النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 473-512
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب التفليس

صفحات 473-512

وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ حَوَالَةِ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ بَالنُّجُومِ، دُونَ حَوَالَةِ السِّيِّدِ عَلَيْهِ  صورته: أن يحيل المشتري البائع على إنسان، أو يحيل البائع إنسانًا على المشتري.
والثاني: لا يصح لا به ولا عليه؛ لعدم اللزوم، وبهذا قال القاضي أبو الطيب، وكلام الماوردي والمتولي يقتضي تصحيحه.
واحترز بقوله: (في مدة الخيار) عما إذا أحال به بعد انقضائها وقبل قبض المبيع؛ فإنها جائزة قطعًا.
قال: (والأصح: صحة حوالة المكاتب سيده بالنجوم، دون حوالة السيد عليه)؛ لاستقرار ما أحال به السيد بخلاف العكس.
والثاني: يصحان أما الحوالة من المكاتب .. فلاستقرار الدين عليه، وأما الحوالة عليه .. فنظرًا إلى أنها استيفاء.
والثالث: لا يصحان؛ نظرًا لما تقدم، ولأن الاعتياض عن نجوم الكتابة لا يصح، وإذا قلنا بصحة حوالة المكاتب سيده بالنجوم، فإذا أحاله .. برئ وعتق، ويلزم الدين في ذمة المحال عليه.
وقال الإمام: إذا أحال العبد بالنجوم دفعة واحدة، أو بالنجم الأخير .. جاز؛ لأنه يعتق ويبقى الدين على المحال عليه، ولو أحال السيد بالنجم الأخير .. لم يصح؛ إذا لو صح .. لعتق، ولو عتق .. لبرئ وسقط الدين.
واحترز بـ (النجوم) عما لو كان للسيد على المكاتب دين معاملة فأحال به عليه .. فالأصح الصحة.
فرع: الجعل في الجعالة جزم الماوردي والمتولي بعدم صحة الحوالة به قبل العمل وبالصحة بعده، قال الرافعي: والقياس: أن يأتي في الحوالة به، وعليه الخلاف في الرهن به وفي ضمانه.

وَيُشْتَرَطُ: الْعِلْمُ بِمَا يُحَالُ بِهِ وَعَلَيْهِ قَدْرًا وَصِفَةً، وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ بِإِبِلِ الدِّيَةِ وَعَلَيْهَا.
وَيُشْتَرَطُ تَسَاوِيهِمَا جِنْسًا وَقَدْرًا، وَكَذَا حُلُولًا وأَجَلًا وَصِحَّةً وَكَسْرًا فِي الأَصَحِّ.
قال: (ويشترط: العلم بما يحال به وعليه)؛ لأن المجهول لا يصح بيعه ولا استيفاؤه.
قال: (قدرًا وصفة) المراد: صفات السلم، سواء كان مثليًا أم متقومًا كما تقدم، ولم يذكر المصنف الجنس؛ لأنه استغنى عنه بالصفة.
قال: (وفي قول: تصح بإبل الدية وعليها)؛ لأنها معلومة العدد والصفات.
والأظهر: المنع، لأن صفاتها لا تنضبط، والخلاف فيها مبني على جواز المصالحة عليها والاعتياض عنها.
والأصح فيهما: المنع، فكذلك الحوالة.
قال: (ويشترط تساويهما جنسًا وقدرًا)؛ لأنا إن جعلناها استيفاء .. استحال مع المخالفة، أو معاوضة .. فهي معاوضة إرفاق جوزت للحاجة، فاشترط فيها التجانس والتساوي في القدر والصفة كالقرض، فلا تصح مع اختلاف الجنس، كما لو أحال بالدراهم على الدنانير وعكسه.
والمراد بعدم الصحة: أن الحق لا يتحول، فإن جرت .. فهي حوالة على من لا دين عليه.
وأغرب الزبيلي فجوزها مع اختلاف الجنس، ولا تصح مع اختلاف القدر، وقيل: تصح بالقليل على الكثير والمحيل متبرع بالزيادة، واتفقوا على أنها تصح بالقليل على من له عليه أكثر.
قال: (وكذا حلولًا وأجلًا وصحة وكسرًا في الأصح)؛ إلحاقًا لتفاوت الوصف بتفاوت القدر، والجودة والرداءة كالصحة والكسر.
والثاني: إن كان النفع فيه للمحتال .. جاز، وإلا .. فلا.
فعلى هذا: يجوز أن يحيل بالمؤجل على الحال، ولا يجوز أن يحيل بالحال

وَيَبْرَأُ بِالْحَوَالَةِ الْمُحِيلُ عَنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ عَنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ، وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحْتَالِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ بِفَلَسٍ أَوْ جَحْدٍ وَحَلِفٍ وَنَحْوِهِمَا .. لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُحِيلِ،  على المؤجل، فإن كانا مؤجلين بأجلين مختلفين .. جاز أن يحيل بالأبعد على الأقرب دون عكسه، وإن كان أحدهما صحيحًا والآخر مكسرًا .. جاز أن يحيل بالمكسر على الصحيح، ويكون المحيل متبرعًا بصفة الصحة، ولا يحال بالصحيح على المكسر، ووقع فيه سبق قلم في (الروضة).
وفي وجه ثالث: يجوز أن يحيل بالمكسر على الصحيح وعكسه؛ لأنه يجوز أن يأخذه بالتراضي، لكن تعبيره بـ (الأصح) يقتضي أن الخلاف قوي وهو ضعيف، فكان ينبغي أن يعبر بـ (الصحيح) كما فعل في (الروضة).
وتجري الأوجه الثلاثة في الجيد والرديء.
فرع: كان بالمحال به أو عليه ضامن أو رهن برئ الضامن وانفك الرهن، ولا ينتقل بصفة الضمان كما صرح به الرافعي في آخر الباب، وفي أول الباب الثاني من أبواب (الضمان)، وظاهر كلام (المطلب): أنه لا خلاف فيهما.
والفرق بين المحال وبين الوارث: أن الوارث خليفة الموروث فيما ثبت له من الحقوق، وأجاب البارزي بانتقال الرهن والضمان قياسًا على الوارث.
قال: (ويبرأ بالحوالة المحيل عن دين المحتال، والمحال عليه عن دين المحيل، ويتحول حق المحتال إلى ذمة المحال عليه)؛ لأن ذلك فائدة الحوالة، وقال الماوردي: أجمعوا عليه.
قال: (فإن تعذر بفلس أو جحد وحلف ونحوهما .. لم يرجع على المحيل)؛ لأن حقه تحول، وبرئت بعقد الحوالة الذمة، فوجب أن لا يعود إليه كما لو أبرأه.

فَلَوْ كَانَ مُفْلِسًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ وَجَهِلَهُ الْمُحْتَالُ .. فَلَا رُجُوعَ لَهُ،  وقال محمد بن الحسن: يرجع إذا أفلس.
وقال أبو حنيفة: يرجع إذا مات مفلسًا، أو جحد وحلف؛ لورود ذلك عن عثمان رضي الله عنه.
لنا: أنه منقطع ومشكوك في متنه، ومعارض بقول علي رضي الله عنه: لا يرجع.
وقوله: (ونحوهما) من زيادة الكتاب على (الشرح) و (الروضة)، وأراد به امتناعه أو موت البينة بعد موته موسرًا.
ولا فرق في الجحد بين أن يكون للدين أو للحوالة؛ فلذلك أطلقه المصنف، وكان الأولى أن يعبر بالإنكار؛ لأنه أعم من الجحد.
فروع: أحال بشرط الرجوع على المحيل بتقدير الإفلاس أو الجحد فثلاثة أوجه في (الشرح) و (الروضة) من غير تصحيح ثالثها: تصح الحوالة دون الشرط، وهو مقتضى إطلاق المصنف.
ولو أحال بمؤجل على مؤجل .. حلت الحوالة بموت المحال عليه، ولا تحل بموت المحيل لبراءته بالحوالة.
وإذا قبل المحتال الحوالة من غير اعتراف بالدين .. قال في (المطلب): كان قبوله متضمنًا لاستجماع شرائط الصحة، فيؤاخذ بذلك لو أنكر المحال عليه، وهل له تحليف المحيل أنه لم يعلم براءته؟ فيه وجهان.
قال: (فلو كان مفلسًا عند الحوالة وجهله المحتال .. فلا رجوع له) كما لو طرأ الإفلاس، ولأنه مقصر؛ إذا كان من حقه أن يفحص عن حاله قبل الحوالة.

وَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ إِنْ شُرِطَ يَسَارُهُ.
وَلَوْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَرَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ .. بَطَلَتْ فِي الأَظْهَرِ، أَوِ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ فَوُجِدَ الرَّدُّ.
لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ  قال: (وقيل: له الرجوع إن شرط يساره) كما لو اشترى عبدًا بشرط أنه كاتب فأخلف، وإلى هذا ذهب ابن سريج وسليم، وهو خلاف ما عليه الجمهور، وأجابوا بأنه لو ثبت الرجوع عند الشرط .. لثبت عند عدمه؛ لأنه نقص كالعيب.
وفي وجه آخر: أنه يرجع وإن لم يشرط، واختاره الغزالي.
ولو خرج المحال عليه عبدًا .. فهو كما لو علم رقه.
قال: (ولو أحال المشتري بالثمن فرد المبيع بعيب) وكذا بإقالة أو تحالف أو غيرهما (.. بطلت في الأظهر) هذا المسألة: وما بعدها إلى آخر الباب من تخريجات المزني على قواعد الشافعي.
ووجه البطلان في هذه المسألة: أنه أحال بالثمن، فإذا انفسخ العقد خرج المحال به عن كونه ثمنًا، فبطلت الحوالة.
والثاني: لا تبطل، كما لو استبدل عن الثمن ثوبًا ثم رد المبيع بعيب فإن الاستبدال لا يبطل على المعروف، وقيل: تبطل الحوالة قطعًا، وقيل: لا قطعًا.
ولو أحال الزوج زوجته بصداقها على شخص، ثم انفسخ النكاح قبل الدخول واقتضى الحال الرجوع .. لم تنفسخ الحوالة على الأصح؛ لأن الصداق أثبت من غيره، ولهذا لو زاد زيادة متصلة .. لم يرجع في نصفه إلا برضاها، بخلاف المبيع ونحوه.
قال: (أو البائع بالثمن) أي: أحال البائع بالثمن رجلًا (فوجد الرد .. لم تبطل على المذهب) سواء قبض المحتال مال الحوالة من المشتري أم لا؛ لتعلق الحق بثالث.
والطريق الثاني: طرد القولين في المسألة قبلها.

وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَالَ بِثَمَنِهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ، أَوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ .. بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، فَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ وَلَا بَيِّنَةَ .. حَلَّفَاهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، ثُمَّ يَاخُذُ الْمَالَ مِنَ الْمُشْتَرِي.
وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ: وَكَّلْتُكَ لِتَقْبِضَ لِي، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: أَحَلْتَنِي،  قال: (ولو باع عبدًا وأحال بثمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينة .. بطلت الحوالة) وكذا لو اتفقوا على أنه مستحق أو قامت البينة به؛ لأنه بان أن لا ثمن، فيرد المحتال ما أخذه على المشتري، ويبقى حقه في ذمة البائع.
والمراد بالبطلان ههنا: عدم الصحة؛ لأن الحوالة لم تتقدم لها صحة، وهذه البينة يقيمها العبد أو تشهد حسبة، ولا يتصور أن يقيمها واحد من المتبايعين؛ لأنه كذبها بالدخول في البيع، قال البغوي والروياني.
قال: (فإن كذبهما المحتال ولا بينة .. حلفاه على نفي العلم) طردًا للقاعدة فيقول: والله لا أعلم حريته.
قال: (ثم يأخذ المال من المشتري)؛ لأن الحوالة باقية بحلفه، وهل يرجع المشتري على البائع المحيل؟ قال البندنيجي وسليم والبغوي: لا؛ لأنه يقول: المحتال ظلمني بما أخذه، والمظلوم لا يطالب غير ظالمه.
وقال الأكثرون: نعم؛ لأنه قضى دينه بإذنه الذي تضمنته الحوالة، قال ابن الرفعة: وهو الحق.
وإذا قلنا بالرجوع .. فهل يرجع قبل دفع المال إلى المحتال؟ فيه الوجهان السابقان، أصحهما: المنع.
فإن نكل المحتال عن اليمين .. حلف المشتري، وبطلت الحوالة إن جعلنا اليمين المردودة كالإقرار، وإلا .. فلا؛ إذ ليس له إقامة البينة.
قال: (ولو قال المستحق عليه: وكلتك لتقبض لي، وقال المستحق: أحلتني، أَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: أَحَلْتُكَ الْوَكَالَةَ، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: بَلْ أَرَدْتَ الْحَوَالَةَ .. صُدِّقَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهٌ.
وإِنْ قَالَ: أَحَلْتُكَ، فَقَالَ: وَكَّلْتَنِي .. صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ  أو قال: أردت بقولي: أحلتك الوكالة، وقال المستحق: بل أردت الحوالة .. صدق المستحق عليه بيمينه)؛ لأن الأصل بقاء الحقين، ولأنه أعرف بقصده.
قال في (المطلب): ويتخرج عليهما ما إذا لم تكن له بينة، قال: ولم أر فيه نقلًا.
قال: (وفي الصورة الثانية وجه)؛ لأن ظاهر اللفظ يوافق دعواه.
فعلى الأول: إن لم يكن المستحق قبض .. فليس له القبض؛ لأن الحوالة لم تثبت والوكالة ارتفعت بالإنكار، وإن قبض .. برئت ذمة المقبوض منه؛ لتسليمه إلى وكيل أو محال، وعليه تسليمه للمستحق عليه، وله مطالبة المستحق عليه بحقه في الحالين.
قال: (وإن قال: أحلتك، فقال: وكلتني .. صدق الثاني بيمينه)؛ لأن الأصل بقاء حقه، وفي وجه: أن القول قول المحيل اعتبارًا بالظاهر.
وموضع الوجهين في المسألة والتي قبلها: إذا كان اللفظ الجاري بينهما أحلتك بمئة على عمرو مثلًا، فأما إذا قال: أحلتك بالمئة التي لك علي بالمئة التي لي على عمرو .. فهذا لا يحتمل إلا حقيقة الحوالة، فالقول قول زيد بلا خلاف، كذا قاله الشيخان، ونوزعا في نفي الخلاف؛ فإن كلام (النهاية) يشير إلى إثباته.
فرع: لك على رجل دين فلما طالبته به .. قال: قد أحلتك به على زيد، وزيد غائب، فأنكرت .. صدقت بيمينك، فلو أقام بينة .. سمعت وسقطت مطالبتك عنه.
وفي ثبوت الحوالة في حق الغائب حتى لا يحتاج إلى إقامة بينة إذا قدم وجهان.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تتمة: أحال من عليه الزكاة الساعي .. جاز إن قلنا: الحوالة استيفاء، وإن قلنا: اعتياض .. فلا؛ لامتناع أخذ العوض عن الزكاة، كذا نقله الرافعي عن المتولي وأقره، وكأن صورة المسألة فيما إذا تلف النصاب بعد التمكن، فإن كان باقيًا .. فلا دين حتى يحال به؛ لأن الزكاة تجب في العين.


خاتمة جندي أجر إقطاعه وأحال ببعض الأجرة على المستأجر ثم مات؟ أجاب الشيخ بتبين بطلان الإجارة فيما بعد موته من المدة، وبطلان الحوالة فيما يقابله.
وتصح الإجارة في المدة التي قبل موت المؤجر، وتصح الحوالة بقدرها، ولا يرجع المحال عليه بما قبضه المحتال منه من ذلك، ويبرأ المحيل منه.


بَابُ الضَّمَانِ

باب الضمان

لفظه مأخوذ من التضمن، ومعناه تضمين الدين في ذمة من لا دين عليه مع بقائه في ذمة من هو عليه.
وادعى ابن الصباغ أنه مأخوذ من الضم، وأراد تفسير معناه دون اشتقاقه.
والضامن يسمى: الضمين والحميل والزعيم والكفيل والصبير.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿سلهم أيهم بذلك زعيم﴾.
وقوله: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ وكان حمل البعير معلومًا.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (الزعيم غارم) رواه أحمد [5/ 267] وأبو داوود [3565] والترمذي [1265] وقال: حسن صحيح.
وفي (الصحيحين) [خ2291 - م1619]: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة فقال: (هل ترك شيئًا؟ قالوا: لا، قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلوا على صاحبكم) قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه

فصل

ى عليه).
قال جابر رضي الله عنه: كان ذلك في ابتداء الإسلام وفي المال قلة، فلما فتح الله الفتوح .. قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من خلف .. مالًا .. فلورثته، ومن خلف كلًّا أو دينًا .. فكَلُّه إليَّ ودينه علي، فقيل: يا رسول الله؛

شَرْطُ الضَّامِنِ: الرُّشْدُ، وَضَمَانُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ كَشِرَائِهِ  وعلى كل إمام بعدك؟ قال: وعلى كل إمام بعدي) رواه الطبراني في (الكبير) [20/ 265]. قال: (شرط الضامن: الرشد) فلا يصح ضمان الصبي والمجنون والسفيه؛ لعدم رشدهم.
ومراده بـ (الرشد): إطلاق التصرف، سواء كان المضمون عنه حيًا أو ميتًا، أما الميت .. فلما تقدم، وأما الحي .. فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تحمل عن رجل عشرة دنانير) رواه الحاكم [2/ 10] وقال: على شرط الشيخين.
وذكر في (المحرر) مع هذا الشرط صحة العبارة، والمصنف رأى دخوله في الرشد .. فلهذا حذفه.
نعم؛ يرد عليه المكره والمكاتب؛ فإن ضمانهما لا يصح وهما رشيدان، وكذا المبذر بعد بلوغه رشيدًا ولم يحجر الحاكم عليه يصح ضمانه وغيره من التصرفات وليس برشيد.
وصرح المصنف والرافعي في (كتاب الصيام) بأن الرشد يطلق على الصبيان، فاقتضى ذلك دخولهم في عبارته ههنا وليس مرادًا، فلو ضمن وقال: كنت يوم الضمان صبيًا أو مجنونًا .. قبل ذلك بيمينه إن أمكن الصبا وعرف الجنون.
والفرق بينه وبين ما إذا زوج أمته ثم ادعى ذلك أن المصدق الزوج على الأصح: أن الأنكحة يحتاط فيها غالبًا، والظاهر: أنها تقع بشروطها.
وشملت عبارته المرأة فيصح ضمانها مزوجة كانت أو غيرها، ولا حاجة إلى إذن الزوج خلافًا لمالك.
قال: (وضمان محجور عليه بفلس كشرائه) فيكون صحيحًا كما تقدم في بابه، ويطالب به إذا أيسر بعد فك الحجر، وهذا يصح ضمانه وليس من أهل التبرع.

وَضَمَانُ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ عَيَّنَ لِلأَدَاءِ كَسْبَهُ أَوْ غَيْرَهُ .. قَضَى مِنْهُ ....

 واحترز عن المحجور عليه لسفه، فلا يصح ضمانه مطلقًا؛ لأنه تبرع.
قال: (وضمان عبد بغير إذن سيده باطل في الأصح) كنكاحه.
والثاني: يصح؛ لأنه لا ضرر فيه على السيد فكان كما لو أقر بإتلاف مال، وكما لو خالعت الأمة بمال في ذمتها بغير إذنه.
واختلف تصحيح الإمام في هذين الوجهين، فصحح في آخر (النهاية): أنه لا يصح، وفي (باب مداينة العبيد): الصحة.
وعلى الأصح: الفرق بين الضمان وخلع الأمة: أن الضمان لا ضرورة إليه والخلع قد تحتاج إليه الأمة لسوء معاشرة الزوج.
قال: (ويصح بإذنه)؛ لأن المنع كان لأجله وقد زال بإذنه، وهذا الإذن تمكين لا أمر، فلو أمره سيده بالضمان .. لم يلزمه الامتثال، بخلاف البيع وغيره من التصرفات فإنه يجب عليه امتثال أمر السيد فيها.
لكن يرد على المصنف: ما إذا ضمن العبد بالإذن مالًا على أجنبي لسيده .. فإنه لا يصح؛ لأن كسبه الذي يؤدي منه ملك للسيد، بخلاف ما إذا ضمن ما عليه بإذنه .. فإنه يصح.
قال: (فإن عين للأداء كسبه أو غيره .. قضى منه)؛ امتثالًا لأمره، لكن قوله: (أو غيره) يشمل مال التجارة والذي في يد المأذون، وإنما يصح تعيين السيد لذلك إذا لم يتعلق به حق غيره، فلو كان على المأذون ديون وعين ما في يده .. فأوجه: أصحها: يتعلق بما فضل عن ديونهم.
والثاني: لا يتعلق الضمان بما في يده؛ لأنه كالمرهون.
والثالث: يشارك المضمون له الغرماء كسائر الديون.
ومحل الأوجه: إذا لم يحجر عليه بطلب الغرماء، فإن حجر عليه .. لم يتعلق الضمان بما في يده جزمًا.

وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَاذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ .. تَعَلَّقَ بِمَا فِي يَدِهِ وَمَا يَكْسِبُهُ بَعْدَ الإِذْنِ، وَإِلَّا .. فَبِمَا يَكْسِبُهُ  قال: (وإلا) أي: وإن اقتصر على الإذن في الضمان للعبد ولم يعين له طريقًا (.. فالأصح: أنه إن كان مأذونًا له في التجارة .. تعلق بما في يده وما يكسبه بعد الإذن) سواء كان الكسب نادرًا أو معتادًا؛ لأنه عقد يقتضي الغرم صدر بإذن السيد فيتعلق غرمه بما ذكرناه قياسًا على النكاح.
والثاني: لا يتعلق برأس المال، بل بالربح الحاصل والمستقبل.
والثالث: بالمستقبل خاصة.
والرابع –وهو المصحح في (التنبيه) -: يكون في ذمته إلى أن يعتق؛ لأنه إنما أذن في الالتزام دون الأداء.
وعلى الأوجه كلها: لا يتعلق بذمة السيد، ولم يصرح الأصحاب باشتراط علم السيد بمقدار الدين الذي أذن لعبده في ضمانه، وهو محتمل في المأذون وغيره فالأشبه: اشتراط ذلك.
قال: (وإلا .. فبما يكسبه)؛ قياسًا على النكاح.
والثاني: يتعلق بالذمة؛ لأن الإذن في الالتزام يفيد الاستقلال دون الأداء كما تقدم، وقيل: يتعلق برقبته، وفي قول قديم: بذمة السيد كما قيل به في النكاح.
وقوله: (بما يكسبه) المراد: بعد الإذن كما صرح به الرافعي وغيره هنا، وهذا بخلاف الإذن في النكاح؛ فإن المؤن وغيرها تتعلق بالأكساب المتجددة بعد عقدة النكاح؛ لأن مؤن النكاح إنما تجب بالعقد، والدين ثابت قبل الضمان، وأيضًا الضمان غرامة محضة بخلاف النكاح فهو قريب من المعاملات.
فروع: أم الولد والمدبر كالقن في الضمان، وكذلك المبعض إذا لم تكن مهايأة، أو كانت وضمن في نوبة السيد، فإن ضمن في نوبته .. صح قطعًا، وجوز الرافعي أن يخرج

وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ مَعْرِفَةِ الْمَضْمُونِ لَهُ،  على الخلاف في دخوله في الأكساب النادرة.
والعبد الموقوف قال في (المطلب): ينبغي أن يجزم بعدم صحة ضمانه إذا قلنا بالمشهور: إنه لا يصح عتقه؛ لعدم فائدته.
والموصى بمنفعته دون رقبته أو عكسه يظهر: أنه كالقن، لكن هل المعتبر إذن مالك الرقبة أو المنفعة؟ فيه نظر.
وإذا أدى العبد في الرق .. فالرجوع لسيده، وإن أدى بعد عتقه .. فالرجوع للعبد في الأصح.
قال: (والأصح: اشتراط معرفة المضمون له)؛ لتفاوت الناس في الاستيفاء، والأغراض تختلف بذلك، فأشبه معرفة قدر الدين.
والثاني: لا يشترط؛ لظاهر الآية وحديث أبي قتادة رضي الله عنه، فإنه لم ينقل فيه العلم بمعرفة الغريم، والله أعلم.
حادثة: وقع في فتاوى المتأخرين: أن زيدًا عامل عمرًا بدين ضمنه خالد، ثم أقر زيد أن المال الذي عامل فيه كان لبكر، وتصرف فيه بطريق الوكالة فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام وجماعة ببطلان الضمان؛ لأنه بان أن الضامن لم يعرف المضمون له وقد ضمنه لزيد، وليس لزيد على عمرو شيء.
وأفتى ابن الصلاح ووافقه ابن الرفعة وعلماء عصره بالصحة، وقالوا: معرفة وكيل المضمون له كمعرفته، وقد عرف الوكيل فضمانه الدين لزيد أعم من أن يكون زيد مالكًا أو وكيلًا، والتعليل المذكور في معرفة المضمون له يأبى أن تكون معرفة الوكيل كمعرفة الموكل.

وَأَنَّهُ لَا يُشْترَطُ قَبُولُهُ وَرِضَاهُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَطْعًا،  قال: (وأنه لا يشترط قبوله ورضاه)؛ لما تقدم من عدم التعرض له في الحديث.
والثاني –وهو قول ابن سريج وصاحب (الإفصاح) وابن كج-: يشترط القبول؛ لأنه عقد وثيقة فاشترط ذلك فيه كالرهن.
والثالث: لا يشترط القبول بل الرضا؛ لأن الضمان تجدد له سلطنة، وتمليك الشخص شيئًا بغير رضاه بعيد.
وعلى هذا: فيكفي رضا الوكيل كما صرح به الماوردي.
ويجوز تقديم الرضا على الضمان، فإن تأخر عنه .. فهو إجارة إن جوزنا وقف العقود، وكذا نقله الرافعي عن الإمام وأقره.
وقال الماوردي: يجوز وقوعه بعده قبل مفارقة المجلس، وجوز رجوع الضامن قبل رضا المضمون له.
وعبر في (المحرر) بقوله: (ولا رضاه) بزيادة: (لا) ولابد منها؛ لأن المقصود نفي كل منهما، لا نفي الهيئة الاجتماعية.
قال: (ولا يشترط رضا المضمون عنه قطعًا)؛ للحديث السابق، ولأنه يجوز أداء دين الغير بغير إذنه فالتزامه أجوز، وما ادعاه من القطع تبع فيه (الشرح) و (الروضة) و (النهاية)، وليس كذلك، ففي (تعليق القاضي حسين) وجه: أنه يشترط رضاه، وإليه ذهب الجوري في (شرح المختصر) لكنه بعيد يرده الحديث الصحيح.
وعلم من عبارته أنه لا تشترط حياته ولا يساره أيضًا.
وقال أبو حنيفة: لا يصح ضمان الميت إلا إذا خلف وفاء، أو كان به ضامن، ووافقنا على أنه إذا ضمن عنه في حياته ثم مات معسرًا .. أن الضمان لا يبطل.

وَلَا مَعْرِفَتُهُ فِي الأَصَحِّ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَضْمُونِ: كَوْنُهُ ثَابِتًا وَصَحَّحَ الْقَدِيمُ ضَمَانَ مَا سَيَجِبُ  قال: (ولا معرفته في الأصح) كما لا يشترط رضاه.
والثاني: يشترط؛ ليعرف هل يستحق اصطناع المعروف أو لا، وصحح هذا الغزالي في (الخلاصة) تبعًا للشيخ أبي محمد.
قال: (ويشترط في المضمون: كونه ثابتًا) أي: حال الضمان، فلا يصح ضمان ما سيجب ببيع أو قرض، سواء جرى سبب وجوبه كنفقة الغد للمرأة أما لا؛ لأن الضمان توثقة بالحق فلا يسبق وجوب الحق كالشهادة.
وقوله: (ثابتًا) صفة لموصوف محذوف، أي: حقًا ثابتًا، فتدخل فيه الأعيان المضمونة والديون، سواء كانت مالًا أو عملًا ثابتًا في الذمة بعقد الإجارة، بخلاف الرهن؛ فإنه لا يصح على الأعيان كما تقدمت الإشارة إليه بقوله: (شرط المرهون به كونه دينًا ثابتًا لازمًا).
فجملة الشروط التي اعتبرها المصنف تبعًا للرافعي ثلاثة: أن يكون ثابتًا لازمًا معلومًا، واعتبر الغزالي رابعًا وهو: أن يكون قابلًا لأن يتبرع الإنسان به على غيره ليخرج به حد القصاص وحد القذف والأخذ بالشفعة.
والمراد: أن يكون ثابتًا باعتراف الضامن لا المضمون عنه، فلو قال شخص: لزيد على عمرو ألف وأنا ضامنه فأنكر عمرو .. فلزيد المطالبة في الأصح، قاله الرافعي في آخر (الإقرار بالنسب)، وسيأتي ذكره في (كتاب الصداق) في تتمة (فصل: نكحها بخمر).
قال: (وصحح القديم ضمان ما سيجب)؛ لأن الحاجة قد تمس إليه، وفي قول: إن جرى سبب وجوبه .. صح، وإلا .. فلا، وإذا جوزنا ضمان النفقة المستقبلة .. فلابد من تقديرها بمدة وأن تكون نفقة المعسرين.

وَالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ ضَمَانِ الدَّرَكِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ،  وقيل: يجوز ضمان [نفقة] الموسر والمتوسط لمن حاله كذلك، وصححه في (المطلب).
ويصح ضمان نفقة المدة الماضية للزوجة، سواء كانت نفقة الموسرين أو المعسرين، وكذا ضمان الكسوة والإدام ونفقة الخادم ونفقة اليوم، وفي نفقة اليوم وجه: أنه لا يصح كالثمن في زمن الخيار، وهذا يظهر على القول بأن النشوز في أثناء اليوم يسقط نفقة جميعه.
ولا يجوز ضمان نفقة القريب مدة مستقبلة، وفي نفقة يومه وجهان: أرجحهما عند الشيخ: عدم الصحة؛ لأن سبيلها سبيل البر والصلة.
قال: (والمذهب: صحة ضمان الدرك)؛ لأن الحاجة تدعو إلى معاملة من لا يعرف، ويخاف عدم الظفر به لو ظهر الاستحقاق فاحتيج إلى التوثق، وبهذا قال الأئمة الثلاثة، وخرج ابن سريج قولًا: إنه لا يصح؛ لأنه ضمان ما لم يجب.
وجوابه: أنا نشترط في صحته قبض الثمن كما سيأتي، وقطع بعضهم بالمنصوص؛ فلذلك عبر المصنف عنه بـ (المذهب).
و (الدرك) بفتح الدال وبفتح الراء وإسكانها: التبعة، سميت بذلك؛ لالتزام الغرامة عند إدراك المستحق عين ماله، ويسمى أيضًا: ضمان العهدة، وهي الصك الذي يكتب فيه الثمن، والفقهاء يعبرون به عن الثمن.
قال: (بعد قبض الثمن)؛ لأن الضامن إنما يضمن ما دخل في ضمان البائع، والثمن لا يدخل في ضمانه إلا بالقبض.
وقيل: يصح قبل القبض؛ لأن المشتري قد لا يثق بتسليم الثمن إلا بعد التوثق.
ومحله بالاتفاق إذا علم الضامن قدر الثمن، فلو جهله .. قال المتولي: يتخرج على بيع السلعة برقمها.

وَهُوَ: أَنْ يَضْمَنَ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إِنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا أَوْ نَاقِصًا لِنَقْصِ الصَّنْجَةِ  تنبيه: ظاهر إطلاق المصنف وغيره: أن المراد القبض الحقيقي، فلو أحال بالثمن أو صالح عنه .. لم يكف وإن جعلنا الحوالة استيفاء؛ لأن ذلك ليس بقبض حقيقي، ولو قبضه في المجلس .. لم يكف أيضًا كما تقدم في (السلم)، وكذلك لو أبرأه منه، فقد صرح الماوردي في (باب الربا) بأن أحد العوضين لو كان دينًا وأبرأه منه .. لم يكف، وعلله بعدم الاستقرار.
وفي (فتاوى البغوي): إذا أثبت دينًا على غائب، وللغائب دار فأمر القاضي ببيعها من المدعي بالدين، فباع وضمن البائع أو غيره للمدعي الدين، إن خرجت مستحقة .. لا يصح؛ لعدم القبض، وعلى قياسه لو باعها صاحبها بالدين المذكور وضمن دركه .. لا يصح.
قال: (وهو: أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقًا) فيقول: ضمنت لك عهدته أو دركه أو خلاصك منه، فلو قال: خلاص المبيع .. لم يصح؛ لأنه لا يستقل بخلاصه بعد ظهور الاستحقاق، ولو ضمن عهدته إن أخذ المبيع بالشفعة لأجل بيع سابق .. صح.
قال في (المطلب): والمضمون في هذا الفصل ليس هو رد العين، وإلا .. كان يلزم أن لا تجب قيمته عند التلف بل المضمون إنما هو ماليته عند تعذر رده، حتى لو بان الاستحقاق والثمن في يد البائع .. لا يطالب الضامن بقيمته.
قال: (أو معيبًا) فيضمن رد الثمن إن خرج المبيع معيبًا، ورده للحاجة إليه.
قال: (أو ناقصًا لنقص الصنجة)؛ للاحتياج إلى ذلك أيضًا.
وصورة المسألة: أن يبيع شيئًا بشرط أن وزنه كذا، فإذا خرج دونه .. بطل البيع على قول، ويثبت للمشتري الخيار في قول آخر كما تقدم في بابه، على أن ضمان

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العهدة قد يكون للبائع أيضًا، بأن يخرج الثمن المعين مستحقًا أو ناقصًا ونحو ذلك.
وقوله: (لنقص الصنجة) كتبه المصنف بخطه بـ (اللام) أي: بأن جاء المشتري بصنجة وزن بها، فاتهمه البائع فيها، فضمن شخص نقصها إن نقصت؛ فإنه يصح، ويقع في بعض النسخ بـ (الكاف)، وهي أعم من اللام.
و (الصنجة) بفتح الصاد: فارسية معربة، والجمع: صنج، ويقال: سنجة –بالسين- خلافًا لابن السكيت.
تنبيه: قال الشيخ: قال الأصحاب في (كتاب البيع): إن ما وجب بكيل أو وزن لا يصح قبضه جزافًا، ومتى قبضه بكيل أو وزن وادعى بعد ذلك أنه أنقص من حقه نقصًا كثيرًا .. لم يقبل قوله في الأصح، وههنا قالوا: يقبل، وما قالوه في البيع محمول على ما إذا قبض بكيل أو وزن معروف لهما، وههنا قبض بصنجة المشتري، والبائع جاهل بها ولكن اعتمد عليه فهل نقول: إن القبض صحيح اعتمادًا على تصديقه ظاهرًا؟ أو نقول: فاسد حتى لا يجوز له التصرف فيما قبضه في الأصح كما إذا قبضه جزافًا؟ لم أر فيه نقلًا، والاقرب: أنه صحيح؛ اعتمادًا على ظن الصدق، ولكن يقبل قوله؛ لعدم حصول الموافقة على الصنجة.
فروع: الأول: إذا عين الضامن في ضمانه جهة كخروجه مستحقًا .. لم يطالب بجهة أخرى كالرد بالعيب، وإن أطلق ضمان العهدة أو الدرك .. طولب عند خروجه مغصوبًا أو مستحقًا بشفعة، فلو بان الفساد بشرط أو غيره أو خرج المبيع معيبًا فرده .. فوجهان لم يصحح الرافعي في (الكبير) منهما شيئًا، وأقربهما في (الشرح الصغير)

وَكَوْنُهُ لَازِمًا، لَا كَنُجُومِ كِتَابَةٍ.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الأَصَحِّ.

 وزوائد (الروضة): عدم المطالبة، وأجاب في (الحاوي الصغير) بالمطالبة.
الثاني: في صحة ضمان الدرك للمستأجر وجهان حكاهما الرافعي في آخر بابها، وجزم الشيخ بأن ضمان الدرك في الإجارة كهو في البيع.
الثالث: قال ابن القطان: إذا عقد البيع وكتب في شرطه، وأن على البائع إن استحق المبيع غرم ما يحدثه المشتري من بناء وغراس .. فالشرط فاسد؛ لأنه ضمان مجهول، والحيلة لمن أراد ذلك أن يكتب في الصك: ثم بعد تمام العقد وتفرقهما عن تراض ضمن فلان بن فلان لفلان بن فلان –إن خرج المبيع مستحقًا- أرشَ ما يحدثه من بناء أو غراس.
قال: (وكونه لازمًا) أي: حالًا ومآلًا؛ لأنه وثيقة يستوفى منها الحق فصحت في كل دين لازم وإن لم يكن مستقرًا كالرهن.
والمراد بـ (اللازم): ما يلزم من هو عليه أداؤه عند طلب مستحقه.
قال: (لا كنجوم كتابة) كما لا يصح الرهن بها، وقيل: يصح، وهو مخرج من الخلاف في ضمان ما لم يجب وجرى سبب وجوبه، أما ضمان ما على المكاتب من دين لغير سيده .. فإنه يصح.
قال: (ويصح ضمان الثمن في مدة الخيار في الأصح)؛ لأنه آيل إلى اللزوم فألحق به.
والثاني: لا؛ لعدم اللزوم في الحال.
وقال المتولي: الخلاف مفروض فيما إذا كان الخيار للمشتري، أو لهما، فإن كان للبائع وحده .. صح ضمانه بلا خلاف؛ للزومه في حق من عليه.

وَضَمَانُ الْجُعْلِ كَالرَّهْنِ بِهِ.
وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا فِي الْجَدِيدِ.
وَالإِبْرَاءُ مِنَ الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ فِي الْجَدِيدِ  قال: (وضمان الجعل) في الجديد (كالرهن به)؛ لأن كلًّا منهما للتوثق، وتقدم أنه يصح بعد الفراغ لا قبله، وعبر بـ (الجديد)؛ لأن القديم يصحح ضمان ما لم يجب ولا جرى سبب وجوبه فهذا أولى.
وضمان مال المسابقة إن جعلناها إجارة .. صح، وإلا .. فكالجعل.
قال: (وكونه معلومًا في الجديد)؛ لأنه إثبات مال في الذمة بعقد فأشبه البيع والإجارة، فيشترط العلم بالجنس والقدر والصفة.
والقديم: لا يشترط؛ لأن معرفته متيسرة.
ومحل الخلاف في مجهول تمكن الإحاطة به مثل: أنا ضامن لثمن ما بعت من زيد، كما مثل به في (المحرر) فإن قال: لشيء منه .. بطل جزمًا، ولو قال: لثمن ما ستبيعه .. بطل على الجديد؛ للجهالة وعدم الاستقرار.
وإذا شرطنا العلم فوكل .. ففي اشتراط علم الوكيل أيضًا وجهان: أشبههما في (الرافعي): لا يشترط، وقال في (الكفاية): الجمهور على اشتراطه، والأصح في (الشرح) و (الروضة): أنه لا يشترط القبول، وفي (باب الهبة) من (المطلب): المنصوص اشتراطه.
قال: (والإبراء من المجهول باطل في الجديد) سواء في ذلك مجهول العين والقدر والصفة؛ لأن البراءة متوقفة على الرضا، والرضا بالمجهول غير معقول؛ لأنه تمليك.
والقديم: يصح؛ لأنه إسقاط، فأشبه ما إذا قطع عبد عضوًا من عبد فعفا السيد عن القصاص وهو لا يعلم عين المقطوع .. فإنه يصح، والمصحح في (الشرح) و (الروضة): أن الإبراء تمليك، وفي (الصغير): أنه إسقاط.

إِلَّا مِنْ إِبِلِ الدِّيَةِ،  وقال في زوائد (الروضة) في (الرجعة): المختار: أنه لا يطلق ترجيح واحد من القولين، وإنما يختلف الراجح بحسب المسائل؛ لظهور دليل أحد الطرفين.
فروع: لفظ الترك صريح في الإبراء كما صرح به الروياني، ولو قال: أبرأتك من الدين شهرًا، إن قلنا: إسقاط .. صح، وإن قلنا: تمليك .. فوجهان.
ولو قال: إذا جاء رأس الشهر فقد أبرأتك .. لم يصح جزمًا.
ولو قال: أبرأتك من درهم إلى ألف .. فوجهان، وقيل: قولان: المنصوص منهما في (البويطي): الصحة، وسيأتي قريبًا نظير ذلك من الضمان.
وإذا قال المغتاب لمن اغتابه: اجعلني في حل وهو لا يدري ما اغتابه به فوجهان: أحدهما: يصح؛ لأنه محض إسقاط.
والأصح في (الأذكار): لا يكفي؛ لأن المقصود رضاه ولا يمكن الرضا بالمجهول، لكن أفتى الحناطي بأن الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب .. يكفي فيها الندم والاستغفار، وأنه لو قال: أبرأتك في الدنيا دون الآخرة .. برئ في الدنيا والآخرة، لأن من برئ في الدنيا برئ في الآخرة.
وقوله له: أنت في حل من كذا هل هو صريح في البراءة أو كناية؟ فيه وجهان.
قال: (إلا من إبل الدية) فتصح البراءة منها وإن كانت مجهولة اللون والصفة؛ لأنها تثبت في ذمة الجاني مع اغتفار هذه الجهالة فكذا هنا.

وَيَصِحُّ ضَمَانُهَا فِي الأًصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ مِمَّا لَكَ عَلَى زَيْدٍ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ .. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَأَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِعَشَرَةٍ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ: لِتِسْعَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ  قال: (ويصح ضمانها في الأصح) قياسًا على الإبراء، ولأنها معلومة السن والعدد، والمرجع في صفتها ولونها إلى غالب إبل البلد.
والثاني: لا، لأن الإبراء مطلوب مأمور به فسومح فيه، بخلاف الضمان.
ولا يجوز ضمان الدية على العاقلة قبل تمام السنة؛ لعدم ثبوتها.
قال: (ولو قال: ضمن مما لك على زيد من درهم إلى عشرة .. فالأصح: صحته)؛ لانتفاء الضرر بذكر الغاية.
والثاني: لا يصح؛ لجهالة المقدار، فإنه متردد بين الدرهم والعشرة، وهذا الوجه أقيس عند الغزالي، وأصح عند البغوي والروياني.
قال: (وأنه يكون ضامنًا لعشرة) أي: إذا كانت عليه أو أكثر منها؛ إدخالًا للطرفين.
قال: (قلت: الأصح: لتسعة والله أعلم)؛ إدخالًا للطرف الأول، وهذا الذي صححه المصنف في نظيره من الإقرار كما سيأتي.
وقيل: يكون ضامنًا لثمانية؛ إخراجًا للطرفين، كما لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار .. فإنهما لا يدخلان في البيع، واختار الشيخ موافقة صاحب (التهذيب) في لزوم عشرة في الضمان والإقرار، وكأنه قال: له علي دراهم من درهم إلى عشرة.
والغاية إذا كانت بيانًا لما قبلها دخل طرفاها كما تقول: قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته، وغسلت يدي من رؤوس الأصابع إلى الإبط، وهذا معنى قولهم: إذا كان من جنس المغيا .. دخلت.

فَصْلٌ: الْمَذْهَبُ: صِحَّةُ كَفَالَةِ الْبَدَنِ،  تتمة: قال رجلان: ضمنا ما لك على زيد، فهل يطالب كل منهما بجميع الدين أو بنصفه؟ فيه وجهان: أصحهما عند المتولي: بالجميع، كما لو قالا: رهنا عبدنا على ألف يكون نصف كل منهما رهنًا بجميع الألف، وبهذا أفتى الشيخ رحمه الله وفقهاء عصره؛ لأن الضمان وثيقة كالرهن، ولأنه لو كفل رجلان رجلًا في وقت واحد، أو في وقتين فسلمه أحدهما قال المزني: يبرأ صاحبه، وقال ابن سريج والأكثرون: لا يبرأ وهو الأصح؛ لأن كلًّا منهما التزم بإحضار وحده فعليهما إحضاران.
وقال الماوردي والبندنيجي والروياني: إن كلًّا منهما يطالب بنصف الألف، كما لو قالا: اشترينا هذا بألف، ولعل هذا أحد الوجهين اللذين حكاهما المتولي.
فإن قيل: إذا قال: ألق متاعك في البحر وأنا وركبان السفينة ضامنون وأطلق .. حمل على التقسيط ولزمه ما يخصه فقط .. فلم لا كان هنا كذلك؟ فالجواب: أن هذا ليس بضمان حقيقة، وإنما هو استدعاء إتلاف مال لمصلحة، كما سيأتي في موجبات الدية والعاقلة والكفارة.
قال: (

فصل

: المذهب: صحة كفالة البدن) وهي نوع من الضمان؛ إذ المضمون ينقسم إلى حق في الذمة وإلى عين، وتساهل الغزالي في جعله هذا ركنًا في الضمان.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وإلى صحتها ذهب الأئمة الثلاثة وكافة العملاء مستدلين بقوله تعالى: ﴿فخذ أحدنا مكانه﴾ أي: كفيلًا عنه ببدنه.
وبما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، قال: ائتني بالشهود أشهدهم عليك، قال: كفى بالله شهيدًا، قال: فأتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا ...) الحديث.
وروى البيهقي [8/ 206]: أن ابن مسعود رضي الله عنه لما ضرب عنق ابن النواحة حيث أذن في مسجده فقال: أشهد أن مسيلمة رسول الله .. شاور الصحابة في بقية من كان في المسجد حين الأذان، فقال عدي بن حاتم: ثؤلول كفر قد أطلع رأسه فاحسمه، وقال غيره: استتبهم، فإن تابوا .. كفلهم عشائرهم، وإلا .. قتلوا، فتابوا فكفلهم عشائرهم.
ورواه البخاري في الترجمة بلا إسناد، وهذا يدل على إجماعهم على صحتها.
ولأن بالناس حاجة إليها كما في كفالة المال، وتسمى أيضًا: كفالة الوجه، وملخص ما فيها في المذهب طريقان: أصحهما: قولان: الأصح: الصحة.
والثاني: عدمها كالكفالة ببدن الشاهد والزوجة، ولأن المكفول به لا يجب عليه تسليم نفسه، وإنما يلزمه الخروج مما عليه من الحق، وهذا هو القياس.
وعلى هذا حمل قول الشافعي رضي الله عنه: كفالة البدن ضعيفة، أراد من جهة القياس؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد، ولأنها ضمان ما لا يقدر على تسليمه والجواب عن أثر ابن مسعود رضي الله عنه: أنه وقع بعد التوبة، ثم هو ضمان من عليه حد لله تعالى والخصم يسلِّم عدمَ صحة ضمانه، وإلى هذا ذهب القفال والجرجاني

فَإِنْ كَفَلَ بَدَنَ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ .. لَمْ يُشْتَرَطِ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِمَّا يَصِحُّ ضَمَانُهُ.
وَالْمَذْهَبُ: صَحَّتُهَا بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ لِآدَمِيٍّ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَمَنْعُهَا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى.
وَتَصِحُّ بِبَدَنِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ ...

 مستدلين بقوله تعالى: ﴿معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا عنده﴾.
قال: (فإن كفل بدن من عليه مال .. لم يشترط العلم بقدره)؛ لأن تكفل بالبدن لا بالمال.
وقيل: يشترط؛ بناء على أنه لو مات .. غرم الكفيل ما عليه.
قال: (ويشترط كونه مما يصح ضمانه) فلا يصح ببدن المكاتب للنجوم التي عليه؛ لأنه لو ضمن النجوم .. لم يصح.
قال: (والمذهب: صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف)؛ لأنه حق لازم فأشبه المال، وفي قول: لا؛ لأن العقوبات مبنية على الدرء، هذه الطريقة الصحيحة.
والثانية: القطع بالصحة.
والثالثة: القطع بعدمها.
قال: (ومنعها في حدود الله تعالى) كحد السرقة والخمر والزنا؛ للأمر بسترها والسعي في إسقاطها ما أمكن.
وقيل: تصح؛ قياسًا على حقوق الآدميين، والأشهر هنا: طريقة القطع بالمنع، وادعى القاضي أبو الطيب الإجماع عليها.
والثانية: طرد القولين, والخلاف كالخلاف في ثبوت العقوبات بالشهادة على الشهادة وكتاب القاضي.
وتعبيره أولًا بـ (الحقوق) وثانيًا بـ (الحدود) موافق لتعبير (الروضة) و (أصلها)، والأول يشمل التعزير بخلاف الثاني.
قال: (وتصح ببدن صبي ومجنون) أي: بإذن وليهما؛ لأنه قد يستحق

وَمَحْبُوسٍ وَغَائِبٍ وَمَيِّتٍ لِيُحْضِرَهُ فَيُشْهَدَ عَلَى صُورَتِهِ  إحضارهما لإقامة البينة على صورتهما في الإتلافات وغيرها إذا لم يعرف الشهود اسمهما ولا نسبهما.
وقال الماوردي: لا يصح التكفل ببدنهما وإن أذن الولي، ثم إذا صححناها بإذن الولي فزال الحجر .. بطلت مطالبته.
والظاهر: أن المعتبر في كفالة بدن السفيه إذن وليه لا إذنه، ويحتمل غيره.
قال: (ومحبوس وغائب)؛ لأن حصول المقصود متوقع فكان كضمان المعسر بالمال، ومنعه أبو حنيفة؛ لتعذر الحصول في الحال.
وعلى المذهب: لابد في الغائب من اشتراط الإذن، ولا فرق فيه بين أن يكون في موضع يلزم الحضور منه إلى مجلس الحكم أو لا، حتى لو أذن ثم انتقل بعد ذلك إلى بلد بها حاكم، أو إلى ما فوق مسافة العدوى فوقعت الكفالة بعد ذلك .. صحت ووجب عليه الحضور معه؛ لأجل إذنه له في ذلك.
قال: (وميت ليحضره فيشهد على صورته)؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك إذا شهد عليه من لا يعرف نسبه، ومحل ذلك قبل الدفن، فإن دفن .. لم تصح الكفالة جزمًا وإليه أشار بقوله: (ليحضره).
وإذا شرطنا في كفالة الحي الإذن .. فههنا يشترط إذن الوارث، ويشترط تعيين المكفول ببدنه، فلو قال: تكفلت ببدن أحد هذين .. لم يصح.
وضابط من تصح الكفالة ببدنه: كل من وجب عليه حضور مجلس الحكم عند

ثُمَّ إِنْ عَيَّنَ مَكَانَ التَّسْلِيمِ .. تَعَيَّنَ، وَإِلَّا .. فَمَكَانُهَا.
وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِهِ فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ بِلَا حَائِلٍ كَمُتَغَلِّبٍ  الطلب لحق الآدمي، أو وجب على غيره إحضاره، فتصح ببدن الكفيل والأجير المعين، وببدن من ادعى عليه فأنكر وانصرف قبل الحلف، وكذلك ببدن العبد الآبق لمولاه ويلزم الكفيل السعي في إحضاره، وببدن المرأة لزوجها، أو لمن يدعي زوجيتها، والمودع ونحوه؛ لأنه يجب عليهما الحضور إذا طلبا لتمكن المرأة من نفسها والمودع من الوديعة ومن عليه حق مالي لله تعالى.
قال: (ثم إن عين مكان التسليم) أي: وكان صالحًا (.. تعين، وإلا .. فمكانها) أي: مكان الكفالة؛ لأن العرف قاض بذلك.
فإن قيل: تقدم في (باب السلم) أن السلم الحال لا يشترط فيه بيان الموضع بلا خلاف، والأصح في المؤجل: أنه لابد من بيان الموضع إذا كان لا يصلح للتسليم، أو يصلح ولكن لنقله مؤنة فما الفرق؟ فالجواب: أن وضع السلم التأجيل، ووضع الضمان الحلول، وسيأتي أنه لا يصح تأقيت الكفالة، وذاك عقد معاوضة وهذا باب غرامة فافترقا.
قال: (ويبرأ الكفيل بتسليمه في مكان التسليم)؛ لقيامه بما وجب عليه، سواء طالبه به المكفول له أم لا، فلو أحضره في غير مكان التسليم .. لم يجب قبوله، لكن يجوز ويبرأ به إذا رضي المكفول له.
قال: (بلا حائل كمتغلب) وكذلك الحبس بغير حق لعدم التمكن، بخلاف حبس الحاكم بالحق؛ فإنه لا يمنع صحة التسليم لإمكان إحضاره ومطالبته، فلو أتى به في غير ذلك المكان .. فللمكفول له أن يمتنع إن كان له فيه غرض بأن كان في غير مجلس الحكم، أو في مكان لا يجد فيه من يعينه على خصمه، فإن لم يختلف الغرض .. لزمه قبوله، فإن امتنع .. رفعه إلى الحاكم ليتسلمه عنه، فإن لم يكن حاكم .. أشهد شاهدين أنه سلم إليه.

وَبِأَنْ يَحْضُرَ الْمَكْفُولُ وَيَقُولَ: سَلَّمْتُ نَفْسِي عَنْ جِهَةِ الْكَفِيلِ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ حُضُورِهِ.
فَإِنْ غَابَ .. لَمْ يَلْزَمِ الْكَفِيلَ إِحْضَارُهُ إِنْ جَهِلَ مَكَانَهُ، وَإِلَّا .. فَيَلْزَمُهُ، وَيُمْهَلُ مُدَّهَ ذَهَابٍ وَإِيَابٍ،  قال: (وبأن يحضر المكفول ويقول: سلمت نفسي عن جهة الكفيل) كما يبرأ الضامن بأداء الأصيل، وتسليم الأجنبي بإذن الكفيل كتسليمه وبدون إذنه لا يلزمه قبوله، فإن قبل .. برئ، وتسليم الولي كتسليم الكفيل.
وإطلاق المصنف يقتضي: أن الصبي والمجنون إذا سلما أنفسهما عن جهة الكفالة .. كفى، وفيه نظر؛ إذ لا حكم لقولهما، والظاهر أنه إن قبل .. حصل التسليم، وإلا .. فلا.
قال: (ولا يكفي مجرد حضوره) بل لابد أن يقول: سلمت نفسي عن جهة الكفيل؛ إذ لا تسليم من الكفيل ولا ممن ينوب عنه، حتى لو ظفر به خصمه في مجلس حاكم فادعى عليه بتلك الخصومة .. لم يبرأ الكفيل، قاله القاضي حسين.
ولو تكفل برجل لرجلين فسلمه إلى أحدهما .. لم يبرأ عن حق الآخر.
قال: (فإن غاب .. لم يلزم الكفيل إحضاره إن جهل مكانه)؛ لعدم إمكانه فكان كالمعسر بالدين، وقال الجوري: يحبس، وهو شاذ.
قال: (وإلا) أي: وإن عرف مكانه والطريق آمن ولم يذهب إلى قوم يمنعونه (.. فيلزمه)؛ لإمكانه، ومؤنة الإحضار عليه.
قال: (ويمهل مدة ذهاب وإياب) أي: على العادة وإن بعدت المسافة؛ لأنه الممكن، وقال القاضي حسين: لا يمهل.
فإن كان قد ارتد والتحق بدار الحرب ولم يمكن إحضاره .. لم يجب، وإن أمكن .. وجب إحضاره منها.
وإن حبس في بلد آخر .. لزمه أن يخرج إليه ويقضي ما عليه، وإن حبس في البلد

فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يُحْضِرْهُ .. حُبِسَ، وَقِيلَ: إِنْ غَابَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ إِحْضَارُهُ.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَدُفِنَ .. لَا يُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالْمَالِ،  الذي يجب تسليمه فيها في حبس القاضي .. لم يلزمه إلا أن يحضر مجلس الحكم مع الكفيل، والحاكم مخير إن شاء أحضره إلى مجلس الحكم وسلمه ثم أعاده إلى الحبس، وإن شاء وجهه إلى الحبس ليسلمه فيه.
قال: (فإن مضت) أي: مدة ذهابه وإيابه (ولم يحضره .. حبس)؛ لتقصيره فيما وجب عليه.
وفي (سنن البيهقي): أن رجلًا خاصم ابنًا لشريح إلى شريح كفل له رجلًا عليه دين، فحبسه شريح، فلما كان الليل .. أرسل إليه بفراش وطعام.
وإذا حبس .. سعى في تحصيله بالوكيل، ويدام حبسه إلى أن يتعذر إحضاره بموت ونحوه.
وإذا أدى الدين ثم حضر المكفول .. فالظاهر: أن له استرداده.
قال: (وقيل: إن غاب إلى مسافة القصر .. لم يلزمه إحضاره) كما لو غاب الولي أو شاهد الأصل إلى هذه المسافة .. فإنها كالغيبة المنقطعة، ولا فرق بين أن تطرأ الغيبة أو يكون وقت الكفالة غائبًا.
قال: (والأصح: أنه إذا مات ودفن .. لا يطالب الكفيل بالمال)؛ لأنه لم يلتزمه.
والثاني –وبه قال مالك- يطالب؛ لأنه وثيقة كالرهن.
وعلى هذا: هل يطالب بالدين أو بالأقل منه ومن دية المكفول؟ فيه وجهان: المختار منهما في (الروضة): المطالبة بالدين، والوجهان يجريان في هربه وتواريه.
وإطلاق المصنف يقتضي: أنه لا فرق على الوجهين بين أن يخلف المكفول وفاء

وَأَنَّهُ لَوْ شُرِطَ مَعَ الْكَفَالَةِ أَنْ يَغْرَمَ الْمَالَ إِنْ فَاتَ التَّسْلِيمُ .. بَطَلَتْ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ رِضَا الْمَكْفُولِ .....

 أم لا، قال الشيخ: وظاهر كلامهم: اختصاصه بما إذا لم يخلف.
واحترز بقوله: (دفن) عما إذا لم يدفن واحتيج إلى إحضاره لإقامة البينة على عينه .. فالأصح: أن عليه إحضاره لإقامتها.
واحترز بقوله: (بالمال) عما إذا تكفل ببدن من عليه عقوبة ومات .. فإنه لا يطالب بها، وكذلك إذا تكفل ببدن عبد ومات .. لا شيء عليه، وكذلك لو كان المكفول زوجة الكافل.
قال: (وأنه لو شرط مع الكفالة أن يغرم المال إن فات التسليم .. بطلت)؛ لأنه خلاف مقتضاها.
وقيل: يصح؛ بناء على أنه يغرم عند الإطلاق.
والثالث: تصح الكفالة ويبطل شرط المال، كما سبق في (القرض) أنه إذا شرط أن يرد مكسرًا عن صحيح، أو أن يقرضه غيره .. بطل الشرط، ولا يبطل القرض على الأظهر؛ لأنه زاد خيرًا فلم يفسد العقد.
قال: (وأنها) أي: كفالة البدن (لا تصح بغير رضا المكفول)؛ لأنه لا ولاية للكفيل عليه حتى تلزمه إجابته.
والثاني: تصح، قاله ابن سريج؛ بناء على قوله: إنه يغرم عند العجز.
وأما المكفول له .. فلا يشترط رضاه على الصحيح، كما في ضمان المال.
تتمة: تكفل ببدن الكفيل كفيل ثم كفيل وكذلك من غير حصر .. جاز؛ قياسًا على ضمان المال، ثم إذا برئ الأصيل .. برئ الجميع، وإذا برئ الكفيل الأول .. برئ من بعده، وإن برئ الأخير .. لا يبرأ من قبله.
ولو مات المكفول له .. بقي الحق لوارثه في الأصح، وقيل: تبطل.

فَصْلٌ: يُشْتَرَطُ فِي الضَّمَانِ والْكَفَالَةِ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالالْتِزَامِ كَضَمِنْتُ دَيْنَكَ عَلَيْهِ، أَوْ تَحَمَّلْتُهُ، أَوْ تقَلَّدْتُهُ، أَوْ تَكَفَّلْتُ بِبَدَنِهِ، أَوْ أَنَا بِالْمَالِ، أَوْ بِإِحْضَارِ الشَّخْصِ ضَامِنٌ، أَوْ كَفِيلٌ، أَوْ زَعِيمٌ، أَوْ حَمِيلٌ.
وَلَوْ قَالَ: أُؤَدِّي الْمَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ .. فَهُوَ وَعْدٌ  قال: (

فصل

: يشترط في الضمان والكفالة لفظ يشعر بالالتزام)؛ لأن الرضا القلبي لا يعرف إلا بذلك، لكن تعبيره بـ (اللفظ) يخرج الخط والإشارة من الأخرس، مع أن الضمان ينعقد بهما.
قال: (كضمنت دينك عليه، أو تحملته)؛ لاشتهارهما على ألسنة حملة الشرع، وكذلك ضمنت لك كذا.
قال: (أو تقلدته)؛ لأنها في معنى ذلك.
قال: (أو تكفلت ببدنه)؛ لدلالتها على المقصود، وحكم الجزء الشائع كالثلث ونحوه والجزء الذي لا يعيش الشخص بدونه كالوجه والكبد .. حكم جميع البدن كما قاله صاحب (التنبيه) وأقره المصنف عليه، ولا ترجيح في ذلك في (الشرح) و (الروضة)، ولو تكفل بشعره .. لم يصح.
قال: (أو أنا بالمال أو بإحضاره الشخص ضامن، أو كفيل)؛ لما تقدم.
قال: (أو زعيم)؛ لثبوتها في الكتاب والسنة.
قال: (أو حميل) من الحمالة وكذا قبيل على الأصح، وكذلك: أنه به صبير.
وفي قوله: دين فلان علي وجهان: أقواهما: أنه ليس بصريح.
قال: (ولو قال: أؤدي المال أو أحضر الشخص .. فهو وعد)؛ لأن صيغته لا تشعر بالالتزام.

وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُمَا بِشَرْطٍ، وَلَا تَوْقِيتُ الْكَفَالَةِ، وَلَوْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ تَاخِيرَ الإِحْضَارِ شَهْرًا .. جَازَ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا،  قال: في (المطلب) هذا إذا خلا عن القرينة، فإن اقترن بما يشعر بالالتزام .. فينبغي أن يصح.
قال: (والأصح: أنه لا يصح تعليقهما بشرط) أي: كفالة المال والبدن؛ لأنهما عقدان فلا يقبلان التعليق كالبيع، وجوز ابن سريج ذلك؛ لأن القبول لا يشترط فيهما فجاز تعليقهما كالطلاق والعتاق.
والخلاف في كفالة البدن مرتب على الخلاف في كفالة المال.
قال: (ولا توقيت الكفالة) قياسًا على الضمان.
والثاني: يصح؛ لأنه قد يكون له غرض في تسليمه في مدة معينة، بخلاف المال؛ فإن المقصود أداؤه.
قال: (ولو نجزها وشرط تأخير الإحضار شهرًا .. جاز)؛ لأنه التزم لعمل في الذمة فجاز مؤجلًا قياسًا على العمل في الإجارة، وفيه وقفة للإمام جعلها في (الوسيط) وجهًا، وكذا في (الشرح الصغير).
وصورة المسألة أن يقول: ضمنت إحضاره بعد شهر، وهو كنظيره من الوكالة، فلو أحضره قبله فامتنع .. فهو كإحضاره في غير مكانه.
قال: (وأنه يصح ضمان الحالِّ مؤجلًا أجلًا معلومًا)؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك.
والثاني: يفسد الضمان؛ لمخالفة الملتزم ما على الأصيل.
والثالث: يصح الضمان ويبطل التأجيل، والزيادة في الأجل بمثابة أصل التأجيل فتأتي فيه الأوجه، والذي صححه المصنف هو الأصح، ووقع في (المحرر) تصحيح أنه لا يصح، ولك أن تقول: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا رهن على دين حال وشرط

وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ.
وَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالأَصِيلِ، .....

 في الرهن أجلًا؛ فإنه لا يصح ولا عكسه كما صرح به الماوردي، والضمان والرهن كلاهما وثيقة؟ قال: (وأنه يصح ضمان المؤجل حالًّا)؛ لأنه تبرع بالتزام التعجيل فصح كأصل الضمان.
والثاني: لا؛ للمخالفة وصححه الروياني.
وعلى الأصح: لو أطلق الضمان .. ثبت مؤجلًا على الصحيح.
قال: (وأنه لا يلزمه التعجيل) كما لو كان عليه دين مؤجل فالتزم تعجيله.
والثاني: يلزمه ما التزم؛ لأنه صفة لتبرع لازم فكان كما لو نذر عتق عبد مؤمن أو سليم من العيوب ونحو ذلك، ولا خلاف أن الدين على الأصيل لا يتغير.
قال: (وللمستحق مطالبة الضامن والأصيل) أما الضامن .. فلقوله صلى الله عليه وسلم: (الزعيم غارم) وأما الأصيل .. فلأنه لم يبرأ.
وقال مالك وأبو ثور: لا تجوز مطالبة الضامن إلا بعد عجز المضمون عنه، واختاره ابن أبي هريرة.
وقال ابن جرير: يطالب من شاء منهما، فإذا طالب أحدهما .. لم يكن له مطالبة الآخر، والمذهبان شاذان.
وعلى المذهب: له مطالبة أحدهما بالبعض والآخر بالباقي.
وعدل المصنف عن قول (المحرر): (وللمضمون له) إلى قوله: (المستحق)؛ ليدخل فيه الوارث، لكنه يشمل المحتال مع أنه لا يطالب الضامن؛ لأن ذمته قد برئت كما تقدم.
وشملت عبارة المصنف: ما إذا كان عليه ألف بها رهن وضامن والأصح: أنه إن

وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَصِيلِ.
وَلَوْ أَبْرَأَ الأَصِيلَ .. بَرِئَ الضَّامِنُ، وَلَا عَكْسَ.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا .. حَلَّ عَلَيْهِ دُونَ الآَخَرِ  شاء طالب الضامن، وإن شاء باع الرهن، وقيل: ليس له بيع الرهن إلا بعد العجز عن مطالبة الضامن، وقيل: عكسه.
قال: (والأصح: أنه لا يصح) أي: الضمان (بشرط براءة الأصيل)؛ لمنافاته مقتضى العقد.
والثاني: يصح الضمان والشرط؛ لما رواه جابر رضي الله عنه في قصة ضمان أبي قتادة رضي الله عنه قال: (فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (هما عليك وفي مالك والميت منهما برئ) فقال: نعم، فصلى عليه) قال الحاكم [2/ 58]: صحيح الإسناد.
والثالث: يصح الضمان ويبطل الشرط، كما لو أعتق عبدًا بشرط أن يعطيه شيئًا.
قال: (ولو أبرأ الأصيل .. برئ الضامن)؛ لسقوط الحق.
قال: (ولا عكس)؛ لأنه إسقاط للوثيقة فلا يسقط بها الدين كفك الرهن، وفي معنى الإبراء: أداء الدين والاعتياض عنه والحوالة به، فلو عبر بقوله: (برئ) .. كان أشمل.
قال: (ولو مات أحدهما .. حل عليه) الدين (دون الآخر)؛ لأن ذمة الميت خربت، والحي يرتفق بالأجل، وقيل: لا يحل على الضامن بموت نفسه، وقيل: يحل عليه بموت الأصيل.
والجنون والاسترقاق كالموت في الحلول كما تقدم في (الفلس).
وعلى الصحيح: لو أخر المستحق المطالبة .. كان للضامن –على الأصح- أن

وَإِذَا طَالَبَ الْمُسْتَحِقُّ الضَّامِنَ .. فَلَهُ مُطَالَبَةُ الأَصِيلِ بِتَخْلِيصِهِ بِالأَدَاءِ إِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ،  يطالبه بأخذ حقه من تركة الأصيل، أو إبرائه من الضمان؛ لأنه قد تهلك التركة ولا يجد مرجعًا.
واستثنى شارح (التعجيز) ما لو ضمن المؤجل حالًا –وقلنا بالأصح أنه يكون مؤجلًا- فإنه يحل على الضامن بموت الأصيل على الأصح، وهو حسن.
تحقيق: الدين الذي على الأصيل هو الذي على الضامن باعتبار ذاته كفرض الكفاية، وإنما عرض له التعدد باعتبارهما؛ فلذلك حل على أحدهما دون الآخر، ويثبت على أحدهما حالًّا وعلى الآخر مؤجلًا.
قال: (وإذا طالب المستحق الضامن .. فله مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء إن ضمن بإذنه) قياسًا على تغريمه إذا غرم، ومعنى التخليص: أن يؤدي دين المضمون له ليبرأ الضامن، وقيل: ليست له هذه المطالبة، قال الإمام: وهو متجه في القياس.
وإذا كان المضمون عنه صغيرًا، وطولب الضامن بإذن الولي .. فله مطالبة الولي بالتخليص ما لم يبلغ، فإذا بلغ .. كان هو المطالب به.

وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُطَالَبَ.
وَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الأَصِيلِ إِنْ وُجِدَ إِذْنُهُ فِي الضَّمَانِ وَالأَدَاءِ،  فرع: إذا حبس المضمون له الضامن هل له حبس الأصيل؟ فيه وجهان: أصحهما: كما قال الرافعي: لا، وتابعه عليه في (المطلب) وزاد أنه لا يلازمه بترسيم ولا غيره.
وصحح الشيخ أن له حبسه قال: وإلا .. فلا فائدة في طلبه، بل ينبغي أن يكون له حبسه إذا طولب وإن لم يحبس؛ ليرهقه إلى تخليصه، لأن المطلوب إذا علم أنه لا يحبس .. لم يبال بالامتناع.
قال: (والأصح: أنه لا يطالبه قبل أن يطالب)؛ لأنه لم يتوجه إليه خطاب ولم يغرم شيئًا.
والثاني: له المطالبة بالتخليص، كما لو استعار شيئًا فرهنه .. فإن للمالك مطالبته بفكه.
وفرق الأولون بأن الرهن محبوس بالدين وفيه ضرر، والضامن ليس محبوسًا به.
ومحل الخلاف إذا كان الدين حالًّا، فإن كان مؤجلًا .. لم يكن له مطالبته قطعًا.
قال: (وللضامن الرجوع على الأصيل إن وجد إذنه في الضمان والأداء)؛ لأنه صرف ماله إلى منفعة غيره بإذنه فكان كما لو قال: اعلف دابتي .. ففعل، واستدل له البيهقي [6/ 74] بأن الفضل بن العباس رضي الله عنهما قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكًا شديدًا قد عصب رأسه فقال: (خذ بيدي يا فضل، قال: فأخذت بيده حتى قعد على المنبر ثم قال: من كنت أخذت منه شيئًا .. فهذا وَإِنِ انْتَفَى فِيهِمَا .. فَلَا.
وَإِنْ أَذِنَ فِي الضَّمَانِ فقَطْ .. رَجَعَ فِي الأَصَحِّ،  مالي فليأخذ منه، فقام رجل فقال: يا رسول الله؛ إن لي عندك ثلاثة دراهم، فقال: أما أنا فلا أكذب قائلًا ولا أستحلف على يمين، فيم كانت لك عندي؟ فقال: أما تذكر أنه مر بك سائل فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم؟ فقال: أعطه يا فضل).
وعبارة (المحرر): (إذا ضمن وأدى بإذنه) وهي أحسن؛ لأنه لا يلزم من الإذن في الأداء حصول الأداء، والرجوع متوقف على نفس الأداء وفي المسألة وجه رمز له صاحب (التقريب).
أما إذا شرط مع ذلك الرجوع .. فلا خلاف أنه يرجع.
ثم الرجوع في المثلي بالمثلي وفي المتقوم بالمثل الصوري كالقرض على الأصح، وقيل: بالقيمة.
قال: (وإن انتفى فيهما .. فلا)؛ لأنه متبرع، وخالف في ذلك مالك وأحمد.
لنا: حديث أبي قتادة رضي الله عنه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صلى على الميت، ولو كان لأبي قتادة رضي الله عنه الرجوع .. لما صلى لبقاء الدين.
قال: (وإن أذن في الضمان فقط .. رجع في الأصح)؛ لأنه أذن في سبب الرجوع والأداء مرتب عليه.
والثاني: لا رجوع .. لأنه غرم بغير إذن.
والثالث: إن طولب ولم تمكنه مراجعة الأصيل لغيبة أو حبس ونحوهما .. رجع؛ لأنه مضطر إلى الأداء، وإلا .. فلا.
وقوله: (فقط) يحتمل أمرين: أحدهما: أن يسكت عن الأداء وهذا واضح.
والثاني: أن ينهاه عنه.
قال شيخنا: ويتجه أن يقال: إن كان النهي بعد الضمان .. لم يؤثر، وإن كان قبله، فإن انفصل عن الإذن .. كان رجوعًا عنه، وإن اتصل به .. أفسده.

وَلَا عَكْسَ فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ أَدَّى مُكَسَّرًا عَنْ صِحَاحٍ أَوْ صَالَحَ عَنْ مِئَةٍ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَا غَرِمَ  قال: (ولا عكس في الأصح) أي: إذا ضمن غير إذن وأدى به .. فالأصح: لا يرجع؛ لأن وجوب الأداء سببه الضمان ولم يأذن فيه.
والثاني: يرجع؛ لأنه أسقط الدين عن الأصيل بإذنه، فلو كان الإذن في هذه الصورة بشرط الرجوع .. فالأصح في (الروضة): أنه يرجع وبه جزم الماوردي.
تنبيهان: أحدهما: إنما يرجع الضامن حيث يكون قد أدى من ماله، فإن أدى من يتهم الغارمين .. لم يرجع على الأصح، كذا قاله الشيخان وغيرهما في (قسم الصداقات).
الثاني: إحالة الضامن المضمون له وقبوله الحوالة عليه، ومصالحتهما عن الدين على عوض، وصيرورة الدين ميراثًا للضامن كالأداء في ثبوت الرجوع وعدمه، كذا وقع في (الشرح) و (الروضة)، وغلطهما في (المهمات) فيما ذكراه في الميراث؛ لأن ذمته برئت من الضمان بالإرث، وأما الحق فباق في ذمة المضمون، ولا يلزم من براءة ذمة الكفيل براءة ذمة الأصيل، وحينئذ فله مطالبته وإن ضمن بغير إذن.
قال: (ولو أدى مكسرًا عن صحاح أو صالح عن مئة بثوب قيمته خمسون .. فالأصح: أنه لا يرجع إلا بما غرم)؛ لأنه الذي بذله.
والثاني: يرجع بالصحاح والمئة؛ لحصول براءة الذمة به، والنقصان جرى من رب الدين مسامحة للضامن.
والثالث: يرجع في المئة لا في الصحاح؛ لأن غير الجنس يقع عوضًا، والمكسر

وَمنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِلَا ضَمَانٍ وَلَا إِذْنٍ .. فَلَا رُجُوعَ، وَإِنْ أَذِنَ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ .. رَجَعَ، وَكَذَا إِنْ أَذِنَ مُطْلَقًا فِي الأَصَحِّ  لا يقع عوضًا عن الصحيح، بل هو مجرد مسامحة، فلو كانت قيمة الثوب أكثر من مئة .. لم يرجع إلا بمئة.
فلو قال: بعتك هذا الثوب بما ضمنته لك .. فالمختار في (الروضة): صحة البيع والرجوع بما ضمنه.
ولو ضمن ذمي لذمي دينًا على مسلم، ثم تصالحا على خمر .. فالأصح: أنه لا يرجع ولا يبرأ؛ لتعلقهما بالمسلم ولا قيمة للخمر.
قال: (ومن أدى دين غيره بلا ضمان ولا إذن .. فلا رجوع)؛ لأنه متبرع، وخالف ما لو وضع طعامه في فم مضطر حيث يرجع عليه وإن لم يأذن؛ لأنه واجب عليه استنقاذًا لمهجته.
قال: (وإن أذن بشرط الرجوع .. رجع)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون عند شروطهم) صححه ابن حبان من رواية أبي هريرة رضي الله عنه.
وفي حكم الإذن بشرط الرجوع التوكيل بالشراء على الأصح؛ لأن في ضمن أمره بالشراء أمره بدفع الثمن وستأتي المسألة.
قال: (وكذا إن أذن مطلقًا في الأصح)؛ لاقتضاء العرف الرجوع.
والثاني: لا يرجع واختاره الشيخ أبو حامد؛ لأنه لم يوجد منه إلا الإذن في الأداء كما هو الأصح فيما إذا قال: اغسل ثوبي ولم يسم له أجرًا، لكن الفرق أن المسامحة في المنافع أكثر منها في الأعيان.
والثالث: إن كان حالهما يقتضي الرجوع .. رجع، وإلا .. فلا، فلو قال: أدِّ دين فلان .. لم يرجع على الآمر، وإن قال: أدّ دين ضامني .. فهو كما لو قال: أدّ ديني.

وَالأَصَحُّ: أَنَّ مُصَاَلَحَتَهُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
ثُمَّ إِنَّمَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ وَالْمُؤَدِّي إِذَا أَشْهَدَ بِالأَدَاءِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَكَذَا رَجُلٌ لِيَحْلِفَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ  قال: (والأصح: أن مصالحته على غير جنس الدين لا تمنع الرجوع)؛ لأن الإذن إنما يقصد به البراءة وقد حصلت.
والثاني: تمنع؛ لأنه إنما أُذن في الأداء دون المصالحة.
والثالث: إن قال: أدِّ ما علي من الدراهم مثلًا .. لا يرجع، وإن قال: أدِّ ديني أو ما علي .. رجع.
فإن قيل: جزموا في الضمان بأن المصالحة لا تمنع الرجوع، ولم يخرجوه على الخلاف هنا .. فالجواب: أن مصالحة الضامن وقعت عن حق وجب عليه، بخلاف المأذون له بلا ضمان.
هذا في المأذون له إذا صالح على غير الجنس، أما الضامن .. فإنه إذا صالح على غير جنس الدين .. فإنه يرجع اتفاقًا، والفرق بينه وبين المأذون: أن مصالحة الضامن وقعت عن حق وجب عليه؛ لأن الدين ثبت في ذمته ثبوته في ذمة الأصيل، والمأذون له من غير ضمان ليس كذلك.
قال: (ثم إنما يرجع الضامن والمؤدي إذا أشهد بالأداء رجلين أو رجلًا وامرأتين)؛ لثبوت الحق بكل منهما.
قال: (وكذا رجل ليحلف معه في الأصح)؛ لأنه كاف في إثبات الأموال.
والثاني: لا؛ لأنهما قد يترافعان إلى من لا يقضي بالشاهد واليمين فنسب في ذلك إلى تقصير.
وصورة هذه المسألة: أن يموت الشاهد أو يغيب ويرفع الواقعة إلى حنفي لا يقضي بشاهد ويمين، أما لو حضر وشهد وحلف معه الضامن عند من يحكم به .. فإنه يرجع قطعًا، كذا نقله في (المطلب) عن جماعة.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل