إِلاَ أَصْلاَ وَفَرْعاَ فِي الأَصَحِ، وَلاَ تَدْخُلُ قَرَابَةُ أَمْ فِي وَصِيَةِ الْعَرَبِ فِي الأَصَحِ،.
قال: (إلا أصلا وفرعا في الأصح)؛لأنهم لا يسمون أقارب عرفا، بل (القريب):من ينتمي إليه بواسطة؛ بدليل قوله تعالى:} للوالدين والأقربين ﴿،والعطف يقتضي المغايرة، حتى ادعى الأستاذ أبو منصور: إجماع الأصحاب على هذا.
والثاني: يدخلون؛ لدخولهما في الوصية لأقرب أقاربه، فكيف يكون أقرب ولا يكون قريبا؟ وبه قطع أبو الفرج الزاز؛ بدليل قولهم في (النفقات):تجب النفقة بالقرابة، ولا يريدون إلا الأصول والفروع.
قال الشيخ: وهذا هو الأقرب نقلا وبحثا، ودعوى أبي منصور الإجماع ممنوعة؛ فقد جزم أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي ونصر المقدسي بدخولهم، فالصواب: التعبير بإجماع الصحابة كما عبر به الرافعي إلا الإجماع المطلق، ولأنه لما نزل قوله تعالى:﴾ وأنذر عشيرتك الأقربين {كانت فاطمة رضي الله عنها من جملة المنذرين.
والثالث: لا يدخل الأبوان والأولاد، وتدخل الأجداد والأحفاد؛ لأن والوالد والولد لا يعرفان بالقريب، بل (االقريب):من بينه وبينه واسطة، وصحح المصنف في (أصل الروضة) هذا الوجه، ونقل تصحيحه عن الأكثرين، فهو مخالف لما أقر الرافعي عليه هنا، اللهم إلا أن يريد بقوله: (أصلا وفرعا) الوالد والولد؛ لأنه إن أتى به مفردا فلا يتناقض كلامه.
قال: (ولا تدخل قرابة أم في وصية العرب في الأصح) أي: إذا كان الموصي عربيا، وبه قال أحمد؛ لأن العرب لا تفتخر بها ولا تعدها قرابة.
قال الشيخ: وما قاله الأصحاب في ذلك ليس بصحيح، فلا خلاف: أن قرابة الأم تدخل في لفظ الرحم عند العرب والعجم جميعا، هكذا صرح به الرافعي، ولاشك أن الرحم هي القرابة، وقال - صلى الله عليه وسلم - في القبط: (إن لهم ذمة وَالْعِبْرَةُ بِأَقْرِبَ جَدِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ زَيْدُ، وَتُعَدُ أَوْلاَدُهُ قَبيلَةَ
ورحما)؛لأن أم إسماعيل عليه الصلاة والسلام منهم.
وروى الترمذي وصححه الحاكم على شرط الشيخين: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد: (هو خالي) وسعد من بني زهرة وهم أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والوجه الثاني: تدخل كما في وصية العجم، قال في (الشرحين) و (التذنيب):وهذا الوجه هو الأقوى، وهو ظاهر نصه في (المختصر)،وأجاب به العراقيون.
قال: والأول أظهر عند الغزالي والبغوي، وتبعهما في (المحرر)،فتبعه المصنف هناك في (أصل الروضة)،فصحح الثاني، فخالف ما في الكتاب.
فرع:
لو لم يكن لزيد إلا قريب واحد .. أخذ الجميع، وقيل: النصف، وقيل: الثلث.
وليس ولد الرضاعة ولا الزوج ولا الزوجة من الأقارب، ويدخل في المحارم كل محرم بنسب أو مصاهرة أو رضاع.
قال: (والعبرة بأقرب جد ينسب إليه زيد، وتعد أولاده قبيلة) أي: أولاد ذلك الجد، فيرتقي من بني الأعمام إليه، ولا يعتبر من يرثه، فإذا أوصى لأقارب حسني، أو أوصى حسنى لأقارب نفسه .. لم يدخل الحسينيون في الوصية، والوصية لأقارب الشافعي في زمانه تصرف إلى أولاد شافع، ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، وإلا .. لأدى ذلك إلى دخول جميع الناس؛ فإن آدم يجمعهم.
وقال أحمد: يرتقي إلى الجد الثالث، وحكى الماوردي وجها: أنه يرتقي إلى
وَيَدْخُلُ فِي أَقْربِ أَقَارِبِهِ الأَصْلُ وَالْفَرْعُ.
وَالأَصَحُ: تَقْدِيمُ ابْنِ عَلَى أَبِ،
الجد الرابع، وحكى الزبير قولا عن بعض العلماء: أنه يرتقي إلى الجد السابع؛ فإنه لما نزل قوله تعالى:} وأنذر عشيرتك الأقربين {.. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يا بني كعب بن لؤي)،فأنذر ولد هذا الأب ورأى أنهم الأقربون.
وخرج بقوله: (ينسب إليه) جد الأم؛ فإنه لا ينسب إليه.
قال: (ويدخل في أقرب أقاربه) الضمير يعود على زيد المتقدم أو على الموصي (الأصل والفرع)؛لأنه ليس ثم أقرب منهما، وهذا مقطوع به، والمراد: دخولهم في الجملة، فإن قيل: كيف قال: ويدخل، وليس أقرب الأقارب غيرهما؟ وهي عبارة (الشرح) و (الروضة) والغزالي وغيرهم، فلو قال: وأقرب الأقارب الأصل والفرع .. كان أحسن .. أجاب الشيخ بأنهما أقرب على الإطلاق بل بالنسبة إلى الموصي لأقاربه .. فقد لا يكونان، وله أقارب غيرهما، وأقربهم إليه مثلا الأخ أو العم، فتكون الوصية له، فلهذا تكون عبارة الكتاب أحسن.
والأصل والفرع يشمل: الأب والأم وأصولهما، والابن والبنت وفروعهما، لكن من أدلى بشخص .. فذلك الشخص أقرب منه، وإذا كان الأقرب واحدا .. انفرد بالوصية، وإن كانوا عددا .. اشتركوا فيها بالسوية.
قال: (والأصح: تقديم ابن على أب)؛لأنه أقوى إرثا وتعصبيا، فيقدم الأولاد، ثم أولادهم وإن سفلوا، ويسوي بين أولاد البنين وأولاد البنات، ثم الأبوان، ثم الأجداد إن لم يكن له أخ أو أخت.
والثاني: يستويان؛ لاستواء درجاتهما، وهذا أقوى، وتوجيه الأول مشكل؛ لأنه إنما وصى للأقربية وهما فيها سواء، ولم يوص لأقواهما، قال الرافعي: ومقتضى هذا: إطلاق تقديم أولاد البنين على أولاد البنات، ولم يقولوا به، فعلى الأصح: يقدم الأب على ابن الابن.
وَأَخِ عَلَى جَدِ .. وَلاَ يُرَجَحُ بِذُكُورةٍ وَوِرَاثَةٍ، بَلْ يَسْتَوِي الأَبُ وَالأُمُ، وَالِابْنُ وَالبِنْتُ، وَيُقَدَمُ ابْنُ البِنْتِ عَلَى ابْنِ ابْنِ الاِبْنِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ نَفْسِهِ .. لَمْ تَدْخُلْ وَرَثَتُهُ فِي الأَصَحِ
قال: (وأخ على جد)؛لأن تعصيبه تعصيب الأولاد فقدم عليه، وليس لنا موضع يقدم فيه الأخ على الجد إلا هنا وفي (الولاء).
وعطف المصنف على المسألة على التي قبلها يقتضي: أن الخلاف وجهان، وصرح في (الشرح) بأنهما قولان، فكان ينبغي التعبير بالأظهر أو المذهب، وسواء في ذلك الأخ الشقيق وأخو الأب، وسواء الجد للأب والجد للأم.
والثاني: يستويان؛ لاستواء الأولين في الرتبة، والآخرين في الإدلاء بالأب، وهما كالقولين في الولاء.
والطريق الثاني: القطع بالثاني، فإن قلنا بالتساوي .. فالجد أولى من الأخ، وإن قدمنا الأخ .. قدم ابنه وإن سفل، وأجرى الخلاف في ابن الأخ مع أبي الجد.
والأخت في جميع ما تقرر كالأخ، صرح به الروياني، وأخو الأم كالأخ للأب على الصحيح، وكذلك جد الأم كجد الأب.
ولو كان له أخ وبنت أخت وعشرة أعمام .. قال الماوردي: كان للأخ ثلث المال، ولبنت الأخت ثلث آخر، والثلث الثالث للأعمام العشرة بالسوية مقسوما بينهم على ثلاثين سهما.
قال: (ولا يرجع بذكورة ووراثة، بل يستوي الأب والأم، والابن والبنت)،والأخ والأخت، كما يستوي المسلم والكافر، وكذا الفقير والغني، والمحرم وغيره.
نعم؛ يقدم الشقيق على غيره قطعا، وقيل قولان، وذهب بعض العلماء إلى: أنه يرجح بالذكورة، فيعطي للذكر مثل حظ الأنثيين.
قال: (ويقدم ابن البنت على ابن ابن الابن)؛لأن الاستحقاق منوط بزيادة القرب وابن البنت أقرب.
قال: (ولو أوصى لأقارب نفسه .. لم تدخل ورثته في الأصح)؛اعتبارا بعرف
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرع لا بعموم اللفظ، ولأن الوارث لا يوصى له غالبا ولا يدخل في عموم اللفظ، فعلى هذا: تختص الوصية بالباقين.
والثاني: يدخلون؛ لتناول اللفظ لهم، ثم يبطل نصيبهم ويجعل الباقي لغير الورثة.
ولو قال: ضع ثلثي حتى أراك الله، أو فيما رأيت .. ليس له وضعه في نفسه، والأولى: صرفه إلى أقارب الموصي الذين لا يرثونه، ثم إلى محارمه من الرضاع، ثم إلى جيرانه.
فرع:
قال الأستاذ أبو منصور البغدادي وغيره آباء فلان أجداده من الجهتين، وأمهاته جداته من الجهتين، وأقام الإمام الخلاف وجهين، وأصحهما عنده: لا يدخل الأجداد من جهة الأم في الآباء، والجدات من جهة الأب في الأمهات، ولا خلاف في شمول الأجداد والجدات من الطرفين، كذا قاله الرافعي ولم يتعرض له أحد بعده، وينبغي دخول الأب دخولا أوليا؛ لأن الآباء جمع أب، وهو إما حقيقة أو مجازا، فكيف خرج الأب من هذا الحكم؟ إلا أن يقال: لما جمع الآباء والأمهات .. علم إرادة المجاز؛ لأن الإنسان ليس له إلا أب واحد وأم واحدة، فرجح المجاز على الحقيقة فاعتبر.
تتمة:
له ثلاث أمهات أولاد فأوصى لأمهات أولاده والفقراء والمساكين بشيء .. قال المتولي: الصحيح: أنه يقسم على أصناف أثلاثا.
فَصْلُ: تَصِحُ بِمَنَافِعِ عَبْدِ وَدَارِ وَغَلَةِ حَانُوتِ، وَيمْلِكُ المُوصَى لَهُ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ، ......
وعن أبي علي الثقفي: أنه يقسم على خمسة؛ لأن أمهات الأولاد محصورات يجب استيعابهن، والفقراء والمساكين غير محصورين، فيجعل كل واحد من الصنفين مصرفا، وكل واحدة منهن مصرفا.
قال: (
فصل
):هذا عقده لبيان الأحكام المعنوية، فقال:
(تصح بمنافع عبد ودار وغلة حانوت) سواء أبد ذلك أم أقته؛ لأن هذه أموال تقابل بالأعواض فكانت كالأعيان، ولم يخالف في ذلك إلا ابن أبي ليلى والزبيري من أصحابنا، وهما محجوجان بإجماع غيرهما، وهذا ذكره في أول الباب حيث قال: (وبالمنافع)،لكن كرره؛ لأجل ترتب الأحكام الآتية عليه.
قال: (ويملك الموصى له منفعة العبد) كما يملك الموقوف عليه منفعة العين الموقوفة، فله أن يؤجر ويعير ويوصي بها، ولو مات في يده .. لم يضمنه، وجعلها أبو حنيفة إباحة لازمة لا ملك فيها.
وإطلاق المصنف يقتضي: عدم الفرق بين المؤقتة والمؤبدة، والذي في (الشرح) و (الروضة):أن هذا في المؤبدة أو المطلقة، أما إذا قال: أوصيت لك بمنافعه حياتك .. فهو إباحة لا تمليك فيها، فليس له الإجارة، لكن قطعا في (باب الإجارة) بالصحة، وهو المفتى به، فصح إطلاق المصنف.
ولملك العين دون المنفعة فوائد:
منها: عتقه وبيعه من الموصى له.
عن الشيخ عز الدين قال: مازلت أستشكل ملك الرقبة دون المنفعة وأقول: هذا دائما ينتفع ويملك المنافع، فما الذي يبقى لمالك الرقبة؟ حتى رأيت في النوم قائلا يقول: لو ظهر بالأرض معدن .. ملكه مالك الرقبة دون المنفعة.
وَأَكْسَابَهُ المُعُتَادَة، َ وَكَذَا مَهْرَهَا فِي الأَصَحِ،
قال: (وأكسابه المعتادة)؛لأنها بدل المنافع المملوكة.
واحترز بـ (المعتادة) عن النادرة، كاتهابه والتقاطه، فلا يملكها الموصى له في الأصح؛ لأنها لا تقصد بالوصية، وصحح الماوردي والروياني مقابله، فلو غصب العبد الموصى بمنفعته .. كان للموصى له أجرة المدة التي كانت في يد الغاصب على المذهب.
قال: (وكذا مهرها في الأصح) كما إذا تزوجت أو وطئت بشبهة؛ لأنه من فوائد الرقبة كالكسب، وهذا نقلاه عن العراقيين والبغوي؛ وبه جزم الأكثرون.
والثاني- وهو الأشبه في (الشرح) و (الروضة) -:أنه لورثة الموصي؛ لأنه بدل منفعة البضع وهي لا يوصى بها، وهذا ينتقض بالموقوفة؛ فإن مهرها للموقوفة عليه ومنفعة البضع لا توقف.
وسكت الشيخان عن أرش البكارة لو كانت بكرا، والظاهر: أنه كالمهر.
قال ابن الرفعة: وما قاله الشيخان منتقض بمهر الموقوفة؛ فإنه للموقوف عليه وإن كان لا يصح وقف منفعة البضع، أما وطؤها .. فلا يجوز للموصى له جزما، وإن وطئها .. فجزم الرافعي هنا بأنه لا يحد، واقتصر في (كتاب الوقف) على: أنه يحد.
قال ابن الرفعة: والصحيح: ما صححه هنا، يعني: عدم الحد، وعليه اقتصر القاضي والماوردي.
ولو أولدها بالوطء .. لم تصر أم ولد، لكن الولد حر على الصحيح؛ للشبهة، وقيل: رقيق.
لاَ وَلَدَهَا ِفي الأَصَحِ، بَلْ هُوْ كَالأُمِ؛ مَنْفَعَتُهُ لَهُ، وَرَقَبَتُهُ لِلْوَارِثِ، وَلَهُ إِعْتَاقُهُ،
قال: (لا ولدها في الأصح، بل هو كالأم؛ منفعته له، ورقبته للوارث)؛لأنه جزء من الأم فيجري مجراها.
والثاني: أنه للموصى له كولد الموقوفة وهو كسبها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام سمى ولد الرجل كسبا له.
والفرق على الصحيح: أن الملك في الوقف قهري، وهنا اختياري، فسرى القهري إلى الولد دون الاختياري.
والثالث: الولد ومنفعته للورثة، وقد تقدم في الموقوفة وجه: أنه يملك ولد الأمة دون ولد الفرس والحمار، ولا يبعد مجيئه هنا، ثم إن الشيخين أطلقا الخلاف، وينبغي أن يكون فيما إذا أطلق الوصية بالمنافع أو وصى بالركوب والحمل، فإن خصه بالنسل .. ملكه قطعا كما صرح به الماوردي في ولد الموقوفة؛ والأصح: أن الموصى له ينفرد بالمسافرة بالموصى بمنفعتها؛ لاستغراقه المنافع، فإن كانت أمة .. فإنه يجوز له السفر أيضا مع توقي الخلوة كما في الحضر، وليس للوارث كتابة هذا العبد عل الأصح؛ لأن أكسابه مستحقة.
قال: (وله إعتاقه) المراد: أن للوارث أن يعتق العبد الموصى بمنفعته؛ لأن رقبته خالصة له، لكنه إعتاق لا يجزئ عن الكفارة على الأصح؛ لعجزه عن الكسب، فإذا أعتق .. فالأصح: أن الوصية تبقى بحالها، وتبقى المنافع مستحقة للموصى له كما كانت.
وقيل: تبطل الوصية؛ لأنه يبعد أن تكون منفعة الحر مستحقة للموصى له كما كانت.
فعلى هذا: في رجوع الموصى له على الوارث بقيمة المنفعة وجهان، صحح المصنف منهما: الرجوع.
وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَةْ، وَكَذَا أَبَدا فِي الأَصَح?، وَبَيْعِهِ إِنْ لَمْ يُؤَبِدْ كَالمُسْتَأَجِرِ، وَإِنْ أَبَدَ .. فَالأَصَح?: أَنَهُ يَصِحُ بَيْعُهُ لِلمُوصَى لَهُ دُوْنَ غَيْرِهِ،
وينبغي أن يكون محل الخلاف في الموصى بمنفعته مؤبدا، أما المؤقت .. فله إعتاقه قطعا، ثم شرط العتق أن يكون منجزا.
قال: (وعليه) أي: على الوارث (نفقته إن أوصى بمنفعته مدة) كالمستأجر؛ لأنه مالك الرقبة، وهذا لا خلاف فيه.
قال: (وكذا أبدا في الأصح)؛لأنه ملكه وهو متمكن من دفع الضرر عنه بالإعتاق.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة وأحمد والإصطخري-:أنها على الموصى له؛ لأنه ملك منفعته على التأبيد، فأشبه الزوج.
والثالث: أنه في كسبه، فإن لم يكتسب أو لم يف بها .. ففي بيت المال، والفطرة كالنفقة فيها الأوجه.
فرع:
عمارة الدار الموصى بمنفعتها وسقى البستان إن تراضيا عليه أو تطوع به أحدهما .. فذاك وليس للآخر منعه، وإن تنازعا .. لم يجبر واحد منهما، بخلاف النفقة؛ لحرمة الزوج.
قال: (وبيعه إن لم يؤبد كالمستأجر) فيصح في الأصح، والجامع استحقاق المنفعة مؤقتة، وقيد ابن الرفعة والشيخ الخلاف بما إذا كانت المدة معلومة، فإن كانت مجهولة كحياة زيد .. فيتعين القطع بالبطلان كدار المعتدة بالأقراء.
قال: (وإن أبد .. فالأصح: أنه يصح بيعه للموصى له دون غيره)؛لوجود المنفعة له دون غيره.
والثاني: يصبح مطلقا؛ لكمال الملك.
والثالث: لا يصح مطلقا؛ لسلب المنفعة فصار كالحشرات، وهذا عليه معظم الأصحاب.
وَأَنَهُ تُعْتَبَر قِيْمَةُ الْعَبْدِ كُلَهَا مِنْ الْثُلُثِ وَإِنْ وَصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَداً،
والرابع: يصح بيع العبد والأمة؛ للتقرب بإعتاقهما دون البهيمة والجمادات، أما الماشية الموصى بنتاجها .. فيصح بيعها للصوف واللبن والظهر، فلم تستغرق الوصية منافعها، وهل تباع حاملا؟ خرجه ابن الرفعة على بيع الحامل بحر.
هذا إذا لم يجتمعا على البيع من غيرهما، فإن اجتمعا .. فالقياس: الصحة، وحكى الدرامي فيها وجهين.
ولو أراد صاحب المنفعة بيعها .. فقياس ما سبق: الصحة من الوارث دون غيره، وبه جزم الدرامي.
فرع:
يجوز تزويج الأمة الموصى بمنفعتها، وفيمن يزوجها ثلاثة أوجه:
أحدها: الوارث استقلالا.
والثاني: الموصى له.
والأصح: الوارث بإذن الموصى له.
وفي (المعاياة) للجرجاني: أوصى لرجل بجارية ويحملها لآخر وقبلا ثم أعتق الجارية صاحبها .. لم يعتق الحمل، قال: وهذه النوادر؛ أمة حبلى بمملوك تعتق ولا يعتق ولدها.
قال: (وأنه تعتبر قيمة العبد كلها) أي: رقبة ومنفعة (من الثلث إن أوصى بمنفعته أبدا)؛لأن لم تبق له قيمة، وقد حال بينها وبين الوارث، والحيلولة كالإتلاف؛ لأن الغاضب يضمن بها.
والثاني: أن المعتبر ما بين قيمته بمنافعه ومسلوبها، وصحح هذا الغزالي وطائفة؛ لأن الرقبة باقية للوارث لا معنى لاحتسابها على الموصى له.
فعلى هذا: تحسب قيمة الرقبة على الوارث في الأصح.
وَإِنْ أَوْصَى بِهَا مْدَةَ .. قَو?مَ بِمَنْفَعَتِهِ ثُمَ مَسْلُوبِهَا تِلْكَ المْدَةَ، وَيُحْسَبُ النَاقِصُ مِنْ الثُلُثِ.
وَتَصِحُ بِحَجِ تَطَوُعِ فِي الأَظْهَرِ،
مثاله: أوصى بعبد قيمته بتمام منافعه مئة ودون المنافع عشرة .. فعلى الأصح: تعتبر من الثلث المئة، ويشترط أن يكون له سوى العبد مئتان، وعلى الثاني: المعتبر التسعون، فيشترط أن يبقى للورثة ضعفها مئة وثمانون.
قال: (وإن أوصى بها مدة .. قوم بمنفعته ثم مسلوبها تلك المدة، وبحسب الناقص من الثلث)،فإذا قومناه بالمنفعة بمئة ومسلوبها تلك المدة بثمانين .. فالوصية بعشرين.
والثاني: أن الحكم كما في الوصية المؤبدة.
والثالث: تعتبر أجرة تلك المدة عكس مسألة الكتاب أن يوصى برقبة دون منفعتها، فتعطي الرقبة للموصى له، فإن أراد عتقها لا عن كفارة .. جاز، وإن أراد بيعها .. جاز من مالك المنفعة دون غيره على الأصح، وفي نفقتها وجهان: أصحهما: أنهما على الموصى له بالرقبة.
ولو أوصى لزيد بمنفعة عبد ولآخر برقبته فرد الموصى له بالمنفعة الوصية .. فهل تعود إلى الموصى له بالعين أو إلى الورثة؟ فيها وجهان: أشبههما- واختاره الشيخ-:أنها للورثة، وقيل: للموصى له الآخر.
وإذا غصب العبد الموصى بمنفعته .. فالأصح: أن أجرته للموصى له.
ولو انهدمت الدار الموصى بمنفعتها فأعاداها الوارث بآلتها .. ففي عود حق الموصى له وجهان: صحح المصحف منهما: العود، ويجريان فيما لو أراد الموصى له أن يعيدها بآلتها، ولو قال للورثة: استخدموا عبدي سنة بعد موتي ثم هو بعد السنة وصية لفلان .. جاز، ولا تقوم خدمة السنة على الورثة؛ لأنهم استخدموا ملكهم، قاله في (البحر).
قال: (ولا تصح بحج تطوع في الأظهر)؛بناء على دخول النيابة فيه، وهو الأظهر.
والثاني: المنع؛ لأن النيابة إنما دخلت في الفرض للضرورة ولا ضرورة إلى
وَيُحَجُ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ الْمِقَياتِ كَمَا قَيَدَ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَمِنْ الِميقَاتِ فِي الأَصَحِ.
وَحَجَةُ الإِسْلاَمِ مِنْ رَاسِ المَالِ، فَإِنْ أَوْصَى بِهَا مِنْ رَاسِ المَالِ أَوْ الثُلُثِ .. عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الوَصِيَةَ بِهَا .. فَمِنْ رَاسِ الْمَالِ، وَقِيْلَ: مِنْ الْثُلُثِ، ......
التطوع والعمرة في جميع ذلك كالحج.
واحتزر بـ (التطوع) عن الفرض؛ فيصح قطعا.
قال: (ويحج من بلده أو الميقات كما قيد)؛عملا بالوصية.
هذا لا نزاع فيه إذا بلغ ثلثه الحج من بلده، فإن لم يبلغ .. حج عنه من حيث بلغ، نص عليه في (عيون المسائل).
قال: (وإن أطلق .. فمن الميقات في الأصح)؛حملا على أقل الدرجات.
والثاني: من بلده؛ لأن الغالب: أن السفر للحج والتجهيز يكون من البلد؛ فإذا قال: أحجوا عني بثلثي .. فعل ما يمكن به ذلك من حجتين أو أكثر، فإن فضل مالا يمكن أن يحج به .. فهو للورثة، فإن قال: أحجوا عني بثلثي حجة واحدة وكان ذلك أكثر من أجرة المثل .. لم يجز أن يصرف ذلك إلى وارث يحج؛ لأن الحج بأكثر من أجرة المثل محاباة، وذلك ممتنع للوارث.
قال: (وحجة الإسلام من رأس المال) أي: إذا لم يوص بها كسائر الديون.
وقال أبو حنيفة: تسقط بالموت، وكذا يقول في الزكاة، وقوله بالسقوط في الحج أظهر منه في الزكاة؛ لأن الحج فعل والزكاة مال في الذمة، ولكن السنة دلت على جواز الحج عن الميت، فلا التفات إلى القياس مع السنة.
قال: (فإن أوصى بها من رأس المال أو الثلث .. عمل به) كما لو أوصى بقضاء دين من ثلثه، وفائدة جعلها من الثلث: مزاحمة الوصايا.
قال: (وإن أطلق الوصية بها .. فمن رأس المال) كما لو لم يوص، وتحمل الوصية بها على التأكيد.
قال: (وقيل: من الثلث)؛لأنه لما وصى به .. أخرجه مخرج الوصايا، فكان من الثلث كما لو صرح به.
وَيُحَجُ مِنْ الْمِيْقَاتِ.
وَللأَجْنَبِيً أَنْ يَحُجَ عَنْ المَيْتِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فِي الأَصَح? .....
ثم ظاهر إطلاق المصنف يقتضي: أن الخلاف وجهان، وفي (الروضة) عبر بالمذهب.
قال: (ويحج من الميقات) أي: ميقات بلده؛ لأن لو كان حيا .. لم يلزمه سواه.
وهذا مجزوم به إن قلنا: من رأس المال، وكذا إن جعلناه من الثلث على الأصح، أما الحجة المنذورة في الصحة .. فالأصح: أنها كحجة الإسلام؛ لوجوبها، وقيل: كالتطوع؛ لأنها لا تلزم بأصل الشرع، وأما التي نذرها في مرض الموت .. فمن الثلث قطعا، صرح به الفوراني وغيره، وهو ظاهر، والخلاف جار في الكفارات والصدقة المنذورة.
قال: (وللأجنبي أن يحج عن الميت بغير إذنه في الأصح) كما لو كان عليه دين فقضاه عنه.
والثاني: المنع؛ لأن الحج عبادة تفتقر إلى النية، ولا تصح النية إلا باستنابته أو استنابة نائبه، وصححه المصنف في نظير المسألة من الصوم كما سبق، والفرق مشكل.
وإطلاق المصنف (الحج) يوهم: أن للأجنبي أن يحج عن الميت المتطوع بغير إذنه، والأصح: أنه لا يصح إذا لم يكن بإذنه لا إذن وارثه كما صرح به في (شرح المهذب)،بل قال: إنه لا خلاف فيه،، فيجب حمل كلام المصنف على حج الفرض.
وعلم من هذا أن الاعتمار عن الميت الذي اعتمر عن نفسه غير جائز، وأن ذلك يقع للمعتمر لا للميت، إلا أن يوصي الميت به، وكثيرا ما يغلط الناس في ذلك فيعتمرون تطوعا عن أموات لم يوصوا بذلك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه:
أفهم قوله: (للأجنبي):أن للقريب ذلك قطعا وإن لم يكن وارثا، ويؤيده ما سبق في (الصوم) عنه، لكن قيده في (الشرح) و (الروضة) بالوارث، وذكره الحج مثال؛ فإن الزكاة كذلك، فيجوز للأجنبي أن يؤدي عنه زكااة الفطر وزكاة المال في الأظهر، حكاه الروياني عن النص، وهل يثاب الميت عليه؟ قال القاضي أبو الطيب: إن كان قد امتنع ولا عذر له في التأخير لم يثب، وإلا .. أثيب.
واقعة:
أوصى أن يحج عنه بألف ولم يعين شخصا، فاستؤجر عنه شخص بخمس مئة، ولم يعلم المستأجر صورة الحال وحج .. تبين بطلان الخمس مئة الزائدة، ووقعت في زمن ابن الرفعة، فاقتضى نظره بعد إمعان الفكر: أن القدر الموصى به إن كان قدر أجرة المثل .. فتصح الإجارة والباقي للورثة، وإلا .. فله ويكون وصية، كما لو أوصى بشراء عبد بألف ويعتق عنه فاشترى بخمس مئة وأعتق والبائع جاهل بالحال ..
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن الماوردي قال: إن ساوى ألفا .. فالباقي للورثة، أو خمس مئة .. فللبائع؛ لأنه وصية له، أو سبع مئة .. فله ثلاث مئة والمئتان للورثة، وكذا قال القاضي حسين.
وهذه تشبه واقعة في زمن القفال بمدينة مرو في شخص أوصى أن تشتري عشرة أقفزة حنطة بمئتي درهم ليتصدق بها، فوجدوا من أجود الحنطة عشرة أقفزة بمئة، فمن فقهاء مرو من أفتى برد الزيادة للورثة، ومنهم من جعلها وصية لبائع الحنطة، ومنهم من قال: تشتري بالزيادة حنطة ويتصدق بها، وقيل: هذا لا يتصور في الحج.
ووقع في (فتاوي ابن الصلاح):أن الورثة لو استأجروا من يحج عن مورثهم حجة الإسلام الواجبة ولم يكن أوصى بها ثم تقايلوا مع الأجير .. لم تصح الإقالة؛ لوقوع العقد لمورثهم.
فروع:
الأول: إذا امتنع المعين من الحج عنه .. أحج عنه غيره بأجرة المثل أو أقل إن كان الموصى به حجة الإسلام، فإن كان تطوعا .. فهل تبطل الوصية؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو قال: اشتروا عبد فلان فأعتقوه، فلم يبعه فلان .. لا يشتري عبد آخر.
والثاني- وهو الأصح-:لا؛ لأن المقصود هنا الحج، والمقصود في العبد عتقه وهو حق له.
الثاني: يجوز أن يكون أجير التطوع عبدا أو صبيا، بخلاف حجة الإسلام، وفي المنذورة خلاف مبني على ما يسلك به.
الثالث: في (زيادات العبادي):أوصى لأول من يحج عنه بكذا، فحج عنه اثنان، ثم ثالث .. لا يستحق واحد منهما شيئا، أما الأولان .. فلأنه لم يحج عنه
وَيُؤدي الْوَارِثُ عَنْهُ الْوَاجِبَ المَالِي? فِي كَفَارَةِ مُرَتَبَةٌ، وَيُطْعِمُ وَيَكْسُو فِي الْمُخَيَرَةِ، وَالأَصَحُ: أَنَهُ يُعْتِقُ أَيْضاً، وَأَنْ لَهً الأَداءَ مِنْ مَالِهِ إِذاَ لَمْ تَكُنْ ترَكِةَ،
واحد منهما، أما الثالث .. فلأن السبق لم يوجد من جهته، وسيأتي في أوائل (كتاب العتق) نظير هذا الفرع، وأن الأول يطلق على المتعدد.
قال: (ويؤدي الوارث عنه الواجب المالي) كالعتق والإطعام والكسوة (في كفارة مرتبة) ككفارة القتل والظهار والوقاع؛ لتبرأ بذلك ذمته وتبرد جلدته.
والمصنف أطلق (الأداء) ومراده: من التركة، ويكون الولاء للميت إذا أعتق والواجب منها يلتفت إلى الخلاف في اعتبار حال الوجوب أو الأداء أو الأغلظ ثم.
وإطلاقه يشمل: ما إذا أدى الوارث من ماله مع وجود التركة، قال الشيخ: وهو كذلك فيما يظهر لي، ويكون الولاء للميت، قال: ثم وجدت في (البيان) ما يوافقه.
وقال الرافعي تفقها: يشبه أن يكون كالأجنبي.
قال: (ويطعم ويكسو في المخيرة) أي: الوارث من التركة.
و (المخيرة):كفارة اليمين، ونذر اللجاج، وتحريم عين الأمة.
و (الواو) في قوله: (ويكسو) بمعنى (أو).
قال: (والأصح: أنه يعتق أيضا)؛لأنه خليفته، فإعتاقه كإعتاقه.
والثاني: لا؛ إذ لا ضرورة لإلحاق الولاء بالميت، وليس كالإطعام والكسوة؛ إذ لا محذور فيهما.
هذا كله إذا خلف الميت تركة، فأدى الوارث منها، أو من ماله مع وجودها على ما بحثه الشيخ مع الرافعي، ولم يتعرضوا هنا للأجنبي.
قال: (وأن له الأداء من ماله إذا لم تكن تركة)؛لأنه قائم مقامه.
والثاني: لا؛ لعبد العبادة عن النيابة.
والثالث: يمتنع الإعتاق فقط؛ لبعد إثبات الولاء للميت.
والرابع: يجوز الإعتاق في المرتبة دون المخيرة، وهذا مخرج.
وَأَنَهُ يَقَعُ عَنْهُ لَوْ تَبَرَعَ أَجْنَبِيٌ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ، لاَ إِعْتَاقٍ فِي الأَصَح?
قال: (وأنه يقع عنه لو تبرع أجنبي بطعام أو كسوة) كما في قضاء الديون.
والثاني: لا؛ لبعد العبادة عن النيابة.
والوجهان إذا جوزنا ذلك للوارث، وإلا .. فالأجنبي أولى.
والمراد بـ (الأجنبي):غير الوارث وإن كان قريبا.
قال: (لا إعتاق في الأصح)؛لاجتماع عدم النيابة وبعد إثبات الولاء للميت.
والثاني: يقع عنه كالوارث.
ومحل الخلاف الذي حكاه المصنف في الكفارة المخيرة، وأما المرتبة .. فالصحيح فيها .. الجواز كما قرره الشيخان في كفارة اليمين، وغير العتق يجوز التبرع به في الأصح، والوارث فيه أولى بالصحة.
وجميع ما ذكرناه محله: إذا قلنا: إن الكفارة لا تسقط بالموت كما هو المذهب، فلو لم يكن على الميت عتق أصلا فأعتق عنه وارثه أو غيره .. لم يصح عن الميت، بل يقع العتق والولاء للمعتق.
قال الشافعي رضي الله عنه: وأرجو أن يوصل الله للميت خير العتق ولا ينقص حق الحي.
وفي البيهقي مرسلا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له رجل: أعتق عن أبي وقد مات؟ قال: (نعم)،وقال له آخر: إن أمي هلكت، فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال: (نعم).
وسئل ابن عباس عن الرجل يعتق عن والده، هل له في ذلك من أجر؟ قال: (نعم).
وَتَنْفَعُ الْمَيْتَ صَدَقَةٌ
فروع:
أحدها: مات وعليه دين ولا تركة فقضاه الوارث من عنده .. وجب على المستحق قبوله، بخلاف ما إذا تبرع به أجنبي
قال الإمام: وغالب ظني أني رأيت فيه خلافا، ذكره الرافعي في (باب القسامة).
الثاني: أدى الوصي من ماله الدين ليرجع في التركة .. جاز إن كان وارثا، وإن لم يكن وارثا .. نفذ، ولا يرجع؛ لأن الدين لا يثبت في ذمة الميت، قاله العبادي.
الثالث: الصحيح: وجوب إخراج كفارة القتل عن الصبي ونفقة القريب إن طولب بها، وتؤدي زكاة ماله.
قال الشيخ: وأما القاضي الشافعي .. فلا رخصة له في ترك إخراجها، وكان بعض القضاة الشافعية الموثوق بدينهم- وهو كمال الدين النشائي- لا يخرجها، ويقول: إذا بلغ .. أعرفه الخلاف في ذلك، فإن شاء .. أخرج عن نفسه، وتبعه عمي صدر الدين يحيى على ذلك، قال: وأردت أنا أن أفعل ذلك لما وليت قضاء الشام، ثم لم أفعل؛ خشية من مفسدة، ثم استقر رأيي على أن ترك إخراجها خطأ وتصير مضمونة للأصناف على الولي، وكذا على القاضي إذا كانت في يده وفعل ذلك من غير اجتهاد، وإن كان حنفيا .. ارتفع عنه الإثم والضمان.
قال: (وتنفع الميت صدقة) الأصل: أن لا ينفع الإنسان في آخرته إلا ثواب عمله الصالح دون فعل غيره؛ لقوله تعالى:} وأن ليس للإنسان إلا ما سعى {،واستثنى من ذلك أشياء:
منها: الصدقة عنه؛ فإنها تنفعه بإجماع الفقهاء، ولا اعتبار بإنكار بعض المتكلمين لها.
ونقل القرطبي في تفسير الآية عن مالك أنه قال: لا تجوز الصدقة عن الميت،
وَدُعَاءٌ
وضعفه؛ لنقل ابن عبد البر الإجماع على خلافه، وقع هنا في (الوسيط):أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي رضي الله عنه لما قضى دين ميت: (الآن بردت جلدته)،وصوابه: أنه قال لأبي قتادة رضي الله عنه.
قال الشافعي رضي الله عنه: وفي وسع الله أن يثيب المتصدق أيضا.
قال الأصحاب: يستحب أن ينوي المتصدق الصدقة عن أبويه؛ فإن الله تعالى ينيلهما الثواب ولا ينقص من أجره شيئا.
وقال الإمام: ينبغي أن تقع صدقة المتصدق عنه وينال الميت بركته، كما يقع الدعاء عبادة من الداعي وينال الميت بركته.
قال الشيخ عز الدين: وظاهر السنة ما قاله الأصحاب، فتقع الصدقة عن الميت وللمتصدق ثواب بره للميت، بخلاف الدعاء؛ فإنه شفاعة أجرها للشافع ومقصودها المشفوع له.
ودخل في إطلاق المصنف الوقف عنه، وحكاه الرافعي عن صاحب (العدة) في وقف المصحف.
قال: وينبغي أن يلحق به كل وقف، وفيه نظر؛ لاستداعائه دخوله في ملكه ثم يملكه الغير ولا نظير له.
قال: (ودعاء) أجمعوا عليه أيضا؛ لقوله تعالى:} والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)،فأثنى عليهم بدعائهم لهم، ولأن الصلاة على الميت واجبة وهي دعاء.
وفي (الصحيحين): (أو ولد صالح يدعو له).
وقد تقدم في (الجنائز) حديث ابن عباس رضي الله عنهما: مثل الميت في قبره كالغريق المتغوث، وهذا في الحقيقة ليس مستثنى من الأصل المذكور؛ فإن ثواب
مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِي?
الدعاء للداعي، فالمدعو له يحصل له المدعو به، ففي الدعاء شيئان:
أحدهما: نفس الدعاء وثوابه للداعي لا للميت.
والثاني: حصول المدعو به إذا قبله الله، وذلك ليس من عمل الميت ولا يسمى ثوابا، بل هو فضل من الله تعالى في استجابته.
ومعنى نفعه للميت: حصول المدعو به إذا استجابه الله تعالى.
نعم؛ دعاء الولد يحصل ثوابه بنفس الدعاء للوالد الميت؛ للحديث المذكور، ويستثنى هذا من انقطاع العمل إذا وصل نفس الدعاء، أما المدعو به .. فليس من عمله.
قال: (من وارث وأجنبي)؛لما روى الشيخان عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله؛ إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: (نعم) قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: (سقي الماء).
ووقع في (الوسيط):أن سعد بن أبي وقاص القائل ذلك، والصواب: ابن عبادة.
والأجنبي قيس على الوارث؛ لأنها معاونة على الخير، وقد حث الشارع عليها، ولأن النفوس متشوفة إلى انتفاع الموتى بالصدقة، ومقتضى الشرع الحث على ذلك.
ومعنى الدعاء: الاستغفار، روى أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله ليرفع الدرجة للعبد في الجنة، فيقول: يارب أنى لي هذه؟ فيقال: باستغفار ولدك لك).
أما التضحية عن الميت .. فذكرها المصنف في آخر بابها، وسيأتي فيه بيانها.
وأما الصلاة .. فلا تفعل عن الميت تطوعا ولا قضاء، أوصى به أم لا، ونقل المصنف على ذلك الإجماع.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه وجه ضعيف: أنها تفعل عنه، واختاره ابن أبي عصرون، واستثنى ابن القاص ركعتي الطواف؛ فإن المستأجر يأتي بهما عن المحجوج عنه.
أما الصوم .. فلا يتطوع به عن الميت، وفي قضاء واجبه عنه قولان سبقا في بابه.
وأما الاعتكاف عنه .. فتقدم في بابه.
تتمة:
اشتهر عن الشافعي وابن مالك رضي الله عنهما: أن قرءة القرآن لا تصل للميت.
وعن أبي حنيفة وأحمد رضي الله عنهما: أنها تصل، وهو وجه عندنا، حكاه في (الأذكار) و (شرح مسلم) في (باب النهي عن الرواية عن الضعفاء)،واختاره ابن أبي عصرون في (الانتصار) وصاحب (الذخائر) وابن أبي الدم وابن الصلاح والمحب الطبري، وعليه عمل الناس سلفا وخلفا، وما رآه المسلمون حسنا .. فهو عند الله حسن.
ونص الشافعي رضي الله عنه على: أنه يقرأ عند القبور ما تيسر من القرآن ويدعو لهم عقبها، فقال الأصحاب: لكون الدعاء عقب القراءة أقرب إلى الإجابة، ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة والبركة، وأما ثواب القراءة .. فللقارئ، ولو أنه سأل الله تعالى أن ينقل ذلك الثواب الذي حصل له إلى الميت كما جرت به القراء .. فقال الشيخ: عندي أنه لا يمنع، وهو كسائر الدعاء، وإنما يحمل منع الشافعية والمالكية على ما إذا نوى القارئ بقراءته أن يكون ثوابها للميت من غير دعاء، وهذا الذي اختاره عبد الكريم الشالوسي، بالشين المعجمة في أوله كما قاله ابن السمعاني لا كما قاله المصنف في (تهذيبه):إنه بالمهملتين.
وشذ ابن عبد السلام في بعض فتاويه فقال: لا يجوز ذلك؛ لأنه تصرف في الثواب من غير إذن من الشرع فيه، وحكى القرطبي عنه في (التذكرة):أنه رؤي بعد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفاته في النوم، فسئل عن ذلك، فقال: كنت أقول ذلك في الدنيا، والآن بان لي أن ثواب القراءة يصل إلى الميت.
وقال ابن الصلاح والشيخ محب الدين الطبري: ينبغي أن يقول إذا أراد ذلك: اللهم أوصل ثواب ما قرأته لفلان، قال الشيخ: والذي دل عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ما هو فيه .. نفعه؛ إذ ثبت: الفاتحة لما قصد بها القارئ نفع الملدوغ نفعته، وأقر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله: (وما يدريك أنها رقية)،وإذا نفعت الحي بالقصد كان نفع الميت بها أولى.
وفي (فتاوى القفال):إذا أوصى أن يختم القرآن على قبره .. لا يلزم، فإن قال: إذا مت فاستأجروا من مالي من يختم القرآن على رأس قبري، أو قال: أعطوا رجلا يقرأ .. فإن ذلك يلزم، وقد تقدم في (الإجارة) طرف من هذا.
وأما إهداء ثواب القرآن للنبي - صلى الله عليه وسلم - .. فمنعه ابن تيمية محتجا بأنه لا يتجرأ على الجناب الرفيع إلا بما أذن فيه ولم يأذن إلا في الصلاة عليه وسؤال الوسيلة، وخالفه الشيخ محتجا بأن ابن عمر رضي الله عنهما كان يعتمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرا بعد موته من غير وصية.
وحكى في (الإحياء) عن علي بن الموفق- وكان في طبقة الجنيد-:أنه حج عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حججا، وعدها القضاعي ستين حجة، وعن محمد بن إسحاق السراج النيسابوري: أنه ختم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من عشرة آلاف ختمة، وضحى عنه مثل ذلك.
فَصْلٌ: لَهُ الرُجُوعُ عَنْ الوَصِيةِ وَعَنْ بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ: نَقَضْتُ الْوَصِيَةَ، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ رَجَعْتُ فِيْهَا، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ هَذَا لِوَارِثِيِ .....
قال: (
فصل
:
له الرجوع عن الوصية وعن بعضها)؛ لأنها عطية لم يزل عنها ملك معطيها، فأشبهت الهبة إذا لم تقبض.
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر وعائشة رضي الله عنها: يغير الرجل من وصيته ما شاء، وحكى الأستاذ أبو منصور فيه: الإجماع.
واحترز بـ (الوصية) عن التبرعات المنجزة في مرض الموت وإن كانت من الثلث؛ فليس له رجوع عنها.
قال: (بقوله: نقضت الوصية، أو أبطلتها، أو رجعت فيها، أو فسختها)؛لأن كل ذلك صريح فيها، وكذا رفعتها، ورددتها، ولو قال: هو حرام على الموصى له .. فالمشهور: أنه رجوع، وكذا حرمته عليه، وفيه وجه: أنه ليس برجوع.
ولو قال: هو تركتي .. فالأصح: أنه ليس برجوع، ولو سئل عنها فأنكرها .. فالأصح في (الروضة):أنه ليس برجوع.
وكلام الرافعي كالصحيح في أنه إن قال ذلك لغرض .. لم يكن رجوعا، وإلا .. فرجوع كما في (الوكالة)،وصححا في (باب التدبير):أنه لا يكون رجوعا.
ولو قال: لا أدري .. لم يكن رجوعا، خلاف لأبي حنيفة رحمه الله.
قال: (أو هذا لوارثي) أي: بعد موتي؛ لأن كونه لوارثه بعد الموت ينافي كونه وصية، وكذلك الحكم لو قال: هو ميراث عني، قال الرافعي: كذا قيل، لكن سنذكر فيما إذا أوصى بشيء لزيد ثم أوصى به لعمرو .. لم يكن رجوعا، بل يشتركان، فكان يجوز أن يقال به هنا، فيبطل نصف الوصية، وأسقط هذا من (الروضة).
وَبَبْيِعٍ وَإِعْتَاقٍ وَإِصْدَاقٍ،
قلت: الجواب: أن قوله: هذا لوارثي بعد موتي .. مفهوم صفة، أي: لا لغيره، وأما قوله: هو لعمرو، بعد أن قال: هو لزيد .. فمفهوم لقب، والصحيح: أنه ليس بحجة، فلذلك قيل بالتشريك في هذه دون تلك.
قال: (وببيع وإعتاق وإصداق)،الذي تقدم كان في صيغ الرجوع، وهذا في تصرفات تتضمن الرجوع.
فمنها البيع والإعتاق والإصداق؛ لأنها مزيلة للملك، وكذا جعله أجرة أو عوض خلع؛ لأت تصرفات صادف الملك فنفذ، و (الوصية):تمليك عقد بالموت، فإذا لم يبق ملك الموصي في الموصى به .. لغت، كما لو هلك الموصى له.
قال في (المهمات):كذا علله الرافعي، وهو فاسد؛ لأن من لا يملك شيئا أصلا .. تصح وصيته اعتمادا على ما سيملكه، وأيضا الأصح: أنه تصح وصيته بعين لا يملكها، فعدم الملك ليس مانعا من الابتداء، ففي الدوام أولى، فإذا عادت إلى
وَكَذَا هِبَةٌ أَوْ رَهْنٌ مَعَ قَبْضٌ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الأَصَح?.
وَبِوَصِيَةِ هَذِهِ الْتَصَرُفَاتِ،
ملكه .. ولم تعد الوصية قطعا، ولم يخرجوه على الخلاف في الزائل العائد.
ولو لم يتم البيع وفسخ في زمن خيار المجلس .. فكذلك، وعن الأستاذ أبي منصور: أنا إن وقفنا زوال الملك على انقضاء الخيار .. لا يكون رجوعا.
وكتابة الرقيق الموصى به .. جزم الرافعي بأنها رجوع، والمنصوص: أن التدبير رجوع أيضا.
قال: (وكذا هبة أو رهن مع قبض)؛لما قلناه، واشتراط القبض عائد إليهما، أما في الهبة .. فلزوال الملك، وأما في الرهن .. فلأجل لزومه.
وفي وجه: أنه ليس برجوع؛ لأنه لا يزيل الملك، وإنما هو نوع انتفاع كالاستخدام، وهذا الوجه في الرهن لا في الهبة.
كل هذا في الهبة الصحيحة؛ فإن الإطلاق يقتضي ذلك، أما الفاسدة .. ففيها أوجه: ثالثها: إن اتصل بها القبض .. كان رجوعا، وإلا .. فلا.
قال في (الكفاية):وعبارة (الحاوي) تفهم طردها في الرهن الفاسد أيضا.
قال: (وكذا دونه في الأصح) أي: إذا وهب ولم يقبض .. فالأصح: أنه رجوع لقصده الصرف عن الموصى له.
والثاني: ليس برجوع؛ لعدم زوال الملك.
وقال الإمام: إنه لا يستجيز عده في المذهب.
قال: (وبوصية بهذه التصرفات) أي: بالبيع، وما ذكر معه مما هو رجوع كما لو وجدت من الموصي.
وفي وجه: أنه كما لو أوصى لزيد بشيء ثم أوصى به لعمرو فيكون رجوعا في النصف.
وفرق الغزالي؛ بأن الموصى به ثانيا هنا ليس من جنس الأول حتى يحمل على التشريك، ولذلك لا ينتظم الجمع بينهما في صيغة التشريك، بأن يقول: أوصيت به
وَكَذَا تَوْكِيلٌ فِي بَيْعِهِ وَعَرْضِهِ عَلَيْهِ فِي الأَصَح?
لفلان وأعتقوه، بخلاف قوله: أوصيت به لهما.
قال الرافعي: وهذا الفرق غير مجد.
قال: (وكذا توكيل في بيعه وعرضه عليه في الأصح)؛لأنه توسل إلى أمر يحصل به الرجوع.
والثاني: لا؛ لأنه قد لا يوجد.
وحاصل ترتيب الخلاف: أن العرض على البيع كالتوكيل به والتوكيل به كالوصية به والمقابل للجميع الرجوع بالنصف فقط، هذا مقتضى مافي (الشرح) و (الروضة)،فلا يحسن إطلاق الكتاب في التوكيل والعرض، ولا (الروضة) في العرض.
ثم جميع ما ذكره المصنف في الوصية بمعين، أما إذا أوصى بثلث ماله ثم تصرف في جميع ما يملكه ببيع أو إعتاق أو غيرها .. فإنه لا يكون رجوعا، وكذا لو هلك جميع ماله .. لم تبطل الوصية؛ لأن الثلث مطلقا لم يختص بما عنده حال الوصية بل العبرة بما يملكه عند الموت زاد أو نقص.
فروع:
الأول: أوصى له بدار أو بخاتم ثم أوصى بأبنية الدار أو بفص الخاتم لآخر .. فالعرصة والخاتم للأول، والأبنية والفص بينهما تفريعا على المشهور.
ولو أوصى لزيد بدار ثم أوصى لآخر بسكناها أو بعبد ثم لآخر بخدمته .. فعن الأستاذ: أن الرقبة للأول، والمنفعة للثاني.
قال الرافعي: ويجوز أن يشتركا في المنفعة كما في الفص والأبنية.
وفرق ابن الرفعة؛ بأن المنفعة معدومة والفص والأبنية موجودان وهما موصى بهما؛ لاندراجهما تحت الاسم، والمنفعة غير مندرجة تحت اسم العبد والدار.
الثاني: أوصى لرجل بأمة حامل ثم أوصى بحملها لآخر .. كانت الأمة للأول، والحمل مشتركا بينه وبين الثاني.
وَخَلْطُ حِنْطَةٍ مُعَيْنَةٍ رُجُوعٌ، وَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَخَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا .. فَرُجُوعٌ،
ولو أوصى بحملها للأول ثم أوصى بها للثاني .. كان الحمل بينهما، والجارية للثاني؛ لأن الأصح: أن الحمل في الوصية يتبع الأم.
الثالث: تزويج العبد والأمة الموصى بهما، وإجارتهما، وختانهما، وتعليمهما، والإعارة، والإذن في الإجارة والاستخدام وركوب الدابة ولبس الثوب .. ليس برجوع.
الرابع: أوصى بجارية ثم وطئها .. ففي كونه رجوعا ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه ليس برجوع.
وثالثها- لابن الحداد-:أنه إن أنزل .. كان رجوعا، وإلا .. فلا.
الخامس: أوصى ببيع شيء ثم صرف ثمنه للفقراء، ثم أوصى ببيعه وصرف ثمنه للمساكين .. لم يكن رجوعا ويصرف الثمن لهما نصفين، بخلاف ما لو أوصى بشيء للفقراء ثم وصى ببيعه وصرف ثمنه للمساكين؛ فإنه رجوع.
السادس: ارتد الموصي .. تبطل الوصية على الصحيح.
قال: (وخلط حنطة معينة رجوع)؛لتعذر تسليمها، سواء خلطها بمثلها أو بأجود أو بأردأ؛ لتعذر التسليم.
وقيل: خلطها بالمثل والأردأ ليس برجوع.
وصورة المسألة: أن تكون الحنطة المعينة موصى بها كلها، فخلطها بغيرها، فإن كان الموصى به صاعا منها من غير تعيين .. فسيأتي، وكان الصواب أن يقول: وخلطه، كما عبر في (الروضة)،فإن غيره لو خلطها بغير أمره .. لم يؤثر.
قال: (ولو أوصى بصاع من صبرة فخلطها بأجود منها .. فرجوع)؛لأنه لا يلزمه تسليم الزيادة ولا يمكن بدونها.
قال الرافعي: وقد ذكرنا في البناء المستحدث في الدار وجها: أنه يدخل الوصية؛ لأنه صار من الدار، وذلك الوجه هنا أقرب منه في البناء وإن لم يذكروه،
أَوْ بِمِثْلَهَا .. فَلاَ، وَكَذَا بِأَرْدَأ فِي الأَصَح?.
وَطَحْنُ حِنْطَةٍ وَصَى بِهَا، وَبَذْرُهَا، وَعَجْنُ دَقِيقٍ، وَغَزْلُ قُطْنٍ، وَنَسْجُ غَزْلٍ، وَقَطْعُ ثَوْبِ قَمِيصاً، وَبِنَاءٌ وَغِرَاسٌ فِي عَرْصَةٍ .. رُجُوعٌ
ورده الشيخ؛ بأن الدار هي المقصودة والبناء المستحدث صفة تابعة، بخلاف كل من الخليطين.
قال: (أو بمثلها .. فلا)؛إذ لا زيادة، وهذا مقطوع به.
قال: (وكذا بأردأ في الأصح) كما لو عيب الموصى به أو أتلف بعضه.
والثاني: أنه رجوع؛ لأنه غير الموصى به عما كان، فأشبه الخلط بالأجود، وهذا أورده القاضي أبو الطيب ونسبه إلى عامة الأصحاب، واختاره الإمام.
قال: (وطحن حنطة وصى بها، وبذرها، وعجن دقيق، وغزل قطن، ونسج غزل، وقطع ثوب قميصا، وبناء وغراس في عرصة .. رجوع)؛لأن ذلك يبطل اسم الموصى به، والوصية متعلقة بذلك الاسم، وهذه التصرفات مشعرة بقصد التمليك.
قال الرافعي: ولو أوصى بلحم فشواه .. كان رجوعا قطعا، وفيه وجه في (البحر).
تتمة:
أوصى لزيد بشيء معين ثم أوصى به لعمرو .. لم يكن رجوعا على النص، بل يكون بينهما نصفين، ولو أوصى به لثالث .. كان بينهم أثلاثا، ولو أوصى به لرابع كان بينهم أرباعا .. وهكذا، وبهذا قال الأئمة الثلاثة؛ لاحتمال إرادة التشريك، فتنزل الوصايا منزلة ما لو قال دفعة واحدة: أوصيت لهما.
وحكى المتولي وجها: أن الوصية الثاني رجوع.
وقال ابن بنت الشافعي: تبطل الوصية لهما؛ لإشكال حالهما.
وعلى المذهب: لو رد أحدهما .. كان للآخر الجميع، بخلاف ما إذا أوصى به لهما دفعة واحدة، ولو أوصى به لواحد وبنصفه لآخر، فإن قبلاه .. فثلثاه للأول وثلثه للثاني، وإن رد الأول .. فنصفه للثاني، وإن رد الثاني .. فجميعه للأول.
فَصْلٌ:
يُسَنُ الإِيصَاءُ
قال في (المهمات):الصواب: أن للأول ثلاثة أرباعه وللثاني الربع؛ فإن النصف للأول، وشركته مع الثاني في النصف الآخر يكون بينهما نصفين.
اهـ
وهذه طريقة التداعي، وهي ضعيفة لم يفرع الرافعي ولا المصنف عليها شيئا في هذا الباب.
والصواب المعتمد المنقول في المذهب: أن للأول ثلثين وللثاني ثلثا؛ عملا بطريقة العول التي نص عليها في (الأم)،واختارها ابن الحداد، وتقريرها: أن يقال: معنا مال ونصف مال، فتضع النصف على الكل، فتكون الجملة ثلاثة، تقسم على النسبة، فيكون لصاحب المال ثلثاه، ولصاحب النصف الثلث، وقد ذكرها الرافعي والمصنف في القسم الثاني في حساب الوصايا، ويستأنس لها القرآن؛ فإن الله تعالى جعل لابن إذا انفرد جميع المال،، وللبنت عند الانفراد النصف، فإذا اجتمعا أخذ الابن قدرها مرتين، فلذلك قلنا: يعطي الموصى له بالجميع الثلثين، والموصى له بالنصف الثلث، هذا هو الصواب، والذي في (المهمات) سهو.
قال: (
فصل
:
يسن الإيصاء)،هذا باب مستقل انعقد الإجماع عليه، وقد أوصى أبو بكر عمر رضي الله عنهما بالخلافة، وكتب ابن مسعود: إن وصيتي إلى الله تعالى ثم إلى الزبير وابنه، وإنهما في حل وبل مما وليا وقضيا، ولا تزوج امرأة من بنات عبدالله إلا بإذنها.
وروى سفيان بن عيينة: أن الزبير كان وصيا لسبعين من الصحابة، منهم عثمان والمقداد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود، وكان ينفق على أيتامهم من ماله، ويحفظ عليهم أموالهم.
بِقَضَاءِ الد?يْنِ،
وخرج سعيد بن منصور عن أنس: أنهم كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان: أن يشهد أن لا إله إلا الله ... وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
وكتب أبو بكرة في وصيته: هذا ما وصى به نفيع الحبشي مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يشهد أن الله ربه، وأن محمدا نبيه، وأن الإسلام دينه، وأن الكعبة قبلته، وأن يرجو من الله ما يرجوه المعترفون بتوحيده، المقرون بربوبيته، الموقنون بوعده ووعيده، الخائفون من عذابه، المشفقون من عقابه، المؤملون لرحمته، إنه أرحم الراحمين.
وعبر (المحرر) بالوصاية، فعدل المصنف عنه إلى الإيصاء؛ لأن المبتدئ لايفهم الفرق بين الوصية والوصاية، والإيصاء يعمها لغة، والتفرقة من اصطلاح الفقهاء.
قال: (بقضاء الدين)؛لأن ذمة الميت مرتهنة به حتى يقضي عنه، والمراد: الدين الذي لا يعجز عنه في الحال، أما الذي يعجز عنه .. فالوصية به واجبة كما صرح به في (الروضة)،قال: وكذا الإيصاء برد المظالم.
قال الإمام: وتجهيز الميت بمثابة الدين ثم مؤنة رد التركة، وسبيلها سبيل الديون.
قال الإمام: لا يظهر للوصاية بقضاء أثر؛ إذ للورثة القضاء من أموالهم.
فرع:
قال القاضي: يجوز الإيصاء بتقاضي الديون وإن لم يعين المتقاضي منه، حتى لو
وَتَنْفِيذِ الوَصَايَا، وَالنَظَرِ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ
قال: استوفوا ديوني، وكان وارثه غائبا .. أقام القاضي من يستوفيها ويحفظها إلى حضوره، وإن لم يوص به .. لم يكن للقاضي ذلك.
قال: (وتنفيذ الوصايا)؛استباقا للخيرات، وذكرت طائفة منهم الإمام: أن الوصاية لا تجري في رد المغصوب والودائع، ولا في الوصية بعين لمعين؛ لأنها مستحقة بأعيانها فيأخذها أصحابها، وإنما يوصى فيما يحتاج إلى نظر واجتهاد كالوصية للفقراء.
قال الرافعي: وهو موضع توقف معنى ونقلا، وأما المعنى .. فخوف خيانة الوارث، والنقل .. ما سيأتي في آخر الباب، وفي (باب الوديعة) حيث قالوا: إن أوصى لفاسق .. ضمن.
قال ابن الرفعة: وفائدتهما في الأعيان: في غيبة الموصى لهم، وفي حال تعذر القبول، فتكون تحت يد الوصي، ولولا الوصاية .. كانت عند الحاكم.
وأما العواري والودائع والغصوب .. ففائدتها: مطالبة الوصي؛ ليبرأ الميت منها.
قال: (والنظر في أمر الأطفال)؛ خشية الضياع، وما ذكره من التقييد بـ (الأطفال) هنا في (المحرر) و (الشرح) و (الروضة) يقتضي: أن المجانين والسفهاء لا تصح الوصاية عليهم، وليس كذلك؛ فقد صرح القاضي أبو الطيب وغيره بصحتها على المجنون، وصرح مجلي في (الذخائر) بصحتها على الذي بلغ سفيها؛ قياسا على الصبي.
أما من ترك الإيصاء عليهم اتكالا على الله تعالى .. فقال الشيخ: لا أرى أن يكون بذلك مخالفا للسنة، وليس في السنة أمر به، ولذلك كان تعبير (المحرر) بالاستحباب أحسن من تعبير المصنف بـ (السنة)،لكن قد تجب الوصية، وذلك إذا علم استيلاء الخونة من أمناء الحكم وغيرهم على ماله.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما الوصية على الحمل .. فتجوز بطريق التبع، وفي إفرادها توقف؛ لأن الأب لم تثبت له الولاية عليه، فكيف ينقلها إلى الوصي؟! لكن في (تعليق الشيخ أبي حامد) ما يقتضي الجواز، وهو الذي يشعر به كلام الروياني وغيره في (كتاب الشفعة).
فرع: من علم من نفسه الأمانة والقدرة .. استحب له قبول الوصية، فإن لم يعلم من نفسه ذلك .. فيختار له أن لا يقبل.
وفي (مناقب الشافعي) للبيهقي: قال الربيع: قال الشافعي رضي الله عنه: لا يدخل في الوصية إلا أحمق أو لص، فإن علم في نفسه الضعف .. فالظاهر: أنه يحرم القبول؛ لما روى مسلم عن أبي ذر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين، ولا تلين مال يتيم).
فإذا لم يوص أحدا .. نصب القاضي من يقوم بهذه الأمور.
فائدة:
قال الشيخ: لم يتعرض ابن الرفعة ولا غيره لاستئذان أرباب الديون في البيع، والتركة مرهونة بحقهم، قال: وينبغي أن لا يمكن الوصي ولا الوارث من البيع حتى يحضر أرباب الديون ويوافقوا، فإن امتنع أحد منهم .. أجبره القاضي، قال: بل أقول: لأرباب الديون أن لا يرضوا بالوصي ولا بيد الورثة البالغين من الانفراد
وَشَرْطُ الْوَصِي?: تَكْلِيفٌ، وَحُر?يةٌ، وَعَدَالَةٌ
بوضع اليد عليها بحق الديون، فمتى كان في التركة دين ولو درهم .. لا ينفرد الوصي ولا الورثة باليد، بل يجب على القاضي وضع يده عليها حتى يوفى الدين منها وتنفذ الوصايا، بل للقاضي النظر في جميع التركات لأجل الديون والوصايا.
قال: (وشرط الوصي: تكليف)،فلا تصح الوصاية إلى الصبي والجنون ولو قل جنونه؛ لأنها أمانة وولاية وليسا من أهلها، ولأنهما مولي عليهما فلا يليان أمر غيرهما، فإن وصى إليه وهو ناقص فصار عند الموت كاملا .. صح على الأصح.
ومحل ما ذكره المصنف: إذا لم يعلقه على طروء التكليف، فإن قال: أوصيت لفلان حتى يبلغ ولدي فإذا بلغ فهو وصيي .. جاز كما سيأتي.
قال الجوهري: الوصي من الأضداد يطلق على الذي يوصي والذي يوصى إليه، ومراد المصنف الثاني.
قال: (وحرية)؛لأن الرقيق لا يتفرغ لذلك لشغله بخدمة السيد، والخلاف فيه مع مالك وأبي حنيفة.
قال ابن الرفعة: ومن هذه المسألة يفهم منع الإيصاء لمن أجر نفسه في عمل مدة لا يمكنه فيها التصرف بالوصاية، ولم نر من قاله.
والمبعض والكاتب والمدبر وأم الولد ومعلق العتق بصفة كالقن، وفي مدبره وأم ولده خلاف مبني على وقت اعتبار الصفات، والأصح: أنها معتبرة بحالة الموت، وقيل: بحالة الإيصاء، قال الشيخ: وكلام الشافعي والأكثرين دال عليه، وسيأتي الكلام عليها في أم الأطفال.
قال: (وعدالة)،فالفاسق ممنوع منها بالإجماع، والمراد: العدالة الظاهرة كما قاله الهروي في (أدب القضاء)،وقد تقدم في (الوقف):أن الناظر على الجهات العامة والأشخاص المعينين إذا لم يكن فيهم طفل قيل فيه: إن العدالة لا تشترط فيه؛ لأنه إن خان حملوه على الصواب والسداد، فيظهر جريانه في الوصي من باب أولى إذا
وَهِدَايَةٌ إِلىَ الْتَصَرُفِ الْمُوصَى بِهِ، وَإِسْلاَمٌ، لَكِنِ الأَصَح?: جَوَازُ وَصَيةِ ذِمِي? إِلىَ ذِمِي?
كان على تفرقة شيء معين ولا طفل هناك، ولذلك قال في (المعاياة):إذا أوصى إلى فاسق بتفرقة ثلثه .. لم يصح، فإن فرقه، فإن كانت الوصية لمعينين .. لم يضمن، لأنهم أخذوه، وإن كانت لغير معينين كالفقراء .. ضمن.
قال: (وهداية إلى التصرف الموصى به) فالعاجز عنها لسفه أو مرض أو هرم أو تغفل لا تصح الوصية إليه؛ لنقصه وإن كان عدلا.
وقال الماوردي: إذا أوصى إلى ضعيف ضم الحاكم إليه أمينا، وهو موافق لما سيأتي إذا طرأ الضعف؛ فإنه إذا ضعف نظر الوصي واختلت كفاءته وعجز عن ضبط الحساب أو ساء تدبيره لكبر أو مرض .. نصب القاضي معه من يقوم بذلك ويسد الخلل ولا ينعزل بذلك، بخلاف ما إذا تغير حاله بالفسق، وبخلاف ما إذا نصب الحاكم قيما وطرأ عليه ذلك؛ فإن له عزله وإقامة غيره.
قال: (وإسلام)،فلا تجوز وصاية المسلم إلى الذمي؛ لقوله تعالى:} لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء {.
أما لو كان المسلم وصيا على ذمي وفوض إليه أن يوصي عليه .. فيظهر جواز إسناد الوصية إلى ذمي.
وأما وصية الذمي إلى المسلم .. فجائزة بالاتفاق.
قال: (لكن الأصح: جواز وصية ذمي إلى ذمي)،كما يجوز أن يكون وليا على أولاده بشرط أن يكون الأولاد محكوما بكفرهم وأن يكون عدلا في دينه.
وَلاَ يَضُرُ الْعَمَى فِي الأَصَح?، وَلاَ تُشْتَرَطُ الذُكُورَةُ، وَأُمْ الأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا
والثاني: لا تجوز وصية الذمي إلى ذمي كما لا تجوز شهادة الكافر، فعلى هذا: إذا تصرف برد الودائع ونحوها .. لم يضمن لوصوله إلى مستحقه.
والمعاهد والمستأمن في جميع ما ذكر كالذمي، فلو عبر بالكافر .. كان أعم.
وتجوز وصية النصراني إلى اليهودي وعكسه، أما أموال أيتامهم إذا كانت بأيديهم ولم يترفعوا إلينا .. فقال ابن الصلاح والماوردي والروياني: ليس للحاكم التعرض لهم ما لم يتعلق بها حق مسلم.
قال: (ولا يضر العمى في الأصح)؛لأن الأعمى متمكن من التوكيل فيما لا يمكن منه.
والثاني: يضر؛ لأنه ممتنع من المباشرة للعقود بنفسه، وصححه القاضي، وهما كالوجهين في ولاية النكاح، لكن الخلاف في العمى الطارئ أضعف منه في العمى المقارن.
وشرط الروياني وآخرون: أن لا يكون عدوا للطفل، فقالوا: شرطه أن تجوز شهادته عليه، وهو منقوض بالذمي؛ فإنه يوصي إلى الذمي فلا تجوز شهادته عليه.
قال: (ولا تشترط الذكورة)،حكى ابن المنذر فيه الإجماع.
وفي (سنن أبي داوود):أن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة رضي الله عنها، وقال عليه الصلاة والسلام: (خذي ما يكفيك وولدك).
وذكر الحناطي وجها: أنه لا تجوز الوصاية إلى الأم.
قال الرافعي: وحقه الطرد في جميع النساء.
قال: (وأم الأطفال أولى من غيرها) أي: اجتمعت الشروط فيها .. فهي أولى من غيرها من النساء ومن الرجال إذا كان فيها ما فيهم؛ لوفور شفقتها، وخروجا من
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خلاف الإصطخري؛ فإنه يرى أنها تلي بعد الأب والجد.
هذا بالنسبة إلى الزوجة، وأما أم الولد .. فالمنصوص: أنها لا تجوز الوصية إليها؛ اعتبارا بحالة الوصية.
وعند الرافعي والشيخ: الأظهر: الجواز؛ اعتبار لحالة الموت.
فرع:
الأب والجد ليس للحاكم أن يكشف عنهما حتى يثبت عنده ما يوجب زوال نظرهما، من فسق أوخيانة، فيعزلهما حينئذ ويولي غيرهما، وكذا أمين الحاكم.
وأما الوصي .. ففي جواز الاستكشاف عنه وجهان:
أحدهما: لا، كالأب.
والأصح: أن على الحاكم استكشاف حاله، وهذا إنما قالوه في ابتداء ولاية القاضي، فلو أراد في دوام ولايته ذلك .. فلم يتعرضوا له، ولا يبعد جوازه عند طول العهد كما سيأتي في استزكاء الشهود.
قال الشيخ: أما عند الريبة فلا يرتاب في ذلك، وقد كان يفعل ذلك في زمن شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين القشيري، فقيل له: هل أنتم أشفق على الأخ من أخيه؟ فقال: أما شفقة الدين فنحن أشفق من إخوتهم عليهم، ونحن أغير على دين الله تعالى أن نسلم المال إلى من لا نثق بدينه، ولا يخفى كم رأينا من والد وأخ أخذ مال ابنه وأخيه وأتلفه، وسببه أن حظ نفسه عنده أقوى من حظ أخيه.
وذكر الشيخ في (باب المساقاة):أنه يجوز للقاضي أن يضم إلى الوصي غيره بمجرد الريبة من غير ثبوت خلل، قال: وهذا عين قول الأصحاب: إن القاضي إذا وجد الوصي ضعيفا عضده بمعين.
وَيَنْعَزِلُ الْوَصِي? بِالْفِسْقِ، وَكَذَا الَقاضِيِ فِي الأَصَح?، لاَ الإِمَامُ الأَعْظَمُ
قال: (وينعزل الوصي بالفسق) لزوال الشرط وفي معنى الوصي قيم الحاكم.
والمراد بـ (الفسق):التعدي في المال أو غيره بعد موت الموصي، أما قبله .. فينبني على وقت اعتبار الشروط.
ومثله لو جن أو أغمى عليه، فإذا تاب أو أفاق .. لم تعد ولايته كالقاضي إذا فسق، وإذا فسق الأب أو الجد .. انتزع الحاكم مال الطفل، فإن تابا أو أفاقا .. عادت ولايتهما؛ لوفور شفقتهما.
قال: (وكذا القاضي في الأصح)؛لزوال أهليته.
والثاني: لا، كالإمام الأعظم، إلا أن يعزله الإمام.
والمسألة كررها المصنف في (القضاء)،لكنه فرضها في عدم نفوذ حكمه لا في انعزاله كما ههنا.
قال: (لا الإمام الأعظم)؛لتعلق المصالح الكلية بولايته، ونقل القاضي عياض الإجماع على ذلك، بل تجوز ولاية الفاسق ابتداء إذا دعت ضرورة إلى ذلك.
وقيل: ينعزل، وإلا .. تفسد الرعية، وصوبه في (المطلب)،وبه جزم القاضي أبو الطيب والماوردي في (الأحكام).
وفي ثالث: ينعزل إذا لم تحصل بعزله فتنة، وإلا .. فلا؛ لأن الفتنة أضر من ولايته.
إذا كان الوصي أتلف مالا .. لم يبرأ من ضمانه حتى يدفعه إلى الحاكم ثم يرده الحاكم عليه إن ولاه، وفي مثله للأب أن يقبض من نفسه لولده.
وليس من التعدي أكل الأب والوصي مال الطفل للضرورة، ولكن إذا وجب الضمان .. فطريق البراءة ما ذكرنا، كذا قاله الرافعي، ونازعه فيه الشيخ.
وَتَصِحُ الوَصِيَةُ بِقَضَاءِ الد?يْنِ.
وَتُنَفُذُ الْوَصِيِةُ مِنْ كُل? حُر? مُكَلَف?، وَيُشْتَرَطُ فِي أَمْرِ الاطْفَالِ مَعَ هَذَا: أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَيْهِمْ.
وَلَيْسَ لِوَصِي? إِيْصَاءٌ،
قال: (وتصح الوصية بقضاء الدين.
وتنفذ الوصية من كل حر مكلف) كذا في نسخة المصنف، عمل بعد الدين دائرة تدل على الفصل، وضم فاء (تنفذ) والذال بعدها، فصار مسألتين:
إحداهما: صحة الوصية في قضاء الدين، وهذه تقدمت.
والثانية: نفوذ الوصية من كل حر مكلف.
والمراد: أنه يشترط في الموصي إذا كانت الوصية بقضاء الدين أو تنفيذ الوصايا أن يكون حرا مكلفا، وهكذا عبارة الرافعي، ويرد عليهما: أن السفيه حر مكلف، وتقدم: أن وصيته بالمال صحيحة على المذهب.
وقال ابن الفركاح: ينبغي أن يقرأ (تنفيذ) بزيادة (ياء) بين (الفاء) و (الذال)،كما هو في (المحرر) و (الشرح) و (الروضة).
قال: (ويشترط) أي: في الوصي (في أمر الأطفال مع هذا: أن تكون له ولاية عليهم) أي: ولاية مبتدأة من الشرع لا بتفويض.
واحترز به عن وصية الوصي كما سيأتي.
قال الشيخ: ومقتضى هذا: أن الأب السفيه ليس له أن يوصي؛ لأنه لا ولاية له على ولده، وهذا لاشك فيه، وليس خاصا بالطفل، بل المجنون كذلك، وكذلك السفيه حيث كانت الولاية عليه للأب.
قال: (وليس لوصي إيصاء)،هذا في الوصية المطلقة التي لم يأذن فيها بأن يوصي؛ لأن الموصي لم يرض بالثاني، وبهذا قال أحمد.
وخالف مالك وأبو حنيفة والثوري.
وقالوا: له أن يوصي.
لنا: القياس على الوكيل
فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ .. جَازَ فِي الأَظْهَرِ.
وَلَوْ قَالَ: أَوصَيْتُ إِليْكَ إِلى بُلوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ الوَصِي? .. جَازَ
قال: (فإن أذن له فيه .. جاز في الأظهر) كالوكيل يوكل بالإذن بل أولى؛ لقوة نظر الموصي.
والثاني: لا؛ لبطلان إذنه بالموت، هذا إذا لم يعين بأن قال: أوص إلى من شئت، فإن قال: أوص إلى فلان .. فالمذهب كذلك.
وقيل: يصح قطعا، ورجحه الماوردي.
وموضع القولين: إذا أذن له أن يوصي عن نفسه أو أطلق، فإن أذن له أن يوصي عن الموصي .. صح قطعا، صرح به ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب والروياني.
فإن قلنا: يصح، فمات الموصي من غير وصية إلى فلان .. فهل على الحاكم نصبه أو له نصب غيره؟ فيه وجهان.
قال: (ولو قال: أصيت إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد فإذا بلغ أو قدم فهو الوصي .. جاز) وكذا لو قال: أوصيت إليك فإذا مت ففلان وصيي أو فقد أوصيت إليه، أو أوصيت إليك سنة فإذا مضت فوصيي فلان؛ لأن الموصي هو الذي أوصى إليه وجعل الوصاية إلى الثاني مشروطة بشرط، والوصية كما تحتمل التعليق تحتمل الأخطار، ولأن الوصاية قريبة من التأمير، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زيدا وقال: (إن أصيب زيد .. فجعفر، وإن أصيب جعفر .. فعبدالله بن رواحة).
وروي: أن فاطمة أوصت إلى علي، فإن حدث بها حادث .. فإلى بنيها رضي الله عنهم.
وقيل: فيه الخلاف في تعليق الوكالة.
وَلاَ يَجُوزُ نَصْبُ وَصِي? وَالجَد? حَي? بِصِفَةِ الوِلاَيَةِ، وَلاَ الإِيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتِ
قال الرافعي: وبالمنع أجاب الروياني، فمنع: إذا مت .. فقد أوصيت إليك، وجوز: أوصيت إليك إذا مت.
قال: (ولا يجوز نصب وصي والجد حي بصفة الولاية)؛لأن ولايته ثابتة بالشرع كولاية التزويج.
وقيل: يجوز؛ لأنه أولى من الجد فكذا نائبه.
ويستثني من ذلك: المشكل إذا استلحق ولدا ولم يصرح ببنوة الظهر ولا البطن، فإذا بلغ هذا الولد وحدث له أولاد فأوصى عليهم أجنبيا مع وجود الجد المستلحق .. صحت وصيته جزما؛ لاحتمال أن يكون امرأة فلا ولاية لها عليهم، صرح به القاضي أبو الفتوح، وهو ظاهر.
تتمة:
مراد المصنف: الوصاية في أمر الأطفال، فأما في الديون والوصايا .. فلا خلاف في جواز نصبه مع الجد، فإن لم ينصب .. فأبواه أولى بقضاء الديون، والحاكم بتنفيذ الوصايا، واستثنى الشيخ من ذلك ما إذا كان الجد غائبا .. فله أن يوصي إلى حضوره؛ لأن الضرورة تدعو إلى ذلك.
قال: (ولا الإيصاء بتزويج طفل وبنت)،خلافا لمالك وأبي حنيفة؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (السلطان ولي من لا ولي له)،ولأن الوصي لا يتعير بدخول الدناءة في نسبهم، واللائق تفويض أمر التزويج إلى من يعتني بالنسب أو يختص بقوة النظر والاجتهاد كالقاضي، وأيضا فلأنهم لو كانوا بالغين .. لم تجز