النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 429-459
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الدعوى والبينات

صفحات 429-459

وَلَوِ ادَّعَى وَلِيُّ صَبِيٍّ دِيْنًا لَهُ فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ .. لَمْ يُحَلَّفِ الْوَلِيُّ، وَقِيلَ: يُحَلَّفُ، وَقِيلَ: إِنِ ادَّعَى مُبَاشَرةَ سَبَبِهِ .. حُلِّفَ  وهذا كالمستثنى من قوله: (ولا يقضي بنكوله) أي: ما تقجم من رد اليمين على المدعي هو الأصل، وقد يتعذر في هذه الصور.
وقوله: (وألزمناه اليمين) أشار به إلى خلاف في المسألة، وهو أنه إذا ادعى مسقطًا أو اتهمه الساعي .. فإنه يحلفه على ما يدعيه، وهل اليمين واجبة أو مستحبة؟ فإن كانت دعواه لا تخالف الظاهر كقوله: لم يحل الحول بعد .. فهي ندب، وإن خالفته كقوله: بعته ثم اشتريته ولم يحل الحول .. فالأصح: استحبابهما أيضًا، فإن قلنا به فامتنع من اليمين .. فلا شيء عليه، وإن قلنا بوجوبها فنكل .. فهي مسألة الكتاب.
وقوله: (وتعذر رد اليمين) أشار به إلى تفصيل، وهو أن المستحقين في البلد إن انحصروا ومنعنا النقل .. ردت اليمين عليهم، وإلا .. فقد تعذر الرد على السلطان أو الساعي.
وقوله: (فالأصح) يقابله أوجه: أحدها: لا يطالب بشيء إذا لم يقم حجة.
والثاني: يحبس حتى يقر فيؤخذ منه أو يحلف فيترك.
والثالث: إذا ادعى خلاف الظاهر بأن قال: ما تم الحول أو الذي بيدي لفلان المكاتب .. لم يؤخذ منه، وإن قال: أديت في بلد آخر أو ساع آخر .. أخذت.
قال: (ولو ادعى ولي صبي) أي: أو مجنون (دينًا له فأنكر ونكل .. لم يحلف الولي)؛ لأن إثبات الحق للإنسان بيمين غيره مستبعد، بل ينتظر بلوغ الصبي وإفاقة المجنون.
قال: (وقيل: يحلف)؛ لأنه المستوفي، والصبي والمجنون ليس لهما أهلية اليمين.
قال: (وقيل: إن ادعى مباشرة سببه .. حلف)؛ لأن العهدة تتعلق به، وفي (الشرح) و (الروضة): أن هذا لا بأس به، ورجحه العبادي والسرخسي، قال في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  (المهمات): وهو المفتى به المنصوص عليه، وقد سبق في (كتاب الصداق) بيان ذلك، وأن ما قاله هناك لا ينافي ما قاله هنا.
وتجري الأوجه فيما لو أقام شاهدًا هل يحلف معه؟ وفيما لو ادعى على الولي دينًا في ذمة الصبي هل يحلف الولي إذا أنكر؟ والوصي والقيم كالولي.
ويجري في قيم المسجد والوقف إذا نكل المدعى عليه هل يحلف.
وملخص هذا أن الحق إن كان لغير معين كالمسلمين ومال من لا وارث له والمال الموصى به للفراء، إذا ادعاه من أسندت تفرقته إليه .. يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يدفع الحق؛ لأنه لا يمكن القضاء بالنكول منغير يمين، لأن الحقوق تثبت بالإقرار أو البينة، وليس النكول واحدًا منهما، ولا يمكن رد اليمين على مستحق غير معين، ولا يمكن تركه؛ لما فيه من ترك الحق، فتعين لفصل الخصومة ما قلناه.
وقيل: يقضى عليه بالنكول، ويؤخذ منه الحق؛ للضرورة.
تتمة: أفتى ابن عبد السلام والشيخ بأنه إذا ثبت دين لطفل أو مجنون على تركة مستحقها كذلك أنه يؤخذ في الحال من غير توقف على بلوغه وحلفه؛ إذ لا يجوز تأخير حق يجب على الفور لأمر محتمل، قالا: ولا يشهد للتأخير شيء من أصول الشرع.
قال الشيخ: ومن طالع كلام الرافعي والمصنف يعتقد أن المذهب: أنه ينتظر ويؤخر الحكم، وقد يترتب على ذلك ضياع الحق، وكثيرًا ما يتفق أن يموت رجلان لكل منهما على الآخر دين، ويترك كل ورثة صغارًا ولو أخر إلى البلوغ ربما ضاعت تركة الذي عليه الحق أو أكلها ورثته، فتأخير الحكم مع قيام البينة مشكل، لا سيما ونحن نعلم أن الصبي لا علم عنده من ذلك، واليمين الواجبة عليه بعد بلوغه إنما هي على عدم العلم بالبراءة، وهو أمر حاصل، فكيف يؤخر الحق لمثل ذلك؟! قال: فالوجه عندي: الحكم الآن، ويؤخذ الدين للصبي الذي ثبت له، وإن أمكن القاضي أخذ كفيل به حتى إذا بلغ يحلفه .. فهو احتياط، وإن لم يمكن ذلك .. فلا يكلف.

فَصْلٌ: ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ... سَقَطَتَا، وَفِي قَوْلٍ: تُسْتَعْمَلَانِ، فَفِي قَوْلٍ، تُقْسَمُ، ...

 قال: (فصل: ادعيا عينًا في يد ثالث) أي: ولم ينسبها ذو اليد إلى أحدهما قبل البينة ولا بعدها.
قال: (وأقام كل منهما بينة ... سقطتا)؛ لتناقض موجبهما فأشبها الدليلين إذا تعارضا ولا مرجح، وبهذا قال أحمد ومالك في رواية.
فعلى هذا: كأنه لا بينة ويصار إلى التحليف، قال الرافعي وهو منسوب إلى القديم، فالمسألة مما يفتى بها على القديم، وليس كذلك؛ فقد حكاه البندنيجي عن نص (الأم) و (البويطي)، فهو قديم وجديد.
قال: (وفي قول: تستعملان)؛ صيانة لهما عن الإلغاء بقدر الإمكان، فتنزع العين ممن هي في يده؛ لاتفاق البيتين على أنها ليست له، ثم فيما يفعل على هذا القول الثلاثة الأقوال الآتية: وكأنهم هونوا أمرها لما كانت مفرعة على الضعيف كالأقوال المفرعة على القديم في ميراث المبتوتة في مرض الموت، وفي القولين المفرعين على القديم في امرأة المفقود، والذي يظهر ترجيح قول الوقف، وبه جزم الرافعي في (باب التحالف)، والأوفق لإطلاق الغزالي ترجيح مقابله.
قال: (ففي قول: تقسم) أي: تجعل بينهما نصفين؛ لاستواء حجتيهما، هذا إذا قبلت القسمة، وبهذا قال أبو حنيفة، ويدل له ما روى أبو داوود [3608] وابن حبان [5068] والحاكم [4/ 95] بإسناد صحيح عن أبي موسى: أن رجلين ادعيا بعيرًا، وأقام كل منهما شاهدين، فجعله النبي صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين.
ولأن البينة أقوى من اليد، ولو تساويا في اليد ... لقسم بينهما، فهذا أولى.
وأجاب القائلون بالصحيح عنه باحتمال أن يكون ما تنازعا فيه في أيديهما، فأبطل البينتين وقسمه بينهما.

وَقَوْلٌ: يَقْرَعْ، وَقَوْلٌ: تَوَقَّفَ حَتَّى يَتَبَيَّتْ أَوْ يَصْطَلِحَا، وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِهُمَا وَأَقَامَا بَيْنَتِيْن ... بَقِيَتْ كَمَا كَانَتْ، ...

 قال: (و) في (قول: يقرع) فيرجح جانب من خرجت له القرعة؛ لما روى أبو داوود في (مراسيله) [398] عن سعيد بن المسيب قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر، فجاء كل منهما بشهداء عدول على عدة واحدة، فأسهم بينهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (اللهم أنت تقضي بينهما) فقضى للذي خرج له السهم.
ولأن القرعة تدخل في الحقوق المتساوية عند الاشتباه، وإذا قلنا بهذا ... فهل يحتاج من خرجت له القرعة إلى يمين؟ قولان لا ترجيح فيهما: أحدهما: لا، والقرعة مرجحة لبينته.
والثاني: نعم، والبينة والقرعة تجعل أحدهما أحق باليمين.
قال: (وقول: توقف حتى يتبين أو يصطلحا)؛ لأنه أشكل الحال فيما يرجى انكشافه فتوقف كما لو زوجها وليان مرتبان وجهل السابق.
جوابه: أنه يمكن التذكر في النكاحين، بخلاف هذا.
قال الإمام تبعًا للقاضي: هذا أعدل الأقوال، وصححه الفارقي، وفي (البيان) عن الربيع: أنه أصح، وهل هذه الأقوال في الأولوية أو التعيين؟ حكى الإمام فيه وجهين لا ترجيح فيهما.
كل هذا إذا لم يقر الثالث لأحدهما، فإن أقر قبل إقامة البينة ... رجحت بينته، أو بعدها ... حكم للمقر له بالملك.
قال: (ولو كانت في يدهما وأقاما بينتين ... بقيت كما كانت)؛ إذ لا مستحق لها غيرهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، هذا حاصل ما يفتى به من الطريقتين في المسألة.
والطريقة الثانية- وبها قال ابن الصباغ-: يجعل المال بينهما؛ لأن بينة كل واحد منهما ترجحت فيما بيده.

وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِهِ فَأَقَامَ غَيْرِهِ بِهَا بَيِّنَةٌ وَهُوَ بَيِّنَةٌ ... قَدَّمَ صَاحِبْ الْيَدْ، ...

 فرع: دار في يد ثلاثة، ادعى أحدهم نصفها والثاني ثلثها والثالث سدسها، لا بينة ... جعلت أثلاثًا، كذا نص عليه في (المختصر)، واعترض عليه بأن مدعي السدس لا يدعي غيره فكيف يعطي الثلث؟! وأجيب بأن الصورة فيما إذا ادعى كل واحد منهم استحقاق اليد في جميعها، إلا أن الأول يقول: النص ملكي، والنصف الآخر لفلان وهو في يدي عارية أو وديعة، والآخران يقولان نحو ذلك، فكل واحد منهم صاحب يد في الثلث، وتبقى الدار في أيديهم كما كانت، ثم يجعل نصف الثلث الذي في يد مدعي السدس لذلك الغائب بحكم الإقرار، فأما إذا اقتصر كل واحد منهم على أن لي منها كذا ... فلا يعطى لمدعي السدس إلا السدس، ولا يتحقق بينهم في هذه الصورة نزاع.
قال: (ولو كانت بيده فأقام غيره بها بينة وهو بينة ... قدم صاحب اليد) ويسمى الداخل؛ لأنهما استويا في إقامة البينة، وترجحت بينته بيده فقدمت كالخبرين اللذين مع أحدهما قياس.
وروى الشافعي [1/ 330] والدارقطني [4/ 209] والبيهقي [10/ 256] عن جابر: أن رجلين تداعيا دابة، وأقام كل منهما بينة أنها دابته نتجها، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده، وبه قضى شريح، وإليه ذهب أكثر العلماء.
وقيل: لا يقضي له إلا أن يحلف؛ لأن البيتين تعارضتا فسقطتا وبقيت اليد، وهي لا يقضى بها من غير يمين.
واقتضى إطلاق المصنف: أنه لا يشترط في سماع بينة صاحب اليد أن يبين سبب الملك من شراء أو إرث ونحوه، وأنه لا يشترط أن يحلف مع بينته، وهو الأصح فيهما.
فإن قيل: لو ادعيا لقيطًا في يد أحدهما وأقاما بينتين ... لم يترجح صاحب اليد؟ قلنا: الفرق: أن اللقيط لا يدخل تحت اليد، فلهذا سوينا بينهما بخلاف غيره.
وقال أبو حنيفة: لا تسمع بينة صاحب اليد إلا في دعوى النتاج، وهو أن يتنازعا

وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتَهُ إِلَّا بَعْدَ بَيِّنَةُ الْمُدَّعٍي.
وَإِنْ أُزِيلَتْ يَدَهُ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَة بِمَلْكِهِ مُسْتَنِدًا إِلَى مَا قَبْلَ إِزَالَة يَدِه وَاعْتَذَرَ بِغَيْبَةِ شُهُودِهِ ... سَمِعْتُ وَقَدَّمْتُ، وَقِيلَ: لَا ...

 دابة وأقاما بينتين وإحداهما شهدت له أنه نتجها فتقدم، وكذلك إذا تنازعا ثوبًا لا ينسج إلا مرة كالقطن والكتان، وأقام كل واحد بينة على أنه ملكه، وأنه نسجه، ومن المنسوجات ما ينسج أكثر من مرة كالخز، فإنه ينسج ثم ينكث فيغزل ثم ينسج ثانيًا.
وعن أحمد ثلاث روايات: إحداهما كمذهبنا، والثانية كمذهب أبي حنيفة، وأظهرها: لا تسمع بينة الداخل مطلقا، وحديث جابر حجة عليهما.
قال: (ولا تسمع بينته إلا بعج بينة المدعي) أشار بهذا إلى أن بينة الداخل إذا أراد أن يقيمها قبل أن يدعى عليه ... لا تسمع على ظاهر المذهب؛ لأن الحجة إنما تقام على خصم، فإذا لم يكن خصم ... فلا حاجة إلى الحجة.
وفي وجه: تسمع؛ لغرض التسجيل.
وعن ابن سريج: أنها تسمع؛ لتسقط اليمين عن نصيبه، كالمودع تسمع البينة منه على الرد والتلف.
وإن كانت يمينه كافية وإن أقامها بعد أن أقام الخارج البينة ولكن قبل أن يعدل ... فالأصح: أنها تسمع وبحكم بها؛ لأن يده بعد إقامة البينة مشرفة على الزوال فتمس الحاجة إلى تأكيدها ودفع الطاعن فيها، وإن أقامها بعد بينة المدعي وتعديلها ... فقد أقامها في أوان إقامتها، وإن لم يقمها بعد بينة المدعي وتعديلها ... فقد أقامها في أوان إقامتها، وإن لم يقمها حتى قضى القاضي للمدعي وسلم المال إليه ... فهذه أشار إليها المصنف حيث قال: (وإن أزيلت يده ببينة ثم أقام بنية بملكه مستندًا إلى ما قبل إزالة يده واعتذر بغيبة شهوده ... سمعت وقدمت)؛ لأنها أزيلت لعدم الحجة وقد قامت الحجة الآن.
قال: (وقيل: لا) أي: لا تسمع ولا ينقض القضاء؛ لأن تلك اليد قضي بزوالها وبطلان حكمها فلا ينقض القضاء، وإلى هذا ذهب القاضي حسين.
ونقل عنه الهروي أنه قال: أشكلت على هذه المسألة نيفًا وعشرين سنة؛ لما فيها من نقض الاجتهاد بالاجتهاد، وتردد جوابي فيها، ثم استقر على أنه لا ينقض.

وَلَوْ قَالَ الْخَارِجُ: هُوَ مِلْكِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ، فَقَالَ: بَلْ مِلْكِي، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْن ... قَدَّمَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجْ، وَمَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِشَيٍء ثُمَّ ادَّعَاهُ ... لَمْ تَسْمَعُ إِلَّا أَنْ يُذْكَرُ انْتِقَالًا، ...

 واحترز بقوله: (بينة) عما لو أزيلت بنكوله وحلف المدعي ... فإنها لا تسمع حتى يجمع بين كلامه هنا وبين ما سبق منه في الكلام على أن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة.
قال: (ولو قال الخارج: هو ملكي اشتريته منك، فقال: بل ملكي، وأقاما بينتين ... قدمت بينة الخارج)؛ لزيادة عملهما، ولو انعكس الحال فقال الداخل: هو ملكي اشتريته منك وأقام بينة، وأطلقت بينة الخارج للملك ... قدمت بينة الداخل؛ لأنها تقدم عند الإطلاق فعند ذكر الانتقال أولى، لكن إذا كانت بينته حاضرة ... لا تزال يده قبل إقامتها على الصحيح.
ووجه مقابله: أنه اعترف أنه كان له فيدفع إليه، فإذا ثبت ما ادعاه ... استردا، أما لو زعم أن بينته غائبة ... فإنه يؤمر بالتسليم في الحال، وإذا أثبت ... استرد.
فرع: تداعيا بعيرا لأحدهما عليه حمل ... فالقول قول صاحب الحمل مع يمينه؛ لانفراده بالانتفاع به، ولو تداعيا عبدًا لأحدهما عليه ثوب ... لم يحكم له بالعبد، والفرق: أن كون حمله على البعير انتفاع به قيده عليه، والمنتفعة في لبس الثوب للعبد لا لصاحب الثوب، فلا يد له.
وقال البغوي: إذا تداعيا جارية حاملًا، واتفقا على أن الحمل لأحدهما ... فهي لصاحب الحمل.
قال: (ومن أقر لغيره بشيء ثم ادعاه ... لم تسمع إلا أن يذكر انتقالًا)؛ لأن المكلف مؤاخذ بإقراره في المستقبل، فيستصحب ما أقر به إلى أن يثبت الانتقال.
وخالف القاضي حسين جميع الأصحاب فقال: تسمع دعواه مطلقًا من غير ذكر تلق من المقر له؛ لأنه وإن لم يذكر في الدعوى تلقي الملك منه فهو في تأويل

ومن أخذ منه مال ببينة ثم ادعاه ... لم يشترط ذكر الانتقال في الأصح والمذهب: أن زيادة عدد شهود أحدهما لا ترجح، وكذا لو كان لأحدهما رجلان وللآخر رجل وامرأتان، وإن كان للآخر شاهد ويمين ... رجح الشاهدان في الأظهر، ...

 المتلقي، فيحمل عليه؛ إذ من الممكن أن يكون المقر اشتراها بعد الإقرار من المقر له.
قال: (ومن أخذ منه مال ببينة ثم ادعاه ... لم يشترط ذكر الانتقال في الأصح) كالأجنبي؛ فإنه لا خلاف أنه إذا أقام ببينة مطلقة ... سمعت.
والثاني: يشترط؛ لأنه صار مؤاخذًا بالبينة كما لو أقر، وهذه من صور قوله قبل ذلك: (ولو أزيلت يده ببينة) فكان الأحسن أن يذكرها عقبها.
قال: (والمذهب: أن زيادة عدد شهود أحدهما لا ترجح)، بل يتعارضان؛ لما روى البيهقي [10/ 257] عن علي أنه قال: (لا يرجح بكثرة العدد)، ولأن ما يتقدر بالشرع لا يختلف حكمه بالزيادة والنقصان كدية الحر، وهذا هو الجديد.
وفي القديم قولان: أشبههما: نعم؛ لأن القلب إلى قول الأكثر أميل، وكذلك إذا كانت إحداهما أظهر عدالة أو فقهًا، أو معها شهادة أحد الخلفاء الأربعة.
أما الرواية، فترجح بذلك، إذ لا ضبط فيها، فيعمل فيها بما يغلب على الظن، وللشهادة نصاب مضبوط، وقيل: هي كالشهادة أيضًا، وعن الإصطرخي: أنه يرجح بجميع ذلك في الشهادة.
ولا ترجيح بالشرف والسن قولًا واحدًا، وفي عدم الترجيح بالعلم نظر.
قال: (وكذا لو كان لأحدهما رجلان وللآخر رجل وامرأتان) فلا ترجيح على المذهب؛ لقيام الحجة بكل منهما، وقيل: قولان.
قال: (وإن كان للآخر شاهد ويمين ... رجح الشاهدان في الأظهر)، لأنها حجة مجمع عليها، ولأنها أبعد عن تهمة الكذب.
والثاني: يتعادلان، لأن كلًا منهما حجة كافية في المال.

وَلَوْ شَهِدَتْ لِأَحَدُهُمَا بِمٍلْكٍ مِنْ سَنِةٍ وَلِلْآخِر مِنْ أَكْثَرُ ... فَالْأَظْهَرْ: تَرْجِيحُ الْأَكْثَر، وَلِصَاحِبُهًا الْأُجْرَة والْزِيَادَة الْحَادِثَة مِنْ يَوْمِئِذٍ.
وَلَوْ أَطْلَقَتْ بَيِّنَة وَأَرْخَتْ بَيِّنَة ... فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمَا سَوَاء، ...

 فعلى الأول: لو كان مع صاحب الشاهد واليمين يد فهل يرجح هو أو صاحب الشاهدين أو يتعادلان؟ أوجه: أصحها ثالثها.
قال: (ولو شهدت لأحدهما بملك من سنة ولآخر من أكثر ... فالأظهر: ترجيح الأكثر)؛ لأنها انفردت بإثبات الملك في زمان لا تعارضها فيه الأخرى، فوجب وقف المتعارض، ولأن ثبوت ملك المتقدم يمنع أن يملكه المتأخر إلا عنه، ولم تتضمنه الشهادة له، فلم يحكم له بها.
والثاني: يتعارضان، ورجحه ابن سريج وابن كج؛ لأن المقصود إثبات المالك في الحال، ولا تأثير للسبق؛ فإنه غير منازع فيه.
والطريقة الثانية: القطع بالأول، لكن الذي رجحاه هنا خالفاه في (باب اللقيط) فقالا: إن البينتين على اللقيط إذ قيدتا بتاريخين مختلفين ... يقدم السابق، بخلاف المال؛ فإنه لا يقدم فيه بسبق التاريخ على الأصح، والصواب: ما ذكراه في هذا الباب من ترجيح التقديم.
وصورة المسألة: أن تكون العين في يدهما أو في يد ثالث، فإن كانت في يد أحدهما ... فسيذكرها المصنف.
وصورها ابن الرفعة بما إذا شهدا مع ذلك بالملك في الحال، وهو مراد المصنف وغيره ممن أطلق المسألة؛ لما سيأتي في الشهادة بالملك القديم أنها لا تسمع، فضلًا عن أن ترجح.
قال: (ولصاحبها الأجرة والزيادة الحادثة من يومئذ)؛ لأنها نماء ملكه، وإن قلنا بمقابل الأظهر ... ففيه الخلاف السابق في تعارض البينتين.
قال: (ولو أطلقت بينة وأرخت بينة ... فالمذهب: أنهما سواء)؛ لأن المطلقة كالعامة بالنسبة إلى الأزمان.

وَقِيلَ: تَقَدَّمَ الْمُؤَّرِّخَةُ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِصَاحِبْ مُتَأَّخِّرَة الْتَّارِيخُ يَدٍ ... قَدَّمَ، وَأَنَّهَا لَوْ شَهٍدَتْ بِمَلْكِهِ أَمْسَ وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْحَال ... لَمْ تَسْمَعْ حَتَّى يَقُولُوا: وَلَمْ يَزَلْ مَلِكَهُ، أَوْ لَا نَعْلَمُ مُزِيلًا لَهُ ...

 قال: (وقيل: تقدم المؤرخة)؛ لأن معها زيادة علم، لأنها تثبت الملك من وقت معين، والأخرى لا تقتضي إلا الملك في الحال.
لكن يستثنى: ما إذا شهدت بينة بالحق والأخرى بالإبراء، أو أطلقت إحداهما وأرخت الأخرى ... فإن بينة البراءة أولى؛ لأنهما إنما تكون بعد الوجوب، وهذا بخلاف الرواية، فقد ذكر الأصوليون: أنه يرجح الخبر المروي مطلقًا على الخبر المؤرخ؛ لأن المطلق أشبه بالمتأخر.
قال: (وأنه لو كان لصاحب متأخرة التاريخ يد ... قدم)؛ لتساقط البينتين فتبقى اليد، وهي أقوى من الشهادة على الملك ولهذا لا يزال بها.
والثاني: ترجيح السبق؛ لأن الترجيح من جهة البينة يقدم على الترجيح من جهة اليد.
والثالث: أنهما يتساويان؛ لتعارض المعنيين.
وحكى ابن الصياغ والفوراني طريقة قاطعة بالأول، وبه يتم في المسألة طريقان، ويصح عطف المسألة على التعبير ب (المذهب).
واحترز بقوله: (متأخرة التاريخ) عما إذا كانت اليد لصاحبه متقدمة التاريخ ... فإنها تقدم بلا خلاف، وهي تفهم من كلامه من باب أولى.
قال: (وأنها لو شهدت بملكه أمس ولم تتعرض للحال ... لم تسمع حتى يقولوا: ولم يزل ملكه، أو لا نعلم مزيلًا له)؛ لأن دعوى الملك السابق لا تسمع، فكذلك البينة عليه.
والثاني: تسمع؛ لأنها أثبتت الملك له سابقًا والأصل دوامه.

وَتَجُوزُ الشِّهَادَة بِمِلْكِهِ الآَنَ اسْتِصْحَابًا لِمَا سَبَقَ مِنْ إِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرٍهِمًا.
وَلَوْ شَهِدَتْ بِإقْرَارِهِ أَمْسَ بِالمُلكِ لَهُ ... اسْتُدِيمَ.
وَلَوْ أَقَامَهَا بِمَلِكْ دَابَّة أَوْ شَجَرَةٌ ... لَمْ يَسْتَحِقُّ ثَمَرَة مَوْجُودَةٌ، وَلَا وَلَدًا مُنْفَصِلًا، ...

 وعن ابن سريج بناء الخلاف على أن الاستصحاب هل هو دليل شرعي أم لا؟ والطريقة الثانية: القطع بالأول، لكن تستثنى من إطلاقه صورتان: إحداهما: إذا شهدت إحداهما أنه كان ملكه بالأمس اشتراء من صاحب اليد، أو أقر له بالأمس ولم تتعرض للحال ... فإنها تقبل، وسيأتي في كلام المصنف.
الثانية: لو كان بيده شخص يدعي رقه، فادعى آخر أنه كان له وأنه أعتقه وأقام بينة ... فقيل على القولين؛ لأنها شهادة بملك متقدم.
والمذهب: القطع بالقبول، لأن المقصود هنا إثبات العتق، وذكر الملك السابق وقع تبعًا، ذكره الرافعي في (فصل اليمن مع الشاهد).
قال: (وتجوز الشهادة بملكه الآن استصحابًا لما سبق من إرث وغيرهما) إعمالًا للاستصحاب، لأن الأصل البقاء.
هذا إذا أطلق الشهادة، فإن صرح في شهادته بأنه اعتمد الاستصحاب ... لم تقبل كما لا تقبل شهادة الرضاع على امتصاص الثدي وحركة الحلقوم، وقال القاضي حسين: تقبل.
فإن قالا: لا ندري هل زال أم لا ... لم تقبل قطعًا.
قال: (ولو شهدت بإقراراه أمس بالملك له ... استديم) أي: حكم الإقرار وإن لم يصرح الشاهد بالملك في الحال.
وقيل يطرد القولين في الشهادة بالملك المتقدم، والظاهر الأول، ولولاه بطلت فائدة الأقارير.
قال الإمام: والخلاف منقاس، لكنه خرقٌ لما درج عليه الأولون.
قال: (ولو أقامها بملك دابة أو شجرة ... لم يستحق ثمرة موجودة، ولا ولدًا منفصلًا).

وَيَسْتَحِقُّ حَمْلًا فِي الْأَصَحِ.
وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَأَخَذَ مِنْهُ بِحِجَّةٍ مُطْلَقَةٍ ... رَجِعَ عَلَى بَائِعَهُ بِالثَّمَنِ، ...

 قال: (ويستحق حملًا في الأصح) تبعًا لها، كما لو اشتراها وهي حامل ... فإن الملك يثبت له على الحمل وإن لم يذكره حالة العقد.
والثاني: لا؛ لاحتمال كونه لغيره بوصية، والمنقول الأول، وإنما الثاني احتمال للإمام فقط، والمراد: الحمل الموجود ثم عند الشهادة له بالأم، حتى لو انفصل الحمل بعد الشهادة وقبل التزكية ... كان للمدعي قياسًا على شراء الحامل.
واحترز ب (الحمل) عن الولد المنفصل؛ فإنه لا يستحقه، وكذلك لو أقامها بملك شجرة ... لا يستحق ثمرتها.
قال: (ولو اشترى شيئا فأخذ منه بحجة مطلقة) أي: ليست معترضة لملك سابق (... رجع على بائعه بالثمن)؛ لأن الأصل أن لا معاملة بين المشتري والمدعي ولا انتقال، فيستدام الملك المشهود به.
واحترز بقوله: (مطلقة) عما لو أسندت الاستحقاق إلى حالة العقد فيرجع قطعًا، وعما لو أخذ منه بإقراراه بأنه ملك المدعي ... فلا يرجع على البائع بشيء.
وموضع الخلاف إذا لم يصدقه المشتري، فإن صدقه ... لم يرجع على البائع قطعًا كما تقدم.

وقيل: لا، إلا إذا ادعى ملكا سابقا على الشراء.
ولو ادعى ملكا مطلقا فشهدوا له مع سببه ... لم يضر، وإن ذكر سببا وهم سببا آخر ... ضر ...

 وأشار بقوله: (رجع على بائعه) إلى فرع حسن، وهو أن المشتري من المشتري إذا استحق الملك في يده ولم يظفر ببائعه هل له مطالبة البائع الأول؟ الأصح: لا، وبه أفتى القاضي حسين.
قال: (وقيل: لا، إلا إذا ادعى ملكا سابقًا على الشراء)؛ وفاء بالأصل المذكور، لاحتمال انتقال الملك من المشتري إلى المدعي، وتكون المبايعة صحيحة، وهذا ينقل عن القاضي حسين.
قال: (ولو ادعى ملكا مطلقًا فشهدوا له مع سببه ... لم يضر)؛ لأنها زيادة علم لكن لا تقدم هذه البينة بذكر السبب بناء على أن ذكر السبب مرجح؛ لأنهم ذكروا السبب قبل الدعوى به والإشهاد عليه.
فإن أعاد دعوى الملك وسببه فشهدوا بذلك ... رجحت حينئذ.
قال: (وإن ذكر سببًا وهم سببًا آخر ... ضر) فتبطل شهادتهم؛ لمناقضتها الدعوى.
وقيل: لا يضر، بل تقبل على أصل الملك ويلغو السبب.
تتمة: هذا نظير المرجح فيما إذا قال: له على ألف من ثمن عبد، فقال المقر له: لا، بل من ثمن دار ... فإنه لا يضر، ويحتمل الاختلاف في عين السبب، وفي الفرق عسر.
ولو شهد شاهد بألف من ثمن مبيع وآخر بألف من قرض والدعوى مطلقة ... فقد سبق في (الإقرار) أنه لا يثبت بشهادتهما شيء، وقياس الوجه الثاني في كلام المصنف على ضعفه: ثبوت الألف.

فصل: قَالَ: آَجَرْتُكَ الْبَيْتُ بِعَشْرَة، فَقَالَ: بَلْ جَمِيعُ الْدَّارُ بِالْعَشْرَةِ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْن ... تَعَارَضَتَا، وَفِي قَوْلِ: يُقَّدِّمُ الْمُسْتَأجِرُ ...

 قال: (فصل: قال: آجرتك البيت بعشرة، فقال: بل جميع الدار بالعشرة، وأقاما بينتين ... تعارضتا)؛ لتكاذبهما، فتتساقطان على الصحيح، ويرجع إلى التحالف ثم ينفسخ العقد، أو يفسخ على ما سبق في بابه، وعلى القول بالاستعمال يقرع على الأصح، ولا تأتي القسمة والوقف على المشهور، أما القسمة ... فلأن التنازع هنا في العقد وهو لا يمكن أن يقسم، بخلاف الملك، وأما الوقف ... فلأن المنافع تفوت في مدة التوقف.
وقال ابن سلمة: لا يقرع؛ لأن القرعة عند تساوي الجانبين، ولا تساوي؛ لأن جانب المكري أقوى بملك الرقبة.
قال: (وفي قول: يقدم المستأجر)؛ لاشتمال بينته على زيادة، وهي اكتراء جميع الدار، فكان كما لو شهدت بينة بألف وبينة بألفين ... يثبت ألفان، وهذا من تخريج ابن سريج.
فرع: اختلف المكري والمكتري في الرفوف، فإن كانت مسمرة ... فالقول قول المكري، وكذا حكم كل متصل كالأبواب والسلالم المسمرة وغيرها، وما لا يتصل بالدار من قماش ونحوه القول فيه قول المكتري كيده.
وأما الرفوف والسلالم غير المسمرة ... فالعرف فيها مضطرب.
قال ابن سريج: المنصوص: أنهما يتحالفان فيها وتكون بينهما.
وقال: بعض الأصحاب: القول فيها قول المكتري مع يمينه؛ لأن الدار بيده بجميع ما فيها، وربما ينصب الساكن الرف بالمسمار، والعرف قاض بذلك.

وَلَوِ ادَّعَيَا شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَأَقَامَ كُلَّ مِنْهُمَا بَيِّنَة أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَوَزَنَ لَهً ثَمَنَهُ: فَإِنْ اخْتَلَفَ تَارِيخُ ... حَكَمَ لِلْأَسْبَق، وَإِلَّا ... تَعَارَضَتَا.
وَلَوْ قَالَ كُلَّ مِنْهُمَا: بَعَتْكَهُ بِكَذَا، وَأَقَامَاهُمَا: فَإِنْ اتَّحَدَ تَارِيخَهُمَا ... تَعَارَضَتَا، ...

 قال: (ولو ادعيا شيئا في يد ثالث، وأقام كل منهما بينة أنه اشتراه ووزن له ثمنه: فإن اختلف تاريخ) بأن شهدت عليه إحداهما أنه ابتاعه منه في رمضان وبينة الآخر أنه ابتاعه منه في شوال (... حكم للأسبق)؛ لزيادة العلم، ولأنه إذا باع من أحدهما ... لم يتمكن من البيع للآخر، فلو حصل منه إقرار لأحدهما ... سلمت إليه وفي حلفه للآخر خلاف، ولو أقام أحدهما بينة ... قضي له.
قال: (وإلا ... تعارضتا)؛ لأن التاريخ لم يختلف، فإن قلنا بالسقوط ... استرد الثمن على الأصح إن لم تتعرض البينة لقبض المبيع، وإن تعرضت له ... فلا؛ لأن العقد استقر بالقبض، وليس على البائع عهدة ما يحدث بعده، وإن قلنا بالاستعمال ... فالأشهر: لا يأتي الوقف، وتأتي القرعة والقسمة.
ولم يفرقوا فيما إذا لم يختلف تاريخ البينتين بين أن يطلقا، أو يتحد تاريخهما، أو تطلق واحدة وتؤرخ أخرى، بل صرحوا بالتسوية، وشمل ذلك قول المصنف: (وإلا تعارضتا).
قال: (ولو قال كل منهما: بعتكه بكذا، وأقاماهما: فإن اتحد تاريخهما ... تعارضتا) هذه المسألة غير التي قبلها، فتلك ادعى اثنان شراء ما في يده وكل يطالب به، وههنا ادعى اثنان بيع ما في يده منه، وكل يطالب بالثمن.
وصورتها: دار في يد إنسان جاء اثنان فقال كل واحد منهما: ابتعت منك هذه الدار وكانت ملكي بكذا فأد الثمن، فإن أقر لهما ... طولب بالثمنين، وإن أقر لأحدهما ... طولب بالثمن الذي سماه وحلف للآخر، وإن أقر أنه ابتاعها منهما معًا ... لزمه لكل منهما نصف الثمن وحلف على الباقي، وإن أنكرهما ... حلف لكل منهما يمينًا واندفعا.
وإن أقاما بينتين .. تعارضتا كما قال المصنف؛ لاستحالة كون الشيء الواحد ملكا في وقت واحد لهذا وحده، ولهذا وحده فعلى قول التساقط كأنه لا بينة، وعلى قول

وَإِنْ اخْتَلَفَ ... لَزِمَهُ الْثَّمَنَان، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا فٍي الْأَصَح ...

 القرعة من خرجت له قضي لع بالثمن الذي شهد به شهوده، وللآخر تحليفه لا محالة؛ لأنه لو اعترف به بعد ذلك ... لزمه، وعلى القسمة لكل منهما نصف الثمن الذي سماه، وكأن الدار كانت لهما فباعاها بثمنين مختلفين أو متفقين.
وفي مجيء قول الوقف الخلاف السابق، والظاهر مجيئه هنا، فلو لم تكن بينة ... حلف لهما يمينين، وإن أقام أحدهما بينة ... قضي له وحلف للآخر.
قال: (وإن اختلف ... لزمه الثمنان)؛ لأن التنافي غير معلوم والجمع ممكن، لكن يشترط أن يكون بينهما زمان يمكن فيه العقد الأول، ثم الانتقال من المشتري إلى البائع الثاني، ثم العقد الثاني، فإذا عين الشهود وقتًا لا يتأتى فيه ذلك ... لم يتصور لزوم الثمنين.
قال: (وكذا لو أطلقتا أو إحداهما) أي: وأرخت الأخرى (في الأصح)، لإمكان الجمع.
والثاني: أنهما كمتحدتي التاريخ؛ لأن الأصل براءة ذمة المشتري فلا يلزمه إلا اليقين.
وصور الشافعي المسألة بما إذا قال كل واحد: إنه باعه الدار وهو مالك لها، وجرى عليه الأكثرون.
وقضية إطلاق الكتاب وغيره أنه لا فرق في الحكم بين أن يذكر أنها ملكه وقت البيع أو لا، وهو ما حكاه أبو الفياض البصري في (تتمة الجامع الصغير) واستغربه الرافعي.
فرع: شهد اثنان أنه باع من فلان ساعة كذا، وآخران أنه كان في تلك الساعة ساكتًا، أو شهد أنه قتل زيدًا ساعة كذا، وآخران أنه كان في تلك الساعة لا يتحرك ولا يعمل شيئا ... ففي قبول الشهادة الثانية خلاف للأصحاب؛ لأنها شهادة على النفي.
قال المصنف: الأصح القبول؛ لأن النفي المحصور كالإثبات في إمكان الإحاطة

وَلَوْ مَاتَ عَنْ ابْنَيْن مُسْلِمُ وَنَصْرَانِي فَقَالَ كُل مِنْهُمَا: مَاتَ عَلَى دِينِي: فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيَّا ... صَدَقَ الْنَّصْرَانِي، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْن مُطْلَقَتَيْن ... قَدَّمَ الْمُسْلِمُ، وَإِنْ قُيِّدَتْ أَنْ آَخِر كَلَامَهُ إِسْلَام وَعَكَسَتْهُ الْأُخْرَى ... تَعَارَضَتَا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ دِينَهُ وَأَقَامَ كُلَّ بَيِّنَة أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِه ... تَعَارَضَتَا ...

 به، ويوافقه قول الرافعي في آخر (الطلاق): إنه لو رأى ذهبًا فحلف بالطلاق أنه الذهب الذي أخذه من فلان فشهد شاهدان أنه ليس ذلك الذهب ... وقع الطلاق على ظاهر المذهب وإن كانت هذه شهادة على النفي، لأنه نفي يحيط العلم به.
فرع: قامت بينة أن هذا ابن زيد، لا يعرف له وارث سواه، وبينة أن هذا ابنه، لا يعرف له وارث سواه ... ثبت نسبهما، ولعل كل واحدة أطلقت علم ما لم تطلع عليه الأخرى.
قال: (ولو مات عن ابنين مسلم ونصراني فقال كل منهما: مات على ديني: فإن عرف أنه كان نصرانيًا ... صدق النصراني) أي: مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء الكفر والمسلم يدعي النتقالًا الأصل عدمه.
قال: (فإن أقاما بينتين مطلقتين ... قدم المسلم)؛ لأن مع بينته زيادة علم، وهو انتقاله من النصرانية إلى الإسلام، والأخرى استصحبت الأصل، والناقة أولى من المستصحبة.
قال: (وإن قيدت أن آخر كلامه إسلام وعكسته الأخرى ... تعارضتا)؛ لاستحالة موته مسلمًا نصرانيًا، وتصير كأن لا بينة فيصدق النصراني بيمينه؛ لأن الظاهر معه.
ونقل شريح الروياني عن جده وجهًا ضعيفًا: أنه يصير مسلمًا لحكم الدار.
وإن قلنا بالاستعمال ... فعلى قول الوقف: توقف؛ لأن المدعى مال، وعلى قول القرعة: من خرجت له ... فله التركة، وعلى قول القسمة: تجعل بينهما نصفين كغير الإرث.
قال: (وإن لم يعرف دينه وأقام كل بينة أنه مات على دينه ... تعارضتا)، سواء أطلقتا أم قيدتا باللفظ عند الموت، لاستحالة إعمالهما، أما إذا لم تكن بينة، فإن كان

وَلَوْ مَاتَ نَصْرَانِيٌّ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ المُسْلمُ: أَسْلَمْتُ بضعْدَ مَوْتِهِ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَنَا، وَقَالَ النَصْرَانِيُّ: بَلْ قَبْلَهُ .. صُدِّقَ المُسْلِمُ بشيَمِنِهِ، وَإِنْ أَقَامَاهُمَا .. قُدِّمَ النَصْرَانِيُّ، فَلَوْ اتَفَقَا عَلَى إسْلَام الابْنِ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ المُسْلِمُ: مَاتَ الأَبُ فِي شَعْبَانَ، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: فِي شَوَّالِ .. صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ، ......

 المال في يد غيرهما .. فالقول قوله، وإن كان في يدهما .. حلف كل لصاحبه وجعل بينهما، وكذا لو كان في يد أحدهما في الأصح.
وتقدم في (الجنائز): أن الميت يغسل ويصلى عليه في هذه المسائل، وتنوى الصلاة عليه إن كان مسلمًا، وكذا يقيد الدعاء بذلك.
ويشترط في بيئته أن يفسر كلمة التنصر بما يختص به كثالث ثلاثة ونحوها، وهل يجب التفسير في بينة المسلم؟ وجهان.
قال: (ولو مات نصراني عن ابنين مسلم ونصراني فقال المسلم: أسلمت بعد موته .. فالميراث بيننا، وقال النصراني: بل قبله) أي: فلا ميراث لك (.. صدق المسلم بيمينه)؛ لأن الأصل بقاؤه على دينه، فيحلف ويشتركان في المال، وإن أقام بينة .. قضي بها.
هذا إن لم يتعرض لتاريخ موت الأب وإسلام الابن، بل أطلقا ذلك أو اتفقا على وقت موت الأب كرمضان، وقال المسلم: أسلمت في شوال، وقال أخوه: بل في شعبان؛ لأن الأصل بقاؤه على دينه فيشتركان.
نعم؛ لو شهدت بينة المسلم بأنهم سمعوا منه النصرانية إلى نصف شوال مثلًا .. تعارضتا.
قال: (وإن أقاماهما .. قدم النصراني)؛ لما مع بينته من زيادة العلم، لأنها ناقلة من النصرانية إلى الإسلام، وتلك ميتصحبة ولا فرق – كما قاله في (المحرر) ويره – بين كون هذا التاريخ مع الاتفاق على تايخ موت الأب أو دونه.
قال: (فلو اتفقا على إسلام الإبن في رمضان، وقال المسلم: مات الأب في شعبان، وال النصراني في شوال .. صدق انصراني)؛ لأن الأصل بقاء الحياة.

وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ المُسلِمِ عَلَى بَيَّنَتِهِ.
وَلَو مَاتَ عَن أَبَوَينِ كَافِرَينِ وَابنَينِ مُمسلِمَينِ فَقَالَ كُلُّ: مَاتَ عَلَى دِينِنَا .. صُدِّقَ الَأَبَوَانِ بِاليَمِينِ, وَفِي قَولٍ: يُوقَفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَو يَصطَلِحُوا  قال: (وتقدم بينة المسلم على بينته)؛ لأنها نقلت من الحياة إلى الموت في شعبان, وتلك استصحبت, فمع الأولى زيادة علم.
واعترض الإمام على الأصحاب بأن بينة النصراني أثبتت الحياة في شعبان؛ لأنها تشهد على الموت في شوال, والموت إنما يكون بعد الحياة, والحياة صفة ثابتة يشهد عليها كالموت, فيحكم بتعارضهما وجريان أقوال التعارض.
وأجاب الرافعي بأن هذا الكلام لا اختصاص له بهذه الحالة, بل يمكن أن يقال في الحالين السابقين.
واقتصر في (الشرح الصغبر) على موافقة الإمام, ولم يذكر بحثه معه.
قال: (ولو مات عن أبوين كافرين وابنين مسلمين فقال كل: مات على ديننا .. صدق الأبوان باليمين)؛ لأن الولد محكوم بكفره في الابتداء تبعًا للأبوين فيستصحب حتى يعلم خلافه.
قال: (وفي قول: يوقف حتى يتبين أو يصطلحوا)؛ لأن التبعية نزول بالبلوغ وحصول الاستقلال.
وقيل: القول قول الابنين؛ لظاهر الدار.
قال في زوائد (الروضة): قول الوقف أرجح دليلًا, لكن الأصح عند الأصحاب الأول, وأنكروا على صاحب (التنبيه) ترجيحه قول الابنين, وهو ظاهر الفساد.
اهـ وكأنه قلد ابن يونس في ذلك, والذي في (ابن الخل) لفظ الأبوين, وهو أعلم (بالتنبيه) من ابن يونس, وكذا ذكره جميع العراقيين لكن بلا ترجيح, وبالجملة نسخ (التنبيه) مختلفة.
تنبيهان: أحدهما: قال ابن الرفعة: محل ما ذكرناه إذا كان الولدان بالغين ولم تكن أمهما

وَلَو شَهِدَت أَنَّهُ أَعتَقَ فِي مَرَضِهِ سَالِمًا, وأُخرَى غَانِمًا, وكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ: فَإنِ اختَلَفَ تَارِيخٌ .. قُدِّمَ الأَسبَقُ, وَإن اتَّحَدَ .. أُقرِعَ, وَإن أَطَلَقَتَا .. قِيلَ: يُقرَعُ, وَقِيلَ: فِي قَولٍ: يُعتَقُ مِن كُلَّ نِصفُهُ.
قُلتُ: المَذهَبُ: يَعتِقُ مِن كُلُّ نِصفُهُ, واللهُ أَعلَمُ.
وَلَو شَهِدَ أَجنَبِيَّانِ أنَّهُ أوصَى بِعِتقِ سَالِمٍ وَهُوَ ثُلَثُهُ, وَوَارِثَانِ حَائِزَانِ أنَّهُ رَجَعَ عَن ذَلِكَ وَوَصَّى بِعِتقِ غَانِمِ وَهُوَ ثُلَثُهُ .. ثَبَتَت لِغَانِم, ....

 كافرة, فإن كانا صغيرين وأمهما كافرة وقامت بينة بإسلامها أو أقر الجدان بذلك .. فإنه يحكم بموته مسلمًا, وتكون الدعوى من الناظر في مالهما كما قاله في (المرشد).
الثاني: لو انعكس الحال فكان الأبوان مسلمين والابنان كافرين, فإن لم يعرف للأبوين كفر قبل الإسلام .. حكم بالإسلام ولديهما ولا يمين عليهما والميراث لهما, وإن علم كفر الأبوين قبل الإسلام .. قال الماوردي: فيجوز أن يولد قبل إسلامهما فيحكم بكفره قبل بلوغه, ويجوز أن يولد بعده فيكون قبل البلوغ مسلمًا.
قال: (ولو شهدت أنه أعتق في مرضه سالمًا, وأخرى غانمًا, وكل واحد ثلث ماله: فإن اختلف تاريخ .. قدم الأسبق)؛ لأن التصرفات المنجزة في مرض الموت يقدم فيها الأسبق فالأسبق, ولأن معها زيادة علم.
قال: (وإن اتحد .. أقرع)؛ لعدم المرجح.
قال: (وإن أطلقنا .. قيل: يقرع)؛ لاحتمال المعية والترتيب.
قال: (وقيل: في قول: يعتق من كل نصفه)؛ لأنا لو قرعنا .. لم نأمن أن يخرج تارق على السابق, وله وللسابق حق الحرية, فيلزم منه إرقاق حر وتحرير رقيق, فلذلك اختاره المصنف فقال: (قلت: المذهب: يعتق من كل نصفه والله أعلم) وعبارة (المحرر): ورجح كلًا طائفة من الأصحاب.
قال: (ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وهو ثلثه, ووارثان حائزان أنه رجع عن ذلك ووصى بعتق غانم وهو ثلثه .. ثبتت) أي: الوصية الثانية (لغانم) فتقبل

فَإِن كَانَ الوَارِثَانِ فَاسِقَينِ .. لَم يَثبُتِ الرُّجُوعُ فَيَعتِقُ سَالِمٌ وَمِن غَانِمِ ثُلُثُ مَالِهِ بَعدَ سَالٍم  شهادة الوارث في الرجوع وفي الوصية الثانية؛ لأنهما أثبتا للرجوع بدلًا لا يساويه فلا تهمة, ولا نظر إلى تبديل الولاء وكون الثاني أهدى لجمع المال الذي يورث عنه؛ فإن مجرد هذا الاحتمال لو ردت الشهادة به .. لما قبلت شهادة قريب لقريب.
وعن أبي حنيفة ومالك: لا تقبل شهادتهما على الرجوع بذلك, بل يعتق العبدان معًا.
تنبيه: قوله هنا: (حائزان) لا فائدة له؛ فإن الحكم كذلك وإن لم يكونا حائزين, بل ولا وارثين, وإنما ذكره المصنف توطئة للمسألة التي بعده فإنه قيد فيها.
قال: (فإن كان الوارثان فاسقين .. لم يثبت الرجوع فيعتق سالم) بشهادة الأجنبيين؛ لأن الثلث يحتمله ولم يثبت الرجوع فيه.
قال: (ومن غانم ثلث ماله بعد سالم) أي: ويعتق من غانم قدر ما يحتمله ثلث الباقي بعد سالم من الثلثين, وكأن سالمًا هلك أو غصب من التركة.
ولو قال الوارثان: أوصى بعتق غانم, ولم يتعرضا للرجوع عن سالم .. فالمذهب: القرعة, وقيل: قولان: ثانيهما القسمة.
ولو كانت المسألة بحالها لكن سالم سدس المال .. فالوارثان متهمان برد العتق من الثلث إلى السدس, فلا تقبل شهادتهما بالرجوع في النصف الذي لم يثبتا له بدلًا, وفي الباقي الخلاف في تبعيض الشهادة, فإن قلنا: لا تبعض –وهو الذي أجاب به الشافعي في هذه المسألة- ردت شهادتهما فيه أيضًا, ويعتق العبدان الأول بشهادة الأجانب والثاني بإقرار الورثة, فإن لم يكونا حائزين .. عتق منه بقدر ما يستحقانه, وإن قلنا: تبعض .. عتق نصف الأول وكل الثاني.
كل هذا لم يكن في التركة وصية أخرى, فإن كان أوصى بثلث ماله لرجل آخر وقامت البينتان لسالم وغانم كما ذكرنا .. قبلت شهادة الورثة بالرجوع عن وصية سالم؛

فَصلٌ:  إذ لا تهمة في الرجوع, فيجعل الثلث أثلاثًا بين الموصى له بالثلث وعتق سالم, فيعطى الموصى له ثلث الثلث, ويعتق من سالم ثلثاه وهو ثلث الثلث.
تتمة: قال الشافعي: إ1ااختلف الزوجان في متاع البيت, فمن أقام البينة على شبء من ذلك .. فهو له, ومن لم يقم بينة .. فالقياس الذي لا يعذر أحد عندي بالغفلة عنه: أن هذا المتاع في أي\يهما معًا, فيحلف كل منهما لصاحبه على دعواه؛ فإن حلفا جميعًا .. فهو نصف بينهما نصفين.
وإن حلف أحدهما دون الآخر .. قضي للحالف, وسواء اختلفا مع دوام النكاح أم بعد التفرق, واختلاف مرثتهما كهما, وكذلك أحدهما ووارث الآخر, وسواء ما يصلح للزوج كالسيف والمنكقة أو للزوجة كالحلي والغزل, أو لهما كالدرهم والدنانير, أو ملا يصلح لهما كالمصحف وهما أميان والنبل وتاج الملوك وهما عاميان.
وقال أبو حنيفة: إن كان في يديهما حسًا .. فهو لهما, وإن كان في يديهما حكمًا, فما يصح للرجل .. فللزوج, أو لا ... فلها, والذي يصلح لهما .. لهما, وعن أحمد ومالك قريب من ذلك.
احتج الشافعي بأن الرجل قد يملك متاع المرأة والمرأة متاع الرجل؛ إذ لو استعملت الظنون .. لحكم في دباغ وعطار تداعيا عطرًا ودباغًا في أيديهما أن يكون لكل ما يصلح له, وفيما إذا تنازع موسور ومعسر في لؤلؤ أن نجعله للموسر, ولا يجوز الحكم بالظنون.
قال: (فصل): ترجمه في (المحرر) ب (كتاب إلحاق القائف) وهو في اللغة: متبع الثار, والجمع قافة كبائع وبائعة.
والأصل فيه: حديث عائشة الثابت في (الصحيحين) [خ 6771 _ م 1459/ 39] قالت:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسرور فقال: (أي عائشة؛ ألم تري أن مجززًا المدجلي دخل فرأى أسامة بن زيد وزيدَا عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض).
قيل: سمي مجززًا لأنه إذا أخذ أسيرًا جز ناصيته, قال أبو داوود [2261]: وكان أسامة أسود وزيد أبيض.
وروى ابن سعد: أن أسامة كان أحمر أشقر وزيد مثل الليل الأسود.
وفي (الرافعي): أن زيدًا كان بين البياض والسواد.
وقال الشافعي: فلو لم تكن القيافة علمًا ولها اعتبار وعليها اعتماد .. لمنعه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يقر على خأ, ولا يسر إلا بالحق.
وروى مالك [2/ 740]: أن عمر دعا قائفين في رجلين تداعيا مولودًا.
وشك أنس في مولود له فدعا له قائفًا, رواه الشافعي [1/ 330] , ويقول لنا مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بقول القائف.
وفي (عجائب المخلوقات) و (الرافعيط وغيرهما عن بعض التجار: أنه ورث من أبيه مملوكًا أسود شبخًا, قال: فكنت في بعض أسفاري راكبًا على بعير والمملوك يقوده, فاجتاز بنا رجل من بني مدلج, فأمعن فينا نظره ثم قال: ما أشبه الراكب بالقائد, قال: فرجعت إلى أمي فأخبرتها بذلك فقالت: صدق, إن زوجي كان شيخًا كبيرًا ذا مال ولم يكن له ولد, فزوجني بهذا المملوك فولدتك, ثم نكحني واستلحقك.
وإنما ذكر المدجلي الأقدام لأنها ما يظهر به الشبه, قال القاضي أبو الطيب:

شَرطُ القَائِفِ: مُسلِمٌ, عَدلٌ, مُجَرِّبٌ,  أنشدني بعض النسابة لبعض العرب [من الرجز]: قد زعموا أني أحب مطرفا .... بلى ورب البيت حبًا مشرفا يعرفه من قاف أو تقوفا .... في القدمين واليدين والقفا وطرف أذنيه إذا تشوفا وكانت العرب تحكم بالقافة وتفخر بها وتعدها من أشرف علومها وهي الفراسة غرائز في الطباع, يعان بها المجبول عليها, ويعجز المصروف عنها.
قال: 0شرط القائف: مسلم, عدل) فلا يقبل الكافر والفاسق؛ لأنه حاكم أو قاسم.
وشرط في (المحرر) البلوغ والعقل, فاستغنى المصنف عنهما بوصف العدالة.
ولا تكفي الظاهرة, بل لابد من أهلية الشهادة, وهي أعم من مطلق العدالة؛ لشمول النطق والبصر وانتفاء العداوة والولادة.
وكان الصواب أن يقول: إسلام , وكذا ما بعده فيأتي بالمصدر, ولهذا قال في (المحرر): أن يكون مسلمًا, وهو أحسن.
قال: (مجرب) لما روى الترمذي [2033] وقال: حسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حكيم إلا ذو تجربة).
كما لا يولى القضاء إلا بعد معرفة علمه بالأحكام, فلو ادعى علمه بها .. لم يقبل حتى يجرب (. وفسر في (المحرر) التجربة بأن يعرض عليه الولد في نسوة ليس فيهن أمه ثم مرة أخرى ثم مرة أخرى كذلك, ثم مرة أخرى في نسوة فيهن أمه , فإن أصاب في الجميع .. فهو مجرب؛ لأنه يجوز أن يصيب في الأولى اتفاقًا وفي الثانية ظنًا وفي الثالثة يقينًا, والعجب من المصنف كيف حذف هذا الحكم, وفيه وجهان:

وَالأَصَحُّ: اشتِرطُ حُرٍّ ذَكَرٍ, لاَ عَدَدٍ وَلَا كَونِهِ مُدلِجِليًا  أحدهما: لا بد من التجربة ثلاثًا, وهو المحكي في (الشرح) عن الشيخ أبي حاد وأتباعخ.
والثاني: كرة, ونقله في (الذخائر) عن ظاهرة الأحاب.
وتوسط الإمام فاعتبر غلبة الظن به عن خبرة لا عن اتفاق, وهو نظير ما تقدم في جارحة الصيد.
وأما العرض مع أمه .. فهذا من جهة الأولوية؛ فإن الأصح أنه لا يختص بها, بل يجوز مع الأب, وعند فقده مع أحد العصبات والقرابات.
وعلم من قوله: (مجرب) أنه يشترط أن يكون بصيرًا ناطقًا, وهو كذلك.
و (المجرب) بفتح الراء, قال الجوهري: هكذا تكلمت به العرب, وهو الذي جربته الأمور وأحكمته.
وقال ابن سيدةه: المجرب: الذي اختبر ما عنده.
قال: (والأصح: اشتراط حر ذكر) كالقاضي.
والثاني: يجوز الرجوع إلى العبد والمرأة كالفتوى, وقيل: تشترط الحرية دون الذكورة, ونسبه في (الذخائر) إلى القاضي أبي الطيب, وإنما أعاد المصنف الحرية مع فهمها من العدالة لأجل الخلاف فيها.
قال: (لا عدد) فيكفي قول الواحد كالقاضي والقاسم, ويدل له الحديث المتقدم.
والثاني: لا بد من اثنين كما في التزكية والتقويم.
قال: (ولا كونه مجدليًا) بل يجوز كونه من سائر العرب والعجم؛ لأن القيافة نوع من العلم, فمن تعلمه .. عمل بعلمه.
وفي (سنن البيهقي) [10/ 264]: أن عمر كان قافئًا يقوف.
والثاني: يشترط؛ لأن الصحابة رجعوا إلى بني مدلج دون سائر العرب, وقد يخص الله تعالى جماعة بنوع من الفضائل كما خص قريشًا بالإمامة, وصصح هذا الإمام والغزالي وبعض المراوزة.

وَإذَا تَدَاعَيَا مَجهُولًا .. عُرِضَ عَلَيهِ, وَكَذَا لَوِ اشتَرَكَا فِي وَطءٍ فَوَلَدَت مُمكِنًا مِنهُمَا وَتَنَازَعَاه؛  فرع: يعرض الولد على القافة بعد موته على الأصح ما لم يتغير, قال البغوي: ولا يعرض بعد الدفن؛ لما في النبش من الهتك.
قال في (المطلب): وإطلاق غيره يحمل على تقييده, ولو ألقت سقطًا مخططًا .. عرض على القافة.
قال: (وإذا تداعيا مجهولًا .. عرض عليه) , سواء كان لقيطًا أو غيره, والمجنون البالغ كالطفل.
وأطلق المصنف والرافعي العرض من غير فرق بين أن تكون لأحدهما عليه يد أو لا, والأشبه: تفصيل ذكره في (اللقيط) , وهو: أنه إن كان في يد عن التقاط .. لم يقر, وإن لم يكن عن التقاط .. قدم صاحب اليد.
لكن ظاهر عبارته: أن تداعيهما شرط للعرض, وليس كذلك, بل إذا ادعاه أحدهما والآخر ساكت أو منكر .. كان الحكم كذلك؛ لأن الولد صاحب حق في النسب, فلا يسقط حقه بإنكار الغير, وكذلك لو أنكراه معًا, وسواء كان الولد صغيرًا أم بالغًا, وقيل: لا يرجع إلى القافة بعد بلوغه.
قال: (وكذا لو اشتركا في وطء فولدت ممكنًا منهما وتنازعاه) أي: ولم تتخلل بين الوطأين حيضة كما سيأتي, فيعرض على القافة.
وعند أبي حنيفة: يلحق الولد بهما أو بهم, ولا اعتبار بقول القاف.
واحتج الأصحاب لاعتبار قول القاف بما تقدم , وبقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ﴾ , فلو كان له أبوان .. لكان له قلب إلى كل منهما.
وبأن الولد لا ينعقد من ماء شخصين؛ لا بد وأن يكون على التعاقب, وإذا اجتمع ماء الأول مع ماء المرأة وانعقد الولد منه .. حصلت عليه غشاوة تمنع اختلاط ماء الثاني بذلك.

بِأَن وَطئِاَ بِشُبهَةٍ أَو مُشتَرَكَةً لَهُمَا, أو وَطِىءَ زَوجَتَهُ وَطلَّقَ فَوطِئَهَا آخَرُ بِشُبهَةٍ أَو نِكَاحٍ فَاسِدٍ, أَو أَمَتَهُ فَبَاعَهَا فَوَطِئَهَا المُشتَرِي ولَم يَستَبرِئ وَاحِدٌ مِنهُمَا, [وَكَذَا لَو وَطِءَ مَنكُوحَةً فِي الأَصَحِّ] ,  وأيضًا فإنه لو تداعى الولد مسلم وكافر أو حر وعبد .. لا يلحق بهما بالاتفاق, فكذلك إذا تداعاه مسلمان.
وقال إسحاق بن راهوية: السنة: الإقراع في دعوى الولد؛ لما روى الشافعي [7/ 177] وأحمد [4/ 374] وأبو داوود [2263] والنسائي [6/ 183]: وابن ماجه [2348] والبيهقي [10/ 267] عن زيد بن أرقم أنه قال: كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم, فجاء رجل من اليمن فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليًا يختصمون إليه في أنهم ةقعوا على امرأة في طهر واحد, فسأل كلًا منهم أن يطيب بالولد لغيره فأبى, فقال: أنتم شركاء متشاكسون, إني مقرع بينكم, فمن قرع .. فله الولد, ثم أقرع بينهم فجعله لمن قرع, فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: (القضاء ما قضى علي).
وكان الشافعي يقول بهذا في القديم ثم رجع عنه, والحديث ضعفه البخاري, وقيل لأحمد: ما تقول فيه؟ قال: حديث القافة أحب إلي منه.
قال: (بأن وطئًا بشبهة) أشار بهذا إلى أن الاشتراك في الوطء على الوجه المذكور يعرض من وجوه: منها: أن يطأها كل منهما بالشبهة كما إذا ظنها زوجته أو أمته.
فلو كانت في نكاح صحيح فوطئها بشبهة .. فوجهان: أصحهما: أنه يعرض عليه أيضًا, وقيل: يلحق بازوج؛ لقوة الفراش.
قال: (أو مشتركة لهما, أو وطء زوجته وطلق فوطئها آخر بشبهة أو نكاح فاسد, أو أمته فباعها فوطئها المشتري ولم يستبرئ واحد منهما [وكذا لو وطء منكوحة في الأصح])؛ لأن هذه مواضع الاشتباه, فإذا ولدت ولدًا من الواطئين لزمن الإمكان .. عرض عليه.

فَإِذَا وَلَدَت لِمَا بَينَ سِتَّةِ أشهُرٍ وَأربَعٍ سِنِينَ مِن وَطأَيهِمَا وَادَّعَيَاهُ .. عُرِضَ عَلَيهِ, فَإِن تَخَلَّلَ بَينَ وَطأَيهِمَا حَيضَةٌ .. فَلِلثَّانِي, إلَّا أَن يَكُونَ الأَوَّلُ زَوجًا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ,  تنبيهان: أحدهما: (المحرر) قيد النكاح بالصحيح, وحذفه المصنف؛ بناء على أن ألفاظ العقود تنزل على الصحيح, لكن يعكر عليه التقييد بالصحة في الصورة الآتية, ولو قيد هنا وأطلق هناك .. كان أولى؛ لإمكان الإجابة عليه, أو يطلق فيهما؛ حملا للفظ على الصحيح.
الثاني: أن ذلك لا يثبت إلا بالبينة على الوطء, ولا يكفي اتفاق الزوجين والواطئ عليه؛ لأن المولود حقًا في النسب, واتفاقهما ليس بحجة عليه.
فإذا قامت البينة .. عرض على القائف, كذا قاله الرافعي هنا, وكلامه في (كتاب اللعان) يقتضي الاكتفاء بالاتفاق.
فإن كان المدعى نسبه بالغًا واعترف بجريان وطء الشبهة .. وجب أن يغني عن البينة, وحينئذ فيجب تقييد كلام المصنف ببينة الوطء أو تصديق الولد المكلف.
قال: (فإذا ولدت) أي: الموطوءة في طهر واحد (لما بين ستة أشهر وأربع سنين من وطأيهما وادعياه .. عرض عليه) أي: على القائف؛ لإمكان أن يكون منهما, وتداعياتهما ليس بشرط كما تقدم.
قال: (فإن تخلل بين وطأيهما حيضة .. فللثاني)؛ لأن الحيض أمارة ظاهرة على البراءة عن الأول فيقطع تعلقه عنه, وإذا انقطع الأول .. تعين الثاني؛ لأن فراشه لم ينقطع بعد, ولا فرق بين أن يدعيه الأول أم لا.
قال: (إلا أن يكون الأول زوجًا في النكاح صحيح) أي: والثاني بشبهة أو نكاح فاسد .. فلا يتعين للثاني, بل يكون كما لو تخللت الحيضة؛ لأن إمكان الوطء مع فراش النكاح قائم مقام نفس الوطء, والإمكان حاصل بعد الحيضة, بخلاف ملك اليمين؛ فإنه لا يثبت فراشًا.
واحتراز ب (الصحيح) عما لو كان الأول زوجًا يناكح فاسد .. فالأصح أنه للثاني.

وَسَواءُ فِيهِمَا أَتَفَقَا إِسلاَمًا وَحُرِيَّةً أَم لَا  قال: (وسواء فيهما أتفقا إسلامًا وحرية أم لا) كما سبق في (اللقيط) , فالمصنف ذكر المسألة هناك.
وتقدم حكم ما إذا لم يكن قائف, أو كان وتحير, أو نفاه عنهما, أو ألحقه بهما.
تتمة: قال القاضي حسين: إذا قال القائف: الولد لفلان قبل أن يقول له القاضي: ألحق الولد بأحدهما .. لا يكون شيئًا, ولا بد من تنفيذ القاضي قول القائف إلا أن يكون في البلد قائف نصبه القاضي حكمًا, فلا يحتاج أن يقول: نفذت قوله.
ونفقة الوالد إلى أن يعرض على القائف وفي مدة التوقف إلى الانتساب عليهما, فإذا التحق بأحدهما .. رجع الآخر إليه بما أنفق إن كان أنفق بإذن الحاكم على المشهور.
ولو استلحق رجل صبيًا محهولًا, فلما باغ .. أنكر كونه ابنه .. ففي قبوله قولان كالقولين فيمن حكم بإسلامه تبعًا لأصله ثم بلغ وكفر, هل يقر؟ والأصح: لا يقر ولا ينقطع اللحوق هنا.

خاتمة إذا ألحقه قائف بأحدهما بالأمارة الظاهرو, فآخر بالأمارة الخفية كالخلق وتشاكل الأعضاء فأيهما أولى؟ وجهان: رجح الشيخان الثاني؛ لأن فيه زيادة حذق وبصيرة, وجزم الماوردي بالأول.
ويحتمل أن يقال: يعرض على ثالث, فإذا وافق أحدهما .. عمل به كما قيل بمثله في اختلاف جواب المفتيين.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولو ادعاه مسلم وذمي وأقام أحدهما بينة .. تبعه نسبًا ودينًا, وإن ألحقه القائف بالذمي .. تبعه نسبًا لا دينًا, ولا تحصل حضانته للذمي.
ولو ادعاه حر وعبد فألحقه القائف بالعبد .. ثبت النسب وكان حرًا؛ لاحتمال أنه ولد من حرة , كذا قاله الشيخان وغيرهما, وهذا فيما يلحقه العبد بنفسه.
فلو تداعيا عمومة المجهول أو أخوته .. فدعوة الحر أولى, قاله الجويني وغيره؛ لأن العبد وإن كان مقبول القول على نفسه في الإلحاق فلا يجوز قبول قوله في إلحاق المجهول بأبيه أو بجده, والله أعلم.

كتاب العتق

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل