وَفي الْقَدِيمِ: تَجِبُ في الزَّيْتُونِ, وَالزَّعْفَرَانِ, وَالْوَرْسِ, وَالْقُرْطُمِ,
والراء, وهو كذلك في (المحكم) وغيره, ولا يعرفه أهل الحجاز بغير ذلك.
ووهم في (المهمات) فظنها الدخن – بالخاء المعجمة والنون في آخره – والرافعي نفسه عطف اللوبياء على الذرة والذرة على الدخن.
قال: (وفي القديم: تجب في الزيتون) , لقول عمر رضي الله عنه: (في الزيتون العشر) وقول الصحابي حجة في القديم, فلذلك أوجبه, لكن الأثر المذكور ضعيف.
ووقت الوجوب فيه النضج والأسوداد على الصحيح.
قال: (والزعفران والورس) , لاشتراكهما في المنفعة, روي في الورس أثر ضعيف , ولم يرد في الزعفران شيء, وإنما ألحق بالورس-وهو: نبت أصفر تصبغ به الثياب وهو كثير باليمن.
والأصح: أنه لا يشترط فيهما النصاب, لقلة الحاصل منهما, بخلاف القِرْطِم والعسل.
قال: (والقرطم) , لأن أُبيًا رضي الله عنه كان يأخذ العشر منه.
وهو بكسر القاف والطاء وبضمهما: حب العصفر, لا جرم أن بعضهم ألحق العصفر منه.
وَالْعَسَلِ
قال: (والعسل) سواء كان نحله مملوكًا أو أخذ من الأمكنة المباحة, لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه العشر رواه ابن ماجة [1823] عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده بإسناد جيد, وحسنه ابن عبد البر, لكن قال البخاري الترمذى [629] وغيرهما: لا يصح في زكاته شاء.
فائدة:
(العسل): لعاب النحل, يذكر ويؤنث, الواحدة: عسَّلة.
قال الشافعي رضي الله عنه: وهو المنفرد بالاسم دون ما سواه من الحلو.
أراد بذلك: أنه لا يطلق على غيره إلا مجازًا, لحلاوته.
وجمعه: أعسال وعسل وعسول وعسلان إذا أردت أنواعه.
ومن أسمائه: الحافظ الأمين, لأنه يحفظ ما يودع فيه.
وقال الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويصطفيه, روي ابن ماجة [3450] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لعق العسل ثلاث غَدَوات في كل شهر .. لم يصبه عظيم من البلاء).
وفيه أيضًا: (عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن) فجمع في هذا القول بين الطب البشري والطب الإلهي, وبين طب الأجساد وطب الأنفس, وبين السبب الأرضي والسبب السمائي, ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: (العسل شفاء من كل داء, والقرآن شفاء لما في الصدور, فعليكم بالشفاءين: القرآن والعسل).
قال عمرو بن العاصي رضي الله عنه لما قتل مالك بن الحارث رضي الله عنه المعروف بالأشتر: (إن لله جنودًا من عسل).
وَنِصَابُهُ: خَمْسَةُ أَوْسَقٍ, وَهِيَ: أَلْفٌ وَسِتُ مِئَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ, وَبِالدَّمَشْقِيَّ: ثَلاثُ مِئَةٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثُلُثَانِ
قال: (ونصابه: خمسة أوسق) , لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) متفق عليه [خ1447 - م 979].
والأفصح في الوسق: فتح الواو مصدر بمعنى الجمع, قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي: جمع.
وهو: ستون صاعًا, روي أبو داوود [1554] وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الوسق: ستون صاعًا) قال الشيخ زكي الدين: إنه حسن, وادعي المصنف أنه ضعيف منقطع الإسناد.
ولم يعتبر أبو حنيفة النصاب, بل قال: تجب في كل قليل وكثير.
قال: (وهي: ألف وست مئة رطل بغدادية) , لأن مجموع الخمسة ثلاث مئة صاع, والصاع: أربعة أمداد , فيكون النصاب ألف مد ومئتي مد, والمد: رطل وثلث, وذلك ألف وست مئة رطل.
والمعتبر في الوزن من كل نوع: الوسط, فإنه يشتمل على الخفيف والرزين.
قال: (وبالدمشقي: ثلاث مئة وستة وأربعون رطلًا وثلثان) , لأن الرطل الدمشقي: ست مئة درهم, ورطل بغداد عند الرافعي: مئة وثلاثون, فالمد: مئة درهم وثلاثة وسبعون وثلث, والصاع ست مئة درهم وثلاثة وتسعون وثلث, فاضرب ست مئة وثلاثًا وتسعين وثلثًا في ثلاث مئة , واجعل كل ست مئة رطلًا يحصل من مجموع ذلك ما ذكره المصنف.
قُلتُ: الأَصَحُّ: ثَلاثُ مِئَةٍ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ وَسِتةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ, لأَنَّ الأَصَحَّ: أَنَّ رِطْلَ بَغْدَادَ: مِئَةٌ وَثَمَانِيةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ, وَقِيلَ: بِلاَ أَسْبَاعٍ: ثَلاَثُونَ, وَاللهُ أَعْلَمُ
قال: (قلت: الأصح: ثلاث مئة واثنان وأربعون وستة أسباع رطل , لأن الأصح: أن رطل بغداد: مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم) وإذا ضرب ذلك في ألف وست مئة .. بلغ ذلك, والذي صححه المصنف في تحرير الرطل البغدادي هو الصحيح, فإنه تسعون مثقالًا, وممن ذكرٍ ذلك الجوهري في باب (مكك).
وقال ابن الرفعة: الذي رجحه الرافعي هو الذي تقوي النفس في صحته بحسب التجربة.
قال: (وقيل: بلا أسباع) قال المحب الطبري: وهذا هو الأقيس, لأن الأوقية: عشرة دراهم وأربعة دوانق, أي: أسداس, وهي: ثلثا درهم.
قال: (وقيل: ثلاثون والله أعلم) هذا تقدم أنه مختار الرافعي وهو: أحد وتسعون مثقالًا.
تنبيهان:
أحدهما: تقدير الأوسق بما سبق تحديد على الأصح, فإن نقصت رطلًا أو رطلين .. ضر.
ووقع في (شرح مسلم) و (رؤوس المسائل) و (كتاب الطهارة) من (شرح وَيُعْتَبَرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا إِنْ تَتَمَّرَ أَوْ تَزَبَّب،
المهذب): أنه تقريب كالقلتين، فلا يضر نقص يسير كرطل ورطلين، وقيل: وخمسة.
والاعتبار بالكيل لا بالوزن على الأصح.
الثاني: ضبط الشيخ نصاب الزكاة - بالإردب - بخمسة أرادب ونصف وثلث؛ لأن الصاع قدحان إلا سبعي قدح، فكل خمسة عشر مدًا سبعة أقداح.
وضبطه القمولي بستة أرادب وربع؛ لأنه يجعل القدحين صاعًا كما في زكاة الفطر وكفارة اليمين، فهي عنده ست مئة قدح، وعند الشيخ خمس مئة وثمانون.
فائدة:
بغداد: بدالين مهملتين، وبمهملة ثم معجمة، وبغدان، تذكر وتؤنث، وكره الفقهاء تسميتها: بغداذ؛ لأن معناه: عطية الصنم، لكن يقال: مدينة السلام؛ لأنهم يسمون نهر الدِّجلة (نهر السلام) أي: نهر الله.
وتسمى?: مدينة المنصور؛ لأنه الذي ابتناها فلما فرغ منها في سنة ست وأربعين ومئة أمر نوبخت المنجم أن يأخذ طالعها فقال: يظهر فضلها على? كثير من البلاد، ولا يموت فيها خليفة أبدًا.
ونقل في (باب المحبة) من (الإحياء) اتفاق جماعة من العلماء على? ذمها وكراهة سكناها، واستحباب طلب الفرار منها.
قال: (ويعتبر تمرًا أو زبيبًا إن تتمر أو تزبب)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أو سق من التمر صدقة) رواه الشيخان [خ 1459 - م 979].
لو أخرج رطبًا يجيء منه تمر إذا تمر إذا جف قدر الواجب .. لم يجزئه؛ لأنه بدل والأبدال لا تجوز في الزكاة من غير ضرورة، ويسترده إن كان باقيًا، فإن تلف ..
وَإِلاَّ .. فَرُطَبًا وَعِنَبًا، وَالْحَبُّ مُصَفي مِنْ تِبْنِهِ، وِمِا ادُّخِرَ في قِشْرِهِ كَالأّرُزِّ وَالْعَلَسِ .. فَعَشَرَةُ أَوْسُقٍ.
وَلاَ يُكَمَّلَ جِنْسٌ بِجِنْسٍ،
استرد قيمته في الأصح، وقيل: مثله.
فلو لم يسترده حتى جف .. لم يَجُزْ، لفساد القبض خلافًا للعراقيين.
قال: (وإلا .. فرطباُ وعنبًا)؛ لأن ذلك أكمل حالهما فلا نظر إلا إليه.
وقيل- فيما إذا كان يجيء منه تمر أو زبيب رديء-: يعتبر جافًا.
قال: (والحب مصفي من تبنه)؛ لأنه لا يدخر فيه ولا يؤكل معه، ولا يعلم مقدار الواجب قبل التصفية.
قال: (وما ادخر في قشره كالأرز والعلس .. فعشرة أوسق) ما ادخر في قشره نوعان: أحدهما: يؤكل منه مع قشره- كالذرة- فنصابه خمسة أوسق؛ فإن ذلك القشر إنما يزال تنعمًا كالعلس وهو- بفتح العين واللام-: صنف من الحنطة يكون منه في الكمام حبتان وثلاث، وهو طعام أهل [صنعاء] اليمن، ووقع في (الوسيط): أنه حنطة توجد بالشام وأنكر عليه؛ فإنه لا يكاد يوجد بها، وكمامه لا تزال إلا بالرحى الخفيفة أو المهراس، وادخاره كذلك أصلح له، وإذا أزيل .. كان الصافي نصف المبلغ، فيعتبر بلوغه بعد الدياس عشرة أوسق، ليكون الصافي منه خمسة، والمالك مخير إن شاء بقاه كذلك وأرخج منه وشقًا، وإن شاء قشره فإن جاء منه خمسة أوسق .. زكاة، وإلا .. فلا.
والأرز بقاؤه في قشره أصلح له، فهو كالعلس، وعن الشيخ أبي حامد: أنه قد يجيء من الأرز الثلثان، فنصابه أن يكون في القشر حب يبلغ خمة أوسق.
والمراد بـ (قشر الأرز): الأعلى، أما الأسفل وهو الأحمر .. فلا يؤثر عند الجمهور، وفي دخول قشر الباقلاء الأصفر في الحساب وجهان، والمنصوص دخولها.
قال: (ولا يكمل جنس بخنس) أما التمر مع الزبيب .. فبالإجماع كما نقله ابن المنذر، وأما الحنطة مع الشعير ونحو ذلك .. فمقيس عليه.
وَيُضَمُّ النَّوْعُ إِلَى النَّوْع، وَيُخْرِجُ مِنْ كُلٍّ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ عِسُرَ .. أَخْرَجَ الْوَسَطَ، وَيُضَمُّ الْعَلَسُ إِلَى الْحِنْطَةِ؛ لأّنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا، وَالسُّلْتُ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌ،
وقال الصيمري والعجلي: لو بذر برًا وشعيرًا فخرج مختلطًا خمسة أوسق وأحد النوعين أغلب والآخر يسير .. فالزكاة من الأغلب، وإن تساويا والجملة خمسة أو سق إلى تسعة .. فلا زكاة، وإن كانت عشرة والنوعان متقاربان .. فقيل: يخرج الزكاة من الجملة، وقيل: يؤدي عن كل على حياله.
قال: (ويضم النوع إلى النوع) وإن تباينا في الجودة والرداءة، فتضم الحنطة الشامية إلى المصرية، والتمر المعقلي إلى ما سواه من أنواع التمر، سواء كانا في بلد أم بلاد إذا اتحد المالك.
قال: (ويخرج من كل بقسطه)؛ إذا لا مشقة في ذلك.
وفيه قول: إنه يؤخذ من الغالب.
قال: (فإن عسر) بأن كثرت الأنواع وقل مقدار كل منها (.. أخرج الوسط) رعاية للجانبين.
وقيل: من الغالب.
فإن تكلف المالك وأخرج من كل بقسطه .. لزم الساعي قبوله، فإن أخرج من الأعلى .. جاز دون الأدنى.
قال: (ويضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه نوع منها)، فإذا كان له ثلاثة أوسق حنطة صافية .. كملت بأربعة أوسق علس.
قال: (والسلت جنس مستقل)؛ لأنه يشبه الشعير في الطبع والحنطة في الصورة، هذا هو الوصاب، وعكس الصيدلاني والغزالي هذا التشبيه.
وما أحسن قول الجوهري: (السلت) بالضم: ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه الحنطة.
وَقِيلَ: شَعِيرٌ، وَقِيلَ: حِنْطَةٌ.
وَلاَ يُضَمُّ ثَمَرُ عَامٍ وَزَرْعُهُ إلى آخَرَ.
وَيُضَوُّ ثَمَرُ الْعَامِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ إِدْرَاكُهُ، وَقِيلَ: إِنْ أَطْلَعَ الثَّاِني بَعْدَ جَدَادَ الأَوَّلِ .. لَمْ يُضَمُّ.
وَزَرْعَا الْعَامِ يُضَمَّانِ،
قال: (وقيل: شعير) لشبه له في الطبع.
قال: (وقيل: حنطة)؛ للشبه الصوري.
قال: (ولا يضم ثمر عام وزرعه إلى آخر) بالإجماع، سواء أطلعت ثمرة العام الثاني قبل جداد الأول أن بعده.
قال: (ويضم ثمر العام بعضه إلى بعض وإن اختلف إدراكه) كنخيل أو كروم يتأخر بعضها عن بعض لاختلاف الأنواع أو البلاد حرارة وبرودة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أن إدراك الثمار لا يكون في حال واحدة، فلو اعتبرنا التساوي في الإدراك .. لما وجبت زكاة أصلًا.
قال ابن الصباغ: وقد أجمع المسلمون على ضم ما يدرك إلى ما تأخر، فثبت أن الاعتبار بثمرة العام الواحد.
ومن إطلاع النخل إلى منتهى إدراكها أربعة أشهر، فذلك هو المعتبر، فلو كانت نخلة تثمر في عام مرتين .. فلا ضم، بل هما كثمرة عامين، قالوا: وهذه لا تكاد تقع، وإنما ذكرها الشافي رضي الله عنه؛ بيانًا للحكم بتقدير التصوير.
قال: (وقييل: إن أطلع الثاني بعد جداد الأول .. لم يضم)؛ لحدوثه بعد انصرام الأول فأشبه ثمر العامين، وصححه في (الشرح الصغير)، وقال الماوردي: إن مخالفة جاهل بعادة الثمر مخطئ لنص المذهب.
(والجداد) بفتح الجيم وكسرها، وبالدال المعجنة والمهملة.
وهل يقام أو أن الجداد مقام الجداد؟ فيه وجهان، أفقههما: نعم؛ فإن الثمار بعد دخول الوقت كالمجدودة.
قال: (وزرعا العام يضمان)؛ لأنهما زرع واحد وإن اختلفت الفصول، ويتصور ذلك في الذرة؛ فإنها تزرع في غالب فصول السنة فيضم بعضها إلى بعض.
وَالأَظْهَرُ: اعْتِبَارُ وُقُوعِ حَصَادَيْهِمَا في سَنَةٍ وَوَضاجبُ مَا شَرِبَ بالْمَطَرِ أَوْ عُرُوِقهِ لِقُرْبِهِ مِنَ الْمَاءِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زِرْعٍ: الًعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دُولاَبٍ أَوْ بِمَا اشْتَرَاهُ: نِصْفُهُ،
قال: (والأظهر: اعتبار وقوع حصاديهما في سنة) بأن يكون بينهما أقل من اثني عشر شهرًا؛ لأنها حالة استقرار الوجوب.
والثاني: الاعتبار بوقوع الزرعين في السنة؛ لأن الزراعة هي الأصل وداخلة تحت القدرة.
والثالث: يعتبر وقوع الأمرين في السنة؛ لأنهما زرعا سنة واحدة.
والرابع: يكفي وجود الزرعين والحصادين في السنة.
والخامس: يكفي أما الزرعان وإما الحصادان وإما زراعة الثاني.
والسادس والسابع والثامن: كالأول والثاني والثالث إلا أنه عبر عن السنة بالفصل، وهو: أربعة أشهر.
والتاسع: لا يضم المزروع بعد حصاد الأول كحمل الشجرة الواحدة.
والعاشر: لا أثر لاختلاف الزرع ولا للحصاد، بل العبرة بسنة الزرع وهو: ستة أشهر إلى ثمانية؛ فإن الزرع لا يبقى زيادة على ذلك.
مهمة:
الذي صححه المصنف في الكتاب وعزاه في (الروضة) و (شرح المهذب) للأكثرين لا يعرف أحد صححه قبل المصنف في شيء من كتب المذهب.
بل الذي رجحه الأكثرون اعتبار وقوع الزرعين في سنة، وبعضهم يقول: في فصل واحد.
ولو اختلف الساعي والمالك في كونه زرع عام أو عامين، أو أنه سقي بالنضح أو الدولاب .. صدق المالك، فإن اتهم .. حلف استحبابًا.
قال: (ووناجب ما شرب بالمطر أو عروقه لقربه من الماء من ثمر أو زرع: العشر، وما سقي بنضح أو دولاب أو بماء اشتراه: نصفه)؛ لما روى البخاري [1483]
وَالْقَنَوَاتُ كَالْمَطرٍ عَلَى الصَّحِيحِ
عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًا .. العشر، وما سقي بالنضح .. نصف العشر)، وانعقد الإجماع على ذلك.
والفرق من حيث المعنى: خفة المؤنة.
ومسألة الشراء ذكرها ابن مج فقط فتبعه المصنف.
و (النضج): السقي من بئر أو نهر بحيوان كبعير أو بقرة، الذكر: ناضح، والأنثى: ناضحة، ويسمى هذا الحيوان أيضًا: سانية.
و (الدولاب) بضم الدال وفتحها: ما يديره الحيوان أو الماء، وهو فارسي معرب.
و (العثري): الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجمع في حفرة.
وفي الحديث: (أبغض الخلق إلى الله تعالى: العثري) فسره العلماء بأنه: الذي لا في أمر الدنيا ولا في أمر الآخرة.
قال: (والقنوات كالمطر على الصحيح)؛ لأنها لإحياء الأرض ولا تتكرر، بخلاف النواضح ونحوها؛ فإن المؤنة فيها لنفس الزرع.
والثاني: الواجب فيها نصف العشر؛ لكثرة المؤنة، واختاره أبو سهل الصعلوكي.
وقال البغوي: إن كانت القناة كثيرة المؤنة بأن لا يزال ترابها ترابها ينهار ويحتاج إلى
وَمَا سُقِيَ بِهِمَا سَوَاءً: ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهِ، فَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا .. ففي قَوْلٍ: يُعْتَبَرُ هُوَ، وَالأَظْهَرُ: يُقَسَّطُ بِاعْتِبَارِ عَيْشِ الزَّرْعِ وَنَمَائِهِ، وَقِيلَ: بِعَدَدِ السَّقَيَاتِ.
وَتَجِبُ بِبُدُوِّ صَلًاحِ الثَّمَرِ، واشْتِدَادِ الْحَبِّ
استحداث حفر .. فنصف العشر، وإن لم تكثر مؤنتها .. فالعشر.
قال: (وما سقي بهما سواءً: ثلاثة أرباعه)؛ عملًا بالتقسيط.
وقيل: يجب العشر نظرًا للفقراء.
قال: (فإن غلب أحدهما .. ففي قول: يعتبر هو)؛ لمراعاة الشارع له في مواضع.
قال: (والأظهر: يقسط) هذا هو القياس.
قال: (باعتبار عيس الزرع ونمائه)؛ لأن ذلك هو المقصود، وكذلك الحكم في الثمار.
وعبر بعضهم باعتبار النفع؛ فقد تكون سقية أنفع من سقيات.
قال: (وقيل: بعدد السقيات) أي: النافعات؛ لاختلاف المؤنة بها، فلو سقي بماء السماء والنضح وجهل المقدار .. وجب ثلاثة أرباع العشر على الصحيح، وقيل: نصف العشر، والأصل براءة الذمة مما زاد.
قال: (وتجب ببدو صلاح الثمر، واشتداد الحب)؛ لأنهما قد صارا في هذه الحالة قوتين وقلبها كالخضروات، ولا يجب الإخراج حينئذ بلا خلاف بل لا يجزئ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالمراد بـ (الوجوب): أنه انعقد سببًا لوجول الإخراج إذا صار تمرًا أو زبيبًا أو حبًا مصفي، ويجب للفقراء الآن دفعه إليهم آخرًا.
وسيأتي في البيع ضابط بدو الصلاح، وأن حصوله في البعض كافٍ، وكذلك الاشتداد.
فروع:
ليس من شرط من بدا الصلاح أو اشتد الحب في ملكه: أن يكون هو الزارع، حتى لو باع زرعه وهو بقل فاشتد في ملك المشتري وهو من أهل الزكاة .. وجبت عليه، وإن كان المشتري ذميًا .. فلا زكاة على أحد، ويصح البيع في هذه الحالة بلا خلاف.
وقيل: إن قصد الفرار .. حرم.
وقطعها كبيعها إلا قطع الفحول فلا يكره؛ لأنه لا تأتي منها ثمرة.
ولو باع الثمرة وحدها قبل بدو الصلاح بشرط القطع فلم يقطع حتى بدا صلاحها .. وجب العشر، فإن رضيا بإبقائها .. جاز والعشر على المشتري.
وفي قول: ينفسخ البيع كما لو اتفقا على الإبقاء عند البيع.
وإن لم يرضيا بالإبقاء .. ففي قول: ينفسخ البيع، والأظهر: إن لم يرض البائع بالإبقاء .. يفسخ، وإن رضي وأبي المشتري إلا القطع .. فقيل: يفسخ، والأصح: لا يفسخ.
ولو رضي البائع ثم رجع .. كان له ذلك.
وحيث فسخ البيع .. فالزكاة على المشتري في الأظهر، وعلى البائع في الثاني.
ومؤنة تجفيف الثمرة وجدادها وحصاد الحب وحمله ودياسته وتصفيته وحفظه وغير ذلك من خالص مال المالك، لا يحسب شيء منها من مال الزكاة؛ لئلا يتقص مال الفقراء عن العشر أو نصفه.
وَيُسَنُّ خَرْصُ الثَّمَرِ إِذَا بَدَا صَلاَحُهُ عَلَى مَالِكِهِ،
قال: (ويسن خَرص الثمر إذا بدا صلاحه على مالكه)؛ لما روى سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد رضي الله عنه قال: (أمر رسول صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ زكاة النخل تمرًا) رواه أبوا داوود [1599] والحاكم [3/ 595] وابن حبان [3279] وحسنه الترمذي [644]، إلا أن سعيد بن المسيب لم يسمع من عتاب ولا أدركه.
وإنما شبه في الحديث الكرم بالنخل؛ لأنها أكثر عندهم.
لأن خبير فتحت سنة سبع، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يخرص النخل- وكان خرص النخل عندهم معروفًا- فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم الطائف وبها العنب .. أمر بخرصه كخرص النخل.
وقيل: إن الخرص واجب لظاهر الخبر، وبه جزم الماوردي؛ لأن في تركه إضرارًا بالملاك إن منعوا عن التصرف، وبالمساكين إن لم يمنعوا.
قال: وأما ثمار البصرة .. فأجمع الصحابة وعلماء الأمصار على أن خرصها غير جائز لكثرتها، ولما يلحق من المشقة ويلزم من المؤنة بسببها.
وقال أبو حنيفة: الخرص لا يجوز والسنة قاضية عليه.
و (الثمر) - بفتح الثاء المثلثة والميم- المراد به: الرطب والعنب، واحترز المصنف به عن الحب فإنه لا يخرص؛ لأنه لا يمكن الوقوف على ما فيه لاستتاره، ولأنه لا يؤكل غالبًا وهو رطب، والثمار تؤكل بسرًا ورطبًا وعنبًا فاحتجنا إلى خرصها؛ ليتمكن المالك من التصرف وينضبط حق الفقراء.
ولا يخرص الزيتون على المذهب وإن قلنا بوجوب الزكاة فيه.
وَالْمَشْهُورُ: إِدْخَالُ جَمِيِعِهِ في الْخِرْصِ،
والحكمة في الخرص: الرفق بالملك ليتصرف في الثمار، وبالفقراء في ضبط حقهم.
و (الخرص) _ بفتح الخاء- مصدر ومعناه: الحزر، قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾.
وصفته: أن يطوف بالشجرة ويرى جميع ثمرها ويقول: خرصها كذا وكذا رطبًا، ويجيء منه يابسًا كذا وكذا، ثم يفعل بباقي الحديقة كذلك.
ولا يجوز الاقتصار على رؤية بعضها وقياس الباقي عليها، فإن اختلف نوع التمر .. خرص نخلة نخلة، لأن بعضه قليل اللحم وبعضه كثيره، فلا يمكن خرصه دفعة، وإن اتحد .. جاز أن يخرص واحدة واحدة وهو الأحوط، وجاز أن يطوف بالجميع.
قال: (والمشهور: إدخال جميعه في الخرص)؛ لما روى مسلم [1392] عن أبي حميد رضي الله عنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال صلى عليه وسلم: (اخرصوها)، فخرصناها عشرة أوسق، فلما رجع .. سألها عن حديقتها: (كم بلغ ثمرها؟) فقالت: عشرة أوسق).
والثاناي: يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكلها أهله، ويختلف ذلك باختلاف المالك باعتبار كثرة العيال وقلتهم، وذلك في مقابلة تعبه في تربيتها إلى الجداد، وهذا القول منصوص في القديم و (البويطي)، ويدل له ما روى أبو داوود [1601] والحاكم [1/ 402]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرصتم .. فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث .. فالربع).
قال الشافعي رضي الله عنه: معناه: يدع ثلث الزكاة أو ربعها؛ ليفرقها هو بنفسه على أقاربه وجيرانه.
وَأَنَهُ يَكْفِي خَارِصٌ، وَشَرْطُهُ: الْعَدَالَةُ، وَكَذَا الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ في الأَصَحِّ
قال الشيخ: ولعل هذا محمول على ما إذا وثق من المالك بأنه يتصدق من ذلك المتروك بعشره.
وقال ابن الرفعة: مقتضى الحديث ترك الجميع له إذا احتاج هو وعياله إليه، قال: وقد حكاه الزكي في (حواشي السنن) وهو منصوص (الأم).
وينبغي تخصيص القول الثاني بما إذا كان لا ينقص عن نصاب لو ترك بعضه، فإن نقص عن النصاب .. ففي هذه الحالة يتحكم إدخال الجميع.
قال: (وأنه يكفي خارص) كالحاكم؛ لأنه يجتهد ويعمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابن رواحة رضي الله عنه إلى خبير).
والثاني: يشترط اثنان كالمقوم والشاهد.
والثالث: إن خرص على صبي أو مجنون أو غائب .. فاثنان، وإلا .. كفي واحد وهو غلط، لأن الخارص إما كالحاكم أو كالمقوم وهما لا يختلفان بالصغر والكبر.
ويجري الطريقان في القائف والقاسم إذا لم يكن رد، فإن كان .. فلابد من اثنين قطعًا.
قال: (وشرطه: العدالة) سواء شرطنا العدد أم لا، لأن الفاسق غير قبول القول.
ويشترط- أيضًا- أن يكون عارفًا بالخرص، لأن الجاهل بالشيء من أهل الاجتهاد فيه.
قال: (وكذا الحرية والذكورة في الأصح)؛ لأنها ولاية والعبد والمرأة ليسا من أهلها.
وقال صاحب (العدة): إن اكتفينا بواحد .. وجبا، وإلا .. فلا.
وأطلق الشاشي فيهما وجهين.
فَإِذَا خَرَصَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ يَنْقَطِعُ مِنْ عَيْنِ الثَّمَرِ، وَيَصِيرُ في ذِمَّةِ الْمَالِكِ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ لِيُخْرِجَهُمَا بَعْدَ جَفَافِه، وَيُشْتَرَطُ: التَصْرِيحُ بِتَضْمِينِهِ وَقَبُولِ الْمِالِكِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ بِنَفْسِ الْخَرْصِ.
وَإِذَا ضَمِنَ .. جَازَ تَصَرُّفُهُ في جَمِيعِ الْمَخْرُوصِ بَيْعًا وَغَيْرَهُ،
قال: (فإذا خرص .. فالأظهر: أن حق الفقراء ينقطع من عين الثمر، ويصير في ذمة المالك التمر والزبيب ليخرجهما بعد جفافه)؛ لأن الخرص تسليط على التصرف في الجميع وذلك يدل على انقطاع حقهم عنه.
والثاني: لا ينتقل حقهم إلى ذمته، بل يبقى متعلقًا بالعين كما كان؛ لأنه ظن وتخمين فلا يؤثر في نقل حق إلى الذمة.
وفائدة الخرص على هذا: جواز التصرف، ومطالبة المالك عند إتلاف الثمار بحساب الخرص.
فالقول الأول يعبر عنه بأن الخرص تضمين، والثاني بأنه مجرد اعتبار.
قال: (ويشترط: التصريح بتضمينه وقبول المالك على المذهب)، فيقول له: ضمنتك نصيب الفقراء من الرطب لتعطي مكيلته .. فيقبل.
هذا تفريع على أن الخرص تضمين، فإن لم يضمنه أو ضمنه فلم يقبله المالك .. بقي حق المساكين على ما كان.
قال: (وقيل: ينقطع بنفس الخرص)؛ لأن لفظ التضمين لم يرد في الحديث.
وتوسط افمام فقال: يشترط التضمين دون القبول، لكن قبول الولي ونحوه كالمالك، وهو وارد على المصنف.
قال: (وإذا ضمن .. جاز تصرفه في جميع المخروص بيعًا وغيره)؛ لأنه ملكه ولا تعلق لأحد فيه.
فروع:
لا يجوز للمالك أن يأكل شيئًا ولا أن يتصدق بشيء قبل الخرص، فإنه فعله .. عزز.
وَلَوِ ادَّعَى هَلاَكَ الْمَخْرُوص بَسَبَبٍ خَفِيٍّ كَسَرِقَةٍ، أَوْ ظَاهِرٍ عُؤِفَ .. صُدَّقَ بِيَمينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ الظَّاهِرُ .. طُولِبَ بِبيِّنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ يُصُدَّقَ ِيَمينِهِ في الْهَلاَكِ به.
وَلَوِ ادَّعَى حَيْفَ الْخَارِصِ أَوْ غَلَطَهُ بِمَا يَبْعُدُ .. لَمْ يُقْبَلْ،
فإن لم ينصب الحاكم خارصًا .. تحاكم إلى عدلين يخرصان عليه.
وإذا أتلفها المالك أو ألها بعد بدو الصلاح .. ضمن، وإن كان بعد الخرص وقلنا: إنه يضمن .. ضمن عشر الثمن.
وإذا اختلف الساعي والمالك في جنس الثمر بعد تلفًا مضمنًا .. فالقول قول المالك، فإن أقام الساعي شاهدين أو شاهدًا وامرأتين .. قضي له، وإن أقام شاهدًا فلا؛ لأنه لا يحلف معه.
وإذا اختلف خارصان .. فقيل: يؤخذ بالأقل؛ لأنه اليقين.
والأصح: يرجع إلى ثالث ويؤخذ بقول من هو أقرب إلى خرصه.
قال: (ولو ادعى هلاك المخروص بسبب خفي كسرقة، أو ظاهر عرف .. صدق بيمينه) في دعوى التلف بذلك السبب؛ لأنه مؤتمن شرعًا.
واليمين هنا وفيما سيأتي من مسائل الفصل مستحب، وقيل: واجب، وإن عرف عموم أثر ذلك السبب.
فلا حاجة إلى اليمين.
قال: (فإن لم يعرف الظاهر .. طزولب ببينة على الصحيح)؛ لإمكانها.
قال: (ثم يصدق بيمينه في الهلاك به) أي: بذلك السبب.
والثاني: لا يطالب به، بل القول قوله بيمينه؛ لأمانته.
والثالث: يقبل بلا يمين إذا كان ثقة، فإن اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرض لسبب .. فالمفهوم من كلام الصحاب قبوله مع اليمين.
قال: (ولو ادعى حيف الخارص أو غلطه بما يبعد .. لم يقبل) كما لا تقبل
أَوْ بِمُحْتَمَلٍ .. قُبِلَ في الأَصَحِّ
دعوى الجور على الحاكم إلا ببينة، ولا في الغلط الفاحش كالثلث والربع.
والأصح: أنه يحط القدر المحتمل.
قال الجوهري: العرب تقول: غلط في منطه وغلت في الحساب، وبعضهم يجعلهما لغتين.
قال: (أو بمحتمل .. قبل في الأصح)، وذلك كخمسة أوسق من مئة؛ لأن الكيل يقين، والخرص تخمين، والمالك أمين فوجب الرجوع إليه من غير يمين.
والثاني: لا يقبل، لاحتمال أن النقصان في الكيل ولعله يفي إذا كاله ثانيًا، كمن اشترى حنطة مكايلة وباعها مكايلة فنقصت بقدر ما يقع بين الكيلين، فإنه لا يرجع على الأول، لأنه كما يجوز أن يجوز ذلك لنقصان في الكيل الأول يجوز أن يكون لزيادة في الثاني.
والأصح: أنه يقبل، والفرق: ما تقدم من أن الخرص تخمين والكيل يقين.
وقوله: (بمحتمل) هنا بفتح الميم، وأما بكسرها .. فهي الواقعة نفسها.
تتمة:
محل الوجهين: ما إذا لم يكن المخروص باقيًا، فإن كان .. أعيد كليه وعمل به ومحله أيضًا: في التفاوت الواقع بين الكيلين، فإن كان فوق ذلك مما هو محتمل أيضًا .. فيقبل جزمًا، نبه عليه الرافعي.
...
خاتمة
الخراج المأخوذ طلمًا لا يقوم مقام العشر، فإن أخذه السلطان على أن يكون بدل العشر .. فهو كأخذ القيمة بالاجتهاد ويسقط به الفرض في الأصح.
والنواحي التي يؤخذ التي منها الخراج ولا يعلم حالها .. يستدام الأخذ منها؛ فإنه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يجوز أن يكون صنع بها كما صنع عمر رضي الله عنه في خراج السواد)، والظاهر في الأخذ: كونه بحق، وفي الأيدي: الملك، فلا نترك واحدًا من الظاهرين إلا بيقين.
وإذا وجب العشر في الزرع والثمار .. لم يجب فيها بعد ذلك شيء وإن بقيت سنين.
بَابُ زَكَاةِ النقْدِ نِصَابُ الْفِضةِ: مِئتَا دِرْهَمٍ،
باب زكاة النقد
(النقد) المضروب من الذهب والفضة خاصة، فلو عبر المصنف بزكاة الذهب والفضة كما عبر في (الروضة) .. كان أعم؛ ليشمل النقد والتبر والقُراضة والسبائك.
والنقدان من أشرف نعم الله تعالى على عباده؛ إذ بهما قِوام الدنيا ونظام أحوال الخلق، فإن حاجات الناس كثيرة وكلها تنقضي بالنقدين، بخلاف غيرهما من الأموال، فمن كنزهما .. فقد أبطل الحكمة التي خلقا لها، كمن حبس قاضي البلد ومنعه أن يقضى حوائج الناس.
والأصل في الباب قبل الإجماع قوله تعالى ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية، و (الكنز): ما لم تؤد زكاته.
وروى مسلم [987] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من صاحب ذهب ولا ورق لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة .. صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره، كلما بردت .. أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) الحديث.
قال: (نصاب الفضة: مئتا درهم) بالإجماع.
وفي (الصحيحين) [خ 1459 – م 979]: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة).
و (الأوقية): أربعون درهمًا.
و (الورق) بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز إسكانها مع فتح الواو وكسرها.
و (الدرهم) بكسر الدال وفتح الهاء، ويقال بكسرها، ويقال: درهام، وجمهور
وَالذ?هَبِ: عِشْرُونَ مِثْقَالًا بِوَزْنِ مَكةَ،
اللغويين على أنه مخصوص بالمضروب، وقال جماعة: يطلق على جنس الفضة وإن لم يكن مضروبًا، وهو المراد هنا.
قال: (والذهب: عشرون مثقالًا)؛ لما روى أبو داوود [1567] أن: النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان له عشرون مثقالًا وحال عليه الحول ... ففيها نصف دينار، فما زاد ... فبحساب ذلك)، لكن قوله (فما زاد فبحساب ذلك) شك الراوي: هل هو مرفوع؟ أو موقوف على علي رضي الله عنه والباقي مرفوع؟
فإن نقص عن ذلك ولو حبة .. لم تجب الزكاة عندنا بلا خلاف، وخالف فيه مالك وأحمد .. فلو كان في بعض الموازين ناقصًا وبعضها تامًا .. فالصحيح: لا زكاة؛ للشك في الوجوب.
وعن الحسن البصري: لا تجب الزكاة في أقل من أربعين دينارًا، وفيها مثقال.
قال: (بوزن مكة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الميزان ميزان أهل مكة) صححه أصحاب السنن.
ووزن مكة: كل درهم ستة دوانيق، كل عشرة دراهم: سبعة مثاقيل.
والمثقال لم يتغير في الجاهلية والإسلام، والدراهم كانت مختلفة ثم ضربت في زمان عمر رضي الله عنه، وقيل: في زمن عبد الملك بن مروان على هذا الوزن وأجمع المسلمون عليه.
قال الشيخ: ويجب اعتقاد أن ذلك هو مراد الشارع حيث أطلق الدراهم، وأنها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت معلومة على هذا الوزن؛ لأنهم لا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.
وَزَكَاتُهُمَا: رُبُعُ الْعُشْرِ.
وَلاَ شْيءَ فِي الْمَغْشُوشِ حَتى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابَا
قال: (وزكاتهما: ربع العشر)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وفي الرقة ربع العشر) قال ثعلب: الرقة تشمل الذهب والفضة، وخصها الجمهور بالفضة؛ لأن أصل الورق فحذفت (الواو) وعوض عنها (الهاء)، وجمعها: رقين، وفي المثل: إن الرقين يغطي أفن الأفين، أي: يستر عيب ضعيف الرأي.
ومن كلام المصنف يعلم: أنه يجب فيما زاد بحسابه، وأنه لا وَقْص إلا في الماشية.
والفرق: أن الثمار والنقود تتجزأ من غير ضرر بخلاف الماشية.
ولا تكمل فضة بذهب ولا عكسه، ويكمل جيد كل واحد منهما برديئه، ويخرج من الجيد إذا اختلفت القيمة.
قال: (ولا شبء في المغشوش) وهو: المخلوط بما هو أدون منه، كذهب بفضة، وفضة بنحاس.
قال: (حتى يبلغ خالصه نصابًا)؛ لأنه دون خمس أواق من الورق.
فإذا بلغت فضة الدراهم المغشوشة مثلًا نصابًا .. أخرج قدر الواجب فضة خالصة، أو أخرج من المغشوش ما يعلم أنه يشتمل على قدر الواجب، فلو كان المال لمحجور عليه .. فالمتجه: تعين الأول إن كانت مؤنة السبك تنقص عن قيمة العين، وسيأتي في أوائل (باب من تلزمه الزكاة) فائدة تتعلق بهذا.
وَلَوِ اخْتَلَطَ إِنَاءُ مِنْهُمَا وَجُهِلَ أَكْثَرُهُمَا .. زُكيَ الأَكثَرُ ذَهَبًا وَفِضةً، أَوْ مُيزَ
فروع:
يكره للرعية ضربها وإن كانت خالصة، وللإمام أن يؤدب على ذلك، ونص الشافعي رضي الله عنه على كراهة المعاملة المغشوشة، وأما الجواز: فإن كان مقدار الغش معلومًا .. صحت المعاملة بها وف الذمة اتفاقًا، وإن كان مجهولًا .. فأربعة أوجه:
أصحها: الصحة مطلقًا كبيع الغالية والمعجونات.
والثاني: لا تصح مطلقًا كاللبن المخلوط بالماء، وأجازة القفال والإمام.
والثالث: إن كان الغش معلومًا .. صح التعامل بها، وإن كان غالبًا .. لم يصح.
والرابع: يصح التعامل بها في العين دون الذمة كما في التعامل بالحنطة المختلطة بالشعير.
فلو كان الغش قليلا بحيث لا يأخذ حظًا من الوزن .. فوجوده كعدمه.
ولو أتلف شخص الدراهم المغشوشة .. فعلى الأصح: يجب مثلها، وقال المارودي: قيمتها.
ويكره إمساكها، والأولى أن يسبُكها إلا أن تكون دراهم البلد مغشوشة .. فلا يكره إمساكها.
قال: (ولو اختلط إناء منهما وجهل أكثرهما .. زكى الأكثر ذهبًا وفضة) كما إذا كان الإناء زنته ألفًا؛ ست مئة من أحدهما، وأربع مئة من الآخر، ولم يدر: هل الذهب أكثر أو الفضة؟ فيحتاط ويزكي ست مئة من هذا وست مائة من هذا لتبرأ ذمته بيقين، ويكون متطوعًا بالزائد، ولا يكفيه في الاحتياط أن يقدر الأكثر ذهبًا؛ فإنه لا يجزئ عن الفضة.
قال: (أو مُيز) أي: ميز بينهما بالنار؛ فإن في كل من الطريقتين يقين البراءة.
وَيُزَكي الْمُحَر?مُ مِنْ حُلي? وَغَيُرِهِ،
قال في (البسيط): ويحصل المقصود بسبك جزء يسير منه إن استوت أجزاؤه.
وبقى أمر ثالث: وهو الامتحان بالماء، فيوضع فيه ست مئة ذهبًا وأربع مئة فضة ويعلم ارتفاعه، ثم يعكس ويعلم ارتفاعه – وهو فوق الأول – ثم يوضع المختلط، فإلى أيهما وصل فهو المقدار.
كل هذا إذا كان الإناء موجودًا، فإن فقد ... فيقوى اعتبار ظنه ويعضده التخميين في مسألة المذي والمني.
فروع:
إذا عسر التمييز بالنار والامتحان بالماء عند من اعتبره .. لزمه الاحتياط، فيزكي ست مئة ذهبًا وست مئة فضة.
وعسر التمييز: أن يفقد آلات السبك أو يحتاج فيه إلى زمن صالح؛ فإن الزكاة على الفور.
ولو غلب على ظنه الأكثر .. لم يعتمده الساعي، وفي المالك وجهان، وأجرة السبك على المالك على الأصح.
وجزم الإمام بأن من عليه دين يشك في قدره .. يلزمه إخراج اليقين بغير زيادة، لكن في (قواعد ابن عبد السلام): لو وجبت عليه زكاة من زكاتين ولا يدري: أهي بقرة أم بعير أم شاة؟ أم دراهم أم دنانير؟ يأتي بالزكاتين كمن فاتته صلاة من خمس لا يعرف عينها يصلي الخمس.
قال: وفيه نظر؛ لأنا تيقنا شغل الذمة في الصلاة وشككنا في المسقط، بخلاف ما نحن فيه.
وسيأتي لهذا نظير في (باب النذر).
قال: (ويزكى المحرم من حلي وغيره) أجمع المسلمون على وجوب الزكاة في المحرم وهو نوعان.
لاَّ المٌبَاحُ فِي الأَظْهَرِ , أحدهما: لعينه كالأواني والملاعق والمجامر من النقدين.
والثاني: حرام بالقصد , كما إذا قصد الرجل بحلي النساء الذي يملكه كالسوار والخلخال أن يلبسه أو يلبسه غلمانه , أو قصدت المرأة بحلي الرجال كالسيف والمنطقة أن تلبسه أو تلبسه لجواريها أو غيرهن من النساء لآن إسقاط الزكاة تخفيف مشروط بمنفعة فلتكن مباحة, والمنفعة المحظورة كالعدم.
والمكروه- كالضبة الصغيرة للزينة والكبيرة للحاجة- يجب فيه الزكاة.
و (الحلي) - بضم الحاء وكسرها- جمع حلي ,مثل: ثدي وثدي.
قال: (لا المباح في الأظهر) لأنه معد لاستعمال مباح , فأشبه العوامل من الإبل والبقر.
وصح عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة مع ما عرف من مذهبها من إخراج زكاة أموال اليتامى , رواة مالك 1/ 250 وغيره.
وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما: كان يحلي جواريه وبناته بالذهب ولا يخرج عنه الزكاة
وصح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: أنها تحلي بناتها بالذهب ولا تزكيه نحوا من
خمسين ألفا.
والثاني: تجب لآن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب
فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت لا , فقال أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من
نار!؟ فخلعتهما وألقتهما إلى رسول الله
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صلى الله عليه وسلم وقالت: هما لله ولرسوله.
رواه أبو داوود 1558 بإسناد صحيح.
وهذه المرأة هي أسماء بنت يزيد بن السكن السائلة عن دم الحيض , قاله الحافظ أبو نعيم.
و (المسكتان) بفتح الميم والسين, الواحدة: مسكة وهي: السوار والجواب: أن الحلي كان في أول الإسلام
محرما على النساء كما قاله القاضي أبو الطيب والبيهقي وغيرهما , أو أنه كان فى ذلك إسراف وهذا معنى قول
الأصوليين: (وقائع الأحوال لا تعم).
وأجاب قوم بأن زكاة الحلي عاريته , ولم يرتض الشيخ شيئا من هذه
الأجوبة وقال: لا يقبل شيء منها إلا بدليل.
فعلى هذا القول: الزكاة منوطة بجوهر النقدين كالربا
وعلى الأول: بالانتفاع بها.
ويستثنى من إطلاق كثير من الأصحاب ما لو له حلي مباح فمات ولم يعمل به وارثه حتى مضى حول .. فإن
زكاته تجب لأنه لم بنو إمساكة للاستعمال المباح.
وحكى الروياني عن والده احتمال وجه: أنها لا تجب لأن الوارث قائم مقام مورثه ونيته تكفي.
ولو اتخذ حلي الذهب لتحلية الأطفال الذكور.
فالأصح: لا زكاة فيه.
فرع:
إذا أوجبنا الزكاة في الحلي فاختلفت قيمته ووزنه , كخلخال وزنة مئتان وقيمته ثلاث مئة .. اعتبرنا القيمة
على الصحيح , فيخير بين أن يخرج ربع عشر الحلي ,
فَمِنَ المُحَرَّمِ: الإِنَاءُ وَالسُوَارُ وَالخِلْخَالُ لِلُبْسِ الرَّجُلِ , فَلَوِ أتَّخَذَ سِوَارًا بِلَا قَصْدٍ أَوْ بِقَصْدِ إِجَارَتِهِ لِمَنْ لَهُ اسْتِعْمَالُهٌ .. فَلَا زَكَاةَ فِي الأَصَحِّ ,
مشاعًا , وبين أن يخرج خمسة دراهم مصوغة قيمتها سبعة ونصف , ولا يجوز أن يكسره فيخرج خمسة مكسرة
قال: (فمن المحرم: الإناء) سواء كان للرجال أو النساء لما تقدم.
قال) والسوار والخلخال للبس الرجل) , وكذا الخنثي على المذهب .. فإنه ينافي شهامة الرجال.
فلو قصد باتخاذه مباحا ثم غيره أو بالعكس .. تغير الحكم.
قال: (فلو اتخذ سوارا بلا قصد أو بقصد إجارته لمن له استعماله قلا زكاة في الأصح) أما الأولى - وهي: ما
إذا لم يقصد بالحلي شيئا - فلأن الزكاة إنما تجب في المال النامي والنقد غير نام بنفسه , وإنما يلتحق بالناميات لكونه متهيئا للإخراج, وبالصياغة بطل التهيؤ.
والوجه الثاني تجب فيه لعدم القصد.
وأما الثانية - وهي: ما إذا قصد بالحلي اتخاذه لمن له استعماله - فلا زكاة فيه في الأصح كما لو اتخذه ليعيره, ولا اعتبار بالأجرة الماشية العوامل.
وذهب أبو عبد الله الزبيري إلى أن اتخاذه بقصد الإجارة حرام , والجمهور على جوازه وجواز إجارته بالذهب
كيف كان.
وقوله (بلا قصد) أراد: أنه لم يقصد استعماله ولا اقتناءه كنزا , أما إذا قصد الكنز أو القنية .. فالمذهب:
وجوب الزكاة وبه جزم في (التنبيه) لأن قصد الكنز صارف للصياغة عن الاستعمال بخلاف مسألة الكتاب فإن
الصياغة المانعة للزكاة لم يعارضها شيء , ولهذا كانت عبارة المصنف أحسن من قول (المحرر): (ولم يقصد استعمالا مباحا ولا محظورا) فإن هذه تشمل ما إذا قصد الكنز , والصحيح فيها: وجوب الزكاة.
وَكَذَا لَوِ انْكَسَرَ حَلْيٌ وَقَصَدَ إصْلَاحَهُ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ حُلِيُّ الذَّهَبِ ....
لو أتخذ الرجل حلي النساء من غير قصد ,أو المرأة حلي الرجل من غير قصد .. فلا زكاة في الأصح كما سبق.
وحكم القصد الطارئ بعد الصياغة في جميع ما ذكرنا حكم المقارن , فلو اتخذوا قاصدا استعمالا محرما ثم غير قصده إلى مباح .. بطل الحول , فول عاد القصد المحرم ابتدأ الحول , وكذا لو قصد الاستعمال ثم قصد كنزه .. ابتدأ الحول.
و (السوار) بكسر السين وضمها , وفى لغة ثالثة: (أسوار) بضم الهمزة حكاها في (شرح مسلم) وحكاها الحافظ المنذري بكسرها.
قال: (وكذا لو انكسر حلي وقصد إصلاحه) لا تجب فيه الزكاة في الأصح إن تمادت عليه
أحوال لدوام صورة الحلي وقصد إصلاح.
والثاني: تجب لتعذر الاستعمال.
واحترز بقوله: (وقصد إصلاحه) عما إذا قصد جعله تبرا أو دراهم .. فإن الحول ينعقد من حين الانكسار , وإن لم يقصد هذا ولا ذاك .. فأولى الوجهين في (الشرح الصغير): الوجوب , والأظهر في (الكبير): المنع , قال في (المهمات): وهو الصواب المنصوص.
وصورة المسألة: إذا انكسر بحيث يمتنع الاستعمال , لكن لا يحوج إلى صوغ جديد بل يصلح بالإلحام , فإن لم يمتنع الاستعمال .. فلا أثر له , وإن أحوج إلى صوغ جديد وجبت فيه الزكاة , وابتداء الحول من يوم الانكسار.
قال: (ويحرم على الرجل حلى الذهب) لقوله صلي الله عليه وسلم: (حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي , أحل لإناثهم) قال الترمذي 1720: حديث حسن الصحيح , وفي
(صحيح مسلم) 2090 في خاتم الذهب: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده.
وإطلاق المصنف يقتضي: أنه ولو كان آله الحري وهو كذالك.
وكذالك المموه إذا حصل منه شيء بالنار فإن لم يحصل .. فوجهان اختلف فيهما تصحيح المصنف.
إِلَّا الأَنْفَ والأَنْمَلَةَ والسِّنَّ
قال: (إل الأنف) لما روى الترمذي 1770 وابن حبان 5462 والطيالسي 1258 والبيهقي
2/ 425 عن عرفجة بن صفوان التميمي رضي الله عنه قال: (أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية , فاتخذت أنفا من ورق فأنتن علي أمرني فأمرني رسول الله صلى الله علية وسلم: أن
اتخذ أنفا من ذهب).
و (الكلاب) بضم الكاف ما بين البصرة والكوفة , كانت بة وقعة في الجاهلية في أيام أكثم بن صيفي.
قال: (والأنملة والسن) لأنهما فى معنى الأنق , وروى أبو نعيم وأبن عدي 4\ 109 وابن قانع
565 عن هشام بن عورة عن أبيه عن عبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول أن أتخذ ثنية من ذهب
) لكن في إسناده طلحة بن زيد الرقي وهو ضعيف , ولأنملة تعمل عمل الإصبع فيمكن تحريكها بالقبض والبسط.
و (الأنملة) واحدة الأنامل وهي: رؤوس الأصابع , وفيها تيع لغات: تثليث الهمزة مع تثليث الميم , والأفصح: فتح همزتها وميمها ولم يحك الجوهري غيرها.
فرع:
يجوز شد السن بالذهب للضرورة لأن عثمان رضي الله عنة شد أسنانه به ولم ينكره أحد , وروى
البيهقي في) الشعب) 6329 عن أنس بن مالك رضي الله عنة: أنة شد أسنانه به , وعن الحسن
البصري وموسى بن طلحة وإسماعيل بن زيد بن ثابت كذلك, وعن النخعي: أنه لم ير به بأسا.
فإن نشب في العضو وتركب عليه اللحم .. صار كالمستهلك لا زكاة فيه , فإن لم يكن كذلك بل
كان يمكن نزعه ورده .. ففيه القولان في الحلي المباح.
لاَ الإِصْبَعَ، وَيَحْرُمُ سِنُّ الْخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَيَحِلُّ لَهُ منَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ،
قال: (لا الإصبع)؛ لأنها لا تعمل فتكون لمجرد الزينة بخلاف الأنملة؛ فإنه يمكن تحريكها، واليد كالإصبع، وفيهما وجه، وكما تحرم الإصبع من الذهب تحرم من الفضة.
قال: (ويحرم سن الخاتم على الصحيح) وهو: الشعبة التي يستمسك بها الفص لعموم أدلة التحريم.
ويقابله احتمال للإمام؛ لأنه يشبه الضبة الصغيرة.
قال: (ويحل له من الفضة الخاتم) بالإجماع.
مهمة:
توحيد المصنف (الخاتم) وجمع ما بعده مشعر بامتناع التعدد اتخاذًا ولبسًا، وهو خلاف ما في) المحرر)؛ فإنه عبر بقوله: (ويجوز التختم بالفضة للرجال)، وعبر في) الشرح) بقوله: (ولو اتخذ الرجل خواتم كثيرة ليلبس الواحد منها بعد الواحد .. جاز)، وظاهره: الجواز في الاتخاذ دون اللبس.
والصواب: جواز الأمرين كما صرح به الدارمي والخوارزمي.
وقال المحب الطبري: المتجه: إنه لا يجوز للرجل أن يلبس خاتمين من فضة في يديه أو في إحداهما؛ لأن استعمال الفضة حرام إلا ما وردت به الرخصة، ولم ترد إلا بخاتم واحد.
وفي (شعب الإيمان)] 6356 [للبيهقي: كان أبو سليمان الخطّابي يكره ذلم وقال: إنه ليس من جميل العادات، ولا من صفات المتقين.
فروع:
لبس الخاتم سنة سواء كان في اليمين أو اليسار، لاكن اليمين أفضل.
وقال المتولي والفوراني والعمراني: اليسار أولى.
والمستحب: أن يجعل فَصَّه مما يلي الكف.
وَتَحْلِيَةُ آلاَتِ الْحَرْبِ- كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالْمِنْطَقَةِ-
ويجوز أن يكون فصه منقوشًا باسم الله من غير كراهة، وله أن ينقش فيه اسم نفسه أو كلمة حكمة.
ويكره للرجل التختم في الوسطى والسبابة؛ لما روى مسلم [2078] عن علي رضي الله عنه قال: (نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أجعل خاتمي في الوسطى والتي تليها)، وفي رواية في (أبي داوود) [4222] بإسناد صحيح: (نهاني أن أتختم في السبابة والوسطى).
ولا يكره للمرأة لبس خاتم الفضة خلافًا للخطّابي.
ولا يكره لبس خاتم الرصاص والنحاس والحديد على الأصح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (التمس ولو خاتمًا من حديد).
قال ابن الرفعة: وينبغي أن ينقص عن مثقال؛ لما روى أبو داوود [425] وابن حبان [5488] من حديث بريدة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا لبس خاتمًا من حديد فقال: (ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟!) فطرحه، فقال: يا رسول الله؛ مم أتخذه؟ قال: (من فضة ولا تبلغه مثقالا).
ويحرم على الرجل لبس الدملج والسوار والطوق خلافًا للغزالي.
وليس للخنثى التحلي بحلي الرجال ولا بحلي النساء، ولا يباح له من الفضة إلا الخاتم هاذا نص المتولي، وفي (الروضة) عنه: أنه أشار إلى أن للخنثى لبس حلي الرجال والنساء؛ لأنه كان يلبسهما في الصغر فيبقى.
قال: (وتحلية آلات الحرب كالسيف والرمح والمِنطقة) وهي: التي يشد بها الوسط، وميمها مكسورة، والجمع: مناطق، وشرطها: أن تكون معتادة، فلو اتخذ مِنطقة ثقيلة لا يمكنه لبسها من فضة، أو اتخذت المرأة حليًا ثقيلًا لا يمكنها لبسه .. وجبت الزكاة قطعًا؛ لأنه غير معد لاستعمال مباح.
لاَ مَا لاَ يَلْبَسُهُ كَالسَّرْجِ وَاللِّجَامِ عَلَى الأَصَحِّ.
وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَحْلِيَةُ آلَةِ الْحَرْبِ،
وتباح التحلية المعتادة في الدرع والجوشن والخوذة والخنجر وسكين الحرب؛ لأن فيه إرهابًا للعدو وغيظًا للكافرين.
وقد ثبت: (أن قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعله كانا من فضة، وما بين ذلك حِلَق الفضة) رواه النسائي [8/ 219] وغيره.
أما سكين المهنة والدواة والمقراض .. فتحليتها بالفضة حرام على الأصح على الرجال والنساء، كما يحرم عليهما تحلية الدواة والمبخرة والمرآة، وبالذهب حرام عليهما قطعًا.
قال: (لا ما يلبسه كالسرج واللجام على الأصح) كالأواني.
والثاني: يجوز؛ لما سبق من إغاظة الكفار.
والخلاف جار في الرِّكاب وأطراف السيور وثفر الدابة وبرة الناقة من الفضة، والأصح: التحريم.
قال الشيخ: ينبغي أن يتوقف في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى جملًا في أنفه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين.
والمذهب: تحريم القلادة للدابة.
ولا يجوز شيء من ذلك بالذهب بلا خلاف.
ومحل الخلاف: في المقاتل، أما غيره .. فلا تحل له تحلية ذلك قطعًا.
وتستثنى: البغلة والحمار، فلا يجوز ذلك فيهما بلا خلاف؛ لأنهما لا يصلحان للحرب.
قال: (وليس للمرأة تحلية آلة الحرب)؛ لأن فيها تشبيهًا بالرجال وهو حرام كما نقله الرافعي عن الجمهور، واعترض الشاشي بأن التشبيه مكروه لا حرام ولهن المحاربة وجزم بالجواز، قال الرافعي: وهو الحق إن شاء الله.
وَلَهَا لُبْسُ أَنْوَاعِ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكَذَا مَا نُسِجَ بِهِمَا فِي الأَصَحِّ.
وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ الْمُبَالَغَةِ فِي السَّرَفِ كَخَلْخَالٍ وَزْنُهُ مِئَتا دِينَارٍ،
قال المصنف: وما قالاه ضعيف، والصواب: أن التشبيه حرام.
ولا فرق في جواز لبس الحلي للنساء بين المزوجة والخلية.
قال: (ولها لبس أنواع حلي الذهب والفضة) بالإجماع، وذلك كالقُرْط والطوق والخاتم والسوار والخَلخال.
وكذا نعل الفضة على الصحيح، وما لبسه أحد .. إلا أذله الله، وصوب في (شرح المهذب) جواز لبسه مطلقًا.
والتاج إن جرت عادة النساء بلبسه .. جاز، وإلا .. فلا؛ لأن فيه تشبيهًا بالرجال وهم ملوك الفرس كذا في (الروضة)، وقال في (شرح المهذب) (في باب ما يجوز لبسه): الصواب: جوازه مطلقًا.
قال: (وكذا ما نسج بهما في الأصح)؛ لعموم الأدلة.
والثاني: لا للسرف والخيلاء.
مهمة:
القلادة من الدراهم والدنانير لا تحرم بلا خلاف، وما وقع في (الشرح) و (الروضة) من التحريم معترض، لاكن نجب زكاتها في الأصح؛ لبقاء صورة النقد.
قال: (والأصح: تحريم المبالغة في السرف كخَلخال وزنه مئتا دينار)؛ لأن المباح لهن ما يتزين به ولا زينة في ذلك.
والثاني: لا يحرم؛ لعموم الأدلة على إباحة الحلي.
وتقييده ب (المبالغة) تبع فيه (المحرر)، وليس في (الشرح) ولا في (الروضة) ذلك، بل أطلق اذكر السرف وهو الذي يظهر، ويؤيده قوله بعده: (وكذا إسرافه في آلة وَكَذَا إِسْرَافُهُ فِي آلَةِ الْحَرْبِ، وَجَوَازُ تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِفِضَّةٍ، وَكَذَا لِلْمَرْأَةِ بِذَهَبٍ
الحرب).
وأما التمثيل بخلخال وزنه مئتا دينار .. فكذا ذكره غيره.
قال: (وكذا إسرافه في آلة الحرب)؛ لما فيه من الخيلاء الزائد.
فلو اتخذ آلات كثيرة للحرب محلاة أو المرأة خلاخيل كثيرة تلبس الواحد منها بعد الواحد .. فطريقان، أصحهما: القطع بالجواز.
والسرف ضد القصد، وهو: مجاوزة الحد، ويقال له في النفقة: التبذير وهو: الإنفاق في غير حق، فالمسرف: المنفق في المعصية وإن قل إنفاقه، وغيره المنفق في الطاعة وإن أفرط.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ليس في الحلال سرف؛ إنما السرف في ارتكاب المعاصي).
وما أحسن قول الحسن بن سهل: لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف.
وقال سفيان الثوري: الحلال لا يحتمل السرف.
وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته: ما نفقتك؟ قال: الحسنة بين السيئتين ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية.
قال: (وجوازُ تحلية المصحف بفضة)؛ إكرامًا له، وذلك جائز للرجال والنساء.
والثاني: لا يجوز كالأواني.
والخلاف قولان منصوصان، وقيل: وجهان كما حكاه المصنف.
أما تحلية سائر الكتب بذهب أو فضة .. فحرام بالاتفاق قاله في (شرح المهذب)، وقال في (الروضة): أشار الغزالي إلى طرد الخلاف في سائر الكتب.
وحكى الجاجرمي وجهًا في جواز تحلية الكتب، وأثبته البارزي في (تمييز التعجيز).
قال: (وكذا للمرأة بذهب)؛ لعموم: (أُحل الذهب والحرير لإناث أمتي).
وَشَرْطُ زَكَاةِ اّلنَّقدِ: اّلْحوْلُ.
وَلاَ زَكَاةَ فِي سَائِرِ اّلْجَوَاهِرٍ كَاّللٌؤلُؤِ ......
والثاني: يجوز مطلقًا؛ بما تعظيمًا للمصحف وصحح المارودي.
والثالث: لا مطلقًا.
والرابع: يجوز تحليه نفس المصحف دون غلافه المنفصل عنه.
والأصح: أن حكم غلافه المنفصل عنه كحكمه.
قال الغزالي: ومن كتب المصحف بذهب .... فقد أحسن ولا زكاة عليه.
وفي حلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة وتعليق قناديلهما وجهان:
الأصح: التحريم
والثاني _ وبه أفتى الغزالي-: الجواز كما تستر الكعبة بالحرير.
وينبني عليهما وجوب زكاتهما إذا كانت باقية على ملك فاعلها، فعلى القول بالتحريم: تجب زكاتها قطعًا، وعلى القول بجوازها: في زكاتها القولان، وإن كانت وقفًا .. فلا زكاة فيها.
وقال ابن عبد السلام: لا بأس بتزيين المساجد بالقناديل والشموع التي لا توقد؛ لأنه نوع احترام.
قال: (وشرط زكاة النقد: الحول)؛ للخبر المتقدم.
قال: (ولا زكاة في سائر الجواهر كاللؤلؤ)؛ لما روى البيهقي [4/ 146] عن علي رضي الله عنه موقوفًا عليه: (ليس في جوهر زكاة)، وفي (الرافعي) عن: أنه فال: (لا زكاة في اللؤلؤ) وهو غريب، وكذلك الزبر جد والياقوت والفيروز والمرجان والصفر والزجاج وإن حسنت صنعته وكثرت قيمته، ولا في المسك والعنبر؛ لأنه لم يرد بالزكاة في ذلك نص ,
وروى البيهقي [4/ 146] عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قال: (لا شيء في العنبر) ورواه البخاري بمعناه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الشافعي رضي الله عنه: ولا أكرا لباس اللؤلؤ إلا لأنه من زى النساء – قال – ولا أكره لباس ياقوت ولا زبرجد إلا من جهة السرف والخيلاء.
تتمة: (الجوهر) معروف، وهو معرب واحدته: جوهرة، وأما الجوهر الفرد الذي يستعمله المتكلمون .. فو ما تحيّز، والجسم يطلقونه على ما تركب من جزأين فصاعدًا، والعرض: ما قام بالجسم أو بالجوهر، واختلفوا في إثبات الجوهر الفرد، قالوا: وهذه الأقسام الثلاثة هي جملة المخلوقات لا يخرج عنها شيء منها.
خاتمة
سيأتي في (قسم الفيء والغنيمة): أن عمر رضي الله عنه لما قدم عليه مال العراق دعا سراقة بن مالك رضي الله عنه فألبسه سواري كسري.
فأبيح له ذلك؛ لأنه علم من أعلام النبوة، وفي (أخبار المدينة): أن أتي بمجمرة من الشام من فضة فيها تماثيل، فدفعها إلى سعد – أحد المؤذنين- وقال: (جمّر بها في الجعبة وفي شهر رمضان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم) فكان سعد يفعل ذلك وكان يضعا بين يدي عمر رضي الله عن فيه، ولم تزل إلى سنة ستين ومئة فضرت وجعلت سلاحًا.
فهذا أيضًا مما اختص به مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن قناديله لا حق فيها للفقراء ولا لغيرهم، ولا يجوز صرفها في عمارة المسجد ولا غير، سواء وقفها مالكها أو أرسلها هدية، بل تبقي مستحقة لتلك المنفعة لا تجوز إزالتها عن أمكانها وتجب استدامتها، كما قرر الشيخ ففي (تنزل السكينة على قناديل المدينة) على ساكنها أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام.
بَابُ زكَاةِ اّلْمَعْدِنِ والرِّكاَزِ وَاّلتَّجَارَةِ
باب زكاة المعدن والرَّكاز والتجارة
الأموال الكائنة في الأرض: إما مخلوقة فيها وهي: المعادن، أو مودوعة فيها وهي: الركاز.
فـ (المَعدِن) بفتح الميم وكسر الدال تقدم في (باب التيمم).
سمي بذلك لعدوته؛ أي أقامت، يقال: عَدَنَ بالمكان إذا أقام فيه، ومنه: (جَنَّتُ عَدْنٍ)، أي: إقامة.
وسمي البلد المشهور عدناّ؛ لأن أصحاب الجرائم كان يحبسهم تبَّع بها وكان رجلًا صالحًا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سبه؛ لأنه آمن به قبل أن يبعث بسبع مئة سنة.
و (الركاز): ما دفن وأقر.
وذكرهما في الزكوات تفريع على المذهب: أن مصرف ما يجب فيهما مصرف الزكوات.
و (التجارة): تقلب المال والتصرف في لطلب الربح.
مَنِ اّسْتَخْرَجَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةّ مِنْ مَعْدِنٍ ... لَزِمَهُ رُبُعُ عُشْرِهِ، وَفي قَوْلٍ: اّلْخُمْسُ، ....
والأصل في وجوب زكاة المعدن قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِن طَيِبتِ ماَ كَسَبّتُم وَمِمَآ أَخْرَجنَا لَكُم مَنَ آلأَرضِ﴾.
وروى مالك [1/ 248] وأبو داوود [3056] والحاكم [1/ 404]: (أن النبي صلى الله علي وسلم أخذ من المعدن القَبَلية الصدقة) وهي بتحريك القاف والباء: نسبة إلى موضع بينه وبين المدينة خمس أيام.
قال: (من استخرج ذهبًا أو فضة من معدن .. لزمه ربع عشره)؛ لعموم الأحاديث المتقدمة.
وقيل: لا يختص الوجوب بالذهب والفضة، بل يعم كل ما يخرج منه كالحديد والزمرد وغيرهما.
وخصه أبو حنيفة بالمنطبع كالذهب والفضة والنحاس والحديد، وأبو يوسف بكل ما يستعمل حلية كالجواهر.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (المعدن جُبَار) .. ففسروه بأن المراد: إذا انهار على رجل فقتله؛ لقيام الإجماع على الواجب فيه.
قال: (وفي قول: الخمس)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وفي الركاز الخمس) قيل: ما الركاز؟ قال: (الذهب والفضة والمخلوقان في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض) أصل الحديث في الصحيحين [خ1499 – 1710]، لكن قيل: إن هذه الزيادة – أعني التفسير بالمعدن – ضعيفة.
وعلى هذا: المذهب أيضًا: أنها تصرف مصرف الزكاة بالنية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ زكاة المعادن القَبَلية كما تقدم.
وقيل: مصرف خمس الفيء بلا نية.
قال الشافعي رضي الله عنه: ومن أوجب فيه الخمس لا يكاد يسميه زكاة.
وَفِي قَوْلٍ: إنْ حَصَلَ بِتَعَبٍ .. فَرُبُعٌ عٌشْرِهِ، وإلًا ... فَخُمْسُهُ.
وَيُشْتَرَطُ: ألنصَابٌ لاَ ألْحَوْلُ عَلَي ألمَذهَبِ فِيهِمَا.
وَيُضَمُّ إِلَى بَعْضٍ إِنْ تَتَابَع الْعَمَلُ
قال: (وفي قول: إن حصل بتعب .. فربع عشره، وإلا ... فخمسه)؛ لأن الواجب يزداد بكثرة المؤنة، وينقص بقلتها كالزروع.
والمراد بـ (التعب): الحفر والمعالجة بالنار.
قال: (ويشترط: النصاب لا الحول على المذهب فيهما) أما اشتراط النصاب .. فالعموم ما سبق في زكاة النقدين.
وقيل: لا يشترط؛ لأنه مال يجب تخميسه فلا يعتبر فيه النصاب كالفيء والغنيمة.
وأما عدم اشتراط الحول .. فلأنه نماء في نفسه كالثمار والزروع.
ووجه اشتراطه عموم: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)، وإنما عبر بـ (المذهب)؛ لأن الأصح: القطع باشتراط النصاب وبعدم اشتراط الحول.
فإن قيل: إذا كان المعدن مخلوقًا في الأرض، فإذا وجده مالك الأرض فلم لا يزكيه للسنين الماضية لأنه ملكه منذ ملك الأرض؟ فالجواب: أن الموجود فيه لعله مما يُخلق شيئًا فشيئًا فلم يتحقق سبق الملك فيه.
فرعان:
أحدهما لو وجد معدنًا أو ركازا وعليه دين قدر الموجود أو قدرًا ينقصه عن النصاب .. ففي منع الزكاة الأقوال الآتية في الباب الذي بعده.
الثاني: لو استخرج اثنان من المعدن نصابًا ... ففي وجوب الزكاة ما تقدم في ثبوت الخلطة في النقدين.
قال: (ويضم بعضه إلى بعض إن تتابع العمل) كما يضم المتلاحق من الثمار، لكن الضابط في الثمار: كونها ثمار سنة، وهنا: تتابع العمل، لا يشترط بقاء
وَلاَ يُشْتَرَطُ اتَصَالُ النيْلِ عَلَى الْجَدِيِد، وإذاَ قَطَعَ الْعَمَلَ بِعُذْرٍ .. ضُمَّ، وَإلاَّ فَلاَ يَضُمُّ آلأَوَّلَ إِلَى الثَّانِي.
وَيَضُمُّ الثٌّانِيَ إِلَى الأَوَّلِ ......
الأول على ملكه، قاله الماوردي وغيره.
ونقل في (الكفاية) عن النص: أن شرط الضم: اتحاد المعدن فإن تعدد .. لم يضم تقاربا أم تباعدا، وكذا في الركاز.
قال: (ولا يشترط اتصال النيل على الجديد)؛ لأنه لا يحصل غالبًا إلا متفرقًا.
وفي القديم: يشترط كما يتشرط تتابع العمل.
وعلى هذا: لا يضم عند الانقطاع الكثير، أما اليسير .. فلا خلاف أنه لا يؤثر، وفي حد الطول أربعة أوجه
أصحها: العرف، وقيل: يوم، وقيل: ثلاثة.
قال: (وإذا قطع العمل بعذر .. ضم)؛ لأنه لا يعد بذلك معرضًا، وذلك كإصلاح الآلة وهرب الأجراء والمرض، والسفر على الأصح ,
قال: (وإلا ... فلا يضم الأول إلى الثاني) المراد: إذا قطع العمل بغير عذر ... فلا ضم طال الزمان أو قصر؛ لأنه إعراض.
مثاله: استخراج من المعدن خمسين، وقطع العمل لغير عذر، ثم استخرج منه مئة وخمسين، فلا يضم الخمسين الأولى إلى المستخرج ثانيًا؛ لأن الحول لا يشترط في هذا المال كما تقدم فالثاني مال جديد بالإعراض عن المعدن، ولا تجب زكاة ما أخذه أولًا إذا كان دون النصاب.
قال: (ويضم الثاني إلى الأول) سواء كان الأول من المعدن أم من غيره في إكمال النصاب حتى يخرج حصة الموجود من المعدن الآن وإن كان دون النصاب؛ لأن الذي وجده الآن لا يشترط فيه الحول، والذي عنده يشترط فيه الحول، والمجموع نصاب فيعطى كل بعض حكمه.
مثاله: وجد تسعة عشر دينارًا، ثم انقطع العمل طويلًا، ثم عمل فوجد دينارًا .... ضمه إلى ما وجده أولًا، وتجب الآن زكاة الدينار فقط.