر على الصوم .. ندب الصوم ولا يجب في الأصح.
وقال مالك: يتخير بين الخصال، وأفضلها عند الإطعام، وجوز ابن أبي ليلى تفريق الصوم.
وقال أبو حنيفة: لكل مسكين مدان من حنطة أو صاع من سائر الحبوب.
قال: (فلو عجز عن الجميع .. استقرت في ذمته في الأظهر، فإذا قدر على خصلة .. فعلها) كجزاء الصيد.
ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر المجامع أن يكفر بما دفع إليه مع احتياجه، فدل على ثبوتها في الذمة مع العجز.
والثاني: لا، بل تسقط به؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر ذلك للأعرابي مع جهله بالحكم.
وأجاب الأول بأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز.
قال: (والأصح: أن له العدول عن الصوم إلى الإطعام؛ لشدة الغلمة) وهي الحاجة إلى النكاح؛ لأن حرارة الصوم مع شدة الغلمة قد يفضيان به إلى الوقاع ولو في يوم واحد في الشهرين وذلك حرج.
وفي حديث المظاهر: أنه قال: وهل أُتيت إلا من قبل الصوم.
والثاني: لا؛ لأنه قادر فلم يجز له العدول عن كصوم رمضان.
قال: (وأنه لا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله) كالزكوات وغير هذه من الكفارات.
والثاني: يجوز؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (أطعمه أهلك).
وأجيب بأن النبي صلى الله عليه وسلم تطوع بالتكفير عنه وسوغ له صرفه إلى أهله.
وهذه مسألة مهمة أسقطها من (الروضة) وهي: أنه يجوز للرجل أن يكفر عن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الغير، ويجوز للمتطوع صرفها إلى أهل المتطوع عنه، وقد نص على جوازها أبو علي السنجي، ونقلها القاضي حسين عن الأصحاب.
وقول المصنف: (وأنه لا يجوز للفقير) احتراز من هذه المسألة، فإن الصارف فيها إنما هو الأجنبي المكفر، والموجود من الفقير إنما هو الإذن في التكفير خاصة.
تتمة: من فاته شيء من رمضان .. فالمستحب: أن يقضيه متتابعًا، ويكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع بصوم، قاله الجرجاني.
ولو نذر صوم شعبان أبدًا وأسر فتحرى وصام رجبًا على أنه شعبان وصام شعبان على أنه مضان ثم تبين .. لزمه قضاء شهرين، أحدهما عن شعبان والآخر عن رمضان ولا إطعام عليه، قال الماوردي.
... خاتمة يكره الوصال، والأصح: أنها كراهة تحريم.
وحقيقته: أن يصوم يومين فصاعدًا ولا يتعاطى في الليل مفطرًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل؛ لأنه يُطعَمُ ويُسقي.
والمختار في معناه: أنه يعطى قوة من يأكل ويشرب؛ إذا لو وجد ذلك حقيقة .. لما كان مواصلًا.
فلو ترك الأكل والشرب ليلًا لا على قصد الوصال .. قال البغوي والروياني: لا يحرم، وقال المصنف: إنه خلاف إطلاق الجمهور.

بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ يُسَنُّ: صَوْمُ الإِثْنَيْنِ، وَالْخَمِيسِ،  باب صوم التطوع (التطوع): التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات، وتعبير المصنف هنا به وفي الصلاة بالنفل موافق لقوله تعالى?: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهِ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾.
ولا شك أن الصوم من أعظم القربات؛ ففي (الصحيحين): (من صام يومًا في سبيل الله .. باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا).
و (قال الله تعالى: (كل عمل بني آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
واختلفوا في معناه على أقوال، ذكر الطالقاني منها خمسة وخمسين قولاً، قال الشيخ: من أحسنها قول سفيان بن عيينة: إن يوم القيامة يتعلق خصماؤه بجميع أعماله إلا الصوم فلا سبيل لهم عليه؛ لأنه لله.
قلت: وهذا مردود بما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون من المفلس؟) ثم ذكر: (أنه رجل يأتي يوم القيامة وقد ظلم هذا، وسفك دم هذا، وانتهك عرض هذا، ويأتي وله صلاة وزكاة وصوم، قال: فيأخذ هذا بكذا - إلى أن قال-: وهذا بصومه) فدل على أنه يؤخذ في المظالم.
قال: (يسن: صوم الاثنين، والخميس)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) رواه الترمذي وقال: حسن.
والمراد: عرضها على الله تعالى، وأما رفع الملائكة لها .. فإنه في الليل مرة، وفي النهار مرة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وفي (أبي داوود): [2428] (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صومهما).
وروى الحاكم [2/ 602] عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: أن أعرابيًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الإثنين فقال: (ذلك اليوم الذي ولدت فيه وأنزل علي فيه) وقال: (صحيح على شرط الشيخين.
وقال السهيلي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: (لا يَفُتْكَ صيام الإثنين؛ فإني ولدت فيه، وبعثت فيه، وأموت فيه).
وذكر أيضًا عن العباس رضي الله عنه قال: مكثت حولاً بعد موت أبي لهب لا أراه في النوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم إثنين؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين وكانت ثويبة قد بشرته بولده فقال لها: اذهبي فأنت حرة.
وقال الحليمي: يكره اعتياد صومهما؛ لأن في ذلك تشبيهًا برمضان، وهذا النقل مستغرب، لكن ظاهر السنة يؤيده؛ لأنه عليه السلاة والسلام لم ينقل عنه: أنه كان يواظب عليهما.
وسمي الإثنين؛ لأنه ثاني الأسبوع، والخميس؛ لأنه خامسه، كذا في (المحكم) و (التحرير)، وهو يقتضي: أن أول الأسبوع الأحد وهو الذي عليه أكثر الناس كما قاله ابن عطية في تفسير (سورة الحديد)، وسيأتي في (باب النذر) ما يخالفه.
ويوم الإثنين لا يثنى ولا يجمع كما سيأتي في (النذر).
ويوم الخميس جمعه أخمساء وأخمسة وأخامس، وكانت العرب تسميه مؤنسًا؛ لميلهم فيه إلى الملاذ.

وَعَرَفَةَ،  قال: (وعرفة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنه يكفر السنة الماضية والباقية) رواه مسلم [1162] من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
قال الإمام: والمكفر الصغائر دون الكبائر.
وقيل: يعصمه الله تعالى فيهما عما يوجب الإثم.
وإنما كان عرفة بسنتين وعاشوراء بسنة؛ لأن عرفة خصه الله تعالى بضيافة هذه الأمة، وعاشوراء يشركها فيه غيرها.
وأيضًا: عرفة يوم محمدي وعاشوراء يوم موسوي، ونبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء فكان يومه بسنتين.
وسمي عرفة؛ لأن آدم عليه السلام عرف فيه حواء.
وقيل: لأن إبراهيم عرف أن رؤياه حق.
وقيل: عرّفه جبريل المناسك.
وقيل: لأن الناس يعترفون فيه بذنوبهم.
وجمعت عرفة على عرفات وإن كانت موضعًا واحدًا؛ لأن كل جزء منها يسمى عرفة، كما تقدم أنهم جمعوا الشمس على شموس كأنهم جعلوا كل ناحية منها شمسًا.
ويوم عرفة أفضل أيام السنة لم ير الشيطان في يوم أدحض ولا أحقر منه في ذلك اليوم؛ لما يرى فيه من كثرة الرحمات الحاصلة لعموم بني آدم.
ويستحب صوم يوم التروية مع يوم عرفة احتياطًا، لكن يستثنى الواقف بعرفات نهارًا، فالأصح: أن فطره فيه مستحب؛ ليقوى على العبادة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن أم الفضل رضي الله عنها أرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشرب، رواه الشيخان [خ1662 - 1123]. وصومه خلاف الأولى لا مكروه على الصحيح.
قال ابن عمر رضي الله عنهما: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه،

وَعَاشُورَاءَ، وَتَاسُوعَاءَ،  ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، فأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه.
وقيل: يكره؛ لما روى أبو داوود [2432] والنسائي [سك 2843]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة).
وقال المُتولّي: إن كان في الصيف أو في الشتاء ولكنه ضعيف .. كره، وإن كان قويًا لا يؤثر فيه الصوم .. فالأفضل أن يصوم؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت تصومه.
وقال أبو حنيفة: يستحب صومه إلا أن يضعفه عن الدعاء.
وقال عطاء: أصومه في الشتاء دون الصيف.
وقال يحيى بن سعيد: يجب فطره.
وقال إسحاق: يستحب مطلقًا.
أما الحاج الذي لا يصل عرفة إلا ليلاً فصرح في (نكت التنبيه) باستحباب صومه له، لكن نص في (الإملاء) على استحباب فطره لكل مسافر.
قال: (وعاشوراء)؛ لأنه يكفر السنة الماضية، رواه مسلم [1162]، وهو آكد من تاسوعاء، ولذلك قدمه المصنف.
قال: (وتاسوعاء)؛ لقوله النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عشت إلى قابل .. لأصومن التاسع) فمات صلى الله عليه وسلم قبله، رواه مسلم [1134] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
والمراد - والله أعلم -: مع العاشر؛ لمخالفة أهل الكتاب، وقيل: للاحتياط.
ويستحب أن يصوم معه الحادي عشر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (خالفوا اليهود وصوموا يومًا قبله ويومًا بعده) رواه أحمد [1/ 241] من طريق ابن عباس رضي الله عنهما.

وَأَيَّامِ الْبِيضِ،  وهكذا نص عليه في (الأم) فقال: وأحب أن يصام قبله يوم، فإن صام بعده يومًا آخر .. كان أحب إلي.
وقال المتولي وغيره: من لم يصم التاسع .. صام الحادي عشر.
و (عاشوراء): اليوم العاشر من المحرم، و (تاسوعاء): تاسعه، وهما ممدودان على المشهور، وحكي قَصْرُهُما.
ومذهب ابن عباس رضي الله عنهما: أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم.
قيل: سمي عاشوراء؛ لأن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء بعشر كرامات، حكاه المنذري.
وهو اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية؛ إذ ليس في كلامهم فاعولاء.
وفي (فضائل الأوقات) للبيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وسع على عياله يوم عاشوراء .. وسع الله عليه جميع سنته).
قال: (وأيام البيض) المراد: أيام الليالي البيض، سميت بذلك؛ لأن ليلها مبيض بالقمر.
وقيل: لأن الله تعالى بيض فيه جسد آدم.
روى قنبر عن علي رضي الله عنه: أنه سئل عن ذلك، فقال: لما أهبط آدم إلى الأرض وأشرقت عليه شمس الدنيا .. اسودَّ جميع بدنه، فما تاب الله عليه .. شكا ذلك لجبريل عليه السلام، فأوحى الله إليه أَنْ مُرْهُ بصيام هذه الأيام الثلاثة، فصام يومًا منها فابيضَّ ثلث بدنه، ثم في الثاني الثلث الثاني، ثم الثلث الثالث في اليوم الثالث، وهي الثالث عشر وتالياه.
وقيل: الثاني عشر وتالياه.
واستدل للصحيح بما روى النسائي [4/ 222] وابن حبان [3655] عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض ثالث عشره ورابع عشره وخامس عشره).

وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ،  ولما كانت الحسنة بعشرة أمثالها .. كان صيام ثلاثة أيام من الشهر تعدل صيام الدهر، ولذلك قال أبو هريرة رضي الله عنه: أوصاني خليلي بصيام ثلاثة أيام من كل شهر.
قال في (شرح مسلم): إن الثلاثة أيام المأمور بصومها هي البيض.
وفي (شرح السنة) للبغوي: من صام الأيام البيض .. أتى بالسنتين، ومن صام ثلاثة أيام سواها .. أتى بسنة واحدة، وافقه الشيخ على ذلك.
وقال ابن عبد السلام: الحكمة في صيام هذه الأيام: أنه تكثر فيها رطوبات البدن، فاستحب تخفيفها بالصيام.
أما من شهر الحجة .. فهل يصام يومان فقط أو يصام معهما السادس عشر لم أر فيه نقلاً، والثاني أظهر.
فائدة: العرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم، فالثلاث الأول: الغرر، والتي تليها: النفل، والتي تليها: التسع، والتي تليها: العشر، ثم البيض، ثم الدرع، ثم الظلم، ثم الحنادس، ثم الدآدي، ثم المحاق، وقد أشرت إلى ذلك في (المنظومة) بقولي [من الرجز]: ثم ليالي الشهر قدمًا عرَّفوا .... كلَّ ثلاثٍ بصفاتٍ تُعرفُ فغرر ونفل وتسع .... وعشر والبيض ثم الدرع وظلم حنادس دآدي .... ثم المحاق لانمحاق بادي قال: (وستة من شوال)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال .. كان كصيام الدهر) رواه مسلم [1164] من حديث أبي أيوب رضي الله عنه.

وَتَتَابُعُهَا أَفْضَلُ.
وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ الْجُمُعَةِ،  قال الشيخ: وطعن فيه بعض من لا علم له مغترًا بقول الترمذي فيه: إنه حسن، وبالكلام في رواية سعد بن سعيد الأنصاري أخي يحيى بن سعيد الأنصاري.
قال: واعتنى شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلاً رووه عن سعد بن سعيد، وأكثرهم حفاظ أثبات، منهم شعبة والسفيانان، وتابع سعدًا على روايته أخواه يحيى وعبد ربه وصفوان بن سليم وغيرهم.
ورواه أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: ثوبان وأبو هريرة وجابر وابن عباس والبراء بن عازب وعائشة رضي الله عنهم.
ولفظ حديث ثوبان: (من صام رمضان .. فشهرٌ بعشرة، ومن صام ستة أيام بعد الفطر .. فذلك صيام السنة) رواه أحمد [5/ 280] والنسائي [سك 2873]، وفيه تنبيه على أن الشهر سواء كان ناقصًا أم تامًا بعشرة أشهر، ولا يكون بحسب الأيام.
وكره مالك صيامها خوفًا من أن تلحق برمضان.
قال ابن عبد البر: لم يبلغ مالكًا حديث أبي أيوب رضي الله عنه.
فإن قيل: فالحسنة مطلقًا مضاعفة بعشرة، فإذا صام من ذي القعدة كان كذلك .. فالجواب: أن المعنى كان كصيام الدهر فرضًا، وهذا يختص بما ورد الشرع به.
وقوله: (ستًا من شوال) بغير هاء التأنيث هي اللغة الفصيحة؛ إذا حذف المعدود .. تحذف الهاء.
ويبقى النظر فيمن أفطر جميع رمضان أو بعضه وقضاه .. هل يتأتى له تدارك ذلك؟ قال: (وتتابعها أفضل) أي: متصلة بيوم العيد؛ مبادرةً إلى العبادة.
وعن أبي حنيفة: الأفضل تفريقها في الشهر.
قال: (ويكره إفراد الجمعة)؛ لما روى الشيخان [خ 1985 - م 1144]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده).
وروى الحاكم [1/ 437]: (يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده).

وَإِفْرَادُ السَّبْتِ  اللهم إلا أن يوافق عادة له كما إذا كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، أو وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء .. فلا يكره له الإفراد، كمن وافقت عادته يوم الشك، والذي قاله المصنف هو الصحيح.
وفي وجه: لا كراهة في إفراده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قلما كان يفطر يوم الجمعة، قال الترمذي [742]: حسن، وهو محمول على: أنه كان يصله بالخميس.
ونقل القاضي أبو الطيب عن أحمد وابن المنذر وبعض أصحابنا: أنه لا يجوز إفراده بالصوم، ومراده بعدم الجواز: الكراهة.
ولو أراد الاعتكاف يوم الجمعة .. فهل يكره صومه أو يستحب ليصح اعتكافه بالإجماع؟ فيه احتمالان حكاهما المصنف في (نكته).
مهمة: أطلق الشيخان كراهة إفراد الجمعة، والذي نقله البيهقي والماوردي وابن الصباغ وصاحب (البيان) عن مذهب الشافعي رضي الله عنه: أن ذلك مخصوص بمن يضعف به عن وظائف العبادة، وهذه هي العلة الصحيحة في الكراهة.
وقيل: لئلا يبالغ في تعظيمه كاليهود في السبت.
وقيل: لئلا يعتقد وجوبه.
وقيل: لأنه يوم عيد.
وخُصَّ يوم الجمعة بأنه يُصَغر، دون سائر أيام الأسبوع؛ فإنها لا تصغر، كما لا تصغر أسماء الشهور.
قال: (وإفراد السبت)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما فرض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أو عود شجرة .. فليمضغه) رواه

وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيْرَ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ،  أحمد [4/ 189] والأربعة، وصححه ابن حبان [3615] والحاكم [1/ 435]، وقال أبو داوود: إنه منسوخ، وقال مالك: كذب.
قال المصنف: ولا يقبل هذا منه؛ فقد صححه الأئمة.
وعلل الرافعي كراهة إفراده بأنه يوم اليهود، ويؤخذ منه كراهة إفراد الأحد أيضًا؛ لأنه يوم النصارى، وبه صرح صاحب (التعجيز) في (مختصر التنبيه)، وصاحب (الشامل الصغير).
لكن روى النسائي [سك2789] وابن حبان [3646]: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر صومه من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: (إنهما يوما عيد المشركين فأحب أن أخالفهم) وهذا لا ينافي ما تقدم؛ فإن ذلك في الإفراد وهذا في الجمع.
وقال في (البحر): لا يكره إفراد عيد من أعياد أهل الملل بالصوم كالنيروز والمهرجان والشعانين.
وقال الجوهري: سمي يوم السبت؛ لانقطاع الأيام دونه، وجمعه سُبُتٌ وسُبوتٌ.
قال: (وصوم الدهر غير العيد والتشريق مكروه لمن خاف به ضررًا أو فوت حق)؛ ففي (صحيح مسلم) [1159]: (لا صام من صام الأبد).
قال الشيخ: وأطلقوا فوت الحق ولم يبينوا: هل المراد الواجب أو المندوب أو هما؟ قال: والظاهر: العموم.

وَمُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِهِ  فائدة: قال ابن سيده: (الدهر) الأبد الممدود، والجمع أدهر ودهور، فأما قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر) .. فمعناه: أن ما أصابك من الدهر فالله فاعله ليس الدهر، فإذا سميت به الدهر .. فكأنك أردت الله سبحانه وتعالى.
قال: (ومستحب لغيره)؛ للأدلة الواردة في استحباب الصوم.
وحمل الجمهور النهي على الحالة الأولى؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه لما قال: إني أسرد الصوم أصوم في السفر، قال: (إن شئت .. فصم، وإن شئت .. فأفطر) فلم ينكر عليه سرده.
وسرده جماعة من الصحابة، منهم: عمر وابنه وأبو طلحة وأبو أمامة وامرأته وحمزة بن عمرو وعائشة رضي الله عنهم.
وأطلق الغزالي: أن صوم الدهر سنة، وتبعه صاحب (الحاوي الصغير).
وأطلق البغوي وغير كراهته، والمعروف ما ذكره المصنف، لكن قوله: (ومستحب لغيره) تبع فيه (المحرر)، والذي في (الشرحين) و (الروضة) و (شرح المهذب): عدم كراهته، لا أنه مستحب.
وحيث قلنا: لا يكره، أو هو مستحب .. فصوم يوم وفطر يوم أفضل منه؛ ففي (الصحيحين): (أفضل الصيام صيام داوود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا).
فرع: لو نذر صوم الدهر .. انعقد نذره ولزمه الوفاء به.
قال الشيخ: كذا أطلقوه وينبغي أن تستثنى الصورة التي يحكم فيها بالكراهة.

وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلاَتِهِ .. فَلَهُ قَطْعُهُمَا وَلاَ قَضَاءَ  قال: (ومن تلبس بصوم تطوع أو صلاته .. فله قطعهما) أما الصوم .. فلحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ذات يوم فقال: (أعندك شيء؟) قالت: نعم، قال: (إذن أفطر وإن كنت قد فرضت الصوم) رواه الدارقطني [2/ 175] والبيهقي [4/ 275]. وفي (البخاري) [1968]: أن أبا الدرداء قال لسلمان رضي الله عنهما: كُلْ؛ فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل .. ذهب أبو الدرداء رضي الله عنه يقوم قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل .. قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال صلى الله عليه وسلم: (صدق سلمان).
وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله عليه وسلم (الصائم المتطوع أمير نفسه؛ إن شاء .. أفطر، وإن شاء .. صام) رواه أبو داوود وغيره بإسناد جيد، وصححه الحاكم [1/ 439]. وأما الحديث الذي فيه الأمر بالقضاء .. فضعيف، ولو صح .. حمل على الاستحباب.
وقطعهما لغير عذر مكروه، وقيل: خلاف الأولى، وللعذر غير مكروه.
ومن العذر: أن يشق على الضيف أو المضيف صومه، ففي هذه الحالة يستحب.
وما عدا الصوم والصلاة من التطوعات، كالاعتكاف والطواف والوضوء وقراءة سورة الكهف) يوم الجمعة والتسبيحات عقب الصلاة ونحو ذلك حكمه حكم الصوم والصلاة فيما ذكره، فلو عبر المصنف بقوله: ومن تلبس بتطوع .. كان أعم وأخصر.
قال: ولا قضاء) أي: وجوبًا، أما في الصوم .. فلما تقدم والصلاة مقيسة على

وَمَنْ تَلَبَّسَ بِقَضَاءٍ .. حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ إِنْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، وَهْوَ صَوْمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، وَكّذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ فِي الأَصَحِّ، بَأَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ.

 الصوم، لكن يستحب قضاؤهما خروجًا من خلاف أبي حنيفة ومالك؛ فإنهما أوجباه، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
والجواب: أن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره قالوا: لا تبطلوها بالنفاق.
قال: ومن تلبس بقضاء .. حرم عليه قطعه إن كان على الفور، وهو صوم من تعدى بالفطر)؛ لأن التخفيف بجواز التأخير لا يليق بحال المتعدي.
قال: وكذا إن لم يكن على الفور في الأصح، بأن لم يكن تعدى بالفطر)؛ لأنه قد تلبس بالفرض ولا عذر له في الخروج فلزمه إتمامه، كما لو شرع في الصلاة في أول الوقت، فإنه لا يجوز له الخروج منها على المعروف.
والثاني: لا يحرم؛ لأنه متبرع بالشروع فيه كما أن المسافر يشرع في الصوم ثم يريد الخروج منه.
ويَرِد على ضابط الفور بالتعدي بالفطر: قضاء صوم يوم الشك؛ فإنه على الفور مع عدم التعدي، ويستفاد منه وجوب القضاء على من نسي النية على الفور.
والمصرح به في شرح المهذب): أنه على التراخي بلا خوف، وكذلك من أكل على ظن الليل، لكن في الصلاة الفائتة بعذر وجهٌ: أن قضاءها على الفور كما صرح به الرافعي، ولم يحكوه هنا فيحتاج إلى الفرق.
تتمة: حيث أفطر الصائم المتطوع في أثناء النهار .. قال المتولي: المذهب: أنه لا يثاب على ما مضى؛ لأن العبادة ما تمت.
وحكي عن الشافعي رضي الله عنه: أنه يثاب عليه، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل له أيضًا، ويُشْبِهُ بناء ذلك على الخلاف في انعطاف النية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  خاتمة يستحب صوم شهر الله المحرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان .. صيام شهر الله المحرم) رواه مسلم [1163]. قال الروياني: ويستحب صوم شهر شعبان؛ ففي (الصحيحين) [خ 1970 - 1156م/176] عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله).
وفي رواية: (كان يصومه إلا قليلاً).
ومعنى?: (يصوم شعبان كله) أي: أكثره؛ فإنه صلى الله عليه وسلم ما صام شهرًا كاملاً غير رمضان.
وقد تكلم الناس في الحكمة التي لأجلها أكثر الصيام في شعبان.
وفي (مسند أحمد) [5/ 201]: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فقال: إنه شهر ترفع فيه الأعمال فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).
ولا منافاة بين هذا وبين رفعها في كل إثنين وخميس؛ لجواز أن ترفع أعمال الأسبوع مفصلة، ثم ترفع أعمال العام جملة.
ومن المسنون: صوم عشر ذي الحجة.
وهذه الأيام وإن كانت داخلة في صوم الحجة فلها مزية على باقيه، وألحق بها الغزالي مقابلها من المحرم.
قال المصنف: ومن المسنون الصوم آخر كل شهر، فإن قيل: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أفضل الصوم بعد رمضان صوم شهر الله المحرم)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فكيف أكثر عليه الصلاة والسلام الصوم في شعبان دونه؟ .. قال المصنف: لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر حياته قبل التمكن من صومه، أو لعله كان تعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما.
وعن بعضهم: استحباب صوم يوم الفقد، وهو اليوم الذي لا يجد الإنسان فيه ما يأكله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل.


كتابُ الاعتِكافِ

كِتَابُ الاعْتِكَافِ هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ،  كتاب الاعتكاف هو في اللغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه خيرًا كان أو شرًا، قال الله تعالى: ﴿فَأَتَوّا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ أي: يقيمون.
وفي الشرع: اللبث في المسجد بصفة مخصوصة، يقال: عكف على الشيء يعكُف ويعكِف - بضم الكاف وكسرها - عكفًا وعكوفًا: إذا أقبل عليه لا يَصْرِفُ عنه وجهه، واعتكف وانعكف بمعنىّ.
وقيل: عكف على الخير، وانعكف على الشر، وهو من الشرائع القديمة.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿أَن طَهِرَا بَيْتِيَ لِلطائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِّ﴾.
وفي (الصحيحين) [خ2027 - م 1167]: (أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان)، (ثم اعتكف العشر الأواخر ولازمه حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده).
وفي (البخاري) [2033]: (اعتكف عشرًا من شوال).
ويسمى الاعتكاف: جوارًا.
ومنه حديث عائشة رضي الله عنها في (صحيح البخاري) [296] وغيره: (وهو مجاور في المسجد).
قال: (هو مستحب كل وقت) بالإجماع، هذا بالنسبة إلى الرجل.

وَفِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ لَطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ إِلَى? أَنَّهَا لَيْلَةُ الْحَادِي أَوِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ  أما المرأة .. فحيث يكره لها الخروج للجماعة يكره لها الخروج له، وأطلق جماعة كراهته من غير تفصيل، ومن المشكل اتفاقهم على? صحة نذرها إياه مطلقًا.
قال: (وفي العشر الأواخر من رمضان أفضل)؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: (لطلب ليلة القدر) فيحييها بالصلاة والقراءة وكثرة الدعاء؛ فإنها أفضل ليالي السنة، وخير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
وفي (الصحيح): (من قام ليلة القدر غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه).
قيل: سميت بذلك؛ لعِظَمِ قدرها.
وقيل: لأن الأرض تضيق بالملائكة فيها.
وهي الليلة المباركة التي فيها يُفْرَق كلُّ أمرٍ حَكيم، وهي خصِّيصة لهذه الأمة لم تكن لمن قبلها، وهي باقية إلى? يوم القيامة، وتُرى? ويُحقِّقها من شاء الله من عباده.
وقول المهلب بن أبي صفرة: لا تمكن رؤيتها .. غلط.
ويستحب لمن رآها أن يكتمها ويدعو بما أحب دينًا ودنيا، وأن يقول فيها: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
ويستحب إحياؤها بالعبادة إلى الفجر، وأن يكون اجتهاده في اليوم الذي يليها كالاجتهاد فيها.
وقال في القديم: من صلى العشاء والصبح ليلة القدر في جماعة .. أخذ بحظه منها.
وقال في (شرح مسلم): لا ينال فضلها إلا من أطلعه الله عليها، فلو قامها إنسان ولم يشعر بها .. لم ينل فضلها، وكلام (التتمة) ينازعه في ذلك.
قال: (وميل الشافعي رحمه الله إلى? أنها ليلة الحادي أو الثالث والعشرين)؛ لأنه يرى? أنها منحصرة في العشر الأواخر في ليلة معينة لا تنتقل عنها وإن كانت مبهمة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  علينا، وكل ليالي العشر محتملة لها، لكن ليالي الوتر أرجاها، وأرجاها ليلة الحادي أو الثالث والعشرين؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه سلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: (إني اعتكف العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم أتيت، فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف .. فليعتكف) فاعتكف الناس معه، قال: (وإني أريتها ليلة وتر، وإني أسجد في صبيحتها في الطين والماء) فأصبح من ليلة إحدى? أو ثلاث وعشرين وإن على? جبهته وأنفه أثر الطين والماء، رواه الشيخان [خ2036 - م 1167]. وفي القديم: أرجاها ليلة إحدى? أو ثلاث أو سبع وعشرين ثم بقية الأوتار ثم أشفاع العشر الآخر.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما وجماعة: (إنها في جميع الشهر)، ورجحه صاحب (التنبيه) والمَحاملي والشيخ؛ لما روى? أبو داوود عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال: (هي في كل رمضان) وهو صحيح، إلا أن شعبة وسفيان روياه موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنهما.
وقال المزني وابن خزيمة وأبو ثور: إنها منتقلة في ليالي العشر الأواخر، تنتقل في بعض السنين إلى? ليلة، وفي بعضها إلى? غيرها، جمعًا بين الأحاديث.
قال المصنف: وهذا هو الظاهر المختار.
وخصها بعض العلماء بأوتار العشر الأواخر، وبعضهم بأشفاعه.
وقال ابن عباس وأُبي رضي الله عنهم: (هي ليلة سبع وعشرين)، وهو مذهب أكثر أهل العلم.
وقيل: ليلة ثلاث وعشرين، وقيل: ليلة أربع وعشرين.

وَإِنَّمَا يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْجَامِعُ أَوْلَى?  وقال زيد بن أرقم رضي الله عنه: (ليلة سبع عشرة).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: (ليلة تسع عشرة).
وقال بعضهم: آخر ليلة من الشهر.
والمشهور عن ابن مسعود رضي الله عنه: (أنها في جميع السنة) وهي رواية عن أبي حنيفة.
والسبب في إبهامها على الناس: أن يكثر اجتهادهم فيها ويطلبوها في الجميع، ومن علاماتها: أنها طلقة لا حارة ولا باردة، وتطلع الشمس في صبيحتها بيضاء ليس لها كثير شعاع.
قال: (وإنما يصح الاعتكاف في المسجد)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه لم يعتكفوا إلا فيه، فيصح في رَحْبَتِهِ؛ لأنها منه، وهي: ما كان مضافًا إلى المسجد مُحَجَرًا عليه.
وقال ابن الصلاح: رحبة المسجد صَحْنُهُ، ولا يصح في جزء شائع وُقِفَ مسجدًا وإن حرم على الجنب المكث فيه للاحتياط كما تقدم، ولا في مسجد أرضه مستأجرة ووقف بناؤه مسجدًا على القول بصحة الوقف.
والحيلة في الاعتكاف فيه: أن تُبنى? فيه صُفّة أو نحوها وتُوقف مسجدًا، فيصح الاعتكاف فيها كما يصح على? سطحه وجدرانه.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يصح في كل مسد تصلى? فيه الصلوات كلها وتقام فيه الجمعة.
وخصَّه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وسعيد بن المسيب بالمساجد الثلاثة.
وعن عطاء: لا يصح إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة.
وعن سَعيد بن المُسَيِّب: لا يصح إلا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (والجامع أولى?)؛ لئلا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة، وخروجًا من خلاف الزهري؛ فإنه اشترطه.

وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَهُوَ الْمُعْتَزَلُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلاَةِ.
وَلَوْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي نَذْرِهِ الاِعْتِكَافَ .. تَعَيَّنَ، وَكَذَا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَالأَقْصَى? فِي الأَظْهَرِ،  ومحل أولويته: إذا كان في تطوع أو منذور لا جمعة فيه؛ لئلا يحتاج فيما فيه جمعة إلى الخروج إليها إن كان من أهلها، فإذا اعتكف دون أسبوع وليست فيه جمعة .. استوى الجامع وغيره، لكن صرح القاضي فيه بالاستحباب.
أما إذا نذر أسبوعًا أو دونه متتابعًا وفيه يوم جمعة وقلنا: إن الخروج للجمعة يقطعه .. وجب الجامع، فإن شرع في غيره .. جاز الاعتكاف، ويجب الخروج للجمعة، ويبطل تتابعه.
و (الجامع) هو: المسجد الذي تقام فيه الجمعة، سُمِّيَ به؛ لجمعه الناس، يقال له: المسجد الجامع، ومسجد الجامع، وهو عند الكوفيين على? ظاهره، وعند البصريين تقديره: مسجد المكان الجامع.
قال: (والجديد: أنه لا يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو المعتزل المهيأ للصلاة)؛ لأنه ليس بمسجد، ولأنه لو صح فيه .. لاعتكف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتهن ولم يخرجن إلى المسجد.
والقديم: يصح؛ لأنه مكان صلاتها، وإذا قلنا بهذا .. ففي صحة اعتكاف الرجل في مسجد بيته وجهان: أصحهما: المنع.
وليس للخنثى الاعتكاف في مسجد بيته وإن جوزناه للمرأة، وفيه احتمالان لأبي الفتوح.
قال: (ولو عين المسجد الحرام في نذره الاعتكاف .. تعين)؛ لمزيد فضله، ولتعلق النسك فيه.
وقوله: (الاعتكاف) قد يفهم: أن الصلاة لا تتعين في المساجد الثلاثة، وليس كذلك، بل الصلاة أولى? بالتعيين، وقد نص عليها الشافعي رضي الله عنه والأصحاب.
قال: (وكذا مسجد المدينة والأقصى? في الأظهر)؛ لأن الترحال تشد إليهما كالمسجد الحرام.

وَيَقُومُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ مَقَامَهُمَا وَلاَ عَكْسَ، وَيَقُومُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الأَقْصَى? وَلاَ عَكْسَ.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الاِعْتِكَافِ لُبْثُ قَدْرٍ يُسَمَّى? عُكُوفًا، وَقِيلَ: يَكْفِي الْمُرُورُ بِلاَ لُبْثٍ،  والثاني: لا؛ لأنه لا يتعلق بهما نسك.
وألحق البغوي بمسجد المدينة كل مسجد صلى? فيه النبي صلى الله عليه وسلم.
ولو عين غير المساجد الثلاثة .. فالأصح: لا يتعين ويقوم بعضها مقام بعض كما لو عينه للصلاة.
والثاني: يتعين؛ لأن الاعتكاف يختص بالمسجد بخلاف الصلاة.
ووقع في (الكفاية): أن الرافعي صحح هذا، وهو سبق قلم.
وينبغي أن ينظر في ذلك إلى الأكثر جماعة فيقوم مقام دونه، بخلاف العكس.
وإذا قلنا بعدم التعيين .. فيستحب الاعتكاف فيما عينه، وليس له الخروج بعد الشروع لينتقل إلى? مسجد آخر، اللهم إلا أن يكون ينتقل في خروجه لقضاء الحاجة إلى? مسجد آخر على? تلك المسافة، فإنه يجوز له على الأصح.
قال: (ويقوم المسجد الحرام مَقامهما ولا عكس)؛ لأنه أفضل منهما، لكثرة الصلاة في المسجد الحرام؛ إذ الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي مسجد المدينة بألف، كذا رواه أحمد [4/ 5] والبيهقي [5/ 246] من رواية عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وصححه ابن حبان [1620]. قال: (ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى? ولا عكس)؛ لأنه أفضل منه، إذ الصلاة في الأقصى? بخمس مئة صلاة، رواه أبو عمر، وقال البزار [كشف 428]: إسناده حسن.
قال: (والأصح: أنه يشترط في الاعتكاف لبث قدر يسمى? عكوفًا)؛ لأن لفظ الاعتكاف يقتضيه، وهو زائد على? طمأنينة الصلاة، ولا يشترط السكون، بل يصح اعتكافه قائمًا وقاعدًا ومترددًا في أقطاره.
قال: (وقيل: يكفي المرور بلا لبث)؛ كالوقوف بعرفة.

وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُكْثُ نَحْوِ يَوْمٍ.
وَيَبْطُلُ بِالْجِمَاعِ، وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ: أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ بِشَهْوَةٍ - كَلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ - تُبْطِلُهُ إِنْ أَنْزَلَ، وَإِلاَّ .. فَّلاَ  قال: (وقيل: يشترط مكث نحو يوم)؛ لأن الزمان القليل معتاد صرفه إلى الحاجات.
وفي وجه رابع: يشترط أكثر من نصف النهار أو نصف الليل.
وخامس: لا بد من يوم وأبو حنيفة يشترط اليوم لاشتراطه الصوم.
فإذا قلنا: لا يجب يوم .. فيستحب الخروج من خلافه.
وعلى المذهب: يصح الاعتكاف في أوقات الكراهة ويومي العيدين والتشريق.
لو نذر الاعتكاف جميع عمره .. لزمه، فإن فات في بعض الأيام .. فالحكم في قضائه كالحكم فيمن نذر صوم الدهر ثم أفطر.
قال: (ويبطل بالجماع)؛ للآية سواء جامع في المسجد أم في طريقه لقضاء الحاجة، سواء قلنا: إنه في خروجه لقضاء الحاجة معتكف أم لا.
هذا إذا كان ذاكرًا للاعتكاف عالمًا بالتحريم لمنافاته الاعتكاف، لكن يستثنى? منه ما إذا أولج الخنثى? في قبله أو أولج هو في امرأة أو رجل أو خنثى?؛ فإن في بطلان اعتكافه الخلاف في المباشرة بغير جماع كما ذكره في (شرح المهذب).
ثم إذا بطل الاعتكاف، فإن لم يكن متتابعًا .. لم يبطل ما مضى?، وإن كان متتابعًا .. بطل الماضي ووجب قضاؤه، وإن كان نفلاً .. فلا قضاء عليه وصح له ما مضى?.
ولا كفارة في إفساد الاعتكاف بالجماع، وقال الحسن والزهري: يجب مثل كفارة رمضان.
قال: (وأظهر الأقوال: أن المباشرة بشهوة - كلمس وقبلة - تبطله إن أنزل، وإلا .. فلا) كالصوم، وكذلك إذا استمنى? وأنزل .. بطل اعتكافه.
والثاني: يبطل مطلقًا؛ لعموم الآية.
والثالث: لا يبطل مطلقًا كالحج، واختاره ابن المنذر.

وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا .. فَكَجِمَاعِ الصَّائِمِ.
وَلاَ يَضُرُّ التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُنُ وَالْفِطْرُ، بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ  وعلى? كل قول فهي حرام بالإجماع.
ووقع في (العدة) و (الوسيط) حكاية خلاف في التحريم وهو وهم.
أما المباشرة بلا شهوة أو بقصد الكرامة .. فلا تبطله قطعًا.
قال: (ولو جامع ناسيًا .. فكجماع الصائم)؛ لأن النسيان تجاوز الله عنه، فإن جامع جاهلاً بالتحريم .. فكنظيره من الصوم.
قال: (ولا يضر التطيب والتزين) أي: بالاغتسال وقص الشارب وتسريح الشعر ولبس الثياب الحسنة؛ لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه تركه ولا أمر بتركه.
وكره معمر وعطاء الطيب للمعتكف.
قال: (والفطر، بل يصح اعتكاف الليل وحده)؛ لأن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله؛ إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: (فأوف بنذرك) متفق عليه [خ 2032 - م 1656]. وأما ما رواه مسلم [1656]: (إني نذرت أن أعتكف يومًا) .. فقال ابن حبان: أراد به يومًا مع ليلته؛ لأن ألفاظ الحديث كلها مصرحة بأنه نذر ليلة.
وفي قول قديم: إن الصوم شرط في صحته، ويرده ما رواه الحاكم [1/ 439] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على? نفسه) وقال: صحيح على? شرط مسلم.
فروع: للمعتكف أن يرجل شعره ويتعهد صنائعه ويبيع ويشتري ويكتب، ولا يكره له شيء من ذلك إذا لم يكثر، لكن المذهب: كراهة البيع والشراء في المسجد - وإن قل - للمعتكف وغيره إلا لحاجة.

وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ .. لَزِمَهُ.
وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا أَوْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا .. لَزِمَاهُ، وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ جَمْعِهِمَا.
وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الاِعْتِكَافِ،  وإن اشتغل المعتكف بقراءة القرآن ودراسة العلم .. فزيادة خير.
ويكره له السباب والخصومة.
وينبغي أن تكون عليه السكينة والوقار، ويشتغل بالطاعات ما أمكنه، ويكثر النظر في العلم؛ فإنه أفضل من صلاة التطوع.
قالك (ولو نذر اعتكاف يوم هو فيه صائم .. لزمه)؛ لأن الاعتكاف بالصوم أفضل وإن لم يكن مشروطًا فيه، فإذا التزمه بالنذر .. لزمه كما التزم التتابع فيه، وليس له حينئذ إفراد أحدهما عن الآخر قطعًا.
قال: (ولو نذر أن يعتكف صائمًا أو يصوم معتكفًا .. لزماه)؛ عملاً بالتزامه.
فلو عين وقتًا لا يصح صومه كالعيدين والتشريق .. قال الدارمي: اعتكفه ولا يقضي الصوم.
قال: (والأصح: وجوب جمعهما)؛ لما تقدم.
والثاني: لا؛ لأنهما عبادتان مختلفتان، فاشبه ما إذا نذر أن يصلي صائمًا.
والثالث: يجب الجمع في الأولى? ولا يجب في الثانية؛ لأن الاعتكاف لا يصلح وصفًا للصوم ويصلح الصوم وصفًا للاعتكاف؛ لأنه مستحب فيه، كذا فرق به الرافعي، وفيه نظر.
ولو نذر أن يعتكف مصليًا أو عكسه .. لزماه، والمذهب: لا يجب الجمع، وقيل بالوجهين.
ولو نذر القِران بين الحج والعمرة .. فله تفريقهما وهو أفضل، ووقع هنا في (النهاية) لزوم الجمع، وهو وهم.
قال: (ويشترط نية الاعتكاف) كسائر العبادات ومراده بـ (الشرط): ما لا بد منه، فلاعتكاف ركنان: النية واللبث.

وَيَنْوِيْ فِي النَّذْرِ الْفَرْضِيَّةَ.
وَإِذَا أَطْلَقَ .. كَفَتْهُ نِيَّتُهُ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ، لَكِنْ لَوْ خَرَجَ وَعَادَ .. احْتَاجَ إِلَى الاِسْتِئْنَافِ.
وَلَوْ نَوَىَ مُدَّةً فَخَرَجَ فِيهَا وَعَادَ: فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ .. لَزِمِهُ الاِسْتِئْنَافُ، أَوْ لَها .. فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ .. اسْتَانَفَ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَانِفُ مُطْلَقًا  قال: (وينوي في النذر الفرضية)؛ ليتميز عن التطوع، وإن دخل في الاعتكاف ثم نوى الخروج منه .. لم يبطل في الأصح كالصوم.
قال: (وإذا أطلق .. كفته نيته وإن طال مكثه، لكن لو خرج وعاد .. احتاج إلى الاستئناف) سواء خرج لقضاء الحاجة أم لغيرها؛ فإن ما مضى عبادة تامة، والثاني اعتكاف جديد.
وقال في (التتمة)): لو عزم عند خروجه على أن يقضي حاجته ويعود .. كانت هذه العزيمة قائمة مقام النية.
واعترض الرافعي بأن اقتران النية بأول العبادة شرط، فكيف يحصل الاكتفاء بالعزيمة السابقة؟! قال المصنف: وما قاله المتولي هو الصواب؛ لأنه لما أحدث النية عند إرادة الخروج صار كمن نوى المدتين بنية واحدة.
قال: (ولو نوى مدة فخرج فيها وعاد، فإن خرج لغير قضاء الحاجة .. لزمه الاستئناف، أو لها .. فلا)؛ لأنه إذا خرج لغيرها .. فقد قطع الاعتكاف، وإذا خرج لها .. فهو كالمستثني عند النية؛ لأنه لا بد منه ولا فرق على هذا بين أن يطول الزمان أو يقصر.
قال: (وقيل: إن طالت مدة خروجه .. استأنف) سواء كان الخروج لقضاء الحاجة أو لغيرها؛ لتعذر البناء.
قال: (وقيل: لا يستأنف مطلقًا)؛ لأن النية شملت جميع المدة بالتعيين.

وَلَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً، فَخَرَجَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ .. لَمْ يَجِبِ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْحَاجَةِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ .. وَجَبَ  قال: (ولو نذر مدة متتابعة، فخرج لعذر لا يقطع التتابع) وذلك كالأكل وقضاء الحاجة والحيض والمرض والخروج ناسيًا ونحو ذلك مما يأتي بيانه.
قال: (.. لم يجب استئناف النية)؛ لشمولها جميع المدة ويجب العود عند الفراغ من العذر، فلو أخر .. انقطع التتابع وتعذر البناء.
قال: (وقيل: إن خرج لغير الحاجة وغسل الجنابة .. وجب) أي: استئناف النية؛ لخروجه عن العبادة بما له عنه بُدٌّ.
والمراد بـ (الحاجة): البول والغائط، أما الخروج للحاجة المذكورة وغسل الجنابة .. فلا بد منها.
واحترز عما يقطع التتابع؛ فإنه يجب استئناف النية.
وألحق الغزالي بالحاجة وغسل الجنابة الأذان إذا جوزنا الخروج له.
فروع: إذا خرج لقضاء الحاجة .. لم يُكلف الإسراع، بل له المشي على عادته.
ولو كثر خروجه للحاجة لعارضٍ اقتضاه كإسهال ونحوه .. فالأصح: لا يضر؛ نظرًا إلى جنسه.
والثاني: يقطع التتابع لندوره.
وإذا فرغ من قضاء الحاجة واستنجى .. فله أن يتوضأ خارج المسجد؛ لأن ذلك يقع تابعًا.
أما إذا احتاج للوضوء بغير حاجة لبول ولا غائط ولا استنجاء، فإن لم يمكنه في المسجد .. جاز الخروج، وإلا .. فيمتنع الخروج له على الأصح.
هذا في الوضوء الواجب، أما التجديد .. فلا يجوز الخروج له جزمًا ولا لغسل الجمعة والعيد.

وَشَرْطُ الْمُعْتَكِفِ: الإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ وَالْجِنَابَةِ.
وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُعْتَكِفُ أَوْ سَكِرَ .. بَطَلَ، وَالْذْهَبُ: بُطْلَانُ مَا مَضَى مِنِ اعْتِكَافِهِمَا الْمُتَتَابِعِ  قال: (وشرط المعتكف: الإسلام)؛ لأن النية لا بد منها ونية الكافر لا تصح.
قال: (والعقل) فلا يصح من المجنون والمغمى عليه والمبرسم والسكران ومن لا تمييز له؛ لأنهم ليسوا أهلًا للعبادة.
قال: (والنقاء عن الحيض والجنابة) فلا يصح اعتكاف حائض ولا نفساء ولا جنب ابتداء؛ لأن مكثهم في المسجد معصية.
وأفهمت عبارته صحة اعتكاف الصبي والزوجة والرقيق وهو كذلك كصيامهم، لكن لا يجوز للعبد إلا بإذن سيده، ولا للزوجة إلا بإذن زوجها، فإن اعتكفا بغير إذن .. صح مع التحريم وكان للسيد والزوج إخراجهما منه، وكذا لو اعتكفنا بإذنهما تطوعًا.
أما المكاتب .. فله أن يعتكف بغير إذن مولاه على الأصح، وإذا عجز عن نجومه .. كان له منعه حينئذ، وليس له حمله على الكسب للكتابة.
والمبعض كالقن إن لم تكن له مهايأة، فإن كانت .. فهو في نوبته كالحر، وفي نوبة السيد كالقن.
ولو نذر العبد اعتكافًا في زمان معين بإذن سيده فباعه .. لم يكن للمشتري منعه من الاعتكاف؛ لأنه صار مستحقًا قبل ذلك، ولكن إن جهل .. فله الخيار في فسخ البيع.
قال: (ولو ارتد المعتكف أو سكر .. بطل)؛ لعدم أهليتهما فلا يعتد بزمن الردة والسكر، وقيل: لا يبطل زمن السكر، وقيل: يعتد به فيهما.
قال: (والمذهب: بطلان ما مضى من اعتكافهما المتتابع)؛ لأن ذلك أشد منافاة من الخروج من المسجد.
والثاني: لا يبطل في المرتد، بخلاف السكران، وهو المنصوص فيهما.

وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ .. لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى إِنْ لَمْ يَخْرُجْ، وَيُحْسَبُ زَمَنُ الإِغْمَاءِ مِنَ الاِعْتِكَافِ دُونَ الْجُنُونِ.
أَوْ حَيْضٌ .. وَجَبَ الخُرُوجُ، وَكَذَا الْجَنَابَةُ إِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ أَمْكَنَ .. جَازَ الْخُرُوجُ، وَلَا يَلْزَمُ، وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَلَا الْجَنَابَةِ  والفرق: أن السكران يمنع من المسجد بكل حال؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، بخلاف المرتد، فيجوز أن يستتاب في المسجد.
والثالث: قولان.
وكان الصواب أن يقول: في اعتكافه، بإفراد الضمير؛ لأجل العطف بـ (أو)، وقد أتى به على الصواب بعده في قوله ثَم: (يخرج).
والمراد بـ (بطلانه): تعذر البناء عليه لا حبوطه.
قال: (ولو طرأ جنون أو إغماء .. لم يبطل ما مضى إن لم يخرج)؛ لأنه معذور بما عرض له.
هذا إذا عرض له الجنون بسبب يعذر فيه، فإن عرض له بما لا يعذر فيه .. فكالسكران.
قال: (ويحسب زمن الإغماء من الاعتكاف) كالصائم إذا أغمى عليه بعض النهار.
وفي وجه مخرج: لا يحسب له.
قال: (دون الجنون)؛ لمنافاته العبادة البدنية.
قال: (أو حيض .. وجب الخروج)؛ لتحريم مكثها في المسجد.
قال: (وكذا الجنابة إن تعذر الغسل في المسجد)؛ لما تقدم.
قال: (فإن أمكن .. جاز الخروج، ولا يلزم)، لأنه أقرب إلى المروءة وأصون للمسجد، ولا يكلف الغسل فيه على المذهب.
والذي ذهب إليه المحققون ورجحه ابن الرفعة تبعًا لـ (البسيط)): تعين الخروج.
قال: (ولا يحسب زمن الحيض ولا الجنابة) إذا اتفق المكث معهما لعذر أو غيره؛ لأنه حرام أو مباح للضرورة.

فَصْلٌ: إِذَا نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً .. لَزِمَهُ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ بِلَا شَرْطٍ،.

 تتمة: المستحاضة إذا أمنت التلويث .. ليس لها الخروج من اعتكافها؛ لأن الاستحاضة لا تمنع من المُقام في المسجد، فإن خرجت .. بطل اعتكافها؛ لما روى البخاري [خ 310 و2037] عن عائشة رضي الله عنها قالت: (اعتكفتْ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه، فكانت ترى الصفرة والحمرة، فربما وضعنا الطست تحتها، وهي تصلي).
قال ابن الرفعة: وفي هذا دليل على إخراج الدم في طست في المسجد بالفصد والحجامة.
قال: (

فصل

: إذا نذر مدة متتابعة .. لزمه)؛ لأنه وصف مقصود شرعًا، وهذا لا خلاف فيه إذا صرح به لفظًا، فإن نواه بقلبه .. لم يجب في الأصح.
والثاني: يجب بذلك، واختاره الشيخ.
وقال في (المهمات)): إنه الصواب نقلًا ومعنى.
فلو نذر التفريق .. لم يلزم، بل تجوز المتابعة؛ لأنه أولى، وهذا عكس الصوم كما صرح به المصنف في (باب النذر) حيث قال: (فإن قيد بتفريق أو موالاة .. وجب)؛ وذلك أن الصوم وجب فيه التفريق في صورة وهي صوم التمتع، فكان مقصودًا فيه، بخلاف الاعتكاف لم يطلب فيه مثل ذلك.
قال: (والصحيح: أنه لا يجب التتابع بلا شرط) كما لو نذر صوم وأطلق .. لا يلزمه التتابع.
وخرج ابن سريج قولًا: إنه يلزمه التتابع، وبه قال الأئمة الثلاثة، كما لو حلف لا يكلم فلانًا شهرًا .. يكون متتابعًا، والمذهب: الأول، لكن يستحب التتابع.

وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ يَوْمًا .. لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُ سَاعَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ مُدَّةً كَأُسْبُوعٍ وَتَعَرَّضَ لِلتَّتَابُعِ وَفَاتَتْهُ .. لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ،  وعلى المذهب: لو لم يتعرض له لفظًا ولكن نواه بقلبه .. ففي لزومه وجهان: أصحهما: لا، كما لو نذر أصل الاعتكاف بقلبه.
وأصحهما عند الروياني: أنه يلزمه، كما لو قال: أنت طالق ونوى ثلاثًا بقلبه، واختاره الشيخ.
قال: (وأنه لو نذر يومًا .. لم يجز تفريق ساعاته)؛ لأن المفهوم من لفظ اليوم الاتصال، فيدخل قبل الفجر ويخرج بعد الغروب.
والثاني: يجوز؛ تنزيلًا للساعات منزلة الأيام من الشهر.
والثالث: إن نوى التتابع .. لم يجزئه، وإلا .. أجزأه.
فلو دخل المسجد في أثناء النهار ولم يخرج بالليل واستمر إلى ذلك الوقت .. أجزأه عند الأكثرين، سواء جوَّزنا التفريق أو منعناه؛ لحصول التواصل بالبيتوتة، وهو ظاهر النص.
وقال أبو إسحاق: لا يجزئه؛ لأنه لم يأت بيوم متواصل الساعات.
وسيأتي لهذا ذكر في (كتاب الطلاق) في تعليقه بالأوقات.
ولو نذر اعتكافه ليلة .. فهي في معنى اعتكاف اليوم على ما سبق، فيدخل المسجد قبل غروب الشمس، ويخرج بعد الفجر، فلو أراد تفريقها في ساعات الليل .. ففيه الخلاف السابق.
ولو قال: لله علي أن اعتكف يومًا من هذا الوقت .. اتفقوا على أنه يدخل المعتكف من ذلك الوقت إلى مثله من الغد، ولا يجوز الخروج بالليل، واستشكله الرافعي بأن الملتزم يومٌ وليست الليلة منه.
قال: (وأنه لو عين مدة كأسبوع وتعرض للتتابع وفاتته .. لزمه التتابع في القضاء)؛ لالتزامه إياه.

وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ .. لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقَضَاءِ.
وَإِذَا ذَكَرَ التَّتَابُعَ وَشَرَطَ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ .. صَحَّ الشَّرْطُ فِي الأَظْهَرِ،  والثاني: لا؛ لأن التتابع يقع ضرورة فلا أثر لتصريحه به.
وصورة المسألة: أن يقول: هذا الأسبوع، أو هذا الشهر، أو شهر رمضان، أو هذا العشر، ونحو ذلك، أما لو عبر بالأسبوع فقط وشرط التتابع .. فلا يتصور فيه الفوات؛ فإنه على التراخي.
قال: (وإن لم يتعرض له .. لم يلزمه في القضاء) بلا خلاف؛ لأن التتابع فيه لم يقع مقصودًا بل من ضرورة تعين الوقت، وهو نظير ما سبق في قضاء رمضان.
قال: (وإذا ذكر التتابع وشرط الخروج لعارض .. صح الشرط في الأظهر)؛ لأن الاعتكاف إنما يلزمه بالالتزام فيجب بحسب ما التزم.
والثاني: لا يصح؛ لأنه شرط مخالف لمقتضاه فبطل، كما لو شرط الخروج للجماع.
فعلى الأول: إذا عين نوعًا .. خرج له فقط، وإن أطلق وقال: لا أخرج إلا لشغل أو عارض .. جاز الخروج لكل مهمٍّ ديني كالجمعة والعيادة، أو دنيوي مباح كلقاء السلطان واقتضاء الغريم، وليست النزهة من الشغل.
واحترز بـ (شرط الخروج) عما لو شرط قطع الاعتكاف لعارض؛ فإنه وإن صح لكن لا يجب عليه العود عند زوال العارض؛ لانقضاء نذره.
وقوله: (لعارض) احترز به عما لو قال: إلا أن يبدو لي؛ فإن الشرط باطل على الأصح.
قال البغوي: ولا ينعقد النذر.
وكان ينبغي أن يقول: لعارض مباح مقصود لا ينافي الاعتكاف؛ فإن المذهب: أنه لو شرط الخروج لجماع أو قتل محرم أو شرب خمر أو سرقة ونحوها .. لم يصح نذره.

وَالزَّمَانُ الْمَصْرُوفُ إِلَيْهِ لَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ إِنْ عَيَّنَ المُدَّةَ كَهَذَا الشَّهْرِ، وَإِلَّا .. فَيَجِبُ.
وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِالْخُرُوجِ بِلَا عُذْرٍ.
وَلَا يَضُرُّ إِخْراجُ بَعْضِ الأَعْضَاءِ، وَلَا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ دَارِهِ،  وإذا خرج لما شرط وفرغ منه .. لزمه العود في الحال، فإن أخر بلا عذر .. بطل تتابعه واستأنف.
ولو قال: إلا أن يعرض لي، أو أسافر .. صح الشرط، وإذا وجد العارض .. جاز الخروج.
قال: (والزمان المصروف إليه) أي: إلى العارض الذي خرج له (لا يجب تداركه إن عين المدة كـ) هذا الأسبوع و (هذا الشهر) وشهر رمضان؛ لأن المنذور من الشهر إنما هو اعتكاف ما عدا العارض.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يعين كشهر مطلق أو عشرة أيام مطلقة (.. فيجب) اعتكافه؛ لتتم المدة.
قال: (وينقطع التتابع بالخروج بلا عذر) وإن قلَّ؛ لمنافاته اللبث.
قال: (ولا يضر إخراج بعض الأعضاء) كيده ورأسه ونحو ذلك؛ لأنه لا يسمى خارجًا.
وفي (الصحيحين)) [خ 296 - م 297] عن عائشة رضي الله عنها: (كان عليه الصلاة والسلام يدني إلي رأسه فأرجله).
فلو أخرج إحدى رجليه .. فالمعتبر ما اعتمد عليها.
ولو اضطجع وأخرج بعض بدنه .. فيحتمل اعتبار الأكثر بالمساحة أو بالثقل.
قال: (ولا الخروج لقضاء الحاجة) بالإجماع؛ لأنه ضروري، ومثله الخروج لغسل الجنابة وإزالة النجاسة كرعاف ونحوه وإن كثر منه.
وقيل: إن كثر ذلك منه لعارض .. ضر، ثم إذا خرج .. لا يكلف الإسراع.
وقال ابن كَجَّ: يخرج لشراء الخبز إذا لم يكن له من يقوم به.
قال: (ولا يجب فعلها في غير داره) وإن أمكن كسقاية المسجد ودار القريب

وَلَا يَضُرُّ بُعْدُهَا إِلَّا أَنْ يَفْحُشَ فَيَضُرُّ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا فِي طَرِيقِهِ .. لَمْ يَضُرُّ مَا لَمْ يُطِلْ أَوْ يَعْدِلْ عَنْ طَرِيِقِهِ  والصديق ونحو ذلك؛ لما في ذلك من المشقة والمنة، والمستعارُ والمستأجر كالمملوك.
قال: (ولا يضر بعدها)؛ مراعاة لما سبق من المشقة والمنة وسقوط المروءة.
قال: (إلا أن يفحش فيضر في الأصح)؛ لأنه قد يأخذه البول في عوده فيبقى طول يومه في الذهاب والإياب، اللهم إلا أن لا يجد في طريقه موضعًا أو كان لا يليق به إلا داره.
والثاني: لا يضر هذا الفحش؛ لما سبق من مشقة الدخول إلى دار غيره.
فروع: لو كان له داران تعينت القربى في الأصح، ويجوز الخروج للأكل على المنصوص.
وقال ابن سريج وابن سلمة: لا يجوز، ورجحه الإمام والبغوي.
وقال القاضي: إن كان سخيًا وفي طعامه .. أكل في المسجد، وإلا .. فله الخروج له.
وينبغي أن يقيد جواز الخروج بأكل يحتاج إلى زمن.
أما اليسير كالتمرة ونحوها .. فيجزم فيه بعدم الجواز.
وأما الخروج للشرب .. فالأصح جوازه إذا لم يجد ماء في المسجد، أو لم يجد من يأتيه به.
قال: (ولو عاد مريضًا في طريقه .. لم يضر ما لم يطل وقوفه) بل اقتصر على السؤال والسلام، أما إذا طال .. فيضر قطعًا.
ولو صلى في طريقه على جنازة ولم ينتظرها ولا ازوَرَّ .. لم يضر على المذهب.
قال: (أو يعدل عن طريقه)، فإن عدل عنها وإن قل .. بطل على الأصح؛ لما

وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِمَرَضٍ يُحْوِجُ إِلَى الْخُرُوجِ، وَلَا بِحَيْضٍ إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الاِعْتِكَافِ،  فيه من إنشاء سير لغير قضاء الحاجة، فلذلك قيد المصنف الوقوف بالطول وأطلق العدول.
والأصل في ذلك: ما روى أبو داوود [2464]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو يسأل عنه ولا يعرِّج).
وفي (صحيح مسلم)) [297] عن عائشة رضي الله عنها موقوفًا مثله.
وحكم زيارة القادم حكم عيادة المريض.
قال: (ولا ينقطع التتابع بمرض يحوج إلى الخروج) أي: وخرج؛ وذلك بأن كان المرض يشق معه المقام لحاجته إلى الفراش والخادم وتردد الطبيب فيباح له الخروج ولا ينقطع التتابع، ةكذلك إذا خاف من تلويث المسجد بالإسهال وإدرار البول.
أما المرض الخفيف الذي لا يشق معه المقام في المسجد كالصداع والحمى الخفيفة .. فلا يجوز الخروج بسببه، فإن خرج .. بطل التتابع.
فإن قيل: إذا صام في كفارة الظهار ثم خرج لمرض .. انقطع تتابعه، فلم لا كان هنا كذلك؟ .. فالجواب: أنه هنا إنما خرج لضرورة المسجد فناسب أن لا ينقطع، وفي الظهار خرج لضرورة نفسه فناسب الانقطاع.
وفي معنى (المرض) من خرج لخوف لص أو حريق، فإذا زال خوفه .. عاد إلى مكانه وبنى، قاله الماوردي.
قال: (ولا بحيض إن طالت مدة الاعتكاف) بحيث لا تنفك عن الحيض غالبًا، بل تبني إذا طهرت كالحيض في صوم الشهرين المتتابعين؛ لأنه عارض بغير اختيارها.
وفي (البحر)) وجه: أنه ينقطع.
ومثل في (شرح المهذب)) طول المدة بأن تزيد على خمسة عشر يرمًا، وهو مشكل؛ فإن الثلاثة والعشرين تخلو عن الحيض غالبًا، لأن غالب الحيض ست أو سبع والغالب: أن الشهر الواحد لا يكون فيه إلا طهر واحد وحيضة واحدة.

فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنْهُ .. انْقَطَعَ فِي الأَظْهَرِ، وَلَا بِالْخُرُوجِ نَاسِيًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا بِخُرُوجِ الْمُؤَذِّنِ الْرَّاتِبِ إِلَى مَنَارَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الْمَسْجِدِ لِلأَذَانِ فِي الأَصَحِّ  قال: (فإن كانت بحيث تخلو عنه .. انقطع في الأظهر)؛ لإمكان التحرز عنه، لأنها بسبيل من أن تشرع كما طهرت.
والثاني: لا ينقطع؛ لأن جنس الحيض يتكرر في الجملة فلا يؤثر في التتابع كقضاء الحاجة.
والنفاس كالحيض في جميع ذلك.
قال: (ولا بالخروج ناسيًا على المذهب) كما لا يبطل الصوم بالأكل ولا بالجماع ناسيًا.
والثاني: يبطل؛ لأن اللبث مأمور به والنسيان ليس بعذر في ترك المأمورات، والمكره كالناسي.
ولو خرج لعقوبة شرعية من حد أو قصاص، فإن ثبت ذلك بإقراره .. بطل اعتكافه؛ لأنه خرج باختياره، وإن ثبت بالبينة .. لم يبطل تتابعه قطعًا، وقيل: على الأصح.
أما الذي أخرجه السلطان ظلمًا لمصادرة أو غيرها، أو خاف من ظالم فخرج واستتر .. فكالمكره، وإن أخرجه لحق عليه وهو يماطل .. بطل لتقصيره، وإن حمل وأخرج .. لم يبطل.
ولو أكره على الخروج .. لم ينقطع تتابعه عند الأكثرين.
قال: (ولا بخروج المؤذن الراتب إلى منارة منفصلة عن المسجد للأذان في الأصح)؛ لأنها مبنية للمسجد معدودة من توابعه وقد ألف المؤذنون صعودها وألف الناس صوته.
والثاني: ينقطع مطلقًا؛ للاستغناء عنها بسطح المسجد فيؤذن عليه.
والثالث: لا ينقطع مطلقًا بالراتب وغيره؛ لأنها مبنية للمسجد.

وَيَجِبُ قَضَاءُ أَوْقَاتِ الْخُرُوجِ بِالأَعْذَارِ إِلَّا أَوْقَاتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.

 والرابع: إن كان غيره من المؤذنين له صوت مثل صوته .. لم يجز له أن يخرج، وإلا .. جاز، حكاه القاضي.
وصورة المسألة: أن تكون قريبة من المسجد مبنية له.
ولو كان بينه وبينها طريق .. بطل اعتكافه بالذهاب إليها بلا خلاف وسواء الراتب وغيره، كذا صرح به جميع الأصحاب، كما لو خرج إليها لغير الأذان.
ولا يجوز الاعتكاف فيها إلا أن تكون داخل المسجد.
وحكمها إذا كانت في رحبة المسجد .. حكم المسجد على المشهور وإن كان الإمام قد قال: إن حريم المسجد لا يثبت له حكم المسجد في الاعتكاف وتحريمِ مكث الجنب.
و (المنارة) بفتح الميم: المئذنة، وكذلك منارة السراج، وجمعها منائر ومناور، والثاني أكثر؛ لأنه من النور.
قال: (ويجب قضاء أوقات الخروج بالأعذار)؛ لأنه غير معتكف فيها.
قال: (إلا أوقات قضاء الحاجة) فلا يجب قضاؤها؛ لأن الاعتكاف مستمر فيها على الصحيح، ولهذا لو جامع في طريقه من غير مكث .. بطل اعتكافه كما تقدم.
وفي معنى الخروج لقضاء الحاجة: الخروج للأكل، والمؤذن للأذان، والجنب للاغتسال، والمحدث للوضوء، ولانهدام المسجد، ولأداء شهادة تعين أداؤها عليه وتحملها.
وقيل: يكتفي تعين الأداء والخروج لعدة وفاة أو طلاق على المذهب، وقيل: قولان.
وفي (الكفاية)) عن أبي الطيب والماوردي: أن الخلاف فيمن لم يفوض طلاقها إليها، فإن فوضه إليها فطلقت نفسها .. انقطع جزمًا، وصرح بذلك القاضي حسين وغيره، وما قالوه متعين يحمل عليه إطلاق الأصحاب.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تتمة: لو أراد الخروج للفصد أو الحجامة، فإن دعت حاجة إليه بحيث لا يمكنه التأخير .. جاز الخروج له، وإلا .. فلا، كالمرض يفرق فيه بين الخفيف وغيره.


خاتمة هل الأفضل للمتطوع الخروج لعيادة المريض أو دوام الاعتكاف؟ قال الأصحاب: هما سواء.
وقال ابن الصلاح: هذا مخالف للسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخرج لذلك وكان اعتكافه تطوعًا.
وقال بعض المتأخرين: ينبغي أن يكون موضع التسوية في عيادة الأجانب، أما الأقارب وذوو الأرحام كالأب والأم ونحوهما والأصدقاء والجيران .. فالظاهر: أن الخروج لعيادتهم أفضل، لا سيما إذا علم أنه يشق عليهم تخلفه، وعبارة القاضي حسين مصرحة بذلك، والله الموفق.


كِتَابُ الْحَجَّ         ــــ

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل