هو بكسر الجيم جمع: جراح, والجُرح بالضم الاسم, والجمع: جروح, ورجل جريح, وامرأة جريح, ورجال ونسوة جرحى.
واجترح: اكتسب, ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾.
وجوارح الإنسان: أعضاؤه الي يكتسب بها, وجوانحه: أطراف ضلوعه.
والجوارح من السباع والطير: ذوات الصيد.
وهذا الكتاب يترجم ب (الجراح) وب (القصاص) وب (الجنايات) , وهي أشمل؛ لصدقه على الجناية بالمحدد والمثقل, إلا أنه لما كان الجراح أغلب طرق القتل .. عبريه.
وقتل الآدمي عمدًا بغير حق أعظم الكبائر بعد الكفر, وموجبُ لاستحقاق العقوبة في الدنيا والآخرة, ولا يتحتم خلوده في النار, بل ولا دخوله, وأمره إلى الله؛ إن شاء .. عذبه, وإن شاء .. غفر له وتقبل توبته.
وروى مسلم والبخاري [6863] أيضًا عن ابن عمر أنه قال: إن من أعظم ورطات الأمر التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله.
وفي (الصحيحين) [خ 2767 - م 89] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قيل وما هن يا رسول الله؟ قال: (الشرك بالله, الفِعْلُ الْمُزْهِقُ ثَلاَثَةُ: عَمْدُ, وَخَطَأُ, وَشِبهُ عَمدٍ
والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الرحف, وقذف المحصنات الغافلات)
وفي (البيهقي) [8/ 22] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو اجتمع أهل السماء وأهل الأرض على قتل امرىء مؤمن .. لعذبهم الله به).
وفي (النسائي) [7/ 82] و (ابن ماجه) [2619] و (الترمذي) [1395]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لزوال الدنيا عند الله تعالى أسهل من قتل امرىء مسلم).
وقال صلى الله عليه وسلم: (من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة .. لقي الله وهو مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله) رواه أحمد وابن ماجه [2620] والبيهقي [8/ 22] بإسناد ضعيف, وعده ابن الجوزي من الموضوعات.
والإجماع منعقد على تحريم القتل الذي لم يبح, وتتعلق به مؤخذات في الدنيا منها: الكفارة, والتعزير, والقصاص أو الدية, لكن من استوفي منه القصاص أو الدية .. ظواهر الكتاب والسنة تدل على سقوط المطالبة عنه في الدار الآخرة.
وقسم في) الخصال) القتل إلى: حرام, وواجب, ومباح.
فالحرام: قتل المعصوم, والواجب: قتل المرتد, والمباح: قتل الأسير, لأن الإمام مخير فيه كما سيأتي.
وأما قتل الخطأ .. فلا يوصف بكونه حرامًا ولا حلالًا, كما لا يوصف بهما فعل المجنون والبهيمه؛ لأن المخطىء غير مكلف فيما أخطأ فيه.
وعن الشخ أبي حامد: أن قتل الخطأ محرم لا إثم فيه, وهذا تناقض.
قال: (الفعل المزهق ثلاثة) أي: ثلاثة أقسام (عمد, وخطأ, وشبه عمد).
(المزهق) بكسر الهاء: القاتل, يقال: زهقت نفسه تزهق, أي: خرجت.
ووجه الحصر: أن الجاني إن لم يقصد عين المجني عليه .. فهو الخطأ, وإن قصده, فإن كان بما يقتل غالبًا .. فهو العمد.
وإلا .. فشبه غمد.
وَلاَ قِصَاصَ إِلاَّ فِي الْعَمْدِ, وَهُوَ: قَصْدُ الْفِعْلِ وَالشَّخْصِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا؛
ثم القصاص لا يختص بالنفس بل يجري في الأطراف كما سيأتي, فلو قال: الجناية .. كان أشمل.
ودليل كون القتل ثلاثة: ما روى أبو داوود [4536] والنسائي [8/ 41] وابن ماجه [2627] وابن حبان [6011] والشافعي [ام 6/ 105 واللفظ له] عن سفيان بن عيينة, عن علي بن زيد بن جدعان, عن القاسم بن ربيعة, عن عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط أو العصا مئه من الإبل مغلظة؛ منها: أربعون خلقة في بطونها أولادها).
وروى البيهقي [8/ 44] عن محمد بن خزيمة أنه قال: حضرت مجلس المزني يومًا فسأله رجل من العراق عن شبه العمد فقال: إن الله وصف القتل في كتابه بصفتين: عمد وخطأ, فلم قلتم: إنه ثلاثة أصناف؟! فاحتج المزني بهذا الحديث, فقال المناظر: أتحتج علي بعلي بن زيد بن جدعان, فسكت المزني, فقلت للمناظر: قد رواه جماعة غيره, منهم: أيوب السختياني وخالد الحذاء, فقال للمزني: أنت تناظر أم هذا؟ فقال: إذا جاء الحديث .. فهو يناظر؛ لأنه أعلم به مني, ثم أتكلم.
قال: (ولا قصاص إلا في العمد) سواء مات في الحال أو بعده بسراية تلك الجراحة؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلقِصَاصُ فِي اَلْقَتَلَىَ﴾.
وقوله: ﴿وَكَتَبَنَا عَلَيِهم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ باِلنَّفِس﴾ الآية.
وقد ورد في شرعنا تقريره, فقال صلى الله عليه وسلم لما كسرت ثنية الربيع: (كتاب الله القصاص) , ولهذا أدخله البخاري [4500] في تفسير (سورة المائدة) , وإنما لم يجب في شبه العمد؛ للحديث المذكور قبله, ولا في الخطأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيِرُ رَقَبَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ أِلَى أَهْلِه﴾ , فأوجب الدية ولم يتعرض للقصاص.
قال: (وهو: قصد الفعل والشخص بما يقتل غالبًا) ,هذه عبارة الجمهور,
جَارِحُ أَوْ مُثَقَّلُ
وأورد عليها: أن من قطع أنملة شخص فمات .. يجب عليه القصاص, مع أنه لا يقتل غالبًا.
وأجيب بأن المراد ب (ما يقتل غالبًا): الآلة لا نفس الفعل.
وما جزم به المصنف من كون العمد يعتمد فيه تعيين الشخص .. قد اختلف فيه كلام (الروضة): فجزم به هنا وفي الباب الرابع المعقود لموجب الدية, وخالف الموضعين قبيل (الديات) , فرجح من زوائده وجوب القصاص إذا رمى إلى جماعة وقصد إصابة واحد منهم فأصاب واحدًا.
قال: (جارح أو مثقل) , هذا علم من كلامة المتقدم, لكنه أراد به التنبيه على خلاف أبي حنيفة؛ فإنه لم يوجبه في المثقل, ولو حذفه كان أولى؛ لأنه يرد عليه ما لو قتله بسحره الذي يقتل غالبًا؛ فإن فيه القصاص كما سيأتي, مع أنه ليس بجارح ولا مثقل.
ويجوز في لفظه الجر على البدلية, والرفع على القطع.
فأما وجوب القصاص في الجارح .. فبالإجماع, ولا فرق فيه بين السيف والسكين, والحديد والنحاس, والقصب والحجر, والخشب المحدودين والزجاج, ومنه الطعن بالسنان والمسلة.
والمراد ب (المثقل): ما يقتل غالبًا كالحجر والدبوس الكبيرين, والتحريق والصلب, وهدم الجدار أو السقف عليه, ودفنه حيًا, وعصر أنثييه عصرًا شديدًا.
واستدل الجمهور للقصاص في المثقل
بقوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَد جَعَلْنَا لِوَلِيِهِ سُلْطَانًا﴾ هذا قتل مظلومًا.
وفي (سنن أبي داوود) [4561] وغيرها عن حمل بن مالك: (أن النبي صلى الله فَإِنْ فُقِدَ قَصْدُ أَحَدِهِمَا, بِأَنْ وَقَعَ عَلَيهِ فَمَاتَ, أَو رَمَى شَجَرَةُ فَأَصَابَهُ .. فَخَطَأُ.
وَإِنْ قَصَدَهُمَا بِمَا لاَ يَقْتُلُ غَالِبًا .. فَشِبْهُ عَمْدٍ, ومِنْهُ: الضَّرْبُ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا
عليه وسلم قضى في امرأة قتلت مرأة قتلت بمسطح بالقتل).
و (المسطح): عود من أعواد الخباء.
وفي (الصحيحين) [خ 2413 - م 1672]: (أن جارية وجدت رض رأسها بين حجرين فقيل لها, من فعل بك هذا؟ فلان, فلان .. إلى أن ذكر يهودي, فأفشارت برأسها: أن نعم.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين).
وقد وافقنا ابو حنيفة على أن القتل بالعمود الحديد يوجب القود, فقيس عليه غيره, ولأن القصاص شرع لصيانة النفس, فلو لم يجب بالمثقل .. لما حصلت الصيانة.
قال: (فإن فُقد قصد أحدهما؛ بأن وقع عليه فمات, أو رمى شجرة فأصابه .. فخطأ).
(الخطأ) بالهمز: نقيض الصواب, فالفعل القاتل للغير إذا لم يقصد أصله كما لو تزلق فسقط على غيره فمات, أو لم يقصد الشخص نفسه كما إذا رمى إلى صيد فأصاب إنسانًا .. فهو خطأ محض لا يتعلق به قصاص.
وفي المثال الأول نظر؛ فإن الواقع لا ينسب إليه فعل, فضلا عن كونه خطأ؛ لقربه منه وبعده عن غيره.
قال: (وإن قصدهما بما لا يقتل غالبًا .. فشبه عمد)؛ لأنه أشبه العمد في القصدين.
واحترز بقوله: (غالبًا) عما يكون القتل به نادرًا, كما لو غرز إبرة في غير مقتل ولم يعقبها ورم فمات .. فلا قصاص فيه كما سيأتي.
قال: (ومنه) أي: من شبه العمد (الضرب بسوط أو عصًا)؛ للحديث السابق, لكنه في (الشرح) و (الروضة) مقيد بما إذا كانت خفيفة ولم يوال بين
فَلَوْ غَرَزَ إِبْرَةُ بِمَقتَلِ .. فَعَمدُ, وَكَذَا بِغَيِرهِ إِنْ تَوَرَّمَ وَتَأَلَّمَ حَتَّى مَاتَ, فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثرُو مات فِي الْحَالِ .. فَشِبْهُ عَمْدٍ, وَقِيلَ: عَمْدُ, وَقِيلً: لاَ شَيْءَ
الضربات ولم يكن الضرب في مقتل أو المضروب صغيرًا أو ضعيفًا, فإن كان فيه شيء من ذلك
فهو عمد؛ لأنه يقتل غالبًا في هذه الأحوال.
قال: (فلو غرز إبرة بمقتل .. فعمد)؛ لخطر ذلك وشدة تأثيرة, فالقليل في هذه المواضع يعمل عمل الكثير في غيرها.
فمن المقاتل: العينان, والدماغ, وأصول الأذنين, والحلق, والخاصرة, والإحليل, والأنثيان, والمثانة, و (العجان) وهو: ما بين القبل والدبر, ويسمى: العضرط, و (الأجدعان) وهما: عرقان في صفحتي العنق قد خفيا وبطنا, وقيل: هما الودجان.
قال: (وكذا بغيره) أي: بغير المقتل, كالألية والعضد والفخذ (إن تورم وتألم حتى مات) , فيجب القصاص؛ لظهور أثر الجناية وسرايتها إلى الهلاك, ولم يذكر في (الحاوي الصغير) الألم بل اقتصر على التورم؛ لأن الغالب: أنه لا يخلو عنه, وصحح المصنف في كلامه على (الوسيط): الوجوب إذا دام الألم بلا ورم.
قال: (فإن لم يظهر) له (أثر ومات في الحال .. فشبه عمد)؛ لأنه لا يقتل عادة, فأشبه ما إذا مات بعد مدة من غير تورم ولا تألم.
وليس المراد (بعدم ظهور الأثر): ألا يظهر أصلًا؛ فإنه لا بد من ألم ما, لكن المراد: أنه لا يشتد الألم.
قال: (وقيل: عمد) كالجراحات الصغيرة بغير الإبرة.
قال: (وقيل: لا شيء) أي: لا قصاص ولا دية؛ إحالة علي الموت بسبب آخر, وبهذا قال ابن سريج والإصطخري وابن خيران والطبري.
وَلَوْ غَرَزَ فِيمَا لاَ يُؤْلِمُ كَجِلْدَةِ عَقِبٍ .. فَلاَ شَيْء بِحَالٍ.
وَلَوْ حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالطَّلَبَ حَتَّى مَاتَ: فإِنْ مَضَتْ مُدَّةُ يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا جُوعًا وَعَطَشًا .. فَعَمْدُ, وَإلاَّ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوعٌ وَعَطَشُ سَابِقُ .. فَشِبْهُ عَمْدٍ, وَإِنْ كَاَنَ بَعْضُ جُوعٍ وَعَطَشِ وَعَلِمَ الْحَابِسُ الْحَالَ .. فَعَمْدٌ,
قال: (ولو غرز فيما لا يؤلم كجلدة عقب .. فلا شيء بحال)؛ للعلم بأنه لم يمت منه, وإنما هو موافقة قدر, كما لو ألقى عليه خرقة أو ضربه بقلم فمات.
ومحل ما ذكره المصنف: إذا لم يبالغ في إدخال الإبرة, فإن بالغ .. وجب القود قولًا واحدًا, صرح به الأصحاب.
قال: (ولو حبسه ومنعه الطعام والشراب والطلب حتى مات: فإن مضت مدة يموت مثله فيها غالبًا جوعًا وعطشًا .. فعمد)؛ إحالة للهلاك على السبب الظاهر المفضي إلى الموت غالبًا, وتختلف المدة باختلاف حال المحبوس قوةُ وضعفَا, والزمانِ حرارةُ, وبرودة, فإن فقد الماء في الحر .. ليس كفقده في البرد, وفقد الماء يهلك سريعًا, بخلاف فقد الأكل, فيعتبر ذلك, وإليه أشار بقوله: (مدةٌ يموت مثله فيها).
وإنما عطف ب (أو) ليفيد: أن فقد أحدهما كاف إذا هلك به, فإن كان عنده الطعام والشراب لكنه لم يتناوله خوفًا أو حزنًا أو أمكنة الطلب فلم يفعل .. فلا شيء على حابسه؛ لأنه قتل نفسه.
وقال في (البحر): لاحدَّ لأقل الجوع وإنْ حده الأطباء باثنين وسبعين ساعة متصلة؛ فقد واصل عبد الله بن الزبير سبعة عشر يومًا, واختبأ أبو ذر تحت أستار الكعبة بضعة عشر يومًا يخرج في الليل فيشرب من زمزم، ومع ذلك سمن حتى تكسرت عكَن بطنه.
قال: (وإلا) أي: وإن لم تمض تلك المدة المذكورة ومات (فإن لم يكن به جوع وعطش سابق .. فشبه عمد)؛ لأنه لا يقتل غالبًا (وإن كان بعض جوع وعطش وعلم الحابس الحال .. فعمد)؛ لظهور قصد الإهلاك.
و (الواو) في قوله: (وعطش) بمعنى (أو) , ولو أفضح بها .. كان أولى.
وَإِلاَّ .. فَلاَ فِي الأَظْهَرِ
قال: (وإلا) أي: وإن لم يعلم الحابس الحال) .. فلا في الأظهر)؛ لأنه لم يقصد إهلاكه ولا أتى هو مهلك.
وشبه ذلك بما إذا دفع إنسانًا دفعًا خفيفًا فسقط على سكين خلفه وهو جاهل بها .. فلا وقود.
والثاني: يجب, كما لو ضرب المريض بما يهلكه وهو لا يعلم مرضه, فإن لم نوجب القصاص .. فقولان:
أحدهما: تجب الدية بتمامها دية العمد إن كان عالمًا, ودية شبه العمد إن كان جاهلًا.
وأظهرهما- وبه قطع الأكثرون-: يجب نصف دية العمد أو شبه العمد.
وإن أوجبنا القصاص .. وجبت دية عمد بكمالها.
كل هذا إذا كان المحبوس حرًا, فإن كان عبدًا .. فإنه يضمن بوضع اليد إذا مات في الحبس.
وقال أبو حنبفة: إذا حبس حرًا صغيرًا فلسعته حيه فمات .. ضمنه بالدية.
وسيأتي في التتمة التي قبل (الديات) عن المتولي: أنه إذا قتله بالدخان .. وجب القصاص, وهناك نقل الشيخان عن (فتاوى الغزالي): لو افتصد فمنعه رجل من أن يعصب العرق حتى مات, أو عصبه فحله رجل ومنعه من إعادة العصابة حتى مات .. وجب القود؛ لأنه طريق يقصد به القتل غالبًا.
وَيَجِبُ القِصَاصُ بِالسَّبَبِ، فَلَوْ شَهِدَا بِقِصَاصٍ فَقُتِلَ ثُمَّ رَجَعَا وَقَالاَ: تَعَمَّدْنَا .. لَزمَهُمَا القِصَاصُ إِلاَّ أَنْ يَعْتَرِفَ الْوَلِيُّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا
وعن القاضي حسين: لو عراه حتى مات بالحر أو البرد .. فهو كما لو منعه الطعام أو الشراب.
ولو أخذ طعامه أو شرابه أو ثيابه في مفازة فمات جوعًا أو عطشًا أو بردًا .. فلا قصاص؛ لأنه لم يقصد قتله وإنما قصد تحصيل شيء لنفسه، ولا دية أيضًا؛ لأنه لم يُحدث فيه فعلًا يقتضي إهلاكه.
قال: (ويجب القصاص بالسبب)، وهو الذي يتوصل به إلى القتل؛ إقامة له مقام المسبب.
قال: (فلو شهدا بقصاص فقتل ثم رجعا وقالا: تعمدنا .. لزمهما القصاص)؛ لما روى البخاري تعليقًا، والشافعي والبيهقي [10/ 251] مسندًا: أن رجلين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل بسرقة فقطعه، ثم رجعا عن شهادتهما فقال: (لو أعلم أنكما تعمدتما .. لقطعت أيديكما).
ولأنه سبب يفضي إلى الهلاك غالبًا في شخص معين فأوجب القصاص كالإكراه الحسي، بل جعله الإمام أبلغ من الإكراه؛ لأن المكره قد يؤثر هلاك نفسه على سفك دم محرم، والقاضي لا محيص له عن الحكم بشهادتهما، وكذلك لو شهدا على طرف أو شهدا بردة أو بسرقة فقطع ثم رجعا عن الشهادة، فإن سرى .. فعليهم القصاص في النفس.
قال: (إلا أن يعترف الولي بعلمه بكذبهما)، فلا قصاص عليهما؛ لأنهما لم يلجئاه لا حسًا ولا شرعًا، وإنما هما كالممسك مع القاتل.
هذا بالنسبة إلى الشهادة، أما الرواية، فإذا أشكلت واقعة على حاكم، فروى له إنسان فيها خبرًا، فقتل الحاكم به رجلًا، ثم رجع الراوي وقال: تعمدت الكذب ..
وَلَوْ ضَيَّفَ بِمَسْمُومٍ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَمَاتَ .. وَجَبَ الْقِصَاصُ،
ففي (فتاوي البغوي): ينبغي أن يجب القصاص كالشاهد يرجع.
قال الرافعي قبيل (الديات): والذي ذكره الإمام والقفال في (فتاويه) المنع؛ فإن الخبر لا يختص بالواقعة، بخلاف الشهادة.
ولو استفتى القاضي شخصًا فأفتاه بالقتل ثم رجع .. فهو فيما يظهر كراوي الخبر لا كالشاهد، وقد ذكر المصنف في (كتاب الشهادات) رجوع الولي وحده، وهناك يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قال: (ولو ضيف بمسموم صبيًا أو مجنونًا فمات .. وجب القصاص)؛ لأنه ألجأهما إلى ذلك، سواء قال لهما: هو مسموم أو لم يقل، وسواء ناوله إياه وقال: كل، أو قدمه إليه ضيافة.
وصورة المسألة: أن يكون السم يقتل غالبًا، وإنما لم يقيده المصنف به؛ لأن السم لا يطلق حقيقة إلا عليه وإن خالفوا هذا الاصطلاح في مداواة الجرح بمسموم.
قال الرافعي: ولم يفرقوا بين الصبي المميز وغيره، ولا نظروا إلى الخلاف في: أن عمده عمد أو خطأ؟ وللنظر في ذلك مجال.
اهـ
وقد فرق بينها ابن الصباغ والمتولي، وهو مقتضى ما في (البيان) و (التهذيب).
ولو كان السم لا يقتل غالبًا إلا الضعيف أو في فصل .. اعتبر فيما ذكرناه ضعف المكره وذلك الفصل، وإلا .. فلا قصاص.
وفي قوله: إن السم وإن كان مما لا يقتل غالبًا ومات الموجَ ربه .. يجب القصاص؛ لأن له نكايات في الباطن، فأشبه الجراحة.
و (السم): شيء يضاد القوة الحيوانية وهو مثلث السين، والثلاث لغات في: (سَمِّ الْخِيَاطِ).
واقتصر الجوهري فيه على الضم والفتح، ويجمع على: سموم وسمام.
ووقع في كلام الرافعي وغيره: سم موح، وهو بتشديد الحاء المهملة، أي: المسرع.
أَوْ بَالِغًا عَاقِلًا وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ الطَّعَامِ .. فَدِيَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: قِصَاصٌ، وَفِي قَوْلٍ: لاَى شَيْءَ
قال: (أو بالغًا عاقلًا ولم يعلم) أي: الضيف (حال الطعام .. فدية)؛ لغروره، ولا قود؛ لأنه تناوله باختياره، فإن علم الضيف بالحال .. فلا شيء على المقدم بحال، والآكل هو المهلك لنفسه.
وأطلق المصنف (الدية) ولم يبين: هل هي دية عمد أو شبه عمد؟ وعبارة (المحرر): إذا قلنا: لا قصاص .. فالأقرب: أنه شبه عمد.
قال: (وفي قول: قصاص)؛ لإفضائه إلى الهلاك غالبًا في شخص معين، فأشبه الإكراه، وبهذا قال مالك، ورجحه البغوي والصيمري وآخرون.
واحتج له المتولي وغيره بما روى أبو داوود [4502]: أن النبي صليى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية وقد سمتها، فأكل منها وأكل رهط من أصحابه، فمات بشر بن البراء بن معرور، فأرسل إلى اليهودية فقال: (ما حملك على ما صنعت؟) فقالت: قلت: إن كان نبيًا .. فلن يضره، وإن لم يكن نبيًا .. استرحنا منه، فأمر بها صلى الله عليه وسلم فقتلت.
وللأول أن يجيب بأنه مرسل؛ لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئًا، والمحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم قيل له: ألا تقتلها؟ فقال: (لا) كذا أخرجه البخاري [2617] ومسلم [2190]، لكن جمع البيهقي [8/ 47] بينهما بأنه لم يقتلها في الابتداء، فلما مات بشر أمر بقتلها، وهي زينب بنت الحارث بن سلام، وقال ابن إسحاق: هي أخت مرحب اليهودي.
وروى معمر بن راشد عن الزهري: أنها أسلمت، وضعف في (البحر) الاستدلال بهذا الحديث بأنها لم تقدم الشاة إلى الأضياف، إنما بعثت بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو أضاف أصحابه، وما هذا سبيله لا يلزم به قصاص.
قال: (وفي قول: لا شيء)؛ تغليبًا للمباشرة، وأنكره جماعة، وقالوا: لا يصح.
ولو أكرهه على شرب السم القاتل .. فقولان: قال الرافعي: والوجه: أن يكون
وَلَوْ دَسَّ سُمًّا فِي طَعَامِ شَخْصٍ الْغَالِبُ أَكْلُهُ مِنْهُ فَأَكَلَهُ جَاهِلًا .. فَعَلَى الأَقْوَالِ ..
كالكراهة على قتل نفسه، وستأتي المسألتان، وصرح في (الكفاية) بنقل هذا عن الإمام والمتولي و (تعليق القاضي حسين).
قال: (ولو دس سمًا في طعام شخص الغالب أكله منه فأكله جاهلًا .. فعلى الأقوال) أي: التي تقدمت؛ لأنه يعد مهلكًا له عرفًا، هذه أصح الطرق.
والثانية: القطع بالمنع؛ لفقد التعزير منه.
والثالثة: يضمن قطعًا، حكاهما ابن القطان في (الفروع).
واحترز بقوله: (في طعام شخص) عما إذا دسه في طعام نفسه فأكله منه شخص عادته الدخول إليه؛ فإنه هدر.
وقوله: (الغالب أكله منه) زيادة على (المحرر)، وهي في (الشرحين)، ولم يتعرض لها الأكثرون، فاحترز بها عما إذا كان أكله منه نادرًا؛ فإنه هدر أيضًا.
فائدة:
روى الزهري: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه والحارث بن كلدة كانا يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر، فقال الحارث – وكان طبيبًا –: والله إن فيها سم سنة، وأنا وانت نموت في يوم واحد، فرفع يده، فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة.
ولما غزا خالد بن الوليد الحيرة .. جاءه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة ومعه سم ساعة، فقال له خالد: ما هذا؟ فقال: سم ساعة إن نالني مكروه .. تناولته، فأخذه خالد من يده وقال: باسم الله خير الأسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء الرحمن الرحيم، ثم اقتحم السم، فلم يضره منه شيء، فقال له ابن بقيلة: والله! لتملكن ما أردتم ما دام أحد منكم هكذا.
وَلَوْ تَرَكَ الْمَجْرُوحُ عِلاَجَ جُرْحٍ مُهْلِكٍ فَمَاتَ .. وَجَبَ الْقِصَاصُ.
وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ لاَ يُعَدُّ مُغْرِقًا كَمُنْبَسِطٍ فَمَكَثَ مُضْطَجِعًا حَتَّى هَلَك .. فَهَدَرٌ، أَوْ مُغْرِقٍ لاَ يَخْلُصُ مِنْهُ إِلاَّ بِسِبَاحَةٍ: فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا أَوْ كَانَ مَكْتُوفًا أَوْ زَمِنًا .. فَعَمْدٌ، وَإِنْ مَنَعَ مِنْهَا عَارِضٌ كَرِيحٍ وَمَوْجٍ .. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ أَمْكَنَتْهُ فَتَرَكَهَا .. فَلا دِيَةَ فِي الأَظْهَرِ
وكان ابن بقيلة معمَّرًا، بلغ ثلاث مئة وخمسين سنة، وسيأتي ذكره قبيل (باب الجزية).
قال: (ولو ترك المجروح علاج جرح مهلك فمات .. وجب القصاص) أي: على الجارح بلا خلاف؛ لأن البرء غير موثوق به والجناية في نفسها مهلكة، وليس كما لو حبسه في بيت والطعام حاضر فلم يأكل حتى مات؛ لأن نفس الحبس غير مهلك.
قال: (ولو ألقاه في ماء لا يعد مغرقًا كمنبسط فمكث مضطجعًا حتى هلك .. فهدر)؛ لأنه هلك باستدامة منسوبة إليه دون ملقيه، فأشبه ما لو خرج ثم عاد، وسواء كان الماء جاريًا أو راكدًا.
وقوله: (مضطجعًا) ليس بقيد؛ فإن المستلقي والمنكب والجالس كذلك ولم يفرقوا في هذا القسم بين المميز وغيره، ولا بين القادر على الحركة وغيره، والظاهر: أن المراد: المميز والقادر على الخروج منه؛ فإنهم صرحوا بأنه لو كتفه وألقاه على هيئة لا يمكنه الخلاص .. وجب القود.
قال: (أو مغرق لا يخلص منه إلا بسباحة: فإن لم يحسنها أو كان مكتوفًا أو زمنًا .. فعمد)؛ لأنه مهلك لمثله.
و (السباحة): العوم، قال الجوهري: يقال: إنه لا يُنسى.
قال: (وإن منع منها عارض كريح وموج .. فشبه عمد)، فتجب ديته ولا قود.
قال: (وإن أمكنته فتركها .. فلا دية في الأظهر)؛ لأنه بترك السباحة متلف لنفسه، فأشبه إعراض المحبوس عن أكل الطعام.
أَوْ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ الْخَلاَصُ فَمَكَثَ .. فَفِي الدِّيَةِ الْقَوْلاَنِ.
وَلاَ قِصَاصَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَفِي النَّارِ وَجْهٌ
والثاني: تجب الدية؛ لأن الإلقاء مهلك والسباحة حيلة دافعة، فأشبه ما لو امتنع من معالجة الجرح، وقيل: تجب قطعًا، وقيل: لا قطعًا.
ولو كتفه وطرحه على الساحل فزاد الماء وأغرقه، فإن كان في موضع تعلم زيادة الماء فيه كالمد بالبصرة .. فهو عمد موجب للقصاص، وإن كان قد يزيد وقد لا يزيد .. فهو شبه عمد، وإن كان بحيث لا تتوقع الزيادة فاتفق سيب نادر .. فهو خطأ محض.
قال: (أو في نار يمكنه الخلاص فمكث .. ففي الدية قولان)، هما منسوبان إلى رواية الربيع، وأصحهما: المنع، كما تقدم في مسألة الماء.
وقيل في مسألة الماء: لا تجب قطعًا، والقولان في النار؛ لأن النار متلفة لا يقدم الناس عليها مختارين، بخلاف الماء؛ فغنه قد يقدم عليه لسباحة أو تبرد أو تنظيف، وعلى الأصح: يجب على الملقي أرش ما عملت فيه النار من حين إلقائه إلى أن أمكنه الخروج.
قال الجيلي: فإن لم تكن معرفة قدر الأرش .. لم يلزمه إلا التعزير.
قال ابن الرفعة: ولو قيل: يلزمه المحقق .. كان أولى.
قال: (ولا قصاص في الصورتين) أي: في صورتي الإلقاء في الماء والنار؛ لأنه الذي قتل نفسه (وفي النار وجه)؛ لأنها تؤثر وتقرح بأول المس، بخلاف ملاقاة الماء، على أن في الماء قولًا أو وجهًا أيضًا بالوجوب.
واحترز بقوله: (يمكنه الخلاص) عما إذا لم يمكنه، لعظمها، أو كونها في وهدة، أو كونه مكتوفًا أو زمنًا أو صغيرًا فمات منها، أو خرج منها متأثرًا متألمًا وبقي ضعيفًا ضَمِنًا إلى أن مات؛ فعليه القصاص.
ولو قال الملقي: كان يمكنه التخلص مما ألقيته فيه من ماء أو نار، وكذبه الولي .. فالأصح: تصديق الوارث؛ لأن الظاهر: أنه لو أمكنه الخروج .. لخرج.
وَلَوْ أَمْسَكَهُ فَقَتَلَهُ آخَرُ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَرَدَّاهُ فِيهَا آخَرُ، أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَتَلَقَّاهُ آخَرُ فَقَدَّهُ .. فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمُرْدِي وَالْقَادِّ فَقَطْ
وقيل: الملقي؛ لأن الأصل براءة ذمته.
قال: (ولو أمسكه فقتله آخر، أو حفر بئرًا فرداه فيها آخر، أو ألقاه من شاهق فتلقاه آخر فقده .. فالقصاص على القاتل والمردي والقاد فقط)، أما الممسك .. فلا شيء عليه إلا الإثم والتعزير؛ لما روى الدارقطني [3/ 140] والبيهقي [8/ 50] بإسناد صحيح عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمسك الرجل الرجل حتى جاء آخر فقتله .. قتل القاتل ويصبر الممسك) أي: يحبس تأديبًا، قال البيهقي: والصواب إرساله، وصحح ابن القطان رفعه.
ولأنه لو أمسك امرأة حتى زنى بها غيره .. حد الزاني لا الممسك، وبهذا قال جماعة من العلماء.
وقال ربيعة: يحبس الممسك حتى يموت.
وقال مالك: إن أمسكه للقتل .. فهما شريكان وعليهما القصاص.
هذا في الحر، فإن كان المقتول عبدًا .. فللمالك مطالبة الممسك أيضًا، وقرار الضمان على القاتل، بخلاف ما لو أمسك المحرم صيدًا فقتله حلال وهو في يد المحرم؛ فالضمان على المحرم على تناقض فيه للرافعي والمصنف، وفرقوا بأنه ضمان يد وهنا ضمان إتلاف، وجعلوا سلب القتيل للقاتل والممسك؛ لاندفاع شر الكافر بهما.
وشرط مسألة الكتاب: أن يكون القاتل مكلفًا، فلو أمسكه وعرضه لمجنون أو سبع فقتله .. فالقصاص على الممسك بلا خلاف؛ لأنه يعد قاتلًا.
وأما مسألة حفر البئر .. فلأنه شرط والتردي سبب، والشروط لا يتعلق بها ضمان.
وكان الصواب: أن يعبر كما في (الشرح) و (الروضة) بنفي الضمان؛ لأنه الذي يتعلق بالحافر لا القصاص.
وأما مسألة الإلقاء من شاهق .. فالقصاص على المتلقي دون الملقي، ولا دية عليه
وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ .. وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الأَظْهَرِ، أَوْ غَيْرِ مُغْرِقٍ .. فَلاَ
أيضًا إذا آل الأمر إليها، سواء عرف الملقي الحال أم لا، ولا فرق في نفي الضمان عن الملقي بين كون القاد ممن يضمن أو لا يضمن كالحربي.
و (القد) في اللغة هو: القطع طولًا و (القط): القطع عرضًا، ومنه: قط القلم.
قال: (ولو ألقاه في ماء مغرِق) وهو: الذي لا يمكنه الخلاص منه (فالتقمه حوت .. وجب القصاص في الأظهر)؛ لأن طرحه في اللُّجَّة إتلاف له، فإنه بنفس الوقوع فيه صار في حكم التالف.
والثاني: المنع؛ لحصول الإهلاك بغير ما قصد به الإهلاك فانتهض شبة في نفي القصاص، لكن تجب الدية مغلظة، ثم لا فرق بين أن يكون التقام الحوت له قبل وصوله إلى الماء أو بعده.
وقيل: إن التقمه قبل وصوله .. فلا قصاص قطعًا.
وقيل: إن كان بنيل مصر .. وجب؛ لأنه تكثر فيه التماسيح فلا يسلم منها أحد، وإن كان بغيره .. فلا.
فلو رفع الحوت رأسه فألقمه فاه .. وجب القصاص قطعًا.
قال: (أو غير مغرق .. فلا) أي: لا قصاص قطعًا؛ لأنه لم يقصد إهلاكه بالحوت الذي التقمه في الماء الغير المغرق، فأشبه ما إذا دفعه دفعًا خفيفًا على سكين لم يعلم بها الدافع؛ فإنه لا قصاص، وفي الصورتين دية شبه العمد مغلظة على العاقلة.
وقيل: لا دية كما لا قصاص، ومحل القطع بعدم القصاص: إذا لم يشعر الملقي بأن هناك حوتًا، فإن علم به .. وجب القود كما صرح به في (الوسيط).
وأطلق المصنف (المغرِق) ولا بد من تقييده بما لا يمكنه الخلاص منه، كما قاله ابن الرفعة وغيره.
وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلٍ .. فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَكَذَا عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى الأَظْهَرِ، فَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ .. وُزِّعَتْ، فَإِنْ كَافَأَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ .. فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ
قال: (ولو أكرهه على قتل) أي: أكره شخصًا على قتل ثالث إكراهًا بغير حق وقتله.
قال:) .. فعليه القصاص)؛ لأنه أهلكه بما يقصد به الهلاك غالبًا، فأشبه ما إذا رماه بسهم فقتله، هذا هو الصحيح.
وقيل: لا قصاص عليه؛ لأنه متسبب والمكره مباشر والمباشرة مقدمة، أما إثم القتل .. فعليهما قطعًا، ولا يخفف الإكراه الإثم عن المكره.
قال: (وكذا على المكرَه) أي: بفتح الراء (على الأظهر)؛ لأنه قتله عمدًا عدوانًا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله المضطر ليأكله، بل أولى؛ لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل، بخلاف المكره، وبهذا قال مالك.
والثاني: لا قصاص؛ لحديث: (رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، وبهذا قال أبو حنيفة.
ولا فرق في جريان القولين بين أن يصدر الإكره من الإمام أو نائبه أو إمام البغاة أو المتغلب باللصوصية أو غيرهم على الأصح.
ولم يبين المصنف ما يحصل به الإكراه اكتفاء بما ذكره في (الطلاق)، لكن نقل الرافعي هنا عن المعتبرين: أن الإكراه هنا لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل أو بما يخاف من التلف كالقطع والجرح والضرب الشديد، بخلاف الطلاق؛ فإن الإكراه فيه لا ينحصر في ذلك على الأظهر، ولابد أن يكون المكره لا يقدر على دفع المكره عن نفسه بقتل أو غيره.
قال: (فإن وجبت الدية .. وزعت) وكانا كالشريكين في القتل، فللولي أن يقتص منهما، وله أن يقتص من أحدهما ويأخذ نصف الدية من الآخر، والأصح في زوائد (الروضة): أنه في ماله.
قال: (فإن كافأه أحدهما فقط .. فالقصاص عليه)؛ لأن شريك غير المكافئ يلزمه القصاص كشريك الأب، فإذا أكره حر عبدًا على قتل عبد أو مسلم ذميًا على قتل
وَلَوْ أَكْرَهَ بَالِغٌ مُرَاهِقًا .. فَعَلَى الْبَالِغِ الْقِصَاصُ إِنْ قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ عَمْدٌ، وَهُوَ الأَظْهَرُ
ذمي .. فالقصاص واجب على المأمور دون الآمر، وإن أكره عبد حرًا على قتل عبد أو ذمي مسلمًا على قتل ذمي .. فالقصاص على الحامل دون المحمول.
ولو أكره الأب أجنبيًا على قتل ولده أو الأجنبي الأب .. فالقصاص على الأجنبي دون الأب.
قال: (ولو أكره بالغ مراهقًا .. فعلى البالغ القصاص إن قلنا: عمد الصبي عمد، وهو الأظهر)؛ لأنه كالمكلفين العامدين.
والمراد: أنه يعطى حكم العمد، واندفع عن المراهق؛ لعدم تكليفه.
فإن قلنا: عمده كخطأ البالغ .. فلا، كما لو اشترك المخطئ والعامد في القتل.
وما أطلقه المصنف من أن: (عمد الصبي عمد) قيده في (الروضة) بمن له نوع تمييز، أما من لا يميز .. فعمده خطأ، وكأن المصنف أشار إلى ذلك بالتمثيل بالمراهق.
والثاني: أنه خطأ؛ لقول علي رضي الله عنه: (عمد الصبي والمجنون خطأ)، ولرفع القلم عنهما.
والجواب: أن الأثر لم يصح.
وأما رفع القلم عنهما .. ففيما يتعلق بالبدن، ولهذا لا نوجب القصاص في قتلهما، بل فيه دية مغلظة.
فإن قلنا: إن عمده خطأ .. فلا قصاص؛ لأنه شريك مخطئ.
وإذا لم يكن لهما تمييز .. فقال القاضي والإمام وغيرهما: لا عمد لهما قولًا واحدًا.
وفي (الحاوي) طرد القولين فيهما.
ولو أمر من لا يميز بقتل .. وجب القود على الآمر؛ لأنه كالآلة التي يستعملها،
وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى رَمْيِ شَاخِصٍ عَلِمَ الْمُكْرِهُ رَجُلٌ وَظَنَّهُ الْمُكْرَهُ صَيْدًا .. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ.
أَوْ عَلَى رَمْيِ صَيْدٍ فَأَصَابَ رَجُلًا .. فَلاَ قِصَاصَ عَلَى أَحَدٍ.
أَوْ عَلَى صُعُودِ شَجَرَةٍ فَزَلِقَ وَمَاتَ .. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَقِيلَ: عَمْدٌ
وهذا بخلاف ما لو أمره بالسرقة فسرق؛ فإنه لا يقطع الآمر؛ لأن القطع فيها لا يجب إلا بالمباشرة.
قال: (ولو أكرهه على رمي شاخص علم المكرِه أنه رجل وظنه المكرَه صيدًا .. فالأصح: وجوب القصاص على المكرِه) أي: بكسر الراء، وهو الآمر؛ لأنه قتله قاصدًا لقتله بما يقتل غالبًا والمكرَه جاهل بالحال.
والثاني: لا قصاص؛ لأنه شريكُ مخطئٍ، فإن آل الأمر إلى الدية .. ففي (التهذيب): أنها عليهما؛ نصف في مال الحامل، ونصف على عاقلة المحمول.
قال: (أو على رمي صيد فأصاب رجلًا .. فلا قصاص على أحد)؛ لأنهما لم يتعمدا قتله، وهذا لا خلاف فيه.
وأما الدية .. فجميعها على عاقلة المكرِه إن لم نوجب الضمان على المكرَه، وإن أوجبناه .. فعلى عاقلة كل منهما نصفها.
وقال المتولي: الحكم متعلق بالرامي ولا شيء على المكرِه؛ لأنه لم يفعل ما دعاه إليه، وهذا أوجه.
قال: (أو على صعود شجرة فزلق ومات .. فشبه عمد)؛ لأنه لم يقصد به القتل غالبًا.
قال: (وقيل: عمد)؛ لأنه تسبب في قتله، وهذا قول الغزالي.
وقال قاضي القضاة عماد الدين ابن السكري في (حواشي الوسيط): التحقيق: حمل الأول على ما إذا كانت الشجرة مما يزلق على مثلها غالبًا، والثاني على ما إذا
أَوْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ ... فَلا قِصَاصَ فِي الأَظْهَرِ
كان يسلم منه غالبًا, فمحل الخلاف على حالين, وكذا قاله المصنف في (نكت التنبيه).
ولا شك أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأشجار.
ونظير المسألة: ما إذا أكرهه على نزول بئر فزلق.
قال: (أو على قتل نفسه) بأن قال: اقتل نفسك, وإلا .. قتلتك) .. فلا قصاص في الأظهر)؛ لأن ذلك ليس بإكراه حقيقة, إذ المكره من يتخلص بما يؤمر به عما هو أشد عليه.
والثاني: يجب القصاص, كما لو أكرهه على قتل غيره.
وقيل: لا قصاص قطعًا, حكاه ابن القطان.
ويستثنى من كلام المصنف: ما لو أكرهه بشيء فيه تعذيب شديد لو لم يقتل نفسه .. ففي (الشرح الصغير) و (الروضة) يشبه أن يكون إكراهًا؛ لتخلصه من الأشد بالشديد, فيجب القصاص كغيره.
وخرج بالتقييد بـ (النفس) صورتان:
إحداهما: الطرف, فلو قال: لتقطعن يدك أو إصبعك, وإلا قتلتك .. فهو إكراه؛ لأن قطعها ترجى معه الحياة.
والثانية: إكراهه على قتل الغير بقتل ولده.
والأصح في (الروضة) في (كتاب الطلاق): أنه ليس بإكراه.
وقال الروياني: الصحيح عندي: أنه إكراه؛ لأن ولده كنفسه.
وإذا قلنا: يجب القصاص فعفى عنه على مال .. قال الرافعي والمصنف: وجب جميع الدية، وإن لم نوجبه .. فعليه نصف الدية إن أوجبنا الضمان على المكرَه، وجميعها إن لم نوجبه.
قال في (المطلب): والصواب العكس, وبينه في (المهمات).
وَلَوْ قَالَ: اقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ فَقَتلَهُ .. فَالْمَذْهَبُ: ل قِصَاصَ، والأَظْهَرُ: لَا دِيّةَ.
وَلَوْ قَالَ: اقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا .. فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ
قال: (ولو قال: اقتلني وإلا قتلتك فقتله .. فالمذهبك لا قصاص)؛ لأن الإذن شبهة دارثة للحد.
والطريقة الثانية ذات قولين: ثانيهما: يجب؛ لأن القتل لا يباح بالإذن، كما لو أذن في الزنا بأمته.
قال: (والأظهر: لا دية)؛ لأنه إذن في القتل وإكراه، ولو تجرد الإذن .. فلا دية في أصح القولين؛ بناء على وجوبها للمقتول في آخر جزء من حياته، ثم تنتقل إلى الوارث كما سيأتي في آخر (باب كيفية القصاص).
فلو كان الآذن عبدًا .. فالضمان غير ساقط، وفي القصاص إذا كان المأذون له عبدًا وجهان.
ولو قال: اقطع يدي وإلا قتلتك فقطعها .. فلا قصاص ولا دية قطعًا؛ لأنه إتلاف مأذون فيه فصار كما لو أتلف ماله بإذنه، ولا يخفى أن محل القطع بعدم القطع إذا لم يمت، فإن مات من القطع .. ففيه الخلاف، والأصح فيه: عدم الوجوب.
فرع:
قال: اقذفني وإلا قتلتك فقذفه .. قال الرافعي نقلًا عن البغوي: يجب الحد، بخلاف القصاص؛ لأنه قد يستعين بغيره في قتل نفسه أو قطعه ولا يستعان بالغير في القذف، والعجب أن الرافعي صحح في بابي اللعان) و (القذف) عدم الوجوب، والصواب في زوائد (الروضة) وغيها: أنه لا حد مع الإكراه؛ لأنه مباح بلا خلاف.
قال: (ولو قالك اقتل زيدًا أو عمرًا) أي: وإلا قتلتك) ... فليس بإكراه)، فمن أقدم على قتله منهما ... كان مختارًا لقتله؛ لأن المكره هو المحمول على فعل
مِنْ شَخْصَيْنِ مَعًا فِعْلَانِ مُزْهِقَانِ مُذَفِّفاَنِ كَحَزِّ وَقَدِّ، أَوْ لَا
ما لا يجد عنه مخلصًا، هكذا ذكره الأصحاب، وخالفهم القاضي حسين؛ لأنه لا يتخلص إلا بذلك فهو ملجأ إليه، وتابعه الشيخ عز الدين فذكر: أن الإكراه على شرب أحد قدحي الخمر يتخير المكره فيهما، وأن ذلك لا يسقط أثر الإكراه، وقد سبق نظير هذا فيما إذا قال: طلق إحدى زوجتيك.
تتمة:
لا يبيح الإكراه القتل المحرم لذاته، بخلاف القتل المحرم لفوات المالية كقتل نساء الحربيين وذراريهم؛ فإنه يباح بالإكراه، وكذا لا يبيح الزنا ولا اللواط، ويجوز لكل منهما دفع المكره بما أمكنه، ويباح به شرب الخمر والإفطار في رمضان والخروج من صلاة الفرض، ويباح به الإتيان بما هو كفر قولًا أو فعلًا مع طمأنينة القلب بالإيمان، وعلى هذا فأوجهك
أصحها: الأفضل أن يثبت ولا ينطق بها.
والثاني: الأفضل مقابلة؛ صيانة لنفسه.
والثالث: إن كان من العلماء المقتدى بهم .. فالأفضل الثبوت.
والرابع: إن كان يتوقع منه إنكاء العدو أو القيام بأحكام الشرع .. فالأفضل أن ينطق بها لمصلحة بقائه، وإلا ... فالأفضل الثبات.
ويباح به إتلاف مال الغير، وقال في (الوسيط): بل يجب، وتبعه (الحاوي الصغير) فجزم بالوجوب.
والمكره على شهادة الزور ... قال الشيخ عز الدين: ينبغي أن ينظر فيما تقتضيه فإن اقتضت قتلًا ... ألحقت به، أو مالًا .. ألحقت به
قال: (فصل:
وجد من شخصين معًا فعلان مزهقان كحز وقد، أو لا) أي: أو غير
كَقَطْعِ عُضْوَيْنِ .. فَقَاتِلاَنِ.
وَإِنْ أَنْهَاهُ رَجُل إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ؛ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ إِبْصَارُ وَنُطْقُ وَحَرَكَةُ أخْتِيارِ, ثُمَّ جَنَى آخَرُ .. فَالأَوَّلُ قَتِلُ,
مذففين (كقطع عضوين .. فقاتلان) يجب عليهما القصاص؛ لأن القتل لا تمكن إضافته إلى واحد معين ولا إسقاطه فأضيف إليهما.
قال في (المطلب): واتفق الأصحاب على أنه لو جرح واحد جراحة وآخر مئة جراحة ومات بالسراية منهما .. فهما قاتلان، فرُبَّ جراحةِ لها غورُ ونكايةُ لم تحصل من جراحات.
فائدة:
لفظة (معًا) منصوبة على الحال, واستعملها المصنف للاتحاد في الزمان، وهو منقول عن ثعلب وغيره، وفرقوا بذلك بينها وبين (جميعًا).
واختار ابن مالك: أنها لا تدل على الاتحاد في الوقت، وهو ظاهر نص الشافعي فيما لو قال لامرأتيه: إن ولدتما معًا فأنتما طالقتان: أنه لا يشترط الاقتران في الزمان، وستأتي المسألة مبينَّة في (كتاب التدبير).
و (مُذفِّفان) بذال معجمة، ويجوز إهمالها، حكاه الجوهري، ومعناه: مسرعان للقتل.
قال: (وإن أنهاه رجل إلى حركة مذبوح؛ بأن لم يَبق إبصار ونطق وحركة اختبار، ثم جنى آخر .. فالأول قاتل)؛ لأنه أنهاه إلى حالة الموت، وتسمى هذه الحالة حالة اليأس, لا يصح فيها إسلام ولا شيء من التصرفات، وينتقل الملك فيها للورثة.
ولو مات قريب لمن انتهى إليها .. لم يرثه، ولا تصح الردة فيها على الصحيح، وعلى هذا حمل تنازع معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء رضي الله عنهما في قتل أبي جهل، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا، فنظر فقال: (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو.
وَيُعزَّرُ الثَّانِي.
وَإِنْ جَنَى الثَّانِي قَبْلَ الإِنْهَاءِإِلَيْهَا: فَإِنْ ذَفَّف كَحَزّ بَعْدَ جُرْحِ .. فَالثَّانِي قَاتِلُ، وَعَلَى الأَوَّلِ قِصَاصُ الْعُضْوِ أَوْ مَالُ بِحَسَبِ الْحَالِ, وَإِلاَّ فَقَاتِلاَنِ
قال الأصحاب: لأنه كان أثخنه والآخر جرحه بعد، فقضى بسلبه للأول، فدل على أنه القاتل.
وقوله: (كلاكما قتله) تطييب لقلب الآخر.
وقوله المصنف: (بأن لم يبق) تفسيرلحركة المذبوح.
واحترز ب (الاختيارية) عما إذا قطع الإنسان نصفين وبقيت أحشاؤه في النصف الأعلى؛ فإنه ربما تكلم بكلمات لا تنتظم، وإن انتظمت .. فليست عن روية واختيار, بل ذلك يجري مجى الهذيان الذي لا يصدر عن عقل صحيح ولا قلب ثابت.
وحكى ابن أبي هريرة: أن رجلًا قطع نصفين فتكلم واستسقى ماء فسقي.
وإن شك في وصوله إلى حركة المذبوح .. رجع إلى أهل الخبرة.
قال: (ويعزر الثاني) كما لو قطع عضوًا من ميت.
قال: (وإن جنى الثاني قبل الإنهاء إليها) أي: إلى حركة المذبوح (فإن ذَفف كحَزَّ بعد جرح .. فالثاني قاتل)؛ لأن الجراحة إنما تقتل بالسريان وحزُّ الرقبة يمنع من السريان فأبطل أثره، ولا فرق بين أن يتوقع البرء من الجراحة السابقة أو يتيقن الهلاك بما بعدها.
قال: (وعلى الأول قصاص العضو أو مال بحسب الحال) أي: من عمد أو خطأ؛ لأن حياته كانت مستقره وتصرفاته حينئذ كانت نافذة، ولأن عمر رضي الله عنه أوصى في هذه الحالة، فعمل بعهده,
وعن مالك: إذا تيقن هلاكه بالجراحة السابقه .. فالقاتل الأول دون الثاني.
قال: (وإلا .. فقاتلان) أي: إذا لم تكن الجراحة الثانية مذفِّفة؛ بأن أجافاه مرتبًا، أو قطع الأول يده من الكوع ثم قطع الثاني الساعد من المرفق .. فهما قاتلان؛
وَلَوْ قَتَلَ مَرِيضًا فِي النَّزْعِ وَعَيْشُهُ عَيْشُ مَذْبُوحٍ .. وَجَبَ الْقِصَاضُ.
فَصْلُ:
قَتَلَ مُسلِمًا ظَنَّ كُفْرَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ
لأن القطع الأول قد انتشر سرايته وألمه وتأثرت به الأعضاء الرئيسة وانضم إليها الألم الثاني، فأشبه ما إذا أجاف أحدهما جائفة ثم وسعها الآخر ومات .. فالقصاص واجب عليهما.
كل هذا إذا لم يصب الحشوة خرق أو قطع وتيقن موته بعد يوم أو يومين .. فهذا يجب القصاص بقتله، وكان عمر رضي الله عنه كذلك على ما روي: أن الطبيب سقاه لبنًا فخرج من جوفه، فقال له: اعهد يا أمير المؤمنين.
قال: (ولو قتل مريضًا في النزاع وعيشُه عيشُ مذبوح .. وجب القصاص)؛ لأن موته غير محقق، فإن انتهى إلى النزع وبدت أمارات الموت .. فإن الشفاء قد بقع بعد ذلك، بخلاف المقدود والمذبوح.
وعن (تعليق القاضي): أنه لا يكون قاتلًا، كما لا يحل الحيوان المنتهي بالمرض إلى هذه الحالة بالذكاة.
تتمة:
ما ذكره الرافعي والمصنف هاهنا وفي (باب العاقلة) من: أن المريض لا يقطع بموته .. سبق لهما في (باب الوصية) في الكلام على المريض المخوف، وفي (الفرائض) في الكلام على ميراث الحمل ما يخالفه، وذكرا في (الأضاحي) ما يقرب من ذلك، كما قرره في (المهمات).
قال: (فصل: قتل مسلمًا ظن كفره بدار الحرب)؛ بأن رآه يعظم آلهتهم أو على زيهم.
فَلَا قِصَاصَ, وَكَذَا لَا فِي الأَظْهَرِ.
أَوْ بِدَارِ الإِسْلَامِ .. وَجَبَا, وَفِي الْقِصَاصِ قَوْلٌ,
قال:) .. فلا قصاص)؛ لوضوح العذر, وهذا لا خلاف فيه, واستدل له الشافعي بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛فإن معناه: في قوم, ولأنه أسقط حرمة نفسه بمُقامه في دار الحرب التي هي دار إباحة.
قال: (وكذا لا دية في الأظهر)؛ للجهل بباطن أمره, أما الكفارة .. فتجب قطعًا.
والقول الثاني: تجب الدية؛ لأنها تثبت مع الشبهة.
واحترز عما إذا لم يظنه, فإن عرف مكانه .. فكما لو قلته في دار الإسلام, وإن لم يعرف مكانه ورمى سهمًا إلى الكفار في دارهم, فإن لم يعين شخصًا بل أصابه خطأ .. فلا ضمان, وإن عين شخصًا وأصابه .. فلا قود, وفي الدية قولان.
قال: (أو بدار الإسلام .. وجبا) , أما الدية .. فبلا خلاف, وأما القصاص .. فعلى الأظهر؛ لأن ظاهر حال من بدار الإسلام العصمة, ولا خلاف في وجوب الكفارة في هذه الحالة, وتصريحه بجمع القصاص مع الدية عجيب؛ لأنهما لا يجتمعان لا وجوبًا ولا استيفاء كما قاله في (الروضة) في أول الباب, والموقع له في ذلك (المحرر)؛ فإنه قال: وجبت الدية, وكذا القصاص في أصح القولين, ومراده: وجوبهما على البدل لا الاجتماع.
قال: (وفي القصاص قول): إنه لا يجب؛ لأنه أبطل حرمته بخروجه على هيئة الكفار, وقد نص الشافعي على: أن التزيي بزيهم في دار الإسلام ردة, لكن سيأتي في (كتاب الردة): أن ذلك ليس بردة على الصحيح عند المصنف, وهل الدية عليه أو على عاقلته؟ فيه قولان في (الأم) في (قتال البغاة).
أَوْ مَنْ عَهِدَهُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ ظَنَّهُ قَاتِلَ أَبِيهِ فَبَانَ خِلَافهُ .. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ,
قال: (أو من عهده ذميًا أو مرتدًا أو عبدًا أو ظنه قاتل أبيه فبان خلافه .. فالمذهب: وجوب القصاص) , نص الشافعي في المرتد على الوجوب, وفي الذمي والعبد على المنع, فقيل: قولان فيهما:
وجه الوجوب: أنه غير معذور في هذا الظن؛ إذ ليس للآحاد القتل.
ووجه السقوط: الظن المبني على الاستصحاب, وقيل بتقريرهما.
والفرق: أن المرتد يحبس في دار الإسلام ولا يخلى, فقاتله وهو مخليً مقصر, بخلاف العبد والذمي؛ فإنهما يتركان في دار الإسلام.
وقيل: يجب القصاص في الجميع قطعًا؛ لأن ظنه لا يبيح القتل.
والمذهب: وجوب القصاص في الجميع, كما لو علم تحريم القتل وجهل وجوب القصاص.
وفيما إذا ظنه قاتل أبيه فقتله فبان غيره قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لأنه ظن إباحة القتل.
وأظهرهما: الوجوب؛ لأنه كان من حقه التثبت فلو قال: تبينت أن أبي كان حيًا حين قتلته .. وجب القصاص قطعًا؛ إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه.
واحترز بقوله: عهده عما إذا لم يعهد ردته بل ظنها؛ فإن القصاص واجب لا محالة, وحيث قلنا: لا قصاص, فقال الولي: عرفت إسلامه أو حريته, وقال القاتل: ظننته كافرًا أو رقيقًا .. فالقول قوله؛ لأنه أعرف بحاله.
وَلَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا جَهِلَ مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ اٌلْمَرِيضَ .. وَجَبَ اٌلْقِصَاصُ، وَقِيلَ: لاَ.
وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ اٌلْقِصَاصِ فِي اٌلْقَتِيلِ: إِسْلاَمٌ أَوْ أَمَانٌ؛ فَيُهْدَرُ اٌلْحَرْبِيُ
ولو عهده حربيا قتله ظانا: أنه لم يسلم وكان مسلمًا .. فقيل: كالمرتد، وقيل: لا قصاص قطعًا.
قال: (ولو ضرب مريضا جهل مرضه ضربا يقتل المريض) أي: فمات منه) .. وجب القصاص)؛ لوجود القتل بصفة التعدي، وظن الصحة لايبيح الضرب، كما إذا وطىء امرأة ظنها جارية مشتركة بينه وبين غيره .. فالأصح: وجوب الحد، وكما إذا سرق ثوبا لا يساوي نصابا وفي جيبه تمام نصاب .. فإنه يقطع كما سيأتي.
قال: (وقيل: لا)؛ لأنه ليس بمهلك عنده فلم يتحقق قصد الإهلاك.
والذي أطلقه المصنف تبعًا لـ) المحرر) مقيد بما إذا ضربه غير تأديب، فإن ضربه تأديبا ضربا لا يقتل المريض وهو جاهل بمرضه .. فإنه لا يجب عليه القود؛ إذ لا عدوان كما صرح به في (الوسيط)
واحترز بقوله: (جهل) عما إذا علم؛ فيجب القصاص قطعا، وبقوله: (يقتل المريض) عما يقتل الصحيح؛ فيجب أيضا قطعا.
قال: (ويشترط لوجوب القصاص في القتيل: إسلام)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها .. عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) رواه مسلم [21].
قال: (أو أمان) أي: بعقد ذمة أو عهد؛ لقوله تعالى: ﴿قتلوا الذين لا يومنون بالله﴾ إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾.
ولقوله تعالى: ﴿وان احد من المشركين استجارك فاجره﴾ الآية.
قال (فيهدر الحربي)؛ لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.
وَالْمُرْتَدُ، وَمَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ كَغَيْرِهِ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنُ إِنْ قَتَلَهُ ذِمَّيٌّ .. قُتِلَ، أَوْ مُسْلِمٌ .. فَلاَ فِي اٌلأَصَحَّ.
قال: (والمرتد)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:) من بدل دينه فاقتلوه).
وأورد في) المطلب) على حصر أسباب العصمة في الإسلام والأمان ضرب الرق على الكتابي بلا خلاف، وكذا على وثني ونحوه على المذهب، وكذا الترهب في قول؛ فالعصمة حاصلة بالجميع.
قال: (ومن عليه قصاص كغيره)، فإذا قتله غير المستحق .. اقتص منه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا﴾، فخص وليه بقتله، فدل على: أن غير وليه لا سلطان له عليه، وكذا من عليه قطع في غير القصاص كالسارق؛ فإن يده معصومة على غير المستحق، كذا هو في) الحاوي الكبير) و (الصغير).
والذي في (الشرح) و) الروضة): أنها ليست بمعصومة بالنسبة إليه أيضا؛ لأنها مستحقة الإزالة.
كل هذا فيمن لم يتحتم قتله، فأما من تحتم قتله بقطع الطريق، فإذا قتله غير المستحق .. لا قصاص عليه في الأصح، فكان ينبغي للمصنف التحرز عنه.
ومحل ما ذكره أيضا: إذا لم يكن للقاتل فيه جزء، فإن كان كما لو قتله أحد الابنين .. فلا قصاص على الأصح؛ لأنه مستوف لبعض حقه.
قال: (والزاني المحصن إن قتله ذمي .. قتل) به؛ لأنه لا سبيل له عليه، ويقتل به المعاهد والمستأمن على الصواب في) تصحيح التنبيه).
ونقل ابن الرفع عن الزبيلي وجهًا: أنه لايجب القصاص على الذمي ونحوه بقتله؛ لأنه مباح الدم، كما لو قتله مسلم.
قال: (أو مسلم .. فلا في الأصح)؛ لأنه مباح الدم، فأشبه المرتد، هذا هو المنصوص.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: يجب القصاص؛ لأن إباحة دمه إنما تثبت في حق الإمام، فإذا قتله آحاد الناس .. لم يجز لهم قتله، فأشبه غير ولي الدم إذا قتل القاتل.
وموضع الخلاف: إذا قتله قبل أمر الإمام بقتله، فإن قتله بعد الأمر بقتله .. فلا قصاص قطعا، كذا نقله في زوائد) الروضةط عن القاضي أبي الطيب في) تعليقه).
ثم الذي أطلقه المصنف من إهدار الزاني المحصن مقتضاه: أنه لا فرق بين أن يثبت بالبينة أو الإقرار.
وقيده الشيخ فيط التنبيه) والماوردي بما إذا وجب رجمه بالبينة، فإن وجب بالإقرار .. اقتص من قاتله؛ لأنه غير متحتم؛ لاحتمال رجوعه، وصححه المصنف فيط تصحيح التنبيه)، والصواب: العموم؛ فقد نص في) الأم) على: أنه لا فرق كما نقله في) المطلب)، قال: وبه صرح البندنيجي.
فرع:
نص الشافعي على أن من قتل محصنا ثم قال: وجدته يزني بامرأتي أو جاريتي أو يلوط بابني .. ففيما بينه وبين الله تعالى: لا قصاص عليه ولادية، وفي الظاهر: لا يصدق إن أنكر ولي القتيل ذلك، فإن أقام القاتل أربعة على زناه .. سقط عنه القود.
واستدل البيهقي [8/ 230] لهذا بما رواه عن سعيد بن المسيب: (أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أو قتلها فأشكل القضاء فيها على معاوية، فأرسل إلى أبي موسى أن يسأل عنها عليا، فسأله، فقال علي: عزمت عليك لتخبرني من سألك عن هذه فقال: معاوية كتب بها إلي، فقال علي: أنا أبو الحسن، إن لم يأت بأربعة شهداء .. فليعط برمته).
وَفِي الْقَائِلِ: بُلُوغٌ وَعَقْلٌ, وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهُ عَلَى السَّكْرَانِ.
وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الْقَتْل صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا .. صُدِّقَ بِيَمِنِهِ إِنْ أَمْكَنَ الصِّبَا وَعُهِدَ الجُنوُنُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا صَبِيٌ .. فَلَا قِصَاصَ وَلَا يُحَلَّفُ.
ولَا قِصَاصَ عَلَى حَرْبِيِّ,
قال: (وفي القاتل: بلوغ وعقل) , فلا قصاص على صبي ومجنون؛ لرفع القلم عنهما.
هذا في الجنون المطبق, أما المتقطع .. فهو كالعاقل في وقت إفاقته وكالمطبق في وقت جنونه, ومن وجب عليه القصاص ثم جن .. استوفى منه.
وعن أبي حنيفة: لا يقتص منه في حال الجنون.
قال: (والمذهب: وجوبه على السكران)؛ لتعديه, وفي المسألة طرق تقررت في (الطلاق) , وألحق به المتعدي بتناول الأدوية المزيلة للعقل.
ومحل الخلاف: في غير المعذور بسكره, فمن أكره على شرب الخمر أو جهل كونها خمرًا .. فهو كالمعتوه.
قال: (ولو قال: كنت يوم القتل صبيًا أو مجنونًا .. صدق بيمينه إن أمكن الصبا وعهد الجنون)؛ لان دعواه موافقة للأصل, ولا يخفى أن هذا بشرط الإمكان.
وقيل: المصدق الولي؛ لأن الأصل السلامة.
فلو أقام الوارث بينة على: أن القاتل كان عاقلًا يومئذ, وأقام القاتل بينة على: أنه كان مجنونًا .. تعارضنا وسقطتا.
قال: (ولو قال: أنا صبي .. فلا قصاص ولا يحلف)؛ لأنه لو ثبت صباه .. لبطلت يمينه, وقيل: يحلف كغيره, وقيل: يحلف إذا بلغ.
قال: (ولا قصاص على حربي)؛ يعني: إذا قتل في حال حرابته ثم أسلم أو عقدت له الذمة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾
وتواتر من النبي صلى الله عليه وسلم عدم الإفادة ممن أسلم كوحشي قاتل حمزة,
وَيَجِبُ عَلَى المَعْصُومِ وَالْمُرْتَدِّ.
وَمُكَافَأَةٌ,
ولأنه لا يضمن مال المسلم بالغضب فلا تضمن نفسه بالقتل.
وذهب الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني إلى: أنها يجب على الحربي ضمان المال والنفس؛ تخريجًا على أن الكفار مخاطبون بالفروع.
وفي (فتاوي القاضي حسين): أن العبادي حكى عن المزني في (المنثور) التفصيل بين أن تعقد له الذمة فلا يسقط, أو يسلم فيسقط, وبه تجتمع ثلاثة أوجه.
قال: (ويجب على المعصوم) أي: بأمان أو ذمة؛ لالتزامه الأحكام, وعبارة (المحرر): ويجب على الذمي, فعدل عنها المصنف إلى (المعصوم)؛ لعمومها, فإنها تشمل الذمي ومن له هدنة وأمان, قاله في (الدقائق).
قال: (والمرتد)؛ لالتزامه أحكام الإسلام, وهذه زيادة زادها على (المحرر)؛ لأجل تعبيره بـ (المعصوم) حتى لا يرد على المفهوم؛ فإنه غير معصوم ومع ذلك يجب عليه القصاص.
هذا إذا لم تكن له شوكة وقوة, فإن ارتدت طائفة لهم وأتلفوا مالًا أو نفسًا في القتال ثم تابوا وأسلموا .. ففي ضمانهم القولان في البغاة.
وظاهر عبارة (الشرح الصغير): ترجيح المنع؛ فإنه اقتصر عليه خاصة, وهو الذي نص عليه في (الأم) في (سير الوافدي) فقال: وإن كان ارتد عن الإسلام فأحدث بعد الردة حدثًا ثم جاء مؤمنًا .. سقط عنه جميع ما أحدثه في الردة والمتناع؛ فقد ارتد طليحة عن الإسلام وثنيًا, وقَتَلَ ثابتَ بن أقرم وعكاشة بن محصن, ثم أسلم, فلم يقد بواحد منهما ولم تؤخذ منه دية بواحد, هذا لفظه, والقصة في ذلك ذكرها ابن عبد البر وغيره.
قال: (ومكافأةٌ) وهي: المساواة, فيشترط لوجوب القصاص في القتيل: أن يساوي القاتل.
فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٌ, وَيُقْتَلُ بِذِمِّيٌ بِهِ, وَبِذِمِّيٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا,
قال: (فلا يقتل مسلم بذمي)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري [111] عن أبي جحيفة عن علي مرفوعًا.
قال ابن المنذر: وهو ثابت لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يعارضه, ولأنه لا يقتل بالمستأمن بلا خلاف فكذلك لا يقتل بالذمي.
ووقع في (المطلب) و (الكفاية) عن (حلية الشاشي) حكاية قول عن (الإملاء): أن المسلم يقتل بالمستأمن وتبعه الشيخ مجد الدين وغيره, وكله وهم, وسببه: أن ابن الرفعة قلد فيه صاحب (الذخائر) , وإنما هو في (الحلية) منسوب لـ (إملاء أبي يوسف) صاحب أبي حنيفة.
ولو عبر المصنف بالكافر.
كان أعم؛ لشموله من لم تبلغه الدعوة, فإن المسلم لا يقتل به على الأصح, ولموافقته لفظ الحديث, لكن كأنه إنما ذكره لينبه على خلاف أبي حنيفة, واقتضى كلامه: أنه لا يقتل بالذمي ولو كان القاتل زانيًا محصنًا, وهو كذلك بالاتفاق.
ولو قتل عبد مسلم عبدًا مسلمًا لكافر .. وجب القصاص في الأصح؛ لتساوي العبدين.
ولو قتل عبد كافر عبدًا كافرًا لمسلم .. فعن القاضي حسين: فيه احتمالان, رجح المصنف منهما: ثبوت القصاص.
قال في (المهمات): والمسألة لا يتصور مجيء احتمالين فيها, بل يجب القصاص جزمًا؛ فإن العبدين متكافئان, وكون سيد المقتول مسلمًا لا ينقصه عن القاتل إن لم يزده شرفًا.
قال: (ويقتل ذمي به) أي: بالمسلم (وبذمي وإن اختلف ملتهما)؛ لأن الكفر كله كالملة الواحدة, فيقتل اليهودي بالنصراني وبالمجوسي وبالعكس, ويقتل الذمي أيضًا بالمعاهد والمستأمن.
فَلَوْ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ .. لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ.
وَلَوْ جَرَحَ ِّمِّيٌ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ الْجارِحُ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ,
والضابط: أن الذمي يقتل بكل كافر معصوم الدم, ويقتل المستأمن بمثله وبالذمي.
قال: (فلو أسلم القاتل .. لم يسقط القصاص)؛ لأنهما كانا متكافئين حالة الجناية والاعتبار في العقوبات بها لا بما يطرأ, وكذلك إذا زنى العبد أو قذف ثم عتق .. يقام عليه حد العبيد.
قال في (الأم): وليس هذا قتل مسلم بكافر, بل قتل كافر بكافر, إلا أن الموت تأخر عن حال القتل, ومنهم من حمل عليه حديث: أنه عليه الصلاة والسلام قتل مسلمًا بكافر وقال: (أنا أكرم من وفى بذمته) رواه أبو داوود في (مراسيله) [250] , هذا هو المشهور.
وحكي القاضي مجلي في (الذخائر) عن إليكا الهَرَاسي في (تعليقه) وجهًا: أنه لا يقتل به؛ لإسلامه وقت القصاص جريًا على ظاهر الحديث, وذكر: أن شيخه أبا المعالي إمام الحرمين كان يذهب إليه ويعول عليه.
ووقع في (الكفاية) حكايته عنه فيما إذا كان المستحق ذميًا, وليس كذلك.
وأفاد بقوله: (لم يسقط القصاص):أن الكفارة لا تسقط, وهو الأصح؛ لانها حق الله تعالى, فهي كالديون اللازمة.
قال: (ولو جرح ذمي ذميًا فأسلم الجارح ثم مات المجروح .. فكذا في الأصح) لا يسقط القصاص؛ لتكافئ حالة الجرح.
والثاني: يسقط؛ نظرًا لحالة الزهوق.
وهذا الخلاف في قصاص النفس, أما إذا كانت الجراحة بحيث يجب فيها القصاص, كما لو قطع ذمي يد ذمي وأسلم القاطع ثم سرى القطع .. فالقصاص واجب في الطرف لا محالة.
وَفِي الصُّورَتَيْنِ إِنَّمَا يَقْتَصُ الإِمَامُ بِطَلَبِ الْوَارِثِ.
وَالأَظْهَرُ: قَتْلُ مُرْتَدَّ بَذِمِّيِّ وَبِمُرْتَدِّ,
وعكس المسألة: لو جرح مسلم مسلمًا ثم ارتد المجروح ومات .. لم يجب القصاص.
قال: (وفي الصورتين) أي: إذا أسلم القاتل بعد القتل أو بعد الجرح (إنما يقتص الإمام بطلب الوارث) فلا يفوضه إليه؛ لأن الكافر لا يسلط على قتل المسلم, اللهم إلا أن يكون أسلم فيفوضه إليه؛ لزوال المانع.
هذا إذا كان له وارث, فإن لم يكن .. فللإمام أن يقتص.
وعلم من عبارته: أنه لا يقتص إذا لم يطلب الوارث, وقد نص الشافعي على: أنه إذا لم يطلبه .. ليس للسلطان أن يفيده, ولذلك عد ابن خيران في (اللطيف) من شروط القود مطالبة المستحق.
قال: (والأظهر: قتل مرتد بذمي) , سواء عاد إلى الإسلام, بدليل قضاء الصوم والصلاة, وحرمة الاسترقاق, وعدم تمكين الذمي من نكاح المرتدة.
قال: (وبمرتد) أي: الأظهر قتل مرتد بمرتد؛ لتساويهما, كما لو قتل الذمي ذميًا.
والثاني: لا؛ لأن المقتول مباح الدم, والخلاف في هذه: في (الشرح) و (الروضة): وجهان, وفي (المحرر) و (المنهاج): قولان.
لَا ذِمِّيٌ بِبُرْتَدِّ, ولَا يُقْتَلُ حُرٌ بِمَنْ فِيهِ رِقٌ,
قال: (لا ذمي يقتل بمرتد)؛ لأنه مهدر كالحربي.
والثاني: يقتل الذمي بقتله؛ لأنه يقتله عنادًا لا تدينًا, فأشبه ما لو قتل مسلمًا.
فإن قلنا: يجب .. استوفاه الحاكم على المذهب.
وقيل: قريبه المسلم الذي كان يرثه لولا الردة, فإذا عفا على مال أو كان خطأ .. فلا دية في الأصح؛ لأنه لا قيمة لدمه, وإنما أوجبنا القصاص؛ لأن الذمي يقتله عنادًا لا تدينًا- فإنه يعتقده محقون الدم, بخلاف المسلم- فقتلناه به زجرًا أو سياسة.
وإذا أوجبنا الدية بقتل المرتد .. فهل هي دية مسلم لبقاء علقة الإسلام, أو أقلُ الديات وهي دية المجوسي؟ وجهان: أصحهما: الثاني.
قال: (ولا يقتل حر بمن فيه رق) وإن قل, وسواء المكاتب والمدير والمستولدة؛ لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾
وروى الدارقطني [8/ 35] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقتل حر بعبد).
ولأن حرمة النفس أعظم من الأطراف, وبالاتفاق لا يقطع طرف حر بطرف عبد, فأولى أن لا يقتل به, وإنما اقتصر المصنف على حكم المبعض؛ ليؤخذ حكم قاتل الرقيق من باب أولى.
وقال النخعي وأبو داوود: يقتل السيد بعيده؛ لما روى أحمد [5/ 10] وأصحاب السنن الأربعة عن الحسن عن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل عبده .. قتلناه, ومن جدع أنفه .. جدعناه, ومن خصاه .. خصيناه).
والجواب: انه منقطع.
وقال البيهقي في (خلافياته): إنه منسوخ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ابن المنذر: ليس بثابت وإن صح, فهو محمول على ما إذا أعتقه ثم قتله؛ لئلا يتوهم أن تقدم الملك يمنع من ذلك.
وروى الدارقطني [3/ 143] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رجلًا قتل عبده متعمدًا, فجلده النبي صلى الله عليه وسلمونفاه سنة, ومحا سهمه من المسلمين, ولم يقده به, وأمره أن يعتق رقبة).
وقال بن كّج: لو حكم حاكم بقتل حر بعبد .. لم ينقض حكمه, ولو حكم بقتل مسلم بذمي .. نقض, والأصح في المسألتين: عدم النقض.
وحكي الروياني: أن بعض فقهاء خراسان سئل في مجلس أميرها عن قتل الحر بالعبد, فقال: أُقدِّم حكاية, ثم قال: كنت أيام تفقهي ببغداد نائمًا ذات ليلة على شاطئ دجلة, فسمعت ملاحًا يترنم ويقول [من الطويل] ,
خذوا بدمي هذا الغزالَ فإِنَّهُ رماني بسهمَي مقلتيهِ على عمد
ولا تقتلوهُ إنَّني أنا عبدُهُ .... ولم أَرَ حُرًا قَطُّ يُقتلُ بالعبدِ
فقال الأمير: حسبك؛ فقد أغنيت عن الدليل, قال الثعالبي: وكان أبو الحسن الماسرجسي ينشد في تدريسه هذين البيتين.
فرع: قتل المسلم الحر شخصًا لا يعلم أنه مسلم أو كافر, أو لا يعلم أنه حر أو عبد .. فلا قصاص؛ للشبهة, كذا نقله الشيخان عن صاحب (البحر) وأقراه.
قال الشيخ شرف الدين البارزي: وهذه المسألة مثل مسألة اللقيط سواء, والأصح فيها: الوجوب, ولا يظهر بين المسألتين فرق.
وقال القمولي: الظاهر: أن مراده ما إذا لم يكن له ولي ادعى الكفاءة, أما إذا كان له ولي .. فهي مسألة اللقيط, وهي التي صحح فيها الشيخان: وجوب القصاص بقتله
وَيُقْتَلُ قِنٌ وَمُدَبَّرٌ وَمُكَاتَبٌ وَأُمُ وَلَدٍ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.
وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ أَوْ عَتَقَ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ .. فَكَحُدُوثِ إسْلَامٍ
قبل البلوغ, وعللاه بأن الدار دار حرية وإسلام, وبهذا يجتمع الكلامان ولا تناقض.
قال: (ويقتل قِنٌ ومُدبِّر ومكاتب وأم ولد بعضهم ببعض)؛ للتساوي في الملك, ولا نظر إلى ما انعقد لهم من سبب الحرية.
وإنما ذكر المكاتب وأم الولد؛ ليفهم أن توقع الحرية واستحقاقها في المستقبل لا يمنع القصاص, وإنما المؤثر الحرية الناجزة عند القتل.
وذكر المدبر؛ ليعلم تساوي سبب انعقاد اللازم وغيره, لكن يستثنى من إطلاقه: المكاتب؛ فلا يقتل بعبده على المذهب وإن كان رقيقًا مثله؛ لأنه سيده.
قال في (الروضة): وإذا أوجبنا .. استوفاه سيده؛ لأنهما عبدان له.
قال: (ولو قتل عبد عبدًا ثم غتق القاتل أو عتق بين الجرح والموت .. فكحدوث إسلام) أي: بعد القتل أو بينه وبين الجرح, فالقصاص في الأولى, وكذا في الثانية في الأصح.
فلو عتق بعد إرسال السهم وقبل الإصابة .. فلا قصاص في الأولى, وكذا في إسلام الذمي عقب إرسال السهم.
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌ لَوْ قَتَلَ مِثْلَهُ .. لَا قِصَاصَ, وَقِيلَ: إنْ لّمْ تَزِدْ حُرِّيَّةُ الْقَاتِلِ .. وَجَبَ.
وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ وَحُرِّ ذِمِّيٌ, وَلَا بِقَتْلِ وَلَدٍ
قال: (ومن بعضه حر لو قتل مثله .. لا قصاص)؛ لأنه لا يقتل ببعضه الحر البعض الحر وبالرقيق الرقيق, بل قتل جمعيه بجمعيه, فلو قتلناه به .. أدى إلى قتل جزء من الحر بجزء من الرقيق, وإذا تعذر القصاص في البعض .. تعذر في الجميع.
ونظيره: لو باع شقصًا وسيفًا قيمة كل واحد عشرة بعبد وثوب قيمة كل واحد عشرة .. فإنا لا نجعل الشقص في مقابلة العبد أو الثوب, بل المقابل له النصف من هذا والنصف من ذاك.
قال: (وقيل: إن لم تزد حرية القاتل .. وجب)؛ لأن القصاص يقع بين الجملتين من غير تفصيل وهما متساويان, وأصل الخلاف قولا الحصر والإشاعة.
وفي قوله: (إن لم تزد) تنبيه على أن موضع الخلاف: إذا تساويا أو كانت الحرية في المقتول أكثر, فأما إذا كانت في القاتل أكثر .. فلا قصاص قطعًا؛ لانتفاء المساواة.
قال: (ولا قصاص بين عبد مسلم وحر ذمي)؛ لأن المسلم لا يقتل بالذمي والحر لا يقتل بالعبد, ولأنا لو قتلناه به .. لقتلنا الكامل بالناقص, والفضائل لا تتقابل وإن كان في كفاءة النكاح قد قيل: إن النقيصة تجبر النقيصة, فقال الإمام: لا يأتي ذلك هنا, لكن لو قتل ذمي عبدًا ثم نقض العهد واسترق .. لا يجوز قتله وإن صار كفئًا؛ لأن الاعتبار بوقت الجناية ولم يكن مكافئًا له.
قال: (ولا بقتل ولد) سواء ساواه الولد في الحرية والدين أم لا؛ لما روى الترميذي [1399] عن سراقة بن مالك قال: (حضرت النبي صلى الله عليه وسلم يقيد الأب من ابنه, ولا يقيد الابن من أبيه).
وروى أحمد [1/ 16] والطبراني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقتل الوالد بالولد).
وروى الحاكم [4/ 369] والبيهقي [8/ 38] عن عمر أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقاد الرجل من ابنه).
وَإِنْ سَفَلَ وَلَا لَهُ,
ولأن الوالد سبب في وجوده, فلا يحسن أن يكون الولد سببًا في إعدامه.
ونقل الشافعي في (الأم) و (المختصر) فيه الإجماع, وأراد به في الجملة؛ لأن مالكًا يخالف فيما إذا ذبحه كالشاة.
وأطلق ابن المنذر عن مالك: أنه لا يقتل به , واختاره.
وقيل: أراد به إجماع الصحابة؛ فإن عمر حكم به بحضرتهم ولم يخالفه منهم أحد.
ولرعاية حرمته .. انتفى عنه الحد بقذفه.
وكره للجلاد أن يقتل أباه حدًا أو قصاصًا, وللغازي أن يقتل أباه الكافر, ويقولنا قال أبو حنيفة وأحمد.
وحكي الإمام خلافًا في أن القصاص هل وجب على الأب ثم سقط, أو لم يجب أصلًا؟ ثم قال: وهذا من حشو الكلام؛ فالمانع من الاستيفاء مانع من الوجوب, وأسقط من (الروضة) هذا الخلاف.
ولو حكم حاكم بقتله بالولد .. نقض حكمه, قال الرافعي: وليكن هذا في المواضع التي يساعد عليه مالك.
قال: (وإن سفل) فلا تقتل الأجداد والجدات بالأحفاد؛ لأنه حكم يتعلق بالولادة فاستوي فيه من ذكرنا كالنفقة, وخرج صاحب (التلخيص) فيه قولًا, وهو كالخلاف في رجوع الوالد في هبة الولد, وفي أنه هل له ولاية إجبار بنت ابنه في النكاح؟
قال: (ولا له) أي: كما لا يقتل بالولد لا يقتل له, فلو قتل الوالد معتق ولده .. لم يكن للولد أن يقتص منه؛ لأنه إذا لم يقتص منه بجنايته على الولد .. كان أولى أن لا يستوفيه الولد.