النجم الوهاج في شرح المنهاجصفحات 167-206
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَمِنْهُ: (اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ... إلخ)  وقال الماوردي: الدعاء إن كان بأمر الدنيا .. فمباح، أو بأمر الدين .. فمسنون، وهو حسن.
قال: (ومنه) أي: المأثور هنا ((اللهم؛ اغفر لي ما قدمت وما أخرت ... إلخ)) أشار إلى ما رواه مسلم [771] عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: (اللهم؛ اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت).
والمراد بالتأخير: بالنسبة إلى ما وقع؛ لن الاستغفار قبل وقوع الذنب محال.
ومن آكد الأدعية المأثورة: ما روى مسلم [588] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تهد أحدكم .. فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم؛ إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)، ولذلك أوجب هذا الدعاء بعض العلماء، وأمر طاووس من صلى ولم يقله أن يعيد الصلاة.
و (المسيح) بالحاء المهملة: مسيح الضلالة.
سمي مسيحًا؛ لأنه يمسح الأرض كلها إلا مكة والمدينة، أي: يطؤها.
واختلفوا في معناه على ثلاثة وعشرين قولًا حكاها ابن دحية.

وَيُسَنُّ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى قَدْر التَّشَهُّدِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
سمي دجالاً؛ لتمويهه وكذبه، (يمكث في الأرض أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وباقي الأيام كأيامكم، مكتوب بين عينيه: ك ف ر) [م2937و 2933]. ومن أحسن الأدعية ما رواه البخاري [834] عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله؛ علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: (قل: اللهم؛ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به في صلاته.
قال: (ويسن أن لا يزيد على قدر التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)؛ لأنه تبع لهما.
فإن زاد.
فإن زاد .. لم يكره إلا أن يكون إمامًا؛ رعاية للتخفيف- والظاهر: أن مراد المصنف: لا يزيد على قدر أقهلما- أما المنفرد .. فيطيل ما شاء ما لم يخرجه إلى خوف السهو.

وَمَنْ عَجَزَ عَنْهَمَا .. تَرْجَمَ، وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ الْعَاجِزُ لاَ الْقَادِرُ فِي الأَصَحِّ  قال: (ومن عجز عنهما) أي: عن التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (.. ترجم)؛ قياسًا على تكبيرة الإحرام.
قال: (ويترجم للدعاء والذكر المندوب العاجز)؛ ليحوز فضلهما.
قال: (لا القادر في الأصح)؛ قياسًا على ما تقدم، ولأنه لا ضرورة به إلى ذلك، فإن ترجم القادر .. بطلت صلاته.
والثاني: يجوز مطلقًا؛ قياسًا على الدعاء خارج الصلاة، والجامع عدم الوجوب.
والثالث: لا مطلقًا؛ لعدم الضرورة إليه.
والخلاف محله: في المأثور، أما غيره .. فلا يجوز ترجمته قطعًا وتبطل الصلاة به.
فرع: لا يجب التتابع في كلمات التشهد، فإن نكسه .. فالأصح المنصوص في (الأم): أنه إن لم يغير المعنى .. أجزأه، وإن غيره .. أبطل الصلاة إن تعمده.
وسكوت المصنف عن اشتراط ترتيبه مؤذن بما ذكرناه، بخلاف (الفاتحة).
ويسن للإمام أن يرتله، بحيث يعلم أن من في لسانه ثقل ممن خلفه قد أتى به، فإن حدره .. كره.
ويستحب أن يسر به، وكذا سائر الأذكار في الجلوس إلا السلام.
وروى أبو داوود [978] عن ابن مسعود أنه قال: (من السنة إخفاء التشهد).

الثَّانِي عَشَرَ: السَّلاَمُ.
وأَقَلُّهُ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ)، وَالأَصَحُّ: جَوَازُ: (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ).
قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: لاَ يُجْزِئُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ  قال: (الثاني عشر: السلام)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) رواه مسلم، ولأنه كان مشغولًا كان مشغولًا عن الناس وأقبل عليهم.
قال: (وأقله: (السلام عليكم))، فلو أخل بحرف من ذلك .. لم يصح، فإن كان عمدًا .. بطلت صلاته، وإن كان سهوًا .. سجد للسهو، إلا في: السلام عليهم .. فإنهما لا تبطل؛ لأنه دعاء لغائب.
قال: (والأصح: جواز: (سلام عليكم)) - بالتنوين- قياسًا على التشهد؛ لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام.
وفي هذا نظر؛ لأن مدلول المعرف غير مدلول المنكر.
قال: (قلت: الأصح المنصوص: لا يجزئه والله أعلم) ووافقه الشيخ؛ لأنه لم يصح في حديث.
ولو قال: عليكم السلام .. فالأصح: الإجزاء مع الكراهة؛ لأنه يسمى سلامًا، بخلاف التنكير كما تقدم.
ولو قال: سلام عليكم بغير تنوين .. فالمذهب: أنه لا يجزئه قولًا واحدًا.
ولو قال: سلامي عليكم، أو سلام الله عليكم، أو السلام عليه، أو عليهم .. لم يجزئه.
قال: (وأنه لا تجب نية الخروج) كسائر العبادات؛ لأن النية تليق بالفعل دون الترك، ولأن النية السابقة منسحبة على جميع الصلاة.
والثاني: تجب؛ لأنه نطق وجب في أحد طرفي الصلاة، فلم يصح بغير نية كالتكبير، وهذا عليه جمهور العراقيين، فيجب عندهم أن تمتزج النية بالتسليم، فإن قدمها عليه أو أخرها عنه .. بطلت صلاته.
ولا يجب تعيين الصلاة في نية الخروج بلا خلاف، فإن عين وأخطأ .. فعلى

وَأَكْمَلُهُ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ)، مَرَّتَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا، مُلْتَفِتًا فِي الأُولَى حَتَّى يُرَى خَذُّهُ الأَيْمَنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الأَيْسَرُ،  الأول: لا يضر، وعلى الثاني: إن كان عمدًا .. بطلت صلاته، وإن كان سهوًا .. سجد وأعاد السلام مع النية إن لم يطل الفصل، وإن طال .. بطلت.
قال: (وأكمله: (السلام عليكم ورحمة الله))؛ لأنه المأثور عن السلف، وزاد السرخسي والإمام، والروياني في (الحلية): وبركاته؛ لما رواه أبو داوود [989] وابن ماجه [914] وابن حبان [1993]- بإسناد صحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وشماله: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، فليس يحسن حينئذ قوله في (شرح المهذب): أن الصحيح أو الصواب خلافه.
قال: (مرتين)؛ لما روى مسلم [581] عن ابن مسعود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره).
قال: (يمينًا وشمالًا، ملتفتًا في الأول حتى يرى خده الأيمن، وفي الثانية الأيسر)؛ لما روى مسلم [582] عن سعد بن أبي وقاص قال: (كنت أرى النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده).
قال الرافعي: وينبغي أن يبتدئ بها مستقبل القبلة، ثم يلتفت بحيث تنقضي مع تمام الالتفات.
والقول الثاني: يسن تسليمة واحدة تلقاء وجهه.
والثالث: إن كان منفردًا أو في جماعة قليلة .. فتسليمة، وإلا .. فثنتان.

نَاوِيًا السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلاَئِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ، وَيَنْوِي الإِمَامُ السَّلاَمَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ، وَهُمُ الرَّدَّ عَلَيْهِ  قال: (ناويًا السلام على من عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وجن) أي: مؤمنين؛ ليحوز بذلك فضيلة السلام.
وروى الترمذي [429]: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر أربعًا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن معه من المؤمنين).
قال: (وينوي الإمام السلام على المقتدين، وهم الرد عليه)؛ لما روى الحاكم [1/ 270] وأبو داوود [993] عن سمرة بن جندب قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرد على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض)، وفي رواية: (وأن ينوي بعضنا بعضًا).
فإن كان المأموم خلف الإمام .. تخير الإمام، فإن شاء نوى السلام عليه، بالأولى أو بالثانية.
وأما المأموم، فإن كان عن يمين الإمام .. نوى بالثانية الرد عليه، وإن كان عن يساره .. نوى ذلك بالأول، وإن كان محاذيًا .. فإن شاء رد عليه بالأولى أو بالثانية، والأولى أفضل.
فروع: التسليمة الثانية هل هي من الصلاة؟ اختلف في تصحيحها، فصحح الرافعي، والمصنف في (شرح المهذب) في (الجمعة): أنها ليست من الصلاة، وصححا في آخر (صلاة الجماعة): أنها منها.

الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الأَرْكَانِ كَمَا ذَكَرْنَا  ويستحب أن ينوي بعض المأمومين الرد على بعض؛ لظاهر حديث سمرة بن جندب، وأن لا يمد لفظ السلام؛ لما روى الترمذي [297]- وقال: حسن صحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حذف السلام سنة).
وقال في (الإحياء): السنة أن يفصل بين التسليمتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المواصلة في الصلاة، عزاه رزين إلى الترمذي وليس فيه.
قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل: ما كنا ندري ما المواصلة في الصلاة حتى قدم علينا الشافعي فمضى إليه أبي فسأله عنها، فقال: هي في مواضع من الصلاة: منها: أن يقول الإمام: ﴿ولا الضآلين﴾، فيقول من خلفه: (آمين) معًا.
ومنها: أن يصل القراءة بالتكبير.
ومنها: السلام عليكم ورحمة الله، فيصلها بالتسليمة الثانية، الأولى فرض والثانية سنة، فلا يجمع بينهما.
ومنها: إذا كبر الإمام .. فلا يكبر معه حتى يسبقه ولو بحرف.
قال: (والثالث عشر: ترتيب الأركان كما ذكرنا)؛ للإجماع، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: إذا قمت إلى الصلاة .. فكبر، ثم اقرأ، ثم كذا، فذكرها بـ (الفاء) أولًا، ثم بـ (ثم)، وهما للترتيب.
وأما السنن كالاستفتاح والتعوذ، والتشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه .. فليس الترتيب ركنًا فيها، لكنه شرط في الاعتداد بها.
وتستثنى النية فإنها تقارن التكبير، لكن قوله: (كما ذكرنا) يخرجه.
ويستثنى نية الخروج إن أوجبناها؛ فإنها تقارن السلام.
ويستثنى القيام؛ فإنه يقارن التحرم والقراءة.
والجلوس الآخر؛ فإنه يقارن التشهد والسلام.
ومقتضى إطلاقه .. أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لابد من إيقاعها بعد

فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ .. بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ سَهَا .. فَمَا بَعْدَ الْمَتْروكِ لَغْوٌ، فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ .. فَعَلَهُ، وَإِلاَّ .. تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ، فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنَ الأَخِيرَةِ .. سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا .. لَزِمَهُ رَكْعَةٌ، وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِيهِمَا  التشهد، وبه جزم في (شرح المهذب)، ونقل الرافعي في (شرح المسند) عن الحليمي: أنه كبعض أجزاء التشهد، حتى يجوز فيه التقديم والتأخير.
قال: (فإن تركه عمدًا بأن سجد قبل ركوعه .. بطلت صلاته) بالإجماع.
هذا في الأركان الفعلية، كما مثله بالسجود قبل الركوع، أما تقديم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على التشهد .. فلا يبطل، لكنه لا يعتد بالمتقدم.
قال: (وإن سها .. فما بعد المتروك لغو)؛ لوقوعه في غير محله.
قال: (فإن تذكر قبل بلوغ مثله .. فعله) أي: على الفور.
قال: (وإلا .. تمت به ركعته وتدارك الباقي)؛ لأن كل ما يفعل قبل وقته كالعدم.
هذا إذا عرف عين المتروك، فإن لم يعرف .. أخذ بأدنى الممكن وأتى بالباقي، وفي الأحوال كلها يسجد للسهو، إلا إذا وجب الاستئناف بأن ترك ركنًا وأشكل عليه، وجوز أن يكون النية أو تكبيرة الإحرام، وإلا إذا كان المتروك هو السلام؛ فإنه إذا تذكر قبل طول الفصل .. سلم ولا حاجة إلى سجود السهو.
قال: (فلو تيقن في آخر صلاته ترك سجدة من الأخيرة .. سجدها وأعاد تشهده)؛ لأنه وقع بعد متروك.
قال: (أو من غيرها .. لزمه ركعة)؛ لأن الركعة الناقصة ملفقة بالركعة التي بعدها، وتصير الثالثة ثانية والرابعة ثالثة.
قال: (وكذا إن شك فيهما) أي: هل تركه من الأخيرة أو من غيرها .. جعله من غيرها أخذًا بالأحوط ولزمه ركعة أخرى.

وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ، فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ .. سَجَدَ- وَقِيلَ: إِنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الاِسْتِرَاحَةِ .. لَمْ يَكُفِهِ- وَإِلاَّ .. فَلْيَجْلِسْ مُطْمَئِنّاً ثُمَّ يَسْجُدُ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ.
وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا .. وَجَبَ رَكْعَتَانِ،  قال: (وإن علم في قيام ثانية ترك سجدة، فإن كان جلس بعد سجدته .. سجد) أي: مطلقًا في الحال من قيام؛ لأن ذلك الجلوس فاصل.
وقيل: لابد من أن يجلس لينتقل منه إلى السجود، وهو ضعيف.
قال: (وقيل: إن جلس بنية الاستراحة .. لم يكفه) وصححه البغوي؛ لأنه قصد بها النفل فلا ينوب عن الفرض.
والأصح: الاكتفاء بها كما لو جلس للتشهد الأخير وهو يظنه الأول، بخلاف ما إذا قرأ هذا التارك في قيامه آية سجد لها .. فإنها لا تجزئه عن السجدة المنسية على الصحيح المنصوص؛ لأن سجدة التلاوة لم تشملها نية الصلاة بخلاف ما نحن فيه.
قال: (وإلا .. فليجلس مطمئنًا ثم يسجد)؛ لأن الجلوس ركن لابد منه.
قال: (وقيل: يسجد فقط)؛ لأن الفصل حصل بالقيام.
وأجاب الأول بأن الفصل وإن كان هو المقصود لكنه على هيئة الجلوس، فلا يقوم القيام مقامه كما لا يقوم التشهد مقام القيام.
قال: (وإن علم في آخر رباعية ترك سجدتين أو ثلاث جهل موضعها .. وجب ركعتان).
أما الأولى .. فلأن الأسوأ تقدير سجدة من الركعة الأولى وسجدة من الثانية، فتنجبر الركعة الأولى بسجدة من الثانية ويلغو باقيها، وتنجبر الثالثة بسجدة من الرابعة ويلغو باقيها، وتصير الثالثة ثانية.
وأما الثانية- وهي ترك الثلاث- فسيأتي ما قاله الأصحاب فيها، ولشيخنا اعتراض في (المهمات) و (التنقيح) على الأصحاب تبع فيه الشيخ نجم الدين الأصفوني، ورده النشائي في (نكته) بأنه خلاف الفرض؛ فإن فرض المسألة في ترك سجدتين فقط.
و (الرباعية): نسبة إلى رباع المعدول عن أربع.

أَوْ أَرْبَعٍ .. فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ، أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ .. فَثَلاَثٌ، أَوْ سَبْعٍ .. فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلاَثٌ.
قُلْتُ: يُسَنُّ: إِدَامَهُ نَظَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ  قال: (أو أربع .. فسجدة ثم ركعتان)؛ لاحتمال أن يكون قد ترك سجدتين من ركعتين غير متواليتين، كسجدتين من الأولى، وسجدة من الثانية، وسجدة من الرابعة.
قال: (أو خمس أو ست .. فثلاث) أما في الخمس .. فلاحتمال ترك واحدة من الأولى، واثنتين من الثانية، وأخريين من الثالثة.
وأما في الست .. فلأنه لم يأت إلا بسجدتين، فكمل له ركعة.
قال: (أو سبع .. فسجدة ثم ثلاث)؛ لأن الحاصل له ركعة إلا سجدة.
وفي ثمان سجدتان، ثم ثلاث ركعات، وفي جميع ذلك يسجد للسهو.
وصوروا ذلك بأن يظهر على جبهته عصابة ونحوها.
قال: (قلت: يسن إدامة نظره إلى موضع سجوده)؛ لأن جمع البصر في مكان واحد أقرب إلى الخشوع، وفي (المهذب) عن ابن عباس والبيهقي [2/ 284] عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة .. لم ينظر إلا إلى موضع - وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ- وَعِنْدِي: لاَ يُكْرَهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا  سجوده).
وروى محمد بن سيرين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر إلى السماء في صلاته، فأنزل الله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خشعون﴾، فجعل ينظر في صلاته حيث يسجد)، ولم يصح في شيء من ذلك حديث.
والصحيح: أن هذا في جميع الصلاة، وإليه أشار المصنف بقوله: (إدامة نظره).
وقيل: ينظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى ظهر قدميه، وفي السجود إلى أنفه، وفي القعود إلى حجره؛ لأن امتداد البصر يلهي فإذا قصره .. كان أولى، وبهذا جزم البغوي والمتولي.
وحكى المحب الطبري وجهًا: أن الذي بالمسجد الحرام نظره إلى الكعبة أولى، لكنه صحح الأول.
والسنة للمتشهد أن لا يجاوز بصره إشارته.
قال: (وقيل: يكره تغميض عينيه) قاله العبدري من أصحابنا وبعض التابعين.
لكن أسند الطبراني في (معجمه الصغير) [24] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة .. فلا يغمض عينيه).
قال: (وعندي: لا يكره إن لم يخف ضررًا)؛ لأنه يجمع الخشوع وحضور القلب.
وعبر في (الروضة) بالمختار، وهذا قاله اختيارًا من عنده، وهو مذهب بعض العلماء.
وقال الشيخ عز الدين: إذا خشي فوات الخشوع لرؤية ما يفرق خاطره .. فالأولى تغميض عينيه.
وقال بعض الصوفية: الأولى للساجد أن يفتح عينيه؛ لأنهما تسجدان.
وروى مالك [1/ 98] عن أبي طلحة أنه صلى يومًا في حديقته فدخل طائر فأعجبه ذلك، فلم يدر كم صلى، فتصدق بها.

وَالْخُشُوعُ وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ  قال: (والخشوع) فيتصف به ظاهر وباطنه، ويستحضر أنه واقف بين يدي ملك الملوك يناجيه، وأن صلاته معروضة عليه، ومن الجائز أن يردها ولا يقبلها.
والدليل على أنه مسنون في الصلاة قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خشعون﴾.
والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة.
ولذلك قيل: إنه شرط في جزء من الصلاة، وليس للإنسان من الصلاة إلا ما عقل منها.
و (الخشوع): السكون.
وروى الترمذي الحكيم [3/ 210] عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا .. لخشعت جوارحه).
وروى الترمذي [2653] عن عبادة بن الصامت وغيره: (أن الخشوع أول علم يرفع من الناس) وقال: حسن غريب، ورواه النسائي أيضًا.
وقال الإمام فخر الدين: اختلفوا في الخشوع، فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف، فإذا خشع القلب .. خشعت الجوارح؛ لأنه ملكها.
ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون.
ومنهم من قال: هو مجموع الأمرين وهو أولى.
أما العبث في الصلاة .. فهو مكروه، وفي (الرافعي) في (الشهادات) عن صاحب (العدة): أنه حرام من الصغائر.
واعترض عليه المصنف بأن المشهور في كتب الأصحاب: كراهته.
حتى لو سقط رداؤه أو طرف عمامته .. كره له تسويته إلا لضرورة، قاله في (الإحياء).
قال: (وتدبر القراءة والذكر)؛ لأن بذلك يحصل مقصود الخشوع والأدب، قال الله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها﴾.
وقال تعالى: ﴿ليدبروا ءايته﴾.
فلو اشتغل بذكر الجنة والنار وغيرهما من الأحوال السنية التي لا تعلق لها بذلك المقام .. كان من حديث النفس.
ويكره أن يفكر في صلاته في أمر دنيوي، أو في مسألة فقهية كما قاله القاضي حسين.

وَدُخُولُ الصَّلاَةِ بِنَشَاطٍ وَفَراغِ قَلْبٍ  قال: (ودخول الصلاة بنشاط)؛ لأن الله تعالى قد ذم تارك ذلك بقوله تعالى: ﴿وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى﴾.
و (الكسل): الفتور عن الشيء، والتواني فيه، وهو: ضد النشاط.
وأنشد الشيخ أبو حيان لبعضهم في ذم من ينتمي إلى الفلاسفة [من الوافر]: وما انتسبوا إلى الإسلام إلا .... لصون دمائهم ألا تسالا فيأتون المناكر في نشاط .... ويأتون الصلاة وهم كسالى قال: (وفراغ قلب) أي: عن الشواغل الدنيوية؛ لن ذلك أدعى إلى تحصيل هذا الغرض.
فإذا كانت صلاته كذلك .. انفتح له فيها من المعارف ما يقصر عنه فهم كل عارف؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).
ومثل هذه الصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
فرع: لو خاف قاصد الجماعة فوت فضيلة التحرم .. لم يستحب له الإسراع عند الجمهور، خلافًا لأبي إسحاق المروزي.
قال الفارقي: ويظهر أنه لو خشي فوات الجماعة بجملتها .. له أن يسرع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالمشي مع إمكان إدراك الصلاة.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (فما أدركتم .. فصلوا ...)، فدل على أنه خطاب لمن يعلم أنه يدرك بعض الصلاة.
وقيل: إذا خاف فوت بعض الجماعة أو كلها .. أسرع.
كل هذا ما لم يضق الوقت، فإن ضاق وخشي فواته .. أسرع لا محالة.

وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ.
وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ  قال: (وجعل يديه تحت صدره)؛ لما روى ابن خزيمة [479] عن وائل بن حجر قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره).
وعبارة الأصحاب: تحت صدره، فكأنهم جعلوا التفاوت بينهما يسيرًا.
كل هذا في حالة القيام، ويلتحق به القعود والاضطجاع.
وقال أبو إسحاق: يجعلهما تحت سرته؛ لقول عائشة: (وضعهما تحت السرة)، رواه أحمد [1/ 42] وأبو داوود [تحفة 10314 عن علي].
وقال ابن المنذر: يتخير بينهما.
قال: (آخذًا بيمينه يساره)؛ لما روى الترمذي [252] وغيره ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن حبان [1770] عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة).
وفي (سنن أبي داوود) [727]: (ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى).
قال بعض الأصحاب: يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى، ويقبض رسغها وساعدها.
وقال القفال: يتخير بين بسط أصابع اليمنى على عرض المفصل، وبين نشرها في صوب الساعد.
والأصح في (الروضة): أنه يحط يديه بعد التكبير تحت صدره، وقيل: يرسلهما ثم يستأنف نقلهما إلى تحت صدره.
قال في (الأم): والقصد من وضع اليمين على اليسار تسكين اليدين.
فإن أرسلهما ولم يعبث .. لا بأس.
قال: (والدعاء في سجوده)؛ لما روى مسلم [479] من حديث ابن عباس أن

وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنْ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ  النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما السجود .. فأكثروا فيه من الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم) أي: حقيق.
وفيه [483] أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول فيه: (اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، وآخره وأوله، علانيته وسره).
وروى الحاكم [1/ 492] عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض).
وفيه [1/ 493] عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).
وفيه [1/ 492] عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة).
وروى ابن ماجه [3817] عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يسأل الله بغضب عليه).
وظاهر لفظ الشافعي .. أنه لا فرق بين الإمام والمنفرد.
والرافعي فرق بين الإمام وغيره.
قال: (وأن يعتمد في قيامه من السجود والقعود على يديه)؛ لأنه أشبه بالتواضع وأعون للمصلي، و (كذلك كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري [824]. وكيفية الاعتماد: أن يجعل بطن راحتيه وبطن أصابعه على الأرض.
وسواء فيه القوي والضعيف.
وأما الحديث الذي في (الوسيط) عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الصلاة وضع يده بالأرض كما يضع العاجن) .. فباطل، وإن صح ..

وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ.
وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا  حمل على ذلك، ويكون المراد بـ (العاجن): الشيخ الكبير، لا عاجن العجين كقول الشاعر [من الطويل]: فأصبحت كنتيًا وأصبحت عاجنًا .... وشر خصال المرء كنت وعاجن قال: (وتطويل قراءة الأولى على الثانية في الأصح)؛ لحديث أبي قتادة الثابت في (الصحيحين) [خ759 - م451]. والثاني: لا، وصححه الجمهور، وحملوا حديث أبي قتادة على أنه أحسن بداخل، وهذا بعيد؛ لقوله: (كان ...). وكل هذا إذا لم تدع ضرورة أو مصلحة إلى خلافه كمسألة الزحام؛ فإنه يستحب للإمام فيها أن يطول الثانية على الأولى.
وكذا إذا ورد نص من الشارع بتطويل غير الأولى، كصلاة الكسوف وصبح الجمعة.
فلو أغفل قراءة السجدة في الأولى .. قرأها في الثانية، وكذلك (سبح) و (الغاشية) في العيد.
وإذا صلى بهم الإمام في الخوف صلاة ذات الرقاع .. فالمستحب: أن يخفف القراءة في الأولى؛ لأنها حال شغل.
ويستحب للطائفتين التخفيف في الثانية؛ لئلا يطول الانتظار.
قال: (والذكر بعدها) ثبت ذلك في (الصحيحين) بأنواع من الأذكار والأدعية: فمن ذلك: حديث ثوبان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته .. استغفر الله تعالى ثلاثًا، وقال: (اللهم؛ أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذات الجلال والإكرام) قيل للأوزاعي وهو أحد رواته: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفر الله.
رواه مسلم [591].

وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ، وَأَفْضَلُهُ إِلَى بَيْتِهِ  ومنها: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم؛ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).
ومنها: ما رواه مسلم [596] عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاثًا تسبيحة، وثلاثًا وثلاثين تحميد، وأربعًا وثلاثين تكبيرة).
وروى أن من قال ذلك.
(غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال دبر صلاة الفجر وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير عشر مرات .. كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم، إلا الشرك بالله تعالى) رواه الترمذي [298] وقال: حديث حسن صحيح.
قال بعض العلماء: خاطب الله تعالى هذه الأمة بقوله: ﴿فاذكروني أذكركم﴾، فأمرهم أن يذكروه بغير واسطة، وخاطب بني إسرائيل بقوله: ﴿اذكروا نعمتي﴾؛ لأنهم لم يعرفوا الله إلا بآلائه، فأمرهم أن يتصوروا النعم ليصلوا بها إلى ذكر المنعم.
قال: (أن ينتقل للنفل من موضع فرضه)؛ لتكثر مواضع سجوده؛ فإنها تشهد له، فإن لم ينتقل .. فليفصل بكلام إنسان، ففي (صحيح مسلم) [883]: (الأمر بأن لا يوصل صلاته حتى يتكلم).
قال: (وأفضله إلى بيته)؛ لما روى الشيخان [خ731 - م781] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.
وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ .. مَكَثُوا حَتَّى يَنْصَرِفْنَ  وقال صلى الله عليه وسلم: (مثل البيت الذي يذكر فيه، والبيت الذي لا يذكر فيه مثل الحي والميت).
وقال صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا).
وفي (صحيح مسلم) [778]: إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده .. فليجعل لبيته [نصيبًا] من صلاته؛ فإن الله جاعل [في بيته] من صلاته خيرًا).
والمراد: صلاة النافلة.
وإنما حيث عليه في البيت؛ لكونه أخفى وأبعد عن الرياء، ولتنزل الرحمة في ذلك المكان.
وسواء في ذلك مسجد مكة والمدينة وغيرهما؛ لعموم الحديث، لكن تستثنى النافلة يوم الجمعة لفضيلة البكور، وركعتا الطواف، وركعتا الإحرام إذا كان في الميقات مسجد.
وذهب مالك والثوري إلى الفرق بين الليل والنهار: ففي النهار .. في المسجد أفضل، والبيوت في الليل.
وقال القاضي أبو الطيب: إذا أخفى نافلته في المسجد .. كانت أفضل من البيت.
قال: (وإذا صلى وراءهم نساء)، وكذا الخناثى فيما يظهر (.. مكثوا حتى ينصرفن)؛ لقول أم سلمة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم .. قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث يسيرًا كي ينصرفن قبل أن يدركهن أحد من القوم)، رواه البخاري [837]. ولأن الاختلاط بهن مظنة الفساد.
فإن لم يكن ثم نساء .. فالمستحب للإمام: أن يقوم من مصلاه عقب صلاته؛ لئلا يشك هو ومن خلفه هل سلم أو لا؟ ولئلا يدخل غريب فيظنه في الصلاة فيقتدي به.

وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ، وَإِلاَّ .. فَيَمِينِهِ  وفي (الإحياء): (أن ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر).
وقال ابن الرفعة: إنما يستحب له القيام بعد الذكر والدعاء.
قلت: ينبغي أن يستثنى من ذلك: (ما إذا قعد مكانه يذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس؛ لن ذلك كحجة وعمرة تامة تامة تامة) رواه الترمذي [586] عن أنس.
فرع: إذا أراد الإمام أن ينفتل من المحراب .. فلينفتل عن يمينه، والأصح في كيفيته: يدخل يساره في المحراب ويجعل يمينه إلى الناس؛ لما روى مسلم [709] عن البراء قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه؛ يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: (رب قني عذابك يوم تبعث عبادك).
وقيل: يستدبر القبلة.
وقيل: يلي المحراب يمينه، ويساره إلى الناس، وبه قال أبو حنيفة.
قلت: ينبغي أن يرجح هذا في محراب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إن فعل الصفة الأولى يصير مستديرًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قبلة آدم فمن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال: (وأن ينصرف في جهة حاجته، وإلا .. فيمينه)؛ لأن التيامن محبوب ففي (صحيح مسلم) [708]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينصرف عن يمينه).
وفي (أبي داوود) [1034] عن هلب الطائي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينصرف عن شقيه).
لكن ذكر المصنف في (الرياض) أنه: يستحب في الحج والصلاة وعيادة المريض وسائر العبادات أن يذهب من طريق، ويرجع من أخرى، كما سيأتي في صلاة العيد.
ويؤخذ من عبارة المصنف .. أنه لا يكره أن يقال: انصرفنا من الصلاة، وقد أسند

وَيَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلاَمِ الإِمَامِ، فَلِلْمَامُومِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَوِ اقْتَصَرَ إِمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ .. سَلَّمَ ثِنْتَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

 الطبري [11/ 55] عن ابن عباس: أنه يكره ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم﴾.
وفي (الصحيحين) [خ841 - م583]: (أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال ابن عباس: (كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته).
وفيهما [خ4168 - م860] عن سلمة بن الأكوع: (كنا ننصرف من الصلاة وليس للحيطان ظل نستظل به).
وفي (مسلم) [1779] في حديث غزوة بدر: (ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فلما رأى ذلك .. انصرف).
وفي (كامل ابن عدي) [2/ 53]- في ترجمة بحر بن كثير السقاء- عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من الصلاة قال: (اللهم؛ بحمدك انصرفت، وبذنبي اعترفت، وأعوذ بك من شر ما اقترفت).
قال: (وتنقضي القدوة بسلام الإمام) أي: التسليمة الأولى؛ لخروجه من الصلاة بها.
قال: (فللمأموم) أي: الموافق (أن يشتغل بدعاء ونحوه ثم يسلم)؛ لانقطاع القدوة.
وهذا محله إذا كان غير مسبوق، أو مسبوق وجلوسه مع الإمام في موضع تشهده الأول، أما غيرهما .. فيلزمه القيام عقب التسليمتين.
قال: (ولو اقتصر إمامه على تسليمة .. سلم ثنتين والله أعلم) لأنه خرج عن متابعة الإمام بالأولى، بخلاف التشهد الأول فإن الإمام لو تركه .. لزم المأموم تركه؛ لأن المتابعة واجبة عليه قبل السلام.
تتمة: اتفقوا على أنه يجوز أن يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى بعد (الميم) من قوله: عليكم، إذا قدم الإمام لفظ السلام.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والأصح المنصوص: أن الأفضل أن لا يسلم حتى يسلم الإمام الثانية.
وقال المتولي: يستحب أن يسلم بعد سلام الإمام الأولى.
ولو قارنه في التسليمة الأولى .. فالأصح: أن الصلاة لا تبطل كما لو قارنه في بقية الأركان، بخلاف تكبيرة الإحرام فإنه لا يصير في الصلاة حتى يفرغ منها.
ولو سلم قبل شروع الإمام في السلام، فإن لم ينو المفارقة .. بطلت صلاته، وإن نواها .. ففيه الخلاف فيمن نوى المفارقة.


خاتمة يستحب الدعاء بعد الصلاة؛ لما روى الترمذي [3499] أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الدعاء أسمع؟ - أي: أقرب إلى الإجابة- قال: (جوف الليل، ودبر الصلوات المكتوبات).
وروى أبو داوود [1517] والنسائي [3/ 53]- بإسناد صحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد معاذ وقال: (يا معاذ؛ والله إني أحبك، أوصيك يا معاذ: لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم؛ أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
ويستحب الإسرار به وبالذكر، إلا أن يكون إمامًا يريد التعليم.
وسئل الشيخ عز الدين: هل يكره أن يسأل الله تعالى بعظيم من خلقه كالملك والنبي والولي؟.
أجاب بأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه علم بعض الناس: (اللهم؛ إني أقسم عليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، نبي الرحمة ...) الخ [خز 1219]. فإن صح .. فينبغي أن يكون مقصوراً عليه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيد ولد آدم، ولا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة؛ لأنهم ليسوا في درجته.
ويكون هذا من خواصه صلى الله عليه وسلم.
والحديث المذكور خرجه الترمذي [3578] وقال: صحيح غريب.

باب

شُرُوطُ الصَّلاَةِ خَمْسَةٌ: مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ.
وَالاِسْتِقْبَالُ.
وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ،  قال رحمه الله: (باب) أي: هذا باب معقود لشروط الصلاة.
ثم إن المصنف لما فرغ من الشروط .. أفرد للمناهي

فصل

ًا؛ لأن الأصح عنده: أنها ليست شروطًا.
والرافعي جعلها تبعًا للغزالي شروطًا، فزاد الإمساك عن الكلام والأفعال والأكل.
قال الشيخ: والصواب: أنها لا تسمى شروطًا إلا على سبيل المجاز.
قال: (شروط الصلاة خمسة) تقدم أول الكتاب أن الشرط في اللغة: العلامة، ومنه: أشراط الساعة.
وفي الإصطلاح: ما يلزم من عدمه عدم الصحة، ولا يلزم من وجوده وجودها.
وتقدم في أول صفة الصلاة الفرق بين أركان الصلاة وشروطها.
ومراد المصنف: أن للصلاة شروطًا خمسة غير الإسلام والتمييز؛ لأنهما شرطان لكل عبادة، لكنه أهمل شرطًا سادسًا جزم به في (التحقيق) وغيره وفاقًا للبغوي وهو: تمييز فرضها من سنتها، فلو اعتقد جميع أفعالها سنة، أو بعضها فرضًا وبعضها سنة ولم يميز .. لم يصح، أو كلها فرضًا .. صحت في الأصح، وفي (فتاوى الغزالي): إذا لم يميز العامي فرضًا من سنة .. صحت إن لم يقصد التنفل بفرض، قال في (الروضة): وهذا هو الظاهر الذي تقتضيه أحوال السلف.
وقد تقدم بعض هذا في أول الباب قبله.
قال: (معرفة الوقت) أي: علمًا، أو ظنًا بالاجتهاد.
قال: (والاستقبال) كما سبق إلا ما استثنى، وقد أبعد ابن القاص والقفال فجعلاه ركنًا.
قال: (وستر العورة) أي: عند القدرة ولو كان خاليًا في ظلمة؛ لقوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾.
قال ابن عباس: (هي السترة في الصلاة)،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فأفاد التقييد بـ (الصلاة) شرطيته فيها؛ إذ هو واجب في غيرها.
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) حسنه الترمذي [377] وصححه الحاكم [1/ 251]، والمراد: من بلغت سن الحيض.
وكون ستر العورة شرطًا قال به جمهور العلماء، فمتى انكشف شيء من العورة قل أو كثر، في حضرة الناس أو في خلوة .. فات.
وأما وجوبه .. فبالإجماع وبقوله تعالى: ﴿وإذا فعلوا فحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا﴾.
قال ابن عباس: (كانوا يطوفون بالبيت عراة وهي فاحشة).
وكذلك يجب في غير الصلاة في حضرة الناس بالإجماع، وفي الخلوة على الأصح؛ لإطلاق الأمر بالستر، ولما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله؛ عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال عليه الصلاة والسلام: (احفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك)، قال: قلت: يا رسول الله؛ إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال عليه الصلاة والسلام: (الله أحق أن يستحيا منه من الناس) حديث حسن رواه أصحاب السنن.
فإن قيل: الستر لا يحجب عن الله؛ لأنه تعالى يرى المستور كما يرى المكشوف .. فالجواب: أنه يرى المكشوف تاركًا للأدب، والمستور متأدبًا.
وما ذكره من الشرطية محله: عند القدرة، فإن عجز .. وجب عليه أن يصلي عاريًا.
والأصح: أنه يتم الركوع والسجود ولا يعيد.
وقيل: يومئ بهما ويعيد.

وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ: مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ،  وقيل: يتخير بين الإتمام ولإيماء.
ويستثنى من وجوب الستر في الخلوة: إذا دعت الحاجة إلى الكشف، كالاغتسال ونحوه.
ولا يجب ستر العورة عن نفسه، لكن يكره نظره إليها.
و (العورة): سوأة الإنسان وكل ما يستحيا منه، والجمع: عورات.
سميت بذلك؛ لقبح ظهورها.
والعورة: الكلمة القبيحة.
وأصلها في اللغة: النقص والخلل.
وفي الشرع: ما يجب ستره من البدن.
قال: (وعورة الرجل: ما بين سرته وركبته)؛ لما روى الحارث بن أبي أسامة [143] عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته).
وروى الدارقطني [1/ 231] عن أبي الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل السرة من العورة)، لكن ضعفه البيهقي، وقال صلى الله عليه وسلم لجرهد: (غط فخذك؛ فإن الفخذ عورة) رواه أحمد [3/ 479] وأبو داوود [4010]، وحسنه الترمذي [2798]. فالسرة والركبة ليسا من العورة.
وقيل: منها.
وقيل: الركبة دون السرة.
وقيل: عكسه.
وقيل: السوأتان فقط- وبه قال مالك وجماعة- لما روى مسلم [2401] عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكشوف الفخذ، فدخل أبو بكر وعمر فلم يستره، ودخل عثمان فستره وقال: (ألا أستحي ممن استحت منه الملائكة).
والجواب: أن المكشوف حصل الشك فيه في (مسلم) هل هو الساق أو الفخذ؟ فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ.

وَكَذَا الأَمَةُ فِي الأَصَحِّ،  ولا فرق فيما ذكره بين الحر والعبد، والمسلم والذمي.
وأما الصبي .. فأطلق في (شرح المهذب): أنه كالبالغ، وقال الصيمري: عورته قبل سبع القبل والدبر، ثم تتغلظ بعد السبع، ثم بعد العشر يكون كالبالغين؛ لأنه زمان يمكن فيه البلوغ.
واستسحنه الشيخ؛ لأن المنع من النظر إلى عورة الطفل يشق.
وقال صاحب (الحاوي) و (البيان): الأطفال لا حكم لعوراتهم قبل السبع، وحكهم حكم البالغين بعد إمكان البلوغ، وفيما بينهما يحرم النظر إلى الفرج خاصة.
وسيأتي في النكاح قول المصنف: (وإلى صغيرة إلا الفرج).
ومقتضى إطلاقهم .. أنه لا فرق في تحريم النظر لذلك بين أمه وغيرها، وفيه بعد، وينبغي الجواز اللازم في زمان التربية والرضاع لمكان الضرورة.
وقد ذكره ابن القطان في (أحكام النظر).
ومن فوائد [ذلك] معرفة عورة الصغير- إذا طاف به وليه في الحج والعمرة- في القدر الذي يجب ستره.
و (السرة): الموضع الذي يقطع من المولود.
والسر: ما يقطع من سرته.
يقال: عرفت هذا الأمر قبل أن يقطع سرك، ولا تقل: سرتك؛ لأن السرة لا تقطع وجمع السرة: سرر وسرات.
و (الركبة): موصل ما بين أطراف الفخذ وأعالي الساق، والجمع: ركب.
وكل ذي أربع ركبتاه في يديه، وعرقوباه في رجليه.
قال: (وكذا الأمة في الأصح)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا زوج أحدكم خادمة أو عبده أو أجيره .. فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة) رواه أبو داوود [4111]. وأجمعوا على أن رأسها غير عورة، فإن عمر ضرب أمة لآل أنس رآها مقنعة وقال: (اكشفي رأسك، ولا تتشبهين بالحرائر)، ولم ينكر ذلك أحد.
وما روي

وَالْحُرَّةِ: مَا سِوَى الْوَجْهِ والَكفَّيْنِ  من أن الحسن البصري يقول بوجوب لبس الخمار إذا تزوجت، أو اتخذها سيدها لنفسه .. متأخر عن ذلك.
وجميع ما في الأمة ثمانية أوجه: الأربعة دون الخامس.
والخامس: جميع بدنها إلا ما يبدو في المهنة، وهو: الرأس والرقبة والساعد وطرف الساق، فليس بعورة.
والسادس: هي كالحر إلا رأسها.
والسابع: جميع بدنها إلا وجهها وكفيها.
والثامن: جميعه إلا وجهها وكفيها ورأسها.
وسواء في هذا القنة والمدبرة والمكاتبة والمبعضة على الأصح، وصحح الماوردي وابن أبي عصرون والشاشي في (الحلية): أنها كالحرة؛ لما في ذلك من الاحتياط في الأحكام.
فلو قال المصنف: وكذا غير الحرة .. كان أشمل.
والخنثى كالأنثى رقًا وحرية، فإن اقتصر على ما يستر الرجل .. ففي صحة صلاته وجهان أصحهما في (الروضة) و (شرح المهذب): عدم الصحة.
والأصح في (التحقيق): الصحة.
قال: (والحرة: ما سوى الوجه والكفين) ظهرًا وبطنًا من رؤوس الأصابع إلى الكوعين؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.
قال ابن عباس وعائشة: (هو الوجه والكفان).
ولأنهما لو كان عورة .. لما وجب كشفهما في الإحرام.
وفي قول أو وجه: أن باطن قدميها ليس بعورة.

وَشَرْطُهُ: مَا مَنَعَ إِدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ، وَلَوْ طِينٌ وَمَاءٌ كَدِرٌ  وقال المزني: ليس القدمان عورة.
والذي يجب ستره من الحرة في الخلو ما يجب ستره من الرجل.
وكلامهم هنا محمول على العورة في الصلاة، فللحرة ثلاث عورات: عورة في الصلاة وهي ما ذكره هنا، وفي النظر جميع بدنها، وفي الخلوة كالرجل، صرح به الإمام والرافعي وغيرهما في (كتاب النكاح).
أما صوتها .. فالأصح: أنه ليس بعورة، وستأتي المسألة ونظائرها في (الإقرار) عند قوله: (ولو قال: هذه الدار لزيد بل لعمرو)، وفي أول (كتاب النكاح).
قال: (وشرطه: ما منع إدراك لون البشرة) من سائر أنواع الثياب والجلود والرقوق والخرق والورق والليف والمصبوغ والمخلوق، فلا يكفي الثوب الرقيق، والغليظ المهلهل النسج، والماء الصافي، والزجاج ونحو ذلك؛ لأن مقصود الستر لا يحصل به.
وفي (الحاوي) وجه: أن الصلاة تصح في الثوب الحاكي للون.
نعم؛ يرد على إطلاقه .. الظلمة؛ فإنها مانعة من الإدراك وهي غير كافية جزمًا، فلو ستر اللون ووصف الحجم .. صح على الصحيح، ويكره ذلك للمرأة، وهو خلاف الأولى للرجل.
قال: (ولو طين وماء كدر)؛ لأنهما يمنعان الإدراك.
وقيل: لا يكفيان؛ لأنهما غير معتادين.
وقيل: يكفي الطين عند عدم الثوب ونحوه.
وحكم الماء الصافي المتراكم بخضرة ونحوها كالكدر.
وصورة الصلاة في الماء الكدر: أن يصلي على جنازة أو يمكنه السجود فيه.
ولم يلم يوجد الستر على الوجه المعتبر، بأن صلى في خيمة صغيرة مكشوفًا .. لم يصح.
ولو وقف في خابية وصلى على جنازة، فإن كانت واسعة الرأس تظهر منها العورة .. لم يجز، وإن كانت ضيقة الرأس .. فوجهان أصحهما في (الروضة): الجواز، والأشبه في (الشرح الصغير): عدمه، ولو حفر حفرة ووقف فيها، فإن رد

وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ.
وَيَجِبُ: سَتْرُ: سَتْرُ أَعْلاَهُ وَجَوَانِبِهِ لاَ أَسْفَلِهِ، فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ .. لَمْ يَكْفِ، فَلْيَزُرُّهُ أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ،  التراب بحيث يستر العورة .. جاز، وإلا .. فكالجب.
وكان الصواب أن يقول: ولو طينًا وماء كدرًا على حذف كان واسمها، كقوله عليه الصلاة والسلام: (ولو خاتمًا من حديد)، لكن المصنف يستعمل ذلك كثيرًا، كقوله في أول (الظهار): (ولو ذمي وخصي).
قال: (والأصح: وجوب التطين على فاقد الثوب)؛ لأنه قادر على الستر بما يعد ساترًا.
والثاني: لا؛ لما فيه من المشقة والتلويث.
ويجريان في وجوب الستر بالماء الكدر.
ولو لم يجد من الطين ما يستر العورة، ووجد ما يغير لونها .. لا يجب، لكن يستحب، قاله الماوردي.
قال: (ويجب: ستر أعلاه وجوانبه لا أسفله)؛ لأنه الستر المعهود.
فلو وقف على طرف سطح وكان من تحته يرى عورته .. فالأصح: صحة صلاته، بخلاف لابس الخف فإن الستر يعتبر فيه من الجوانب والأسفل دون العلو؛ لأن الخف يتخذ للبس الأسف، فاعتبر الستر به بخلاف القميص.
والثاني: لا يصح؛ لأن ذلك لا يعد سترًا.
وتوقف الإمام والشاشي في ذلك، ومالا إلى بطلان الصلاة به.
وفي (تاريخ أصبهان) [722] عن مالك بن عتاهية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الأرض تستغفر للمصلي بالسراويل).
قال: (فلو رئيت عورته من جيبه في ركوع أو غيره .. لم يكف)؛ لعدم الشرط.
قال: (فليرزه أو يشد وسطه)؛ ليستدام الصحة.
روى الحاكم [1/ 250] وابن خزيمة [778] وأبو داوود [632] والنسائي [2/ 270] عن سلمة

وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا بِيَدِهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ كَافِي سَوْأَتَيْهِ .. تَعَيَّنَ لَهُمَا،  ابن الأكوع أنه قال: قلت: يا رسول الله إنا نصيد، أفنصلي في الثوب الواحد؟ قال: (نعم، وازرره ولو بشوكة).
وأشار المصنف إلى أنه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك .. تنعقد الصلاة ثم تبطل عند الانحناء، وهذا هو الأصح.
وقيل: لا تنعقد أصلاً.
وهما احتمالان للإمام، وفائدتهما تظهر فيما لو اقتدى به غيره قبل الركوع.
و (الجيب): المنفذ الذي يدخل فيه الرأس.
وقوله: (فليزره) الأحسن في لامه الإسكان، والراء مضمومة.
وقوله: (أو يشد) هو مثلث الدال.
و (الوسط) بفتح السين هنا على المشهور.
يقال: زر الثوب إذا جعل زره في عروته.
وفي المثل: ألزم من زر العروة.
قال: (وله ستر بعضها بيده في الأصح)؛ لحصول المقصود.
وكذا بلحيته وشعر رأسه.
والثاني: لا يصح- وبه جزم الماوردي وغيره- لاتحاد الساتر والمستور.
وهذه تقدمت في حكم السواك مع نظائرها.
ولا خلاف أنه لو جمع الثوب المخرق وأمسكه بيده .. أن صلاته تصح؛ لانتفاء علة المنع.
ولو سترها غيره بيده .. أجزأ قطعًا وإن فعل محرمًا، كما لو ستره بقطعة حرير.
قال: (فإن وجب كافي سوأتيه .. تعين لهما) وجوبًا؛ لأنهما أغلظ وأفحش وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن: (الميسور لا يسقط بالمعسور).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر .. فأتوا منه ما استطعتم).
وخالف من وجد بعض الماء .. فإنه يتيمم في قول؛ لأنه ينتقل إلى بدل بخلاف هذا.

أَوْ أَحَدِهِمَا .. فَقُبُلَهُ، وَقِيلَ: دُبُرَهُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ  و (السوأتان): القبل والدبر.
سميتا بذلك؛ لأن كشفهما يسوء صاحبهما، قال الله تعالى: ﴿فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما﴾ أي: ظهرت لهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، كما قالت عائشة: (ما رأيت منه صلى الله عليه وسلم، ولا رأى مني).
قال: (أو أحدهما .. فقبله)؛ لأنه يستقبل به القبلة، والدبر تستره ألياه، سواء في ذلك الرجل والمرأة.
وإذا قلنا بهذا .. فيجب على الخنثى ستر القبلين معًا، فإن كفى أحدهما .. تخير، والأولى ستر آلة الرجال إن كان هناك امرأة، وآلة النساء إن كان هنا رجل.
قال: (وقيل: دبره)؛ لأنه أفحش في الركوع والسجود.
قال: (وقيل: يتخير)؛ لتعارض المعنيين.
وقيل: تستر المرأة القبل، والرجل الدبر، وسها ابن الرفعة فعكسه.
و (القبل والدبر) بضم الباء منهما، ويجوز إسكانه.
فروع: قال لأمته: إن صليت صلاة صحيحة فأنت حرة قبلها، فصلت مكشوفة الرأس، فإن كانت عاجزة عن سترها .. صحت صلاتها وعتقت، وإن كانت قادرة .. صحت ولم تعتق.
ويجوز كشف العورة لقضاء الحاجة ونحوها، وكذا الختان والمداواة- وضبطه الغزالي بمعالجة مرض يخاف منه فوات العضو وطول الضنا- والحاجة في السوأتين.

وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ،  أشد، وضابطها: أن لا يعد الكشف لها هتكًا للمروءة.
وليس للعاري أخذ الثوب من مالكه قهرًا، فلو أعير منه .. لزمه القبول، ولو وهب له .. فلا في الأصح؛ لأنه لا منة في العارية.
نعم؛ يتجه في هبة الطين والماء الكدر وجوب القبول، كالماء للتيمم.
ولو لم يجد الرجل إلا بثوب حرير .. لزمه التستر به على الأصح.
ومحل الخلاف: إذا لم يضطر إليه بحر أو برد أو حكة، فإن كان كذلك .. فالوجه: الجزم باللزوم؛ لأنه مباح له في هذه الحالة.
ولو أوصى بثوب لأولى الناس به في ذلك الموضع .. قدمت المرأة، ثم الخنثى، ثم الرجل.
والمستحب أن يصلي الرجل في ثوبين: قميص ورداء، فإن اقتصر على ستر العورة .. جاز، إلا أن المستحب أن يطرح على عاتقه شيئًا.
ويستحب أن يصلي في أحسن ما يجد.
ويكره أن يصلي الرجل متلثمًا، والمرأة متنقبة، وأن يغطي فاه إلا إذا تثاءب؛ فإن السنة حينئذ: أن يضع يده على فيه.
ويستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب، وأن تكثف جلبابها.
قال: (وطهارة الحدث) هذا هو الشرط الرابع، واستدلوا له بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) رواه مسلم [224]. وأجمعوا على ذلك، إلا ما يحكى عن الشعبي في صلاة الجنازة، وغلط من نسبه إلى الشافعي، وقد سبق بيان (الطهارة).
فلو لم يكن عند الشروع في الصلاة متطهرًا .. لم تنعقد سواء كان عمدًا أو ساهيًا اتفاقًا؛ لكنه يثاب على قصده دون فعله إذا كان ناسيًا، إلا القراءة ونحوها مما لا يتوقف على الوضوء فإنه يثاب على فعله أيضًا.

فَإِنْ سَبَقَهُ .. بَطَلَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: يَنْبِي،  فإن شرع فيها ثم أحدث، فإن كان باختياره .. بطلت صلاته بالإجماع، سواء كان عمدًا أو سهوًا، علم أنه في صلاة أم لا.
قال: (فإن سبقه .. بطلت) أي: صلاته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا فسا أحدكم في صلاته .. فلينصرف وليتوضأ، وليعد صلاته) رواه أبو داوود [207]، وحسنه الترمذي [1164]. وهذا في غير المستحاضة ونحوها، أما هي وشبهها .. فلا يضر حدثه الطارئ ولا المقارن كما بين في موضعه.
قال: (وفي القديم: يبني) أي: يتطهر ويبني- وإن كان حدثًا أكبر- لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته .. فلينصرف وليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم يتكلم) رواه ابن ماجه [1221] والدارقطني [1/ 152 - 153]. وليس المراد حالة العمد بالإجماع، فتعين أن يكون السبق مرادًا، سواء كان حدثه أكبر أم أصغر؛ لأنه غير مقصر في ذلك، وبهذا قال مالك وأحمد.
وأجاب الجمهور بأن الحديث متفق على ضعفه.
وإذا قلنا بهذا .. فشرطه قرب الفصل بين حدثه وطهارته، كما قاله الماوردي والمصنف.
وقال الإمام: لا يشترط حتى لو كان بينهما فرسخ .. لا يضر.
ولا يلزمه العدو على خلاف مشيه المعتاد بل يقتصد، لكن يلزمه أن يقصد أقرب الطرق، فلو كان للمسجد بابان فسلك الأبعد .. بطلت صلاته.
وله استقاء الماء من البئر، وليس له بعد طهارته أن يعود إلى المكان الذي كان فيه إلا أن يكون إمامًا لم يستخلف، أو مأمومًا ليحوز فضيلة الجماعة، كذا جزمًا به في (الشرح) و (الروضة).
والصواب- كما جزم به في (الحقيق) -: أن الجماعة عذر مطلقًا.
ويشترط أن لا يتكلم إلا أن يحتاج إليه في تحصيل الماء.
فلو أخرج تمام الحدث الأول متعمدًا .. لم يمتنع البناء على المنصوص في القديم، وقال إمام الحرمين والغزالي: يمتنع.

وَيَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مُنَاقِضٍ عَرَضَ بِلاَ تَقْصِيرٍ، وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ أَمْكَنَ بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ فَسَتَرَ فِي الْحَالِ .. لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قَصَّرَ بِإَنْ فَرَغَتْ مُدَّةُ خُفٍّ فِيهَا .. بَطَلَتْ  ولو أحدث حدثًا آخر .. ففي منع البناء وجهان.
قال: (ويجريان في كل مناقض عرض بلا تقصير، وتعذر دفعه في الحال) كما لو تنجس بدنه أو ثوبه واحتاج إلى غسله، أو أبعدت الريح ثوبه أو أخذه آخذ، أو أكره على الحدث، أو تقطع الخف في الصلاة على الأصح.
قال: (فإن أمكن) أي: الدفع في الحال (بأن كشفته ريح فستر في الحال .. لم تبطل) بالاتفاق؛ لانتفاء المحذور.
وكذا لو وقع على ثوبه نجاسة رطبة فألقى الثوب في الحال، أو يابسة فنفض ثوبه في الحال.
قال: (وإن قصر بأن فرغت مدة) مسح (خف فيها .. بطلت) جزمًا من غير تخريج على القولين؛ لأنه بإيقاع الصلاة في الوقت الذي تنقضي مدة المسح في أثنائه يشبه المختار للحدث.
قال الشيخ والأصحاب: أطلقوا هذا الحكم وله صورتان: إحداهما: أن لا يكون عالمًا حين الدخول في الصلاة بالحال.
والثانية: أن يكون عالمًا بأن المدة تنقضي في أثنائها.
وما ذكروه في الصورة الأولى لا إشكال فيه، وأما في الثانية فيشبه .. أن يقال: إن الصلاة لا تنعقد؛ لأن انعقادها- مع القطع بأن البطلان يعرض لها- بعيد، وليس كما تقدم فيما لو كانت عورته تنكشف في الركوع حيث يحكم بالانعقاد على الصحيح؛ لأن هناك لا يقطع بالبطلان بل الصحة ممكنة بأن يسترها عند الركوع بشيء، وأما هنا .. فكيف تنعقد صلاته مع القطع بعد استمرار صحتها؟ وكيف تتحقق نيتها؟ والرافعي ذكر المسألة على إطلاقها ثم قال: وقضية هذا أن يقال: لو شرع في الصلاة على مدافعة الأخبثين وهو يعلم أنه لا تبقى له قوة التماسك في أثنائها، ووقع ما علمه .. تبطل صلاته لا محالة ولا يخرج على القولين، وتبعه المصنف فجزم بالمسألة في (الروضة) و (شرح المهذب) فقال: لا يجوز البناء قولاً واحدًا.

وَطَهَارَةُ النَّجِسِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ،  والذي ينبغي أن يقال: إن الدخول في الصلاة مع مدافعة الأخبثين له صورتان- كما ذكرناه في ماسح الخف- فإن كان يقطع بأنه لا يتماسك .. يتجه أنها لا تنعقد، وإن كانت مترددًا .. انعقدت، ثم إذا عرض الحدث .. جزم بالبطلان لتقصيره.
قال: (وطهارة النجس في الثوب والبدن والمكان) هذا هو الشرط الخامس.
فأما وجوبها في الثوب .. فلقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾.
وأما في البدن .. فلقوله صلى الله عليه وسلم: (تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه).
وفي موضع الصلاة .. لنهيه عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في المقبرة والمجزرة ونحوهما، ولا علة إلا النجاسة، ولعموم قوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾.
وأما الشرطية .. فلأنه يثبت الأمر باجتنابها ولا يجب ذلك في غير الصلاة، فتعين أن يكون الأمر بها، (والأمر بالشيء نهي عن ضده)، و (النهي في العبادات يقتضي الفساد)، فإن وقعت عليه نجاسة يابسة فنحاها في الحال، بأن نفض ثوبه فسقطت .. لم تبطل.
ثم لا يخفى أن داخل الفم هنا كظاهر البدن، فلو أكل نجسًا .. لم تصح صلاته ما لم يغسله.
وفي وجوب إيصال الماء إليه في غسل الجنابة خلاف، إن لم نوجبه .. فهو كالباطن، والفرق بين البابين غامض.
فرع: لو رأينا في ثوب من يريد الصلاة نجاسة لم يعلم بها .. لزمنا إعلامه بها؛ لأن الأمر

وَلَوِ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ .. اجْتَهَدَ، وَلَوْ نَجَسَ بَعْضُ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ وَجُهِلَ .. وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ،  بالمعروف لا يتوقف على العصيان- قاله الشيخ عز الدين، وبه أفتى الحناطي- كما لو رأينا صبيًا يزني بصبية .. فإنه يجب علينا المنع وإن لم يكن عصيانًا.
قال: (ولو اشتبه طاهر ونجس .. اجتهد) كالأواني، وكذا لو أمكنه طاهر بيقين على الأصح، فلو تحير وأمكن غسل واحد .. لزمه على الصحيح.
ولو ظن طهارة أحد الثوبين وصلى فيه، ثم تغير اجتهاده .. عمل بالاجتهاد الثاني على الأصح كالقبلة، ولا تجب إعادة الاجتهاد على الأصح، كذا في (شرح المهذب) و (التحقيق)، ولم تذكر المسألة في غيرهما، والرافعي لم يذكرها في كتبه.
ووقع في (الكفاية): أن الرافعي والمصنف صححا وجوب إعادة الاجتهاد، وهو معدود من أوهامه.
والمصنف أطلق وجوب الاجتهاد، وحكمه الجواز عند القدرة على طاهر متيقن، والوجوب عند فقده وضيق الوقت.
ولو تلف أحدهما قبل الاجتهاد .. لم يجتهد في الباقي على الأصح عند المصنف.
وقياس تصحيح الرافعي: أنه يجتهد.
ولفظه عام في الثوب والبدن والمكان، وهو أحسن من تعبير (المحرر) بقوله: ولو اشتبه ثوب طاهر بثوب نجس .. اجتهد.
قال: (ولو نجس بعض ثوب أو بدن وجهل .. وجب غسل كله).
صورة هذه المسالة: أن تجوز النجاسة في كل جزء منه، فيجب غسل الجميع؛ لأن الأصل بقاء النجاسة ما بقي جزء بغير غسل.
وشذ ابن سريج فقال: إذا غسل بعضه .. كفاه؛ لأنه يشك بعد ذلك في نجاسته والأصل طهارته.
فلو شق هذا الثوب نصفين .. لم يجز التحري فيهما، ولو أصاب بيده المبلولة بعض هذا الثوب .. لم تنجس يده، ولو أصاب شيء رطب طرفًا منه .. لم ينجس الرطب؛ لأنه لم يتيقن نجاسة موضع الإصابة.

فَلَوْ ظَنَّ طَرَفًا .. لَمْ يَكْفِ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ غَسَلَ نِصْفَ نَجِسٍ ثُمَّ بَاقِيهُ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ غَسَلَ مَعَ بَاقِيهِ مُجَاوِرَةُ .. طَهُرَ كُلُّهُ، وَإِلاَّ .. فَغَيْرُ الْمُنْتَصَفِ.

 وقوله (نجس) يجوز فيه فتح جيمه وكسرها.
قال: (فلو ظن طرفًا .. لم يكف غسله على الصحيح).
صورته: أن تقع النجاسة في أحد موضعين متميزين من الثوب كأحد كمية ويشكل عليه، فيؤدي اجتهاده إلى نجاسة أحد الكمين فغسله وصلى فيه .. ففي صحة صلاته وجهان: أصحهما عند معظم الأصحاب: لا يكفي ذلك، ولا تصح الصلاة؛ لأن الثوب واحد قد تيقن نجاسته ولم يتيقن الطهارة فيستصحب اليقين، وصار كما لو خفي عليه موضع النجاسة ولم ينحصر في بعضه المواضع.
والوجه الثاني- وهو قول ابن سريج-: يجتهد وتصح الصلاة لحصول غلبة الظن بالطهارة؛ لأنهما عينان متميزتان فهما كالثوبين.
فلو فصل أحد الكمين من الثوب واجتهد فيهما .. فهما كالثوبين، إن غسل ما ظنه نجسًا وصلى فيه .. جاز.
وإن صلى فيما ظنه طاهرًا .. جاز أيضًا؛ لأنه لم يتيقن نجاسته أصلاً، فاجتهاده متأيد باستصحاب أصل الطهارة، بخلاف ما قبل الفصل.
ويجري الوجهان فيما إذا نجس إحدى يديه أو إحدى أصابعه، وغسل النجس عنده وصلى.
قال: (ولو غسل نصف نجس ثم باقيه .. فالأصح: أنه إن غسل مع باقيه مجاوره .. طهر كله، وإلا .. فغير المنتصف) بفتح الصاد؛ لأنه رطب ملاق لنجس.
والثاني- وصححه في (شرح المهذب) دون باقي كتبه-: أنه لا يطهر مطلقًا حتى يغسل الجميع دفعة واحدة؛ لأن الرطوبة تسري.
وهذا ينبني على أن الثوب الرطب إذا وقعت عليه نجاسة هل ينجس جميعه، أو موضع الإصابة فقط؟ على وجهين.
وفي مسألة الكتاب وجهان آخران في (الكفاية): أحدهما: أن يطهر مطلقًا.

وَلاَ تَصِحُّ صَلاَةُ مُلاَقٍ بَعْضُ لِبَاسِهِ نَجَاسَةً وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، وَلاَ قَابِضٍ طَرَفَ شَيْءٍ عَلَى نَجِسٍ إِنْ تَحَرَّكَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ فِي الأَصَحِّ،  والثاني: إن علق الثوب وصب الماء من أعلاه إلى النصف، ثم صب على النصف الثاني .. طهر؛ لأن الماء لا يتراد إلى الأعلى.
وإن لم يكن كذلك .. لم يطهر.
وإذا خفى موضع النجاسة من أرض، فإن كانت واسعة كالصحراء .. صلى حيث شاء منها بلا اجتهاد، وإن كانت ضيقة أو كان بيتًا .. فأوجه: أصحها: يجب غسل كله كالثوب.
والثاني: يصلي فيه حيث شاء.
والثالث: يجتهد ويصلي فيما ظن طهارته.
قال: (ولا تصح صلاة ملاق بعض لباسه نجاسة) سواء كان ذلك في قيامه أو قعوده، أو ركوعه أو سجوده؛ لما سبق.
ويؤخذ من اشتراط ذلك في الثوب اشتراطه في البدن من باب أولى.
قال: (وإن لم يتحرك بحركته)؛ لأنه منسوب إليه كذؤابة العمامة الطويلة؛ لأن الشرط أن لا يكون ثوبه المنسوب إليه نجسًا ولا ملاقيًا للنجاسة، بخلاف السجود على ما لا يتحرك بحركته؛ فإن المعتبر فيه أن يسجد على قرار وهو حاصل فيما لا يتحرك بحركته.
قال الشيخ: هكذا ذكره الأصحاب واتفقوا عليه، وجعلوا حمله لما يلاقي النجاسة مبطلًا، وهو يحتاج إلى دليل.
قال: (ولا قابض طرف شيء على نجس إن تحرك) بحركته؛ لأنه حامل للشيء النجس، كمن قبض طرف حبل أو ثوب، أو شده في رجله أو يده أو وسطه، وطرفه الآخر نجس أو متصل بنجاسة.
قال: (وكذا إن لم يتحرك في الأصح) كالعمامة.
والثاني: يصح؛ لأن الطرف الملاقي للنجاسة ليس محمولًا له.

فَلَوْ جَعَلَهُ تَحْتَ رِجْلِهِ .. صَحَّتْ مُطْلَقًا، وَلاَ يَضُرُّ نَجِسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّحِيحِ  قال في (الشرح الصغير): وهذا أوجه الوجهين.
والثالث: إن كان الطرف الآخر نجسًا، أو متصلاً بعين النجاسة كما لو كان في عنق كلب .. لم يصح.
وإن كان متصلًا بطاهر، وذلك الطاهر متصل بالنجاسة، كما لو كان مشدودًا في ساجور أو خرقة وهما في عنق كلب، أو عنق دابة تحمل نجاسة .. فلا بأس.
والأوجه جارية سواء تحرك بحركته أم لا على الأصح، هذه طريقة الإمام.
وقال أكثر الأصحاب: إن كان كلبًا صغيرًا أو ميتًا .. بطلت قطعًا، أو كبيرًا حيًا .. فكذا في الأصح.
ولو كان الحبل مشدودًا بباب دار فيها نجاسة .. لم تبطل بلا خلاف.
قال: (فلو جعله تحت رجله .. صحت مطلقًا) سواء تحرك بحركته أم لا، كالمصلي على بساط طرفه الآخر نجس؛ لأنه ليس بحامل للنجس ولا المتصل به.
قال: (ولا يضر نجس يحاذي صدره في الركوع والسجود على الصحيح)؛ لعدم الحمل والملاقاة.
والثاني: يضر؛ لأن القدر الذي يوازيه منسوب إليه لكونه مكان صلاته.
وقوله: (صدره) مثال، والمراد: شيء من بدنه كبطنه وغير ذلك.
ومن صور ذلك: أن يصلي على ثوب مهلهل النسج مبسوط على نجاسة، فإن حصلت له مماسة النجاسة من الفرج .. بطلت صلاته، وإن لم تحصل وحصلت الماحاذاة .. فعلى الوجهين، الأصح: لا تبطل.
ولو صلى على سرير قوائمه على نجاسة .. صحت صلاته وإن تحرك بحركته.
ولو نجس طرف ثوبه ولم يجد ماء يغسله به، فإن كان أرش قطعه كأجرة مثل السترة .. لزمه قطعه، وإن كان أكثر .. فلا.

وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجِسٍ لِفَقْدِ الطَّاهِرِ .. فَمَعْذُورٌ، وَإِلاَّ .. وَجَبَ نَزْعُهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا ظَاهِرًا- قِيلَ: وَإِنْ خَافَ-  قال: (ولو وصل عظمه) أي: عند احتياجه إليه لكسر ونحوه (بنجس لفقد الطاهر .. فمعذور)؛ للضرورة، فلا يعطي ولا يلزمه نزعه.
قال الشيخ: هكذا أطلقه الرافعي والمصنف، وهو محمول على ما إذا كان يخاف من نزعه.
أما عند عدم الخوف .. فالمفهوم من إطلاق غيرهما- كصاحب (التنبيه) وغيره- وجوب النزع، وبه جزم الإمام والمتولي وابن الرفعة.
وإطلاقه: (فقد الطاهر) يفهم جواز الوصل بعظم الآدمي، وليس بمراد؛ لأن العظم المحترم يحرم الوصل به مطلقًا، أما عظم الحربي والمرتد فمقتضى إطلاقهم أيضًا .. أنه لا يجوز.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يحتج إلى الوصل، أو احتاج ولكن وجد طاهرًا يقوم مقامه (.. وجب نزعه) سواء اكتسى اللحم أم لا.
قال: (إن لم يخف ضررًا ظاهرًا) كهلاك أو تلف عضو من أعضائه، أو شيء من المحذورات المذكورة في التيمم؛ لأنها نجاسة غير معفو عنها أوصلها إلى موضع يلحقه حكم التطهير لا يخاف التلف من إزالتها، فأشبه ما إذا وصلت المرأة شعرها بشعر نجس.
فإن لم يفعل .. أجبره السلطان عليه.
فإن امتنع .. لزم السلطان قلعه؛ لأنه تدخله النيابة كرد المغصوب.
ولا تصح صلاة معه سواء اكتسى اللحم أم لا، وقيل: إن اكتسى اللحم .. لم ينزع.
قال: (قيل: وإن خاف) أي: الهلاك أو تلف منفعة العضو؛ لأنه حصل بفعله وعدوانه، كما لو غصب مالًا ولم يمكن انتزاعه منه إلا بضرب يخاف منه التلف.
والصحيح: أنه لا يجب؛ لأن النجاسة يسقط حكمها عند خوف التلف، كما يحل أكل الميتة.

فَإِنْ مَاتَ .. لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ  قال: (فإن مات) أي: بعد وجوب النزع .. (.. لم ينزع على الصحيح)؛ لأن النزع لأجل الصلاة وقد سقط التكليف بالموت، ولما فيه من المثلة وهتك الحرمة.
وقال ابن سريج: ينزع؛ حتى لا يلقى الله عز وجل حاملًا للنجاسة.
وعلى هذا الوجه .. الأصح: أن النزع مستحب، وقيل: واجب.
وأما على المذهب .. فالتعليل الأول يقتضي: عدم الوجوب، والثاني يقتضي التحريم.
فروع: لو داوى جرحه بدواء نجس، أو خاطه بخيط نجس، أو شق موضعًا من بدنه وجعل فيه دمًا .. فحكمه حكم الوصل بالعظم النجس، وكذا الوشم على الأصح.
وعن (تعليق الفراء): أنه يزال الوشم بالعلاج، فإن لم يمكن إلا بالجرح .. لم يجرح ولا إثم عليه بعد التوبة.
و (الوشم): أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بالعظلم- وهو النيل- فيزرق أثره أو يخضر، وتصحف العظلم على المصنف فعبر في (الروضة) بالعظام.
ووصل المرأة شعرها بشعر نجس، أو شعر آدمي حرام قطعًا؛ لأنه يحرم الانتفاع به لكرامته، بل يدفن شعره وغيره.
وسواء في هذين المزوجة وغيرها.
وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي، فإن لم تكن ذات زوج ولا سيد .. حرم الوصل به على الصحيح، وإن كانت ذات زوج أو سيد .. فثلاثة أوجه: أصحها: إن وصلت بإذنه .. جاز، وإلا .. حرم.
والثاني: يحرم مطلقًا.
والثالث: لا يحرم ولا يكره مطلقًا.
وأما تحمير الوجه، والخضاب بالسواد، وتطريف الأصابع به .. فحرام على الخلية، وعلى غيرها بغير إذن أما بالحناء وحده .. فجائز.

فصول الكتاب · 72 فصل · 632 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول النجم الوهاج في شرح المنهاج · 632 صفحة
المقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب إحياء الموات
كتاب الوقف
كتاب الهبة
كتاب اللقطة
كتاب اللقيطكتاب الجعالة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ
كتاب قسم الصدقات
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القسم والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الاستبراءكتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب الديات
كتاب دعوى الدم والقسامةكتاب البغاةكتاب الردةكتاب الزناكتاب حد القذف
كتاب قطع السرقة
كتاب الأشربةكتاب الصيال وضمان الولاة
كتاب السير
كتاب الجزية
كتاب الهدنة
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضحية
كتاب الأطعمة
كتاب المسابقة والمناضلة
كتاب الأيمان
كتاب النذر
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتاب الكتابة
كتاب أمهات الأولاد
جارٍ التحميل