النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 237-276
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الأزهري: السلم والسلف بمعنى واحد، سمي: سلمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا؛ لتقديمه.
وقال الماوردي: السلم لغةُ حجازيةٌ، والسلف عراقية، واللفظان رواهما مسلم في (صحيحه) [1603/ 126 - 1604/ 127] كما ستأتي الإشارة إليه.
وجمع المصنف في الباب بين السلم والقرض؛ لاشتراكهما في المعنى وإن امتاز كل منهما بأمور تختص به.
وروى البيهقي والخطابي والرافعي في (شرح المسند) عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كره لفظ السلم؛ كأنه ضن بالاسم الذي هو موضوع للطاعة والانقياد لله عن أن يسمى به غيره، وأن يستعمله في غير طاعة الله ويذهب به إلى معنى السلف، وهذا من الإخلاص باب لطيف المسلك.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: (نزلت في السلم).
وروى الشيخان [خ2239 - م1604] عنه أنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: (من أسلف .. فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم).
قال الشافعي رضي الله عنه: وأجمعت الأمة على جواز السلم فيما علمت.

هُوَ بَيْعُ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، يُشْتَرَطُ لَهُ مَعَ شُرُوطِ الْبَيْعِ أُمُورٌ:  وحكي عن سعيد بن المسيب: أنه أبطله، وهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ فإن الحاجة قد تدعو إلى ذلك فجوز للضرورة.
قال: (هو بيع موصوف في الذمة) هذه أحسن العبارات، ومع ذلك يرد عليها: ما إذا عقده بلفظ البيع ولم يتعرض للفظ السلم .. فالأصح: انعقاده بيعًا لا سلمًا كما سيأتي، فينبغي أن يزاد فيه: بلفظ السلم.
وزاد في (الروضة): ببدل يعطى عاجلًا، ورده الشيخ بأن التعجيل شرط من شروطه، لا أنه داخل في حقيقته.
وقال في (التنبيه): إنه صنف من البيع، وقال: الصلح بيع، والإجارة بيع؛ لأن السلم بيع الدين فقط، والصلح يجري على العين والذمة، وكذلك الإجارة.
قال: (يشترط له مع شروط البيع) أي: مع ما لابد منه في البيع (أمور)؛ لما تقدم: أنه صنف من البيع .. لزم أن تعتبر فيه شروط البيع، والمراد: ما لابد في البيع منه من شروط وأركان؛ لأنه قد تقدم: أنه أطلق الشرط على ما لابد منه، وذكرها الإمام سبعة: تسليم رأس المال في المجلس، وكون المسلم فيه دينًا، مقدورًا عليه تسليمه، معلوم المقدار، معروف الأوصاف، والعلم بقدر رأس المال، وبيان موضع التسليم.
واقتصر الرافعي على الخمسة الأول؛ لأنها متفق عليها، والأخيران مختلف فيهما.
لكن يستثنى منه: أن سلم الأعمى يصح وإن كان أكمه على الصحيح، وبيعه وشراؤه لا يصحان في الجديد.
والكافر لا يصح شراؤه العبد المسلم على الصحيح كما تقدم، وفي صحة إسلامه فيه طريقان:

أَحَدُهَا: تَسْلِيمُ رَاسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِس.
فَلَوْ أَطْلَقَ ثُمَّ عَيَّنَ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ .. جَازَ،  أحدهما: أنه على القولين، والمذهب: الصحة.
وعلى هذا: هل يؤمر بفسخه أو لا اعتراض عليه حتى يقبضه؟ فيه وجهان.
قال: (أحدها: تسليم رأس المال في المجلس)؛ للحديث المتقدم: (من أسلف .. فليسلف في كيل معلوم) والسلف هو التقديم، فاقتضى التعجيل، ولأن السلم مشتق من إسلام المال، أي: تعجيله، وأسماء العقود المشتقة من المعاني لابد من تحقيق تلك المعاني فيها، فلو تفرقا من غير قبض .. لم يصح؛ لأنه من بيع الدين بالدين وقد نهى الشارع عنه، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: يجوز تأخيره مدة يسيرة كاليوم واليومين.
ولو تفرقا قبل تسليم بعضه .. فأوجه: أصحها: أنه يصح فيما قبض مقابله، ويبطل فيما لم يقبض مقابله.
والثاني: ينفسخ في الجميع.
والثالث: يبطل في مقابل ما لم يقبض، وفي الباقي قولا التفريق.
قال القاضي: وهو من تفريق الصفقة في الابتداء، وجعله الرافعي من تفريقها في الدوام، وقال الإمام: هو رتبة ثالثة بين التفريق في الابتداء والدوام، وكذا الخلاف في الصرف.
قال: (فلو أطلق ثم عين وسلم في المجلس .. جاز)؛ لأن المقصود: أن لا يتفرقا من غير قبض رأس المال، ولأن المجلس حريم العقد، فجعل القبض فيه كالتعيين في صلب العقد.
وأجمعوا على: منع أن يجعل الرجل دينًا له على رجل سلمًا في طعام إلى أجل؛ لأنه بيع دين بدين.

وَلَوْ أَحَالَ بِهِ وَقَبَضَهُ الْمُحَالُ فِي الْمَجْلِسِ .. فَلَا،  قال: (ولو أحال به) أي: برأس المال (وقبضه المحال في المجلس .. فلا) أشار بهذا إلى أن المراد بالتسليم: حقيقته، فلو أحال به .. لم يصح وإن قلنا: إنها استيفاء؛ لأن الحوالة ليست بقبض حقيقي، والمحال عليه يؤدي عن نفسه، لا عن المسلم.
وطريقة صحة العقد: أن يقبضه المسلم، ثم يسلمه إلى المسلم إليه.
وسكت المصنف عما إذا أحال المسلم إليه أجنبيًا برأس المال على المسلم، وهو باطل أيضًا لما تقدم.
وإن أحضر المسلم رأس المال، فقال المسلم إليه: سلمه إليه .. صح ويكون المحتال وكيلًا عن المسلم إليه في القبض.
فرع: وجد رأس المال في يد المسلم إليه، وقال: قبضت قبل التفرق، وقال المسلم إليه: بعده، وأقام كل منهما بينة .. قال ابن سريج: التسليم إليه أولى؛ لأن معها

وَلَوْ قَبَضَهُ وَأَوْدَعَهُ الْمُسْلِمَ .. جَازَ.
وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مَنْفَعَةً، وَيُقْبَضُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ.
وَإِذَا فُسِخَ السَّلَمُ وَرَاسُ الْمَالِ بَاقٍ .. اسْتَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: لِلْمُسْلَمِ إِلَيْهِ رَدُّ بَدَلِهِ إِنْ عُيِّنَ فِي الْمَجْلِسِ دُونَ الْعَقْدِ  زيادة علم وهو القبض قبل التفرق، فلو لم تكن بينة .. فالقول قول مدعي الصحة.
قال: (ولو قبضه وأودعه المسلم .. جاز)؛ قياسًا على سائر أمواله.
ولو قبضه، ثم رده إليه عن دين .. ففي (الرافعي) عن أبي العباس الروياني: أنه لا يصح، وأقره عليه.
والصواب: صحته؛ لأن التصرف في الثمن مع البائع في مدة الخيار صحيح على الأصح، ويكون إجازة منهما، وكذلك تصرف المشتري في المبيع.
قال: (ويجوز كونه منفعة، ويقبض بقبض العين) المراد: إذا جعل منفعة الدار أو العبد أو غيرهما مدة معلومة رأس مال الثمن .. جاز، كما يجوز جعل المنفعة ثمنًا وأجرة وصداقًا، ويكون تسليمها بتسليم العين؛ لأنه لما تعذر القبض الحقيقي .. اكتفينا بهذا لأنه الممكن.
وشمل إطلاق المصنف: ما لو كانت المنفعة متعلقة ببدنه كتعليم سورة أو خدمة شهر، ويكون تسليمها بتسليم نفسه، وفي جواز ذلك كله نظر، ولأجل ذلك أسقط المصنف هذه المسألة من (الروضة).
قال: (وإذا فسخ السلم ورأس المال باق .. استرده بعينه) فيمتنع إبداله إن كان معينًا في العقد؛ لأن الثمن المعين في العقد كالمبيع، وكذا إن كان مطلقًا وعين في المجلس في الأصح؛ لأنه بالتعيين في المجلس صار كالمعين في صلب العقد.
واحترز بقوله: (باق) عما إذا تلف؛ فإنه يرد مثله في المثلي، وقيمته في المتقوم.
قال: (وقيل: للمسلم إليه رَدُّ بدله إن عين في المجلس دون العقد)؛ لأن العقد لم يتناوله.

وَرُؤْيَةُ رَاسِ الْمَالِ تَكْفِي عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ فِي الأَظْهَرِ.
الثَّانِي: كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَيْنًا، فَلَوْ قَالَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الْثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ .. فَلَيْسَ بِسَلَمٍ،  قال الشيخ: والذي يظهر: أن محل هذا الوجه إذا جرى الفسخ بعد التفرق، أما قبله .. فيسترد لا محالة.
وخص المتولي الوجهين: بما إذا كان رأس المال مثليًا، وقطع بتعيين رده إذا كان متقومًا.
قال: (ورؤية رأس المال تكفي عن معرفة قدره في الأظهر) كالمهر وثمن المبيع.
والثاني: لا تكفي بل يجب ذكر قدره، وكذا صفته؛ لأنه لا يؤمن أن يفسخ السلم بانقطاع المسلم فيه، فإذا لم يعرف قدره وصفته .. لم يعرف ما يرده، وبهذا قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إن كان مكيلًا أو موزونًا .. وجب ضبط صفاته، وإن كان مذروعًا أو معدودًا .. فلا.
وأجيب عن الثاني بأن احتمال الفسخ ثابت في البيع.
ولا فرق على القولين بين السلم الحال والمؤجل، ومنهم من خصهما بالمؤجل وقطع في الحال بأن المعاينة كافية.
وكلام المصنف محمول على ما إذا كان رأس المال مثليًا، أما المتقوم المشاهد .. فلا تشترط معرفة قيمته على المذهب.
كل هذا إذا تفرقا قبل العلم بالقدر والقيمة على القول بها، فإن علما ذلك ثم تفرقا .. فلا خلاف في الصحة، وحيث صح ثم اتفق فسخ وتنازعا في قدره .. صدق المسلم إليه؛ لأنه غارم.
قال: (الثاني: كون المسلم فيه دينًا)؛ لأن بذلك تتحقق حقيقة السلم، وفي تسمية هذا شرطًا –وهو لابد منه- نظر، لكن الفقهاء يطلقونه عليه.
قال: (فلو قال: أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد .. فليس بسلم)؛ لعدم الدينية.

وَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: بعْتُكَ .. انْعَقَدَ بَيْعًا، وَقِيلَ: سَلَمًا.
الثَّالِثُ: الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ بِمَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ، أَوْ يَصْلُحُ وَلِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ.
اشْتُرِطَ بَيَانُ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ، وَإِلَّا .. فَلَا  قال: (ولا ينعقد بيعًا في الأظهر)؛ لاختلاف اللفظ واختلاف الأحكام، فإن أسم السلم يقتضي الدينية فإضافته إلى المعين تناقض.
والثاني: ينعقد بيعًا، نظرًا إلى المعنى وهو بعيد.
ولو قال: بعتك بلا ثمن .. ففي انعقاده هبة هذا الخلاف.
قال: (ولو قال: اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بهذه الدراهم، فقال: بعتك .. انعقد بيعًا)؛ اعتبارًا باللفظ.
هذا إذا لم يذكر بعده لفظ السلم، فإن قال: بعتك كذا سلمًا أو اشتريته سلمًا .. فإنه يكون سلمًا كما جزم به الرافعي في تفريق الصفقة.
قال: (وقيل: سلمًا)؛ اعتبارًا بالمعنى، وصححه العراقيون، وجزم به في (التنبيه)، والروياني والجرجاني، ونقل عن النص، واختاره الشيخ ورجحه في (المهمات).
فعلى هذا: لا يثبت فيه خيار الشرط، ولا يجوز الاعتياض عن الثوب، ويجب قبض رأس المال في المجلس.
وعلى الأول: يثبت الخيار، ولا يجب التسليم، وفي الاعتياض القولان: أصحهما: الجواز.
قال: (الثالث: المذهب: أنه إذا أسلم بموضع لا يصلح للتسليم أو يصلح ولحمله مؤنة .. اشترط بيان محل التسليم، وإلا .. فلا)؛ لأن الموضع إذا كان صالحًا للتسليم وليس للحمل مؤنة .. اقتضى العرف وجوب التسليم فيه فحمل عليه، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الأمكنة، وجملة ما في المسألة سبع طرق:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  إحداها: قولان.
والثانية: إن عقدا في موضع يصلح للتسليم .. لم يشترط، وإلا .. اشترط.
والثالثة: إن كان لحمله مؤنة .. اشترط، وإلا .. فلا.
والرابعة: إن لم يصلح .. اشترط، وإلا .. فقولان.
والخامسة: إن لم يكن لحمله مؤنة .. لم يشترط، وإلا .. فقولان.
والسادسة: إن كان له مؤنة .. اشترط، وإلا .. فقولان.
والسابعة: ما في الكتاب.
والمراد بمحل العقد: تلك المحلة، لا خصوص الموضع الذي عقد فيه.
والمصنف أطلق المسألة، ومحلها في السلم المؤجل، أم الحال .. فلا يشترط فيه بيان التسليم، بل يتعين موضع العقد كالبيع، لكن لو عينا غيره .. جاز بخلاف البيع.
فروع: الثمن في الذمة والأجرة والصداق وعوض الخلع والكتابة ومال الصلح عن دم العمد وكلُّ عوض ملتزم في الذمة .. حكمه حكم السلم الحال، إن عين للتسليم موضعًا .. جاز، وإلا .. تعين موضع العقد.
ومتى شرطنا التعيين فلم يعين .. فسد العقد، وإن لم يشرطه فعيَّن .. تعيَّن، وعند الإطلاق يحمل على مكان العقد على الصحيح، فلو عيَّن موضعًا فخرب وصار لا يصلح .. فالأقيس: تعين أقرب موضع صالح.
ولو شرط تسليم المسلم فيه ببلد .. لزمه في أولها، ولا يكلف نقله إلى منزله، ولو قال: في أي موضع شئت من البلدان .. فسد السلم، ولو قال: في أي موضع

وَيَصِحُّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، فَإِنْ أَطْلَقَ .. انْعَقَدَ حَالًّا، وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ  شئت من البلد الفلاني، فإن كان واسعًا كالبصرة وبغداد .. لم يجز، وإن كان صغيرًا .. جاز.
قال: (ويصح حالًا ومؤجلًا) أما المؤجل .. فبالنص والإجماع، وأما الحال .. فلأنه إذا جاز مؤجلًا .. فلأن يجوز حالًا أولى؛ لبعده عن الغرر.
ونقض هذا بالكتابة.
وأجيب بأن الأجل في الكتابة واجب؛ لعدم قدرة العبد، والحلول ينافي ذلك.
ومنع الأئمة الثلاثة السلم الحال؛ لقوله في الحديث: (إلى أجل معلوم).
جوابه: أن المراد: في كيل معلوم إن كان مكيلًا، وأجل معلوم إن كان مؤجلًا، ووزن معلوم إن كان موزونًا، وهم جوزوه في المذروع والمعدود، مع أن الحديث إنما نص على المكيل والموزون.
وشرط جواز السلم حالًا: أن يكون المسلم فيه موجودًا، فأما ما لم يوجد إلا بعد ذلك كالرطب في غير أوانه .. فلا يجوز إلا مؤجلًا.
تتمة: قال المتولي: وفائدة العدول عن البيع إلى السلم الحال: أن المال ربما لا يكون حاضرًا، فلو باعه منه .. كان بيع غائب، فيعدل إلى السلم ويصف المال بصفاته، ويحضره ليكون العقد صحيحًا لازمًا.
قال: (فإن أطلق .. انعقد حالًا) كالثمن في البيع المطلق.
قال: (وقيل: لا ينعقد)؛ لأن العرف في السلم التأجيل فحمل عليه، وهو مجهول فيفسد.
ثم هذا التأجيل فيه أصل والحلول رخصة، أو بالعكس، أو كل منهما أصل، فيه ثلاثة أوجه في (الحاوي)، تظهر ثمرتها فيما إذا أطلق هل ينعقد أو لا؟ وإذا شرط المطالبة متى شاء .. فهو حال في أول أوقات الإمكان، وإذا أطلقا العقد ثم ألحقا أجلًا في المجلس .. فالمذهب: لحوقه، ولو صرحا بالأجل في العقد ثم

وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالأَجَلِ.
فَإِنْ عَيَّنَ شُهُورَ الْعَرَبِ أَوِ الْفُرْسِ أَوِ الرُّومِ .. جَازَ،  أسقطاه في المجلس .. سقط وصار حالًا.
قال: (ويشترط العلم بالأجل) أي: إذا عقداه مؤجلًا، فلا يصح تأقيته بالحصاد والدياس ولا بقدوم الحاج والميسرة، خلافًا لمالك.
لنا: قوله تعالى: ﴿إلى أجل مسمى﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إلى أجل معلوم).
وقال ابن خزيمة: يجوز التأقيت بالميسرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي شيئًا إلى الميسرة، والحديث صححه الحاكم [2/ 23]، ورواه النسائي [7/ 294] عن عائشة رضي الله عنها، ولفظه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودي أن ابعث لي بثوبين إلى الميسرة).
والجواب: ضعف الحديث، أو لعل الوقت كان معلومًا، أو أن هذا لم يكن عقدًا بل استدعاء ولهذا لم يصف الثوبين.
وفي جواز تأجيل الضمان بالميسرة والحصاد والدياس قولان.
قال: (فإن عين شهور العرب أو الفرس أو الروم .. جاز)؛ لأنها معلومة مضبوطة.
أما شهور العرب.
فبالإجماع وهي الهلالية، وأما شهور الفرس .. فعلى الصحيح.
فشهور العرب شهر منها ثلاثون يومًا وشهر تسعة وعشرون، إلا ذا الحجة؛ فإنه تسعة وعشرون وخمس وسدس، فالسنة العربية ثلاث مئة وأربعة وخمسون يومًا وخمس وسدس يوم، كذا ذكره صاحب (المهذب) في (كتاب الطلاق).
وتوقف مجلي فيه وقال: لم يبن لي وجه زيادة الخمس والسدس ولا رأيته لغيره من الأصحاب.
وصحح الجيلي: أن الهلالية ثلاث مئة وخمسة وخمسون يومًا.
وأما السنة الشمسية .. فثلاث مئة وخمسة وستون يومًا وربع يوم، أولها الحمل، وربما يجعل أولها النيروز.

فَإِنْ أَطْلَقَ .. حُمِلَ عَلَى الْهِلَالِيِّ، فَإِنِ انْكَسَرَ شَهْرٌ .. حُسِبَ الْبَاقِي بِالأَهِلَّةِ وَتُمِّمَ الأَوَّلُ ثَلَاثِينَ  والهلالية أولها المحرم، وقد استقر التأريخ الإسلامي من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكانت في شهر ربيع الأول، ثم قدم عنه بشهرين.
وأما شهور الفرس –وهم فارس- فعدة كل شهر منها ثلاثون يومًا، إلا الأخير فخمسة وثلاثون، فتكون سنتهم ثلاث مئة وخمسة وستين يومًا.
وأما شهور الروم .. فالثاني والسابع والتاسع والثاني عشر كل منها ثلاثون يومًا، والخامس ثمانية وعشرون يومًا وربع يوم، والسبعة الباقية أحد وثلاثون، فتكون سنتهم ثلاث مئة وخمسة وستين يومًا وربع يوم.
قال: (فإن أطلق .. حمل على الهلالي)؛ لأنه عرف الشرع سواء في ذلك السنة والشهر.
قال: (فإن انكسر شهر .. حسب الباقي بالأهلة وتمم الأول ثلاثين)؛ لأنه لما تعذر اعتبار الهلالي في المنكسر .. رجعنا إلى العدد، وقيل: إذا انكسر الأول .. انكسر الجميع، فيعتبر الجميع بالعدد ثلاثين ثلاثين، وبهذا قال ابن بنت الشافعي.
تنبيه: كلامه يفهم: أنه إذا أجله بثلاثة أشهر والعقد في آخر يوم من شهر –كصفر مثلًا- فمضى الربيعان وجمادى ناقصًا .. أنه لا يحل إلى بمضي جزء من جمادى قدر الباقي من صفر، وبه جزم الإمام، وقال غيره: يحل بمضي الثلاثة؛ فإنها عربية كوامل، وهذا هو الصواب، وأبداه الإمام احتمالًا، وهذه ترد على إطلاق الكتاب.

وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَاجِيلِهِ بِالْعِيدِ وَجُمَادَى، وَيُحْمَلُ عَلَى الأَوَّلِ  قال: (والأصح: صحة تأجيله بالعيد وجمادى، ويحمل على الأول)؛ لتحقق الاسم به.
والثاني: يفسد، لتردده بينهما، ويجريان في التوقيت بربيع وبنفر الحجيج.
قال ابن الرفعة: الظاهر: أن محل الخلاف في العيدين: إذا كان العقد قبلهما، فإن كان بينهما .. انصرف بحسب الواقع إلى الآخر منهما؛ لأنه الذي يلي العقد.
ولو قال: إلى أول شهر كذا أو آخره .. بطل؛ لأنه يقع في جميع النصف الأول أو الآخر، كذا نقله الشيخان عن عامة الأصحاب، ثم نقلا عن الإمام والبغوي: أنه يصح، ويحمل على الجزء الأول.
قال الشيخ: والمنصوص في (البويطي): الصحة، وصرح به الشيخ أبو حامد والماوردي.
قال الشيخ: وهو الأقوى دليلًا والأصح نقلًا، وفي (المهمات): أنه المعتمد في الفتوى.
تتمة: التأجيل بالنيروز والمهرجان جائز على الصحيح.
فـ (النيروز): عند نزول الشمس برج الميزان.

فَصْلٌ: يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ: مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ.
فَإِنْ كَانَ يُوجَدُ بِبَلَدٍ آخَرَ .. صَحَّ إِنِ اعْتِيدَ نَقْلُهُ لِلْبَيْعٍ، وَإِلَّا .. فَلَا.
وَلَوْ أَسْلَمَ فِيمَا يَعُمُّ فَانْقَطَعَ فِي مَحِلِّهِ .. لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الأَظْهَرِ، فَيَتَخَيَّرُ الْمُسْلِمُ بَيْنَ فَسْخِهِ، وَالصَّبْرِ حَتَّى يُوجَدَ،  و (المهرجان) بكسر الميم: عند نزولها الحمل.
ولو أجلا بفصح النصارى –بكسر الفاء، وهو: يوم الأحد الذي يلي سبت الظلام الذي بعده خميس العدس، وهو عيدهم الذي بعد صيامهم- أو فطر اليهود -وهو: عيد لهم- فقد نص الشافعي رضي الله عنه على: أنه لا يصح، والمذهب: الصحة إذا عرفه المسلمون.
قال: (

فصل

: يشترط كون المسلم فيه: مقدورًا على تسليمه عند وجوب التسليم) فإن كان حالًا .. اشترطت القدرة عليه حال العقد وإن كان مؤجلًا عند الحلول، لأن المعجوز عن تسليمه لا يصح بيعه فامتناع السلم فيه أولى، وهذا الشرط ليس من خواص السلم بل يعم كل بيع، وإنما ذكره؛ لما ينبني عليه من الفروع الآتية، وكذا لا يصح على أقرب الوجهين إذا غلب على الظن وجوده لكن بمشقة عظيمة كالقدر الكثير من باكورة التمر.
قال: (فإن كان يوجد ببلد آخر .. صح إن اعتيد نقله للبيع، وإلا .. فلا)؛ لأن الأول مقدور على تسليمه دون الثاني، وهذا التفصيل ذكره الإمام، ونقله عنه الرافعي هنا، ثم خالفه في آخر الباب.
قال: (ولو أسلم فيما يعم فانقطع في محله .. لم ينفسخ في الأظهر) كما إذا أفلس المشتري بالثمن.
قال: (فيتخير المسلم بين فسخه، والصبر حتى يوجد).

وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْمَحِلِّ انْقِطَاعَهُ عِنْدَهُ .. فَلَا خَيَارَ قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ  والثاني: ينفسخ كما لو اشترى قفيزًا من صبرة فتلفت، وكما لو تلف المبيع قبل القبض.
ولو قصر المسلم إليه في الدفع حتى انقطع .. جرى القولان، وقيل: لا ينفسخ قطعًا.
ويجريان أيضًا فيما إذا حل الأجل بموت المسلم إليه قبل وجود المسلم فيه، أو تأخيره التسليم لغيبة أحد العاقدين، أو تسويف المسلم إليه ومدافعته إلى أن انقطع.
والمراد بانقطاعه: أن ينقطع البتة، أو وجد ببلد آخر ويفسد بالنقل، أو امتنع من هو عنده من بيعه، أما لو كان يوجد بثمن غال .. فيجب تحصيله، وكذا إن أمكن نقله من غير فساد .. وجب إن قربت المسافة.
قال: (ولو علم قبل المحل انقطاعه عنده .. فلا خيار قبله في الأصح)؛ لأنه لم يدخل وقت وجوب التسليم.
والثاني: نعم؛ لتحقق العجز في الحال.
والوجهان مخرجان بما إذا حلف ليأكلن هذا الطعام غدًا فتلف قبل الغد هل يحنث في الحال أو يتأخر إلى الغد؟ فرع: في هذا الخيار ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على الفور.
والثاني: إلى ثلاثة أيام.
والثالث –وهو الصحيح-: أنه على التراخي لا يبطل بالتأخير ولا بالتصريح بالإسقاط على الصحيح، وله الفسخ بعد ذلك –كزوجة المولي إذا رضيت ثم أرادت

وَكَوْنُهُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ عَدًّا أوْ ذَرْعًا.
ويَصِحُّ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا وَعَكْسُهُ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي مِئَةِ صَاعٍ حِنْطَةً عَلَى أَنَّ وَزْنَهَا كَذَا .. لَمْ يَصِحَّ  المطالبة .. كان لها ذلك– ولو صرح بإسقاط الفسخ .. لم يسقط في الأصح.
قال: (وكونه ملعوم القدر كيلًا أو وزنًا أو عدًا أو ذرعًا)؛ للحديث المتقدم، أما ما لا يأتي وزنه بالقبان لكبره .. فإنه يوزن بالعرض على الماء؛ بأن يوضع في ظرف ويلقى في الماء وينظر قدر غوصه، وقد عولوا عليه هنا وفي (الزكاة) في الإناء بعضه ذهبًا وبعضه فضة، والظاهر في (الربا): انه لا يعول عليه.
قال: (ويصح في المكيل وزنًا وعكسه)؛ لأن المقصود معرفة المقدار، بخلاف الربويات؛ فإن الغالب عليها التعبد، كذا أطلق هذا الحكم جماعة، وحمله الإمام على ما يعد الكيل في مثله ضابطًا، فلو أسلم في فتات المسك والعنبر ونحوهما كيلًا .. لم يصح، وصحح هذا المصنف في (التصحيح)، لكن جزم الرافعي بعد هذا بالجواز في اللآلئ الصغار إذا عم وجودها كيلًا ووزنًا، وهو مخالف لما تقدم عن الإمام فيما لا يعد الكيل فيه ضبطًا، فكأنه اختار هنا إطلاق الأصحاب.
قال: (ولو أسلم في مئة صاع حنطة على أن وزنها كذا .. لم يصح)؛ لأنه يورث عزة الوجود، وكذا في الثياب بالذرع والوزن، أما في الخشب .. فيصح؛ لأنه إن زاد .. أمكن نحته.

وَيُشْتَرَطُ الْوَزْنُ فِي الْبِطِّيخِ وَالْبَاذَنْجَانِ وَالْقِثَّاءِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالرُّمَّانِ.
وَيَصِحُّ فِي الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ بِالْوَزْنِ فِي نَوْعٍ يَقِلُّ اخْتِلَافُهُ، وَكَذَا كَيْلًا فِي الأَصَحِّ  قال: (ويشترط الوزن في البطيخ والباذنجان والقثاء والسفرجل والرمان)؛ لأنها إذا كيلت .. تجافت في المكيال، وإذا عدت .. تفاوتت، ولو جمع في ذلك بين العد والوزن .. كان مفسدًا.
قال الرافعي: ولا يجوز السلم في البطيخة الواحدة والسفرجلة الواحدة ولا في عدد منها؛ لأنه يحتاج إلى ذكر حجمها ووزنها وذلك يورث عزة الوجود.
قال الشيخ: والذي قاله سبقه إليه الفوراني والمتولي والبغوي، وهو مخالف لنص الشافعي رضي الله عنه في (البويطي)؛ فإنه صرح فيه بأن السلم في عدد منه ومن البيض مع التعرض لوزن كل واحدة .. جائز، ويجوز السلم في البيض والبقول وزنًا، وجوز أبو حنيفة في البيض عدًا.
ونقل ابن المنذر عن الشافعي رضي الله عنه: أنه لا يجوز في البيض ولا في البقول، ومعناه: أن ذلك لا يجوز عددًا، أما وزنًا .. فجائز قطعًا.
قال: (ويصح في الجوز واللوز بالوزن في نوع يقل اختلافه)؛ لأن العادة جارية بذلك، فإن اختلفت قشوره .. لم يجز السلم فيه، وهذا الشرط استدركه الإمام على الأصحاب فإنهم أطلقوا الصحة، فتبعه الرافعي والمصنف في كتبهما، لكن المصنف في (نكته على الوسيط) بعد أن حكى قول الإمام، قال: المشهور في المذهب ما أطلقه الأصحاب ونص عليه الشافعي رضي الله عنه.
ويجوز السلم في المشمش كيلًا ووزنًا وإن اختلفت نواه كبرًا وصغرًا.
قال: (وكذا كيلًا في الأصح)؛ قايسًا على الحبوب، وقيل: لا، لتجافيهما في المكيال، فالأول نقله المزني، والثاني البويطي، فالخلاف قولان لا وجهان، والفستق والبندق كالجوز واللوز.

وَيُجْمَعُ فِي اللَّبِنِ بَيْنَ الْعَدِّ وَالْوَزْنِ.
ولَوْ عَيَّنَ كَيْلًا .. فَسَدَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا، وَإِلَّا .. فَلَا فِي الأَصَحِّ  قال: (ويجمع في اللبن بين العد والوزن) فيقول: كذا كذا لبنة كل لبنة زنتها كذا؛ لأنه يضرب باختيار فلا يورث عزة الوجود، ثم الأمر فيها على التقريب.
وأفاد في (المهمات): أن الشافعي رضي الله عنه نص على: أن الوزن في اللبن مستحب لا بأس بتركه، لكن يشترط أن يذكر طوله وعرضه وثخانته وأنه من طين معروف، فالراجح: عدم اشتراط ما ذكره المصنف في الجمع بين الوزن والعد.
ويصح السلم في الطوب الآجر على الصحيح المنصوص، فيذكر صفة الطبخ واللون، ولا يجوز السلم في (الآجر المهلوج) وهو: الذي لم يتكامل نضجه.
وسئل الشيخ عن جواز السلم في الفحم، فأجاب بأن الشافعي رضي الله عنه نص على جوازه في الآجر، والفحم يشبهه؛ لأن الحطب يجعل كقمين الطوب وتوقد عليه النار حتى يستوي، فهذا مأخذه، قال: ولم أجد فيه نقلًا، ولا بأس بالإفتاء بالجواز؛ لما قلناه.
قال: (ولو عين كيلًا .. فسد إن لم يكن معتادًا) أي: ولم يعرف مقداره كالقصعة والكوز؛ لجهالته وللغرر؛ لأنه قد يتلف قبل المحل، أما لو قال: بعتك من هذا ملء هذا القصعة .. فإنه يصح؛ لانتفاء العلتين.
قال: (وإلا .. فلا في الأصح) يعني: إذا كان معتادًا .. لم يفسد، بل يلغو الشرط؛ لانتفاء الغرض في تعيينه.
والثاني: يفسد؛ لتعرضه للتلف.
والمراد بـ (المعتاد): أن يكون يعرف ما يسع، وبـ (غير المعتاد): أن لا يعرف ما يسع، وهكذا لو شرط الوزن بصنجة بعينها أو الذرع بذراع بعينه، إن كان مجهولًا .. بطل العقد، وإن كان معلومًا .. صح في الأصح ويلغو التعيين.

وَلَوْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرِ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ .. لَمْ يَصِحَّ،  كل هذا في السلم المؤجل، أما الحال .. فالمنصوص: أنه كالبيع.
ولو شرط الذرع بذراع يده .. فقيل: يصح، والأصح: المنع؛ لأنه قد يموت، ذكره الماوردي.
ولو قال: أسلمت إليك في ثوب كهذا الثوب، أو في مئة صاع من الحنطة كهذه الحنطة .. لم يصح على الأصح المنصوص.
ولو أسلم في ثوب ووصفه ثم أسلم في ثوب آخر بتلك الصفة .. جاز إن كانا ذاكرين لتلك الصفات.
والفرق: أن الإشارة إلى المعين لم تعتمد الوصف.
قال: (ولو أسلم في ثمر قرية صغيرة .. لم يصح)؛ لأنه قد يتعذر ذلك، وذلك غرر من غير حاجة، واستدل له بما روى البيهقي [6/ 24] والدارقطني في (المؤتلف) عن عبد الله بن سلام: أن زيد بن سعنة رضي الله عنهما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد؛ هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا إلى أجل معلوم من حائط لبني فلان، فقال: (لا يا يهودي، لا أبيعك من حائط مسمى إلى أجل مسمىً، ولكن أبيعك أوسقًا إلى أجل مسمى) قال الحافظ المزي: إنه حسن.
وزيد بن سعنه رضي الله عنه كان يهوديًا ثم أسلم، وشهد مشاهد كثيرة، وكان يقول: ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين لم أَخبُرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده كثرة الجهل عليه إلا حلمًا، ثم قال: لما جئته أتقاضاه دين هذا السلم .. وجدته قد خرج في جنازة هو وأصحابه نحو البقيع، فنظرت إليه بوجه غليظ، وأخذت بمجامع قميصه وردائه وقلت: اقضني يا محمد حقي، فنظر إلي عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره وقال: يا يهودي؛ أتفعل هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فوالذي بعثه

أَوْ عَظِيمَةٍ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ.
وَمَعْرِفَةُ الأَوْصَافِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الْغَرَضُ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا  بالحق، لولا ما أحاذر فوته .. لضربت بسيفي رأسك، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم، ثم قال: (يا عمر؛ أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج؛ أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا مكان ما رُعْتَه) فأسلم عند ذلك زيد بن سعنة رضي الله عنه.
قال: (أو عظيمة .. صح في الأصح)؛ لأنه لا ينقطع غالبًا.
والثاني: انه كتعيين المكيال، وعلى هذا: يفسد العقد في وجه، والأصح: أنه يصح ويلغو الشرط.
وموضع الخلاف: ما إذا لم يفد تنويعًا، فإن أفاده كمعقلي البصرة .. جاز جزمًا؛ لأنه مع معقلي بغداد صنف، لكن يختلفان في الأوصاف، ومثله القمح الصعيدي مع البحري.
وأفهمت عبارته: أنه لو أسلم في جميع ثمرة القرية العظيمة .. صح، والأصح خلافه.
قال: (ومعرفة الأوصاف التي يختلف بها الغرض اختلافًا ظاهرًا)؛ لأن القيمة تختلف بسببها، واحترز بذلك عما يتسامح الناس بإهمال ذكره.
وجملة كلام المصنف معطوفة على قوله في أول الفصل: (كونه مقدورًا) أي: يشترط ذلك ويشترط معرفة الأوصاف.
وأورد الرافعي على هذا الشرط: أن كون العبد قويًا على العمل أو كاتبًا مثلًا أوصاف يختلف بها الغرض والقيمة ولا يجب التعرض لها.
قال الشيخ: وطريق الاحتراز عن ذلك: أن يزاد فيه من الأوصاف التي لا يدل الأصل على عدمها؛ فإن الكتابة والقوة فضيلةٌ الأصل عدمها، ولهذا لا يثبت للمشتري الرد بفواتها، والضعف عيب يدل الأصل على عدمه.

وَذِكْرُهَا فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ، فَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ مَقْصُودُهُ كَالْمُخْتَلِطِ الْمَقْصُودِ الأَرْكَانِ كَهَرِيسَةٍ وَمَعْجُونٍ وَغَالِيَةٍ وَخُفٍّ وَتِرْيَاقٍ،  قال: (وذكرها في العقد) فلا يكفي ذكرها بعده وإن كان في مجلس العقد، ولا الاتفاق عليها قبله، إلا أن يتفقا على أنهما أرادا في حالة العقد ما اتفقا عليه فتتجه صحته، كما سيأتي في (النكاح) إذا نويا معينة من البنتين.
قال: (على وجه لا يؤدي إلى عزة الوجود)؛ لأن السلم غرر فلا يجوز إلا فيما يوثق بتسليمه.
قال: (فلا يصح فيما لا ينضبط مقصوده كالمختلط المقصود الأركان كهريسة ومعجون وغالية وخف وترياق)؛ لأن أقدار الأجزاء المختلطة وأوصافها لا تنضبط، هذا الذي اتفق عليه أئمة المذهب.
وعن ابن سريج: جوازه في الخفاف والنعال مع قوله: لا يعلم ما في الخف إلا الله.
وهذا محمول على خف يجمع أجناسًا، أما المتخذ من شيء واحد كالخف المعروف في هذه البلاد، فإن كان من جلد .. امتنع على الصحيح، وإن كان من غير جلد .. فكالثياب المخيطة، وسيأتي أنه يصح في الجديد المنضبط منها، ومن هذا النوع: القسي، لا يجوز السلم فيها؛ لاشتمالها على عقب وعصب، وكذلك النبل المريش.
وأما الغالية .. فإنها مركبة من مسك وعنبر وكافور.
قال الجوهري: أول من سماها بذلك سليمان بن عبد الملك.
قلت: في هذا نظر؛ فقد قالت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم [من الكامل]: ماذا على من شم تربة أحمد .... أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت على مصائب لو أنها .... صبت على الأيام عدن لياليا واحترز بـ (الترياق المختلط) عما إذا كان نباتًا أو حجرًا فيجوز السلم فيه.

وَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ فِي الْمُخْتَلِطِ الْمُنْضَبِطِ كَعَتَّابِيٍّ وَخَزٍّ، وَجُبْنٍ وَأَقِطٍ وَشَهْدٍ، وَخَلِّ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ،  وقال الجرجاني: الترياق نجس؛ فإنه تطرح فيه لحوم الحيات أو لبن الأتان، فلا يجوز السلم فيه لنجاسته، فينبغي أن يحمل كلام المصنف ومن وافقه على ترياق طاهر.
و (الترياق) بالتاء والدال والطاء مكسورات ومضمومات، فهي ست لغات.
ويقال: دراق وطراق، وهو عجمي معرب.
أما استصناع النعال .. فلا يجوز إلا كما نص عليه الشافعي رضي الله عنه في (الأم)، وهو: أن يشتري النعلين والشراك وجميع ما يعمل نعلًا ثم يستأجر على الحذو، وكذلك حكم استصناع الأواني، وجوز الاستصناع في ذلك أبو حنيفة وقال: إن الصانع والمستصنع بالخيار، قال أصحابنا: لو صح .. لزم.
قال: (والأصح: صحته في المختلط المنضبط كعتابي وخز) وإن تركبا من قطن وحرير؛ لسهولة ضبط كل من الأجزاء.
والثاني: المنع كالمعجونات.
وتعبيره بـ (الأصح) يخالف تعبيره في (الروضة) بالصحيح.
قال: (وجبن وأقط وشهد، وخل تمر أو زبيب)؛ لأن الملح والأنفحة في الجبن والأقط والماء في خل التمر والزبيب من مصالحه.
والثاني: لا كاللبن المخلوط بالماء.
وأما الشهد .. فكالتمر.
و (الشهد) بفتح الشين وضمها، والشهدة أخص منه.
قال الشيخ: والشهد ليس من هذا النوع بل هو من المختلط خلقة، والأصح فيه عند الرافعي: الجواز كالتمر مع النوى.
والثاني: المنع؛ لأن الشمع قد يقل ويكثر فأشبه سائر المختلطات، وهذا هو

لَا خُبْزٍ فِي الأَصَحِّ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ.
وَلَا يَصِحُّ فِيمَا يَنْدُرُ وُجُودُهُ كَلَحْمِ الصَّيْدِ بِمَوْضِعِ الْعِزَّةِ، وَلَا فِيمَا لَوِ اسْتُقْصِيَ وَصْفُهُ .. عَزَّ وُجُودُهُ كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ وَالْيَوَاقِيتِ، وَجَارِيَةٍ وَأُخْتِهَا أَوْ وَلَدِهَا  المختار، ونص عليه الشافعي والماوردي وغيره.
قال الماوردي: ولا بأس بالسلم في قصب السكر وزنًا، ويقطع أعلاه الذي لا حلاوة فيه ولا منفعة، ويطرح ما عليه من القشر، وتقطع مجامع عروقه من أسفله، ولا يجوز في السلجم والجزر إلا بعد قطع الورق؛ لأن ورقهما غير مقصود، وفي جواز السلم في الباذنجان بأقماعه وجهان.
قال: (لا خبز في الأصح عند الأكثرين)؛ لتأثره بالنار تأثرًا ظاهرًا.
والثاني: الصحة؛ لأنه مضبوط وصححه الإمام والغزالي والفارقي ومشايخ خراسان، فإذا قلنا بهذا .. اشترط فيه ذكر البلد والنوع كالعلامة والخشكار وأنه رطب أو يابس.
قال: (ولا يصح فيما يندر وجوده كلحم الصيد بموضع العزة)؛ لما تقدم.
قال: (ولا فيما لو استقصي وصفه) أي: الوصف المعهود وهو الواجب (.. عز وجوده)؛ لأنه لو استقصي .. امتنع للعزة، وإن لم يستقص .. امتنع لفقدان شرطه.
قال: (كاللؤلؤ الكبار واليواقيت) وكذلك سائر الجواهر؛ لأن ثمنها على قدر صفائها واستدارتها وذلك لا ينضبط.
أما صغار اللؤلؤ .. فيجوز السلم فيها وزنًا وكيلًا، وهو ما يقصد للدواء لا للزينة، وضبطه الجويني بسدس دينار تقريبًا وإن قصدها للزينة.
أما البلور .. فقال الماوردي: لا بأس بالسلم فيه.
قال: (وجارية وأختها أو ولدها)؛ لأن اجتماع وصف كل منهما مع البنوة أو الأخوة يؤدي إلى عزة الوجود.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقال أبو إسحاق: يجوز أن يسلم في جارية معها ولدها في بلد تكثر فيه الجواري؛ إذا لا يتعذر وجود ذلك.
وقال الإمام والغزالي: لا يمتنع ذلك في الزنجية التي لا تكثر صفاتها، ويمتنع في السرية التي تكثر صفاتها، والصحيح المشهور .. الأول.
وأورد الرافعي على هذا الحكم: أنهم حكوا عن نصه: أنه لو شرط كون العبد كاتبًا أو الجارية ماشطة .. جاز.
قال: ولمدَّعٍ أن يدعي ندرة اجتماع الكتابة والمشط مع الصفات التي يجب التعرض لها، بل قضية ما أطلقوه: تجويز السلم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتبًا وتيك ماشطة.
وكما يندر كون أحد الرقيقين ولد الآخر مع اجتماع تلك الصفات .. فليسو بين الصورتين في المنع والتجويز.
وفرق الشيخ بأن اشتراط الكتابة في العبد والمشط في الجارية يسهل تحصيله بالاكتساب، وليس فيه إلا زيادة وصف على الأوصاف المطلوبة، وأما البنوة والأخوة .. فوصف غير مكتسب، فيعز اجتماعه مع باقي الأوصاف، وكونها ذات لبن وصف فيها.
تتمة: أسلم في عبد شاعر .. لم يصح؛ لأن الشعر طبع لا يمكن تعلمه، فيبعد اجتماع الأوصاف المذكورة، وقول الشعر بخلاف اجتماع الصنائع.
ولو أسلم في جارية حامل .. المذهب: القطع بأنه لا يصح، وقيل: قولان؛ بناء على أن الحمل هل يعلم ويقابله قسط من الثمن أو لا؟

فَرْعٌ: يَصِحُّ فِي الْحَيَوَانِ،  قال: (فرع: يصح في الحيوان) فكل ما جاز بيعه من الحيوان يجوز السلم فيه؛ لما روى أبو داوود [3350] والحاكم [2/ 56] على شرط مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه: أنه قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشتري بعيرًا ببعيرين إلى أجل).
وروى البيهقي [5/ 288] عن علي رضي الله عنه: أنه باع جملًا له يدعى: عصيفيرًا بعشرين بعيرًا إلى أجل.
واشترى ابن عمر رضي الله عنهما راحلة بأربعة أبعرة يوفيها صاحبها بالربذة، رواه مالك في (الموطأ) [2/ 652]، وهو في (البخاري) بغير إسناد.
و (الربذة): موضع على ثلاث مراحل من المدينة.
ولأن الحيوان يثبت في الذمة ثمنًا وصداقًا.
وفي إبل الدية، وصح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرًا).
ومنع أبو حنيفة السلم في الحيوان؛ لأن ابن مسعود رضي الله عنه كرهه، ولأنه لا يضبط بالصفة.
وروى الحاكم [2/ 57]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سلف الحيوان)، لكن قال ابن السمعاني في (الإصطلام): إنه غير ثابت.
وأما ضبطه بالصفة .. فيدل له ما في (الصحيحين) [خ5240]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها).

فَيُشْتَرَطُ فِي الرَّقِيقِ: ذِكْرُ نَوْعِهِ كَتُرْكِيٍّ، وَلَوْنِهِ كَأَبْيَضَ –وَيَصِفُ بَيَاضَهُ بِسُمْرةٍ أَوْ شُقْرَةٍ- وَذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ، وَسِنِّهِ، وَقَدِّهِ طُولًا وَقِصَرًا، وَكُلُّهُ عَلَى التَّقْرِيبِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْكَحَلِ وَالسِّمَنِ وَنَحْوِهِمَا  قال: (فيشترط في الرقيق: ذكر نوعه كتركي)؛ لاختلاف الغرض بذلك، وكذا صنف النوع إن اختلف في أظهر القولين.
قال: (ولونه كأبيض، ويصف بياضه بسمرة أو شقرة) وكذلك سواده بصفاء أو كدرة.
هذا إذا اختلف لون الجنس، فإن اتحد كالزنج .. فلا.
قال: (وذكورته وأنوثته، وسِنِّه)؛ لاختلاف الأغراض بذلك، فيقول: ابن سبع أو عشر أو محتلم، والرجوع في الاحتلام إلى قول الرقيق، ويرجع في السن إلى ظنون النخاسين وأهل الخبرة إن كان صغيرًا، وإليه إن كان بالغًا، وإلى سيده إن ولد في الإسلام، فلو شرط كونه ابن سبع بلا زيادة ولا نقصان .. فسد؛ لندرته.
قال: (وقده طولًا وقصرًا) كستة أشبار مثلًا أو خمسة.
قال الشافعي رضي الله عنه: يقول: خماسي أو سداسي.
فقيل: أراد بذلك خمسة أشبار وستة، وقيل: أراد التعرض للسن أو خمس سنين.
قال الجوهري: يقال: غلام رباعي وخماسي، ولا يقال: سباعي؛ لأنه إذا بلغ سبعة أشبار .. صار رجلًا؛ لأنهم يقولون هو سباعي البدن، أي: تام البدن.
قال: (وكله على التقريب)، فلو شرط كونه ابن خمس كذا بلا زيادة ولا نقصان .. بطل، وظاهر عبارة المصنف: العود إلى الجميع، ولم يذكر الرافعي التقريب إلا في السن خاصة، وكذلك في (الروضة) وغيرها، والمصنف ههنا عمم الحكم، ولا يظهر ذلك إلا في السن والقد إذا ضبط بالأشبار.
قال: (ولا يشترط ذكر الكحل والسمن ونحوهما) كتكلثم الوجه.

فِي الأَصَحِّ.
وَفِي الإِبِل وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ: الذُّكُورَةُ وَالأُنُوثَةُ،  و (الدعج) وهو: شدة سواد العين (في الأصح)؛ للتسامح به، وكذا الملاحة.
والصحيح: اشتراط ذكر الثيوبة أو البكارة في الجارية، ويقابل الأصح: أن ذلك يشترط، وهو قوي؛ لأنه مقصود لا يؤدي ذكره إلى عزة الوجود.
و (الكَحَل) بفتح الكاف والحاء كما ضبطه المصنف: أن يعلو جفون العين سواد كالكحل.
قال الشاعر [من البسيط]: ليس التكحل في العينين كالكَحَل ويستحب ذكر تفلج الأسنان أو غيره وجعودة الشعر وسبوطته، ولو اشترط كون العبد أو الجارية يهوديًا أو نصرانيًا أو خبزًا أو حاسبًا أو صائغًا أو نجارًا أو شيخًا أو كهلًا أو مزوجًا .. جاز.
ونقل الرافعي عن الصيمري: أنه لو شرط كونه زانيًا أو قاذفًا أو سارقًا .. جاز، بخلاف ما لو شرط كون الجارية مغنية أو عوادة .. لا يصح –قال-: وفرق بينهما بأنها صناعة محظورة وتلك أمور تحدث كالعمى، وهذا فرق لا يقبله ذهنك.
أهـ فأما الزنا والسرقة .. فقد قال غير الصيمري: لا يصح اشتراطه، وفرق الماوردي في المغنية بين الغناء المحرم كذات العود .. فيمتنع، وإلا .. فلا.
ووقع في (الروضة): القوادة بالقاف، والصواب: أنه بالعين، ولا يشترط التعرض لخفة الروح وعذوبة الكلام وحسن الخلق، فلو شرط .. أبطل؛ للجهالة.
قال: (وفي الإبل والخيل والبغال والحمير: الذكورة والأنوثة)؛ لاختلاف الغرض بهما.

وَالسِّنُّ وَاللَّوْنُ وَالنَّوْعُ  قال: (والسن) كبنت مخاض وبنت لبون أو جذعة ونحو ذلك.
قال: (واللون)؛ لأن الغرض يختلف بذلك، ولأن الأسود من الإبل أطيبها لحمًا.
قال: (والنوع)، فيقول في الإبل: بخاتي أو عراب، وكذا الصنف، فيقول: أرحبية أو مهرية أو مجيدية أو من نعم بني فلان، فإن اختلفت نعمهم .. فالأظهر: اشتراط ذكر الصنف.
والثاني: لا، ويعطي من أيها شاء.
ويقول في الخيل: عربي أو تركي أو من خيل بني فلان، فإن اختلفت .. ففي وجوب بيان الصنف القولان، وكذلك الحكم في البقر والغنم.
واشترط الماوردي في الإبل والخيل: ذكر القد، فيقول: مربوع أو مشرف، ولو اشترط في الإبل كونها عوامل أو تدور في الطحن .. جاز، لكن يبين طحن الدقيق أو غيره؛ فإن منها ما يدور عن يمينه ومنها ما يدور عن يساره ويصعب نقله.
ويستحب في الخيل ذكر الشيات كالأغر والمحجل واللطيم، فإن تركه .. جاز.

وَفِي الطَّيْرِ: النَّوْعُ وَالصِّغَرُ وَكِبَرُ الْجُثَّةِ.
وَفِي اللَّحْمِ: لَحْمُ بَقَرٍ، أَوْ ضَانٍ، أَوْ مَعْزٍ، ذَكَرٍ خَصِيٍّ رَضِيعٍ مَعْلُوفٍ، أَوْ ضِدِّهَا،  و (اللطيم): الذي سالت غرته في أحد شقي وجهه.
ولا يجوز السلم في فرس أبلق؛ لعدم انضباطه.
قال: (وفي الطير: النوع والصغر وكبر الجثة) ولا يكاد يعرف سنها، فإن عرف .. وصفه به.
وفي (البحر): أن الشافعي رضي الله عنه قال: يقول: فرخ أو ناهض.
وأهمل الرافعي والمصنف اشتراط لونه، ولابد منه، اللهم إلا أن يكون المراد بها الأكل فلا يعتبر ذلك، وكذا الذكورة والأنوثة، ثم إذا جوزنا .. فبالعدد، فإن كان مذبوحًا .. فبالوزن قطعًا.
فإن قيل: نص في (البويطي) على: أنه لا يجوز السلم في الطيور؛ لأنها لا تنضبط بسن ولا تعرف بالتقدير .. فالجواب: أنه نص في غيره على الصحة؛ ولذلك لم يقل أحد من الأصحاب به إلا صاحب (المهذب)، وبقية الأصحاب أنكروه.
ويجوز السلم في السمك والجراد حيًا وميتًا عند عموم الوجود، ويوصف كل جنس بما يليق به.
قال: (وفي اللحم: لحم البقر، أو ضأن، أو معز، ذكر خصي رضيع معلوف، أو ضدها) ضد الخصي: الفحل، وضد الرضيع: الفطيم أو الجذع أو الثني أو نحوها، وضد المعلوفة: الراعية، فلحم الراعية أطيب، ولحم المعلوفة أدسم، والغرض يختلف بكل ذلك.
قال الإمام: ولا يكتفى في العلف بالمرة والمرات حتى ينتهي إلى مبلغ يؤثر في اللحم.
وأطلق المصنف البقر ولابد من ذكر نوعه كعراب أو جواميس.

مِنْ فَخِذٍ أَوْ كَتِفٍ أَوْ جَنْبٍ، وَيُقْبَلُ عَظْمُهُ عَلَى الْعَادَةِ  كل هذا في غير لحم الصيد.
ويصح في الطري والسمين، فلو كان في بلد لا يختلف الراعية فيها والمعلوفة .. قال الماوردي: لم يلزم ذكره، فكلام المصنف محمول على الغالب، لكنه أهمل ذكر السمن والهزال وقد اشترطه العراقيون.
ولا يجوز شرط العجف؛ لأنه هزال من غير علة فهو عيب وشرط هذا العيب مفسد.
ومنع أبو حنيفة السلم في اللحم كما منعه في الحيوان.
قال: (من فخذ أو كتف أو جنب)؛ لاختلاف الأغراض بذلك؛ لأن ما قرب من المراعى والشرب كان أطيب.
قال: (ويقبل عظمه على العادة)؛ لأنه بمنزلة النوى في التمر، وهذا عند الإطلاق، فإن اشترط النزع .. جاز، ويلزم قبول الجلد إن كان لحم طائر أو سمك، بخلاف لحم الغنم إلا في الجدي الصغار، ولا يلزم قبول الرأس والرجل والذنب في الطير والسمك، لكن نص في (الأم) على: أن الذنب إذا كان عليه لحم .. لزم قبوله.
وقال البغوي: توزن الرؤوس مع العصافير.
فروع: يجوز السلم في اللحم المملح والقديد إذا لم يكن عليه عين الملح، ويجوز في الألية والكبد والطحال والرئة والسنام، ولا يجوز في الكرش مع ما يتعلق بها؛ لاختلافها، ويبين في اللبن ما يبين في اللحم إلا الذكورة، ويبين نوع العلف ويقول: حليب، أو لبن يومه.

وَفِي الثِّيَابِ: الْجِنْسُ، وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ، وَالْغِلَظُ وَالدِّقَّةُ، وَالصَّفَاقَةُ وَالرِّقَّةُ، وَالنُّعُومَةُ والْخُشُونَةُ، وَمُطْلَقُهُ يُحْمَلُ عَلَى الْخَامِ.
وَيَجُوزُ فِي الْمَقْصُورِ،  ولا يجوز شرط الحموضة؛ لأنها عيب، ويجوز السلم في المخيض إذا خلا عن الماء، ولا يضر وصفه بالحموضة؛ لأنها مقصودة فيه، والسمن يذكر فيه ما يذكر في اللبن، وكونه أصفر أو أبيض، والعتق عيب لا يجوز شرطه.
ويذكر في اللبأ ما يذكر في اللبن، وأنه قبل الولادة أو بعدها، وأول بطن أو ثانيها، ولبأ يومه أو أمسه إذا لم يتغير.
والجبن إذا جوزنا السلم فيه .. يزاد فيه ذكر البلد وجوبًا، وأنه رطب أو يابس، ويستحب ذكر مدة اليابس.
قال: (وفي الثياب: الجنس) فيبين أنها من صوف أو قطن أو كتان أو حرير، وكذلك النوع كقطن عراقي أو يماني، ويذكر بلد النسج إن اختلف به الغرض.
قال: (والطول والعرض، والغلظ والدقة، والصفاقة والرقة، والنعومة والخشونة)؛ لاختلاف الأغراض بذلك، فـ (الغلظ والدقة) راجعان إلى كيفية الغزل، و (الصفاقة والرقة) راجعان إلى كيفية النسج، فإن (الصفاقة): انضمام بعض الخيوط إلى بعض و (الرقة): بُعدها.
و (الواو) في (الدقة) و (الرقة) بمعنى (أو).
قال: (ومطلقه يحمل على الخام)؛ لأن القصارة صفة زائدة.
قال: (ويجوز في المقصور)؛ لأن القصارة وصف مقصود، لكن لا يجوز في الملبوس؛ لأنه غير منضبط، اللهم إلا أن يكون ملبوسًا لم يغسل؛ فالنص: أنه يجوز السلم فيه.
ولا يجوز في الجباب والقلانس المحشوة ولا في الزلالي والثياب المنقوشة، ويجوز في الأكسية واللبود إذا وصفت.

وَمَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ النَّسْجِ كَالْبُرُودِ، وَالأَقْيَسُ: صِحَّتُهُ فِي الْمَصْبُوغِ بَعْدَهُ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ: مَنْعُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاللهُ أَعْلَمُ  مهمة: نقل الرافعي والمصنف عن الصيمري هنا: أنه يجوز السلم في القمص والسراويلات إذا ضبطت طولًا وعرضًا، وضيقًا وسَعة، وصرحا في آخر (الخلع) بعدم جواز السلم فيها، والفتوى على خلاف ما قالاه هنا.
قال: (وما صبغ غزله قبل النسج كالبرود) وهذا لا خلاف فيه.
قال: (والأقيس: صحته في المصبوغ بعده) هذا الذي صححه الإمام والغزالي والشاشي، وجزم به الماوردي.
قال: (قلت: الأصح: منعه، وبه قطع الجمهور والله أعلم) هذا هو المنصوص في (البويطي)، وفرقوا بفرقين: أحدهما: أن الصبغ بعد النسج يسد الفُرَج فلا تظهر الصفاقة.
والثاني: أنه إذا صبغ بعد النسج .. فكأنه أسلم في ثوب وصبغ معًا.
ولا يجوز أن يسلم في نسج رجل بعينه إلا أن يكون ينسب إليه نسبة تعريف.
فروع: لا يجوز السلم في الكتان الخشب، ويجوز بعد الدق، فيذكر بلده ولونه، وطوله أو قصره، ونعومته أو خشونته، ودقته أو غلظه، وحداثته أو عتقه إن اختلف بذلك.
ويجوز في المغزول منه ومن غيره، فيذكر جنسه ونعومته ودقته وغلظه، ويذكر وقت غزله؛ فغزل الشتاء ألين، وغزل الصيف قوي نقي، وما غزل به من مردن أو مغزل.

وَفِي التَّمْرِ: لَوْنُهُ وَنَوْعُهُ وَبَلَدُهُ، وَصِغَرُ الْحَبَّاتِ وَكِبَرُهَا، وَعِتْقُهُ وَحَدَاثَتُهُ.
وَالْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الْحُبُوبِ كَالتَّمْرِ  ويجوز في القطن، فييبين بلده ولونه، وكثرة لحمه وقلته، وخشونته ونعومته، وحداثته وعتقه إن اختلف به الغرض.
ويجوز السلم في الحليج والحب، ولا يجوز في القطن في الجوز قبل التشقق، وأما بعده .. ففي (التهذيب): أنه يجوز، وظاهر المذهب: المنع، وهو المنصوص.
والإبريسم يذكر بلده ولونه، ودقته وغلظه، ولا حاجة إلى ذكر النعومة والخشونة، ولا يجوز في القز وفيه الدود.
قال: (وفي التمر: لونه ونوعه وبلده، وصغر الحبات وكبرها، وعتقه وحداثته)؛ لأن الغرض يختلف بذلك، ويحتاج أن يبين عتيق عام أو عامين، فإن أطلق .. فالأصح: الجواز ويحمل على مسمى العتق.
ولا يجوز السلم في التمر المكنوز في القواصر؛ لأنه لا يكون على صفة واحدة غالبًا، ويبين أيضًا هل جفافه على النخل أو بعد جذاذه؟ فإن الأول أبقى، والثاني أصفى، والرطب كالتمر إلا في ذكر الحداثة والقدم.
وفي (الوسيط): أوجب ذكر ذلك فيه دون الحنطة والحبوب، وهو خلاف ما عليه الأصحاب.
والسلم في الزبيب كالسلم في التمر، فلو أسلم في تمر منزوع النوى .. ففي صحته وجهان في (الحاوي)، فإن صححنا .. فالمعتبر فيه: الوزن.
قال: (والحنطة وسائر الحبوب كالتمر) في جميع ما تقدم من الشروط، فيبين نوعها كالشامي والمصري والصعيدي والبحري، ولونه فيقول: أبيض أو أحمر أو أسمر، وقدره فيقول: صغير الحبات أو كبيرها أو متوسطها.

وَفِي الْعَسَلِ: جَبَلِيٌّ أَوْ بَلَدِيٌّ،  قال الشيخ: وعادة الناس اليوم لا يذكرون اللون ولا صغر الحبات وكبرها، وهي عادة فاسدة مخالفة لنص الشافعي والأصحاب، فينبغي أن ينبه عليها.
وعن بعض المتأخرين: لابد من شرط كونها سقوية أو غير سقوية.
فروع: يجوز السلم في الدقيق على المنصوص خلافًا للداركي، وعلى المنصوص: يذكر ما يذكر في الحنطة ويزيد ثلاثة أشياء.
أن يطحن بالرحى أو الدولاب أو الماء.
وخشونة الطحن أو نعومته.
وقرب زمانه أو بعده، قاله الماوردي.
والنخالة: أفتى ابن الصلاح بأنها مثلية فيجوز السلم فيها، وأفتى بأن المعيب من الحبوب وغيرها غير مثلي فلا يجوز السلم فيه.
ولا يجوز السلم في الأرز والعلس؛ لاستتارهما بالكمام، كذا في (الشرح) و (الروضة).
ووقع في (فتاوى) المصنف: جوازه في الأرز، وفي (الشرح) و (الروضة): الجزم بجواز بيع العلس في كمامه، بل قال في (شرح المهذب): أنه لا خلاف فيه، فالمعتمد فيهما: جواز السلم فيهما في كمامهما.
قال: (وفي العسل: جبلي أو بلدي)؛ لأن الجبلي أطيب، ويبين أن البلدي حجازي أو مصري أو مغربي أو نحو ذلك.

صَيْفِيٌّ أَوْ خَرِيفِيٌّ، أَبْيَضُ أَوْ أَصْفَرُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِتْقُ وَالْحَدَاثَةُ.
وَلَا يَصِحُّ فِي مَطْبُوخٍ وَمَشْوِيٍّ، وَلَا يَضُرُّ تَاثِيرُ الشَّمْسِ.
وَالأَظْهَرُ: مَنْعُهُ فِي رُؤُوسِ الْحَيَوَانِ  قال: (صيفي أو خريفي)؛ لأن الخريفي أجود.
قال: (أبيض أو أصفر)؛ لتفاوت الغرض بذلك.
قال: (ولا يشترط العتق والحداثة)؛ لأن الغرض بذلك لا يختلف.
قال الماوردي: ويبين مرعاه ورقته.
ومطلقه يحمل على المصفى، ولا يقال: عسل إلا لعسل النحل، ويلزمه قبول المصفى بالشمس أو النار الخفيفة.
قال: (ولا يصح في مطبوخ ومشوي)؛ لأن النار يختلف تأثيرها في ذلك.
أما الدبس والعسل المصفى بالنار والسكر والفانيد واللبأ .. ففيها في (الروضة) وجهان، وإطلاقه الوجهين من تصرفه، وفي (المهمات): أن الأصح: المنع، والذي صححه المصنف في (تصحيحه) من جواز الجميع .. معترض، والمعتمد: المنع فيها.
قال: (ولا يضر تأثير الشمس) أي: في اللبأ والعسل وغيرهما؛ لعدم اختلافه.
قال: (والأظهر: منعه في رؤوس الحيوان)؛ لأنها تجمع أجناسًا مقصودة ولا تنضبط بالوصف، ومعظمها العظم وهو غير مقصود.
والثاني: يصح كاللحم.
وعلى الأصح: يشترط أن تكون نِيئة موزونة منقاة من الشعر، فإن كانت غير منقاة .. لم يجز جزمًا، وإن كانت مشوية أو مطبوخة .. لا يجوز السلم فيها أيضًا، والأكارع كذلك، ويزيد ذكر كونها من الأيدي أو الأرجل.

وَلَا يَصِحُّ فِي مُخْتَلِفٍ كَبُرْمَةٍ مَعْمُولَةٍ وَجِلْدٍ وَكُوزٍ وطَسٍّ وَقُمْقُمٍ وَمَنَارَةٍ وَطِنْجِيرٍ وَنَحْوِهَا.
وَيَصِحُّ فِي الأَسْطَالِ الْمُرَبَّعَةِ وَفِيمَا يُصَبُّ مِنْهَا فِي قَالَبٍ،  قال: (ولا يصح في مختلف كبرمة معمولة وجلد وكوز وطس وقمقم ومنارة وطنجير ونحوها) كالأباريق؛ لتعذر الضبط.
واحترز بـ (المعمولة) عن المصبوبة في قالب كما سيأتي، لكن قوله: (وجلد) ليس على إطلاقه، بل يجوز السلم في القطع منها وزنًا.
و (البُرمة): القدر، وجمعها: بُرْم وبِرام وبُرَم.
و (الكوز) جمعه: كيزان وأكواز وكوزة، مثل: عود وأعواد وعودة وعيدان.
و (الطَّس): الطَّسْت، والجمع: طِساس وطُسُوس.
و (القُمقُم) بضم القاف: ضرب من الآنية، وهو بالرومية، ويقال: قمقمة، والجمع: قماقم.
و (الطِّنجير) بكسر الطاء كما ضبطه المصنف بخطه، أعجمي معرب، وهو: الدست، وفتح طائه عده الحريري من لحن الخواص.
و (المنارة) بفتح الميم، جمعها: مناور بالواو؛ لأنه من النور.
قال: (ويصح في الأسطال المربعة)؛ لعدم اختلافها، بخلاف الضيقة الرؤوس، وجمع السطل: سطول وأسطال.
قال: (وفيما يصب منها في قالب)؛ لانضباطه.
و (القَالب) بفتح اللام كما ضبطه أيضًا بخطه.
فرع: يجوز السلم في الرصاص، فيذكر نوعه ولونه وخشونته، وفي الحديد يذكر النوع، وأنه ذكر أو أنثى، ويذكر لونه وخشونته.
قال القاضي حسين: الذكر: الفولاذ، والأنثى: اللَّين.
وفي الحطب: يذكر نوعه وغلظه ورقته، وأنه من نفس الشجرة أو من أغصانها،

وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الأَصَحِّ، وَيُحْمَلُ مُطْلَقُهُ عَلَى الْجَيِّدِ.
وَيُشْتَرَطُ مَعْرفَةُ الْعَاقِدَيْنِ الصِّفَاتِ، وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي الأَصَحِّ  ووزنه، ولا يجب التعرض للرطوبة والجفاف، والمطلق محمول على الجفاف، ويجب قبول المعوج والمستقيم.
قال: (ولا يشترط ذكر الجودة والرداءة في الأصح) وادعى الإمام الاتفاق عليه.
قال: (ويحمل مطلقه على الجيد).
والثاني: يشترط؛ لاختلاف الغرض والقيمة بهما، وبهذا جزم العراقيون والقاضي حسين، وهو المنصوص في مواضع من (الأم)، فإذا شرطا الجودة .. نزل على أقل الدرجات فيها، فذكر الجودة لا يضر قطعًا، والخلاف في اشتراطه.
وإن أسلم في الرديء، فإن كان المشروط رداءة النوع .. جاز، قال في (الوسيط): كالجُعرور –بضم الجيم- وهو: نوع رديء من التمر، يقال له: الدَّقَل.
قال الراجز: قد أطعمتني دَقَلًا حوليّا .... مسوِّسًا مُدوِّدًا حَجْريا وإن نص على رداءة العيب .. فهو مفسد، وإذا شرط الأجود .. بطل؛ لأن أقصاه غير معلوم فكأنه شرط شيئًا مجهولًا، وقيل: قولان، وإن شرط الأردأ .. فالأصح: الصحة؛ لأنه إن أتى برديء هو أردأ الأشياء .. فهو المسلم فيه، وإن أتى بما هو فوق ذلك .. فالمطالبة بما هو دون ذلك عناد.
قلت: وهذا يشكل على ما تقدم من تصحيح سَلَم الأعمى مطلقًا، وهو يقوي الوجه الصائر إلى أنه إن عمي قبل التمييز .. لا يصح سلمه.
قال: (ويشترط معرفة العاقدين الصفات) فلو جهلاها أو أحدهما .. لم يصح كالبيع.
قال: (وكذا غيرهما في الأصح)؛ ليرجع إليه عند التنازع.
وعلى هذا: هل تعتبر الاستفاضة أو تكفي معرفة عدلين سواهما؟ فيه وجهان:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أصحهما: الثاني، ويجري الوجهان فيما لو لم يعرف المكيال إلا عدلان، وهذا يخالف ما تقدم فيما إذا أقت بفصح النصارى وكان يعرفه المتعاقدان دون غيرهما؛ فإنه يصح على الصحيح.
قال الرافعي: ولعل الفرق: أن الجهالة في فصح النصارى عائدة إلى الأجل وهنا إلى المعقود عليه، فجاز أن يحتمل في الأجل ما لا يحتمل في المعقود عليه.
تتمة: يجوز السلم في المنافع كتعليم القرآن وغيره، نص عليه المتولي والروياني، ومنعه القاضي في (الفتاوى).
ويجوز في الطين وفي البقول كالكراث والبصل والنعنع والهندباء وزنًا.
ويجوز في أنواع العطر العامة الوجود كالمسك والعنبر والكافور والعود والزعفران، فيذكر نوعها ووزنها، ولا يجوز في الند المعمول من ذلك؛ لأنه مختلط في أجناس لا يدرى قدرها.
ويجوز السلم في الكاغد عددًا، وفي الزئبق والكبريت وحجارة الكحل، وكذا في ماء الورد على الصحيح كما نقله الروياني عن عامة الأصحاب، ولم يصحح في (الروضة) فيه شيئًا.
ولا يجوز في الكشك، ولا في العود الرطب، ولا في التوتياء الهندي؛ لندرة وجودها، ولا في السفن والمراكب عند الأكثرين؛ لأنها لا تتم إلا بآلات لا يمكن استيفاء وصفها.

فَصْلٌ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَبْدِلَ عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ غَيْرَ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي نَوْعِهِ وَلَا يَجِبُ، .....

 ولا يجوز في الدور والأراضي والأشجار، ولا في الخس والفجل؛ لاختلافهما.
وأما الباذنجان .. فالأرجح فيه: الجواز.
ويجوز السلم في الأبواب المنحوتة من الخشب، فيذكر نوعها ولونها، وطولها وعرضها، وسمكها وسعتها، وفيما يراد للعمارة كالجذوع والعمد، ويشترط فيه بيان الجنس والنوع –إن تنوع- والطول، وغلظه ورقته أو توسطه.
قال: (

فصل

: لا يصح أن يستبدل عن المسلم فيه غير جنسه ونوعه)؛ لأنه بيع للمبيع قبل قبضه وهو ممنوع.
وفي (سنن أبي داوود) [3462]: (من أسلم في شيء .. فلا يصرفه إلى غيره).
وفي (الدارقطني) [3/ 45]: (من أسلم في شيء .. فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله) وهما ضعيفان.
وعلم من منع الاستبدال: أنه لا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه ولا التولية فيه ولا الشركة ولا المصالحة وهو كذلك، ولو جعله صداقًا لبنت المسلم إليه .. لم يجز، وكذا إن كان المسلم إليه امرأة فتزوجها عليه أو خالعها.
قال: (وقيل: يجوز في نوعه ولا يجب)؛ لأن النوعين من الجنس الواحد كالنوع الواحد، وكذلك كالزبيب الأسود والأبيض، ولهذا يحرم التفاضل بينهما ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، وهذا قول ابن أبي هريرة وصححه البندنيجي والماوردي والروياني والشيخ؛ لأنهم أجمعوا على أن اختلاف الصنف لا يمنع

وَيَجُوزُ أَرْدَأُ مِنَ الْمَشْرُوطِ وَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ أَجْوَدُ وَيَجِبُ قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَامْتنَعَ الْمُسْلِمُ مِنْ قَبُولِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ وَقْتَ غَارَةٍ .. لَمْ يُجْبَرْ،  القبول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى من استسلف منه بكرًا بازلًا، فدل على: أن مطلق المغايرة لا يضر، ولا فرق في ذلك بين الوصف والنوع.
والعبد التركي مع الهندي نوعان، وقيل: جنسان، والتمر مع الرطب والمسقي بالمطر مع غيره نوعان في الأصح.
وصورة قبول الرطب عن التمر حيث يجوز: أن يكون أسلم في التمر وزنًا؛ لأن الرطب موزون، ولو أسلم في قمح فأعطاه دقيقًا .. لم يجز بالاتفاق.
قال: (ويجوز أردأ من المشروط)؛ لأنه جنس حقه، وفي (الإبانة) وجه: أنه لا يجوز؛ لأنه استبدال قبل القبض.
قال: (ولا يجب)؛ لأنه دون حقه و (الأردأ) مهموز، ولو أعطاه عن الصفة الفائتة بدلًا .. لم يجز؛ لأنه بيع صفة وهي لا تفرد بالبيع.
قال: (ويجوز أجود ويجب قبوله في الأصح)؛ لأنها زيادة صفة لا تتميز، ولأن له غرضًا في براءة الذمة.
والثاني: لا يجب؛ للمنة، وجوابه: منع المنة؛ لأن غرضه براءة ذمته ولا خلاف في الجواز.
وصورة المسألة في الأجود من كل وجه، فإن كان زائدًا من وجه ناقصًا من وجه .. لم يجب قطعًا.
قال: (ولو أحضره قبل محله فامتنع المسلم من قبوله لغرض صحيح؛ بأن كان حيوانًا) أي: يحتاج إلى علف (أو وقت غارة) سواء عقد في وقتها أم لا (.. لم يجبر)؛ لمؤنة العلف في الحيوان وخوف النهب في الغارة، وكان صواب العبارة أن

وَإِلَّا .. فَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ صَحِيحٌ كَفَكِّ رَهْنٍ .. أُجْبِرَ، وَكَذَا لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الْبَرَاءَةِ فِي الأَظْهَرِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُ الْمُسْلَمَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْمَحِلِّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ الأَدَاءُ إِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، وَلَا يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ لِلْحَيْلُولَةِ عَلَى الصَّحِيحِ،  يقول: (كأن) بالكاف؛ ليكون أحد أمثلة المسألة لا تفسيرًا لها، وأن يقول: (إغارة) بالألف.
و (المحل) بكسر الحاء: وقت الحلول، وأما مكان التسليم .. فبفتحها.
قال: (وإلا .. فإن كان للمؤدي غرض صحيح كفك رهن .. أجبر)؛ لتعنته، وسيأتي في (كتاب الكتابة).
وفي (سنن البيهقي) [10/ 334]: أن أنسًا رضي الله عنه كاتب عبدًا، فجاء العبد بالمال قبل الأجل فلم يقبله منه، فأخذه منه عمر ووضعه في بيت المال وقال: اذهب؛ فقد عتقت.
وكفك الرهن براءة ذمة الضامن، وكذلك خوف انقطاع الجنس عند المحل على الأصح.
ولو اجتمع غرض المؤدي والمستحق .. فالأصح: تقديم غرض المستحق.
قال: (وكذا لمجرد غرض البراءة في الأظهر)؛ للأثر المذكور، ولأن امتناعه حيئذ تعنُّت.
والثاني: لا يجبر؛ لما فيه عليه من المنة، وستأتي المسألة في (كتاب الكتابة) أيضًا.
قال: (ولو وجد المسلم المسلم إليه بعد المَحِل) أي: بكسر الحاء (في غير مَحَل التسليم) أي: بفتحها، وهو مكانه.
قال: (.. لم يلزمه الأداء إن كان لنقله مؤنة)؛ لعدم التزامه لها.
قال: (ولا يطالبه بقيمته للحيلولة على الصحيح)؛ لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه.
والثاني: نعم؛ لأن الأخذ للحيلولة ليس بتعويض حقيقي.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل