مفردها (سيرة)، وهي: السنة والطريقة.
ومقصود الباب: الكلام في الجهاد وأحكامه التي أخذت من سيرة النببي صلى الله عليه وسلم في غزواته، وترجمه في (التنبيه) ب (قتال المشركين)، وغيره ب (الجهاد) والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وفي (الصحيحين) [خ 25 - م20]: أ، النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله).
وجعله ابن سراقة وصاحب (المرشد) أفضل الأعمال بعد الإيمان؛ لما روي مسلم [83] عن سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: (الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله).
وفي (البخاري) [2792]: (غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها).
وفي (المستدرك) [2/ 68]: (يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه)، و (مقام رجل في الصف أفضل عند الله من عبادة ستين سنة) [2/ 68].
كَانَ الْجِهَادْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فَرْضْ كِفَايَة،
قال الإمام: وهذا الباب مع قسم الغنائم تتداخل فصولهما، فما نقص من أحدهما .. يطلب من الآخر.
قال: (كان الجهاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض كفاية)، أما كونه فرضًا .. فبالإجماع وأما كونه على الكفاية .. فلقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ففاضل سبحانه بين المجاهدين والقاعدين ووعد كلًا الحسنى، والعاصي لا يوعد بها.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو .. مات على شعبة من نفاق (- قال عبد الله بن المبارك: كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - رواه مسلم [1910] والحاكم [2/ 79] وقال: لم يخرجاه، فاستدرك عليه.
والمراد: أنه فرض كفاية بعد الهجرة، أما قبلها .. فكان القتال محظورًا بلا خلاف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما بعث أمر بالتبليغ والإنذار بلا قتال، وأمروا
وَقِيلَ: عَيْنٍ،
بالصبر على أذى المشركين، قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، ثم بعد الهجرة أذن الله تعالى لهم في القتال إذا ابتدأهم المشركون به، فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.
ثم أباح البداءة به في غير الأشهر الحرم بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الآية.
ثم في السنة الثامنة بعد الفتح أمر به من غير تقييد بشرط ولا زمان، فقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، فأمر بقتال جميع الكفار، وهذه أية السيف، وقيل: الآية التي قبلها، وقيل: هما وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، فالآيات الثلاث نسخت كل موادعة في القرآن، وهي مئة وأربع عشرة آية.
وسميت آية السيف؛ لآن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث خالد بن الوليد يوم الفتح .. قال: (احصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصفا)، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم لخالد: (أنت سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين.
قال: (وقيل: عين)؛ بقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وعلى هذا: من تخلف كان يحرس المدينة، وهو نوع جهاد.
وأجاب الأول بأن الوعيد لمن عينه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لتعين الإجابة، أو عند قلة المسلمين وكثرة المشركين.
وصحح الماوردي: أنه كان فرض عين على المهاجرين، وكفاية على غيرهم.
وقال السهيلي: كان فرض عين على الأنصار دون غيرهم؛ لأنهم بايعوا عليه، قال شاعرهم [من الرجز]:
نحن الذين بايعوا محمدا .... على الجهاد ما بقينا أبدا
وقال الشيخ: كان فرض عين في الغزوات التي خرج فيها النبي صلى الله عيه وسلم بنفسه، وفي غيرها فرض كفاية.
وَأَمَّا بَعْدَهُ .. فَلِلْكُفَّارِ حَالاَنِ: أَحَدَهُمَا: يَكُونُونَ بِبِلاَدِهِمْ؛ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ, إِذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ .. سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ
وضابط فرض الكفاية: كل مهم ديني طلب الشارع حصوله من غير تعيين من يتولاه, سمي بذلك؛ لأن فعل البعض يكفي فيه, بخلاف فرض العين؛ فإنه لا بد فيه من فعل كل عين, أي: ذات, ولأجل ما في القيام بفرض الكفاية من إسقاط الحرج عن غيره كان القائم به له مزية على القائم بفرض العين, كذا نقله المصنف عن الإمام, ونقله ابن الصلاح عن (المحيط) للشيخ أبي محمد, ونقلة الشيخ أبو علي في (شرح التلخيص) عن المحققين وأرتضاه.
قال: (وأما بعده .. فللكفار حالان: أحدهما: يكونون ببلادهم) أي: مستقرين فيها غير قاصدين شيئًا من بلاد المسلمين.
قال: (ففرض كفاية)؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ , وادعى القاضي عبد الوهاب فيه الإجماع, ولأنه لو فرض على الأعيان .. لتعطلت المعايش والهذارع وخربت البلاد.
قال: (إذا فعله من فيه كفاية .. سقط الحرج عن الباقين) كسائر فروض الكفايات.
وتعبيره بـ) السقوط) ظاهر في أن فرض الكفاية يتعلق بالجميع, وهو الصحيح عند الأصوليين, وقيل: بان بالآخرة أنه لم يتناول سوى من فعل.
وتحصل الكفاية بأمرين:
أحدهما: أن يشحن الإمام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من العدو.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: أن يدخل دار الكفر غازيًا أو يبعث من يصلح له, فإن تركه الجميع أثموا, وهل يعمهم أو يختص بالمندوب؟ له وجهان: والأصح في زوائد (الروضة) أنه يأثم من لا عذر له من الأعذار الآتية.
وأقله مرة في كل سنة؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال مجاهد: نزلت في الجهاد.
ولأنه فرض يتكرر, وأقل ما وجب المتكرر في كل سنة كالصوم والزكاة, وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يفعله منذ أمر به, فكانت غزوة بدر في الثانية, وأحد في الثالثة, وذات الرقاع في الرابعة, والخندق في الخامسة, والمريسيع في السادسة, وفتح خيبر في السابعة, ومكة في الثامنة, وتبوك في التاسعة.
وأيضًا الجزية شرعت لدفع القتال وإنما تؤخذ مرة واحدة في السنة, وكذلك سهم الغزاة, فلا يجوز إخلاء السنة عن مرة واحدة إلا لضرورة, فإن كان بالمسلمين ضعف وحاجة؛ بأن عز الزاد أو العلف في الطريق .. فإنه يؤخر لزوالها.
واختار الإمام مذهب الأصوليين؛ فإنهم لم يروا التخصيص بالسنة, بل أوجبوا بحسب الإمكان؛ لأنه دعوة قهرية, وحمل مقالة الفقهاء على العادة الغالبة في الاستعداد, فإن الأموال والعدد لا يتأتى تجهيزها للجند في السنة أكثر من مرة, وفية نظر, ثم الإمام بالخيار بين أن يخرج بنفسه غازيًا, أو يخرج جماعة ويؤمر عليهم أميرًا
وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ: الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ
ولا يجعلهم فوضى, أو يرتب في كل ناحية أميرًا كافيًا يقلده الجهاد وأمر المسلمين, وسيأتي ما يعتبر في الأمير.
هذا كله في الغزو, فأما حراسة حصون المسلمين .. فمتعينة على الفور وتجب إدامتها بلا فتور؛ وذلك بعمارة الثغور وإعداد الكراع والأسلحة وحفر الخنادق وترتيب الرجال.
والأولى: أن يبدأ بقتال من يلي دار الإسلام, إلا أن يكثر الخوف من الأباعد, فيبدأ بهم بعد أن يأمن شر الأقربين بمهادنة وجعل طائفة بإزائهم يردونهم إن عدوا.
ثم لما جرت عادة الأصحاب بذكر جمل من فروض الكفايات ههنا .. تبعهم المصنف في ذلك, وقد ذكر جملًا منها متفرقة في أبواب كـ) غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه) و) التقاط المنبوذ).
قال: (ومن فروض الكفاية: القيام بإقامة الحجج) أي: العلمية, وهي البراهين القاطعة على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه, وإثبات النبوات وصدق الرسل, وما ورد به الشرع من المعاد والحساب والميزان وغير ذلك.
وَحَلِّ الْمُشْكِلاَتِ فِي الدِّينِ, وَبِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ, وَالْفُرُوعِ بِحَيْثُ يصْلُحُ لِلْقَضَاءِ,
قال: (وحل المشكلات في الدين) , فيجب ألا تخلو خطة من خطط الإسلام عن ذلك, والمراد بالخطة: مسافة القصر.
كما تجب الدعوة القهرية بالسيف, كذا قالوه هنا.
ونقل الغزالي عن الشافعي ومالك وسفيان وأحمد وجميع أهل الحديث: أن الاشتغال بعلم الكلام- أي: بقواعده, كما قاله في (الشرح الصغير) - بدعة محرمة.
قال الشافعي: لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام.
وأن غيرهم قال: إنه واجب, إما عينًا أو كفاية, وهو أفضل الأعمال, قال الغزالي: والحق: أنه لا يطلق القول بذمه ولا بحمده؛ ففيه منفعة ومضرة, باعتبار منفعته وقت الانتفاع .. حلال أو مندوب أو واجب, وباعتبار مضرته وقت الإضرار .. حرام.
وينبغي أن يكون العالم كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر, لا يضعه إلا في موضعه على قدر الحاجة, فيتعلمه ليدفع به مبتدعًا لا يندفع بغيره, فيستعمله عند الحاجة ويسلك به طريق الحجج الواردة في القرآن.
قال: (وبعلوم الشرع) أي: من فروض الكفاية القيام بعلوم الشرع (كتفسير وحديث) أي: وفقه , وكذا مقدمات هذه العلوم, كأصول الفقه والنحو والتصريف واللغة وأسماء الرواة والجرح والتعديل واختلاف العلماء ووفاقهم.
قال: (والفروع بحيث يصلح للقضاء)؛ لأن الحاجة إلى ذلك شديدة, وسيأتي في (القضاء) صفات من يصلح له, ويدل لذلك قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} الآية, فدل على أن التفقه في الدين فرض كفاية لا عين.
وقال صلى الله عليه وسلم: (التفقه في الدين حق على كل مسلم) رواه أبو نعيم في (تاريخ أصبهان).
قال الحافظ المزي: وله طرق يبلغ بها رتبة الحسن.
وفي (طبقات العبادي) عن الربيع عن الشافعي أنه قال: إذا ترك أهل بلد طلب العلم .. رأيت للإمام أن يجبرهم عليه.
ونقل ابن الصلاح عن محمد بن الفضل الفراوي: أن البلد إذا خلا عن المفتي .. لا تحل الإقامة به.
روى البيهقي في (شعبه) [7518] عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا ثوبان؛ لا تسكن الكفور؛ فإن ساكن الكفور كساكن القبور).
وفي (كامل ابن عدي) [3/ 360] في (ترجمة سعيد بن سنان أبي مهدي الحمصي).
وفية وفي (الميزان) [2/ 136] في) ترجمة إسماعيل بن عباد السعدي) عن قتادة عن أنس مرفوعًا: (إياكم والسكنى في السواد؛ فإنه من سكن السواد .. يصدأ قلبه كما يصدأ الحديد).
والمراد بـ) الفروع) التبحر فيها, وإلا .. فتعلم ما لا بد منه فرض عين.
وعد العبادى من فروض الكفاية حفظ القرآن, وعد منها القاضي حسين والروياني نقل السنن, فإذا نقلها من فيه كفاية .. سقط الفرض عن الباقين.
فرع:
وقعت للعامي مسألة فاستفتى اثنين فاختلفا عليه؟ قيل: يأخذ بالحظر, وقيل: بالإباحة.
وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ,
والثالث: بقول من بني قوله على الأثر دون الرأي.
والرابع: بقول من سأله أولًا.
والخامس: يسأل ثالثًا فيأخذ بفتوى من وافقه.
والسادس: الأصح: يتخير؛ إن شاء أخذ بقول هذا أو هذا.
قال الماوردي: إنما يتوجه فرض الكفاية في العلم على من جمع أربعة شروط:
أن يكون مكلفًا.
وممن يتقلد القضاء لا عبدًا وامرأة.
وأن لا يكون بليدًا.
وأن يقدر على الانقطاع إليه؛ بأن يكون له كفاية.
ويدخل الفاسق في الفرض ولا يسقط به, لأنه لا تقبل فتواه.
ومن فروض الكفاية: علم الطب المحتاج إليه في علاج الأبدان, والحساب المحتاج اليه في المعاملات وقسم التركات والوصايا وتعليم الطالبين وإفتاء المستفتين, وتعليم ما يحتاج المكلف إليه في المعاملات من الأمور العامة دون الفروع النادرة.
فرع:
أفتى قاضي القضاة تقي الدين بن رزين في متصدر لإقراء بعض العلوم قال في كتاب (النهاية) لإمام الحرمين: هذا ما يساوي شيئًا: أنه يعزر تعزيرًا بليغًا بالحبس والشهرة, ولا يجوز لولي الأمر أن يستمر به متصدرًا, ولا تمكَّن الناس من القراءة عليه, وإن كان أشار إلى أن النسخة غلط .. فإنه يعزر تعزيرًا أخف من ذلك, ويستتاب من العود إلى إطلاق مثل هذا اللفظ في مثل هذا الكتاب, فإن لم يتب .. منع من التصدر, ومنع الناس من الاقتداء به.
قال: (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بالإجماع, وفي (سنن أبي داوود) [4338] و (الترمذي) [2168] بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه .. أوشك أن يعمهم الله بعقابه).
والمراد: الأمر بواجبات الشرع, والنهي عن محرماته.
ونقل الإمام في الأصول عن كثير من العلماء ومعظم الفقهاء: أن الأمر بالمعروف في المستحب مستحب, وفي الواجب واجب.
وعن القاضي أبي بكر أنه قال: عندي أنه واجب, ولا يسقط عن المكلف بظن أن قوله لا يفيد أو يعلم ذلك بالعادة, بل يجب عليه الأمر والنهي, ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ , وليس الواجب عليه أن يقبل منه, بل واجبه أن يقول كما قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
قال في (المهمات) عدم السقوط في هذه الحالة باطل لا نعرف أحدًا قال به, بل نقل إمام الحرمين في (الشامل) الإجماع على عدم الوجوب, وأيده بقول الفقهاء: إن الأب والزوج ومن يباح له التأديب بالضرب إنما يضرب إذا نفع.
وحكي الغزالي في حالة تعارض الاحتمالين وجهين, وصحح الوجوب.
ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أن يخاف منه على نفسه أو ماله, أو يخاف على غيره مفسدة أعظم من مفسدة المنكر الواقع, وكذلك إذا غلب على ظنه أن المرتكب يزيد فيما هو فيه عنادًا, فلو نصب لذلك واحد .. تعين عليه, وهو المحتسب.
ولا يختص بالولاة, بل يجب على المسلم المكلف القادر, سواء كان رجلًا أو امرأة, عبدًا أو حرًا, بل في (الروضة) في (كتاب الغصب) أن للصبي ذلك ويثاب عليه, إلا أنه لا يجب عليه, وهل يسقط الحرج؟ يشبه أن يأتي فيه ما في رد السلام.
ولا يشترط في الآمر العدالة, بل قال الإمام: على متعاطي الكأس أن ينكر على الجلاس.
وقال الغزالي: يجب على من غصب امرأة على الزنا أن يأمرها بستر وجهها عنه وإن كان الزنا أفحش, وعلى من ارتكب معصية أن ينهى نفسه وينهى غيره.
وَإِحْيَاءُ الكَعْبَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ,
ولو كان الأمر بالمعروف لا يتم إلا بالرفع إلى السلطان .. لم يجب؛ لما فيه من هتك الستر وتغريم المال, قاله ابن القشيري.
وإنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه, ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع على إنكاره, أما المختلف فيه .. فلا؛ لأن كل مجتهد مصيب, أو المصيب واحد ولا نعلمه ولا إثم على المخطئ.
هذا إذا كان الفاعل لا يرى تحريمه, فإن كان ممن يراه .. فالأصح: أنه كالمجمع عليه, وتصحيحهم لعدم الإنكار في المختلف فيه تشكل عليه مسألة الحنفي إذا شرب النبيذ؛ فإن الإنكار عليه بالحد بالفعل أبلغ من الإنكار بالقول.
وأشكل من ذلك قول المصنف: أن من رأى مكشوف الفخذ في الحمام أنكر عليه, اللهم إلا أن يريد بذلك العورة المتفق عليها وهي السوءتان, وكذلك أفتى الشيخ عز الدين بأن للشافعي أن ينكر على الشافعي كشف الفخذ في الحمام وإن كان لا ينكر على المالكي.
وصفة النهي عن المنكر: أن يغير باليد, فإن لم يستطع .. فبلسانه, فإن لم يستطع .. فبقلبه, كما ورد في الخبر.
وينبغي الرفق بالجاهل والظالم الذي يخاف شره؛ لأنه أدعى لقبوله.
وليس للآمر ولا للناهي البحث ولا التنقيب والتحسيس، ولا اقتحام الدور بالظنون، بل إن رأى شيئًا .. غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا ظننت .. فلا تتحقق.
وفي (شعب الإيمان) [7603] عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أمر بمعروف .. فليكن أمره بمعروف).
قال: (وإحياء الكعبة في كل سنة بالزيارة) لأنه من شعائر الإسلام.
وروى ابن الحاج في (منسكه) عن ابن عباس أنه قال: (لو ترك الناس زيارة هذا البيت عامًا واحدًا .. ماتوا طرًا).
وَدَفْعُ ضَرَرِ المُسْلِمِينَ كَكِسْوَةِ عَارٍ وَإِطْعَامِ جَائِعٍ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ وَبَيْتِ مَالٍ,
والتعبير بـ (الزيارة) يقتضي: أن الحج لا يتعين في إسقاط فرض الكفاية, بل العمرة أو الصلاة أو الاعتكاف في مسجدها كذلك, وبه صرح الرافعي بحثًا, فإن التعظيم وإحياء الكعبة يحصل بجميع ذلك, وخالفه المصنف فقال: لا يحصل مقصود الحج بما ذكره؛ فإنه يشتمل على الوقوف والرمي والمبيت بمزدلفة وبمنى وإحياء تلك البقاع بالطاعات وغير ذلك, ونوزع المصنف في ذلك.
ولا يشترط في القائمين بهذا الغرض قدر مخصوص, بل الفرض أن يحجها كل سنة بعض المكلفين, قاله في (شرح المهذب) قبيل الكلام على تحريم صيد المدينة, والمتجه: اعتباره من عدد يظهر بهم الشعار.
قال: (ودفع ضرر المسلمين) على أهل المكنة؛ صيانة للنفوس.
وتعليقة الحكم بـ) الضرر) يفهم: أنه لا يجب دفع الحاجة, وفي ذلك خلاف للأصوليين, وحكاه الرافعي وجهين, ومقتضى كلامه في (باب الأطعمة) ترجيح الاكتفاء بما يسد الرمق والضرورة.
قال: (ككسرة عار وإطعام جائع) , وكذلك إغاثة المستغيث في النائبات, فكل ذلك فرض كفاية في حق أصحاب الثروة والقدرة.
قال: (إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال) , ففي (صحيح البخاري) [5373]: (أطعموا الجائع, وفكوا العاني) وما ذكره من (بيت المال) محله إذا أمكن الوصول إليه, فإن لم يكن فيه شيء أو كان وتعذر .. فكالعدم.
وتخصيص ذلك بالمسلمين يقتضي: أن أهل الذمة والمستأمنين لا يجب دفع ضررهم بل يندب؛ لأنا إنما التزمنا لهم دفع الأذى, وليس كذلك, بل الصواب الوجوب أيضًا كما صرح به الرافعي في الكلام على الصلاة على الميت, وجزم في (باب الأطعمة) في الكلام على إطعام المضطر بوجوب إطعامه, ذميًا كان أو مستأمنًا.
وظاهر عبارته: أن المراد: ستر ما يحتاج إليه البدن, وهو كذلك بلا شك, فيختلف الحال بين الشتاء والصيف.
وأما تعبير (الروضة) بستر العورة .. فمعترض, لكن عبارته تقتضي: أنه يجب
وتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ, وَأَدَاؤُهَا, وَالْحِرَفُ, وَالصِّنَاعاتُ,
دفع الصائل عن الغير على من قدر عليه, وقدم في) كتاب الصيال) عدم الوجوب.
وقال في (الغياثي) يجب على الموسر المواساة بما زاد على كفاية سنة.
وإنما اقتصر المصنف على الزكاة وبيت المال؛ لأنهما أغلب من غيرهما, وإلا .. ففي معناهما الكفارات والوصايا والأوقاف العامة.
ومما يجب على أعيان الناس فك الأسارى من مالهم, ولا يجب على الإمام ابتياعهم من بيت المال.
قال: (وتحمل الشهادة وأداؤها)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ , ولأنها وسيلة لحفظ الحقوق الشرعية ووسيلة الواجب واجب.
وما أطلقه من إيجاب التحمل محله إذا حضر له, فإن دعي له .. فالأصح: لا يجب إلا أن يكون الداعي قاضيًا أو معذورًا بمرض ونحوه.
وما أطلقه في الأداء محله: إذا تحمله أكثر من نصاب, فإن تحمله اثنان في الأموال .. فالأداء فرض عين.
قال: (والحرف, والصناعات) كالتجارة والخياطة والحياكة؛ لأن قيام الدنيا بهذه الأسباب, وقيام الدين متوقف على أمر الدنيا, حتى لو امتنع الخلق منه .. أثموا وكانوا ساعين في إهلاك أنفسهم.
وفي الحديث: اختلاف أمتي رحمة , وتقدم في الخطبة معناه.
وإطلاقه (الحرف) يشمل الدنيئة وغيرها, وبه صرح في (الإحياء) , فعد الحجامة والكناسة منها, قال: فلو خلا البلد عن حجام .. حرجوا.
وعطف المصنف) الصنائع) على) الحرف) يقتضي تغايرهما, والجوهري فسر الصناعة بالحرفة, وكأن الصناعة تقتضي عملًا والحرفة أعم.
وَمَا تَتِمُّ بِهِ الْمَعَايِشُ, وَجَوَابُ سَلاَمٍ عَلَى جَمَاعَةٍ
قال: (وما تتم به المعايش) كالبيع والشراء والحراثة؛ لأن كل فرد من آحاد الناس عاجز عن القيام بما يحتاج إليه؛ لأن الإنسان مدني بالطبع.
سمع أحمد رجلًا يقول: اللهم لا تحوجني إلى أحد من خلقك, فقال: هذا رجل تمنى الموت.
وفي (ربيع الأبرار) عن علي رضي الله عنه قال: سمعني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: اللهم لا تحوجني إلى أحد من خلقك, فقال: (لا تقل هكذا؛ ليس من أحد إلا وهو محتاج إلى الناس) قلت: كيف أقول؟ قال: (قل: اللهم لا تحوجني إلى شرار خلقك) قلت: يا رسول الله؛ ومن شرار خلقه؟ قال: (الذين إذا أعطوا .. منوا, وإذا منعوا .. عابوا).
وروى الترمذي [3527] عن أبي بكر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه يقول: اللهم إني أسالك الصبر, فقال: (سألت الله البلاء, فاسأله العافية).
وعد الغزالي من فروض الكفاية النكاح, ومراده: أنه فرض كفاية على الأمة لا يسوغ لجملتهم الإعراض عنه.
وعد القوافي منها: أكل اللحم؛ يعني: أنه يجب أن يكون في الناس طائفة يأكلونه ليتقووا على الجهاد.
قال: (وجواب سلام على جماعة) , أما وجوبه .. فبالإجماع, قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
وأما كونه على الكفاية .. فلما روى أبو داوود [5168]- بسند لم يضعفه- عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم, ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم).
فإن أجاب أحدهم .. سقط الفرض, واختص الثواب به, ولو أجابوا كلهم .. كانوا مؤدين للفرض, سواء أجابوا مجتمعين أو مترتبين كالصلاة على الجنازة.
ويختص وجوب الرد بالمكلف السامع للسلام, فلا يسقط برد الصبي على الصحيح, وكذا من لم يسمع السلام على المشهور.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقضية كلام المصنف: أنه لا فرق بين أن يكون المسلم رجلًا أو امرأة، مسلمًا أو ذميًا، سنيًا أو مبتدعًا، صاحيًا أو سكرانًا، ولا بين أن يكون المسلم مشافهًا بالسلام أو مسلمًا في كتاب أو على لسان رسول، وليس كذلك في بعضها.
وأما المرأة .. فيجب رد سلامها إذا سلمت على امرأة أو رجل بينها وبينه محرمية أو زوجية، وكذا إذا كانت أمته كما قال في زوائد (الروضة)، فإن لم يكن بينهما محرمية وي لا تشتهى .. وجب الرد أيضًا، ويجب عليها أيضًا في هذه الأحوال رد سلام الرجل، أما الشابة .. فيحرم عليها رد سلام الرجل، ويكره له رد سلامها.
وأما الذمي .. فقال البغوي: لا يجب رد سلامه، وصوب المصنف: أنه يجب؛ لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله: (وعليكم)، وورد في (الصحيحين) [خ 6928 - م2165/ 10] أيضا بغير (واو)، وصحح الخطابي والمصنف تركها؛ ليصير قوله بعيه مردودًا عليه؛ لأن (الواو) للتشريك).
وفي وجه يقول: وعليكم السلام، ولا يقول: ورحمة الله وبركاته اتفاقًا.
وَيُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُ-
وأما الصبي .. ففي وجوب الرد عليه وجهان، بناهما القاضي على أن عمده عمد أم لا؛ والمتولي والرافعي على الخلاف في صحة إسلامه، والاختلاف في البناء يقتضي الاختلاف في التصحيح.
وأما المجنون والسكران .. فلا يجب رد سلامهما على الصحيح في (شرح المهذب).
ولو سلم على إنسان ورضي بأنه لا يرد عليه .. لم يسقط عنه فرض الرد؛ لأنه ليس بحق له وإنما هو حق لله تعالى، قاله المتولي في (باب الإقرار).
ويشترط في جواب السلام: رفع الصوت بحيث يحصل سماع المردود عليه، وكذا التلفظ به على القادر، وتكفي إشارة الأخرس، وجمعهما على الأصم شرط).
وأن يتصل بالسلام اتصال القبول بالإيجاب في البيع، وصفته: أن يقول: وعليكم السلام، سواء كان المسلم واحدًا أم جماعة، أو وعليك السلام للواحد، أو وعليكم سلام بالتنوين وغير، أو وعليكم بالعطف من غير تلفظ بالسلام في الأصح، ولو ترك الواو فقال: عليكم السلام .. فوجهان: أصحهما: يجزئ، خلافًا للمتولي، وكماله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وظاهر كلامهم: أنه يكفي: وعليكم السلام وإن كان المسلم أتى بلفظ الرحمة والبركة.
وظاهر كلام الماوردي: أنه يجب رد السلام مطلقًا.
قال: (ويسن ابتداؤه)؛ لما روى أبو داوود [5155] بإسناد حسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام).
وهي سنة مستحبة من الو احد، وسنة كفاية من الجماعة، فلو لقي جماعة جماعة فسلم أحد هؤلاء على هؤلاء .. كفئ ذلك لإقامة السنة.
لاَ عَلَى قَاضِي حَاجَةٍ وَآكِلِ وَفِي حَمَّامٍ،
وابتداؤه أفضل من رده كما صرح به المصنف، وفيه وجه لوجوب الرد، قال القاضي والشاشي: ليس لنا سنة كفاية إلا هذا، وزاد الأصحاب عليهما: الأضحية، والتسمية على الأكل والأذان والإقامة وصلاة الجماعة إذا قلنا بسنيتها، وما يفعل بالميت مما ليس بفرض كفاية، وكذا تشميت العاطس كما سيأتي بيانه.
وقد يتصور وجوب الابتداء فيما إذا أرسل سلامه إلى غائب، ففي زوائد (الروضة) يلزم الرسول أن يبلغه؛ فإنه أمانة، ويجب أداؤها، وإنما يستحب ابتداؤه، من المسلم للمسلم؛ فالذمي لا يجوز ابتداؤه به على الصحيح: لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام).
وأما المبتدع .. فالمختار: أنه لا يُبدأ بسلام إلا لعذر وخوف مفسدة.
وفي استحباب السلام على الفاسق وجهاز: أصحهما: المنع.
والصحيح صحة السلام بالعجمية ووجوب الرد عليه.
قال: (لا على قاضي حاجة وآكل وفي حمام)، الضابط في ذلك: أن يكون الشخص على حالة لا يليق بالمروءة القرب منه فيها، فيدخل في ذلك: المجامع والنائم والناعس والإمام في الخطبة، وكذا المستغرق القلب بالدعاء.
والمراد ب (الحاجة) البول والغائط، ففي (سنن ابن ماجه) [352] و (مسند أحمد) [5/ 80] عن جابر قال: مر رجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي؛ فإنك إذا فعلت ذلك .. لم أرد عليك).
وفي (شعب الإيمان) [2367]: أن جابرًا هو الذي كان سلم.
وأطلق المصنف (الأكل) وحمله الإمام على من اللقمة في فيه ويعسر عليه الجواب في الحال.
وَلاَ جَوَابَ عَلَيْهِمْ
والعلة في الحمام: كونه مأوى الشياطين، وليس موضع تحية، ولا يلتحق بذلك السلام عليه في موضع خلع الثياب.
واستشكل على المصنف: أنه جزم بكراهة رد السلام في الحمام مع ترجيحه لعدم كراهة قراءة القرآن فيه.
قلت: لا يسن ابتداؤه أيضًا على لاعب الشطرنج والنرد؛ لما سيأتي في (كتاب الشهادات) عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بالأزلام والشطرنج والنرد .. فلا تسلموا عليهم) رواه الآجري.
قال: (ولا جواب عليهم)؛ لوضع السلام في غير محله.
زاد الشيخ شهاب الدين في (النكت) أنه يكره الرد في حال البول والجماع، ويندب للآكل ومن في الحمام.
وعبارة (الروضة) وأما الآكل ومن في الحمام .. فيستحب له الرد، وأما المصلي .. فأطلق الغزالي: أنه لا يسلم عليه، والصحيح: أنه لا يلزمه الرد، كما تقدم في (شروط الصلاة).
وألحق بالمصلي في كراهة السلام عليه: الملبي في الحج أو العمرة، والمؤذن، والمقيم، لكنهم يردون باللفظ.
وأما القارئ .. فقال الواحدي: الأولى: ترك السلام عليه 0 فإن سلم عليه .. كفاه الرد بالإشارة، وضعفه المصنف، واختار: أنه يسلم عليه ويلزمه الرد لفظًا.
تتمة:
تلاقى رجلان فسلم كل منهما على صاحبه .. وجب على كل منهما جواب الآخر، ولا يحصل الجواب بالسلام وإن ترتب السلامان، قاله القاضي والمتولي.
وقال الشاشي: إن ترتبا .. كان الثاني جوابًا، وإن كانا دفعة .. فلا، قال المصنف: وهذا تفصيل حسن ينبغي أن يجزم به.
والصواب: عند القيام من المجلس أن يسلم؛ فليست الأولى بأحق من الآخرة،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويكون جوابه مستحبًا على الصحيح.
ويستحب لمن دخل دار نفسه أن يسلم على أهله، وإن دخل مسجدًا أو بيتًا ليس فيه أحد أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
ولو ابتدأ المار فقال: صبحك الله بالخير والسعادة، أو قواك الله، أو حياك الله، أو لا أوحش الله منك، ونحوه .. لم يستحق جوابًا، لكن لو دعا له قبالة دعائه .. كان حسنًا، إلا أن يريد تأديبه أو تأديب غيره لإهماله السلام وعدم البُداءة به .. فيسكت.
ويكره حني الظهر بكل حال، وقال البغوي: لا يحل لأحد.
أن يحني ظهره لمخلوق: لأنها عبادة مختصة بالله تعالى.
وفي (صحيح مسلم) أيصافح بعضنا بعضًا؛ قال: (نعم) قال: أينحني بعضنا لبعض؟ قال: (لا).
وأفتى المنصف بكراهة الانحناء بالرأس.
وتقبيل يد الغير أو رأسه أو رجله إن كان لزهده أو صلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحوها من الأمور الدينية .. فمستحب؛ لأن عمر لما دخل الشام .. قبل أبو عبيدة يده.
ويكره فعل ذلك لذي جاه أو شوكة أو غنى؛ ففي الحديث: (من تواضع لغنى لغناه .. ذهب ثلثا دينه).
ويقام لأهل الفضل، ويكره للرجل أن يطمع في قيام القوم له، وقال ابن عبد السلام: لا بأس به لمن يرجى خيره أو يخاف شره من المسلمين.
ولا يقام لكافر إلا إذا خشي منه ضررًا عظيمًا.
ولا بأس بتقبيل الأطفال شفقة ورحمة ومحبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ابنه إبراهيم وشمه، رواه البخاري [1303] من حديث أنس.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقبل أبو بكر خد ابنته عائشة حين أصابتها الحمي، رواه أبو داوود [5180] من حديث البراء بن عازب.
وكان ابن عمر يقبل ولده سالمًا ويقول: (اعجبوا من شيخ يقبل شيخًا).
وقبل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إذ لي عشرة من الولد ما قبلت أحدًا منهم! فقال صلي الله عليه وسلم: (من لا يرحم لا يرحم) متفق عليه [خ 5997 - م2318].
فإن كان التقبيل بشهوة .. فهو حرام اتفاقًا، سواء الولد وغيره.
ولا بأس بتقبيل الرجل وجه صاحبه إذا قدم من سفر، وكذا أن يعانقه على الصحيح: لأن جعفرًا لما قدم من الحبشة عانقه النبي صلى الله عليم وسلم، رواه أبو داوود [5178] والدارقطني والحاكم [1/ 319].
ويسن تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، فيقال له: يرحمك الله، أو يرحمك ربك، ويقال للصغير: أصلحك الله أو بارك الله فيك.
والأفضل أن يقول: الحمد لله على كل حال، وإن يضع يده أو ثوبه على وجه؛ ففي (سنن أبي داوود) [4490]: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
ويستحب أن يخفض صوته لقوله صلى الله عليه وسلم: (العطسة من الشديدة من الشيطان) قال الترمذي [2745]: حسن صحيح.
ولا يشمته ما لم يسمع حمده، ويستحب أن يذكره الحمد فيقول: الحمد لله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من سبق العاطس بالحمد .. أَمِن من الشوص واللوص والعلوص) رواه الطبراني.
(الشوص) وجع الضرس، و (اللوص) وجع الأذن، و (العلوص) وجع في البطن.
وإذا كان العاطس في قراءة أو أذان .. حمد وأجاب مشمته.
وَلاَ جِهَادَ عَلَى صَبِيٍّ، وَمَجْنُونٍ،
ويتكرر التشميت بتكرر العطاس ثلاثًا، فإذا علمه مزكومًا .. دعا له بالشفاء.
ويستحب للعاطس أن يجيبه فيقول: يهديكم الله، أو يغفر الله لك، إلا الكافر فيقال: يهديك الله، ولا يجب ذلك، بخلاف جواب السلام.
ويستحب أن يجاب المنادي بلبيك، وأن يقال لمن ورد: مرحبًا، ولمن أحسن إليه: جزاك الله خيرًا، أو حفظك الله، ونحو ذلك، وإعلامُ مَن أحبه في الله بمحبته.
قال: (ولا جهاد على صبي، ومجنون) لمّا فرغ من بيان فرضية الجهاد وما يتعلق به .. أخذ في بيان ما يسقطه وهو نوعان: حسي وشرعي، وبدأ بالأول، وهو سبعة، ترك منها واحدًا، وهو العمى؛ لوضوحه فالصبي والمجنون لا جهاد عليهما؛ لعدم تكليفهما، ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية، قيل: هم الصبيان؛ لضعف أبدانهم، وقيل: المجانين؛ لضعف عقولهم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رد زيد بن أرقم ورافع بن خديج والبراء بن عازب وأبا سعيد الخدري وزيد بن حارثة الأنصاري وابن عمر يوم بدر لما استصغرهم)، ورد ابن عمر يوم أحد، وأجازه في الخندق، رواه الشيخان [خ 26640 - م1868].
وكذلك اتفق لسعد بن حبتة الأنصاري جد أبي يوسف القاضي، ولما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق يقاتل قتالًا شديدًا وهو حديث السن .. قال: (أسعد الله جدك، اقترب مني) فاقترب منه فمسح رأسه ودعا له بالبركة في ولده ونسله، فكان عمًا لأربعين، وخالًا لأربعين، وجدًا لعشرين، كذا ذكره ابن دحيحة وغيره).
وممن استصغر يوم أحد عَرابة بن أوس، وكان من سادات قومه، يقاس في الجود بعبد الله بن جعفر، لقي الشماخ الشاعر وهو يريد المدينة، فسأله عما أقدمه؟ فقال:
وَامْرَأَةِ،
أمتار لأهلي، وكان معه بعيران، فأوقرهما له تمرًا وكساه وأكرمه، فقال فيه هذه الأبيات [من الوافر]:
رأيت عرابة الأوسي يسمو .... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد .... تلقاها عرابة باليمين
إذا بلغتني وحملت رحلي .... عَرابة فاشرقي بدم الوتين
وقد أساء الشماخ في هذا البيت، وأحسن الحسن بن هانئ في قوله [ديوان: 408 من الكامل]:
واذا المطي بنا بلغن محمدًا .... فظهورهن على الرجال حرام
قال: (وامرأة)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم للنساء: (جهادكن الحج والعمرة) رواه البخاري [2875].
ولأنهن يضعفن عن القتال غالبًا، ولهذا إذا حضرن القتال .. لا يسهم لهن، بل يرضخ.
ولما رأئ عمر بن أبي ربيعة امرأة مقتولة، وهي عمرة بنت النعمان بن بشير امرأة المختار .. قال [من الخفيف]:
إن من أكبر الكبائر عندي قتل بيضاء حرة عطبول
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جز الذيول
و (العطبول) من النساء: الحسناء التامة، وأراد ب (الغانيات) اللاتي يستغنين بجمالهن عن التزين، وقيل: بالزوج عن الفجور، وقيل: بنسبهن الشريف.
و (الذيول) بالذال المعجمة جمع: ذيل.
والخنثى كالمرأة؛ لاحتمال الأنوثة.
وللإمام استصحاب المراهقين والنساء لسقي الماء ومداواة الجرحى؛ ففي (البخاري)، [2883] عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: (كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وَمَرِيضٍ، وَذِي عَرَجٍ بَيِّنٍ، وَأَقْطَعَ، وأَشَلَّ، وَعَبْدٍ،
وسلم نسقي القوم ونخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة).
قال: (ومريض)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾.
والمراد: مرض يمنع من القتال والركوب إلا بمشقة شديدة كالحمى المطبقة ونحوها، ولا اعتبار بالصدع ووجع الضرس والحمى الخفيفة، بخلاف الرمد.
قال: (وذي عرج بين) ولو في إحدى رجليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾، (سورة الفتح) نزلت في الجهاد اتفاقًا، وآية النور في المؤاكلة.
واحترز ب (البين) عن الذي لا يمنع المشي والعدو والهرب؛ فإنه لا يمنع وجوب الجهاد على النص، وقيل: إن كان راكبًا .. لزم؛ لأن العرج لا يؤثر فيه، والأصح: المنع؛ فقد تتعطل الدابة فيعسر الفرار.
واستدل البيهقي [9/ 24] للعرج البين؛ بأن عمرو بن الجموح كان شديد العرج، وكان سيدًا من سادات الأنصار وأشرافهم، وكان له أربعة من الولد شباب يغزون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أراد صلى الله عليه وسلم أن يتوجه إلي أحد .. منعه بنوه، فشكاهم إلى النبي صلي الله عليه وسلم وقال: إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد عذرك ولا جهاد عليك) ثم قال لبنيه) (وما عليكم أن تدعوه؟! لعل الله أن يرزقه الشهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم).
فقاتل يومئذ وقتل ودفن مع صهره عبد الله والد جابر في قبر واحد، فقال صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيته يطأ بعرجته في الجنة).
قال: (وأقطع، وأشل) لأن مقصود الجهاد البطش والنكاية وهو مفقود فيهما.
وفي معنى الأقطع: فاقد معظم الأصابع.
قال: (وعبد)؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾، فلم يشمله
وَعَادِمٍ أُهْبَةَ قِتَالٍ.
وَكُلُّ عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ مَنَعَ الْجِهَادَ، إِلاَّ خَوْفَ طَرِيقٍ مِنْ كُفَّارٍ، وَكَذَا مِنْ لُصُوصِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ
الخطاب؛ لأنه لا مال له، فدخل في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ ولأنه لو كان من أهل فرض الجهاد لأسهم له.
والمدبر والمبعض والمكاتب كالقن، فلو آذن له سيده .. قال الإمام: لا يلزمه؛ لأنه ليس من أهل هذا الشأن، وليس القتال من الاستخدام المستحق؛ لأن السيد لا حق له في روحه حتى يعرضه للهلاك، لكن لو خرج سيده للجهاد .. فله استصحابه ليخدمه على العادة، ولا يقاتل قهرًا.
قال: (وعادم أهبة قتال)، وهي السلاح والمركوب والنفقة ذهابًا وإيابًا؛ لقوله تعالي: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾.
و (أُهْبَة الحرب) عدتا، والجمع: أهب.
فلو بذل للفاقد ما يحتاج إليه، فإن كان الباذل الإمام من بيت المال .. لزمه؛ لأن ما يأخذه منه حقه، وإلا .. فلا، فإن كان فلقتال قريبًا من مكانه .. سقطت نفقة الطريق.
ويشترط كون ذلك فاضلًا عن نفقة من تلزمه نفقته كما تقدم في (الحج)، فإن كانت المسافة دون مسافة القصر .. لم يكن عدم الراحلة مانعًا من الوجوب إذا كان قادرًا على المشي، كما أن ذلك لا يمنع وجوب الحج.
ولو مرض بعدما خرج أو فني زاده أو هلكت دابته .. فهو بالخيار بين أن ينصرف أو يمضي، فإن حضر الوقعة .. فالأصح: تجويز الرجوع إذا لم يمكنه القتال، فإذا أمكنه الرمي بالحجارة عند تعذر السلاح.
فألآصح في زوائد (الروضة) وجوب الرمي بها، على تناقض وقع له فيه.
قال: (وكلَّ عذر منع وجوب الحج منع الجهاد، إلا خوف طريق من كفار)؛ لآن مصادمة الكفار هي المطلوبة في الجهاد.
قال: (وكذا من لصوص المسلمين على الصحيح)؛ لأن الخوف يحتمل في هذا السفر.
وَالدَّيْنُ الْحَالُّ يُحَرِّمُ سَفَرَ جِهَادٍ وَغَيْرِهِ إِلاَّ بِإِذْنِ غَرِيمِهِ،
والثاني: يمنع الوجوب كالحج؛ فإنه يأنف من قتال المسلمين.
ثم إن المنصف لما فرغ من بيان الموانع الحسية .. شرع في بيان الموانع الشرعية، وهي ثلاثة:
الرق وقد تقدم في كلامه.
والكفر، وتركه المنصف، فلا يخاطب به الذمي: لأنه بذل الجزية لنذب عنه لا ليذب عنا، وينبغي أن يجب على المرتد؛ لأنه سبق منه الالتزام.
قال: (والدَّينُ الحالُّ) سواء كان لمسلم أو ذمي (يُحرِّم سفر جهاد وغيره)؛ لأن مقصود الجهاد طلب الشهادة وبذل النفس للقتل وهو يؤدي إلى إسقاط حق ثابت، ولأن أداء الدين فرض عين فقدم على فرض الكفاية.
وفي (صحيح مسلم) [1886] عن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدَّين).
قال الآجري: هذا لمن تهاون بقضاء دينه، أما من استدان شيئًا وأنفقه من غير سرف ولا تبذير ثم لم يمكنه قضاؤه .. فإن الله تعالى يقضيه عنه.
قال الأصحاب: وليس له معه من السفر كما يمنع زوجته وعبده، بل يشغله برفعه إلي مجلس القاضي ويطالبه حتى يوفي.
ومحل ذلك: إذا لم يستنب من يقضي عنه أو استناب من يقضيه من ماله الغائب، فإن استناب من يقضيه من ماله الحاضر .. لم يلزمه الاستئذان.
قال: (إلا بإذن غريمه)؛ لرضاه بإسقاط حقه، فإن أذن له .. صار من أهل الفرض.
هذا في الغريم الجائز الإذن، أما ولي المحجور ومتولي الوقف .. فليس لواحد منهما أن يأذن في ذلك؛ لأن الحق ليس له.
قال الماوردي: وإذا سافر لا يتعرض للشهادة؛ بأن يقف أمام الصفوف، بل يقف في وسطها أو حواليها، وقال البندنياجي: إن ذلك يستحب.
وَالْمُؤَجَّلُ لاَ، وَقِيلَ: يَمْنَعُ سَفَرًا مَخُوفًا.
وَيَحْرُمُ جِهَادٌ إِلاَّ بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ إِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ،
وشملت عبارته من عليه دين حال وهو معسر؛ فليس له أن يجاهد إلا بإذن رب الدين، وكذا نقله الماوردي عن الأصحاب.
قال ابن كَج: والمذهب لا، وفي (أصل الروضة) أنه الصحيح؛ إذ لا طالب، وقضية كلامه: أن المنع منوط بعدم الإذن، وهو أعم من المنع؛ إذ يصدق على السكوت.
وعبارة أبي الطيب و (الحاوي الصغير) تقتضي: أنه منوط بمنع رب الدين.
قال: (والمؤجل لا) وإن قرب الأجل؛ لأنه الآن مخاطب يفرض الكفاية والدين المؤجل لا يتوجه الخطاب به إلا بعد حلوله 0 لكن للمستحق الخروج معه إن شاء ليطالبه.
قال: (وقيل: يمنع سفرًا مخوفًا) كالجهاد 0 ورجحه الإصطخري؛ صيانة للدين، كذا أطلق الصنف هذا الوجه وقيده في (الروضة) بأن لا يقيم كفيلًا في الدين.
وقيل: إن لم يخلف وفاء .. فله منعه، وإلا .. فلا.
وقيل: إن كان من المرتزقة .. لم يمنع الجهاد، وإلا .. منع.
وقيل: إن كان يحل قبل عوده .. منع.
وأما السفر الذي لا يغلب فيه الخطر .. فلا منع فيه قطعًا.
قال: (ويحرم جهاد إلا بإذن أبويه إن كانا مسلمين) هذا هو المانع الرابع، وهو عدم رضا الوالدين، فمن والداه أو أحدهما حي .. لا يجوز له السفر للجهاد إلا بإذنهما أو إذنه؛ لأنه فرض كفاية، وبرهما فرض عين.
وفي (الصحيحين) [خ 3004 - م2549]: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال: (ألك والدان؟) قال: نعم، قال: (ففيهما فجاهد).
وفي رواية في (أبي داوود) [2520]: (كيف تركتهما؟) قال: يبكيان، قال: (ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما).
لاَ سَفَرُ تَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ، وَكَذَا كِفَايِةٌ فِي الأَصَحِّ،
وجاء جاهمة السلمي - والد معاوية بن جاهمة- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشيره في الجهاد فقال له صلى الله عليه وسلم: (ألك والدة؟) قال: نعم، قال: (انطلق إليها فأكرمها؛ فإن الجنة تحت رجلها) رواه ابن ماجه [2781] والنسائي [6/ 11] وأحمد [3/ 429] والحاكم [2/ 104] وقال: صحيح.
وفي (صحيح مسلم) [2549/ 6]: أن رجلًا قال: يا رسول الله: أبايعك على الهجرة والجهاد قال: (هل من والديك أحد؟) قال: نعم، كلاهما، قال: (فتبتغ الأجر من الله؟)، قال: نعم، قال: (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) فجعل الكون مع الأبوين أفضل من الكون معه في الجهاد.
والأجداد والجدات كالأبوين ولو مع وجودهما في الأصح؛ لأن الشفقة لا تختلف.
والأب الرقيق كالحر على الصحيح.
واحترز ب (المسلمين) عن الكافرين فلا يجب استئذانهما؛ لأن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول كان يغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن أباه كان يكره ذلك.
ولذلك قال الشافعي في (الأم) إذا علم من والده نفاقًا .. لم يكن له عليه طاعة.
ولو كان الابن مملوكًا والأبوان حران .. فالاعتبار بإذن السيد، وإن كان مبعضًا .. لزمه استئذان السيد والأبوين، فأن أذنوا جميعًا ... جاهد، وإلا .. فلا.
قال: (لا سفر تعلم فرض عين)، فيسافر بغير إذنهما حيث لا يجد من يعلمه إياه؛ لاضطراره إليه، كحج يضيق عليه، بل أولى؛ لأن الحج على التراخي، وفي وجه غريب: لما منعه.
قال: (وكذا كناية في الأصح)، المراد: أنه يخرج لطلب درجة الفتوي وفي الناحية مستقل بها، فقيل: لهم المنع كالجهاد.
والأصح: خلافه؛ لأن الحجر على المكلف بعيد، والعلم فرض في الجملة
فَإِنْ أَذِنَ أَبَوَاهُ وَالْغَرِيمُ ثُمَّ رَجَعُوا .. وَجَبَ الرُّجُوعُ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الصَّفَّ،
ومنفعته عظيمة على جميع المسلمين وليس كالجهاد؛ لأنه لا خطر فيه.
وينبغي أن يختلف الحكم باختلاف حال الولد، فإن كان ممن يرجى انتفاعه ونفعه.
. قدم قصده على حقهما، وإن كان بخلاف ذلك .. ترجح المنع، وقيده الفوراني بمن لا يمكنه التعلم في بلده.
قال الرافعي: ويجوز أن لا يعتبر، بل يكفي أن يتوقع في السفر زيادة فراغ أو إرشاد أستاذ أو غيرهما، كما لم يقيد الحكم في سف التجارة بمن لم يتمكن منها ببلده، بل اكتفى بتوقع ربح أو رواج.
واشترط الرافعي في الخارج لطلب العلم: ان يكون رشيدا، وأسقطه من (الروضة).
وفي (فتاوى قاضي خان) أن الأمرد الحسن لأبيه منعه من الخروج لذلك دون الملتحي.
وأما سفر التجارة، فإن كان قصيرًا .. جاز بلا إذن، وإن كان طويلًا، فإن كان فيه خوف ظاهر كركوب البحر والبراري الخطيرة .. فهو كسفر الجهاد، وإن غلب الأمن .. فالأصح: الجواز بلا استئذان ولا منع لهما.
وأطلق القاضي القول بوجوب الإذن في الأسفار المباحة، والأب الكافر في هذه الأسفار كالمسلم، إلا في الجهاد فلا يستأذن كما تقدم.
قال: (فإن أذن أبواه والغريم ثم رجعوا) أي: وعلم) .. وجب الرجوع إن لم يحضر الصف) أي: وأمن على نفسه، وماله وانكسار قلوب المسلمين؛ لأن هذه الأعذار تمنع الوجوب فكذلك طرآنها كالعمى.
فإن لم يمكنه الانصراف للخوف وأمكنة أن يقيم في قرية في الطريق إلى أن يرجع الجيش فيرجع معهم .. قال الإمام: الوجه: أن يلزمه ذلك، وأشار إلى احتمال أخر، وأثبتهما الرافعي وجهين.
وفي قول: لا يلزمه الانصراف، بل يتخير كالمرأة إذا أذن لها في السفر وطلقت بعد مفارقة البلد.
فَإِنْ شَرَعَ فِي قتَالٍ .. حَرُمَ الانصِرَافُ فِي الأَظْهَرِ
قال: (فإن شرع في قتال .. حرم الانصراف في الأظهر)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾.
والثاني: يجب الانصراف كما قبل الشرع؛ مراعاة لحق الآدمي، فإنه فرض عين، والجهاد فرض كفاية.
والثالث: يتخير بين الانصراف والمصابرة؛ لتعارض الأمرين، واختاره القاضي.
والرابع: يجب الانصراف إن رجع صاحب الدَّين دون الأبوين؛ لعظم شأن الدين.
وحاصل الخلاف في (الروضة) أربعة أوجه، وفي (الشرح) قولان ووجهان، فتعبيره هنا ب (الأظهر) فيه نظر.
فرع:
من شرع في القتال ولا عذر له .. تعين عليه، ولا يجوز له الانصراف، وألحق بعضهم به سائر فروض الكفايات، وانبنى على ذلك أن المشتغل بالعلم إذا أيس الرشد من نفسه .. هل يلزمه إتمامه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم كالجهاد.
وأصحهما: لا)؛ لأن الرجوع إنما حرم في الجهاد لخوف التخذيل)، والانكفاف عن التعلم ليس في معناه، وأيضًا كل مسألة مستقلة برأسها، والجهاد خصلة واحدة، ورجح الشيخ الأول)؛ فإن المشتغل بالعلم له باعث نفسي يحثه على دوام الاشتغال به؛ لمحبته ثمرته، والمقاتل ميله إلى الحياة يباعده عن ذلك؛ لكراهة
الثَّاِني: يَدْخُلُونَ بَلْدَةً لَنَا فَيَلْزَمُ أَهْلَها الدَّفْعُ بِالْمُمْكِنِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَأَهُبٌ لِقِتَالٍ .. وَجَبَ الْمُمْكِنُ حَتَّى عَلَى فَقِيرٍ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ وَعَبْدٍ بِلَا إِذْنٍ، وَقِيلَ: إِنْ حَصَلَتْ مُقَاوَمَةٌ بِأَحْرَارٍ .. اشْتٌرِطَ إِذْنُ سَيِّدِهِ، وَإِلاَّ: فَمَنْ قُصِدَ .. دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْمُمْكِنِ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا أُخِذَ قٌتِلَ،
الموت وشدة سكراته، فوكل المشتغل بالعلم إلي محبته؛ لأنه منهوم لا يشبع) وكلف المقاتل بالثبات عند الممات الذي منه يفزع، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (مداد العلماء أفضل من دم الشهداء).
قال: (الثاني) أي: من حالي الكفار (يدخلون بلدة لنا)، وكذا لو أطلوا عليها ونزلوا بابها ولم يدخلوا، فإن نزلوا على خراب أو جبل في دارنا لكنه بعيد عن البلد .. فالأصح عند المصنف: أنه كدخول البلد، واختار الإمام مقابله.
قال: (فيلزم أهلها المدفع بالممكن)؛ لأن دخولهم دار الإسلام خطر عظيم لا سيبل إلى إهماله، ولا بد من الجد في دفعه بما يمكن، ويصير الجهاد فرض عين، وقيل: كفاية.
قال: (فإن أمكن تأهب لقتال .. وجب الممكن حتى على فقير وولد ومدين وعبد بلا إذن)؛ لأنه قتال دفع عن الدين، ولذلك يلزم كل مطيق حتى النساء إن كانت فيهن قوة أن يبذلوا المجهود.
قال: (وقيل: إن حصلت مقاومة بأحرار .. اشترط إذن سيده)؛ لأن في الأحرار غنية عنهم.
والصحيح: عدم الاشتراط؛ لتقوى القلوب وتعظم الشوكة.
أما إذا لم تمكن المقاومة إلا بهم .. فلا حجر للمالك قطعًا.
قال: (وإلا) أي: وان لم يمكن التأهب للقتال؛ بأن هجم الكفار بغتة (فمن قصد) أي: من المكلفين) .. دفع عن نفسه بالممكن إن علم أنه إذا أخذ قُتل)؛
وَإِنْ جَوَّزَ الأَسْرَ .. فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ.
وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصَرِ مِنَ الْبَلَدِ كَأَهْلِهَا، وَمَنْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ .. تَلْزَمُهُمُ الْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إِنَ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا وَمَنْ يَلِيِهْم، قِيَل: وَإِنْ كَفَوْا
لأنه قتال عن الدين لا قتال غزو، ويستوي في ذلك الحر والعبد والمرأة والسليم والأعمى والأعرج.
قال: (وإن جوز الأسر .. فله أن يستسلم)؛ لأن الأسير يحتمل الخلاص والمكافحة في هذه الحالة استعجال للقتل.
هذا في الرجل، أما المرأة، فإن علمت أنها إذا استسلمت امتدت الأيدي إليها .. لزمها الدفع على الأصح وإن كانت تقتل؛ لأن الفاحشة لا تباح عند خوف القتل، والثاني: لا؛ لأن القتل معلوم والفاحشة موهومة، وإن كانت تظن ذلك بعد الأسر.
. فيحتمل أن يجوز لها الاستسلام في الحال ثم تدفع حينئذ.
قال: (ومن هو دون مسافة القصر من البلد كأهلها) أي: إذا وجدوا الزاد، ولا يعتبر الركوب على الأصح للقادر على المشي، حتى لو لم يكن في أهل البلد كفاية .. وجب على هؤلاء الممضي إليهم؛ لأنهم كالحاضرين، وكذا إن كان فيهم كفاية على الأصح.
قال: (ومن على مسافة القصر .. تلزمهم الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم)؛ دفعًا لهم وإنقاذًا من الهلاك، فيصير فرض عين في حق من قرب، وفرض كفاية في حق من بعد.
وأشار بقوله: (بقدر الكفاية) إلى أنه لا يجب على الجميع الخروج، بل إذا صار إليهم قوم فيهم كفاية .. سقط الحرج عن الباقين، وقيل: يجب على الجميع الخروج؛ خوفًا من التواكل.
قال: (قيل: وإن كَفَوا)؛ لعظم الواقعة.
والأصح: المنع؛ لأنه يؤدي إلى الإيجاب على جميع الأمة، وفي ذلك حرج من غير حاجة.
وَلَوْ أَسَرُوا مُسْلَمًا .. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ النُّهُوضِ إِلَيْهِمْ لِخَلاَصِهِ إِنْ تَوَقَّعْنَاهُ.
فَصْلٌ:
يُكْرَهُ غَزْوٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ،
والأصح: اشتراط وجود المركوب لمن على مسافة القصر، وكذلك يشترط وجود الزاد كالحج.
قال: (ولو أسروا مسلمًا .. فالأصح: وجوب النهوض إليهم لخلاصه إن تو قعنا)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فكوا العاني) رواه البخاري [3046].
والتوقع بأن يكونوا قريبين، ويكون ذلك كدخولهم الدار؛ لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة الدار.
والثاني: المنع؛ لأن تحريك الجنود لواحد يقع في الأسر بعيدٌ.
تتمة:
محل ما ذكره المصنف إذا لم يتوغلوا في بلادهم، فإن توغلوا فيها ولم يمكن التسارع إليهم .. فإنا نضطر إلى الانتظار، كما لو دخل ملك عظيم الشوكة طرف بلاد الإسلام .. فإنه لا يتسارع إليه آحاد الناس.
قال: (فصل:
يكره غزو إذن الإمام أو نائبه) أصل الغزو الطلب، يقال: ما مغزاك، أي: ما مطلوبك، فالغازي يطلب إعلاء كلمة الله والغنيمة، فيكره له ذلك بغير إذن الإمام أو نائبه؛ لأنه على حسب الحاجة، وهما أعرف بذلك، وقال في (المرشد) لا يجوز بغير إذنهما، وهو مشهور مذهب أبي حنيفة.
ورد بأنه ليس في أكثر من التغرير بالنفس، وهو جائز في الجهاد.
وأستدل الشافعي للجواز؛ بأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة، فقال له رجل من الأنصار: إن قتلت يا رسول الله ما لي؟ قال: (إن قتلت صابرًا محتسبًا .. فلك الجنة فانغمس في العدو فقتل، رواه الحاكم [2/ 93] من رواية أنس، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وَيُسَنُّ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أِنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ
فإذا جاز للواحد أن يقدم على من الأغلب أنهم يقتلونه .. كان هذا في الغير وبغير إذن الإمام أولى.
ومقتضى إطلاق المصنف وغيره: أنه لا فرق بين المرتزقة وغيرهم، والظاهر: أنه مخصوص بالمتطوعة، أما المرتزقة .. فليس لهم الخروج بغير إذن الإمام؛ لأنهم مرصدون لمهمات تعرض للإسلام يصرفهم الإمام فيها على مقتضى نظره فيهم بمنزلة الأُجراء،
قال: (ويسن إذا بعث سرية أن يؤمِّر عليهم)؛ لما روى مسلم [1731] عن بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا قال: (اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله).
وجعل ابن سريج التأمير في الجهاد واجبًا؛ لأن تركهم فوضي يؤدي إلى اختلاف كلمتهم وتنازعهم، ولأن العدو إنما يفزع من رئيس القوم، فإذا لم يكن فيهم زعيم حصل الطمع فيهم.
قال في (الأم) ولا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ثقة في دينه، شجاعًا في بدنه حسن الأناة، عارفًا بالحرب، غير عجل ولا نزق، شجاعًا يثبت عند الهرب، ويتقدم عند الطلب، وأن يكون ذا رأي في السياسة والتدبير؛ ليسوس الجيش على اتفاق الكلمة والطاعة وتدبير الحرب في انتهاز الفرصة، وأن يكون من أهل الاجتهاد في أحكام الجهاد.
وفي اعتبار كونه من أهل الاجتهاد في الأحكام الدينية وجهان.
و (السرية) قطعة من الجيش أربع مئة ونحوها ودونها، وجمعها: سرايا، سميت بذلك؛ لأنها تسري في الليل، وقيل: لأنها خلاصة العسكر وخياره.
روى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة) كذا رواه الترمذي [1555] وأبي داوود [2604]، زاد أبو يعلي الموصلي [2714]: (إذا وَيَاخُذَ الْبَيْعَةَ بِالثَّبَاتِ، وَلَهُ الاِسْتِعَانَةُ بِكُفَّارِ
صبروا وصدقوا) زاد العسكري: (وخير الطلائع أربعون).
قال: (ويأخذ البيعة بالثبات) أي: حيث توجه عليهم؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه بايع أصحابه تحت الشجرة على أن لا يفروا، ولم يبايعوه على الموت، رواه مسلم [1856/ 68].
ويستحب أن يخرج بهم يوم الخميس في أوله؛ لما روى الشيخان [خ 2950] عن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس.
وسيأتي في (القضاء) حديث صخر بن وداعة.
ويستحب أن يبعث السرايا يوم الاثنين، وأن يدخل دار الحرب بنفسه؛ لأنه أحوط وأرهب، وأن يدعو عند التقاء الصفين؛ لما روى ابن حبان [1720] عن سهل بن سعد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء؛ عند حضور الصلاة، وعند الصف في سبيل الله).
وأن يكون لهم شعار؛ لما روى النسائي [سك 10376] والحاكم [2/ 107] عن البراء بن عازب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم ستلقون العدو، فليكن شعاركم: (حم) لا ينصرون).
قال الخطابي: بلغني عن ابن كيسان النحوي أنه سأل أبا العباس أحمد بن يحيى عنه فقال: معناه: الخبر، ولو كان بمعنى الدعاء .. لكان مجزومًا، أي: لا ينصروا، وإنما هو إخبار، كأنه قال: والله لا ينصرون.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: (حم اسم من أسماء الله تعالى))، فكأنه حلف بالله: أنهم لا ينصرون.
قال: (وله الاستعانة بكفار) من أهل الذمة وغيرهم؛ لأن النبي صلى الله عليه
تُؤْمَنُ خِيَانَتُهُمْ، وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ انْضَمَّتْ فِرْقَتَا الْكُفْرِ .. قَاوَمْنَاهُمْ،
وسلم استعان بيهود بني قينقاع، ذكره الشافعي [أم 7/ 342]، وقال البيهقي [9/ 53]: إسناد ضعيف، وصح شهود صفوان بن أمية معه حنينًا).
وذهب مالك وأحمد إلى المنع استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾، وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾.
وروي مسلم [1817] عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا لا نستعين بمشرك).
وأجاب الشافعي بأن النبي صلى الله عليه وسلم تفرس في الرجل المذكور وفي أمية الرغبة في الإعلام فأسلما، كما رواه مالك وغيره.
وإنما تجوز الاستعانة بهم بشرطين، أشار إليهما المصنف فقال:
(تؤمن خيانتهم)؛ بأن يعرف حسن رأيهم في المسلمين، وجهل هذا في (الروضة) شرطًا ثالثًا، والرافعي جعله مع أمن الخيانة شرطًا واحدًا.
قال: (ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر .. قاومناهم)؛ لأنهم إذا انضموا إلى الفئة الأخرى .. أمكن دفعهم، فإن زادوا بالاجتماع على الضعف .. لم تجز الاستعانة بهم.
وشرط العراقيون قلة المسلمين، قال الماوردي) وهذا الشرط وما قبله متنافيان.
وقال المصنف: لا منافاة، والمراد: أن يكون المستعان بهم فرقة لا يكثر العدد بهم كثرة ظاهرة.
وشرط الماوردي شرطًا آخر؛ وهو: أن يكون معتقدهم مخالفًا لمعتقد العدو كاليهود مع النصارى، وحيث تجوز الاستعانة بالكفار .. قال الشافعي: الأولى: أن يستأجرهم.
كل هذا في الاستعانة بهم على الكفار، أما على البغاة .. فتقدم حكمة في بابه.
وَبِعَبِيدٍ بِإِذْنِ السَّادَةِ وَبِمُرَاهِقِينَ أَقْوِيَاءَ، وَلَهُ بَذْلُ الأُهْبةِ وَالسِّلَاحِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ مَالِهِ
ولو أكره الإمام الذمي على الخروج والقتال معه .. استحق أجرة المثل من حين الخروج إلى عوده إلى وطنه، بخلاف العبد إذا أكرهه؛ فإنه يضمن إلى حين عوده إلى سيده، فلو لم يقاتل الذمي الذي خرج مكرهًا .. لم يستحق أجرة القتال على الأصح.
قال: (وبعبيد بإذن السادة)؛ لأنه ينتفع بهم في القتال، لكن يستثنى منه من لا يتوقف حضوره على إذن سيده، كالمكاتب والموصى بمنتفعته لبيت المال على الأصح فيهما.
قال: (وبمراهقين أقوياء)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحضر معه بعض المراهقين في بعض غزواته، وجوز ذلك؛ ليتمرنوا على الجهاد، فبهم فيه مصلحة، كالختان وقطع السلعة عند غلبة السلامة.
قال: (وله) أي: للإمام (بذل الأهبة والسلاح من بيت المال ومن ماله)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازيًا .. فقد غزا) متفق عليه [خ2843 – م 1895]، ولأن الرجال حصون يبنيها الإحسان ويهدمها الحرمان.
ومقتضى كلام المصنف: أنه ليس للآحاد ذلك، وليس كذلك؛ فقد صح الشيخان وغيرهما بجوازه.
فرع:
يمنع الإمام المخذل الذي يخوف الناس أن يخرج مع الجيش، فإن خرج .. رده، فإن قاتل .. لم يستحق شيئًا، ولو قتل كافرًا .. لم يستحق سلبه كما تقدم في (باب الغنيمة).
وفي معنى المخذل: (المرجف) الذي يكثر الأراجيف، وكلام الإمام والغزالي يقتضي دخوله في المخذل، والظاهر: الأول.
فإن قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع عبد الله بن أبي بن مسلول من
وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ، وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ لِلإِمَامِ، قِيلَ: وَلِغَيْرِهِ .....
ذلك، وهو القائل يوم الخندق: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا، وقال يوم أحد: لو أطاعونا ما قتلوا .. فالجواب: أن الله تعالى كان يخبر بأحوالهم، وكان الصحابة أقوياء في الدين لا يبالون بتخذيلهم.
قال: (ولا يصح استئجار مسلم لجهاد)، سواء استأجره الإمام أو غيره؛ لأنه يتعين عليه إذا حضر الصف، وهو كالصرورة إذا استؤجر ليحج عن غيره، والمسألة تقدمت في (الإجازة).
وقيل: يجوز للإمام دون الآحاد، ويعطي الأجرة من مال المصالح.
وما يأخذه المرتزقة من الفيء والمتطوعة من الصدقات .. ليس أجرة لوقوع غزوهم لهم.
ولو أكره الإمام جماعة على الغزو .. لم يستحقوا أجرة؛ لوقوع غزوهم لهم، كذا أطلقوه.
وقال البغوي: إن تعين عليهم .. فكذلك، وإلا .. فلهم الأجرة من الخروج إلى حضور الوقعة، قال الافعي: وهو حسن فليحمل إطلاقهم عليه.
قال: (ويصح استئجار ذمي)؛ لأنه لا يقع عنه، فأشبه البهيمة، وفي معناه: المعاهد والمستأمن.
وقيل: هو جعالة لا إجارة؛ لجهالة العمل.
والمذهب: الأول، واغتفرت الجهالة للضرورة؛ لأن معاقدة الكفار تحتمل ما لا تحتمله معاقدة المسلمين، ولأنها لو كانت جعالة .. لجاز الانصراف متى شاء، وفيه ضرر عظيم.
قال: (للإمام)؛ لأنه أعرف بالمصالح.
قال: (قيل: ولغيره) كالأذان.
والأصح المنع؛ لأن الآحاد لا يتولون المصالح العامة، والجهاد يحتاج إلى نظر كامل.
وَيُكرَهُ لِغَازٍ قَتلُ قَرِيبٍ, وَمَحرَمٍ أَشَدُّ.
قُلتُ: إلاَّ أَن يَسمَعَهُ يَسُبُّ الله تَعَالَى أَو رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم, واللهُ أَعلَمُ
ثم قيل: يجب نقص المسمى عن سهم راجل, والأصح: أنه لا حجر كسائر الإجارات.
فإن كان شيئًا مجهولًا؛ بأن قال: نرضيكم, أو نعطيكم ما تستعينون به, أو أخرجهم وحملهم على الجهاد كرهًا .. وجبت أجرة المثل, وإن خرجوا راضيين ولم يسهم لهم شيئًا .. فهذا موضع الرضخ, وفي محله أقوال سبقت في (الغنيمة).
قال: (ويكره لغاز قتل قريب)؛ لما فيه من قطع الرحم التي أمر الله تعالى بصلتها.
وقيل: لا يكره.
وقيل: إن كانت بينهما توارث .. كره؛ لقوة النسب, وإلا .. فلا, حكاهما في (الكفاية).
هذا إذا لقي القريب المسلم, فإن تعين عليه دفعه .. وجب ولا كراهة.
قال: (ومَحرمٍ أشدُّ)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع أبا بكر يوم أحد من قتل ولده عبد الرحمن, وأبا حذيفة عن قتل أبيه يوم بدر.
ووقع في (البسيط) و (الوسيط) أنه صلى الله عليه وسلم نهى حذيفة وأبا بكر عن قتل أبويهما, وهو تصحيف, إنما هو نهى أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه ب (الياء) , ونهى أبا بكر عن قتل ابنه ب (النون) , والحديث رواه البيهقي [8/ 186] والشافعي [أم 4/ 222].
وكذلك يكره للجلاد أن يقتل أباه حدًا كما قدم.
قال: (قلت: إلا أن يسمعه يسب الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم والله أعلم) , فحينئذ لا كراهة؛ تقديمًا لحق الله تعالى وحق رسوله صلى الله عليه وسلم, ففي (الصحيحين) [خ 14 - م 44]: (والذي نفسي بيده؛ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده) زاد مسلم: (والناي أجمعين).
وروى البيهقي [9/ 27] عن عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح
وَيَحرُمُ قَتلُ صَبِيِّ وَمَجنُونٍ وَامرَأَةٍ وخُنثَى مُشكِلٍ,
يوم بدر يتعرض لأبي عبيدة, وجعل أبو عبيدة, وجعل أبو عبيدة يحيد عنه, فلما أكثر الجراح قصده أبو عبيدة فقتله, فأنزل الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية.
قال ابن مسعود: (نزلت في أبي عبيدة, قتل أباه يوم بدر, (أَوْ أَبْنَاءَهُمْ) والمراد: أبو بكر, دعا ابنه عبد الرحمن إلى البراز يوم بدر, (أَوْ إخْوَانَهُمْ) مصعب ابن عمير, قتل أخاه يوم أحد, (أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) عمر بن الخطاب, قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر, وعلي وحمزة قتلا شيبة وعتبة والوليد يوم بدر).
قال: (ويحرم قتل صبي ومجنون وامرأة وخنثى مشكل)؛ للنهي في (الصحيحين) [خ 3014 - م1744] عن قتل النساء والصبيان, وفي (السنن) 1 (نهى عن قتل الذرية).
ونص الشافعي –كما أفاده الحازمي عنه- على أنه لا إثم في قتلهم ولا دية ولا كفارة, وإنما التحريم لحق الغانمين لا لحق الله تعالى, لكن تستثنى صور:
إحداها: إذا قاتلوا؛ لما روى أبو داوود في (مراسليه) [333] عن عكرمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: (ألم أنه عن قتل النساء؟! من صاحب هذه المقتولة؟) فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله, أردفتها, فأرادت أن تصرعني لتقتلني, فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توارى.
الثانية: إذا سبَّت الإسلام أو المسلمين لظهور الفساد.
الثالثة: إذا كانت من قوم ليس لهم كتاب –كادهرية وعبدة الأوثان- وامتنعوا عن الإسلام, قال الماوردي: فعند الشافعي: يقتلن.
الرابعة: حالة الضرورة عند تترس الكفار بهم كما سيأتي.
الخامسة: إذا لم يجد المضطر سواهم فله قتلهم وأكلهم على الأصح في زوائد (الروضة).
وَيَحِلُّ قَتلُ رَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَشَيخٍ وَأعمَى وَزَمِنِ لاَ قِتَالَ فِيهِم وَلاَ رَأيَ فِي الأظهَرِ, فَيستَرَقُّونَ وَتُسبَى نِسَاؤُهُم وَأَمَوالُهُم ......
قال: (ويحل قتل الراهب وأجير وشبخ أعمى وزمن لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾.
وفي (أبي داوود) [2663] و (الترمذي) [1583] من حديث الحسن عن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوا المشركين, واستحيوا شؤخهم) أي: صغارهم.
وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل اعمى من بني قرسظة بعد الإسار, وهو الزبير بن باطا القرظي 1.
والثاني: لا يحل؛ لحديث زيد بن خالد: (لا تقلوا كبيرًا فانيًا ولا أصحاب الصوامع) 2.
وفي (أبي داوود) [2662] و (النسائي) [سك 8571]: النهي عن قتل العسيف 3 , ومثله مقطوع اليدين والرجلين.
واحترز بقوله: (لا رأي فيهم) عما إذا كان فيهم رأي .. فيقتل قطعًا, كدريد بن الصمة, فإن المشركين أحضروه يوم حنين التماسًا لرأيه وهو ابن مئة وخمسين سنة, فقتله المسلمون, ولم ينكره النبي صلى الهه عليه وسلم, رواه الشافعي [أم 4/ 240] وغيره.
وسجوز قتل أهل السوق على المذهب, وقيل: على قولين؛ لأنهم لا يمارسون الحرب, وفي عبارة الغزالي وغيره: السوقة, واعترض ذلك؛ بأن السوقة ما عدا الملك من الجند وغيرهم, وأما المحترف .. فهو مشغول بحرفته, وعبر في (الوسيط) عنه بالحارف, وهو معترض؛ بأن هذه الصيغة لم توجد.
قال: (فيسترقون وتسبى نساؤهم وأموالهم) أي ك إذا جوزنا قتلهم, ولهذا أى ب (القاء).