النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 365-383
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا، فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ يُبَاعٌ  والثاني: يمنع كالمزارع، كذا أطلقه الرافعي والمصنف.
والظاهر: أن موضع الخلاف في الأبنية التي كانت موجودة يوم ردها عمر إلى أهلها، فأما ما حدث بعد ذلك .. فيجوز بيعه بالاتفاق.
واستثنى أبو الفرج الزاز في (تعليقه) الخانات ونحوها، فلا يجوز بيعها؛ لأن عمر وقفها كالأراضي، ويستثنى أيضًا: أبنية البصرة؛ فإنها وإن دخلت في حد السواد .. فيجوز بيعها بالاتفاق كما تباع أراضيها إلا الموضعان المستثنيان.
وإذا أراد الإمام اليوم أن يقف أرض الغنيمة كما فعل عمر رضي الله عنه .. جاز إذا استطاب قلوب الغانمين في النزول عنها بعوض أو دونه، فإن أبَوا أو بعضهم .. فلا، وهو أحق بها، ولا يجوز له رد شيء من النساء والصبيان إلى الكفار إلى باستطابة قلوبهم.
قال: (وفتحت مكة صلحًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ يعنى: أهل مكة، فدل على أنهم لم يقاتلوا، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، وصح: أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل المسجد .. فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان .. فهو آمن، ومن ألقى سلاحه .. فهو آمن، ومن أغلق بابه .. فهو آمن) رواه مسلم [1780]، واستثنى أناسًا أمر بقتلهم كما تقدم، فدل على عموم الأمان للباقي.
وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ فأضاف الدور إليهم وحقيقتها الملك.
وقال أكثر أهل المغازي: إنها فتحت عَنوة، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الماوردي: أسفلها دخله خالد عَنوة، وأعلاها دخله الزبير صلحًا، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من جهته، فصار حكم جهته الأغلب.
قال: (فدُورها وأرضها المُحياة مِلك يباع)؛ لحديث أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله؛ أتنزل غدًا بدارك بمكة؟ فقال: (وهل ترك لنا عقيل من رباع) وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرثه جعفر ولا علي؛ لأنهما كانا مسلمين،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وترجم عليه البخاري (باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها).
وروى البيهقي [6/ 34]: أن عمر اشترى دار السجن بمكة من صفوان بن أمية بأربع مئة، وفي رواية: بأربعة آلاف.
وباع حكيم بن حزام دار الندوة بمكة من معاوية بمئة ألف، رواه الزبير بن بكار.
وحديث: (مكة لا تباع رباعها، ولا تؤجر دورها) ضعيف وإن رواه الحاكم [2/ 53]. تنبيهان: أحدهما: محل الخلاف بين العلماء في بيع نفس الأرض، أما البناء .. فهو مملوك يجوز بيعه بلا خلاف.
الثاني: قال الروياني: يكره بيع دور مكة وإجارة رباعها، ونازعه المصنف في (شرح المهذب) في دعوى الكراهة، وقال: الأحسن أن يقال: إن ذلك خلاف الأولى؛ لأن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، ولم يثبت في هذا شيء.
واعترض على المصنف بأنه صرح بكراهة بيع المصحف والشطرنج، ولم يثبت فيها نهي.
تتمة: الصحيح: أن مصر فتحت عَنوة، وممن نص عليه مالك في (المدونة) وأبو عبيد والطحاوي وغيرهم، وأن عمر وضع على أراضيهم الخراج.
وقيل: فتحت صلحًا ثم نكثوا، ففتحها عمر ثانيًا عَنوة.
وفي (وصية الشافعي) في (الأم) ما يقتضي: أنها فتحت صلحًا؛ فإنه أوصى على أرض له بمصر، على أنه يحتمل أن تكون من الموات الذي أحيي، ولا منع فيه، أو من أرض اتصلت بالشافعي من غير بيت المال.

فَصْلٌ: يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ أَمَانُ حَرْبِيٍّ وَعَدَدٍ مَحْصُورٍ فَقَطْ،  وفي (تاريخ بغداد) للخطيب: كان الليث بن سعد اشترى شيئًا من أرض مصر، قال: وإنما استجاز ذلك؛ لأنه كان يحدِّث عن يزيد بن أبي حبيب: أنها فتحت صلحًا.
والأكثرون على خلاف قولهما.
وكان مالك وجماعة من أهل عصره ينكرون على الليث ذلك الفعل؛ لأنها عندها عَنوة.
والليث ويزيد بن أبي حبيب مصريان، وهما أعرف بحال مصر من غيرهما.
وأما الشام .. فنقل الرافعي عن الروياني: أن مدنها فتحت صلحًا وأرضها عَنوة، وقد أشكل حالها على من حضرها وعلى عمر بن الخطاب، فتورعوا وأعطوها حكم الصلح.
وقال الجرجاني: لا خلاف أنه يجوز بيع أراضي الخراج بالشام؛ لأنها غير موقوفة، وإنما صالح الإمام أهلها على أن تكون الأرض لهم بخراج معلوم يؤدونه كل سنة.
ورجح الشيخ: أن دمشق فتحت عَنوة.
قال: (فصل: يصح من كل مسلم مكلف مختار أمان حربي وعدد محصور فقط).
(الأمان) ضد الخوف والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية، أي: استأمنك فأمنه، أو استعانك فأعنه.
و (كَلامَ اللَّهِ) قيل: جميع القرآن، وقيل: سورة براءة.
﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ أي: بعد انقضاء مدة الأمان.
وفي (الصحيحين) [خ 3180 - م 1371] عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم –أي: عبيدهم- فمن أخفر مسلمًا –أي: نقض عهده- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  و (الذمة) العهد والأمان والحرمة والحق، وسمي أهل الذمة بذلك؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم.
ومعنى: (يسعى بها أدناهم) إذا أعطى العبد الأمان .. جاز ذلك على جميع المسلمين؛ لأن عمر أجاز أمان عبد على جميع الجيش.
وأمَّنت به أم هانئ بنت أبي طالب يوم الفتح رجلين من أحمائها؛ وهما: الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية، فقال صلى الله عليه وسلم: (قد أجرنا مَن أجرت، وأمَّنا مَن أمَّنت) رواه الترمذي [1579]. فيصح أمان الحر والعبد –وإن كان سيده كافرًا- والمرأة والخنثى والفقير والمحجور عليه لسفه والمريض والشيخ والهرم والفاسق.
وفي وجه: لا؛ لأنه نوع ولاية، وليس هو من أهلها.
وفي وجه ثالث: إن كان فسقه بسبب إعانته على المسلمين .. لم يصح أمانه، وإلا .. فيصح.
وقال أبو حنيفة: لا يصح أمان العبد إلا إذا كان مأذونًا له في القتال.
واحترز عن أضداد ما ذكر فلا يصح أمان كافر؛ لأنه متَّهم، ولا أمان الصبي وإن راهق، ولا المجنون؛ لأنه عقد فأشبه سائر العقود، لكن لا يقتل مَن أمَّناه إن جهل فساد أمانهما، بل يعرَّف أنه لا أمان له ليرجع، وكذا حكم أمان المكره.
وأطلق (الحربي) ومراده: غير الطليعة والجاسوس ونحوه ممن لا يصح أمانه كما سيأتي.
وشمل إطلاقه: مَن عيّن الإمام قتلّه وعدمَ المَنِّ عليه، فظفر به بعض الرعية وأمَّنه، والظاهر: النفوذ كما أفتى به الطوسي وغيره.
ثم إنما يجوز من الآحاد لكافر أو كفار محصورين كعشرة ومئة، ولا يجوز لهم أمان ناحية وبلدة؛ لئلا يتعطل الجهاد.
قال الإمام: ولو أمن مئة ألف منا مئة ألف .. فكل واحد لم يؤمن إلا واحدًا، لكن إذا ظهر الانسداد .. رد الجميع.

وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ أَسِيرٍ لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَقْصُودَهُ،  قال الرافعي: وهو ظاهر إن أمنوهم دَفعة، فإن وقع مترتبًا .. فينبغي صحة الأول فالأول إلى ظهور الخلل، واختاره المصنع، وقال: إنه مراد الإمام، وسواء كان الكافر المؤمن في دار الحرب أو في حال القتال أو الهزيمة.
قال: (ولا يصح أمان أسير لمن هو معهم في الأصح)؛ لأنه مقهور معهم، ولا يعرف وجه النظر والمصلحة، وهو غير آمن على نفسه، ولأن الأمان يقتضي أن يكون آمنًا، والأسير في أيديهم ليس بآمن.
والثاني: يصح؛ لأنه مسلم مكلف مختار أمن أمانًا ليس فيه إضرار.
والذي صححه الشيخان تبعا فيه صاحب (المهذب)، ونقله في (البيان) عن القفال.
والمنصوص في (الأم) صحة أمان الأسير الموثق والمخلى، وجرى عليه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم.
ثم محل الوجهين: إذا كان مختارًا، فإن أكره على عقده .. لم يصح قطعًا، وخصهما الإمام بما إذا أمن غير من أسره، فإن أمن من أسره .. فلا خلاف في عدم الصحة، وإطلاق المصنف شامل للأمرين.
ومراده بقوله: (معهم) الذي هو في أيديهم بالحبس والقيد كما قال ابن الرفعة؛ ليخرج أسير الدار، وهو الذي أطلق من القيد والحبس وأمنوه على أن لا يخرج من دارهم وبقي عاجزًا عن الخروج؛ فيصح أمانه قطعًا، كما جزم به في (التنبية) وغيره ثم على القول بصحة الأمان مقتضى عبارته: أن يعتبر مطلقًا، وليس كذلك؛ فقد قال الماوردي: حيث قلنا بصحة أمانه، فإن أطلقه .. لم يكن آمنًا من المسلمين إلا في دار الحرب؛ لأن إطلاق العقد يتوجه إلى دار العقد لاختلاف الدارين.
قال: (ويصح بكل لفظ يفيد مقصوده)، سواء كان صريحًا كأجرتك، أو أمنتك، أو أنت آمن، أوفي أماني، أولا بأس عليك، أو لا خوف عليك، وكذا

وَبِكِتَابَةٍ وَرِسَالَةٍ  لا تخف؛ لما روى الشافعي والبيهقي: أن الهرمزان لما حمله أبو موسى الأشعري إلى عمر .. قال له عمر: (تكلم لا بأس عليك) فتركه.
واعترض بأن الهرمزان كان أسيرًا، والأسير لا يجوز أمانه.
وأجيب بأن الآحاد هم الذين لا يؤمنون الأسير، أما الإمام .. فله الأمان كما له المن.
ويصح بالكناية مع النية، كأنت على ما تحب، وكن كيف شئت.
وكذا لو قال بالعجمية: مَتَرْس، كما قال في (المحرر)، وهي بفتح الميم والتاء وسكون الراء، ومعناه: لا تخف؛ لما روى ابن مسعود قال: (إن الله يعلم كل لسان، فمن أتى منكم أعجميًا فقال: مَتَرْس .. فقد أمنه) رواه البيهقي عن عمر بمعناه [9/ 96]. قال: (وبكتابة)؛ لما روى البيهقي [9/ 94] عن فضل بن زيد الرقاشي قال: جهز عمر جيشًا كنت فيهم فحصرنا قرية رام هرمز، فكتب عبد أمانًا في صحيفة وشدها في سهم رمى به إلى المشركين، فجاؤوا وقالوا: قد أمنتمونا، قالوا: لم نؤمنكم، إنما أمنكم عبد، فكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إليهم عمر: إن العبد من المسلمين، وذمته ذمتهم.
وتصح بالإشارة، سواء كان قادرًا على العبارة أم لم يكن؛ لما روي عن عمر أنه قال: (والذي نفسي بيده؛ لو أن أحدكم أشار بيده إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله .. لقتلته) كذا استدل به الرافعي، وهو غريب.
وإهمال المصنف الإشارة في الإيجاب مع ذكره لهما في القبول يقتضي عدم الاكتفاء بها، وهو خلاف المذهب، وكأنه تبع (المحرر) في ذلك.
قال: (ورسالة)؛ لأنها أقوى من الكتابة، سواء كان الرسول كافرًا أو مسلمًا؛ لأن بناء الباب على التوسعة في حقن الدم، ومقتضى هذا: جواز كون الرسول صبيًا، وينبغي تقييده بالموثوق بخبره.

وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْكَافِرِ بِالأَمَانِ، فَإِنْ رَدَّهُ .. بَطَلَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْبَلْ فِي الأَصَحِّ،  قال: (ويشترط علم الكافر بالأمان) كسائر العقود، فلو قتله مسلم قبل علمه .. جاز وإن كان القاتل هو الذي أمنه، كذا صرح به الإمام وبعض المراوزة وتبعهم الشيخان، ولم يذكر الشافعي والعراقيون هذا الشرط وهو الصواب، بل إذا علم المسلم بالأمان حَرُم عليه قتله وإن لم يعلم الكافر، ويدل لذلك ما روى الشيخان عن أم هانئ أنها قالت: يا رسول الله؛ زعم علي أنه قاتلٌ رجلًا أَجرْته، فقال صلى الله عليه وسلم: (قد أجرنا مَن أجرت يا أم هانئ).
قال: (فإن ردَّه .. بطل)؛ لأن ثابت بن قيس بن شماس أمَّن الزبير بن باطا يوم قريظة فلم يقبل فقتله، رواه ابن إسحاق كذلك، وهذا بخلاف ما تقدم عند قول المصنف: (ويحل قتل راهب وأجير وشيخ وأعمى)، فلينظر في ذلك.
والزبير بفتح الزاي وكسر الباء كما تقدم، وباطا بموحدة بلا مد ولا همز، وهو والد عبد الرحمن بن الزبير، قتل الزبير بن باطا يوم بني قريظة، قتله الزبير بن العوام.
قال: (وكذا إن لم يقبل) أي: ولم يرد (في الأصح) الأمانُ لا يصح من أحد الطرفين دون الآخر كغيره من العقود.
والثاني: يكفي السكون؛ لأن مبنى الباب على التوسعة.
وليست المسألة ذات وجهين كما اقتضته عبارة المصنف، إنما هو تردد للإمام، والترجيح بحث له.
والمنقول عن (التهذيب) و (تعليق الشيخ إبراهيم والمَروروذي) وغيرهما: الاكتفاء بالسكون، وهو ظاهر نص (الأم)، ومقتضى كلام العراقيين وغيرهم.
نعم؛ يشترط مع السكون ما يشعر بالرضا، وهو الكف عن القتال، كما صرح به الماوردي.
ومحل الخلاف: إذا كان سكوته لا لغباوة ودهشة، فإن كان عن ذلك .. لم يبطل قطعًا، بل يعرَّف بذلك.
فلو قال الكافر: قبلت أمانك فخذ حذرك مني .. فهو رد للأمان.

وَتَكْفِي إِشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ لِلْقَبُولِ، وَيَجِبُ أَنْ لَا تَزِيدَ مُدَّتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ مَا لَمْ تَبْلُغْ سَنَةً، وَلَا يَجُوزُ أَمَانٌ يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ كَجَاسُوسٍ.
وَلَيْسَ لِلإِمَامِ نَبْذُ الأَمَانِ إِنْ لَمْ يَخَفْ خِيَانَةً،  قال: (وتكفي إشارة مفهمة للقبول)، سواء أشار بها ناطق أو أخرس؛ لما تقدم عن عمر، والفرق بينها وبين الإشارة بالطلاق والرجعة وسائر العقود: أن المقصود حقن الدم، فكانت الإشارة شبهة.
واحترز بـ (المفهمة) عن المجردة عن الإفهام؛ فلا يصح بها الأمان، ثم محل اعتبار القبول: إذا لم يسبق منه استيجاب، فإن تقدم .. كفى، ولا يحتاج بعده إلى قبول قطعًا.
قال: (ويجب أن لا تزيد مدته على أربعة أشهر، وفي قول: يجوز ما لم تبلغ سنة)؛ لما سيأتي في الهدنة، ويؤخذ منه أنه لا يجوز التأييد من طريق أولى.
ويجوز دون أربعة أشهر قطعًا، فلو زاد الجائز .. بطل الزائد، ولا يبطل في الباقي على الأصح تخريجًا على تفريق الصفقة.
هذا فر الرجال، أما النساء .. فلا يحتاج فيهن لتقييد بمدة كما نص عليه في (الأم)؛ فإذا أقامت ببلاد الإسلام .. لم تمنع؛ لأن الأربعة أشهُر إنما هي للرجال، ومنعوا من السنة؛ لئلا تترك الحرب، والمرأة ليست من أهله.
قال: (ولا يجوز أمان يضر المسلمين كجاسوس)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
فلو أمنه .. لم ينفذ، قال الإمام: وينبغي أن لا يستحق تبليغ المأمن؛ لأن دخول مثله خيانة فينبغي أن يغتال، والطليعة كالجاسوس.
و (الجاسوس) صاحب سر الشر، بخلاف الناموس؛ فإنه صاحب سر الخير، كما يقال: تجسس في الشر، وتحسس في الخير بالمهملة.
قال: (وليس للإمام نبذ الأمان إن لم يخف خيانة)؛ لأنه لازم من جهة المسلمين، فإن خافها .. نبذه كالهدنة، وأولى، وهذا بخلاف عقد الجزية؛ فإنه لا يرفعه إلا إذا تحققنا الخيانة.

وَلَا يَدْخُلُ فِي الأَمَانِ مَالُهُ وَأَهْلُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا فِي الأَصَحِّ إِلَّا بِشَرْطٍ  وعبارة المصنف تفهم اختصاص النبذ بالإمام، وليس كذلك، بل للمؤمن نبذه إذا ظهرت خيانته، كما قاله البغوي.
قال: (ولا يدخل في الأمان ماله وأهله بدار الحرب)؛ لأن فائدة الأمان تحريم قتله واسترقاقه ومفاداته، لا أهله وماله، فيجوز اغتنام أمواله هناك وسبي أولاده المخلفين، وزعم في (البسيط) أنه لا خلاف فيه.
قال: (وكذا ما معه منهما في الأصح إلا بشرط)؛ لقصور اللفظ عن العموم.
والثاني: يدخل ما معه منهما؛ لاحتياجه إلى ذلك.
نعم؛ يدخل ثيابه التي لا يستغني عنها، وما يستعمله من الآلة التي لابد له منها، وما ينفقه في مدة أمانه؛ لضرورته إلى ذلك.
فلو أمنه على نفسه وماله، فإن كان ماله حاضرًا .. صح، وإن كان غائبًا .. لم يصح إلا من الإمام أو من قام مقامه.
وإفصاح المصنف بـ (التصحيح) لم يتبع فيه (المحرر)، فإنه قال: رجح منهما المنع، وكذلك عبر في (الشرح الصغير)، ولم ينقل الترجيح في (الكبير) إلا عن الإمام.
ووقع في المسألة اختلاف ترجيح للرافعي والمصنف، والمنصوص في (الأم) في (سير الواقدي) الدخول من غير شرط، وعليه جرى العراقيون.
والمراد بـ (ما معه) في دار الإسلام وإن لم يكن في حوزته.
والمراد بـ (الأولاد) صغار ولده، وأما زوجته .. فلا تدخل إلا إذا صرح بها.
وكلام المصنف وغيره يقتضي: أن الذي معه لغيره لا يدخل قطعًا، وليس كذلك؛ فقد نص في (الأم) على التسوية بين ما معه من ماله ومال غيره.
وإذا صح الأمان .. عصم من القتل والسبي، فلو قتل .. قال الإمام: الوجه عندنا: أنه يضمن بما يضمن به الذمي.

وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ الْكُفْرِ إِنْ أَمْكَنَهُ إِظْهَارُ دِينِهِ .. اسْتُحِبَّ لَهُ الْهِجْرَةُ، وَإِلَّا .. وَجَبَتْ إِنْ أَطَاقَهَا  قال: (والمسلم بدار الكفر إن أمكنه إظهار دينه)؛ لكونه ذا عشيرة يحمونه ولم يخف فتنة في دينه) .. استحب له الهجرة)؛ لئلا يكثر سوادهم أو يميل إليهم أو يكيدوا له، وإنما لم تجب؛ لقدرته على إظهار دينه، ولهذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم عثمان يوم الحديبية إلى مكة؛ لقوة عشيرته، ولأن الله تعالى لما أوجبها على المستضعفين .. دل على أنها لا تجب على غيرهم.
وفي وجه: تحرم الإقامة؛ لعموم ما سيأتي من الأحاديث، ولأنه بينهم ذليل وإن كفوا عنه، ولا يأمن أذاهم.
وقال الماوردي: إن رجا ظهور الإسلام هناك بمُقامه .. فهو أفضل، وإن قدر على الامتناع والاعتزال .. وجب أن يقيم؛ لأن موضعه دار إسلام، فيحرم أن يصيرها باعتزاله عنها دار حرب.
فإن تساوى حاله في المُقام والهجرة .. تخيَّر بينهما.
ولا فرق في وجوب الهجرة بين الرجل والمرأة وإن لم تجد محرمًا، ولم يقيدوه بحالة الأمن، والظاهر: أنه مقيد بها.
قال: (وإلا .. وجبت إن أطاقها)، وتحرم عليه الإقامة؛، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) روا أبو داوود [2471] والنسائي [سك 8658]. وفي (سنن أبي داوود) [2638] و (الترمذي [1604]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين).
وأما حديث ابن عباس في (الصحيحين) [خ 1834 - م 1353]: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) ففي معناه قولان: أحدهما: لا هجرة كاملةُ الفضلِ كالتي قبل الفتح.
والثاني: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام.

وَلَوْ قَدَرَ أَسِيرٌ عَلَى هَرَبٍ .. لَزِمَهُ،  وسميت هجرة؛ لأنهم هجروا ديارهم فرارًا بدينهم، وقيل في حقهم: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّه عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ تنبيهان: أحدهما: يستثنى من الوجوب: من في إقامته مصلحة للمسلمين؛ فقد حكى ابن عبد البر وغيره: أن إسلام العباس كان قبل بدر وكان يكتمه ويكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين، وكان المسلمون يتقوون به، وكان يحب القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب النبي صلى الله عليه وسلم إليه: أن مُقامك بمكة خير، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة.
الثاني: لا تختص الهجرة بدار الكفر، بل كل من أظهر حقًّا ببلد من بلاد الإسلام ولم يقبل منه ولم يقدر على إظهاره .. لزمته الهجرة منه، قال صاحب (المعتمد) والبغوي في (تفسير سورة العنكبوت)، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقال الزمخشري: إن كان الرجل ببلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه لبعض الأسباب والعوائق، أو علم انه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة .. حقت عليه المهاجرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبرًا من الأرض .. استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام).
قال: (ولو قدر أسير على هرب .. لزمه)؛ إقامة لدينه، سواء كان في حبس أو قيد.
وحكى الإمام وجهًا: أنه لا يجب إذا أمكنه إقامة شعار دينه، قال: والأصح: المنع؛ فإن المسلم بين الكفار مقهور مهان.

وَلَوْ أَطْلَقُوهُ بِلَا شَرْطٍ .. فَلَهُ اغْتِيَالُهُمْ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ .. حَرُمَ، فَإِنْ تَبِعَهُ قَوْمٌ .. فَلْيَدْفَعْهُمْ وَلَوْ بِقَتْلِهِمْ، وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ .. لَمْ يَجُزِ الْوَفَاءُ  قال: (ولو أطلقوه بلا شرط .. فله اغتيالهم) أي: قتلًا وسبيًا وأخذ مال؛ لأنهم لم يستأمنوه.
وقتل الغيلة: أن يخدعه فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه .. قتله.
قال: (أو على أنهم في أمانه .. حرم)؛ عملًا بما التزمه، وكذا لو أطلقوه على أنه في أمان منهم على الًاصح المنصوص؛ لأنهم إذا أمنوه .. وجب أن يكونوا في أمان منه.
وقيل: له اغتيالهم.
قال: (فإن تبعه قوم .. فليدفعهم ولو بقتلهم) كالصائل، ويكون الدفع واجبًا.
قال: (ولو شرطوا أن لا يخرج من دارهم .. لم يجز الوفاء)، بل يجب عليه الخروج ويحرم الوفاء بالشرط؛ لأن في ذلك ترك إقامة الدين.
هذا إذا لم يمكنه إظهار دينه، فإن أمكنه .. لم يحرم الوفاء؛ لأن الهجرة حينئذ مستحبة لا واجبة، فتستثنى هذه الصورة من إطلاق المصنف.
فإن حلفوه: أن لا يخرج، فحلف مكرهًا .. خرج ولا كفارة عليه؛ لأنه لم تنعقد يمينه، ولا طلاق عليه إن حلفوه بالطلاق.
وإن حلف بغير إكراه ابتداء بلا تحليف ليثقوا به ولا يتهموه بالخروج .. نظر: إن حلف بعد ما أطلقوه .. لزمته الكفارة بالخروج، وإن حلف وهو محبوس: أن لا يخرج إذا أطلق .. فالأصح: أنه ليس بيمين إكراه.
قال البغوي: ولو قالوا: لا نطلقك حتى تحلف: أنك لا تخرج، فحلف، فأطلقوه .. لم تلزمه كفارة بالخروج، ولو حلف بالطلاق .. لم يقع، كما لو أخذ اللصوص رجلًا وقالوا: لا نتركك حتى تحلف بالطلاق: أنك لا تخبر بمكاننا، فحلف، ثم أخبر بمكانهم .. لا تلزمه الكفارة؛ لأنه يمين إكراه.

وَلَوْ عَاقَدَ الإِمَامُ عِلْجًا يَدُلُّ عَلَى قَلْعَةٍ وَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ .. جَازَ،  قال الرافعي: وليكن هذا تفريعًا على أن التخويف بالحبس إكراه.
قال المصنف: قلت: ليس هو كالتخويف بالحبس؛ فإنه هناك تلزمه الهجرة والتوصل إليها بما أمكنه، ثم على الأحوال لا يغتالهم؛ لأنهم أمنوه.
قال: (ولو عاقد الإمام عِلْجًا) وهو الكافر الغليظ الشديد، يقال: استعلج خلقه، أي: غلظ، سمي بذلك؛ لدفعه عن نفسه، ومنه العلاج؛ لدفعه الداء، وجمعه: عُلوج وأَعلاج ومَعْلوجاء، وفي الحديث: (الدعاء والبلاء يتعالجان إلى يوم القيامة) أي: يتصارعان، رواه البزار والحاكم [1/ 492] من حديث عائشة.
قال: (يدل على قلعة) أي مسماة معينة خفي طريقها، أو ليدلهم على طريق إليها خال من الكفار أو سهل أو كثير الماء والكلأ.
و (القلعة) –في (الصحاح) بسكون اللام، وفي (المحكم) بفتحها-: الحصن المنيع في جبل، وجمعها: قِلاع وقِلَع.
قال: (وله منها جارية .. جاز) وهي جعالة بجُعل مجهول غير مملوك، احتملت؛ للحاجة، كالعقد على المنافع قبل أن تخلق يجوز وإن كان في غرر؛ للحاجة، وسواء كانت الجارية معينة أو مبهمة، وفي المبهمة وجه.
وسواء كانت المعينة حرة أو أمة؛ لأن الحرة ترق بالأسر، ويجب كون الجُعل منها، فلو قال: أعطيك جارية مما عندي أو من مالي .. لم يصح؛ لكون مجهولًا كسائر الجُعالات.
وفي (سنن البيهقي) –بإسناد على شرط الصحيح- عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب، وإنكم ستفتحونها) فقام رجل فقال: يا رسول الله؛ هب لي ابنة بقيلة، قال: (هي لك)، فأعطوه إياها لمّا فتحت، فجاء أبوها فقال: أتبيعنيها؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: احكم بما شئت، قال: ألف درهم، قال: قد أخذتها، قالوا له: لو قلت: ثلاثين ألفًا .. لأخذتها، قال: وهل عدد أكثر من الألف؟! وبقيلة المذكور جاهلي قديم من المعمَّرين، عاش ثلاث مئة وخمسين سنة، أدرك

فَإِنْ فُتِحَتْ بِدِلَالَتِهِ .. أُعْطِيَهَا،  الإسلام ولم يسلم، وعاش إلى أن غزا خالد الحيرة في خلافة الصديق رضي الله عنه، واسمه: عبد المسيح.
والرجل الذي قال: (وهل عدد أكثر من الألف) خريم بن أوس الطائي.
وابنة بقيلة اسمها: الشيماء.
فرع: لا تجوز هذه المعاقدة مع مسلم في الأصح عند الإمام، وتبعه (الحاوي الصغير).
والذي أورده العراقيون الجواز، وقال في (البحر) إنه المشهور، وهو مقتضى كلام الرافعي في (الغنائم).
قال في (الروضة) (ولأن المسلم قد يكون أعرف وهو أنصح) اهـ، أراد: أنصح من النصح، فالتبس على شيخنا في (التنقيح) (أنصح) بـ (أصح)، فعزا الصحة إلى الرافعي، وهو وهم.
قال: (فإن فتحت بدلالته .. أعطيها)، ولا يكون لغيره فيها حق، سواء فتحت عَنوة أو صلحًا؛ لأنه استحقها بالشرط, وشملت عبارته: ما إذا لم يوجد فيها إلا تلك الجارية، وهو الأصح؛ وفاء بالشرط.
وقيل: لا تعطى له؛ لأنه تنفيل، ولا يجوز للإمام أن ينفل جميع الغنيمة.
هذا إذا فتحها من شارطه، فإن فتحها طائفة أخرى بالطريق التي دلنا عليها .. فلا شيء له [عليهم]؛ لأنه لم يجر معهم شرط، وهذا يرد على إطلاق المصنف.
وكلامه يفهم: أنه يعطى متى فتحت بدلالته في تلك المرة أو غيرها، وفي الثانية وجهان.

أَوْ بِغَيْرِهَا .. فَلَا فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ تُفْتَحْ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُعَلِّقِ الْجُعْلَ بِالْفَتْحِ .. فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا جَارِيَةٌ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ بَعْدَ الظَّفَرِ قَبْلَ التَسْلِيمِ .. وَجَبَ بَدَلٌ،  وقال في (الروضة) إن تركناها ثم عدنا ففتحناها بدلالته .. فله الجارية على الصحيح، فإن فتحناها بطريق آخر .. فلا شيء له على الصحيح.
قال: (أو بغيرها .. فلا في الأصح) صورة المسألة: أن يدل العلج على قلعة فيتجاوزها الإمام ثم يعود إليها بعد الانصراف عنها ويفتحها عَنوة .. ففي استحقاق الدليل الجاريةَ وجهان: أصحهما: لا يستحق؛ لأنها لم تفتح بدلالته.
والثاني: يستحق؛ لأن الوصول إلى فتحها بدلالته.
فلو فتحها طائفة أخرى بدلالته .. فلا شيء عليهم؛ لعدم الشرط معهم.
ثم إذا فتحت بدلالته ولم يوجد في القلعة سواها .. سلمت إليه، ولا حق فيها لغيره إن كانت مبهمة، وكذا إن كانت معينة على الصحيح؛ وفاء بالشرط، وفي وجه: لا تسلم إليه؛ لأن تنفيل كل الغنيمة ممتنع كما تقدم.
قال: (وإن لم تفتح .. فلا شيء له)؛ لأن تسليمها لا يمكن إلا بالفتح.
أما إذا أمكننا الفتح فلم نقاتل .. ففي استحقاقه شيئًا تردد للإمام.
قال: (وقيل: إن لم يعلِّقِ الجُعلَ بالفتحِ .. فله أجره المثل)؛ لوجود الدلالة.
وفي (الحاوي) يستحب أن يضرخ له.
قال: (فإن لم تكن فيها جارية أو ماتت قبل العقد .. فلا شيء له)؛ لفقد المشروط فيها.
قال: (أو بعد الظَّفَر قبل التسليم .. وجب بدل)؛ لأنها حصلت في يد الإمام وحوزه، فكان التلف من ضمانه.
وقيل: لا يجب؛ لأن الجارية ليست من حقائق الأعراض، وإنما جرى وعد يفي به عند الإمكان.

أَوْ قَبْلَ ظَفَرٍ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ بَدَلٍ، وَهُوَ أُجْرَةُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: قِيمَتُهَا  قال في (الروضة) وبدل الجارية حيث حكمنا به، هو أجرة المثل إن قلنا بضمان العقد، وقيمتها إن قلنا بضمان اليد، هكذا قال الإمام، ولكن الأظهر من قولي الصداق: وجوب مهر المثل، والموجود لجمهور الأصحاب هنا: قيمة الجارية.
قال: (أو قبل ظفر .. فلا في الأظهر)؛ لعدم القدرة عليها، فأشبه ما إذا لم تكن.
والثاني: نعم؛ لأن العقد تعلق بها وهي حاصلة، ثم تعذر التسليم وصار كما إذا قال: من رد عبدي فله هذه الجارية، فرده وقد ماتت الجارية .. يلزمه بدلها.
قال: (وإن أسلمت .. فالمذهب: وجوب بدل)؛ لأن إسلامها يمنع استرقاقها، فيعطى قيمتها من بيت المال، كما لو فسخ البائع بعيب في الثمن وقد أعتق المشتري المبيع، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عاقد أهل مكة على أن يرد إليهم من جاء من المسلمات، فنسخ الله تعالى ذلك وأمر برد مهورهن.
والطريقة الثانية: القطع بالوجوب، وهو فيمن أسلمت بعد الظفر أظهر منه فيمن أسلمت قبله.
قال: (وهو أجره مثل، وقيل: قيمتها) هذا الخلاف حكاه في (المحرر) فيما إذا ماتت كما سبق، ولم يتعرض له في صورة الإسلام، وكذا فعل في (الشرحين) و (الروضة).
والموجود لعامة الصحاب: وجوب القيمة لا جَرَم، جزم به صاحب (الحاوي الصغير)، وصححه في (التنجيز)، ونقله في (المهمات) عن النص، فهو المفتى به، عكس ما في (المنهاج).
ومحل الخلاف: إذا كانت معينة، فإن كانت مبهمة ومات كل من فيها وأوجبنا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  البدل .. فتجب أجرة المثل قطعًا؛ لتعذر تقويم المجهول، كذا قاله الرافعي، وهو حسن.
تتمة: قال: من دلني على القلعة .. فله كذا، وهي بقربه، فقال شخص: ها هي ذه .. ففي استحقاقه الجُعل وجهان: قال ابن كَج: المذهب: الاستحقاق، كما لو رد عبده من البلد التي هو فيها.
ولو شرط الإمام: أن من قتل فرسه في المعركة كان له مثلها أو ثمنها .. جاز، ويلزم الوفاء من خمس الخمس، ويجوز المثل وإن لم يكن للدابة مثل؛ للمصلحة، قاله الروياني.
... خاتمة حاصرنا قلعة فصالح زعيمها على أمان مئة شخص منهم .. صح؛ للحاجة، ويعيّن الزعيم مئة، فإن عدد مئة وأغفل نفسه .. جاز قتله.
واستدل له الرافعي وغيره بأن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه حاصر مدينة السوس وهو في الأهواز، فصالحه دهقانها على أن يفتح له المدينة ويؤمن مئة رجل من أهلها، فقال أبو موسى: (اللهم؛ أنسه نفسه)، فلما عزلهم قال له أبو موسى: (أفرغت؟) قال: نعم، فأمنهم وأمر بقتل الدهقان، فقال: أتغدرني وقد أمنتني؟! قال: (أمنت العدة التي سميت، ولم تسم نفسك)، فنادى بالويل وبذل مالًا فلم يقبله منه وقتله.


كِتَابُ الجِزْيَةِ

كِتَابُ الْجِزْيَةِ

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل