وَالْقَنَاةُ الْمُشْتَرَكَةُ يُقْسَمُ مَاؤُهَا بِنَصْب خَشَبَةٍ فِي عُرْضِ النَّهْرِ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَساوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتةٌ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، وَلَهُمُ الْقِسْمَةُ مُهَايَأَةً.
وإذا أوجبنا البذل .. لم يجز لحافر البئر طمها، فإن انطمت .. لم تلزمه تنقيتها لهم، فإن أرادوا تنقيتها .. لزمه تمكينهم ليتوصلوا إلى حقلهم منه، وقد يقال: إن حقهم إنما يكون إذا كان فضل، وعند الانطمام لا ماء ولا فضل، وتنقيتها تصرف في ملك الغير.
وجوابه أنه تصرف بمصلحة يعود نفعها عليهما وقد تعلق حقه بما هو ممكن منه.
قال: (والقناة المشتركة يقسم ماؤها بنصب خشبة في عرض النهر فيها ثقب متساوية أو متفاوتة على قدر الحصص) ليصل كل إلى حقه، ويجوز أن تكون الثقب متساوية مع تفاوت الحقوق ليأخذ صاحب الثلث ثقباً وصاحب الثلثين ثقبين، فلو كان لزيد العشر ولعمرو الخمس ولبكر الباقي .. جعل فيها عشر ثقب متساوية، لزيد واحدة ولعمرو ثنتان ولبكر الباقي.
هذا عند ضيق الماء، فإن اتسع بحيث يحصل لكل واحد قدر حاجته .. فلا حاجة لذلك.
قال الرافعي: والقناة كالبئر في ملك الماء ووجوب البذل وغيرهما، إلا أن حفرها لمجرد الإرفاق لا يكاد يتفق، ومهما اشتركوا في الحفر .. اشتركوا في الملك كما في النهر.
وقوله: (ثقب) ضبطه المصنف بالثاء المثلثة، ولو قرئ بالنون .. لصح، وعبارة أبي الطيب: حفر.
وجميع ما تقدم إذا علم مقدار الحصص، فإن جهل .. قسم على قدر الأرض؛ لأن الظاهر أن الشركة بحسب الملك على الأصح في زوائد (الروضة).
والثاني: على عدد الرؤوس؛ لأنه في أيديهم.
قال: (ولهم القسمة مهايأة) ليسقي هذا يوماً وذا يوماً؛ لقوله تعالى ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ وكقسمة سائر الأملاك المشتركة، وقد يكون الماء قليلاً لا ينتفع به إلا كذلك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: لا تصح القسمة إلا بالمهايأة؛ لأن الماء يقل ويكثر، وتختلف فائدة السقي بالأيام، فلو أراد أحدهم أن يأخذ نصيبه من الماء ويسقي به أرضاً ليس لها شرب من هذا النهر .. منع منه؛ لأنه يحدث شرباً لم يكن.
و (مهايأة) حال من القسمة، ومجيء الحال من المبتدا، منعه أكثر النحويين، لكن سيبويه أجازه فيخرج عليه كلام المصنف.
والمراد بـ (المهايأة): أمر يتهايأ القوم عليه، أي: يتراضون.
فرع:
الماء المملوك في البئر والقناة المملوكين على القول بأنه مملوك لا يصح بيعه؛ للجهالة والاختلاط.
وإذا باع واحد من الشركاء في النهر الأرض المملوكة له مطلقاً .. لم يدخل الشرب في البيع؛ لأنه ملك منفصل عنه لا تناوله إطلاق الاسم، فإن قال: بحقوقها الداخلة فيها والمنفصلة عنها .. دخل.
قال الشيخ: وبيع حق الماء من الأمور التي تعم بها البلوى في الشام؛ فإن غالب بيوتها لها حقوق فيها من مجار وقنوات تنتهي إلى الأنهار الكبار، فإن بيعت الدار بحقوقها .. فلا إشكال في ذلك، وإن اقتصرت على بيع الماء، فمتى وقع العقد على ذلك .. فهو باطل.
قال: والوراقون يحتالون في كتابة ذلك فيجعلون المبيع جزءاً معلوماً من خشبة يجري فيها الماء وما لها من الحقوق، وكل ذلك باطل؛ لأن ذلك لا يمكن ضبطه بجزء معلوم من البئر، وأيضاً النهر غير مملوك لبيت المال ولا لغيره، بل هو مباح لجميع الخلق .. فلا يجوز بيعه لاشتداد الحاجة إليه، كما أجمعوا على المنع من إقطاع مشارع الماء لاحتياج الناس إليها، فإذا وجدنا نهراً صغيراً بيد قوم مخصوصين مستولين عليه دون غيرهم .. فهو ملكهم يتصرفون بما شاؤوا، وإن لم يكن ملكاً لكن فيه مشارب لقوم مخصوصين .. فحقوقهم فيه على تلك المشارب يتصرفون فيها بالطريق الشرعي.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عجيبة:
في أحد واديي خيبر عين تسمى الحمة، وهي التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم قسمة الملائكة، يذهب ثلثا مائها في فلج والثلث الآخر في فلج آخر والمسلك واحد، وقد اعتبرت من زمان النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم تطرح فيها ثلاث خشبات أو ثلاث تمرات فتذهب اثنتان في الفلج الذي له ثلثا مائها وواحدة في الفلج الثاني، ولا يقدر أحد أن يأخذ من ذلك الفلج أكثر من الثلث، ومن قام في الفلج الذي يأخذ الثلثين ليرد الماء إلى الفلج الثاني .. غلبه الماء إلى الفلج الثاني وفاض ولم يرجع إلى الفلج الثاني شيء يزيد على الثلث، قاله البكري وغيره.
و (الفلج): النهر الصغير.
تتمة:
قال المتولي: إذا ملك أرضاً وأراد زراعتها ولا يمكن إلا بسوق الماء من أرض جاره بأن يحفر نهراً على وجه الأرض .. لا يلزمه تمكينه، ويخالف مسالة الجذوع؛ لأنه لا يعطل عليه منفعة الجدار بوضع الجذوع، فإنه يمكنه أن ينتفع بسطحه ورأس الجذع على الحائط كما كان ينتفع به قبل ذلك، وهنا تتعطل المنفعة على الجار، أما إذا أراد أن يحفر تحت الأرض طريقاً للماء في أرض غيره فهل يلزمه تمكينه؟ وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن باطنها ملكه كظاهرها.
والثاني: يلزمه التمكين؛ لما روي أن الضحاك بن خليفة ساق نهراً، فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مسلمة فمنعه، فرفع الأمر إلى عمر فقال: (لم تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك؟ فأبى، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك).
والجواب: أن هذه القصة منقطعة الإسناد، وأجاب البيهقي بأن عمر خالفه ابن مسلمة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خاتمة
عن أبي حنيفة: لا حريم للنهر، وعن أبي يوسف ومحمد: له حريم، وهو مذهبنا.
قال الشيخ: ورأيت في ديار مصر من الفقهاء من يستنكر العمائر التي على حافات النيل ويقول: لا يجوز إحياؤها، وهذا عمت به البلوى في جميع البلدان، وإذا رأينا عمارة على حافة نهر .. لا نغيرها؛ لاحتمال أنها وضعت بحق، وإنما الكلام في الابتداء أو ما عرف حاله.
ويجوز الشرب من الجداول والأنهار المملوكة، والتوضؤ منها وسقي البهائم إذا لم يضر بأهلها؛ إقامة للإذن العرفي فيه مقام اللفظي، قاله الشيخ عز الدين في (القواعد).
قال: (فلو أورد ألفا من الإبل على جدول ضعيف فيه ماء يسير .. فلا أرى جواز ذلك فيما زاد على المعتاد.
اهـ
فلو كان النهر لمن لا يعتبر إذنه كاليتيم والأوقاف العامة .. ففيه وقفة؛ لأن صريح إذن المستحق لا يؤثر هنا، فكيف يؤثر ما قام مقامه من العرف؟!
وإذا سقى أرضه بماء مملوك لغيره .. فالغلة لصاحب الأرض، قال الرافعي والمصنف: وعليه قيمة الماء، ولعل مرادهما: البدل؛ فإن الماء مثلي.
قال الحناطي: ولو استحل من صاحب الماء .. كان الطعام أطيب، يعني مع غرامة البدل.
كِتَابُ الْوَقْفِ