لفظها: من الجمع، وقد استعملوا ذلك في غير الناس حتى قالوا: جماعة الشجر.
والأصل في مشروعيتها في الصلوات الخمس قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾، وإذا ثبتت في الخوف .. ففي الأمن أولى.
وفي (الصحيحين) [خ 645 - م 650] أنه صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) وفي رواية: (بخمس وعشرين ضعفًا) [خ 647]، وفي رواية: (جزءًا) [خ 648] بدل (ضعفًا) ولا منافاة بينهما؛ لأن القليل لا ينفي الكثير، أو أن ذلك يختلف باختلاف الناس، أو أنه صلى الله عيه وسلم أخبر أولاً بالقليل ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، ومفهوم العدد باطل عند الجمهور.
وقيل: الدرجة غير الجزء، وهو غفلة من قاتله.
وكان صلي الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يصلي بغير جماعة؛ لأن الصحابة كانوا مقهورين في بيوتهم، فلما هاجر إلى المدينة .. أقام الجماعة وواظب عليها، وانعقد الإجماع عليها.
وفي (مصنف عبد الرزاق): أن قومًا تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة - قال - فخسف بهم.
وهو في (الإحياء) بلفظ: وقد قيل: إن قومًا .. إلى آخره.
وقد نقل الزمخشري عن مقاتل أنه سأل أبا حنيفة: هل تجد صلاة الجماعة في القرآن؟ قال: لا تحضرني، فقال في قوله تعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾.
هِيَ فِي اَلْفَرَائِضِ - غَيْرَ اَلْجُمُعَةِ - سُنَّةَ مُؤّكَّدَةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ لِلرِّجَالِ
ونقل في (الإحياء) في آخر (كتاب التوبة) عن أبي سليمان الداراني أنه قال: لا تفوت أحدًا صلاة الجماعة إلا بذنب أذنبه، قال: وكان السلف يعزون أنفسهم ثلاثة أيام غذا فاتتهم التكبيرة الأولى، ويعزون سبعة أيام إذا فاتتهم الجماعة، قال: والاحتلام عقوبة، ولذلك عصم الله منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال: (هي في الفرائض - غير الجمعة - سنة).
(غير) منصوب على الحال، ولا يصح جره على الصفة؛ لكونه لا يتعرف.
وإنما كانت سنة؛ لأنها فضيلة في الصلاة لا تبطل بتركها، فلم تجب كالتكبيرات.
وخرج بـ (الفرائض) النوافل؛ ليست الجماعة فيها فرض كفاية، ولكنها سنة في بعضها كما تقدم.
وعبر في (المحور) بالخمس؛ ليخرج المنذورة، فلا تشرع لها الجماعة كما صرح به الرافعي في (باب الأذان)؛ لأنه لا شعار فيها.
واحترز (بغير الجمعة) عن الجمعة؛ فغن الجماعة فيها فرض عين بالاتفاق.
قال: (مؤكدة)؛ لما روى مسلم [654] عن ابن مسعود قال: (من سره أن يلقي الله تعالى غدًا مسلمًا .. فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن، وقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتي به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف).
و (مؤكدة) بالهمز ودونه، يقال: أكدت الشيء ووكدته توكيدًا وتأكيدًا، وبالواو أفصح؛ لأنها أصل والهمزة بدل، قال الله تعالى: ﴿ولا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾.
قال: (وقيل: فرض كفاية للرجال)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الجماعة .. إلا استحوذ عليهم الشيطان) أي: غلب، رواه أبو داوود [548] والنسائي] 2/ 106 - 107] والحاكم [1/ 211] وابن حبان [2101].
وفي (مسلم) [651]: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (لقد هممت أن أمر بالصلاة فتقام، ثم أمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أمر فتيتي فيجمعوا لي حزمًا من حطب، فَتَجِبُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ اَلْشَّعَارُ فِي اَلْقَرْيةِ،
ثم آتى يومًا يصلون في بيوتهم فأحرقها عليهم).
واحترز بـ (الرجال) عن النساء؛ فإنهن لا يدخلن في هذا الفرض جزمًا، لكنها تسن لهن؛ لما روى أبو داوود [592]: أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر أم ورقة بنت نوفل أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن وكان النبي صلي الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة، فاتفق أنه كان لها عبد وأمة دبرتهما فقتلاها في زمن عمر فصلبهما، وكانا أول مصلوبين بالمدينة، فقال عمر: صدق الله صلي الله عليه وسلم حيث كان يقول: (انطلقوا بنا نزور الشهيدة).
وفي (الكفاية) عن القاضي حسين: أنها لا تسن في حقهن كما لا يسن لهن الأذان.
والخنثى في هذا كالمرأة.
والمصنف أطلق الخلاف مع أنها لا تجب على العبد جزمًا.
وكان ينبغي أن يقولك في المؤداة؛ فإنها ليست في المقضية فرض كفاية قطعًا، بل سنة إن لم تصل قضاء خلف أداء وعكسه، فإن كان .. فالانفراد أفضل.
ويستثنى العراة؛ فالخلاف في حقهم في الاستحباب: صحح الرافعي استحبابها لهم، والمصنف أنها والانفراد في حقهم سواء.
والمسافرون استثناهم في (الروضة) و (شرح المذهب) و (التحقيق)، والنص:
أنهم كالمقيمين.
قال: 0فتجب بحيث يظهر الشعار في القرية)، وكذلك في البلد، وذلك يختلف باختلاف البلاد وسكانها، ففي القرية الصغيرة يكفي فعلها في موضع، وفي البلد الكبير تفعيل في محالها.
فلو ظهر الشعار في بلد بإقامة غير البالغين لها .. ففي الاكتفاء بذلك تردد للشيخ محب الدين الطبري.
فَإِنِ اَمْتَنَعُوا كُلُّهُمْ .. قُوتِلُوا، وَلاَ يَتَأَكَّدُ اَلْنَّدْبُ لِلنِّسَاءِ تَأَكُّدَهُ لِلرِّجَالِ فِي اَلأَصَحِّ.
قُلْتُ: اَلأَصَحُّ اَلْمَنْصُوصُ: أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةِ، وَقِيلَ: عَيْنٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
والظاهر: عدم الإجزاء كرد السلام، بخلاف صلاة الجنازة؛ فإن مقصودها الدعاء وهو من الصغير أقرب إلى الإجابة؛ لأنه لا ذنب عليه.
ولو أطبقوا على إقامتها في البيوت ولم يحضروا المسجد .. فالأصح: أنه لا يكفي سواء حصل الشعار بذلك أم لا.
قال: (فإن امتنعوا كلهم .. قوتلوا)؛ لأن هذا شأن فروض الكفايات إذا عطلت، وإنما يقاتلهم الإمام أو نائبه دون آحاد الناس.
أما إذا قلنا سنة .. فالأصح: أنهم لا يقاتلون.
قال: (ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح)؛ لقوله تعالى: ﴿ولِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، فلا يكره لهن تركها.
والثاني: يتأكد؛ لعموم الأدلة.
والأصح: أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهن، وقيل: هما سواء.
قال: (قلت: الأصح المنصوص: أنها فرض كفاية)؛ لظاهر الأحاديث الصحيحة المتقدمة، ونص عليه في (الأم) صريحًا.
ولا فرق في هذا الفرض بين أهل القرى والبوادي كما تقدم.
قال: (وقيل: عين والله أعلم) واختاره ابن خزيمة وابن المنذر وأبو ثور؛ لما تقدم من همه صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت من لم يشهدها.
ولأن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله؛ إني ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمين، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال عليه الصلاة والسلام: (هل تسمع النداء؟) قال: نعم، قال: (لا أجد لك لخصة) رواه أبو داوود [553] بإسناد صحيح.
وعلى هذا: الأصح: أنها ليست شرطًا في صحة الصلاة.
وأجاب الأصحاب بأن معناه: لا رخصة لك تلحقك بفضيل من حضرها، وبأن
وفي المسجد لغير المرأة أفضل،
النبي صلي الله عليه وسلم رخص لعتبان بن مالك حين شكا بصره أن يصلي في بيته، وحديثه في (الصحيحن) [خ 425 - م 33].
وفي الاستدلال به نظر؛ لأنه إنما امتنع من الاتيان إلى المسجد لأجل السيول التي بينه وين المسجد، وهذا عذر مانع من حضور الجماعة.
وأكد الصلوات في طلب الجماعة: الصبح، ثم العشاء، ثم العصر، كذا في (زوائد الروضة).
زاد عليه في (الكفاية): أنها في صبح الجمعة أكد.
قال: (وفي المسجد لغير المرأة أفضل)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله تعالى ليقضي فريضة من فرائض الله .. كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) رواه مسلم [666].
وفي (الصحيحين) [خ 731 - م 781]: (صلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ويهما [خ 647 - م 649/ 272] إذا توضأ الرجل، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة .. لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه خطيئة).
ولأن المسجد مشتمل على الشرف وإظهار الشعار وكثرة الجماعة.
فإن كان إذا صلى في بيته صلى جماعة، وإذا صلى في المسجد صلى منفردًا .. فصلاته في بيته أفضل.
ولو كانت جماعة بيته أكثر من جماعة المسجد .. فقال الماوردي: المسجد أولى، وقال القاضي أبو الطيب: بيته أولى.
وشملت عبارته: الصبي وهو كذلك.
وأما النساء .. فصلاتهن في بيوتهن أفضل؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بتيها) رواه أبو داوود [571].
و (الحجرة): صحن الدار، و (المخدع): بيت داخل البيت تخبئ فيه ثيابها.
وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ أَفْضَلُ إِلاَّ لِبِدْعَةِ إِمَامِهِ
ولا يكره للعجائز إذا خرجن متبذلات؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).
وبالحالين يجمع بين الخبرين، فلو تشبهن بالشواب .. كره لهن ذلك، وغير العجائز .. يكره لهن.
فإذا استأذنت زوجًا أو وليًا .. كره له حيث يكره لها، وإلا .. ندب.
ويكره لها أن تطبيب، وأن تلبس فاخر الثياب إذا حضرت المسجد.
ودخل في قوله: (لغير المرأة) الخنثى، فلو عبر بالذكر .. كان أولى.
قال: (وما كثر جمعه أفضل) وإن كان قليل الجماعة بعيدًا؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر .. فهو أحب إلى الله تعالى) رواه أبو داوود [555] والنسائي [2/ 104] وابن ماجه (790] وصححه ابن حبان [2056].
وقيل: إن مسجد الجوار أفضل بكال حال؛ فإن كان مسجد الجوار بلا جماعة ولو حضر فيه لم يحضر معه غيره .. فالذهاب إلى البعيد للجماعة أفضل بالاتفاق، وإن استويا .. فمسجد الجوار بالاتفاق أفضل.
وأفادت عبارة المصنف .. أن أقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (الاثنان فما فوقهما جماعة) رواه ابن ماجه [972].
وعن صاحب (الفروع): أقلها ثلاثة يؤمهم أحدهم؛ لأنه أقل الجمع عند الشافعي.
والجواب: أن ذلك وضع لغوي، وهذا حكم شرعي مأخذه التوقيف.
قال: (إلا لبدعة إمامه) كالمعتزلي والقدري والرافضي.
أَوْ تَعَطُّلِ مَسْجِدٍ قَرِيبِ لِغَيْبَتِهِ.
وَإِدْرَاكُ تَكْبِيرَهِ اَلإِحْرَامِ فَضِيلَةٌ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِاَلاِشْتِغَالٍ بِاَلْتَّحَرُّمِ عَقِبَ تَحَرُّمِ إِمَامِهِ،
قال: (أو تعطل مسجد قريب لغيبته)؛ لكونه إمامه، أو يحضر الناس بحضوره.
وكذا إذا كان الإمام فاسقًا، أو يعتقد عدم وجوب بعض الأركان .. ففي هذه الأحوال المسجد القليل الجماعة أولى، فإن لم تحصل الجماعة .. إلا مع هذه الأحوال .. فهي أفضل.
فلو كان بجواره مسجدان .. استوت جماعتهما، فإن سمع نداء أحدهما .. فهو أولى، وإن لم يسمع منهما .. فالأقرب أولى، فإن استويا .. يخير، قاله الروياني.
قال: (وإدراك تكبيرة الإحرام فضيلة)؛ لما روى الترمذي [241] عن عمارة بن غزية عن أنس أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من صلى الله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى .. كتب الله له يراءتين: براءة من النار، وبراءة من النفاق) وهو منقطع؛ لأن ابن غزية لم يدرك أنسًا، لكنه من الفضائل فيتسامح فيه.
وروى البزار في (مسنده) [كشف 521] عن أبي هريرة: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى، فحافظوا عليها) ورواه عن أبي الدرداء بمعناه.
قال: (وإنما تحصل بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم إمامه)؛ لأن الفضل معلق في الحديث بالإدراك، وإذا لم يتعقبه .. لم يسم مدركًا.
وفي (الصحيحين) [خ 378 - م 411]: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر .. فكبروا)، والفاء للتعقيب.
قال الرافعي: هذا إذا لم تكن وسوسة ظاهرة، فإذا منعته الوسوسة عن التعقيب .. حصلت الفضيلة كما جزم به ف (التحقيق) و (شرح المهذب).
وجزم في (شرح المهذب) بأن الوسوسة في القراءة ليست عذرًا في التخلف عن الإمام بتمام ركعتين فعليتين.
والفرق: أن المخالفة في الأفعال أشد منها في الأقوال كما تقدم.
وَقِيلَ: بِإِدْرَاكِ بَعْضِ اَلْقِيَامِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ رُكُوعٍ.
وَاَلْصَّحِيحُ: إِدْرَاكُ اَلْجَمَاعَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ
وفي (الاستيعاب) في ترجمة على: أن ابن مسعود قال: 0الوسوسة برزخ بين الشك اليقين).
قال: (وقيل: بإدراك بعض القيام)؛ لأنه محل التكبيرة الأولى.
قال: (وقيل: بأول ركوع)؛ لأن حكمه حكم قيامها، بدليل إدراك الركعة بإدراكه مع الإمام، ولأنه معظمها، واختاره القفال.
والوجهان فيمن لم يحضر إحرام الإمام، أما من حضر وأخر .. فقد فاتته فضيلة التكبيرة وإن أدرك الركعة.
وفي وجه رابع: ما لم يشرع في (الفاتحة).
وخامس: إن اشتغل بأمر دنيوي .. لم يدرك بالركوع، أو بعذر أو سبب للصلاة كالطهارة .. أدرك.
ولو خاف فوت هذه التكبيرة .. لم يسرع عند الأكثرين، بل يمشى بسكينة، ففي (الصحيحين) [خ 636 - م 602]: (إذا أقيمت الصلاة .. فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم .. فصلوا .. وما فاتكم .. فأتموا).
ولو خاف فوات الجماعة .. فمقتضى كلام الرافعي في (باب الجمعة) .. أنه يسرع، وبه صرح ابن أبي عصرون وشيخه الفارقي.
قال: (والصحيح: إدراك الجماعة ما لم يسلم) سواء جلس معه أو لا؛ لأنه قد أدرك من الجماعة قدرًا يعتد به وهو: النية والتكبير، فكان كما لو أدرك ركعة.
قال الرافعي: وقد يوجه ذلك بأن هذه البقعة إذا لم تكن محسوبة من صلاته، فلو لم ينل بها الفضيلة .. لمنع من الاقتداء والحالة هذه؛ لكونها زيادة في الصلاة لا فائدة فيها.
وفي (كامل ابن عدي) [6/ 70] من حديث جابر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من أدرك الإمام قبل أن يسلم .. فقد أدرك فضل الجماعة).
وَلْيُخَفَّفِ اَلإِمَامُ مَعَ فِعلِ اَلأَبْغَاضِ وَاَلْهَيِئَاتِ،
والوجه الثاني: لا يدرك إلا بركعة؛ لأن الصلاة كلها ركعة مكررة، واختاره الغزالي والفوراني.
ومقتضى عبارة المصنف .. أنه فرق بين أن يقتدي به في آخر الصلاة أو في أولها.
فإن أخرج نفسه من الجماعة، أو خرج الإمام بحدث أو غيره .. فإنهم صححوا جواز الخروج من الجمعة قبل سلام الإمام مع أن الجماعة شرط فيها، إلا أن الجواز هناك مشروط بفعل ركعة مع الإمام؛ لأن الجمعة لا تحصل بدون ذلك.
فرع:
دخل جماعة المسجد والإمام في التشهد الأخير .. فعند القاضي حسين يستحب لهم الاقتداء به، ولا يؤخرون لصلاة جماعة ثانية.
وجزم المتولي بخلافه، وكلام القاضي في موضع آخر يوافقه، وهو الظاهر.
قال: (وليخفف الإمام مع فعل الأبعاض والهيئات)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (إذا أم أحدكم بالناس .. فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة، وإذا صلى وحده .. فليطل ما شاء) رواه مسلم [467]، وفي (الصحيحين) [خ 708 - م 469] قال أنس: (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من رسول الله صلي الله عليه وسلم).
قال الأصحاب: والتخفيف: أن الإمام لا يزيد على ثلاث تسبيحات.
والشافعي قال في (الأم): إن كل ما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم في ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عنه إمامًا كان أو منفردًا.
قال المصنف: والأقوى ما كره الأصحاب، فيتناول نصه على ما إذا رضى المأمومون.
هذا في الأذكار، أما القراءة .. فتقدمت في (صفة الصلاة).
إِلاَّ أَنْ يَرْضَى بِتَطْوِيلِهِ مَحْصُورُونَ.
وَبُكْرَةُ: اَلْتَّطْوِيلِ لِيَلْحَقَ آَخَرُونَ،
قال: (إلا أن يرضى بتطويله محصورون)، فحينئذ لا يكره التطويل، بل يستحب، لأن العلة انتفت.
والمراد بـ (المحصورين): أن يكونوا في موضع غير مطروف أو في سفينة وفهم منهم ذلك، فيأتي بأعلى الكمال؛ لانتفاء علة التخفيف.
وعلى هذا يحمل تطويل النبي صلي الله عليه وسلم في بعض الأوقات.
فإن كان المسجد مطروقًا بحيث يدخل في الصلاة من حضر بعد دخول الإمام فيها .. لم يطول.
ومراده: إلا أن يرضى جميع المأمومين بالتطويل، وعبارته لا تعطي ذلك، وعبارة (المحرر): إلا أن يرضى الجميع بالتطويل.
فإن رضى بعضهم .. قال الجيلي: راعى الأكثر.
وفي (فتاوى ابن الصلاح) [1/ 234]: لو آثروا التطويل إلا واحدًا أو اثنين لعذر، فإن كان مرة ونحوها .. خفف، وإن كثر حضوره .. طول ولا يفوت حق الراضين بهذا الفرد الملازم، قال المصنف: هذا حسن متعين.
واستشكله الشيخ بأن النبي صلي الله عليه وسلم أنكر على معاذ التطويل لرجل واحد ولم يستفصل، وبأن فيه تنفير الملازم وهو مفسدة، ومراعاة الرضا مصلحة ظاهرة، فمراعاة درء المفاسد أولى؛ لأنه صلي الله عليه وسلم قال: (إني لأدخل الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهة أن أشق على أمه) رواه البخاري [707].
قال: (ويكره: التطويل ليلحق أخرون) أي: عادتهم الحضور من أسواقهم ومنازلهم؛ للنهي عن التطويل، ولأن في عدم انتظارهم حثًا لهم على المبادرة.
وسواء كان المنتظر مشهورًا بعلم أو دين أو دنيا، كذا اتفق عليه الأصحاب.
واختار الشيخ أن الانتظار في القيام لذلك لا يكره ما لم يبالغ فيه؛ لرواية أبي قتادة في (الصحيحين) [خ 759 - م 451]: (أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يفعله).
وَلَوْ أَحَسنَّ فِي اَلْرُّكُوعِ أَوِ اَلْتَّشَهُّدِ اَلأَخِيرِ بِدَاخِلٍ .. لَمْ يُكْرَهٍ اَنْتِظَارُهُ فِي اَلأَظْهَرِ إِنْ لَمْ يُبَالِغ فِيهِ، وَلَمْ يَفْرُقْ بَيْنَ اَلْدَّاخِلِينَ.
قُلْتُ: اَلْمَذْهَبُ: اَسْتِحْبَابُ اَنْتِظَارِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
وعلل ذلك بإدراك القاصدين لها، وجاء التعليل مصرحًا به في رواية في (الصحيحين) ولفظه: (كي يدرك الناس).
ولو حضر بعض المأمومين والإمام يرجو زيادة .. فالمستجب أن لا يؤخر الإحرام، ولو أقيمت الصلاة .. لم يحل له الانتظار بلا خلاف.
قال: (ولو أحس في الركوع أو التشهد الأخير بداخل .. لم يكره انتظاره في الأظهر إن لم يبالغ فيه، ولم يفرق بين الداخلين)؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم انتظر في غزوة ذات الرقاع، وفي (سنن أبي داوود) [798] عن عبد الله بن أبي أوفى: (أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان ينتظر ما دام يسمع وقع نعل)، ولأن في ذلك عونًا على إدراك الركعة والجماعة، (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه).
والثاني: يكره؛ لما فيه من الإضرار بالباقين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، واختاره المزني، لأن الصلاة يجب أنم تكون خالصة لله تعالى، وفي الانتظار تشريك بين العمل لله والعمل للمخلوقين.
وملخص ما في المسألة طريقان:
إحداهما: أن الخلاف في الكراهة وعدمها مع القطع بعدم الاستحباب، وهي طريقة الشيخ أبي حامد، وصححها الرافعي.
والثانية: أن الخلاف في الاستحباب وعدمه، واختارها المصنف فلذلك قال: (قلت: المذهب: استحباب انتظاره والله أعلم) فاستفيد من كلامه حكاية ثلاثة أقوال: الاستحباب والكراهة وعدمها.
وعلى القول بالكراهة .. المشهور: لا تبطل الصلاة، وقيل: تبطل فيأتي قول رابع بتحريم الانتظار.
وَلاَ يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِهِمَا، وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي وَحْدَهُ - وَكَذَا جَمَاعَةّ فِي اَلأَصَحَّ-: إَعَادَتُهَا مَعَ جَمَاعَةٍ يَدْرِكُهَا،
وقيل: إن عرف الداخل نفسه .. لم ينتظره، وإلا .. انتظره.
وقيل: إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة .. انتظره، وإلا .. فلا.
فهذه ستة أقوال.
وللانتظار شروط:
أحدها: أن يكون الجانبي داخل المسجد، كما أشعر به لفظ المصنف، فإن كان خارجًا .. لم ينتظره قولاً واحدًا.
الثاني: أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى دون استمالة القلوب والتودد إلى الناس، فإن قصد ذلك .. كره قولاً واحدًا.
وههنا قال أبو حنيفة: أخشى أن يكفر بذلك.
وهذا يفهم من قوله: (ولم يفرق بين الداخلين).
والثالث: أن لا يبالغ في التطويل، وضبطه الإمام بالتطويل الذي لو وزع على الصلاة .. أن لا يبالغ في التطويل، فهذا ممنوع منه، وإلا .. فلا.
وأشار ابن الصباغ وغيره - بضبطه - بأن لا يزيد على الركوع المشروع للأئمة.
وقوله: (أحس) هي اللغة المشهورة، قال الله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ .. وفي لغة غريبة بلا همز.
قال: (ولا ينتظر في غيرهما)؛ إذ لا فائدة يه، بل صرح في زوائد (الروضة) بكراهته.
وقيل: يجري الخلاف في الجميع لإفادة الداخل بركة الجماعة.
وقيل: يجريان في القيام خاصة؛ لأنه موضع التطويل.
قال: (ويسن للمصلي وحده - وكذا جماعة في الأصح .. إعادتها مع جماعة يدركها).
أما المصلي وحده .. فلما روى مسلم [648] عن أبي ذر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لهك (كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فبماذا تأمرني؟ قال: (صل الصلاة في وقتها، فإن أدركتها معهم .. فصل فإنها لك نافلة).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما المصلى جماعة .. فلما روى يزيد بن الأسود أن النبي صلي الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح في مسجد الخيف، فرأى في آخر المسجد رجلين لم يصليا معه قال: (ما منعكما أن تصليا معنا؟) قالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا، فقال: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيمتا مسجد جماعة .. فصلياها معهم؛ فإنها لكما نافلة) قال الترمذي [219]: حسن صحيح.
ولقصة معاذ المشهورة؛ فإن النبي صلي الله عليه وسلم أنكر عليه التطويل دون الإعادة.
والثاني: لا يستحب؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) رواه أبو داوود [580]، ولأنه حصل فضيلة الجماعة.
والثالث: يستحب إعادة الظهر والعشاء فقط.
والرابع: إن كان في الجماعة الثانية زيادة فضيلة لإمام أو مكان أو كثرة جمع ... استحب.
والصحيح في المسألتين: أنه لا فرق بين صلاة وصلاة.
وقيل: لا يعيد الصبح والعصر، ويعيد ما سواهما؛ لأن الصلاة بعدكما مكروهة بلا سبب.
والحديث حجة عليه، لكن روى الدارقطني عن ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من صلى وحده ثم أدرك جماعة .. فليصل إلا الصبح والعصر)، قال عبد الحق: الذي وصله ثقة.
وقيل: لا يعيد المغرب أيضًا؛ لئلا تصير شفعًا.
وفي (الترمذي) عن الشافعي: أنه يعيدها أربعًا.
ويستثنى - من هذا - الجنازة، فسيأتي أن من صلى لا يعيد.
وإنما تسن الإعادة لغير من الانفراد له أفضل كالعاري.
ولو صلى معذور الجمعة الظهر، ثم أدرك معذورين يصلونها .. لا يعيدها معهم، ويحتمل غيره.
وَفَرْضُهُ اَلأُولَى فِي اَلْجَدِيدِ، وَالأَصَحُّ: أَنّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ
وإن الإعادة إنما تستحب لمن لو اقتصر عليها .. أجزأته، أما لو كانت غير مغنية عن إلقاء كمقيم تيمم أو لبرد ... فلا.
وإن الإعادة إنما تستحب حيث لا يعارضها ما هو أهم منها وأمثلته كثيرة.
ومن صلى منفردًا في جماعة، ثم رأى من يصلي وحده .. فاتفقوا على أنه يستحب له أن يصلي معه لورود الخبر، وهذا ما أدرك جماعة لكن يصدق أنه أعادها جماعة.
ومراد المصنف: الإعادة اللغوية، لا الاصطلاحية وهي: التي سبقت بأداء مختل.
قال: (وفرضه الأولى في الجديد)؛ للحديثين المتقدمين، ولسقوط الخطاب بها.
والقديم: الفرض إحداهما، ويحتسب الله منهما ما شاء.
وقيل: الفرض كلاهما، والأولى مسقطة للحرج لا مانعة من وقوع الثانية فرضًا، كصلاة الجنازة إذا صلت طائفة .. سقط الحرج عن الباقين، فإذا صليت طائفة أخرى .. وقعت قرضًا أيضًا، وهكذا فروض الكفايات كلها.
وقيل: الفرض أكملهما .. فهذه أربعة:: قولان ووجهان.
وإنما يكون فرضه الأولى إذا أغنت عن القضاءن وإلا .. ففرضه الثانية المغنية عنه على المذهب.
قال: (والأصح: أنه ينوي بالثانية الفرض) أي: تفريعًا على الجديد؛ ليحصل له ثواب الجماعة في فرض وقته حتى يكون كمن صلاها أولاً في جماعة، وذلك توسيع إلى حيازة فضل الجماعة.
واستشكل إمام الحرمين ذلك فقال: كيف ينوي الفرضية مع القطع بأن الثانية ليست فرضًا؟ قال: بل الوجه أن ينوي الظهر أو العصر ولا يتعرض للفرضية، ويكون ظهره نفلاً كظهر الصبي، ورجحه المصنف.
وَلاَ رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا - وَإِنْ قُلْنَا: سُنَّة - إِلاَّ بِعُذْرِ
قال الشيخ: ولعل مراد الأكثرين: أن ينوي إعادة الصلاة المفروضة إلا إعادتها فرضًا.
وقيل: هو مخير، إن شاء .. أطلق النية، وإن شاء .. نوى الفر.
كل هذا على الجديد، فإن قلنا فرضة الثانية .. نوى بها الفرض لا محالة.
قال: (ولا رخصة في تركها وإن قلنا: سنة)؛ لتأكدها.
و (الرخصة) بإسكان الخاء وضمها: التيسير في الأمر والتسهيل فيه، وهي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
قال: (إلا بعذر)؛ لما روى ابن ماجه [793] وابن حبان [2064] والحاكم [1/ 246] عن ابن عباس أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من سمع النداء ولم يأته .. فلا صلاة إلا من عذر)، قالوا: ما العذر؟ قال: (خوف أو مرض).
والمراد: أن العذر يسقط إثمها على قول الفرض، والكراهة على قول السنة.
واختلفوا إذا تركها لعذر: هل يحصل له فضلها؟
فقطع في (شرح المهذب) بعدم الحصول: قال الشيخ: وهو ظاهر إذا لم تكن له عادة بها، فإن كان ملازمًا لها .. حصل له؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر .. كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا) رواه البخاري [2996] عن أبي موسى الأشعري.
وقال الروياني في (التلخيص) وابن الرفعة: كما ينفي العذر الحرج، تحصل فضيلة الجماعة إذا كان قصده الجماعة لولا العذر، وبه قال القفال والغزالي في (الخلاصة)، وهو الصواب.
ففي (سنن أبو داوود) [565] و (النسائي) [2/ 111] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد عَامَّ كَمَطَرٍ أَوْ رِيحٍ عَاصِفِ بِاَلْلَّيْلِ،
صلوا .. أعطاه الله تعالى مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا).
وذكر الرافعي في (باب صفة الصلاة): أن من صلى قاعدًا لمرض .. حصلت له فضيلة القيام.
وقال في (شرح المهذب): لا خلاف فيه .. وهو يقوي الحصول هنا، إلا أن الفرق ظاهر.
قال: (عام كمطر) سواء كان ليلاً أو نهارًا، لما روى مسلم [698] عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فمطرنا، فقال: (ليصل من شاء في رحلة).
وفي (الصحيحين) [خ 901 - م 699] عن ابن عباس أنه قال لمؤذنة في يوم جمعة فيه مطر: (قل بعد الشهادتين: صلوا في رحالكم، فكأن الناس استنكروا ذلك فقال: أتعجبون من هذا؟ والله فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتشمون في الطين والدحض) وهو: الزلق.
وشرط كون المطر عذرًا: أن تحصل به مشقة، كما صرح به الرافعي في الكلام على المرض، وصاحب (التنبيه) حيث قال هنا: ومن يتأذى بالمطر، وفي (الجمعة): ومن تبتل ثيابه بالمطر، وهو في معنى تقييد الماوردي والمتولي بالشديد.
فعلى هذا: لا يعذر بالخفيف ولا بالشديد إذا كان يمشي في كن.
قال: (أو ريح عاصف بالليل)؛ لما روى الشيخان [خ 632 - م 697] عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال النبي صلي الله عليه
وَكَذَا وَحَلّ شَدِيدٌ عَلَى اَلْصَّحِيحِ.
أَوْ خَاصِّ كّمَرَضِ، وَحَرَّ وَبَرْدٍ شَدِيدَيْنِ،
وسلم: (ألا صلوا في الرحال)، ولما فيه من المشقة.
و (الريح) مؤنثة، و (العاصف): الشديدة.
واحترز المصنف بها عن الخفيفة؛ فإنها ليست عذرًا بالاتفاق.
والعاصفة بالنهار ليست عذرًا على المشهور لخفة المشقة.
وفي (الكفاية) وجه: أنها عذر أيضًا.
لكن هذا يقتضي: أنها لا تكون عذرًا في صلاة الصبح؛ لأنها صلاة نهارية وفيه نظر.
والمتجه: إلحاقها بالليل؛ لأن المشقة فيها أشد من المشقة في المغرب.
ولا فرق في الليل بين المظلم وغيره؛ لإطلاق الأحاديث.
قال: (وكذا وحل شديد على الصحيح) فهو عذر وحده ليلاً ونهارًا، لحديث ابن عباس المتقدم، ولأنه أشق من المطر.
والثاني: لا؛ لإمكان الاحتراز عنه بالنعال ونحوها.
والمراد بـ (الوحل الشديد): الذي لا يؤمن معه التلويث وإن لم يكن متفاحشًا.
و (الوحل) بالتحريك: الطين الرقيق، وإسكان حائة لغة رديئة.
قال: (أو خاص كمرض)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
وتقدم أن ابن عباس سئل عن العذر فقال: (خوف أو مرض)، ولأن النبي صلي اله عليه وسلم لما مرض .. ترك الخروج إلى الجماعة أيامًا كثيرة.
وضبطه الأصحاب بأن يشق معه القصد إلى الجماعة مشقة كمشقة المشي في المطر، فإن كانت مشقة يسيرة كوجع الضرس والصداع اليسير والحمى الخفيفة .. فليس بعذر.
قال: (وحر وبرد شديدين) سواء كان ليلاً أو نهارًا؛ لعظم المشقة فيهما.
وَجْوعٍ وَعَطَشٍ ظَاهِرَيْنِ، وَمُدَافَعَةِ حَدَثٍ، وَخَوْفٍ ظَالِمٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَمُلاَزَمَةِ غريم معسر، ....
ففي (الصحيح): [خ: 3260 - 1617] (اشتكت النار إلى ربها، فأذن لها في التنفس، فهي تتنفس نفسًا في الشتاء ونفسًا في الصيف، فما كان من شدة الحر .. فهو من فيحها، وما كان من شدة البرد .. فهو من زمهريرها).
والمصنف تبع (المحرر) في عد هذين من الأعذار الخاصة، والرافعي عدهما من الأعذار العامة، وتبعه على ذلك في (الروضة) وهو الصواب.
قال: (وجوع وعطش ظاهرين، ومدافعة حدث)؛ لما تقدم في آخر (شروط الصلاة) وتقدم هناك أن ذلك ليس تكرارًا.
قال: (وخوف ظالم على نفس أو مال)؛ لما تقدم في حديث ابن عباس أنه فسر العذر بالخوف.
والمراد: النفس والمال المعصومان.
والمصنف هنا وفي (باب التيمم) نكر النفس والمال ليشمل ماله ومال غيره ممن يلزمه الذب عنه، ولهذا كان أحسن من قول (الشرحين) و (الروضة): إلا أن يخاف على نفسه أو ماله.
وقد يقال: في الذب عن مال الغير نظر، لكن سيأتي في (دفع الصائل): أنه لو رأى غيره يحرق متاعه أو يشدخ رأس حماره .. لزمه الدفع عنه على الأصح.
قال الرافعي: ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم بمنعه، بل عليه الحضور وتوفيقه الحق، وسيأتي فيمن عليه حضور ما يخصص هذا الإطلاق.
ويدخل في الخوف ما إذا كان خبره في التنور، أو قدره على النار ولا متعهد لهما.
قال: (وملازمة غريم معسر).
المراد بـ (المعسر): من عسر عليه إقامة البينة على إعساره؛ للحديث السابق.
وصورة المسألة: أن لا تكون له بينة بإعساره، أو كانت وتعذر إحضارها، فإن
وَعُقُوبَةٍ يُرْجَى تَرْكُهَا إِنْ تَغَيَّبَ أَيَّامًا،
وجدا ولم يتعذر إحضارها .. فلا يعذر.
والمتجه: إلحاق رد اليمين بذلك.
والملازم قد يكون صاحب الحل، وقد يكون غيره وهو المعهود الآن، والحبس كالملازمة في ذلك.
وقوله: (غريم معسر) يقرأ بالإضافة من غير تنوين، أي: ملازمة غريمه له وهو معسر.
وعبارة (المحرر): أو خاف حبس الغريم وملازمته.
وما أحسن قول (البسيط): ومديونًا معسرًا يعسر عليه إثبات الإعسار.
و (الغريم) أصله من الغرام - وهو: الدائم، ومنه قوله تعالى: ﴿إنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ - فأطلقوه هنا لدوام الطلب.
قال الجوهري: الغريم: الذي عليه الدين، وقد يكون الذي له الدين، قال كثير عزة [في (ديوانه) 297 من الطويل]:
قضي كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
قال: 0وعقوبة يرجى تركها إن تغيب أيامًا) كالقصاص وحد القذف والتعازير وغير ذلك مما يقبل العفو، بخلاف ما لا يقبله كحد الزنا والسرقة والشرب إذا بلغت الإمام، وكذا كل ما لا يسقط بالتوبة.
واستشكل الإمام جواز التغيب لمن عليه قصاص بأن القتل ونحوه من الكبائر والتخفيف ينافيه، وكيف يجوز له التغيب مع أن التسليم واجب عليه؟ ثم أجاب بأن العفو مندوب إليه، والتغيب طريق إليه.
وعبر في (المحرر) بقوله: (يرجو تركها، وهي أصوب؛ فإن النظر إلى رجائه وبأسه دون غيره.
وَعُرْيٍ، وَتَأَهُّبٍ لِسَفَرٍ مَعَ رُفْقَةٍ تَرْحَلُ، وَأَكْلِ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ،
والظاهر: أن المراد: الرجاء القريب، أما البعيد .. ففيه نظر.
قال: (وعرى) ولو وجد سائر العورة؛ لأن فيه مشقة في المشي من غير ساتر يليق به، فإن اعتاد ستر العورة فقط .. لم تسقط عنه الجماعة.
ووجود ما لا يليق كالفقيه إذا وجد قباء .. حكمه حكم العدم.
قال: (وتأهب لسفر) أي: مباح (مع رفقة ترحل) فيتخلف عن الجماعة ولا يتخلف عنهم؛ لما في ذلك من المشقة.
وتقدم في (باب التيمم): أن الأصحاب لم يبيحوا ترك الجماعة ولحاق القافلة بسبب الوحشة، بل شرطوا خوف الضرر، وهنا اعتبروا الوحشة وتقدم الفرق.
قال: (وأكل ذي ريح كريه)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (من أكل ثومًا أو بصلاً أو كراثًا .. فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) رواه الشيخان (خ 855 - م 564] عن جابر.
زاد البخاري [854]: قال جابر: (ما أراه يعني إلا نيته).
وزاد الطبراني (طس 37]: (أو فجلا).
لا جرم صرح في (شرح مسلم) بأن الفجل كالكراث.
وذهب الخطابي إلى أن أكل جميع ذلك ليس عذرًا في ترك الجماعة.
تنبيهات:
أحدها: المجزوم به في (الروضة) وغيرها: أن دخول المسجد للذي أكل ذلك مكروه، وظاهر الحديث يقتضي: تحريمه، وإليه ذهب ابن المنذر.
الثاني: محل كون ذلك عذرًا: إذا لم يمكن إزالة رائحته بغسل ومعالجة، فإن كان مطبوخًا .. فلا.
وَحُضُورِ قَرِيبٍ مُحْتَضَرٍ
وأسقط المصنف قيد النيء، اعتمادًا على أن الطبخ يزيل رائحته، وهو كذلك اعتمادًا على الأحاديث الصحيحة فيه.
الثالث: اختلف العلماء في أكل ما له رائحة كريهة من البقول: فذهب الجمهور إلى جوازه، وذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب الصلاة في جماعة إلى المنع محتجين بأن النبي صلي الله عليه وسلم سماها: (خبيثة)، والله تعالى وصفه بأنه يحرم الخبائث.
وحجة الجمهور قوله عليه الصلاة والسلام: (كله؛ فإني أناجي لمن لا تناجي".
قال المصنف: وقاس العلماء على هذا مجالس العلم وأمكنه الولائم ونحوها، ولا يلتحق بها الأسواق.
الرابع: يؤخذ مما ذكره المصنف سقوط الجماعة بالبخر والصنان المستحكمين من باب أولى.
والظاهر: أن الجذام والبرص كذلك، وكذلك من بها استحاضة أو جرح سيال.
الخامس: ظاهر إطلاقهم .. أنه لا فرق في ذلك بين المعذور وغره، خلافًا لابن حبان [2095] فإنه استثنى المعذور، ثم أسند إلى المغيرة بن شعبة أنه قال: أكلت ثومًا ثم أتيت مصلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فوجدته قد سبقني بركعة، فلما قمت لأقضي .. وجد ريحه فقال: (من أكل هذه البقلة .. فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها)، قال المغيرة: فلما قضيت الصلاة .. أتيته فقلت: يا رسول الله؛ إن لي عذرًا فناولني كفك فوجدته والله سهلاً، فأدخلها في كمي إلى صدري فوجده معصوبًا فقال: (إنك لمعذور).
قال: (وحضور قريب محتضر)؛ لما في ذهابه إلى الجماعة من شغل القلب السالب للخشوع.
وفي (البخاري) [3990] في (باب فضل من شهد بدرًا): أن ابن عمر كان يتطيب
أَوْ مَرِيضٍ بِلاَ مُتَعَهِّدٍ أَوْ يَانَسُ بِهِ
للجمعة، فأخبر ابن سعيد بن زيد منزل به وكان قريبًا له .. فأتاه وترك الجمعة.
وفي معنى القريب: المولى والزوجة والصديق والصهر، وكذا الأستاذ كما نبه عليه المحب الطبري، ولا يبعد إلحاق المعتق والعتيق بهم أيضًا.
قال: (أو مريض بلا متعهد) سواء كان قريبًا أم أجنبيًا؛ لأن حفظ الآدمي أولى من المحافظة على الجماعة.
وشرطه: أن يلحقه بغيبته ضرر ظاهر في الأصح - وكذا من كان له متعهد مشغول عند ذلك الوقت - فلو خاف هلاكه .. فعذر قطعًا.
قال: (أو يأنس به) هذا مخصوص بالقريب، كما صرح به (المحرر) وهو المنقول، فيتخلف القريب - للأنس - مع المتعهد، بخلاف الأجنبي لظهور الفرق بينهما.
و (الأنس): خلاف الإيحاش، يقال: تأنست به واستأنست، وكانت العرب تسمى يوم الخميس مؤنسًان لأنهم كانوا يمليوا فيه إلى الملاذ.
قال الجوهري: تقول: هو إنسي وخدني وخلصي وجلسي كله بالكسر.
تتمة:
عد المتولي وغيره من الأعذار: أن يخاف أن يسرق رحله، أو تضيع وديعة عنده، وعد الماوردي من الأعذار العامة: الزلزلة، ومن الخاصة: إنشاد الضالة التي يرجو الظفر بها.
ومنه: غلبة النعاس والنوم عند الروياني؛ لأنه يسلب الخشوع في الصلاة، ويخاف انتفاض الطهر في اثنائها، وترك الصلوات الليلة لذات الزفاف كما سياتي في (باب القسم).
وعد ابن حبان [2070] من ذلك: السمن المفرط المانع من حضور الجماعة؛ لأن رجلاً ضخمًا من الأنصار شكا لرسول الله صلي الله عليه وسلم ذلك فشكاه.
فَصْلٌ: لاَ يَصِحُّ اَقْتِدَاؤُهُ بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلاَنَ صَلاَتِهِ أَوْ يَعْتَقِدُهُ، كَمُجْتَهِدَيْنٍ أَخْتَلَفَا فِي اَلْقَبْلَةِ أَوْ إِنَاءَينِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ اَلْطَّاهِرُ .. فَالأَصَحُّ: اَلْصِّحَّةُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ إَنَاُء اَلإِمَامِ لِلنَّجَاسَةِ، قال: (
فصل
:
لا يصح اقتداؤه من يعلم بطلانه صلاته)؛ لأنها غير مقبولة فلا يرتبط بها غيرها، وذلك بأن يعلم حدثه أو كفره، أو يعلم أن به نجاسة غير معفو عنها.
قال: (أو يعتقده).
مرادهم بـ (الاعتقاد) هنا: الظن الغالب لا المصطلح عليه عند الأصوليين وهو: الجازم لدليل.
قال: (كمجتهدين اختلفا في القبلة أو إناءين) أي: بغير زيادة، فلا يجوز لأحدهما أن يقتدي بالآخر، لأن كلاً منهما يعتقد بطلان صلاة الآخر.
ولو اجتهد في القبلة أكثر من اثنين كأربعة أدى اجتهاد كل منهم إلى جهة .. كان الحكم فيهم كالاثنين أيضًا.
وهكذا في الأواني إذا كان الطاهر منها واحدًا.
وقد صرح بالمسألتين في (المحرر)، وأشار إليه المصنف بكاف التشبيه.
قال: (فإن تعدد الطاهر .. فالأصح: الصحة ما لم يتعين إناء الإمام للنجاسة)
مثاله: كانت الأواني ثلاثة: أحدها نجس، والطاهر اثنان، واعتقد طهارة إنائه خاصة، ولم يغلب على ظنه شيء من حال الآخرين .. فالأصح: جواز اقتدائه بمن شاء منهما؛ لأن الأصل عدم وصول المنجس إلى الإناء.
والثاني - وبه قال صاحب (التلخيص) -: لا يجوز له الاقتداء بواحد من صاحبيه؛ لأنه متردد في مستعمل النجس منهما.
والثالث: يصح الاقتداء الأول إن اقتصر عليه، فإن اقتدى ثانيًا .. لزمه إعادتهما؛ للاشتباه، وهو قول أبي إسحاق.
فَإِنْ ظَنَّ طَهَارَةَ إِنَاءِ غَيْرِهِ .. اَفْتَدَى بِهِ قَطْعًا، فَلَوِ اَشْتَبَهَ خَمْسَةٌ فِيهَا نَجِسٌ عَلَى خَمْسَةٍ، فَظَنَّ كُلِّ طَهَارَةَ إِنَاءٍ فَتوَضَّأَ بِهِ، وَأَمَّ كُلُّ فِي صَلاَةٍ .. فَفِي اَلأَصَحِّ: يُعِيدُونَ اَلْعِشَاءَ إِلاَّ إِمَامَهَا فَيُعِيدُ اَلْمَغْرِبَ.
وَلَوِ اَقْتَدَى شَافِعِيِّ بِحَنَفِيَّ مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ اَقْتَصَدَ .. فَالأَصَحُّ: اَلصِّحَّةُ فِي اَلْفَصْدِ دُونَ اَلْمَسِّ؛ اَعْتِبَارًا بْنِيَّةِ اَلْمُقْتَدِي
فإن اقتدى بهما في صلاتين .. فالأصح: يعيد الأخيرة فقط، وقيل: يعيدهما؛ للاشتباه.
قال: (فإن ظن طهارة إناء غيره .. اقتدى به قطعًا)، كما يجوز له أن يصلي إذا ظن طهارة إناء نفسه.
وفهم منه: إنه إذا ظن نجاسة إناء غيره .. لا يقتدي به ولا خلاف في ذلك؛ لأنه مكلف بما غلب على ظنه.
قال: (فلو اشتبه خمسة فيها نجس على خمسة، فظن كل طهارة إناء فتوضًا به، وأم كل في صلاة) - أي: بالباقين - وابتدؤوا بصلاة الصبح.
قال: (... ففي الأصح) أي: الذي سبق (يعيدون العشاء)؛ لأن النجاسة قد انحصرت في حق إمامها فيما يزعمون.
قال: (إلا إمامها فيعيد المغرب)؛ لأنه يعتقد انحصار النجاسة في إمامها، وضابطه: أن كل واحد يعيد ما كان مأمومًا فيه أخرًا.
وعند صاحب (التلخيص) وأبي إسحاق: يعيد كل منهم الأربع التي كان مأمومًا فيها.
ومدركهما مختلف كما تقدم.
ولو سمع صوت حدث بين خمسة وتناكروه .. فعلى الأوجه في الأواني.
قال: (ولو اقتدى شافعي بحنفي مس فرجه أو اقتصد .. فالأصح: الصحة في الفصد دون المس؛ اعتبارًا بنية المقتدي)، كما لو اختلف اجتهاد رجلين في القبلة أو الأواني.
لا يقتدي أحدهما بالآخر.
وَلاَ تَصِحُّ قُدْوَهٌ بِمُقْتَدِ،
والثاني: عكسه اعتبارًا بنية الإمام؛ لأن صلاته في هذه الحالة صحيحة في نفسه، وخطؤه غير مقطوع به، وإلى هذا ذهب القفال، وهو المنصوص وعليه الجمهور وعمل الناس في الأعصار مع الخلاف بينهم، فلم تزل الصحابة وغيرهم يصلون خلف المخالف وإن ترك واجبًا عندهم، وقد صلى معاوية بأهل المدينة فلم يبسمل، فلما سلم ذكروا له ذلك، فلما صلى بهم ثانيًا قرأها، ولم ينقل عن أحد منهم أنه أعاد تلك الصلاة.
والثالث: إن اقتدى بولي الأمر أو نائبه .. صح مع تركه لبعض الواجبات؛ إخمادًا للفتنة، وإلا .. لم يصح، قاله الحليمي والأودني، واستحسنه الرافعي.
وكذلك الحكم لو ترك الاعتدال في الركوع والسجود.
وقد تقدم في (الوضوء): أن الماء الذي توضأ به الحنفي مستعمل على الأصح، وتقدم الفرق هناك.
وقول المصنف: (اعتبارًا بنية المقتدي) من زياداته على (المحرر)، وكان الصواب أن يقول: اعتبارًا باعتقاد المتقدي؛ إذ لا معنى للنية هنا.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: لا يصح اقتداؤه به ولو حافظ على جميع الواجبات؛ لأنه لم يأت بها على اعتقاد الوجوب.
قال الشيخ: وما قاله لازم على قول الأصحاب: أنه ذا أتى بفروض الصلاة على اعتقاد أنها نفل .. لم تصح، قال: ولا يترجح إلا قول الأستاذ، وإلا .. فقول القفال.
فإن اقتدى بالمخالف ولم يعلم أنه أتى بمناف .. فالأصح: الصحة.
قال: (ولا تصح قدوة بمقتد) أي: في حالة قوته؛ لأنه تابع لغيره يلحقه سهو ذلك الغير، ومنصب الإمام يقتضي الاستقلال وأن يتحمل هو سهو غيره، و (أما اقتداء الناس بأبي بكر خلف النبي صلي الله عليه وسلم) .. فإنهم كانوا مقتدين بالنبي صلي الله عليه وسلم وأبو بكر يسمعهم التكبير.
وَلاَ بِمَنْ تَلْزَمُهُ إِعَادَةٌ كَمُقِيمِ تَيَمَّمَ، وَلاَ قَاِرئٍ بَأُمِّيِّ فِي اَلْجَدِيدِ -
فلو رأى صفًا فنوى الاقتداء بالإمام ولم يعلمه.
لم يصح.
وإن التبس الأمر على القوم، فاعتقد كل منهم أنه مأموم.
بطلت صلاتهم؛ لأن كل واحد منهم اقتدى بمن ليس بإمام.
فإن اعتقد كل منهم أنه إمام.
صحت صلاة الجميع؛ لأن كل واحد منهم يصلي لنفسه.
قال: (ولا بمن تلزمه إعادة كمقيم تيمم)؛ ومثله من لم يجد ماء ولا ترابًا على الجديد؛ لأن صلاته غير معتد بها لوجوب إعادتها.
وقيل: يجوز لمن هو في مثل حاله أن يقتدي به.
قال: (ولا قارئ بأمي في الجديد)؛ لأن الإمام بصدد تحمل القراءة عن المأموم، فإذا لم يحسنها .. لا يصح تحمله، كالإمام الأعظم إذا عجز عن تحمل أعباء الرعية.
والمراد بـ (الأمي) عندنا: من لا يحسن (الفاتحة) أو بعضها، و (القارئ): الذي يحسنها.
وعند أصحاب أبي حنيفة: الأمي: من لا يحسن من القرآن ما يصلي به.
و (الأمي): نسبة إلى الأم، كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها.
وحقيقته في اللغة: الذي لا يكتب، ثم استعمل فيما ذكر هنا مجازًا.
فإذا خالف واقتدى به بطلت صلاة القارئ دون الأمي.
وقال أبو حنيفة: تبطل صلاتهما؛ لأنه ألزمه تحمل القراءة وليس أهلاً لذلك، فكأنه ترك ركنًا من صلاته فبطلت وبطل بها صلاة المأموم.
وفي القديم: إن كانت الصلاة سرية .. صح الاقتداء، وإلا .. فلا بناء على أنه يتحمل عنه القراءة في الجهرية.
وذهب المزني إلى صحة الاقتداء به سرية كانت أو جهرية.
ولا فرق في جريان الخلاف بين أن يعلم أنه أمي أم لا على الأصح، وقيل: إن علمه أميًا .. لم تصح قطعًا.
ومحل الخلاف: فيمن لم يطاوعه لسانه، أو طاوعه ولم يمض زمن يمكن فيه
وَهُوَ: مَنْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ أَوْ تَشْدِيدَةٍ مِنَ (اَلْفَاتِحَةِ)، وَمِنْهُ: أَرَتُ يُدْعِمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَاَلْثَغُ: يُبْدِلُ حَرْفًا -
التعلم، فأما إذا مضي وقصر بترك التعلم .. فلا يصح اقتداؤه به بلا خلاف.
قال: (وهو: من يخل بحرف أو تشديدة من (الفاتحة)) هذا تفسير الأمي، ونبه به على أن من لا يحسنها من طريق أولى.
والمراد: من يخل به عجزًا لا اختيارًا، ولهذا عبر في (المحرر) بقوله: لا يطاوعه لسانه.
وإنما يبطل الاقتداء إذا حصل بعد الإخلال المذكور.
ومن يحسن سبع آيات من غير الفاتحة بالنسبة إلى من لا يحسن إلا الذكر .. كالقارئ مع الأمي.
قال: (ومنه: أرت يدغم في غير موضعه)؛ لنقصه.
وقيل: هو من يبدل الراء بالياء.
وعن الشافعي هو: من في لسانه رخاوة.
وهو بالتاء المثناة المشددة، يقال: في لسانه رتة بضم الراء.
قال: (والثغ: يبدل حرفًا)؛ لأنه أمي.
وفي قول آخر: يجوز أن يقتدى بالأرت والألثغ؛ لأنه ركن من أركان الصلاة فجاز للقادر عليه أن يأتم بالعاجز عنه، كالقائم خلف القاعد.
والذي ذكره المصنف هو موضع الخلاف، فلو كانت اللثغة لا تمنعه أن يأتي بالحرفز.
فقارئ وهو: من يأتي بالحرف غير صاف كما قاله القاضي أبو الطيب.
وحكى في (البحر) عن الشيخ أبي إسحاق الإسفراييني عن الداركي عن أبي غانم ملقي أبي العباس قال: انتهى ابن سريج إلى هذه المسألة فقال: لا تجوز إمامة
وَتَصِحُّ بِمِثْلِهِ.
وَتُكْرَهُ بِالتَّمْتَامِ، وَالْفَافَاءِ، وَاللاَّحِنِ،
الألثغ، وكانت لثغته يسيرة وبي مثلها، فاحتشمت أن أقول: هل تصح إمامتك؟ فقلت: أيها الشيخ هل تصح إمامتي؟ قال: نعم، وإمامتي أيضًا.
و (اللثغة) بالثاء المثلثة وضم اللام: أن يصير الراء غينًا أو لامًان والسين ثاء، وقد لثغ بالكسر يلثغ لثغًا فهو ألثغ وامرأة لثغاء.
قال: (وتصح بمثله) يدخل فيه الأمي بالامي والألثغ والأرت بالأرت، لاستوائهما في النقصان، لا من يحسن بعض (الفاتحة) بمن يحسن بعضًا آخر، ومن هذا النوع اقتداء الأرت بالألثغ.
قال: (وتكره بالتمتام، والفأفاء)؛ لما فيه من التطويل فإنهما يزيدان على الكلمة ما ليس منها.
و (التمتام): من يكرر التاء.
و (الفأفاء) من يكرر الفاء، وهو بهمزتين والمد، ويجوز قصره.
وسائر الحروف في تكرارها بمثابة التاء والفاء في الكراهة للمعنى السابق، ولهذا قال صاحب (البيان): تكره إمامة الوأواء وهو: الذي يكرر الواو.
وصلاة هؤلاء صحيحة؛ لأنهم يأتون بالحرف على التمام والزيادة مغلوب عليها.
قال: (واللاحن) أي: في القراءة، وهو أحسن من قول (المحرر): لحان؛ لأن اللحان: من أكثر من ذلك ولا يشترط.
والمراد هنا: لحن لا يغير معنى، كرفع الهاء من: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ بجر اللام .. فإنه مبطل.
كل هذا إذا كان قادرًا عليه عامدًا، أما مع العجز أو الجهل أو النسيان: فإن كان في غير (الفاتحة) .. لم يضر، وإن كان فيها .. ضرَّ، لأنها ركن.
ولذلك قال الشافعي: الاختيار في الإمام: أن يكون فصيح اللسان حسن البيان مرتلاً للقرآن.
فَإِنْ غَيَّرَ مَعْنَىّ كَـ (أَنْعَمْتُ) بِضَمَّ أَوْ كَسْرٍ .. أَبْطَلَ صَلاَةَ مَنْ أَمْكَنَهُ اَلْتَّعَلُّمُ، فَإِنْ عَجَزَ لِسَانُهُ، أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إِمْكَانِ تَعَلُّمِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي (اَلْفَاتِحَةِ) .. فَكَأُّمَّيَّ، وَإِلاَ .. فَتَصِحُّ صَلاَتُهُ وَالْقُدْوَةُ بِهِ، وَلاَ تَصِحُّ قُدْوَةُ رَجْلٍ وَلاَ خُنْثَى بِاَمْرَأَةَ وَلاَ خُنْثَى
و (اللحن): الخطأ في الإعراب.
واللحن بالتحريك: الفطنة، وفي الحديث: (ولعل بعضكم ألحن بحجته) أي: أفظن بها، قال مالك بن أسماء [م الخفيف]:
وحديث ألذه وهو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنًا
منطق رائع وتلحن أيحا ... نًا وخير الحديث ما كان لحنًا
يريد أنها تزيل الكلام عن موضعه لذكائها وفطنتها، كما قال تعالى: ﴿ولَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ واللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: في فحواه ومعناه.
قال: (فإن غير معنى كـ (أنعمت) بضم أو كسر .. أبطل صلاة من أمكنه التعلم)؛ لأنه ليس بقرآن.
وقال الروياني وغيره: تكره إمامة من ينطق بالحرف بين الحرفين، كالعربي الذي يعقد القاف فينطق بها بينها وبين الكاف.
قال في (شرح المهذب): وفي الصحة نظر؛ لأنه لم يأت بالحرف الأصلي.
قال: (فإن عجز لسانه، أو لم يمض زمن إمكان تعلمه، فإن كان في (الفاتحة) .. فكأمي).
فعلى هذا: تصح صلاته وحده دون القدوة به.
قال: (وإلا .. فتصح صلاته والقدوة به)، لأن ترك السورة لا يبطل الصلاة، ولا يمنع الاقتداء.
قال: (ولا تصح قدوة رجل ولا خشى بامرأة ولا خنثى).
أما امتناع قدوة الرجل بالمرأة .. فلقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، ولقوله صلي الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري [4425].
وَتَصِحُّ لِلْمُتَوَضِّئِ بِاَلْمُتَيَمِّمِ وَبِمَاسِحِ اَلْخُفِّ،
وإن صح ما رواه ابن ماجه [1081] أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (لا تؤمن امرأة رجلاً) .. كان صريحًا فيه.
وقد قيل: إن ذلك مذهب الفقهاء السبعة م التابعين فمن بعدهم، خلافًا لأبي ثور والمزني وابن جرير، فإنهم جوزوا لها أن تؤم الرجال في التراويح بشرط أن لا يكون ثم قارئ غيرهان وأنها تقف خلفهم مستدلين بقوله صلي الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
جوابه: أن القوم خاص بالرجال؛ لقوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ الآية.
وإذا امتنع اقتداء الرجل بالمرأة .. امتنع اقتداؤه بالخنثى، واقتداء الخنثى بالمرأة والخنثى، للاحتمال
والمراد بـ (الخنثى): المشكل، لكن قال في (الحاوي): إذا زال إشكاله وتبين أنه امرأة .. كرهنًا له أن يأتم بامرأة، وإن بان رجلاً .. كرهنا للرجال الائتمام به.
ولو عبر المصنف بالذكر بدل الرجل .. لعم الصبي وكان حسن؛ فإن الحكم فيه كالرجل.
ويجوز اقتداء النسوة بالخنثى اتفاقًان ولا يقف وسطهن بل أمامهن، ولا يجوز أن يصلي بهن إلا أن يكون ثم محرم لإحداهن، فإن كثرن، فهل تحرم الخلوة بهن؟ وجهان:
ونص الشافعي على أنه: لا يجوز للرجل أن يؤم نسوة منفردات إلا أن تكون إحداهن محرمًا له.
قال: 0وتصح للمتوضي بالمتيمم) الذي لا يجب عليه القضاء؛ لأنه أتى عن طهارته ببدل.
قال: (وبماسح الخف)؛ لأنها مغنية عن القضاء.
وكذا المستنجي بالماء المستجمر بالأحجار.
وَلِلْقَائِمِ بِاَلْقَاعِدِ وَاَلْمُضْطَجِعِ، وَلِلْكَامِلِ بِاَلصَّبيِّ
قال: (وللقائم بالقاعد) خلافًا لابن المنذر؛ فإنه أوجب القعود.
لنا: ما روى الشيخان [خ 664 - م 418] عن عائشة: (أن النبي صلي اله عليه وسلم صلى في مرض موته قاعدًا وأبو بكر والناس قيامًا).
قال البيهقي: وكان ذلك في صلاة الظهر يوم السبت والأحد، وتوفي صلي الله ليه وسلم ضحى يوم الاثنين، فكان ذلك ناسخًا لما في (الصحيحين) [خ 722 - م 414] عن أبي هريرة من قوله صلي الله عليه وسلمك (وإذا صلى جالسًا .. فصلوا جلوسًا أجمعون).
قال: (والمضطجع) أي: يصح اقتداء كل من القائم والقاعد بالمضطجع، قياسًا على قدوة القائم بالقاعد.
وكان الأحسن أن يقول: والقائم بغيره؛ ليشمل المستلقي.
وهذا فيمن يأتي بالركن ولو موميًا، فأما من يشير إليه بجفنه أو يجري أفعال الصلاة على قلبه .. فالظاهر: أنه لا تصح القدوة به.
قال: (وللكامل بالصبي)؛ لما روى البخاري [4302] أن عمرو بن سلمة بكسر اللام كان يؤم قومه على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو ابن ست أو سبع سنين.
وعمرو المذكور اختلف في سماعه من النبي صلي الله عليه وسلم ورؤيته إياه، والمشهور: أنه لم يسمعه ولم يره، لكن كانت الركبان تمر بهم فيحفظ عنهم ما سمعوه من النبي صلي الله عليه وسلم وكان أحفظ قومه، فلذلك قدموه فصلى بهم، ولا خلاف عندنا في صحة إمامته في غير الجمعة.
والمراد بـ (الصبي): المميز الذي يعقل أفعال الصلاة، ولا كراهة في إمامته عندنا.
وقال أبو حنيفة: تجوز إمامته في النقل دون الفرض.
ومنعها داوود في الفرض والنقل.
ومنعها داوود في الفرض والنفل.
وفي (فضائل الأوقات) للبيهقي عن ابن عباس قال: قالت عائشة: كنا نأخذ
وَاَلْعَبْدِ، وَالأَعْمَى وَاَلْبَصِيرُ سَوَاءٌ عَلَى اَلْنَّصِّ
الصبيان من المكتب فيصلون بنا التراويح، وكنا نعمل لهم القليلة والخشكنان.
قال: (والعبد) أي: يصح اقتداء الكامل بالعبد؛ لأنه من أهل الفرض؛ لأن ذكوان مولى عائشة كان يؤمها، رواه البخاري.
وفيه: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).
ورواه الفقهاء بزيادة: (ما أقام فيكم الصلاة).
ولا كراهة في ذلك خلافًا لابن خيران، لكن الحر أولى منه، والعبد البالغ أولى من الحر الصبي.
وفي العبد الفقيه والحر غير الفقيه ثلاثة أوجه، أصحها: أنهما سواء.
قال الشيخ: وعندي أن العبد الفقيه أولى؛ فقد كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء وفيهم عمر وغيره؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا، وهو وإن كان معتقًا في ذلك الوقت، إلا أنه مولى وقدم على حر الأصل لكثرة قرآنه.
والظاهر: أن المبعض أولى من كامل الرق.
قال: (والأعمى والبصير سواء على النص)؛ لأن في البصير اجتناب النجاسة، وفي الأمى الخشوع فاستويا، ويقابل النص وجهان:
أحدهما: الأعمى أولى، وبه قال أبو إسحاق المروزي، وصححه ابن أبي عصرون والمصنف في (مختصر التذنيب)، واختار في باقي كتبه: أنهما سواء، وكره ابن سيرين ومالك وأبو حنيفة إمامته.
والثاني: البصير أولى، وهو ظاهر؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم إنما كان يستخلف ابن أم مكتوم؛ لأنه تخلف عن الغزو لعذر، فأراد النبي صلي الله عليه
وَاَلأَصَحُّ: صِحَّةُ قُدْوَةٍ اَلْسَّلِيمِ بِاَلْسَّلِسِ، وَالَطَّاهِرِ بِاَلْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ اَلْمُتَحَيِّرَةِ.
وسلم أن يجبره بذلك، ولأن أهل الإمامة كانوا لا يتأخرون عن الغزو مع رسول الله صلي الله عليه وسلم، وأما عتبان بن مالك .. فلعله لم يكن في قومه من يصلح للإمامة سواه.
واتفق أصحابنا على أن إمامته لا تكره.
والحر الضرير أولى من العبد البصير؛ لأن الرق نقص.
وقال شارح (التعجيز): الأصم في هذا كالأعمى.
وفي (رحلة ابن الصلاح) عن أبي نصر بن الصباغ: تكره إمامة الأقلف بعد البلوغ لا قبله.
قال: (والأصح: صحة قدوة السليم بالسلس، والطاهر بالمستحاضة غير المتحيرة)؛ لأن صلاة الإمام مغنية عن القضاء، فصحت قياسًا على من على ثوبه أو بدنه نجاسة معفو عنها.
والثاني: لا تصح؛ لحملها النجاسة، وإنما صحت صلاتهما في نفسهما، للضرورة.
أما المتحيرة .. فلا يصح الاقتداء بها جزمًا لوجوب القضاء عليها وفاء بالقاعدة المتقدمة.
ومن هنا يؤخذ من الكتاب أن المتحيرة تقضي ما صلته؛ إذ لا معنى لمنع الاقتداء بها إلا ذلك، وقد تقدم هذا في (باب الحيض)، وأن المنصوص: عدم القضاء.
وصحح الشيخان وجوبه؛ ذهولاً عن النص.
وعلى هذا: فالظاهر: جواز اقتداء الطاهرة بها.
وعبارة الكتاب تقتضي: جواز اقتداء كل منهما بمثله، وهو قياس ما تقدم في
وَلَوْ بَانَ إِمَامُةُ اَمْرَأَةَ، أَوْ كَافِرًا مُعْلِنًا، قِيلَ: أَوْ مَخْفِيًا .. وَجَبَتِ اَلإِعَادَةُ، لاَ جُنُبًا، وَذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةِ .....
الأمي بمثله، لكن الصحيح في زوائد (الروضة) في (باب الحيض): أنه لا تصح صلاة المتحيرة خلف مثلها.
و (السلس) هنا بكسر اللام: اسم للشخص، وأما الفتح: فهو المصدر.
قال: (ولو بان إمامه امرأة، أو كافرا معلنًا، قيل: أو مخفيًا .. وجبت الإعادة)؛ لأنه مقصر بترك البحث عن حال إمامه، ولأن الإمارة على ذلك ظاهرة.
والمراد بـ (الكافر المعلن): كاليهودي والنصراني، و (المخفي): كالزنديق والمرتد والدهري.
وقال المزني: لا تجب الإعادة فيهما قياسًا على ما لو بان محدثًا أو جنبًا.
والفرق: أن الجنب يصح أن يكون إمامًا في حالة وهو: إذا تيمم عند عدم الماء، والكافر لا يصح أن يكون إمامًا بحال.
وجواب المزني: أن التيمم عنده يرفع الحدث.
فرع:
تبين أن إمامة خنثى .. وجب القضاء عند الأكثرين؛ لأن أمره لا يخفي غالبًا، لما جبلت عليه النفوس من التحدث بالأعاجيب.
قال: (لا جنبًا، وذا نجاسة خفية)؛ إذ لا أمارة عليهما فلا تقصير من جهته، وكذلك المحدث كما قاله في (المحرر)، فلو عبر المصنف به .. كان أشمل.
وتقييده بـ (الخفية) يفهم: وجوب القضاء في الظاهرة، لكنه صحح في (التحقيق) عدمها.
وهذا في غير الجمعة، أو فيهتا وهو زائد على الأربعين كما سيأتي في بابها.
فرع:
صلاة المأموم إذا تبين حدث إمامة أو كونه جنبًا، هل هي جماعة أو فرادى؟
وجهان:
قُلْتُ: اَلأَصَحُّ اَلْمَنْصُوصُ وَقَوْلُ اَلْجُمْهُورِ: أَنَّ مُخْفِيَ اَلْكُفْرِ هُنَا كَمُعْلِنِةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
أصحهما: أنها جماعة.
وأقواها عند الشيخ: أنها فرادى؛ لأن الذين قالوا: إنها جماعة تمسكوا بحديث رواه ابن ماجه [1220] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة وكبر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم أنطلق فاغتسل، ثم أتى فصلى بهم وقال: (كنت خرجت إليكم جنبًا وإني نسيت حتى قمت إلى الصلاة) وهو حديث ضعيف، والصحيح ما رواه البخاري [639] عن أبي هريرة: (أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاة انتظرناه أن يكبر فانصرف وقال: (مكانكم)، فمكثنا على هيئتنا ثم خرج إينا ينظف رأسه ماء وقد اغتسل).
ولا دليل فيه على حصول الجماعة للمصلى خلف المحدث، بل صحة الصلاة خلف المحدث مختلف فيها، ومذهبنا: صحتها.
وحكى صاحب (التلخيص) قولاً: أن الإمام الجنب أو المحدث إن كان عالمًا بحدثه .. وجب على المأموم القضاء، وإلا ... فلا.
وقيل: إن هذا النقل غلط وإن الشافعي إنما حكاه عن مالك.
قال: (قلت: الأصح المنصوص وقول الجمهور: أن مخفي الكفر هنا كمعلنة والله أعلم) لأن على كفره أما رأت من الغيار وغيره، ولأنه من أهل الصلاة، بخلاف المسلم المحدث فإنه من أهلها في الجملة.
ولم يتعرض المصنف لطريق بيان ذلك هل يكتفي فيه بقول الكافر أو لا؟
ونص في (الأم) على أنه: يقبل قوله في كونه كافرًا في (باب صلاة الرجل بالقوم لا يعرفونه)، ولولا هذا النص .. لكان يظهر أن يقال: لا يقبل قوله إلا أن يسلم بعد ذلك، ويخبر بالحالة التي تقدمت منه، فحينئذ يقبل قوله؛ لأن ذلك من باب الخبر.
وَاَلأُمِّيُّ كَاَلْمَرْأَةِ فِي اَلأَصَحِّ.
وَلَوِ اَقْتَدَى بِخُنْثَى فَبَانَ رَجُلاً .. لَمْ يَسْقُطِ اَلْقَضَاءُ فِي اَلأَظْهَرِ
فرع:
إذا صلى الكافر في دار الإسلام، ولو يظهر التشهد بحيث يسمع منه .. لا يحكم بإسلامه سواء صلى في المسجد أو في غيره، وسواء كان إمامًا أو مأمومًا؛ لأن الصلاة من فروع الإيمان فلا يصير بها مسلمًا، كما لو صام رمضان وزكى، لكنه يعزر.
وإن كان في دار الحرب .. لم يحكم بإسلامه أيضًا على الأصح.
وقال القاضيان أبو الطيب والحسين: يحكم بإسلامه؛ لأنه لا قوة للمسلمين في دار الحرب.
قال: (والأمي كالمرأة في الأصح)، فيعيد إذا بان إمامه أميًا على قولنا: لا يصلي القارئ خلف الأمي.
والثاني: لا يعيد كما لو بان جنبًا.
والفرق على الأول: أن الحدث ليس نقصًا في الشخص، بخلاف الأمية.
فإن لم يتبين حاله هل هو قارئ أو أمي؟ فإن كانت صلاة سرية .. استحبت الإعادة، ولا تجب تحسينًا للظن بالإمام.
وإن كانت جهرية فلم يجهر .. وجب على المأموم الإعادة؛ لأن الظاهر أنه لو كان قارئًا لجهر.
فلو سلم وقال: أسررت ونسيت الجهر .. استحب له أن يعيد، ولا يجب على النص.
قال: (ولو اقتدى بخنثى فبان رجلاً.
لم يسقط القضاء في الأظهر)؛ لتردده في النية.
والثاني: يسقط؛ لأنه تبين كونه رجلاً.
وكذلك الحكم فيما لو اقتدى خنثى بامرأة ثم بان امرأة، أو اقتدى خنثى فباتا رجلين أو امرأتين أو الإمام رجلاً أو المأموم امرأة.
وَاَلْعَدْلُ أَوْلَى مِنَ اَلْفَاسِقِ
والخلاف ينبني على أن: (العبرة بما في نس الأمر)، أو (بما ظنه المكلف)، وله نظائر:
منها: ما تقدم في المستحاضة إذا امتد انقطاع دمها .. تبين بطلان طهارتها، ويجب القضاء اعتبارًا بما في نفس الأمر.
ومنها: لو صلوا السواد ظنوه عدوًا، فبان غيره .. قضوا في الأظهر.
ومنها: المغصوب إذا استناب من يحج عنه، ثم برئ .. فالأصح: عدم الإجزاء.
ومنها: لو باع مال أبيه على ظن حياته، فبان ميتًا .. صح في الأظهر.
ومنها: إذا وكل وكيلاً في شراء شيء، ثم باع ذلك الشيء ظانًا أن وكيله لم يشتره بعد وكان قد اشتراه .. صح في الأصح.
ومنها: لو زوج أمة أبيه ظانًا حياته وكانه ميتًا .. فالأصح: الصحة.
ومنها: لو تزوج خنثى بامرأة، ثم بان رجلاً .. لم يصح.
ولو تزوج الرجل بمن يشك في كونها محرمة عليه .. لم يصح وهي تشكل بما قبلها.
ومنها: إذا أعتق من لا يجزئ في الكفارة، ثم صار بصفة الإجزاء .. صح في الأصح عند الإمام.
ومنها: لو تصرف في مرض مخوف فبرئ .. نفذ قطعًا.
قال: (والعدل أولى من الفاسق) وإن جمع الفاسق جميع الخصال من فقه وقراءة وغيرهما؛ لأنه لا يوثق به، وتكره الصلاة خلفه.
وإنما جوزنا القدوة به لصحة صلاته في نفسه.
وروى الدارقطني [2/ 56] أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (صلوا خلف من قال لا إله إلا الله) لكنه ضعيف.
وروى هو [2/ 87] والحاكم [3/ 222] أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إن سركم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن تقبل صلاتكم .. فاجلعوا أئمتكم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم).
وفي (الصحيحين): صلى ابن عمر خلف الحجاج، قال الشافعي: وكفى به فاسقًا.
وفي (تاريخ البخاري) [6/ 90]: صلى عشرة من الصحابة خلف أئمة الجور.
فإن كان الإمام متوليًا من السلطان أو نائبه .. فقال الماوردي: لا يجوز أن يكون فاسقًا كسائر الولايات الشرعية وإن صحت الصلاة خلفه.
وتكره الصلاة خلف الروافض والمبتدعة والخوارج.
وقال مالك: الفاسق بغير تأويل لا تجوز الصلاة خلفه، ولذلك انقطع رضي الله
وَاَلأَصَحُّ: أَنَّ اَلأَفْقَهَ أَوْلَى مِنَ اَلأَقْرَأِ
عنه عن الجماعة والجمعة بالمدينة على ساكنها سيدنا محمد أفضل الصلاة السلام، وكان يقول: للناس أعذار، فسئل عن ذلك فقال: ما كل ما يعلم يقال.
قال: (والأصح: أن الافقة) أي: في دين الله (أولى من الأقرأ)؛ لأن الحاجة إلى الفقه أهم، إذ الحوادث في الصلاة لا تنحصر، والواجب فيها من القراءة محصور.
ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قدم أبا بكر وغيره أحفظ منه، ففي (البخاري) عن أنسن [3810]: (جمع القرآن على عهد النبي صلي الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد)، وفيه عنه أيضًا [5004]: (مات النبي صلي الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة)، وذكر ما تقدم، لكنه أبدل أبيًا بأبي الدرداء.
والثاني: انهما سواء؛ لتقابل الفضيلتين، وهما قولان منصوصان فكان الصواب التعبير بالأظهر.
والثالث: الأقرأ أولى، واختاره ابن المنذر؛ لما روى مسلم [672] عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إذا كانوا ثلاثة .. فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم).
وأجاب عنه الشافعي بأن أهل العصر الأول كانوا يتفقهون في معاني الآية قبل حفظها، فلاي وجد منهم قارئ إلا وهو فقيه.
قال ابن مسعود: (ما كنا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها.
قال الإمام: ومراد الشافعي بذلك: الأغلب، فإن عمر لم يحفظه وهو مفضل على عثمان وعلي مع حفظهما.
قال ابن الرفعة: ويحتمل أنه عام إذا قلنا: المراد: الأصح قراءة، فيحتمل أن
وَالأَوْرَعِ.
وَيُقَدَّمُ الأَفْقَهُ وَالأَقْرَأُ عَلَى الأَسَنِّ النَّسِيبِ،
عمر كان أصح قراءة منهما، ولهذا صحح ابن الرفعة والشيخ أنه مراد الفقهاء بقولهم الأقرأ.
وصحح الرافعي: أنه الذي يقرأ القرآن كله وهو قليل الفقه، والأفقه: الذي لا يحفظ غير (الفاتحة)، لكن عنده فقه كثير في أبواب الصلاة، فالأفقه فيها مقدم على أفقه منه في باقي أبواب الفقه وغيره من العلوم إذا كان يقرأ ما يكفيه في الصلاة.
قال: (والأورع) أي: الأصح: أن الأفقه أولى من الأورع؛ لما تقدم م احتياج الصلاة إلى الفقه أكثر من غيره.
والثاني: عكسه؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع والخضوع والتدبر ورجاء إجابة الدعاء، والأورع أقرب إلى ذلك منهما؛ لأنه أكرم عند الله.
ولا يؤخذ من كلام المصنف معرفة المقدم من الأقرأ، والأورع، والجمهور على تقديم الأقرأ.
و (الورع) في اللغة: الكف، وفي الشرع: ترك الشبهات خوفًا من الله تعالى.
والمراد: حسن الطريقة لا مجرد العدالة المسوغة لقبول الشهادة.
وفي الحديث: (ملاك الدين الورع).
و (الزهد): ترك ما زاد على الحاجة.
قال: (ويقدم الأفقه والأقرأ على الأسن النسيب)؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء .. فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في القراءة سواء .. فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء .. فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء .. فأقدمهم سنًا، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم.
ونص في (الجنائر) على تقديم الأسن على الأفقه والأقرأ، فخرج بعضهم منه إلى