والصَّحِيحُ: جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِخَطٍّ مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ
صلى الله عليه وسلم أنَّ ابن صياد هو الدجال، ولم ينكره عليه.
وضابط وثوقه: أن يكون بحيث لو وجد في تلك التذكرة لفلان علي هذا .. لم يجد في نفسه أن يحلف على نفي العلم به، بل يؤديه من التركة.
واحترز بقوله: (إذا وثق) عما إذا غلب على ظنه كذبه .. فلا يحلف قطعًا، واقتصاره على خط مورثه يوهم منع الحلف على خط نفسه، وهو الذي نقله الشيخان هنا عن (الشامل)، وجرى عليه في (البيان)؛ لإمكان التذكر في خط نفسه، بخلاف مورثه، لكن المصنف سوى بينهما في (باب الدعاوي) حيث قال: (يجوز البت بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه) وكذا ذكراه في (الشرح) و (الروضة) هناك.
والظاهر: أن ذكر المورث ليس بقيد، حتى لو رأى شيئا بخط مكاتبه الذي مات قبل العتق، أو خط مأذونه القن بعد الموت، أو عامله في القراض، أو شريكه في التجارة .. جاز له أن يحلف عليه بالشرط السابق؛ لوجود العلة وهو الظن المذكور.
قال: (والصحيح: جواز رواية الحديث بخط محفوظ عنده)؛ لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، ولأن باب الرواية أوسع من الشهادة؛ لأن الفرع يروي مع حضور الأصل ولا يشهد.
والثاني: المنع إلى أن يتذكر كالشهادة.
تتمة: تجوز الرواية بالإجازة، خلافًا للماوردي والقاضي حسين، وهو أحد قولي الشافعي، وهي سبعة أنواع بينها المصنف وغيره.
والأصح: صحة الإجازة العامة كأجزت للمسلمين، أو كل أحد، أو من أدرك زماني، لا لزيد ولمن يولد له في الأصح.
والإجازة للطفل الذي لا يميز صحيحة على الأصح.
فَصْلٌ:
لِيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي دُخُولٍ عَلَيْهِ، وَقِيامٍ لَهُمَا، وَاسْتِمِاعٍ، وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ،
وإذا كتب الإجازة .. استحب أن يتلفظ بها، فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة .. صحت كالقراءة عليه مع سكوته.
قال: (فصل:
ليسوِّ بين الخصمين في دخول عليه) وإن اختلفا في الشرف، فلا يدخل أحدهما قبل الآخر، وإذنه لأحدهما وحجب الآخر جور يأثم به القاضي، فلو أذن لهما فتقدم أحدهما من تلقاء نفسه أو تقدم في الممر .. فذلك قريب.
ولفظ الخصم يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث؛ لأنه في الأصل مصدر، قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾.
ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول: خصمان وخصوم.
و (الخصم) بفتح الخاء وكسر الصاد: الشديد الخصومة.
قال: (وقيام لهما) فيقوم لهما أو يترك، ولا يخص أحدهما بقيام.
وكره ابن أبي الدم القيام لهما جميعًا؛ لأن أحدهما قد يكون شريفًا والآخر وضيعًا، فإذا قام لهما .. علم الوضيع أن القيام لأجل خصمه، فيزداد الشريف تيهًا والوضيع كسرًا، فترك القيام لهما أقرب إلى العدل.
قال: (واستماع، وطلاقة وجه) ونحو ذلك من وجوه الإكرام، ويقبل عليهما معًا بمجامع لبه ويسمع لهما، ولا يمازح أحدهما ولا يضاحكه، ولا يشير إليه إشارة إكرام؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية.
قيل: نزلت في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي.
وفي (سنن البيقهي) [10/ 135]: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (من ابتلي بالقضاء بين المسلمين .. فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومعقده ومعقده، ولا يرفع صوته على أحدهما).
وَجَوَابِ سَلاَمٍ، وَمَجْلِسٍ،
قال: (وجواب سلام) فإن سلما أجابهما معًا، وإن سلم أحدهما دون الآخر .. قال للآخر: سلم، أو يصبر حتى يسلم صاحبه فيجيبهما معًا.
قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا إذا طال الفصل، وكأنهم احتملوا طوله للتسوية.
وقيل: يجوز ترك السلام مطلقًا، واستبعده الإمام، واعترضه في (المهمات).
وقال الماوردي: إذا حضر الخصمان إلى الحاكم .. سقط عنهما سنة السلام.
والواجب أن يسوي بينهما في الأفعال دون القلب، فإن كان يميل إلى أحدهما بقلبه ويحب أن يلهج بحجته على الآخر .. لم يأثم؛ لأنه لا تمكنه التسوية بينهما في ذلك، ولا يستطيع التحرز من الميل والمحبة كما قال صلى الله عليه وسلم في الميل إلى بعض نسائه: (اللهم؛ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك).
قال: (ومجلس) فيجلسهما بين يديه.
ويجوز إجلاس الشريفين عن يمينه وشماله؛ ففي (سنن أبي داوود) [3583] عن عبد الله بن الزبير قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم).
ولأن النظر إليهما والاستماع لكل منهما حينئذ يكون أسهل، وإذا جلسا .. تقاربًا، إلا أن يكونا رجلًا وامرأة غير محرم فيتباعدان.
ويستحب أن يجلسا بين يدي القاضي على الركب؛ ليتميزا عن غيرهما، ولأنه أهيب، وهي عادة العرب في المخاصمات، والمرأة متربعة كيف كانت؛ لأنه أستر لها.
ولا يجوز أن يرتفع الموكل في المجلس عن الوكيل والخصم؛ لأن الدعوى متعلقة به أيضًا بدليل تحليفه إذا وجب اليمين، كذا حكاه ابن الرفعة عن الزبيلي وأقره،
وَالأَصَحُّ: رَفْعُ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيهِ
وينبغي أن يكون مفرعًا على وجوب التسوية، فإن قلنا باستحبابها .. لم يتجه فيما ذكره غير الاستحباب.
وبالجملة هو فقه حسن، والبلوى به عامة، وقد رأينا من يوكل فرارًا من التسوية بينه وبين خصمه.
وملخص ما في التسوية في المجلس وجهان: المذهب استحبابها، والأكثرون على وجوبها.
قال: (والأصح: رفع مسلم على ذمي فيه) أي: في المجلس، لقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
قال الشيخ: وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأن العلماء أخص من المؤمنين ويكون المعنى: أنه يرفع المؤمنين على غير المؤمنين، ويرفع العلماء من المؤمنين على بقية المؤمنين.
وروى البيقهي [10/ 136] عن الشعبي قال: خرج علي إلى السوق، فإذا هو بنصراني يبيع درعًا فعرفها علي فقال: هذه ردعي، بيني وبينك قاضي المسلمين، فأتيا شريحًا فلما رأى القاضي أمير المؤمنين .. قام من مجلسه وأجلسه فيه، وجلس شريح أمامه إلى جنب النصراني، فقال له علي: لو كان خصمي مسلمًا .. لقعدت معه مجلس الخصم، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تساووهم في المجالس) اقض بيني وبينه يا شريح.
فقال شريح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه درعي، ذهبت مني منذ زمان، فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟ فقال: ما أكذب أمير المؤمنين! الدرع درعي، فقال شريح لأمير المؤمنين: هل من بينة؟ فقال علي: صدق شريح، فقال النصراني: أشهد أن هضه أحكام الأنبياء، ثم أسلم النصراني، فأعطاه علي الدرع وحمله على فرس عتيق.
قال الشعبي: فلقد رأيته يقاتل المشركين عليه.
وَإِذَا جَلَسَا .. فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: لِيَتَكَلَّمِ الْمُدَّعِي، فَإِذَا ادَّعَى .. طَالَبَ خَصْمَهُ بِالْجَوَابِ، ....
والوجه الثاني: يسوي بينهما كما أنه يسوي بينهما في الإقبال عليهما والاستماع منهما.
قال الرافعي: ويمكن أن يكون الوجهان في رفع المجلس جاريين في سائر وجوه الإكرام، وقد صرح بذلك الفوراني قبله، وجزم في (التنبيه) بتقدمه عليه في الدخول.
قال: (وإذا جلسا) بين يديه وكذلك إذا انتصبا كما هو الواقع غالبًا، وهو خلاف الأولى والأدب، قال الماوردي: لا تسمع الدعوى منهما وهما قائمان حتى يجلسا بين يديه تجاه وجهه.
قال: (.. فله أن يسكت)؛ لأنهما حضرا ليتكلما.
قال: (وله أن يقول: ليتكلم المدعي)؛ لما فيه من إزالة هيبة القدوم، وكذا إذا عرف المدعي يقول له: تكلم.
ولو خاطبهما بذلك الأمين الواقف عنده .. كان أولى، والأولى أن يستأذنه الخصم في الكلام.
فإن طال سكوتهما لغير سبب .. قال: ما خطبكما، وهو أكمل ألفاظ الاستدعاء، وفيه وجه: أنه يسكت ولا يقول لهما شيئًا، فإن لم يدَّعِ واحد منهما .. أقيمها من مكانهما.
قال: (فإذا ادعى) أي: دعوى صحيحة (.. طالب خصمه بالجواب)؛ لأن به تنفصل الخصومة فيقول: ما تقول؟ أو اخرج من دعواه ونحو ذلك.
وقيل: لا يطالبه بالجواب حتى يسأل المدعي؛ لأنه حقه، فيقول: وأنا أسأل جوابه أو أطالبه بالجواب؛ لأنه حقه، فلا يطالب به خصمه إلا بسؤاله كاليمين؛ فإنه لا يحلفه إلا بمسألته، وصحح هذا الهروي، وقال في (الدعاوى) من (الشرح الصغير): إذا أشبه.
فلو كتب المدعي دعواه في رقعة وقال: أدعي بما في هذه .. ففيه وجهان:
فَإِنْ أَقَرَّ .. فَذَاكّ، وِإِنْ أَنْكَرَ .. فَلَهُ أَنْ يَقُولَ للْمُدَّعي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ وَأَنْ يَسْكُتَ، فَإِنْ قَالَ: لِيْ بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ تَحْلِيفَهُ .. فَلَهُ ذَلِكَ، أَوْ لاَ بَيِّنَةَ لِي، ثُمَّ أَحْضَرَهَا .. قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ
أحدهما: لا يقبل القاضي هذا منه حتى ينطق بذلك بلسانه.
والثاني: يقبله منه، ويقرؤها على المدعى عليه، ويطالبه بالجواب، فإن كتب الآخر الجواب في رقعة .. استويا، ولا ترجيح في الوجهين.
قال: (فإن أقر .. فذاك) أي: فقد لزمه ما أقر به، فحينئذ للمدعي أن يطلب من القاضي الحكم عليه فيقول: اخرج من حقه، أو كلفتك الخروج منه، أو ألزمتك به.
والأصح: أن الحق يثبت بمجرد الإقرار دون حكم، بخلاف البينة، واستبعد الرافعي مقابله؛ فإنه لا خلاف أن للمدعي الطلب بعد الإقرار، وللقاضي الإلزام.
قال: (وإن أنكر) أي: والدعوى فيما لا قسامة فيه.
قال: (.. فله أن يقول للمدعي: ألك بينة؟)؛ لما روى مسلم] 139 [عن وائل بن حجر: أن رجلًا من حضر موت وآخر من كندة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فال الحضرمي: يا رسول الله؛ إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال صلى الله عليه وسلم للحضرمي: (ألك بينة؟) قال: لا، قال: (فلك يمينه).
وفي وجه: لا يقول له ذلك؛ لأنه كالتلقين.
قال: (وأن يسكت)؛ تحرزًا من اعتقاد ميله إلى المدعي.
وقيل: له أن يقول: قد أنكرك فهل لك بينة، أو ما تقول؟
قال: (فإن قال: لي بينة وأريد تحليفه .. فله ذلك)؛ لأنه إن تورع عن اليمين وأقر .. سهل الأمر على المدعي، واستغنى عن إقامة البينة، وإن حلف .. أقام البينة، وإن كذبه .. فله في التحليف غرض صحيح.
قال: (أو لا بينة لي، ثم أحضرها .. قبلت في الأصح)؛ لأنه ربما لا يعرف، أونسي ثم عرف وتذكر.
وَإِذَا ازْدَحَمَ خُصُومٌ .. قُدِّمَ الأَسْبَقُ، فَإِنْ جُهِلَ أَوْ جَاؤُوا مَعًا .. أُقْرِعَ،
والثاني: لا يقبل، ونسبه الماوردي إلى الأكثرين؛ للمناقضة، فلنفيه البينة ثلاث صور:
إحداها: لا بينة لي حاضرة، فإذا أحضرها .. سمعت جزمًا.
الثانية: لا بينة لي حاضرة ولا غائبة، ثم يأتي ببينة، والأصح في (أصل الروضة) سماعها.
الثالثة: لا بينة لي، وهي صورة الكتاب، فلو قال: شهودي عبيد أو فسقة، ثم يأتي بأحرار عدول .. قبلت شهادتهم إن مضى زمان يمكن فيه العتق والاستبراء، كذا قاله الشيخان.
وينبغي القبول وإن لم يمض الزمان كما لو قال: لا بينة لي؛ لأنه قد لا يطلع على الحرية والعدالة، ثم يطلع عليهما.
ولو قال: كل بينة أقيمها باطلة أو كاذبة أو بينة زور، ثم أحضرها .. قبلت في الأصح؛ لأنه ربما لم يعرف أو نسي ثم عرف وتذكر.
والثاني: لا؛ للمناقضة، إلا أن يذكر لكلامه تأويلًا، ككنت جاهلًا أو ناسيًا، ونسبه الماوردي والروياني إلى الأكثيرين.
فرع:
قال المدعي للمدعى عليه: أبرأتك من اليمين .. سقط حقه من اليمين في هذه الدعوى، وله استئناف الدعوى وتحليفه، كذا قاله الشيخان.
قال ابن الرفعة: يظهر أنه لا تسوغ الدعوى عليه ثانيًا؛ لانقطاع الخصومة.
قال: (وإذا ازدحم خصوم .. قدم الأسبق)؛ لأنه أحق من المتأخر بسبقه، والاعتبار بسبق المدعي دون المدعي عليه.
قال: (فإن جهل أو جاؤوا معًا .. أقرع)؛ قطعًا للمنازعة، فإن آثر بعضهم بعضًا .. جاز، فإن كثروا وعسر الإقراع .. كتب أسماءهم في رقاع ووضعت بين يديه
وَيُقَدَّمُ مُسَافِرُونَ مُسْتَوْفزٌونَ وَنِسْوَةٌ وَإِنْ تَأَخَّرُوا
ليأخذ واحدة واحدة، فيسمع دعوى من خرج اسمه، قاله ابن الصباغ وغيره، وفسر الروياني الإقراع بهذا.
وتقديم القاضي الأول فالأول على سبيل الوجوب، فإن كان فيهم مريض يتضرر بالصبر إلى نوبته .. قال الروياني: الأولى لغيره تقديمه، فإن لم يفعلوا .. قدمه القاضي إن كان مطلوبًا، ولا يقدمه إن كان طالبًا.
فرع:
الازدحام على المفتي والمدرس فيما هو من العلوم فرض كفاية كالازدحام على القاضي، فيقدم بالسبق، وإن كان ذلك العلم لا يجبب تعلمه .. فالخيرة إلى المعلم والمفتي، وفي وجه: يجوز تخصيص بعضهم.
وقال الإمام والغزالي: الأولى المنع منه؛ فإنه لا يدري من المفلح منهم، فيعم الجميع، فإن لم يتأت تعليم الجميع .. قدم بالسبق أو بالقرعة.
قال: (ويقدم مسافرون مستوفزون ونسوة وإن تأخروا)؛ لدفع الضرر، ولأن النساء عورة.
و (المستوفز): الذي شد رحله، ويضره التخلف عن الرفقة.
قال الرافعي: وينبغي أن لا فرق في المسافر والمرأة بين المدعي والمدعى عليه، والأصح: أن تقديمها مستحب، ومنهم من يشعر كلامه بالوجوب.
والمسافرون بعضهم مع بعض كالمقيمين، فيعتبر السبق والقرعة، وكذا النسوة، فلو تعارضت النسوة والمسافرون .. ففي المقدم منهما نظر.
وقوله: (وإن تأخروا) راجع إلى المسافرين والنسوة، وغلب المذكر على المؤنث.
وكذا قوله: (ما لم يكثروا).
وإطلاقه النسوة يفهم أنه لا فرق بين الشابة والعجوز، والقياس إلحاق العجوز بالرجال؛ لانتفاء المحذور، ومن له مريض بلا متعهد ينبغي إلحاقه بالمريض،
مَا لَمْ يَكْثُرُوا، وَلاَ يُقَدَّمُ َسَابِقٌ وَقَارِعٌ إِلاَّ بِدَعْوَى، وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ شُهُودٍ مُعَيَّنِينَ لاَ يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ، وَإِذَا شَهِدَ شُهُودٌ فَعَرَفَ عَدَالَةً أَوْ فِسْقًا .. عَمِلَ بِعِمْلِهِ،
وينبغي تقديم المسلم على الكافر كما يرفعه عليه في المجلس.
قال: (ما لم يكثروا)؛ دفعًا للضرر عن المقيمن في الأولى وعن الرجال في الثانية.
قال: (ولا يقدم سابق وقارع إلا بدعوى) واحدة؛ لئلا يطول على الباقين، فإن كان له دعوى أخرى .. فليحضر في مجلس آخر وينتظر فراغ القاضي، وحينئذ تسمع دعواه الثانية، سواء كانت على الذي ادعى عليه أولى أو على غيره.
وفي وجه ضعيف: أن الزيادة على الأولى مسموعة إذا اتحد المدعى عليه.
وعلى هذا: قال في (الوسيط): تسمع إلى ثلاث دعاوى، ومنهمم من أطلقه.
قال: (ويحرم اتخاذ شهود معينين لا يقبل غيرهم)؛ لمخالفة قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: (شاهدك أو يمينه)، والإجماع على قبول كل عدل، ولأن فيه مشقة على الناس في قطع المسافة إليهم.
قال الماوردي: وأول من فعل ذلك إسماعيل بن إسحاق المالكي، وتبعه بعض القضاة في البلاد، وهل ذلك مكروه أو حرام؟ الذي في (البحر) و (الحاوي) الأول، وجزم القاضي أبو الطيب بالثاني، وعبارة (الروضة): لا يجوز، فإن رتب ومًا وكان يقبل غيرهم .. فلا كراهة.
قال: (وإذا شهد شهود فعرف عدالة أو فسقًا .. عمل بعلمه) فترد شهادة الفاسق، ولا يحتاج أن يبحث عن عدالة العدل، وقد تقدم فيه وجه عند القضاء بالعلم.
فرع:
شهد عليه معروفان بالعدالة قبل الحكم، ثم اعترف .. فقيل: يستند الحكم إلى الإقرار فقط، والصحيح: إلى المجموع.
وَإِلاَّ .. وَجَبَ الاسْتِزْكَاءُ بِأَنْ يَكْتُبَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَكَذَا قَدْرُ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَبْعَثَ بِهِ مُزَكِّيًا
قال: (وإلا) أي: وإن لم يعرف منهم عدالة ولا فسقًا (.. وجب الاستزكاء) وبهذا قال مالك وأحمد؛ لأنه حكم بشهادة، فيسقط فيه البحث عن شرطها كما إذا طعن الخصم، ولا يجوز الاكتفاء بأن الظاهر من حال لمسلم العدالة، كما لا يجوز الاكتفاء بأن الظاهر من حال من كان في دار الإسلام الإسلام.
هذا في جهل العدالة والحرية، فأما في جهل الإسلام .. فيرجع فيه إلى قولهم؛ لأنهم قادرون على إنشائه.
وفي (الحاوي) في (كتاب الشهادات) وجه: أنه لا يقنع بقوله: إني مسلم، حتى يختبر بالإتيان بالشهادتين.
وفي الحرية وجه: أنه يرجع لقوله، وقال في (المهذب): إنه ظاهر النص.
ومحل ما ذكره إذا لم يصدقهما الخصم، فإن صدقهما فيما شهدا به .. قضى بإقراره، ولا حاجة إلى البحث، لكن الحكم هنا بالإقرار لا بالبينة، ثم بين المصنف كيفية الاستزكاء فقال:
(بأن يكتب ما يتميز به الشاهد) من اسم وكنية ولقب وولاء إن كان، واسم أبيه وجده وحليته وحرفته وسوقه ومسجده؛ لئلا يشتبه بغيره، وإن كان مشهورًا وحصل التمييز ببعض هذه الأوصاف .. كفى.
قال: (والمشهود له وعليه) بأن يكتب ذلك؛ لأنه قد يكون بينهما ما يمنع الشهادة له أو عليه من قرابة أو عداوة.
قال: (وكذا قدر الدين على الصحيح)؛ لأنه قد يغلب على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير.
والثاني: لا يكتبه؛ لأن العدالة لا تتجزأ، فمن قبل في القليل .. قبل في الكثير.
قال: (ويبعث به مزكيًا) ليعرفه حاله، كذا في نسخة المصنف، وفي (المحرر): ويبعث به إلى المزكي، وفي (الروضة) و (الشرحين): ويكتب إلى كل مزك كتابًا ويدفعه إلى صاحب مسألته.
ثُمَّ يُشَافِهُهُ المُزَكِّي بِمَا عِنْدَهُ، وَقِيلَ: تَكْفِي كِتَابَتُهُ،
وعبارة (التنبيه): يكتب ذلك فى رقاع ويدفعها إلى أصحاب المسائل، ولايعلم بعضهم ببعض، وأقلهم اثنان، وقيل: يجوز واحد.
وأصل هذا أنه ينبغي أن يكون للقاضي مزكون وأصحاب مسائل.
فأصحاب المسائل: الذين يبعثهم القاضي إلى المزكين ليعرفوه ما اتضح عندهم من أحوال الشهود.
والمزكون: هم الذين يرجع إليهم فى أحوال الشهود.
وقيل: أصحاب المسائل اسم مشترك بين المزكين وبين رسل الحاكم إليهم.
ومراد المصنف بـ (المزكي): اثنان، لا ما يقتضيه لفظه من الوحدة.
قال: (ثم يشافهه المزكي بما عنده)؛ لأن الحكم يقع بشهادته فاعتبر ذلك، فإن اتصل به جرح .. لم يظهره، بل يقول للمدعى: زدني في الشهود، وإن كان تعديلًا .. عمل بمقتضاه.
وقوله: (يشافهه المزكي) إن أراد به صاحب المسألة– كما هو ظاهر عبارته- ...
فذاك، وسماه مزكيًا؛ لأنه ينقل للقاضي التزكية عن المزكين.
وإن أراد المبعوث إليه- كما اقتضاه كلام (المحرر) وغيره- .. فهو وجه قال به أبو إسحاق، ومنعُ الاعتماد على قول أصحاب المسائل؛ لأنهم شهود فرع، وشهادة الفرع لا تقبل مع حضور شاهد الأصل.
قال: (وقيل: تكفي كتابته) أي: مع أصحاب المسائل إلى القاضي، وهو الذى عليه الحكام فى بلاد الإسلام، يكتفون برؤية سجل العدالة.
والأصح: لا يكفي؛ لأن القاضي لا يعتمد على خط نفسه وإن وثق مالم يتذكر، فكيف بخط غيره المحتمل التزوير.
قال الرافعي: هذا ظاهر إن كان الحاكم يحكم بشهادة المزكيين، فأما إذا ولي بعضهم الحكم بالعدالة والجرح .. فلتكن كتابة ككتاب القاضي، وليكن الرسولان كالشاهدين على كتاب القاضي.
وَشَرْطُهُ كَشَاهِدٍ مَعَ مَعْرِفَةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَخُبْرَةِ بَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ لِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ،
قال: (وشرطه كشاهد) في الإسلام والتكليف والحرية والذكورة والعدالة، وعدم العداوة في الجرح، وعدم الأبوة والبنوة في التعديل، فلا تسمع شهادة الأب بتعديل الابن وعكسه على الأصح.
قال: (مع معرفة الجرح والتعديل)؛ ليكون على بصيرة من ذاك.
قال: (وخبرة باطن من يعدله لصحبة أو جوار أو معاملة)؛ لما روى البيهقي] 10/ 125 [عن خرشة بن الحر قال: شهد رجل عند عمر بن الخطاب فقال: لا أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه، فقال: بأي شي تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، قال: فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدينار والدرهم اللذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا، قال: فرافقته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: لست تعرفه، ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك.
ومن جهة المعنى أن الناس يخفون عوراتهم، ولا يتحقق الاطلاع عليها، فاعتبر ما يغلب على الظن بذلك، وهو الخبرة الباطنة.
واعتبر الإمام والغزالي والجاجرمي شرطًا ثالثًا وهو: أن لا يكون المزكي من أهل الأهواء والعصبية والمماطلة واللجاج؛ لأن اللجوج ينصر هواه، ويرتكب ما يهواه، ولا يرجع عن الخطأ؛ لضعف تقواه.
وينبغي أن يكون المزكي وافر العقل، ويجتهد في إخفاء أمرهم؛ لئلا يشتهروا في الناس بالتزكية.
والمراد بالمزكي هنا: من يشهد بالعدالة لا أصحاب المسائل، ولا تشترط فيهم الخبرة الباطنة إذا اكتفينا بشهادتهم كما صرح به ابن الرفعة.
قال الماوردي: ولايجوز للحاكم أن يقول لهم: من أين لكم ذلك.
وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ لَفْظِ شَهَادَةٍ، وَأَنَّهُ يَكْفِي: هُوَ عَدْلٌ، وَقِيلَ: يَزِيدُ: عَلَيَّ وَلِي،
تنبيه:
ظاهر إطلاق المصنف أنه لا يشترط التقادم في المعرفة الباطنة، وظاهر لفظ الشافعي يقتضيه، قال الرافعي: ويشبه أن شدة الفحص كالتقادم فليس ذكره للاشتراط، بل لكون الغالب أن الباطن لا يعرف إلا به.
وسكت المصنف عن التعديل بالاستفاضة، قال الرافعي: ولايبعد أن له التعديل بذلك، فإذا سمع الناس يذكرون صلاح شخص وأمانته وعدالته .. قال القاضي: له تعديله وإن لم يكن من أهل الخبرة بحاله إذا تكرر ذلك على سمعه مرارًا بحيث يغلب على ظنه، ويشهد له من السنة حديث الجنازة لما مر بها على النبي صلى الله عليه وسلم فأثنوا عليها خيرًا فقال: (أنتم شهداء الله في الأرض).
قال: (والأصح: اشتراط لفظ شهادة) بأن يقول: أشهد أنه عدل، كسائر الشهادات.
والثاني: لا يشترط، بل يقوم مقامها: أعلم وأتحقق وغيرهما، وهو شاذ.
قال: (وأنه يكفي: هو عدل)؛ لأنه أثبت العدالة التي اقتضاها ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وهذا نص عليه فى (حرملة).
قال: (وقيل: يزيد: عليَّ ولي)، قال الإمام: وهو أبلغ عبارات التزكية، وهو المنصوص في (الأم) و (المختصر).
وظاهر عبارته أنه لا فرق بين أن يقدم عليَّ أو لي.
وفي (الرونق) و (اللباب): لا يقبل حتى يقول: لي وعليَّ، فإن قال: عليَّ ولي .. لم يقبل في أحد الوجهين.
والثاني: يقبل، سواء قدم أو أخر، وهو غريب.
وَيَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ،
ولا يجوز أن يزكي أحد الشاهدين الآخر على الأصح، وعن (كتاب حرملة) جوازه، والمذهب الأول.
ولايحصل التعديل بقوله: لا أعلم منه إلا خيرًا؛ لأنه قد لا يعرف منه إلا الإسلام، ولا بقوله: لا أعلم منه ما يوجب رد الشهادة؛ لأنه قد لا يعرف منه ما يوجب القبول أيضًا.
قال: (ويجب ذكر سبب الجرح) وإن كان الجارح ذا فضل وفقه كما قاله في (الأم)؛ لأن أسبابه مختلف فيها، وقد يظن الشاهد ما ليس بجرح جرحًا.
وعلم من كلام المصنف أنه لا بد من التصريح بالسبب، وهو الصحيح، فيقول: هو زان أو سارق أو قاذف أو كاذب ونحو ذلك، لكن هل يشترط ذكر رؤية السبب أو سماعه بأن يقول: رأيته يزني أو سمعته يقذف؟ وجهان: أقيسهما: لا، فإذا بين السبب .. نظر فيه القاضي بعد ذلك.
وقال الإمام والغزالي: إذا كان الجارح عالمًا بالأسباب .. اكتفي بإطلاقه؛ وإلا .. فلا.
وقيل: يكفي التعريض بذكر ماينبه على ما يقع به الجرح مثل أن يسكت، أو يستعفي عن ذكره، أو يقول: الله أعلم بالسرائر، حكاه القاضي والإمام، ولا يجعل الجارح بذكر الزنا قاذفًا؛ للحاجة إلى ذلك كالشاهد.
قال المصنف: والصواب: أنه غير قاذف وإن لم يوافقه غيره؛ لأنه مسؤول عنه، فهو فى حقه فرض كفاية أو عين، بخلاف شهود الزنا؛ فإنهم مندوبون إلى الستر مقصرون.
وأما التعديل .. فلا حاجة إلى بيان سببه؛ لأن العدالة بالتحرز من أسباب الفسق، وهي كثيرة يعسر ضبطها وعدها.
وفي (العدة) وجه ضعيف: أنه يجب بيان سببه أيضًا، وجزم به في (الحاوي) فى موضعين، ولا يخفى أن الجرح لا يكون إلا عند القاضي، أو من نصبه للجرح أو التعديل.
وَيَعْتَمِدُ فِيهِ الْمُعَايَنَةَ أَوْ الاِسْتِفَاضَةَ، وَيُقَدَّمُ عَلَى التَّعْدِيلِ، فَإِنْ قَالَ الْمُعَدِّلُ: عَرَفْتُ سَبَبَ الْجَرْحِ وَتَابَ مِنْهُ وَأَصْلَحَ .. قُدِّمَ،
قال: (ويعتمد فيه) أى: في الجرح (المعاينة) والسماع كما إذا رآه يزني أو يشرب الخمر، أو سمعه يقذف إنسانًا، أو يقر على نفسه بذلك.
قال: (أو الاستفاضة) وكذا خبر التواتر؛ لحصول العلم بذلك، أما العدد اليسير .. فلا يجرح بقولهم، لكن له أن يشهد على شهادتهم بشرطه.
وقيل: يعتمد خبر واحد من الجيران إذا وقع فى القلب صدقه.
وقال في (العدة): إذا استفيض فسق الشاهد للناس .. فلا حاجة إلى البحث والسؤال، ويجعل المستفيض كالمعلوم.
وقال: (ويقدم على التعديل)؛ لزيادة علم الجارح، لأن التعديل بأمر ظاهر والجرح بباطن فقدمت شهادة علم ما خفي على غيره، كما لو قامت بينة على الحق وبينة على الإبراء .. تقدم بينة الإبراء؛ لأن المعدل ناف والجارح مثبت فهو أولى، وكذلك الحكم لو جرحه اثنان وعدله ثلاتة فأكثر إلى مئة، قاله القاضي حسين وغيره، وألحق به الإمام ما لو عدلوه وتحقق القاضي فسقه بالتسامع.
قال: (فإن قال المعدل: عرفت سبب الجرح وتاب منه وأصلح .. قدم)؛ لزيادة العلم، وهذا كالمستثنى من تقديم بينة الجرح.
وفي (البيان) عن الأصحاب استثناء صورة أخرى، وهي ما إذا شهد بالجرح في بلد ثم انتقل لبلد أخرى فشهد اثنان بالتعديل .. فتقدم على الجرح؛ لأن العدالة طارئة على الجرح، والتوبة ترفع المعصية.
واقتصر في (الذخائر) على استثناء هذه الصورة، وقال: لا يشترط اختلاف البلدين، بل لو كانا في بلد واختلف الزمان .. فكذلك، كذا أطلقوه.
وقال ابن الرفعة: وينبغي أن يخص بتخلل مدة الاستبراء بينهما.
اهـ
وهو الذى نص عليه فى اختلاف العراقيين من (الأم).
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ عَدْلٌ وَقَدْ غَلِطَ
قال: (والأصح: أنه لا يكفي في التعديل قول المدعى عليه: هو عدل وقد غلط) أي: فيما شهد به؛ لأن الاستزكاء حق لله تعالى، ولأن الحكم بشهادته حكم بتعديله، وهو لا يثبت بواحد.
والثاني: يحكم بشهادته بلا بحث؛ لأن البحث لحقه وقد اعترف بعدالته، وهذه المسألة محلها فيما تقدم عند قوله: (وإلا .. وجب الاستزكاء)، وهناك ذكرها في (المحرر).
فرع:
عُدِّل الشاهد ثم شهد في واقعة أخرى، فإن لم يطل الزمان .. حكم بشهادته، ولا يطلب تعديله ثانيًا؛ وإن طال .. فوجهان: أصحهما: يطلب تعديله؛ لأن طول الزمان يؤذن بتغير الحال، كما قيل: تغير الأوقات ينكر المعارف، ثم يجتهد الحاكم فى طوله وقصره.
وقال بعض الأصحاب: يسأل عنه في كل ستة أشهر، ولو قيل: كل سنة .. كان أولى.
وإذا عدل شاهد والقاضي يتحقق فسقه بالتسامع .. قال الإمام: يجب القطع بأنه يتوقف فيه، ولا يقضي بعلمه.
تتمة:
إذا ارتاب القاضي بالشهود أو توهم غلطهم لخفة عقل وجدها فيهم .. فينبغي أن يفرقهم، ويسأل كل واحد عن وقت تحمل الشهادة عامًا وشهرًا ويومًا وغدوة وعشية، وعن مكانه محلة وسكة ودارًا وصفة وصحنًا، ويسأل أتحمل الشهادة وحده أم مع غيره، وأنه كتب شهادته أم لا، وأنه كتب قبل فلان أو بعده، وكتبوا بحبر أو مداد ونحو ذلك، يستدل على صدقهم إن اتفقت كلمتهم، ويقف على عورة إن لم تتفق.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويقال: إن أول من فرق الشهود دانيال النبي عليه السلام، شهد عنده شهود بالزنا على امرأة ففرقهم وسألهم فقال أحدهم: زنت بشاب تحت شجرة كمثرى، وقال آخر: تحت شجرة تفاح، فعرف كذبهم.
وفرق الشهود داوود عليه السلام، ثم علي كرم الله وجهه.
أما إذا لم تكن ريبة بأن كانوا وافري العقل فقهاء .. لم يفرقهم؛ لأن فيه تهمة لهم وطعنًا فيهم، وقال الروياني: يفرقهم.
ثم إن التفريق والاستفصال جعله الغزالي بعد التزكية، والصحيح: أنه قبلها، فإن اظله على عورة .. استغنى عن الاستزكاء والبحث عن حالهم، وإن لم يطلع، فإن عرف عدالتهم .. حكم، وإلا .. استزكى، وهل هذا التفريق والاستفصال واجب أو مستحب؟ فيه أوجه: الصحيح: أنه مستحب، وقيل: واجب، وقيل: إن سأله الخصم .. وجب، وإلا .. فلا.
...
خاتمة
قال الشيخ: اختلف الفقهاء في أن الثبوت حكم بالثابت أو ليس بحكم، والصحيح عندنا وعند المالكية: أنه ليس بحكم، وعند الحنفية: أنه حكم، ولا يتجه في كونه حكمًا إلا أنه حكم بتعديل البينة وقبولها وجريان ذلك الأمر المشهود به، وله فائدتان: عدم احتياج حاكم آخر إلى النظر فيها، وجواز التنفيذ في البلد، فإن في تنفيذ الحكم في البلد من غير اقترانه بحكم خلافًا.
فإذا صرح بالحكم كما ذكرناه .. جاز التنفيذ، وأما صحته .. فالصحيح: أنه لا يدل عليها؛ لأن الحاكم قد يثبت الشيء ثم ينظر في كونه صحيحًا أو باطلًا، وكثيرًا ما يوجد في إسجالات الحكام: ليسجل بثبوته والحكم به، فيحمل على التصرف المعهود كما هو الواقع اليوم في الكتب الحكمية، والمراد: ذلك التصرف المدرج في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكتاب، وقد يكون صحيحًا مجمعًا عليه، وقد يكون فاسدًا مجمعًا عليه، وقد يكون مختلفًا فيه.
وقد يقع في ألفاظ الحكام: الحكم بما قامت به البينة، فـ (ما) إن كانت مصدرية .. فهو كقوله: بقيام البينة، وإن كانت موصولة- وهو الظاهر- فهي كإثبات جريان العقود المحكوم بها، فالقاضي تارة يقتصر على الثبوت، وتارة يضيفه إلى الأحكام كقوله: ثبت عندي أن هذه الدار وقف، أو ملك فلان، أو أن هذه المرأة زوجة فلان، فهذا مثل الحكم لا يمكن التعرض لنقضه، إلا أن يتحقق أن مستنده جريان عقد مختلف فيه كقول الحنفي: ثبت عندي أن هذه زوجة فلان زوجته نفسها ونحو ذلك، فإن قلنا: الثبوت حكم .. امتنع على غيره إبطاله، وإن قلنا: ليس بحكم .. لم يمتنع.
وأما إذا حكم بصحة العقد .. فهذه أعلى درجات الحكم، فلا سبيل إلى نقضه باجتهاد مثله، فإذا كان في محل مختلف فيه اختلافًا قريبًا .. لم ينقض فيه قضاء القاضي، وكثيرًا ما يكتب: ليسجل بثبوته وصحته، فيحتمل عود الضمير على الثبوت، فيراجع فيه، فإن عسرت المراجعة .. حمل على الحكم؛ لصحة التصرف، كما لو صرح به لأنه المتعارف.
ومعنى صحته: كونه بحيث تترتب آثاره عليه، ومعنى حكم القاضي بذلك: إلزامه لكل أحد.
فإذا كان في محل مختلف فيه .. نفذ وصار كالمجمع عليه، ومن شرط هذا الحكم: ثبوت ملك المالك، وحيازته، وأهليته، وصحة صيغته في مذهب القاضي.
وأما الحكم بالموجب .. فهو أحط رتبة من الحكم بالصحة؛ فإن الحكم بالصحة يستدعي ثلاثة أشياء: أهلية التصرف، وصحة الصيغة، وأن التصرف في محله، ولذلك اشترط فيه ثبوت الملك والحيازة، والحكم بالموجب يستدعي شيئين: أهلية التصرف، وصحة الصيغة فيحكم بموجبهما.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومعناه: أنه إن كان مالكًا .. صح، فكأنه حكم بصحة تلك الصيغة الصادرة من ذلك الشخص، وهذا نافع في الصور المختلف فيها، فإذا وقف على نفسه فحكم حاكم بموجب ذلك .. كان حكمًا منه بأن الواقف من أهل التصرف، وأن صيغته هذه صحيحة حتى لا يحكم بعده ببطلانها من يرى الإبطال، وليس حكمًا بصحة وقفه، وذلك لتوقفه على كونه مالكًا لما وقفه ولم يثبت، فإذا ثبت حُكِمَ حينئذ بصحة الوقف، والرافع للخلاف الحكم بصحة الصيغة؛ لأنه المختلف فيه.
وإنما جاز الحكم بالموجب مع عدم ثبوت الملك؛ لأنه قد يعسر إثبات الملك وهذه اللفظة- وهي الحكم بالموجب- لا توجد في شيء من كتب المذاهب إلا في كتب أصحابنا.
فإن قيل: الموجب أمر مبهم يحتمل ان يكون الصحة، ويحتمل أن يكون غيرها، وحكم القاضي إذا لم يعين .. لم يصح، فلا يرفع الخلاف.
ولا يمنع الحكم من قاض يرى خلاف ذلك، ويدل لذلك، ما نقله الرافعي عن أبي سعد الهروي- ومال عليه-: أن ما يكتب على ظهور الكتب الحكمية وهو: صح ورود هذا الكتاب علي فقبلته قبول مثله وألزمت العمل بموجبه .. ليس بحكم؛ لاحتمال أن المراد تصحيح الكتاب وإثبات الحجة.
فالجواب: أنا إذا أعدنا الضمير على الكتاب .. صح ما قالاه؛ لأن مضمون الكتاب وموجبه صدور ما تضمنه من إقرار، وأنه ليس بزور، فلذلك قال الرافعي: إنه ليس بحكم، وهذا صحيح إذا أريد ذلك أو احتمل، أما إذا حكم بموجب الوقف أو موجب الإقرار .. فليس موجبه إلا كونه وقفًا، أو كون المقر به لازمًا.
وقول من قال: (موجبة يحتمل الصحة والفساد) ممنوع؛ فاللفظ الصحيح موجبه حكمه، واللفظ الفاسد لا يوجب شيئًا.
وإذا كان اللفظ يحتمل موجبتين .. وجب على الحاكم أن يبين حكمه، وإبهام ذلك لا يجوز عند القدرة، إلا أن يخشى من ظالم ونحوه كما قاله الرافعي في موضع آخر،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيفعل ذلك ملاينة له، فإذا علم ذلك .. عمل بمقتضاه، وبدون ذلك لا يحمل حكم القاضي إلا على البيان الواضح.
فتلخص: أنه إذا حكم بموجب وقف أو بيع أو إقرار ونحوها .. فهو حكم على العاقد بمقتضى قوله، وعلى المقر بمقتضى إقراره، وليس لحاكم آخر نقضه لاقتضاء مذهبه بطلانه؛ لأن فيه نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ
باب القضاء على الغائب
لم يبوب له في (المحرر)، بل جعله فصلًا، وترجمه الشافعي وكثير من الأصحاب بـ (باب كتاب القاضي إلى القاضي)؛ لأنه مقصود الباب.
والأصل في جواز العمل بكتب القضاة الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب .. فقصة سليمان عليه السلام وبلقيس في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ الآية، فأنذرها بكتابه، ودعاها إلى دينه بطيب خطابه، واقتصر منه على قوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فأوجز واختصر.
وهكذا تكون كتب الأنبياء في لفظها المختصر.
وأما السنة .. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى ابن هرمز أن أسلم تسلم والسلام، فلما وصل إليه كتابه .. مزقه، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فمزق الله ملكه.
وكتب إلى قيصر، فلما وصل كتابه وضعه على رأسه، فقال صلى الله عليه وسلم: (ثبت الله ملكه (فكان كما قال.
وكتب صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم كتابه المشهور في الأحكام والديات، وجهز صلى الله عليه وسلم جيشًا وأمر عليهم عبد الله بن جحش، ودفع إليه كتابًا مختومًا وقال: (لا تنقضه حتى تبلغ موضع كذا، فإذا بلغته فاقرأه واعمل بما فيه) ففعل ذلك.
هُوَ جَائِزٌ
وأجمع الخلفاء الراشدون على الكتابة إلى أمرائهم وقضاتهم، وقد تقدم عهد عمر إلى أبي موسى.
وكتب علي إلى ابن عباس:
أما بعد: فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحًا، ول بما فاتك منها ترحًا، ولا تكن ممن يرجو الآخر بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، فكأن قد والسلام.
قال ابن عباس: ما انتفعت ولا اتعظت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكتاب.
ولم يزل الحكام من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن يكتب بعضهم إلى بعض، ويعملون على ذلك من غير إنكار.
ولأن ضرورات الحكام إلى ذلك داعية؛ إذ في المنع إضاعة للحقوق التي ندبوا إلى حفظها.
قال: (هو جائز) أي: في الجملة؛ للحاجة، وبه قال مالك وأحمد، واستدلوا له بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (وكان قضاء منه على زوجها أبي سفيان وهو غائب.
وقال عمر في قصة الأسيفع: من كان له عليه دين .. فليأتنا غدًا؛ فإنا بائعوا ماله وقاسموه بين غرمائه، وكان الأسيفع غائبًا، هكذا ترجم عليه البخاري.
وفي الاستدلال بحديث هند نظر؛ لأن أبا سفيان كان حاضرًا بمكة كما رواه الحاكم وغيره، ولهذا قال في (شرح مسلم (: لا يصح الاستدلال به؛ لأن شرط صحة القضاء على الغائب أن لا يكون في البلد، أو مستترًا لا يقدر عليه كما سيأتي، وذكر الرافعي في (النفقات) ما يدل على أن ذلك كان استفتاء.
وحكى المزني قولًا للشافعي بمنعه كمذهب ابي حنيفة، والحق القاضي حسين
إِنْ كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَهٌ وَادَّعَى الْمُدَّعِي جُحُودَهُ، فَإِنْ قَالَ: هُوَ مُقِرٌ .. لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهَا تُسْمَعُ،
بالغائب ما إذا أحضره المجلس فهرب قبل أن يسمع احاكم البينة، أو بعده وقبل الحكم .. فإنه يجكم عليه قطعًا.
قال: (إن كان عليه وادعى المدعي جحوده) أشار إلى أن لجوازه شرطين:
أحدهما: أن تكون عليه بينة؛ لأن الدعوى لقصد ثبوت الحق، وطريقه محصورة في إقرار أو يمين مردودة أو بينة، والأولان مفقودان عند غيبة المدعى عليه، فلو قلنا: لا تسمع .. لجعلت الغيبة طريقًا إلى إسقاط الحقوق.
الشرط الثاني: أن يدعي المدعي جحوده؛ لأن البينة شرط، وهي لا تقام على مقر، فاحتيج إلى التصريح بالجحود.
وعلم من كلامه أن لا يكلف البينة على الجحود، وحكى الإمام فيه الاتفاق، قال: وهي من المشكلات؛ فإنه إن كان يدعي جحوده في الحال .. فهو محال؛ لأنه لا يعلم حاله، وإن كان يدعي جحوده لما كان حاضرًا .. فالقضاء في الحال لا يرتبط بجحود ماض.
قال: (فإن قال: هو مقر) أي: وأنا أقيم البينة استظهارًا مخافة أن ينكر (.. لم تسمع بينته) لتصريحه بالمنافي لسماعها؛ إذ لا فائدة فيها مع الإقرار.
قال: (وإن أطلق) أي: لم يتعرض لجحود ولا إقرار (.. فالأصح: أنها تسمع)؛ لأنه قد لا يعلم جحوده في غيبته، ويحتاج إلى الإثبات، فجعلت الغيبة كالسكوت.
والثاني: لا تسمع إلا عند تعرض البينة للجحود؛ لأن البينة إنما يحتاج إليها عنده.
فعلى هذا: يشترط أن يقول: هو جاحد، وعلى الأول الشرط أن لا يقول: وهو مقر.
وفي (فتاوى القفال (ان هذا كله فيما إذا أراد إقامة البينة على دينه ليوفيه
وَأَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ نَصْبُ مُسَخَّرٍ يُنْكِرُ عَنِ الْغَائِبِ، وَيَجِبُ أَنْ يُحَلَّفَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ: أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ،
القاضي .. يسمع بينته ويوفيه، سواء كان مقرًا أو جاحدًا.
ويقوم مقام الجحود ما في معناه، كما لو اشترى عينًا وخرجت مستحقة فادعى الثمن على البائع الغائب .. فلا خلاف أنها تسمع وإن لم يذكر الجحود؛ لأن إقدامه على البيع كاف في الدلالة على جحوده، قاله الإمام والغزالي.
قال: (وأنه لا يلزم القاضي نصب مسخر ينكر عن الغائب)؛ لأن الغائب قد يكون مقرًا فيكون إنكار المسخر كذبًا.
قال الرافعي: ومقتضى هذا التوجيه: أنه لا يجوز نصب المسخر، لكن الذي أورده أبو الحسن العبادي وغيره أنه مخير بين النصب وعدمه.
والثاني: يلزمه؛ لتكون البينة على إنكار منكر، قال في (المطلب (: وهو قياس المذهب في الدعاوي على التمرد.
قال: (ويجب أن يحلفه بعد البينة: أن الحق ثابت في ذمته)؛ لأن المدعى عليه لو كان حاضرًا .. لكان له أن يدعي براءته منه ويحلفه، فينبغي للقاضي أن يحتاط له فيحلفه بعد قيام البينة وتعديلها أنه ما أبرأ عن الدين الذي يدعيه ولا عن شيء منه، ولا اعتاض ولا استوفى ولا أحال عليه، ولا أخذ من جهته، بل هو ثابت في ذمة المدعى عليه، يلزمه أداؤه.
ويجوز أن يقتصر في حلفه على ثبوت المال في ذمته ووجوب تسليمه.
وفيما قاله الجمهور إشكال؛ لأن المدعى عليه لو كان حيًا حاضرًا عاقلًا وقال بعد إقامة البينة: حلِّفْهُ على استحقاقه ما ادعاه .. لم يجب إليه؛ لأن فيه قدحًا في البينة، فكيف يحلفه عليه في غيبته؟!
وأجاب بعضهم بفرض المسألة فيما إذا قامت البينة على إقراره، فإن المدعى عليه لو كان حيًا حاضرًا عاقلًا وصدق الشهود ولكن قال: أشهدت على أنه يقبضني فلم يقبضني .. كان له تحليفه على الصحيح.
قال: (وقيل: يستحب)؛ لأن دعوى الأداء والإبراء دعوى جديدة لا تفوت،
وَيَجْرِيَانِ فِي الدَّعْوَى عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ.
وَلَوِ ادَّعَى وَكِيلٌ عَلَى الْغَائِبِ .. فَلاَ تَحْلِيفَ،
وإليه ذهب الصيمري، وبه جزم المتولي في (باب الفلس)، وهو ظاهر كلام ابن سراقة في (التلفين)، واستحسنه الإمام وقال: إنه منقاس.
ور يشترط التعرض في اليمين لصدق الشهود، بخلاف اليمين مع الشاهد؛ لأن البينة ههنا كاملة.
وفيه وجه: أنه يشترط، لكن يستثنى من إطلاق المصنف ما إذا كان للغائب وكيل حاضر .. فالمشهور- كما قاله ابن الرفعة في كتابيه-: أنه لا يحتاج إلى ضم اليمين إلى البينة.
قال: (ويجريان في الدعوى على صبي ومجنون)، وكذلك على ميت ليس له وارث حاضر؛ لعجزتهم عن التدارك، بخلاف الغائب، فإذا قدم الغائب أو بلغ الصبي .. فهو على حجته.
حادثة:
سئل الشيخ عماد الدين بن يونس عن رجل مات وخلف ورثة بعضهم غائبون وبعضهم أطفال، ولهم رهن بدين على رجل، فمات المديون أيضًا، فحضر وكيل الغائبين وهو بمسافة القصر ووصيُ الأيتام مجلس الحكم، وادعيا الدين والرهن وأثبتاه، والتمسا من الحاكم بيع الرهن وصرف ثمنه في الدين، فهل يجوز له بيعه وإيفاء الدين من ثمنه، أو يتوقف البيع والإيفاء على حضور الغُيَّب وبلوغ الأطفال وحلفهم، أو يباع الرهن ويوفى الدين وتوقف اليمين إلى الحضور والبلوغ؟ فقال: يباع ويوفى الدين من ثمنه، وتوقف اليمين إلى الحضور والبلوغ.
قال: (ولو ادعى وكيل على الغائب .. فلا تحليف)، بل يحكم بالبينة ويعطي المال المدعى به؛ لأن التحليف على البت لا سبيل إليه، وعلى نفي العلم لا يفيد.
قال الرافعي: ويقال: إن المسألة وقعت بمرو، وتوقف فيها فقهاء الفريقين، ثم أفتى القفال بما ذكرناه.
ووجدتُ في (تعليق (الشيخ أبي حامد مثل هذا الجواب في (باب الوكالة)،
وَلَوْ حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ لِوَكِيلِ الْمُدَّعِى: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ .. أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ،
والسبب في ذلك: أنا لو وقفنا الأمر إلى أن يحضر الموكل لانْجرَّ الأمر إلى أن يتعذر استيفاء الحقوق بالوكلاء.
اهـ
وادعى الإمام في (الدعاوى) إجماع الأصحاب عليه، ونبه الشيخ في (باب الوقف) على ان المراد بفقهاء الفريقين: الفقهاء والمحدثون.
وفي (فتاوى ابن الصلاح (: لو ادعى على ميت وأقام بينة، ثم وكل وكيلًا وغاب إلى مسافة القصر، وطلب وكيله من الوارث إيفاء الدين مما في يده من التركة، فأبى الوارث حتى يحلف الوكيل على نفي المسقطات .. لم يكن له ذلك كما لو كانت الدعوى على حاضر وادعى ذلك.
قال: (ولو حضر المدعى عليه وقال لوكيل المدعي: أبرأني موكلك .. أُمر بالتسليم)، هذه مسألة مبتدأة ليست من تمام التي قبلها، وصورتها: أن يكون المدعى عليه حاضرًا، فيدعي عليه وكيل صاحب الحق ويقيم البينة فيقول بعد إقامتها: موكلك الغائب أبرأني، ويريد التأخير إلى حضور الموكل فيحلفه .. فإنه لا يجاب إليه، بل يؤمر بتسليم المدعى به، ثم يثبت الإبراء من بعد أن كانت له به حجة، وهل له تحليف الوكيل على أنه لا يعلم أن موكله أبرأه؟ قال الشيخ أبو حامد: له ذلك، ومن الأصحاب من خالفه وقال: لا يحلف الوكيل.
فرع:
يجوز القضاء على الغائب بشاهد ويمين كالحاضر، وهل تكفي يمين أم تشترط يمينان إحداهما لتكميل الحجة والثانية لنفي المسقطات؟ وجهان: أصحهما: الثاني.
فرع:
تعلق برجل وقال: أنت وكيل فلان الغائب، ولي عليه كذا وأدعي عليك وأقيم البينة في وجهك، فإن علم أنه وكيل وأراد أن لا يخاصم .. فليعزل نفسه، وإن لم يعلم .. فينبغي أن يقول: لا أعلم أني وكيل، وهل للمدعي إقامة بينة على وكالة من تعلق به؟ وجهان:
وَإِذَا ثَبَتَ مَالٌ عَلَى غَائِبٍ وَلَهُ مَالٌ .. قَضَاهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ، وَإِلاَّ: فَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي إِنْهَاءَ الْحَالِ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ .. أَجَابَهُ، فَيُنْهِي سَمَاعَ بَيِّنَةٍ لِيَحْكُمَ بِهَا ثُمَّ يَسْتَوْفِيَ، أَوْ حُكْمًا لِيَسْتَوْفِيَ
أحدهما: نعم؛ ليتسغني عن ضم اليمين إلى البينة.
وأصحهما: لا؛ لأن الوكالة حق فكيف تقام بينة بها قبل الدعوى؟!.
قال: (وإذا ثبت مال على غائب وله مال .. قضاه الحاكم منه)؛ لأنه نائب عنه وكما لو كان حاضرًا وامتنع.
والأصح: انه إذا وفاه .. لا يطالب بكفيل؛ لأن الأصل عدم الدافع والحكم قد تَمَّ.
فرعان:
أحدهما: اعترف المدعي بعد ثبوت دينه أن للغائب مالًا عنده، فهل للحاكم قضاؤه منه من غير بينة على أنه ملك للغائب؟ أفتى ابن الصلاح بأن له ذلك ما لم يتصل بإقراره ما يمنعه ككونه رهنًا لغيره ونحوه.
الثاني: إن قضى دينه من الناض .. أحلفه عند الشروع في قضائه، ثم قضى بعد يمينه، وإن كان يقضي من بيع العقار .. أحلفه قبل بيعه، ثم بيع وقضي دينه من ثمنه، ولا يجوز أن يباع قبل حلفه؛ لجواز نكوله عن اليمين فيفوت استدراك البيع، قاله الماوردي في (الدعاوى).
قال: (وإلا) أي: وإن لم يكن له مال حاضر (فإن سأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب .. أجابه)؛ مسارعة إلى قضاء الحقوق.
قال: (فينهي سماع بينة ليحكم بها ثم يستوفي، أو حكمًا ليستوفى) أشار إلى ان الغائب إذا لم يكن له مال حاضر وسأل المدعي الكتابة لقاضي بلد الغائب .. فللقاضي حالتان:
إحداهما: أن يثبت عنده الحق بسماع البينة ولا يحكم، فيجوز له الإنهاء ليحكم بها بشرطه الآتي، وهو بعد المسافة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثانية: أن يثبت عنده ويحكم به، فينهي ذلك لينفذه؛ لما روى الأربعة عن الضحاك بن سفيان قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض الأعراب ثم كتب إلى أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فورثتها.
ولأن الحاجة تدعو لذلك؛ فإن من له بينة في بلد وخصمه في بلد آخر .. لا يمكنه حملها إلى بلد الخصم، ولا حمل الخصم إلى بلد البينة، فيضيع الحق.
ولا يشترط في هذه الحالة بعد المسافة كما سنذكره، ثم إنما يجيبه إذا كان أهلًا للقضاء، فإن كان غير صالح .. ففي (الإيضاح (للصيمري: أن في جواز ترك مكاتبته وجهين.
وجه اللزوم: أنه من قبل الإمام، فلزم أن يكتب إليه إذا علم أنه يوصل الحق إلى أهله.
ومقتضى ما صححه في (الروضة (في الشاهد إذا ادعى لغير صالح الوجوب هنا أيضًا.
فرع:
يجوز للقاضي أن يطلق فيكتب إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز الإطلاق الكلي، وللقاضي أبي سعد الهروي حكاية مبنية على ذلك، قال: تحملت شهادة مع الشيخ أبي سعيد المتولي على كتاب حكمي من قاضي هراة إلى مجلس القاضي حسين، وكانت الشهادة على الختم والعنوان إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين، فرد القاضي الكتاب وقال: الشهادة على الختم دون مضمون الكتاب غير مقبولة عند الشافعي رضي الله عنه، والعنوان من غير تعيين المكتوب إليه غير جائز عند أبي حنيفة رحمه الله، فلا أقبل كتابًا اجتمع الإمامان على رده، كما أن من احتجم وأمسك ذكره وصلى .. لا تصح صلاته على المذهبين.
[وَالإِنْهَاءُ: أَنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ بِذَلِكَ].
وَيُسْتَحَبُّ كِتَابٌ بِهِ يَذْكُرُ فِيهِ مَا يَتَمَيَزُ بِهِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ
فإذا كان الكتاب إلى معين، فشهد شاهدا الحكم عند حاكم آخر .. فإنه تقبل شهادتهما، ويمضيه اعتمادًا على الشهادة.
وعند أبي حنيفة: لا يقبل غير المعين شهادتهما إذا لم يكتب: وإلى كل من يصل إليه.
ويجري هذا الخلاف فيما إذا مات الكاتب وشهد الشاهدان على حكمه عند المكتوب إليه، أو مات المكتوب إليه وشهدا عند من قام مقامه .. فعند أبي حنيفة: لا تقبل شهادتهما ولا يعمل بالكتاب، وعندنا: تقبل شهادتهما، ويمضي الحكم، والعزل والجنون والعمى كالموت.
ولو كتب القاضي إلى خليفته ثم مات القاضي أو عزل .. تعذر على الخليفة القبول والإمضاء إن قلنا، ينعزل بانعزال الأصل.
[قال: (والإنهاء: أن يشهد عدلين بذلك)].
قال: (ويستحب كتاب به) أي: قبل الإشهاد؛ ليتذكر بذلك الشهود، وإنما لم يجب؛ لأن الاعتماد على الشهادة، فلو شهد بخلاف ما فيه .. سمع.
وقيل: يجب عليه إن أوجبنا كتب السجل عند طلب الخصم.
وقيل: يجب مطلقًا؛ فقد ينسى الشهود أو تختلف شهادتهم.
قال: (يذكر فيه ما يتميز به المحكوم عليه) من اسم وكنية وقبيلة وصنعة وحلية، وكذا المحكوم له؛ ليسهل التميز.
فإن لم يرفع في نسب المحكوم عليه إلى أن يتميز .. فالحكم باطل، حتى لو أقر
وَيخْتِمُهُ ,
رجل أنه فلان المعني بالكتاب ... لم يلزمه شيء, لبطلان الحكم إلا أن يقر بالحق.
وقيل: يلزمه الحق إذا اعترف أنه المعني بالكتاب.
وصفة الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم , حضر– عافانا الله وإياك– فلان, وادعي علي فلان الغائب المقيم ببلدك كذا, وأقام عليه شاهدين وهما فلان وفلان, وقد عدلا عندي,
وحلَّفتُ المدعي, وحكمت له بالمال, فسألني أن أكتب إليك في ذلك, فأجبته إليه وأشهدت عليه فلانًا وفلانًا.
ولا تشترط تسمية الشاهدين علي الحكم, ولا أصل الإشهاد, ولا النص على أسامي شهود الحق, بل يكفي أن يكتب: شهد عندي شهود عدول, ويجوز أن لا يصفهم بالعدالة, ويكون الحكم بشهادتهم تعديلًا لهم.
ويجوز ألا يتعرض لأصل شهادة شهود, فيكتب: حكمت بكذا بحجة أوجبت الحكم لأنه قد يحكم بشاهد ويمين, وقد يحكم بعلمه إذا جوزنا القضاء بالعلم, وهذه حيلة يدفع بها القاضي قدح أصحاب الرأي إذا حكم بشاهد ويمين.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يكفي الكتاب المجرد؛ لأن الخط لا يعتمد عليه.
وعن مالك: أن المكتوب إليه إذا وثق بالخط والختم واتصلت بمثله كتبه .. جاز قبوله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت كتبه مقبوله من غير شهادة, وفي (المهذب (وجه مثله عن الإصطخري.
قال: (ويختمه)؛ حفظًا للكتاب وإكرامًا للمكتوب إليه, ويدفع إلي الشاهد نسخة غير مختومة؛ ليطالعها ويتذكر عند الحاجة.
والمقصود من الكتاب ومن الختم الاحتياط, فلو ضاع أو انمحى أو انكسر الختم وشهدا بمضمونه المضبوط عندهما ... قبلت شهادتهما, وقضي بها, خلافًا لأبي حنيفة.
ويَشَهَدَانِ عَلَيهِ إِنْ أنَكَر, فَإنْ قَاَلَ: لَسْتُ الَمٌسَمَّى فِي اَلَكَتابِ ... صَدًقَ بِيمَيِنِه, .....
فرع:
شهود الكتاب والحكم يشترط ظهور عدالتهم عند المكتوب إليه, وهل تثبت عدالتهم بتعديل الكاتب إياهم وجهان:
قال الفقال الشاشي: نعم, للحاجة.
وأصحهما: المنع , لأنه تعديل قبل أداء الشهادة, ولأن الكتاب إنما يثيت بقولهم, فلو ثبت به عدالتهم .. ثبتت بقولهم, والشاهد لا يزكي نفسه.
قال: (ويشهدان عليه إن أنكر) أي: علي حكم القاضي الكاتب عند القاضي المكتوب إليه, فلا تقبل في الباب شهادة رجل وامرأتين, خلافًا لأبي حنيفة.
قال الرافعي: وحكي ابن كج وجهًا مثله إذا تعلقت الحكومه بمال, وذكر أنه لو كان الكتاب برؤية هلال رمضان ... اكتفي بشاهد واحد علي قولنا: إنه يثبت بشهادة واحد, إجراء للكتاب مجرى المكتوب فيه, وأنه لو كتب في الزنا– وجوزنًا كتاب القاضي إلي القاضي في العقوبات– هل يشترط أربعة, أو يكفي اثنان؟ فيه القولان في الإقرار به.
اھ
والذي جزم به الماروي واليندنيجي والقاضي حسين وغيرهم: أنه لا يكفي رجل وامرأتان إذا كان المحكوم به مالًا.
ومقتضي الدليل: الاكتفاء بالشاهد الواحد؛ ففي (الصحيحين ([خ 64]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلًا, وأمره أن يدفعه إلي عظيم البحرين) , لكن فساد الزمان أوجب الاحتياط خشية التزوير.
كل هذا بالنسبة إلي كتاب القاضي للقاضي, أما كتاب القاضي للخليفة أو الخليفة للقاضي, فإن تعلقت بأحكام وحقوق ... لم تثبت إلا بالشهادة, وأما الكتب إليهم في الأموال والأعمال .. فمقبولة علي ما جرت به العادة في أمثالهم.
قال: (فإن قال: لست المسمى في الكتاب .. صُدقِّ بيمينه) , لأنه أخبر بنفسه,
وَعَلَى اَلمُدَّعِي اَلَبَيِّنَهُ بِأنَّ هَذَا اَلمَكْتُوبَ اسمُهُ وَنَسَبُهٌ, فَإِنْ أَقَامَهَا فَقَاَلَ: لَسْتُ الْمَحْكُومَ عَلَيِه ... لَزِمَهُ اَلحُكْمُ إِنْ لَم يَكُنْ هُنَاكَ مُشَارِكٌ لَهٌ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَاتِ, وَإِنْ كَانَ .. أُحْضِرَ, فَإِنِ اعتَرَفَ بِالحَقِّ ... طُولِبَ وَتُرِكَ الأَوَّلُ, وَإِلَّا .. بَعَثَ إِلى الكَاتِبِ لَيَطْلُبَ مِنَ الشُّهوِد زِيَادَةَ صِفَةِ تُمَيِّزُهُ, وَيَكَتَّبُهَا ثَانِيًا.
وَلَوْ حَضَرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ بِبَلَدِ الحَاكِمِ فَشَافَهَهُ بِحُكْمِهِ .. فَفِي إِمضَائِهِ إِذَا عَادَ إَلَى وِلَايَتِهِ خِلاَفُ الَقَضَاءِ بِعِلْمِهِ, وَلَوْ نَادَاهُ فِي طَرَفَي ِولاَ يَتِهِمَا .. أَمضَاهُ, ...
والأصل فراغ ذمته (وعلى المدعي البينة بأن هذا المكتوب اسمه ونسبه) , لأن الأصل عدم تسميته بهذا الاسم.
هذا إذا لم يكن معروفًا به, فإن كان معروفًا به .. حكم عليه, ولا يفيده إنكاره.
قال: (فإن أقامها) أي: بأنه اسمه ونسبه (فقال: لست المحكوم عليه .. لزمه الحكم إن لم يكن هناك مشارك له في الاسم والصفات)؛ لأن الظاهر أنه المحكوم عليه.
قال: (وإن كان ... أحضر؛ فإن اعترف بالحق ... طولب وترك الأول)؛ لتعلق الخصومة بالمعترف.
قال: (وإلا) أي: وإن أنكر (... بعث) يعني: الحاكم (إلي الكاتب ليطلب من الشهود زيادة صفة تميزه, ويكتبها ثانيًا) فإن لم يتميز بذلك ... وقف الأمر حتى ينكشف.
ولو أقام المحضر بينة على موصوف بتلك الصفات كان هناك وقد مات, فإن مات بعد الحكم .. فقد وقع الإشكال, وإن مات قبله فإن لم يعاصره المحكوم له ... فلا إشكال, وإن عاصره .. حصل الإشكال علي الأصح.
قال: (ولو حضر قاضي بلد الغائب ببلد الحاكم فشافهه بحكمه ... ففي إمضائه إذا عاد إلى ولايته خلاف القضاء بعلمه) , فان قلنا: نعم ... فنعم, وإن قلنا: لا ... فالأصح: المنع, كما لا يجوز الحكم بشهادة سمعها في غير محل ولايته.
قال: (ولو ناداه في طرفي ولايتهما .. أمضاه) إذا كانا جميعًا في, محل الولاية, لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب, وأولى بأن يعتمد عليه.
وَلَوِ اقَتَصَرَ عَلَي سَمَاعٍ بَيَّنه .. كَتَبَ: سَمِعْتٌ بَيِّنُهٌ عَلَى فُلاَنٍ, وَيُسَمِّيهَا إِنْ لَم يُعًدِّلْهَا, وَإِلَّا .. فَاَلَأصَحُّ: جَوَازُ تَرْكِ الَتَّسَمِيِه.
وَاَلكِتَابُ بِاَلحُكْمِ يَمَضِي مَعَ قُرْبِ اَلَمَسَافِة, وَبِسَمَاعِ الِبيَّنِه لَا يُقَبَلُ عَلَى الصَّحِيحِ إِلاَّ فِي مَسَافَهِ قُبولِ شَهَاَدَهٍ عَلَى شَهَادَةِ ...
وكذا لو كان في البلد قاضيان وجوزناه, فأخبرأحدهما الآخر بحكمه .. فإنه يمضيه, وكذا لو أخبر به نائبه في البلد وعكسه.
قال: (ولواقتصر علي سماع بينة .. كتب: سمعت بينة علي فلان, ويسميها إن لم يعدلها) , ولا حاجة هنا إلى تحليف المدعي.
هذا إذا كانت شاهدين, فإن كانت شاهدًا ويمينًا أو اليمين المردودة ... وجب بيانها, فقد لا يكون مقتضى ذلك حجة عند المكتوب إليه.
قال: (وإلا) أي: وإن عدلها الكاتب وهو أولي, لأن أهل بلدهما أعرف بهما.
قال: (.. فالأصح: جواز ترك التسمية) , كما أنه إذا حكم .. استغنى عن تسمية الشهود.
والثاني: لا, وهو قول الإمام والغزالي.
قال الرافعي: والقياس الأول, وهو المفهوم من إيراد البغوي.
وهل يأخذ المكتوب إليه بتعديل الكاتب, أو له البحث وإعادة التعديل؟ لفظ الغزالي يقتضي الثاني, قال الرافعي: والقياس الأول, وصوبه المصنف.
قال: (والكتاب بالحكم يمضي مع قرب المسافة, وبسماع البينة لا يقبل على الصحيح إلا في مسافة قبول شهادة على شهادة) وهي التي تسمى العدوى, لا القصر علي الصحيح كما سيأتي.
والفرق بينهما: أن الحكم هناك قديم, وليس بعده إلا الاستيفاء, وسماع البينة بخلافه؛ فإنه إذا لم تبعد المسافة .. لم يعسر إحضار الشهود عند القاضي الآخر, بل لو تجاور البلدان .. جاز.
فَصْلٌ:
ادَّعَي عَيْنًا غَاِئَبَه عَنِ اَلْبَلَدِ يُؤْمَنُ اشْتِبَاهُهَا كَعَقَارٍ وَعَبَدٍ وَفَرَسٍ مَعرُوفَاتٍ ... سَمِعَ بَيَّنَهُ وَحَكَمَ بِهَا, وَكَتَبَ إِلَي قَاضِي بَلدِ المَالِ لِيُسَلِّمَهُ لِلمُدَّعِي, وَيَعَتَمِدُ فِي اَلَعقَارِ حُدُودَهُ,
تتمة:
عدل القاضي الكاتب شهود الحق, فجاء الخصم ببينة علي جرحهم ... سمعت, وتقدم على التعديل.
وإن استمهل لبينة الجرح .. أمهل ثلاثة أيام, وكذا لو قال: أبرأتني أو قضيت الحق واستمهل؛ ليقيم البينة عليه, فلو قال: أمهلوني حتي أذهب إلى بلدهم وأجرحهم, فإني لا أتمكن من جرحهم إلا هناك, أو قال: لي بينة هناك دافعة .. لم يمهل, بل يؤخذ الحق منه, فإن أثيت جرحًا أو دفعًا .. استرد, وسواء في ذلك كتاب الحكم وكتاب نقل الشهادة.
قال: (فصل:
ادعى عينًا غائبه عن البلد يؤمن اشتباهها كعقار وعبد وفرس معروفات .. سمح بينته وحكم بها, وكتب إلى قاضي بلد المال ليسلمه للمدعي) , كما تسمح البينة ويحكم علي الغائب, ولم يذكروا في هذا خلافًا.
وقوله: (معروفات) غلب فيه غير العاقل على العاقل, وهو خلاف المعروف, وفي (المحرر (و (الشرح (و (الروضة (عبر ب (معروفين) , وهو الصواب تغليبًا للعاقل وهو العبد.
قال: (ويعتمد في العقار حدوده)؛ ليتميز، والمراد: الحدود الأربعة، فلا يجوز الاقتصار علي ثلاثة منها، كما جزم به في (الروضه (هنا, وقد تقدم هذا في (الأصول والثمار) وغيرها, ويأتي في (باب الدعاوى (أيضًا, وتعتمد فيه البقعة أيضًا والسكة, ولا يجب التعرض للقيمة في الأصح؛ لحصول التمييز بدونه.
هذا في الدار المجهولة عند الحاكم, فإن كانت معروفة عنده ... فيميزها بذكر الاسم.
أَو لَا يُؤْمَنُ ... فَالأَظهَرُ: سَمَاعٌ اَلَبَيِّنِة, وَيُبَالِغُ الْمُدَّعِي فِي اَلَوَصفِ وَيَذْكُرُ اَلْقِيَمَةَ, ......
وسكت المصنف عن غير العقار, وفي الكتاب العراقين: أن العبد والثوب والفرس إن تميز بصفة ... فهو كالعقار.
قال: (أو لا يؤمن) أي: اشتباهها (.. فالأظهر: سماع البينه) أي: على عينها وهي غائبة, لأن الصفة تميزها عن غيرها, والحاجة داعية إلى إقامة الحجة عليها كالعقار.
والثاني: المنع, لكثرة الاشتباه, كما لو شهدوا علي غائب مجهول النسب مع ذكر حلاه, والرافعي لم يرجع شيئًا في (الكبير (وأغرب في (الشرح الصغير (فحكى الخلاف وجهين.
قال: (ويبالغ المدعي في الوصف)، ليحصل التمييز, فيذكر الشيات والشامات, وجنس المدعى به ونوعه, وفيما يضبطها به بعد ذلك أقوال:
أحدها: يجب ذكر الصفات المعتبرة في السلم.
وثانيها: يجب ذكر القيمة, ويستغى به ذكر الصفات.
وثالثها– والأصح –: إن كانت من ذوات الأمثال .. وجب ذكر الصفات, واستحب ذكر القيمة, وإن كانت من ذوات القيم ... وجب ذكر القيمة واستحب ذكر الصفات, وكلام الرافعي والمنصف في (الدعوى والبينات) يخالف كلامهما هنا.
قال: (ويذكر القيمة) , لأنه لا يصير معلومًا إلا بها.
ومقتضى كلام المصنف: أن هذا شرط مع المبالغه في الوصف, وهو ما أورده الماوردي.
وَأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهَا, بَلْ يَكْتُبُ إِلَى قَاضِي بَلَدِ اَلْمَالِ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ, فَيَاخُذهُ وَيَبْعَثُهُ إِلَي الكَاتِبِ لِيَشَهَدُوا عَلَى عَيَنْهِ, وَالأَظهَرٌ: أَنَّهٌ يُسَلِّمُهُ إِلى الُمُدَّعِي بِكَفِيل بِبَدَنِهِ؛
كل هذا فيما يمكن ضبطه بالصفات, والذي لا يمكن كالجواهر والياقوت يذكر لونه إن اختلف وقيمته, وقال القاضي أبو الطيب والبندنيجي والإمام: يكفي ذكر القيمة.
قال: (وأنه لا يحكم بها) أي: ببينة الصفة, لأن الحكم مع خطر الاشتباه والجهاله بعيد.
والثاني: يحكم بها كالعقار؛ فإذا حكم .. كتب إلى قاضي بلد المال بذلك, فإذا وصل إليه .. أحضرالخصم المدعى عليه وأمره بإحضار المدعى به, فإذا أحضره واعترف أنه موصوف بالصفات المذكورة ... نظر, فإن أبدى دافعًا بأن ادعى أن هناك عبدًا آخر مثلًا في يده أو يد غيره متصفًا بها أيضًا ..... انقطعت الطلبة عنه في الحال؛ لبطلان القضاء بالإبهام, وإن لم يظهر ذلك .. قال المارودي: سلم إلي طالبه, وقال ابن القاض: لا يسلم له حتى يحلف أن هذا العبد هو المشهود له به عند القاضي الكاتب.
قال: (بل يكتب الي قاضي بلد المال بما شهدت به, فيأخذه ويبعثه الي الكاتب ليشهدوا علي عينه) هذا تفريع علي الصحيح, ومحله إذا لم يبد الخصم دافعًا كما تقرر.
قال: (والأظهر: أنه يسلمه إلى المدعي بكفيل ببدنه) , احتياطًا للمدعى عليه ,حتى إذا لم يعينه الشهود .. طولب برده.
وقيل: لا يكفله ببدنه, بل يكلفه بقيمة المال.
والثاني: أن القاضي يبعثه للمدعي, ثم يقبض منه الثمن ويضعه عند عدل, أو يكلفه بالثمن, فإن سلم له .. استرد المال, وبان بطلان البيع, وإلا .. فهو صحيح, وسلم الثمن للمدعى عليه, وهو بيع يتولاه القاضي للمصلحة كما يبيع الضوال.
وتعبير ب (الأظهر) يقتضي قوه الخلاف, وعبر في (الروضة) بقوله: بأظهرهما وأشهرهما, فجمع بين القوة والضعف في المقابل.
فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى عَيْنِه ... كَتَبَ بِبَرَاءَةِ اَلْكَفِيلِ, وَإِلّا .. فَعَلى اَلمُدَّعِي مُؤْنَةُ الرَّدِّ, أَوْ غَائِبَةُ عَنِ المَجلِسِ لاَ الَبلَدِ .. أُمِرَ بِإِحضَارِ مَا يُمكِنُ إِحضَارُهُ لِيَشهَدُوا بِعَيْنِهِ
فظاهر عبارة المصنف: أن أخذ الكفيل واجب, وهو ما عزاه الرافعي للأرغياني, ولم يحك خلافه, لكن حكي الإمام فيه خلافًا, ورجح عدم الوجوب.
نعم؛ يستثنى من إطلاقه ما لو كانت الدعوى بجارية ... فالمرجع انها تسلم إلى أمين في الرفقة لا إلى المدعي, واستحسنه الرافعي, وقال في (الروضة): إنه الصحيح أو الصواب؛ لأن حفظ البضع واجب.
قال: (فإن شهدوا علي عينه ... كتب ببراءة الكفيل) أي: بعد تتميم الحكم وتسليم العين إلى المدعي، لأن الحق قد اتصل بمستحقه, وبان بطلان البيع وتم الحكم, وإلا ... فالبيع صحيح, ويسلم الثمن إلى المدعي عليه, وهذا بيع يتولاه القاضي لمصلحة كما يبيع الضوال.
وحكي الفوارني بدله أنه يسلم إليه المال, ويأخذ القيمة فيدفعها إلى المدعى عليه للحيلوله بينه وبين ملكًا, ثم هذه القيمة مستردة, سواء ثبت أن المال للمدعي أو لم يثبت.
قال: (وإلا ... فعلي المدعي مؤنة الرد) أي: إذا لم يشهدوا بعينه .. لزم المدعي الرد ومؤنته, ويختم العين المدعاة عند تسليمها إليه بختم لازم, حتى لو كان المدعي عبدًا .. جعل في عنقه قلادة ويختم عليها.
قال: (أو غائبة عن المجلس لا البلد .. أمر بإحضار ما يمكن إحضاره ليشهدوا بعينه) , لتيسر ذلك, والفرق بينه وبين الغائب بعد الشقة وكثرة المشقة.
أما ما لا يمكن كالعقار .. فيحده المدعي, وتشهد البينة بتلك الحدود.
فإن قالوا: نعرفه بعينه ولا نعرف الحدود .. بعث القاضي من يسمع البينة على عينه, أو يحضر هو بنفسه, ولو كان العقار مشهورًا بالبلد .. لم يحتج إلى تحديده كما تقدم.
وإن كان مما يعسر إحضاره كشيء ثقيل أو مثبت في الأرض أو جدار وضر قلعه .. فحكمه حكم العقار, فلو عبر بتيسر الإحضار ... كان أشمل, فإن كان القاضي
وَلاَ تُسمَعُ شَهَادَةُ بِصِفَةٍ.
وَإِذَا وَجَبَ إِحْضَارٌ فَقَالَ: لَيْسَ بِيَدِي عَيَنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ .. صُدِّقَ بِيَمينِهِ, وَلِلمُدَّعِي دَعوَى القيِمَةِ , فَإِنْ نَكَلَ فَحَلفَ اَلمُدَّعِى أَوْ أَقَامَ بَيِّنةَ ... كُلَّفَ الإِحْضَارَ وَيُحْبَسُ عَلَيِه,
يعرفه .. قال الغزالي: حكم به دون إحضار, وهو صحيح إن كان معروفًا عند الناس أيضًا, فإن اختص هو بمعرفته وعلم صدق المدعي .. فكذلك تفريعًا علي القضاء بالعلم.
قال: (ولا تسمع شهادة بصفة) أي: بصفة غائبة عن مجلس الحكم دون البلد, بل إن كان الخصم حاضرًا ... أمر بإحضارها ليقيم البينة علي عينها, ولا تسمع البينة على صفتها؛ لأنه إنما جاز السماع حالة غيبته للحاجة, وهي منتفية هنا.
قال الرافعي: ويشبه أن يجيء فيه وجه كما هو في المشبه به, وقطع الإمام بعدم السماع في هذه الصورة.
وما جزم به من عدم السماع بالصفة ذكره في (الروضة) ثم قال بعده: ولو شهدوا انه عصب عبدًا صفته كذا فمات العبد ... لستحق_بناء علي الشهادة- قيمته علي تلك الصفة.
اھ
وهذا عزاه الرافعي لصاحب (العدة) , وتبعه (الحاوي الصغير) , وهو مخالف لكلامهما الأول.
قال: (وإذا وجب إحضار فقال: ليس بيدي عين بهذه الصفة ... صدق بيمينه)؛ لأن الأصل عدم عين بتلك الصفة, وتكون يمينه علي حساب جوابه.
قال: (وللمدعي) أي: بعد أن يحلف المدعى عليه (دعوى القيمة)؛ لاحتمال أنها هلكت, قاله البغوي وغيره.
ومقتضى إطلاقه: أنه لا فرق في دعوى القيمة بين ان تكون العين متقومة أو مثلية, ويشبه تخصيصه بالمتقوم, فإن كانت مثلية ... ادعى المثل؛ لأنه يضمن به.
قال: (فإن نكل فحلف المدعي أو أقام بينة .. كلف الإحضار)؛ ليشهد الشهود على عينه كما سبق (ويحبس عليه) , لأنه امتنع من حق واجب عليه إذا لم يبين عذره فيه.
وَلَاَ يُطلَقُ إِلاَّ بإِحْضَارٍ أَوْ دَعْوَى تَلَفٍ.
وَلَوْ شَكَّ اَلمُدَّعِي هَلْ تَلِفَتِ الَعَيْنُ فَيَدَّعِي قِيمَةٌ أَمْ لاَ فَيَدَّعِيها, فَقَاَل: غَصَبَ مِنِّي كَذَا, فَإِنْ لَزِمَهُ رَدُّهُ, وَإِلَّا فَقِيمَتُةُ؟ .... سُمِعَتٌ دَعْوَاهُ, وَقِيلَ: لَا, بَلْ يَدَّعِيهَا وَيُحَلِّفيُهُ ثُمَّ يَدِّعي الْقيِمَةَ, وَيَجْرِيَانِ فِيَمنْ دَفَعَ ثَوبًا لِدَلاَلٍ لِيبَيِعَهُ فَجَحَدَهُ وَشَكَّ هَلْ بَاعَهُ فَيَطْلُبُ الثَّمَنَ, أَو أَتْلَفَهٌ فَقِيمتَهٌ, أَمْ هُوَ بَاقٍ فَيطْلُبُهُ؟ وحَيْثُ أَوجَبْنَا الإِحضَارَ فَثَبَتَت للِمُدَّعِي ... اسْتَقَرَّت مُؤنَتُهُ عَلَى الَمُدَّعَى عَلَيْهِ,
قال: (ولا يطلق إلا بإحضار او دعوى تلف) فحينئذ تؤخذ منه القيمة, وتقبل دعوي التلف مع مناقضته لقوله الأول، للضرورة, لأنه قد يكون صادقًا, ولأنا لو لم نقبل قوله ... لخلد عليه الحبس, وقيل: لا يطلق إلا بإحضار أو إقامة بينة علي التلف.
قال: (ولو شك المدعي هل تلفت العين فيدعي قيمة أم لا فيدعها, فقال: غصب مني كذا, فإن بقي لزمه رده, وإلا فقيمته؟ .. سمعت دعواه) على هذا التردد, للحاجة, وعليه عمل القضاة, وعلي هذا: يحلف المدعي عليه أنه لا يلزمه رد العين ولا قيمتها.
وقوله: (فإن بقي .. لزمه رده وإلا ... فقيمته) ظاهر إذا كان المدعى متقومًا, فإن كان مثليًا .. ينبغي أن يقول: وإلا .. فمثله, وهو ما نقله العبادي في تعليقه عن القاضي حسين.
قال: (وقيل: لا, بل يدعيها ويحلفه) أي: على العين (ثم يدعي القيمة) أي: بعد حلفه ينشئ الدعوى بالقيمة, لأن الدعوى المترددة غير جائزة.
قال: (ويجريان فيمن دفع ثوبه لدلال ليبيعه فجحده وشك هل باعه فيطلب الثمن, أو أتلفه فقيمته, أم هو باق فيطلبه؟) فعلى الأول: يدعي أن عليه الثوب أو ثمنه أو قيمته, ويحلفه يمينًا واحده أنه لا يلزمه تسليمه ولا ثمنه ولا قيمته, وعلي الثاني: يدعي العين في دعوى والقيمة في دعوى والثمن في أخرى.
قال: (وحيث أوجبنا الإحضار) أي: إحضار العين علي المدعى عليه (فثبتت للمدعي .. استقرت مؤنته علي المدعى عليه) , لأنه المحوج إلى ذلك.
وَإِلَّا .. فَهِي وَمُؤْنُةُ الرَّدَّ عَلَى المُدَّعِي.
فَصْلٌ:
الْغَائِبُ الَّذِي تُسمَعُ البَيَّنَةُ وَيَحْكُمُ عَلَيِه: مَنْ بِمَسَافَهٍ بَعِيدَةٍ,
قال: (وإلا) أي: وإن لم تثبت له (.. فهي) أي: مؤنة الإحضار (ومؤنة الرد علي المدعي)؛ لأنه المحوج إليه.
وفي (أمالي السرخسي): أن القاضي يتفق علي النقل من بيت المال, فإن لم يكن في بيت المال شيء .. اقترض, فإن بان المال للمدعي .. لزم عليه رد القرض, لظهور تعديه, وإلا ... كلفه المدعي, لظهور تعنته.
ووقع في (الشرح) و (الروضة) النقل عنه مقلوبًا, ولم يذكره في (المهمات).
قال في (المطلب): ولو تلف في الطريق بانهدام دار ونحوه .. لم يضمنها بلا خلاف.
تتمه:
قال في (الوجيز): لا تلزمه منفعة العبد التي تعطلت, كما لا تلزمه منفعه المحكوم عليه, ويحتمل هذا للحاجة, قال الرافعي: وليحمل ما ذكره علي إحضار المدعى عليه العبد الغائب عن مجلس الحكم دون البلد خاصة, والفرق بين الحالتين زيادة الضرر.
قال: (فصل:
الغائب الذي تسمع البينة ويحكم عليه: مَن بمسافة بعيدة) , لأن القريب يسهل إحضاره, وألحق القاضي حسين بالغائب ما إذا حضر المجلس فهرب قبل أن يسمع الحاكم البينة, أو بعده وقبل الحكم ... فإنه يحكم عليه قطعًا كما تقدم.
وهذا معني قول غيره: يحكم علي المتمرد والمتواري في البلد كما سيأتي.
وألحقّ في (الأسرار) وغيره به الأخرسَ الذي لا يفهم؛ لأنه في معنى الصبي والمجنون.