ولَو قَالَ رَشِيدٌ: اٌقطَعِني فَفَعَلَ .. فَهَدَرٌ , فَإِن سَرَى أَو قَالَ: أقتُلنِي .. فَهَدَرٌ, وَفِي قَولٍ: تَجِبُ دِيَةٌ ....
وقد روى الترمذي [1387]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل متعمدًا
دفع إلى أولياء المقتول , فإن شاءوا .. قتلوا , وإن شاءوا .. أخذوا الدية,
وما صالحوا عليه فهو لهم).
والثاني: المنع؛ لأنه الدية تخلف القصاص عند سقوطه فلا تزاد عليه.
قال: (ولو قال رشيد: اقطعني ففعل .. فهدر) أي: لا قصاص ولا دية, كما
لو أذن في إتلاف ماله لا يجب ضمانه.
وفي تعبيره ب (الرشيد) نظر لأنه قدم: أن المبذر يصح منه إسقاط القصاص واستيفاؤه , ولهذا عبر في (الروضة) و (الشرحين) بالمالك لأمر نفسه, وكذلك عبر الإمام, ومرادهم به: الحر العاقل سواء كان محجورًا عليه أم لا, وحينئذ فتعبير المصنف ب (الرشيد) معترض من وجهين:
أحدهما: إخراجه السفيه مع أن الحكم فيه كذلك.
والثاني: إدخاله العبد؛ فإنه رشيد ومع هذا إذنه عبر معتبر.
وقوله: (فهدر) ليس على عمومه؛ فإن الكفارة تجب لحق الله تعالى على الأصح ولا تؤثر فيها الإباحة.
والثاني- ويحكى تخريج ابن سريج -: أنها لا تجب, وحق الله تعالى يتبع في الوجوب والسقوط حق الاَدمي , فإذا صار الشخص مهدرًا .. فلا كفارة بقتله.
قال: (فإن سرى, أو قال: اقتلني .. فهدر, وفي قول: تجب دية)؛ هذا
الخلاف ينبني على: أن الدية تثبت للميت ابتداء ثم يتلقاها الوارث أو تثبت للوارث
ابتداء عقب هلاكه.
فإن قلنا بالأول, وهو الأصح .. لم تجب, وإلا .. وجبت.
وَلَو قَطَعَ فَعَفَا عَن قَودِهِ وَأرشِهِ: فَإن لَم يَسِرِ .. فَلاَ شَيءَ, وَإِن سَرَى .. فَلاَ قِصَاصَ
قال الإمام) والقائل بثبوتها للميت لا يمنع الملك له كما لا يمنع بقاء الدين عليه وإن رمت عظامه.
ثم إن المصنف أطلق وجوب الدية وظاهره: أنه على هذا القول تجب دية كاملة في الصورتين, وهو كذلك في صورة (اقتلني).
وأما في القطع .. فنصفها؛ لأنه الحادث بالسراية.
وأما القصاص .. ففيه طريقان:
أشهرهما: القطع بنفيه؛ لأن الإذن شبهة دارته.
والثاني: طرد الخلاف فيه.
ووجه الوجوب بأن القتل لا يباح بالإذن, فأشبه إذن المرأة في الزنا ومطاوعتها؛ فإن ذلك لا يسقط الحد.
قال: (ولو قطع) عضو إنسان (فعفا عن قوده وأرشه: فإن لم يسر .. فلا شيء) أي: لا قصاص ولا دية؛ لأن المستحق أسقط ما ثبت له, وبهذا قال أبو حنيفة.
وعن المزني: تجب الدية؛ لأن استقرار الجناية باندمالها فلا يعتبر العفو قبل ذلك.
أما لو قال: وما يحدث منها .. فلا قصاص ولا دية.
وإن اقتصر على قوله: عفوت عن هذه الجناية .. فالنص: أنه عفو عن القصاص.
قال: (وإن سرى .. فلا قصاص) أي: في النفس والطرف؛ لأن السراية تولدت من معفو عنه فأورث شبهة.
وعن ابن سريج وابن سلمة: يجب قصاص النفس؛ لأنه لم يدخل في العفو.
فعلى هذا: إن عفا عن القصاص فله نصف الدية؛ لسقوط نصفها بالعفو عن اليد.
وَأَمَّا أرَش ُالعُضوِ: فَإِن جَرَى لَفظُ وَصِيَّةٍ كَأَوصَيتُ لَهُ بِأَرشِ هَذِهِ الجِنَايَةِ .. فَوَصِيَةٌ لِقَاتِلِ, أَو لَفظٌ إِبرَاءٍ أَو إِسقَاطٍ, أَو عَفوٌ سَقَطَ, وَقِيلَ: وَصِيَّةُّ.
وَتَجِبُ الزِّيَادَةُ عَلَيهِ إِلَى تَمامِ الدِّيَةِ, وَفِي قَولٍ: إِن تَعَرَّضَ فِي عَفوِهِ لِما يَحدُثُ مِنهَا .. سَقَطَت,
وما أطلقه من أنه لا يجب شيء عند السراية محله: إذا كان القطع مما يوجب القصاص, فإن كان لا يوجبه كالجافة فعفا المجني عليه عن القصاص فيها ثم سرت الجناية إلى نفسه .. فلوليه أن يقتص في النفس؛ لأنه عفا عن القود فيما لا قود فيه فلم يؤثر العفو.
وحكى الإمام فيه الاتفاق, ثم يثبت باحتمال فيه لنفسه.
قال: (وأما أرش العضو: فإن جرى لفظ وصية كأوصيت له بأرش هذه الجناية .. فوصية لقاتل) , فإن أبطلناها .. لزمه أرش العضو, وإن صححناها, وهو الأصح .. سقط الأرش إن خرج من الثلث, وإلا .. سقط منه قدر الثلث.
قال: (أو لفظ إبراء أو إسقاط, أو عفو .. سقط)؛ لأنه إسقاط حق ناجز, والوصية هي التي تتعلق بحال الموت.
قال: (وقيل: وصية)؛ لأنه يعتبر من الثلث بالاتفاق فيعود الخلاف في الوصية للقاتل.
والطريقة الأولى – وهي القطع بمجيء الخلاف – هي الصحيحة.
قال: (وتجب الزيادة عليه) أي: على أرش العضو المعفو عنه (إلى تمام الدية) , هذا إذا اقتصر على العفة عن موجب الجناية ولم يقل: وما يحدث منها؛ لأن الشيء لا يسقط قبل ثبوته.
قال: (وفي قول: إن تعرض في عفوه لما يحدث منها .. سقطت)؛ لتصريحه بذلك.
والأظهر: لا , فيلزمه الضمان, وهما قولان في الإبراء عما لم يجب وجرى سبب وجوبه.
فَلَو سَرَى إلَى عُضوٍ آخَرَ فَانَدَمَلَ .. ضَمِنَ دِيَّةَ السِّرَايَة ِفِي الأصَحَّ.
وَمَن لهٌ قَصَاصُ نَفسٍ بِسَرَايَةِ طَرفٍ لَو عَفَا عَن النَّفسِ .. فَلاَ قَطعَ,
وما ذكره من التفصيل في الأرش محله إذا كان دون الدية, فأما إذا قطع يديه فعفا عن أرش الجناية وما يحذث منها, فإن لم نصحح الوصية .. وجبت الدية بكمالها, وإن صححناها .. سقطت بكمالها إن وفى بها الثلث, سواء صححنا الإبراء عما لم يجب أو لم نصحح؛ لأن أرش اليدين دية كاملة فلا يزيد بالسراية شيء.
قال: (فلو سرى إلى عضو آخر فاندمل .. ضمن دية السراية في الأصح)؛ لأنه عفا عن مودجب الجناية الحاصلة في الحال فيقتصر أثره عليه.
والثاني: المنع؛ لأنه إذا سقط الضمان بالعفو .. صارت الجناية غير مضمونة, وإذا لم تضمن .. كانت السراية أيضًا كذلك, كما قال لغيره: اقطع يدي, فقطعها وسرى القطع إلى عضو آخر.
هذا إذا اقتصر على العفو عن موجب الجناية, أما إذا قال: وما يحدث منها, فسرى قطع الإصبع إلى قطع الكف, فإن لم نوجب ضمان السراية إذاأطلق .. فهنا أولى, وإن أوجبناه .. فيخرج ههنا على الإبراء عما لم يجب وجرى سبب وجوبه.
قال: (ومن له قصاص نفس بسراية طرف لو عفا عن النفس .. فلا قطع)؛ لأن المستحق هو القتل, والقطع طريقه, وقد عفا عن المستحق به.
وصورة المسألة: إذا قطع الجاني يد رجل فمات سراية.
أَو الطَّرفِ .. فَلَهُ حَزُّ الرَّقَبَةِ فِي الأصَحِّ.
وَلَو قَطَعَهُ ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفسِ مَجَانًا, فَإن سَرَى القَطعُ .. بَانَ بُطلاَنُ العَفوِ, وَإلَا .. فَيَصِحُّ.
وَلَو وَكَّلَ ثُمَ عَفَا فَاقتَصَّ الوَكِيلُ جَاهِلًا .. فَلاَ قِصَاصَ عَلَيهِ,
أما إذا قطع يده ثم قتله .. فالقصاص مستحق فيهما بطريق الأصالة.
فإن كان مستحق النفس غير مستحق الطرف .. فعفو أحدهما لا يسقط حق الآخر.
ومن صوره: أن يقطع عبد يد عبد فيعتق المجني عليه ثم يحز الجاني رقبته أو يموت.
قال: (أو الطرف .. فله حز الرقبة في الأصح)؛ لأن كلًا منهما مقصود في نفسه, كما لو تعدد المستحق, وهذا هو الأقوى في (المحرر) و (الشرحين).
والثاني: المنع؛ لأنه استحق القتل بالقطع الساري وقد تركه, وصححه الجاجرمي والمتولي.
قال: (وإلا .. فيصح) أي: إن لم يسر قطع الولي إلى نفس الجاني .. صح العفو عن النفس, ولا يلزم الولي بقطع اليد شيء.
قال: (ولو وكل ثم عفا فاقتص الوكيل جاهلًا .. فلا قصاص عليه)؛ لعدم تقصيره, وفيه قول مخرج مما إذا قتل من عخده مرتدًا فبان أنه كان قد أسلم؛ فإن الأصح فيه: وجوب القصاص.
وَالأظهَرُ: وُجُوبُ دِيَةٍ, وَأنَّهَا عَلَيهِ لاَ عَلَى عَاقِلَتِهِ,
والفرق: أنه هناك مقصر والوكيل مستصحب لأصل يجوز البناء عليه فهو معذور.
كل هذا تفريغ على جواز التوكيل في استيفاء القصاص, وقد تقدم في (الوكالة): أنه يجوز في حضرة الموكل, وكذا عند غيبته على المذهب.
وحد القذف كالقصاص, وسواء جوزناه أم لا إذا استوفاه الوكيل .. صالر حق الموكل مستوفى, كما لو وكله في بيع سلعة توكيلًا فاسدًا فباع الوكيل .. صح البيع.
وإذا لم يعلن: أكان العفو قبل القتل أم بعده .. فلا شيء على الوكيل؛ لاحتمال أنه عفا بعد قتله.
واحترز بقوله: (جاهلًا) عما إذا كان عالمًا بالعفو؛ فعليه القصاص لا محالة.
فإن ادعى الولي علمه بالعفو .. حلف الوكيل, فإن نكل .. حلف الوارث واستحق القصاص.
قال: (والأظهر: وجوب دية)؛ لأنه بان أنه قتله بغير حق.
وعلى هذا: فهي مغلظة على الصحيح.
والثاني: المنع؛ لأن القتل مباح له في الظاهر فلا يناسب تضمينه.
أما الكفارة .. فواجبة على القولين, ويجريان فيما لو عزله ثم قتله الوكيل جاهلًا بعزله.
قال: (وأنها عليه لا على عاقلته)؛ لأن القتل عمد أو شبه عمد, وإنما أسقطنا القصاص للشبهة.
وقيل: على العاقلة مخففة؛ لأنه جاهل بالحال, فأشبه المخطئ.
فإذا قلنا: على الوكيل .. فهل حالة أو مؤجلة؟ وجهان: صحح المصنف منهما: الحلول.
وعطفه المسألة على ما قبلها يقتضي: أنها ذات قولين, والصواب: أنهما وجهان.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْعَافِي, وَلَوْ وَجَبَ قِصَاُص عَلَيْهَا فَنَكَحَهَا عَلَيْهِ,, جَازَ وَسَقَطَ، فَإِنْ فَارَقَ قَبلَ وَطْءٍ.
رَجَعَ بَنِصْفِ الأَرْشِ، .....
قال: (والأصح: أنه لا يرجع بها على العافي)؛لأنه محسن بالعفو.
والثاني: يرجع عليه؛ لأنه غره.
والثالث: يرجع الوكيل دون العاقلة.
والمصنف أطلق الخلاف في الرجوع وهو مقيد بأن لا يقصر الموكل في إعلامه، فإن قصر .. رجع الوكيل عيه؛ لأنه لم ينتفع بشيء، بخلاف الزوج المغرور.
وحكي الرافعي هنا عن (فتاوي البغوي): أن الوكيل لو قال: قتلته بشهوة نفسي لا عن جهة الموكل .. يلزمه القصاص، وينتقل حق الوارث إلى التركة.
وجزم القفال في (الفاتاوي) بعدم القصاص، وكلام البغوي أرجح دليلا.
قال: (وو وجب قصاص عليها فتكحها عليه .. جاز)؛ لأنه عوض مقصود، وكان ينبغي أن يقول: صحا.
أما النكاح .. فواضح، وأما الصدق .. فلأن ما جاز الصلح عنه .. جاز جعله صداقًا
قال: (وسقط) أي: ما عليها من القود؛ لملكها قصاص نفسها.
قال: (فإن فارق قبل وطء .. رجع بنصف الأرش)؛ لأنه الذي وقع العقد عليه، فهو كالمسمى المعين أولًا.
وَفِي قَوْلٍ: بِنِصْفِ مِهْرِ الْمِثْلِ.
قال: (وفي قول: بنصف مهر المثل)؛ لأن الأرش سقط وقام مقامه مهر المثل، وهو المنصوص في (الأم) كما نقله في (البحر).
وقال البغوي: إنه قياس قولهم: إذا أصدفها تعليم قرآن وطلقها قبل الدخول.
تتمة:
قال المتولي: إذا قتله بالدخان؛ بأن حبسه في بيت وسد منافذ البيت فاجتمع فيه الدخان وضاق نفسه فمات .. وجب القصاص.
وأنه لو رمى إلى شخص أو جماعة وقصد إصابة أي واحد منهم كان فأصاب واحدا .. ففي القصاص وجهان؛ لأنه لم يقصد عينه.
قال المصنف: قلت: الأرجح وجوبه.
خاتمة
ظاهر عبارة (الشرح) و (الوضة) في أول (الجنايات): أنمن استوفى منه القصاص أو الدية في الدنيا تبقى عليه العقوبة في الدار الآخرة.
والمصنف أجاب في (فتاويه) بخلافه، وقال: إن ظواهر الشرع تدل على السقوط، وذكر مثله في (شح مسلم).
ودليله: الحديث الصحيح فيه: (من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات فعوقب به .. كانت كفارة له، وإن لم يعاقب .. فأمره إلى الله، إن شاء .. عذبه وإن شاء .. عفا عنه).
كتاب الديات