وأجاب عن رؤية الله في الآخرة، وأنّه يرى بالنور الذي خلقه في الأعين زائدًا عن نور العلم.
وأجاب أنّه يجوز تقليد كلّ واحد من الأئمّه الأربعة - رضي الله عنهم -، ويجوز لكل واحد أن يقلّد أحدهم في مسألة، ويقلّد إمامًا آخر منهم في مسألة أخرى، ولا يتعيّن عليه تقليد واحد بعينه في كلّ المسائل، ولا يجوز تتبع الرخص.
ولا يجوز ترك السنّة لمشاركة المبتدعين فيها، إذ لا يترك الحق لأجل الباطل، وإذا صحّ عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام لم يجز مخالفته إلَّا بدليل أوضح من دليله، ولا يجب على المجتهدين تقليد الصحابة في مسائل الخلاف.
وقال العزّ: لم يصحّ في تلقين الميّت شيء، وهو بدعة، والحديث محمول على مَن دَنَا موته، ويُئس من حياته، فأمّا ثواب القراءة فمقصور على القارئ لا يصل إلى غيره.
وقال: "لا خير في ورع يؤدي إلى إسقاط فرائض الله - عَزَّ وَجَلَّ -".
وفي العبادات أجاب العزّ رحمه الله تعالى بأنّ أمر الرسول بالمحافظة على الصلوات أوّل الوقت، ولم يأمر بالمحافظة على الأداء، لإجماع المسلمين على أنّ تأخير الأداء بغير عذر شرعي غير جائز.
وسُئل العزّ عن الصلاة على الميّت بعد الغسل، أو بعد الحمل إلى المصلّى، فقال: الأوْلى أن يحمل إلى المصلّى؛ لأنهّ فعل الخلف والسلف، لأنّ الحمّالة يكثرون...، وفي سؤال عن المداومة على العبادة قال العزّ رحمه الله تعالى: "لا يمقت الربُّ أحدًا من عباده، إلَّا على ترك الواجب
وإنكار الحرام، وقال عن التلحين في الأذان: نعم يجاب المؤذن إن لحّن الأذان،... وإن أمكن الإنكار عليه باللسان أنكر،... وتلحين القرآن أعظم إثمًا من تلحين الأذان، وأبْعد من أجاز تلحين القرآن من العلماء".
وسُئل عن صلاة التراويح في جماعة، فقال: صلاة التراويح في الجماعة أفضل منها في الانفراد، وكذلك فعل الصحابة - رضي الله عنهم - تداوله الناس من بعدهم، والخير في اتباع السلف،... وقراءة القرآن فيها أفضل من تكرير سورة الإخلاص، لأنّ ذلك مسنون منقول، وليس تكرير سورة الإخلاص مسنونًا في الصلاة، وإن فُعل فلا بأس.
وفي السؤال عن الجهر في النوافل، قال العزّ رحمه الله تعالى: السنة في سنن الفرائض الإسرار في الليل والنهار، وعليه عَمَلُ أهل الأمصار.
وعن ذكر الشعر في الخُطبة قال: لا تذكر الأشعار في الخُطبة؛ لأنهّ من أقبح البدع، وقال عن لباس الخطيب الألبسة السوداء، أحبّ الثياب إلى الله البياض، وقد لبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمامة سوداء يوم فتح مكّة (أخرجه أحمد والترمذي)، والمواظبة على لبس السواد بدعة إلى غير ذلك، وقال: السُنّة تسطيح القبور، والتختم في الأيمان.
وفي المعاملات والآداب والحدود والقضاء، قال العزّ رحمه الله تعالى: "لا بأس بقيام الإكرام للناس"، وقال: "ومن فعل طاعة لله تعالى، ثمّ أهدى ثوابها إلى حيّ أو ميّت لم ينتقل ثوابها إليه، إذ ليس للإنسان إلَّا ما سعى، فإنْ شرع في الطاعة ناويًا أن يقع على الميّت (فلا تصحّ) عنه، إلّا فيما استثناه الشرع، كالصدقة، والحج، والصوم".
وسُئل عن الإنشاد، والتواجد، والرقص، والسماع، فقال رحمه الله تعالى: "الرقص بدعة، لا يتعاطاه إلّا ناقص العقل، ولا يصلح إلّا للنساء، وأمّا سماع الإنشاد المحرّك للأحوال السيئة بما يتعلق بالآخرة فلا بأس به، بل يندب إليه عند الفتور، وسآمة القلوب، لأنّ الوسائل إلى المندوب مندوبة، والعادة كلّها في اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واقتفاء أصحابه، الذين شَهد لهم بأنّهم خير القرون...، والسماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم... ".
وقال العزّ رحمه الله تعالى: "من تحتم قتله بذنب من الذنوب، لم يجز له أن يقتل نفسه، وستره على نفسه مع التوبة أولى"، وسُئل عن حكم القضاة غير الملتزمين بشرائع الإسلام، فقال: "من لا أهلية له من القضاة والولاة، إذا حكموا بحق، وأمروا به، أو دفعوا منكرًا، ونهَوا عنه، أو تصرفو المجانين، أو للغيّب والأيتام، وأقاموا في جميع ولايتهم بما يوافق الحقّ والصواب، فإننا ننفذه تحصيلًا لمصالح أهل الإسلام...، وكذلك تصرفات الملوك والولاة الجائرين، ننفّذ منها ما وافق الحقّ والصواب، ونردّ منها ما ليس بحقّ".
وسُئل عن القيام للآخرين عند قدومهم، فقال رحمه الله تعالى: "لا بأس بالقيام لمن رُجي خيرُه، أو يخاف شرّه من أهل الإسلام، وأمّا الكفار فلا يقام لأحد منهم...، وأمّا إكرامهم بالألقاب الحسان فلا يجوز إلَّا لضرورة، أو حاجة ماسّة".
وسُئل: هل لقضاة عصرنا أن يحكموا بما يُؤثرون (يفضلون) من
المذاهب، أم يتوقف ذلك على بلوغهم درجة الاجتهاد ومرتبته، ولعلّ أحدهم يقول: أختار هذا الوجه، وألغي هذا الوجه؟ فأجاب العزّ رحمه الله: "ليس ذلك لقضاة هذا الزمان؛ لأنَّهم يفعلون ذلك بناء على أغراض فاسدة، ولا سيما من ليس له أهلية الاجتهاد".
وسُئل عن شروط المفتي، فقال: "يُشترط في المفتي والحاكم أن يكون مجتهدًا في أصول الشريعة، عارفًا بمآخذ الأحكام، فإنْ عجز عن ذلك، فليكن مجتهدًا في مذهب من المذاهب، فإن عَجزَ عن ذلك فله أنْ يفتي بما يتحققه، ولا يشك فيه، وما يبرح عن ذلك، فإن كان خطؤه فيه بعيدًا نادرًا جاز له الفتوى والحكم، وإلّا فلا".
وسُئل عن القرض الذي يجرّ منفعة؟ فقال رحمه الله: "القرض الذي يجرّ منفعة هو القرض الذي يَشترط فيه المقترض منفعة لنفسه، فإنْ لم يشترط ذلك، وردّ أفضل ممّا أخذ، فهذا من باب مكافأة الإحسان بالإحسان"، وقد قال عليه السلام: "خيركم أحسنكم قضاء".
وفي الطعام والشراب واللباس والزينة، سُئل عن اللحم يُشترى من السوق، ثمّ يطبخ من غير غسل... ؟ فقال رحمه الله تعالى: "لا يحكم بنجاسته، والورع أنْ لا يؤكل حتّى يُغسل".
وسُئل عن تعليق الحرز في رقاب الخيل؟ فقال: "هذه بدعة، وتعريض لكتاب الله للإهانة، بما يتعلّق به من النجاسة، ولم يكن الصحابة يصنعون شيئًا من ذلك".
وفي الزواج والطلاق: سُئل عن ولاية الفاسق لعقد النكاح؟ فقال
رحمه الله: "الأصحّ أنّ الفسق لا يمنع من ولاية النكاح، لأنّ العدالة شُرطت من الولاية، حثًّا للولاة على القيام بمصالح الولايات، ودفع مفاسدها، وطبع الولي يحثّه على تحصيل مصالح النكاح، ويزعه عن إدخال العار على نفسه وعلى وليه، والوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي".
وسُئل عن تزويج الولي موليته ممّن لا يواظب على الصلاة؛ فقال رحمه الله تعالى: "لا يجوز ذلك إجبارًا، ويجوز برضاها إنْ كانت ممّن يعتبر رضاها، ويكره كراهة شديدة إلَّا أنْ يخاف من فاحشة، أو ريبة، ولا ينعقد النكاح إلَّا بحضور عدلين مستورين، يغلب على الظنّ عدالتهما".
ولا يضير الإمام العز أن يُخالف شيخه الفخر بن عساكر في مسألة كتابة الصداق في الحرير؛ يقول ابن السُّبكيّ: "كان الشيخ ابن عساكر رحمه الله يُفتي بجواز كتابة الصداق على الحرير وخالفه تلميذه شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام فأفتى بالمنع، وبه أفتى النووي، إلا أنه عزا ذلك إلى تصريح أصحابنا، ولم أجد ذلك في كلام واحد منهم" 1.
ويظهر من هذه النماذج من فتاوى العزّ حرصه على الالتزام بالكتاب والسنَّة، وما ثبت عن الصحابة والسلف، وما شاع وانتشر في العالم الإسلامي، وعرف من الدين بالضرورة، وأنّه يجمع في الاستدلال والتعليل بين النقل والعقل، والنصوص والمصالح، بما يتّفق مع مقاصد الشريعة، ويحقق النتائج العملية لأحكام الدين.
كما يظهر أنّ الإمام العزّ بن عبد السلام لم يكن مفتيًا كأكثر المفتين
في عصرنا الحاضر، ولم يقتصر على بيان الحكم الشرعي للأفراد، إنْ وجّه إليه سؤال في العبادات، أو عرضت له قضية في الزواج والطلاق والميراث، وإنّما كان مفتيًا في كلّ أحكام الشرع، وكلّ مشتملات الفقه الإسلامي، وكانت توجّه إليه الأسئلة من الأقاليم والأطراف والبلدان، ويبين حكم الشرع في كلّ ما يستجدّ من أحداث وقضايا ووقائع حتّى في أمور الجهاد والحرب والقتال وجباية الأموال، ومبايعة الخليفة وتعيين الأمراء والسلاطين.
وفوق كلّ ذلك لم يكن العزّ مفتيًا لتسويغ التصرفات المنحرفة أو الجائرة على الشعب، وتأييد الحكام والأمراء بالأحكام الشرعية التي توافق هواهم، أو تتفق مع آرائهم السياسيّة، كما لم يقتصر على السكوت بغية السلامة، كما يفعل مفتو اليوم، بل كان الشيخ عزّ الدين مفتيًا لبيان الحكم الشرعي الإلهي السماوي فيما يخصّ الدولة والأمّة والوطن والشعب والأفراد، ويبيّن حكم الله ودينه في كل ذلك، سواء وافق هوى الحاكم أم خالفه، فالحقّ والشرع والدين فوق الخلفاء والحكّام والسلاطين والأمراء، ومقدمة عليهم، وهي الأصل لتكون متبوعة، لا تابعة، ويكون الشعب والحكّام من ورائها ملتزمين وتابعين ومنفّذين، ويكون العلماء والدعاة والمفتون مراقبين على صحّة التطبيق والتنفيذ.
ومن هنا فحُقَّ للعزّ أن يوصف بجدارة بأنّه "مفتي الشام" وأنْ "يقصده الناس بالفتاوى من الآفاق" وأنْ يكون "سلطان العلماء" وأنْ تكون له "الفتاوى السديدة" وأنْ يُخلد اسمه، وتبقى ذكراه عطرة على مرّ التاريخ، وأن يكون شعارًا لمدرسة إسلامية متميزة في العالم، وفوق كلّ ذلك أنْ ينال الأجر
العظيم، والثواب الجزيل عند ربّ العالمين (1).
آراؤه في المذهب
:
للإمام العز آراء نصرها في المذهب؛ فرجَّح أقوالًا ووهّن أخرى؛ كما بيَّنَّا ذلك في بعض هوامش تحقيقنا للكتاب؛ فقد يُخالف الإمام العزّ إمامَ الحرمين في مواضع، فيقول (قال الإمام) ويردُّ عليه بـ (قلتُ) فحسبُ؛ وهذا من مظاهر الأدب عند ابن عبد السلام ذلك أنَّ مدرسته في الاختصار تحترم الكتابَ الأصل المختصَرَ، وتحترم مؤلّفَه، فلا يذكر فيه جرحًا أو طعنًا أو سوءًا في ردِّ الأقوال ودفعها.
وقد تيسَّر للدكتور الشيخ علي الفقير، دراسة هذا الكتاب "الغاية في اختصار النهاية" فرجع إلى نسخته المصرية الكاملة التي ينقص منها الجزء الثالث فقط، فأقام عليها دراسته لفقه الإمام، وآرائه وأقواله فيما تيسَّر له من كتب الإمام الأخرى، وأخرج ذلك في أطروحته للدكتوراه في مجلدين بعنوان "الإمام العزّ بن عبد السلام وأثره في الفقه الإسلامي" 2. وهي من أوسع ما كُتب عن العزّ رحمه الله؛ فنحيل إليه لمَنْ أراد الاستزادة.1
وقد عقدنا فهرسًا في آخر الكتاب خاصًّا بأقوال الإمام العز وترجيحاته في هذا الكتاب.
المدرسة الشاميَّة في الفقه الشافعي:
دخول المذهب الشافعي إلى الشام
عُرف للمذهب طريقان: بغداديُّ وخراسانيٌّ؛ والسؤال المتبادر للأذهان: هل هناك مدرسة شاميَّة للفقه الشافعيّ؟ وما معالمُها البارزة؟
في الحقيقة إنّ وجود مدرسة شاميَّة لفقه الشافعية لم يذكره مؤرِّخو الفقه والتشريع، لكن يُمكن القول إنّ الفقه الشافعيَّ وصل إلى الشام بطريق الخراسانيين وطريق العراقيين، وهو ما يظهر من إسناد النوويِّ في الفقه، والذي سطَّره في كتابه "تهذيب الأسماء واللغات"، فاستفاد فقهاء المذهب الشاميّون، ولا سيما فيمن رأينا كتبهم كابن الصلاح، وابنُ عبد السلام، والنووي، من الطريقتين، وكانت لهم مدرسة محرَّرة، استقرَّت وتوافقت في القرن السابع على يد محرِّر المذهب الإمام النووي رحمه الله، وأصبح المصنّفون بعده شُرًّاحًا لكتبه، وعليها الفتوى.
ولا ننسى أنّ "نهاية المطلب" أو "المذهب الكبير" قد اختُصِر على يد اثنين من علماء الشام: ابن أبي عصرون، وابنُ عبد السلام.
انتشر المذهب الشافعي أوّل مرّة في الشام عند تولّي الشَيخ أبي زُرْعة
محمّد بن عثمان الدمشقي سنة (352 هـ) قضاء دمشق بعد قضاء مصر، فكان يُشجِّع على حفظ مختصر المزني، فَيُعطي لمن يحفظه مئة دينار 1.
وكثُر أتباعُ الشافعيّ بالشام حتى انتشر المذهب انتشارًا واسعًا فيها، زاحم المذاهب الأخرى، ولا سيما بعد القرن الخامس، حيث عُرف فيها فقهاء مشهورون، وأئمّة معروفون على مستوى عصرهم، مثل ابن أبي عصرون، وفخر الدّين ابن عساكر، والعزّ بن عبد السلام، وابنُ الصلاح، وسديد الدين التزمنتي، والنووي، والمِزِّيّ، وابنُ قاضي شهبة، وابنُ النفيس الطبيب الفقيه، وابنُ قاضي عجلون، وغيرهم كثير.
وفي عهد صلاح الدين الأيوبي أبطل العمل بالمذهب الشيعي، وأحيى المذاهب الأربعة السنيَّة، وجعل للمذهب الشّافعيّ الحظّ الأوفر، فقد كان هو وأسرته شافعيّين؛ وهو ما يُفسّر أحد أسباب نهضة المذهب في بلاد الشام.
وعرفت دمشق في تاريخها ستّين مدرسةً للمذهب الشافعيّ وحده 2؛ أوّلُها المدرسةُ الأمينيّة الشافعيّة، التي تأسّست سنة (514 هـ) على يد أمين الدين كمَشْتكين، نائب قلعة بُصْرى وصرخد 3.
أعلام الشافعية في الشام حتى القرن الثامن الهجري
: اشتهر في الشام حتى عصر ابن عبد السلام عددٌ كبير من الفقهاء؛ لكنَّ الذين تركوا بصمة منهم: تصنيفًا وإفتاءً وشهرةً في العلم حتى القرن الثامن الهجري؛ هم
أبو زُرْعة الدمشقي،
وابنُ أبي عصرون، والفخر ابن عساكر، وابنُ الصلاح، والعز بن عبد السلام، والنَّوويّ، والأذرعيّ، وابنُ قاضي شهبة؛ وتتميّز (المدرسة الشاميّة) من حيث الخلاصة بما يأتي:
1 - الجمع بين طريقتي الخراسانيين والبغداديين؛ وهو ما رأيناه في كتب ابن أبي عصرون، وابنُ الصلاح، والعز بن عبد السلام، والنَّوويّ، والأذرعيّ، وابنُ قاضي شهبة.
2 - تحرير المذهب؛ حتَّى إنَّ من كتبها ما يُعدّ أساس المذهب، وعليها الفتوى؛ وهو ما رأيناه في كتب النووي رحمه الله.
3 - حُسن التأليف والتبويب والتلخيص والتفريع؛ وهو ما رأيناه في كتب ابن الصلاح، والعز بن عبد السلام، والنَّوويّ، والأذرعي، وابنُ قاضي شهبة.
4 - الاطّلاع الواسع لعلمائها على كتب الشافعية السَّابقين؛ وهو ما رأيناه في فتاوى وكتب ابن أبي عصرون، والفخر ابن عساكر، وابنُ الصلاح، والعز بن عبد السلام، والنَّوويّ، وابنُ قاضي شهبة، ونلمس عند الأذرعيّ اطّلاعًا مميَّزًا، جعل المتأخِّرين ينقلون عنه نقولًا لا يجدونها عند الآخرين؛ لوقوفه على كتب نادرة يعزُّ وجودها؛ وفي "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني نحو (850) نقلًا عنه.
وسنترجم في هذه الفقرة لهؤلاء الأئمَّة الكبار؛ مبيِّنين علوَّ كعبهم في الفقه الشافعي، وأثرهم في انتشاره وتحريره؛ ذلك أنّ فترتهم الزمنيَّة غطّت عصر انتشار المذهب في بلاد الشام، وعصر الإمام العز، والفترة التي بعده:
1 -
أبو زُرْعة الدمشقي:
هو مُحَمَّد بن عُثْمَان بن إِبراهِيم بن زُرْعَة الثقفيّ: قاضي دمشق، ولي قضاء مصر سنة أربع وثمانين ومئتين ولم يلِ بعده قضاء مصر ولا قضاء الشام إلا شافعيّ المذهب غير ابن خديم قاضي الشام فإنه كان أوزاعيّ المذهب، ثم لم يزل الأمر للشافعية مصرًا وشامًا، إلى أن ضمَّ الملك الظاهر بيبرس في سنة أربع وستين وستمئة القضاة الثلاثة إلى الشافعية.
كان رجلا رئيسًا، يقال إنه الذي أدخل مذهب الشافعيِّ إلى دمشق، وإنه كان يهب لمن يحفظ مختصر المزني مئة دينار.
قال ابن زولاق: كان عفيفًا شديد التوقف في إنفاذ الأحكام، وله مال كثير وضياع كبار بالشام.
توفي أبو زرعة القاضي بدمشق سنة (302 هـ) (1).
2 -
ابن أبي عصرون:
هو عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن المطهر بن أبي عصرون بن أبي السري، القاضي الإمام أبو سعد التميميّ الموصليّ، قاضي القضاة شرف الدين: نزيلُ دمشق وقاضي القضاة بها وعالمها، مولده في (493 هـ) في الموصل.1
تفقه وقرأ بالسبع وبالعشر، وأخذ الأصول، وروى الحديث.
أقام بسنجار مدّة، ودخل حلب في سنة (545 هـ)، ودرّس بها وأقبل عليه صاحبها إذ ذاك الملك نور الدين الشهيد فلما انتقل إلى دمشق سنة (549 هـ) استصحبه معه، ودرس بالغزالية، وولي نظر الأوقاف، ثم ارتحل إلى حلب، ثم ولي قضاء سنجار وحران وديار ربيعة، وتفقّه عليه هناك خلائق، ثم عاد إلى دمشق في سنة (570 هـ)، فولي بها القضاء سنة (573 هـ)، وعظمت مكانته في دمشق.
قال ابن السُّبكيّ: وكان من أعيان الأُمَّة وأعلامها عارفًا بالمذهب والأصول والخلاف، مشارًا إليه في تحقيقات الفقه ديّنًا خيًّرا متواضعًا، ملأ البلاد تصانيف وتلامذة، وعنه أخذ الفقه شيخ الإِسلام فخر الدين ابن عساكر وغيره، وبنى له الملك نور الدين المدارس بحلب وحماة وحمص وبعلبك، وبنى هو لنفسه مدرستين بدمشق وبحلب.
ومن تصانيفه: "صفوة المذهب على نهاية المطلب" في سبع مجلدات، اختصر به "نهاية المطلب في دراية المذهب" للجوينيّ، و"الانتصار" في أربع مجلدات، و"الذريعة في معرفة الشريعة"، و"التيسير في الخلاف" وكتابه "الموافق والمخالف" مذعِنًا لدينه وورعه وسعة علمه وكثرة رياسته وسؤدده؛ توفي سنة (585 هـ) (1).
3 -
الفخر ابن عساكر:
هو عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقي، أبو منصور،1
فخر الدين ابن عساكر، شيخ الشافعية بالشام، قال فيه ابن السُّبكيّ: آخر من جُمع له العلم والعمل 1.
وُلد سنة (550 هـ)، وتفقَّه بدمشق على الشيخ قطب الدين النَّيْسابوري، وسمع الحديث من عمَّيْه الإمامَيْن الحافظ الكبير أبي القاسم والصائن هبة الله، وجماعة، وحدَّث بمكة ودمشق والقدس.
روى عنه الحافظ زكي الدين البرزالي، وزين الدين خالد، وضياء الدين المقدسي وآخرون.
وله تصانيف في الفقه والحديث وغيرهما، وبه تخرَّج الإِمام العزُّ بن عبد السلام.
كان إمامًا صالحًا، قانتًا، عابدًا، زاهدًا، ورعًا، لا يخلو لسانه عن ذكر الله، منقطعًا إلى العلم والعبادة، قليل الرغبة في الدنيا، ثقةٌ، كثير التهجد، غزير الدمعة، كثير التواضع، قليل التعصب.
وكان يزجي أكثر أوقاته في نشر العلم، وكان مطَّرح التكلف، وعرضت عليه مناصب وولايات دينية فتركها.
وهو أحد الأئمة المبرزين بل واحدهم فضلا وكبيرهم قدرًا، شيخ الشافعية في وقته.
والظاهر أنّ مواقفَ العزّ بن عبد السلام مع السلاطين كانت متأثّرة بشيخه؛ إذ أُريد الفخر بن عساكر على القضاء فامتنع.
وطلبه الملك العادل
ليلًا، وبالغ في استعطافه، وألحَّ عليه، فقال: حتَّى أستخير الله.
وخرج فقام ليلته في الجامع يتضرع ويبكي إلى الفجر فلما صلى الصبح وطلعت الشمس أتاه جماعة من جهة السلطان فأصر على الامتناع وجهز أهله للسفر وخرجت المحابر إلى ناحية حلب فردها السلطان ورَقَّ عليه وأعفاه، وقال: عيِّن غيرك.
فعيَّن له ابنَ الحرستاني؛ واتفق أهل عصره على تعظيمه في العقل والدين.
وكان فخر الدين ابن عساكر قد وقع بينه وبين الملك المعظَّم لأنّه أنكر عليه تضمين المكوس والخمور فانتزع منه المدرسة التقوِيَّة بدمشق والمدرسة الصلاحيَّة بالقدس؛ إذ كان يقيم بدمشق أشهرًا وبالقدس أشهرًا، وكان عنده بالتَّقوِيَّة فضلاء الوقت حتى كانت تسمَّى نظاميَّة الشام، وهو أول من درس بالعذراوية سنة (593 هـ).
وكان يتورع من المرور في رواق الحنابلة لئلا يأثموا بالوقيعة فيه وذلك لأنَّ بني عساكر من أعيان الشافعية الأشعرية.
قال ابن السُّبكيّ: "كان الشيخ ابن عساكر رحمه الله يفتي بجواز كتابة الصداق على الحرير وخالفه تلميذه شيخ الإِسلام عز الدين بن عبد السلام فأفتى بالمنع، وبه أفتى النووي، إلا أنه عزا ذلك إلى تصريح أصحابنا ولم أجد ذلك في كلام واحد منهم" 1.
توفِّي سنة (620 هـ)؛ وكانت جنازته مشهودة قلَّ أن وُجد مثلها 2.
4 -
ابن الصلاح:
عثمان بن عبد الرحمن بن موسى بن أبي نصر الكردي الشهرزوري، تقي الدين، أبو عمرو بن الصلاح:
ولد سنة (577 هـ).
أحد أئمة المسلمين علمًا ودينًا؛ تفقَّه على والده ثم رحل إلى الموصل، فاشتغل بها مدّة، وبرع في المذهب.
وسمع الكثير بالموصل، وبغداد، ودُنَيْسِر، ونيسابور، ومرو، وهمدان، ودمشق، وحرَّان.
روى عنه الفخر عمر بن يحيى الكرجي، والشيخ تاج الدين الفركاح، وأحمد بن هبة الله بن عساكر، وآخرون.
وتفقَّه عليه خلائق وكان إماما كبيرا، فقيهًا، محدثًا، زاهدًا، ورعًا، مفيدًا، معلِّمًا.
استوطن دمشق، وجال في بلاد خراسان، واستفاد من مشايخها، وعلّق التعاليق المفيدة، وورد دمشق ودرَّس بالمدرسة الصلاحية بالقدس، ثم ورد دمشق مقيمًا، ووليَ تدريس المدرسة الرواحيَّة والشاميَّة الجوانيّة ومشيخة دار الحديث الأشرفية، سنة (630 هـ)، وأملى بها علوم الحديث، وكانت العمدة في زمانه على فتاويه وكان لا يُمكَّن أحدًا في دمشق من قراءة المنطق والفلسفة، والملوكُ تطيعه في ذلك.
قال ابن خلكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، وله مشاركة في فنون عدة وكانت فتاويه مسدَّدة.
بلغني أنه كرر على جميع
"المهذب" [للشيرازيّ] ولم يطرَّ شاربُه، ثم ولي الإعادة عند العماد بن يونس 1.
وقال ابن الحاجب في معجمه: إمام ورع، وافر العقل، حسن السمت، متبحر في الأصول والفروع، بالَغَ في الطلب حتى صار يضرب به المثل، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة.
وقال الذهبي: كان إمامًا بارعًا حجة، متبحرًا في العلوم الدينية، بصيرًا بالمذهب ووجوهه, خبيرًا بأصوله، عارفًا بالمذاهب، جيد المادة من اللغة والعربية، حافظًا للحديث، متفننًا فيه، حسن الضبط، كبير القدر، وافر الحرمة، مع ما هو فيه من الدين والعبادة والتنسك والصيانة والورع والتقوى، وكان عديم النظير في زمانه.
كان معظّمًا في النفوس كثير الهيبة، يتأدَّب معه السلطان فمن دونه؛ ويُحكى عنه أنّه قال: ما فعلتُ صغيرة في عمري.
ومن تصانيفه: "مشكل الوسيط"، و"كتاب الفتاوى"، و"علوم الحديث"، و"أدب المفتي والمستفتي"، و"طبقات الفقهاء الشافعيَّة".
وقع بينه والعز بن عبد السلام خلافٌ مشهور حول مسائل منها صلاة الرغائب المبتدعة.
توفي بدمشق سنة (643 هـ) 2.
5 - العز بن عبد السلام: وقد ترجمناه في هذه المقدّمة.
6 - النووي: يحيى بن شرف بن مرِّي
النووي،
محيي الدِّين، أبو زكريَّا.
وُلد سنة (631 هـ)، بنوى من قرى درعا جنوب دمشق.
شيخ الإِسلام والمسلمين، وعمدة الفقهاء والمحدثين ومحرِّر المذهب الشافعيّ، ومهذّبه، ومنقّحه، ومرتّبه، صاحب التصانيف المشهورة، برع في علوم الحديث، والفقه، وألّف فيهما الكثير من المؤلّفات النافعة المباركة، مثل "المجموع"، و"منهاج الطالبين"، و"التنقيح"، و"روضة الطالبين"، و"التّحقيق"، و"تصحيح التنبيه"، و"الفتاوى"، و"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج"، و"تهذيب الأسماء واللغات" و"رياض الصالحين"، و"الأذكار".
قدم دمشق سنة (649 هـ)، وسِنُّه تسعة عشر عامًا؛ وكان قدومه دمشق بعد مغادرة
العز بن عبد السلام
دمشق إلى مصر بعشر سنوات (639 هـ)، وأخذ فيها عن علمائها الفقه والحديث والأصول والعربية.
والظاهر أنهّ لم يرَ العزّ بن عبد السلام إذ لم تردنا أخبار تؤكّد أو تحتمل لقاءه، لذلك كان تأثّره بالعزّ ضعيفًا؛ لكنّه نقل عن فتاوى الإِمام العز، في موضع واحد في كتابه "روضة الطالبين" في كتاب السير، في فصل في السلام، قوله: "وقد حث الشرع على المصافحة، وجعله الشيخ الإِمام أبو محمد بن عبد السلام من البدع المباحة، ويستحبُّ مع المصافحة البشاشة
بالوجه والدعاء بالمغفرة وغيرها" 1، كما نقل عنه في "المجموع" 2، حول الخلاف مع ابن الصلاح حول خُلوف الصائم 3. والصحيح أنهّ لم يطَّلع على هذا الكتاب "الغاية" لأننّي أُرجِّح تأليفه في مصر، كما تبيَّن من تاريخ النسخ الخطية المعتمدة، وما في "المجموع في شرح المهذّب" من نقول عن "الغاية" فهو من تدوين السُّبكيّ في "تتمّته".
وأشهر المؤلفات التي صنّفها في مذهب الشافعيّ - رضي الله عنه -:
1 - منهاج الطالبين، وهو اختصار لكتاب "المحرر" الذي ألّفه الرافعي، إلّا أن "منهاج الطالبين" يمتاز عن "المحرر" بما ضمّنه النووي من "التنبيه" على قيود بعض المسائل هي في الأصل محذوفات، ومنها مواضع يسيرة ذكرها في "المحرر" على خلاف المختار في المذهب.
ومنها إبدال ما كان من ألفاظه غريبًا أو موهمًا خلاف الصواب بأوضح وأخصر منه بعبارات جليات، ومنها بيان القولين، والوجهين، والطريقتين، والنص، ومراتب الخلاف في جميع الحالات، ومنها مسائل نفيسة ضمّها إليه ينبغي أن لا يخلي الكتاب منها.
وبذلك جاء هذا المختصر كما أراده له مؤلّفه في معنى الشرح للمحرر، إلّا أنّه أكثر تحريرًا للرأي المعتمد في المذهب.
2 - "المجموع في شرح المهذّب"، شرح فيه كتاب أبي إسحاق الشيرازي، وقد أوضح النووي منهجه في هذا الشرح فقال: "فلهذا لا أترك قولًا أو
وجهًا أو نقلًا ولو كان ضعيفًا أو واهيًا، إلّا ذكرته إذا وجدته، إن شاء الله، مع بيان رجحان ما كان راجحًا، أو تضعيف ما كان ضعيفًا، وتزييف ما كان زائفًا.
وأحرص على تتبع كتب الأصحاب من المتقدمين والمتأخرين إلى زماني من المبسوطات والمختصرات، وكذلك نصوص الإِمام الشافعيّ صاحب المذهب - رضي الله عنه - فأنقلها من نفس كتبه المتيسرة عندي كالأم، والمختصر، والبويطي، وما نقله المفتون والمعتمدون من الأصحاب".
وبيّن الإِمام منهجه في الشرح بأنّه يهتم بتبيين لغات المهذّب وألفاظه وتعريف المصطلحات الفقهية، وذكر الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة والمرفوعة والموقوفة، ويتكلّم على سندها ورجالها، ويخرّجها من كتب السنّة ويترجم لأسماء الأصحاب والعلماء والرواة، ويعرّف بهم تعريفًا موجزًا يرفع الإبهام والإشكال والالتباس عنهم، وإذا كان الحديث ضعيفًا بيّن الدليل للحكم الفقهي ولو بحديث آخر بقوله: ويغني عنه كذا.
ثمّ يسهب النووي في بيان الأحكام بعبارة سهلة، ويضم الفروع والتتمّات والزوائد والقواعد والضوابط في الفقه، ويحدّد ما اتفق عليه أصحاب الشّافعيّ.
وما انفرد به بعضهم، ملتزمًا بيان الراجح والمعتمد في المذهب، ويتتبع فتاوى الأصحاب في كتب الأصول والطبقات والشروح، فإنْ كان القول مشهورًا أو للجمهور ذكره من غير تعيين قائله، وإنْ كان القول غريبًا أضافه إلى قائله، كما يذكر مذاهب السلف من الصحابة والتابعين مع أدلتها ويبسط الكلام في الأدلّة، ويجيب عن بعضها، كما ينقل مذاهب الأئمة والعلماء، ويذكر أدلّة كل مذهب ويناقش الأدلّة، ويرجّح بينها بما يتفق غالبًا مع المعتمد والراجح في المذهب الشّافعيّ، ولكن
الإِمام النووي تُوفِّي قبل أنْ يتمّ الكتاب، وقد وصل إلى باب الربا، وجاء شرحه هذا في تسع مجلدات، ثمّ قام تقي الدين عليّ بن عبد الكافي السُّبكيّ (ت: 756 هـ) وبدأ في إتمامه، وأنجز ثلاث مجلدات ثمّ مات، وقد كمّله أحد علماء الحضارمة، كما كمّله عالم من علماء العراق، وأخيرًا انتهى "المجموع" على يد الشيخ محمد بخيت المطيعي.
3 - روضة الطالبين ونزهة المفتين، هذّب به كتاب الرافعيّ (شرح الوجيز) بطريقة متوسطة بين المبالغة في الاختصار والإيضاح، وحذف الأدلة في معظمه، واستوعب جميع فقه الكتاب، حتى الوجوه الغربية المنكرات، واقتصر على الأحكام، وضمَّ إليه في أكثر المواطن تفريعات وتتمات، واستدرك على الإِمام الرافعي في مواضع يسيرة، منبِّهًا على ذلك.
وللإمام النوويّ منهج في الترجيح وضّحه في مقدِّمته لكتاب "المجموع" فذكر القواعد التي اعتمدها في الترجيح بين أقوال الإِمام الشافعي وأوجه أصحابه المنتسبين إلى مذهبه، يخرَّجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده؛ وملخصها:
1 - القول المعضد بالدليل الذي لا معارض له، سواء كان قديما أو جديدًا هو مذهب الشافعي، حيث صحّ عنه قوله: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوا قولي".
2 - القول الجديد للشافعيّ هو مذهبه، إذا نصّ في الجديد على خلاف القديم، أمّا إذا لم يتعارض القول القديم والجديد، أو لم يتعرض في الجديد بشيء للمسألة، فالقديم مذهبه ويُفتى به.
3 - إذا تساوى القولان جِدَّةً وقُدمًا وأدلّة يعمل بآخرهما إنْ علم وإلّا فالذي رجحه الشافعيّ.
4 - فإن قالهما في حالة ولم يرجح واحدًا منهما، أو نُقل عنه قولان ولم يعلم أقالهما في وقت واحد أو وقتين وجهلنا السابق وجب البحث عن أرجحهما فيعمل به، وذلك بتطبيقه على نصوص الشافعيّ ومآخذ قواعده.
توفِّي الإِمام النووي رحمه الله سنة (676 هـ) (1).
7 - الأذرعي: هو أحمد بن أحمد بن عبد الواحد، أبو العباس، شهاب الدين
الأذرعي،
أبو الوليد.
وُلد بالشام بأذرعات (درعا) سنة (708 هـ)، ودخل القاهرة فتفقّه بها، ثمّ ألزم بالتوجه إلى حلب، وناب عن قاضيها ابن الصائغ.
والأذرعيُّ من كبار فقهاء الشافعية، وشيخ البلاد الشامية، أقبل على الاشتغال والتدريس والتصنيف والكتابة والفتوى، ونفع الناس، وله تصانيف جيدة لا يوازيه أحد من المتأخرين في كثرة النقل، وشرح المنهاج وسمّاه "قوت المحتاج إلى شرح المنهاج" في عشر مجلدات، وشرح "الروضة" بكتاب سمّاه "التوسط والفتح بين الروضة والشرح" يريد بالفتح "فتح العزيز شرح الوجيز" في عشرين مجلدًا, وله كتاب "التنبيهات على أوهام المهمات"،1
ابن قاضي شهبة"
(2/ 153)، و"طبقات الشافعية الكبرى" (8/ 395)، المذهب عند الشافعي (ص: 175)، وانظر: كتاب شيخنا عبد الغني الدقر "الإِمام النووي" ضمن سلسلة أعلام المسلمين.
وكان سريع الكتابة، مطرح النفس، كثير الجود، صادق اللهجة، شديد الخوف من الله.
يُكثر الفقهاء من النقل عنه، رغم كونه من المتأخّرين؛ والسببُ في ذلك ذكره
ابن قاضي شهبة
قال: "سكن حلب وناب في الحكم بها مدة عن ابن الصائغ أوّل ما قدم، فلما مات ترك ذلك وأقبل على الاشتغال والتدريس والتصنيف والكتابة والفتوى ونفع الناس، وحصل له كتب كثيرة لقلَّة الطلاب هناك، ونَقَل منها في تصانيفه،... وكتبُه مفيدة، وهو ثقةٌ ثبت في النقل، وكثيرٌ من الكتب التي نقل عنها قد عدمت، فأبقى الله تعالى ذكره ابن قله عنها وإيداع ما فيها من الفوائد والغرائب في كتبه" 1؛ وسبق أن أشرفُ إلى أنه يُوجد عنه في "مغني المحتاج" نحو (850) نقلًا.
تُوفِّي سنة (783 هـ) 2.
8 - ابن قاضي شهبة:
محمد بن أبي بكر بن أحمد بن محمد، أبو الفضل، بدر الدين الأسدي الشافعيّ، المعروف بابن قاضي شهبة.
شيخ الشام في وقته، وعالم الشافعية بها، والدُه المؤرّخ المشهور تقيّ الدين ابن قاضي شهبة، نسبةً لجدٍّ له كان قاضيًا في شهبة في حوران الشام.
وُلد بدمشق سنة (798 هـ)، وتفقّه على علمائها منهم والده، وزار القاهرة واجتمع بعلمائها؛ وقرأ على ابن حجر العسقلاني لمّا زار دمشق سنة (836 هـ)، "الأربعين المتباينات" له.
برع في الفقه استحضارًا ونقلًا، وناب في القضاء بدمشق من عام (839 هـ) إلى أن تُوفِّي، وتصدى للإقراء فانتفع به الفضلاء وأهل العلم.
من كتبه "الدر الثمين في سيرة نور الدين" (الشهيد)، وله شرحان على المنهاج في الفقه للنووي، أحدهما كبير سماه "إرشاد المحتاج إلى توجيه المنهاج"، والآخر "بداية المحتاج في شرح المنهاج" 1، وصنَّف غير ذلك.2345
درَّس بدمشق في مدارس الظاهرية والناصرية والتَّقَوِيَّة والمجاهدية الجوانية والفارسية والشامية البرانية، وولي إفتاء دار العدل، وصار بأخرة فقيه الشام بغير مدافع، عليه مدار الفتيا والمهم من الأحكام، وعرض عليه قضاء بلده فأبى، قال السخاويّ: "ولقيتُه... وكان من سروات رجال العالم علمًا وكرمًا وأصالة وعراقة وديانة ومهابة وحزامة ولطافة وسؤددًا.
وللشاميين به غاية الفخر... وكانت جنازته حافلة وكثر الثناء عليه ولم يخلف بدمشق في محاسنه مثله رحمه الله وإيانا" (4).
تُوفّي سنة (874 هـ) (5).
123 = 5 - تبيينُ مسائل المتنِ وإيضاحُ الغامضِ منها وشرحُ الغريبِ مِنْ ألفاظِها، وذكرُ ما يقابل الصحيحَ والأصحَّ مِنَ الأقوال، مع تعليل كل منها، والترجيح بينها.
مصطلحات الشافعيّة في الأقوال والآراء والمذاهب حتى القرن السابع
لفقهاء الشافعية مصطلحاتٌ وردت في كتبهم، وخطّها يراعهم، وتداولتها ألسنتهم، وذلك في أسماء الرجال، وعناوين الكتب التي يعزون إليها، والأقوال، والترجيح، والتضعيف، وقواعد الترجيح، وسنعرض هذه المصطلحات حسب هذا التقسيم؛ وقد رأيتُ أن تكون هذه المصطلحات في دليل مرتَّب على حروف المعجم، لينتفع بها قارئ هذا الكتاب، وكي لا يتوسع الأمر معنا كثيرًا، آثرتُ تحديده بفترة زمنيّة تمتدّ منذ نشاة المذهب الشافعيّ حتى القرن السابع الهجري عصر الإِمام المؤلّف سلطان العلماء (ت: 660 هـ) وعصر النووي (ت: 676 هـ) رحمهما الله تعالى، وإن وُجد من الاصطلاحات خارجة من هذه الفترة فقد ذُكرت لفائدة أو نكُتة.
وها نحن نشرع إن شاء الله بالمراد فنقول: إن مصطلحات أئمّة المذهب تنقسم إلى مصطلحات في الأقوال، مثل قولهم: أصل الروضة، النص، القديم، الجديد، ومصطلحات في الآراء والمذاهب، مثل قولهم: القولان، الوجهان، والطريقان، والأظهر، والمشهور، والأصح، والفحوى، وصيغ الخلاف، وصيغ الفرق.
وأمّا مصطلحاتهم في أسماء الرجال: كقولهم القاضي، والإمام، والشيخ.
ومصطلحاتهم في الكتب كقولهم: التتمَّة، وشرح التلخيص؛ فقد خصّصنا لذلك معجمًا آخر في هذا التقديم أسميناه معجم مصطلحات رجال المذهب وكتبهم المشهورة المذكورين في "الغاية في اختصار النهاية".
وقد رتّبتُ المصطلحات الواردة في الأقوال والآراء والمذاهب على
حروف المعجم، مع وضع إحالات في حال ورود الاسم بأكثر من صيغة أو احتمل للقارئ وروده بصيغة أخرى؛ مثل: الأصح = الصحيح والصواب أي مصطلح (الأصح) انظر (الصحيح والصواب).
وقد أجمعُ في رأس المصطلح الواحد أكثر من مصطلح لتقارب المعنى أو لإزالة الاشتباه الحاصل أو لفائدة مثل: (حاصله أو محصله أو تحريره)؛ وقد وضعتُ إشارة التساوي (=) لسرعة الدلالة على الموضع المطلوب، والتي تعني (انظر)؛ مثل: القول = المنصوص، وترجمتها: (القول (انظر: (المنصوص).
وقد جمعتُها من مصادر متعدّدة 1، مع إضافات يسيرة؛ جمعتُها23456789
ورتّبتُها كي تكون قريبة المأخذ لطالب العلم.
معجم مصطلحات الشافعيّة في الأقوال والآراء والمذاهب حتى القرن السابع
اتفقوا، وهذا مجزوم به، وهذا لا خلاف فيه: ويعبرون بهذه الألفاظ للدلالة على ترجيح الرأي باتفاق أهل المذهب، وجزمهم أنهّ لا يوجد مخالف بينهم لهذا الاتفاق، فهم يستعملون صيغ الترجيح هذه "فيما يتعلق بأهل المذهب لا غير" (3). الاختيار: مرادهم بهذا اللفظ ما استنبطه المجتهد من الأدلة الأصولية، وليس نقلًا عن صاحب المذهب، ولذا فإنهّ لا يعدّ من المذهب، ولا يفتى به عندهم، قال الشيخ زكريا الأنصاري: "الاختيار: هو ما استنبطه المختار من الأدلة الأصولية بالاجتهاد، أي: على القول بأن يتحرى وهو الأصح من غير نقل من صاحب المذهب فحينئذ يكون خارجًا عن المذهب12 = 9 - "مصطلحات المذاهب الفقهية"، تأليف مريم محمد صالح الظفيري؛ وجلُّ الاعتماد عليه وعلى عزوه.
ولا يعول عليه" 1.
الأرجح: الأرجح "ما كان رجحانه أكثر من غيره، ومقابله الراجح الذي تعضد بأحد أسباب الترجيح" 2 كقوة الدليل أو مناسبته للزمان أو ما اقتضاه العرف أو لشهرته.
أو: هو الذي رجح بأحد وجوه الترجيح سواء كان قولًا أو وجهًا 3.
الأشبه: هو الحكم الأقوى شبهًا بالعلة، ويُستعمل هذا فيما لو كان للمسألة حكمان مبنيان على قياسين لكن العلة في أحدهما أقوى 4. يقول الغزالي: "الأشبه أي الحكم الأقوى شبهًا بالعلة، وذلك فيما لو كان للمسألة حكمان مبنيان على قياسين، لكن العلة في أحدهما أقوى من الآخر" 5.
الأشهر: هو القول الذي زادت شهرته على الآخر، وذلك لشهرة ناقليه، أو مكانته عن المنقول عنه، أو اتفاق الكل على أنّه منقول عنه 6.
الأصح: الأصح من صيغ الترجيح بين الأوجه للأصحاب، وحيث يكون الوجه الآخر قويَّ الدليل يصل إلى درجة الصحيح، إلَّا أنّ الذي قيل
عنه أصح أقوى دليلًا.
يقول النووي: "وحيث أقول: الأصح أو الصحيح، فمن الوجهين أو الأوجه، فإن قويَ الخلاف قلت: الأصح" 1. يقول أحمد العلوي معلقًا وشارحًا قول النووي: "أي إنْ قوي الخلاف لقوة مدركه قلت: الأصح.
والأصح كما يعلم من كلامهم ما قوي أصلًا وجامعًا، أو واحدًا منهما" 2. فعند الإِمام النووي هو الوجه المختار من الوجهين أو الأكثر لأصحاب الإِمام الشافعي، أي هو الوجه الذي يزيد صحة على الآخر من وجهي أو وجه أصحاب الشافعي.
وعند البيضاوي هو القول المختار من قولي أو أقوال الإِمام الشافعي رحمه الله 3. = الصحيح والصواب، صيغ الخلاف.
الأصح أو المذهب = صيغ الخلاف.
الأصح = الصحيح والصواب.
الأصح = صيغ التضعيف والتمريض.
أصحاب الحديث: قال النووي: غلب في عرف العلماء المتقدمين والفقهاء الخراسانيين على متبعي مذهبه لقب أصحاب الحديث في القديم والحديث.
وقد روينا عن إمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وكان من حفظ الحديث ومعرفة السنة بالغاية العالية، أنه سُئل: هل سنة صحيحة لم يودعها الشافعي كتبه؟ قال: لا، ومع هذا فاحتاط الشافعي، رحمه الله، لكون الاحاطة ممتنعة على البشر، فقال: ما هو ثابت عنه من أوجه
من وصيته بالعمل بالحديث الصحيح وترك قوله المخالف للنص الثابت الصريح، وقد امتثل أصحابنا، رحمهم الله، وصيته، وعملوا بها في مسائل كثيرة مشهورة، كمسألة التثويب في أذان الصبح، واشتراط التحلل في الحج بعذر المرض ونحوه، وغير ذلك مما هو معروف، ولكن لهذا شرط قل من يتصف به في هذه الأزمان 1.
الأظهر: يُستعمل هذا الاصطلاح للترجيح بين أقوال الشافعي، سواء كان بين قولين قديمين أو جديدين أو قول قديم وآخر جديد، أو قالهما في وقتٍ واحد أو وقتين مختلفين، ولفظ الأظهر يدل على ظهور مقابله، لذلك فهو عند الإِمام النووي: الأظهر: هوالمختار من قولي أو أقوال الشافعي رحمه الله، أي هو القول الذي يزيد ظهورًا على القول الآخر من قولي أو أقوال الشافعي رحمه الله 2. ولا يأتي به النووي إلّا حينما تكون الأقوال المخالفة قوية من حيث الدليل لكن الذي عبر عنه بالأظهر أقوى دليلًا منها وأظهر.
يقول النووي: "فحيث أقول في الأظهر أو المشهور فمن القولين أو الأقوال فإنْ قوي الخلاف قلت الأظهر" 3.
ويقول أحمد بن شهاب الرملي: "ثمّ قد يكون القولان جديدين أو قديمين أو جديدًا وقديمًا، وقد يقولهما في وقتين أو وقت واحد، وقد يرجح أحدهما وقد لا يرجح، فإنْ قوي الخلاف لقوة مدركه قلت: الأظهر
المشعر بظهور مقابله" 1.
ويقول الإِمام أحمد العلوي: فالحاصل أنّه إنْ عبر بالأظهر علم أنّ مقابله قول قويٌّ أو أقوال قوية للإمام إلّا أنّ العمل على الراجح الذي وصفه بالأظهرية" 2.
أمّا الغزالي فإنّه يستعمل اصطلاح الأظهر للترجيح بين أقوال الشافعي أو وجوه الأصحاب.
فالأظهر هو: "القول أو الوجه الذي يظهر رجحانه ويزيد ظهورًا على القول أو الوجه الآخر، ومقابله الظاهر الذي يشاركه في الظهور لكن الأظهر أشد منه ظهورًا في الرجحان" 3.
وأمّا ابن حجر الهيتميّ فإنهّ يستعمل لفظ المعتمد بمعنى الأظهر: فإذا قال على المعتمد فهو الأظهر من القولين أو الأقوال" 4. = صيغ الخلاف، صيغ التضعيف والتمريض.
الأقرب: يستعمل هذا في الوجه الذي هو أقرب إلى نص الإِمام الشافعي
بالقياس إلى غيره 1.
أقرَّه فلان: إذا قالوا أقره فلان أي قبله وجزم به ولم يرده، وهذا يأتي حينما ينقل أحدهم رأي غيره ثمّ يعلق عليه آخر بقوله أقره فلان.
يقول الخطيب الشربيني وقوله: "أقره فلان أي لم يرده فيكون كالجازم به" 2.
الأقوال والأوجه: الأقوال: هي الأقوال المنسوبة للإمام الشافعي، وذلك حينما يكون له في المسألة أكثر من قول، وقد تكون هذه الأقوال ممّا قاله قبل استقراره في مصر، أي قديمة، وقد تكون جديدة أو أن يكون بعضها قديمًا وبعضها جديدًا، وحينما يقول الشافعية قولين، فإنهم يعنون أنّ لديهم قولين عن الشافعي في مسألة ما.
فما للشافعي من الأقوال في المسائل الفقهيّة يُسمى أقوالًا، إذ له في بعض المسائل قول قديم وقول جديد.
قال النووي: الأقوال للشافعي... ثم قد يكون القولان قديمين وقد يكونان جديدين، أو قديمًا وجديدًا، وقد يقولهما في وقت، وقد يقولهما في وقتين، قد يرجح أحدهما، وقد لا يرجح 3. والأوجُه: المراد بها الآراء التي يستنبطها فقهاء الشافعيّة من كلام الشافعيّ ويخرجونها على قواعده وأصوله.
وهذه الأوجه تُعدُّ من مذهب الشافعي بلا خلاف، وإن لم يؤثر عن الإِمام نصٌّ فيها؛ وقد تكون اجتهادًا لهم أحيانًا غير مبنيٍّ على أصوله وقواعده، وهذه لا تكون من
المذهب وإنّما تنسب لصاحبها.
يقول الإِمام النووي: "والأوجه لأصحابه المنتسبين إلى مذهبه، يخرِّجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، ويجتهدون في بعضها، وإن لم يأخذوه من أصله... وقد يكون الوجهان لشخصين أو لشخص ينقسم كانقسام القولين" 1. قال ابن السُّبكيّ: "وقوله [أي النووي]: "ويجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوه من أصله" يُوهم أنَّه يُعدُّ من المذهب مطلقًا, وليس كذلك، بل القول الفصل: فيما اجتهدوا فيه ولم يأخذوه من أصله أنَّه لا يُعدُّ، إلا إذا لم ينافِ قواعد المذهب.
فإن نافاها لم يُعدَّ، وإن ناسبها عُدَّ.
وإنْ لم يكن فيه مناسبةٌ ولا منافاة، وقد لا يكون لذلك وجودٌ لإحاطة المذهب بالحوادث كلِّها = ففي إلحاقه بالمذهب تردُّدٌ.
وكلُّ تخريجٍ أطلقه المخرِّج إطلاقًا، فيظهر أنّ ذلك المخرِّج إن كان ممن يغلب عليه التمذهب والتقيُّد كالشيخ أبي حامد والقفَّال عُدَّ من المذهب، وإن كان ممن أكثر خروجه كالمحمَّدين الأربعة فلا يُعدّ.
وأمَّا المزنيُّ وبعده ابن سُريج فبين الدرجتين لم يخرجوا خروج المحمدين ولم يتقيَّدوا بقيد العراقيين والخراسانيين" 2. وقد يكون الوجهان قديمين أو جديدين، أو
أحدهما قديم والآخر جديد وقد يكونا لشخصين أو لشخص، وإذا كانا لشخص فإنّهم ينقسمان كانقسام القولين، واختلف الشافعية هل تنسب هذه الأوجه المخرجة إلى الشافعي أم لا؟ يُجيب النووي بقوله: "الأصح أنّه لا تنسب" 1. والوجه: هو استنباط للأصحاب من نصوص الإِمام أو حسب قواعده، والاستنباط قياس، وأركان القياس: الأول: المقيس عليه وهو الأصل وهو ما عبر عنه بقوله ما قوي أصلًا، والثاني: المقيس وهو الفرع، والثالث: العلة وهي المعنى المشترك بينهما وهو ما عبر عنه بالجامع، والرابع: الحكم المقيس عليه، فالحكم الذي استنبطه الأصحاب وكان أقوى دليلًا، وكانت العلة المشتركة بينه وبين أصله أقوى من مقابله، أو وجد إحداهما، حكم عليه بالأصح من غيره من الأوجه.
قال الإِمام النووي تعليقًا على الأقوال والأوجه: "فالأقوال للشافعي والأوجه لأصحابه المنتسبين إلى مذهبه يخرجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، ويجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوه من أصله، وقد سبق بيان اختلافهم في أنّ المخرَّج هل ينسب للشافعي؟ والأصح أنّه لا يُنسب، ثمّ قد يكون القولان قديمين وقد يكونا جديدين، أو قديمًا وجديدًا، وقد يقولهما في وقت، وقد يقولهما في وقتين، وقد لا يرجح أحدهما، وقد يكون الوجهان لشخصين، ولشخص، والذي لشخص ينقسم كانقسام القولين" 2.
وقال أيضًا: "ليس للمفتي ولا للعامل المنتسب إلى مذهب الشافعي رحمه الله في مسألة القولين أو الوجهين أن يعمل بما شاء منهما بغير نظر، بل عليه في القولين العمل بآخرهما إن علمه، وإلا فبالذي رجحه الشافعي، فإن قالهما في حالة ولم يرجح واحدًا منهما، أو نُقل عنه قولان ولم يعلم أقالهما في وقت أم في وقتين وجهلنا السابق وجب البحث عن أرجحهما فيعمل به، فإن كان أهلًا للتخريج أو الترجيح استقل به، متعرفًا ذلك من نصوص الشافعي ومأخذه وقواعده، فإن لم يكن أهلًا فلينقله عن أصحابنا الموصوفين بهذه الصفة، فإنَّ كتبهم موضحة لذلك فإن لم يحصل له ترجيح بطريق توقف حتى يحصل.
وأما الوجهان فقد يكونان لاثنين أو لواحد، سواء قالهما في وقتين مختلفين أو في وقت واحد.
ويُعرف الراجح منهما بما سبق إلا أنه لا اعتبار فيهما بالتقدم والتأخر إلا إذا وقعا من شخص واحد، وإذا كان أحدهما منصوصًا والآخر مخرَّجًا فالمنصوص هو الصحيح الذي عليه العمل غالبًا، كما إذا رجَّح الشافعي أحدهما، بل هذا أولى إلا إذا كان المخرج من مسألة يتعذر فيها الفرق، فقيل لا يترجح عليه المنصوص، وفيه احتمال، وقيل أن يتعذر الفرق، أما إذا وجد من ليس أهلًا للترجيح خلافًا بين الأصحاب في الراجح من قولين أو وجهين فليعتمد ما صححه الأكثر والأعلم والأورع، فإن تعارض الأعلم والأورع قدِّم الأعلم، فإن لم يجد ترجيحًا عن أحد اعتبر صفات الناقلين للقولين والقائلين للوجهين؛ فما رواه البويطي والربيع المرادي والمزني عن الشافعي مقدم عند أصحابنا على ما رواه الربيع الجيزي وحرملة؛ كذا نقله أبو سليمان الخطابي عن أصحابنا في أول معالم السنن إلا أنه لم يذكر
البويطي فالحقته أنا لكونه أجلّ من الربيع المرادي والمزني وكتابه مشهور فيحتاج إلى ذكره.
قال الشيخ أبو عمرو: ويترجح أيضًا ما وافق أكثر أئمة المذاهب وهذا الذي قاله فيه ظهور واحتمال؛ وحكى القاضي حسين فيما إذا كان للشافعي قولان أحدهما يوافق أبا حنيفة وجهين لأصحابنا: أحدهما: إنّ القول المخالف أولى، وهذا قول الشيخ أبي حامد الإسفرايني فإنَّ الشافعي إنما خالفه لاطلاعه على موجب المخالفة والثاني: القول الموافق أولى وهو قول القفال وهو الأصح والمسألة المفروضة فيما إذا لم يجد مرجحًا مما سبق وأما إذا رأينا المصنفين المتأخرين مختلفين فجزم أحدهما بخلاف ما جزم به الآخر فهما كالوجهين المتقدمين على ما ذكرناه من الرجوع إلى البحث على ما سبق، ويرجح أيضًا بالكثرة كما في الوجهين، ويحتاج حينئد إلى بيان مراتب الأصحاب ومعرفة طبقاتهم وأحوالهم وجلالتهم 1 ". والغزالي لا يفرق بين الأوجه والأقوال في استعمال الأصح للترجيح بينهما؛ فالأصح عنده هو: "الرأي الراجح أي ما هو أكثر صحة من غيره، سواء كان هذا الرأي قولًا للشافعي أو وجهًا من وجوه الأصحاب، وحيث يطلق (على الأصح)، أو (هو الأصح) فإنّ ذلك يعني أنّ مقابله صحيح، غير أن ذلك أقوى منه" 2.
أمَّا ابن حجر الهيتمي فإنهّ يستعمل اصطلاح الأوجه مرادفًا لمعنى الأصح فإذا قال: "على الأوجه مثلًا فهو الأصح من الوجهين أو الأوجه" 3.
الأصحاب، ولكننا نستطيع أن نقسم آراء أصحاب الشافعي إلى قسمين:
أحدهما: آراء خَرَجَتْ على نص الشافعي وقواعده وأصوله فهذه لا يمكن نسبتها للشافعي لأنهّا ضده ومخالفة لرأيه، وهي بالنظر إلى القسم الثاني قليلة كبعض آراء أبي ثور.
والثاني: آراء تُعدُّ من مذهب الشافعي، وهي الآراء التي لا نص للشافعي فيها, ولكنّها مخرجة على أصوله وقواعده، وهذه هي الأوجه أو الوجوه التي أشرنا إليها في بداية حديثنا، وهذه أنواع:
النوع الأوّل: المسائل التي اجتهد فيها الأصحاب، ولم يخالفوا فيها قولًا للشافعي لكنّهم لم يُلحقوها بأصل من أصوله، فالنووي يعدّها أوجهًا، لأنّه لم يخالف قولًا للشافعي ولم يناهض الذي لا ينافي أصلًا من أصوله، وإنّما اعتمد أصل غيره الذي لا ينافي أصله 1.
أمّا ابن السُّبكيّ فيفصل القول في ذلك يقول: "إن ناسبها عُدّ من المذهب، وإن لم يناسبها لم يُعدّ، وإن تكن فيه مناسبة ولا منافاة وقد لا يكون لذلك وجود لإحاطة المذهب بالحوادث كلها.
ففي إلحاقه بالمذهب تردُّد" 2.
أمّا في حالة إطلاق المجتهد القول حيث لا يدري أمشى على أصل من أصول الشافعي أم مشى على أصل غيره فهنا يُفنِّدُ القول ابن السُّبكيّ فيقول: "إن كان ممن يغلب عليه التمذهب والتقيّد كالشيخ أبي حامد والقفال عُدّ
من المذهب، وإن كان ممن كثر خروجه كالمحمدين الأربعة فلا يُعد من المذهب" 1.
النوع الثاني: اختيار المجتهد لقول رجع عنه الشافعي، فالجمهور على أنّ اختياره لا يُعدّ من المذهب.
النوع الثالث: إذا وجد المجتهد حديثًا صحيحًا يخالف رأي الإِمام الشافعي وهو قليل جدًّا وله أسباب ليس هذا مقام ذكرها، فالصحيح المعتمد عند الأصحاب الأخذ بالحديث الصحيح, لأنّه هو المذهب حيث قال الشافعي: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، وتردد قلة في الأخذ بالحديث عند معارضته قول الشافعي علّه منسوخ، أو مؤول، أو صح عند غيره بطريق أقوى من طريقه، أو يكون للشافعي دليلًا غاب عنّا.
والصحيح المعتمد ما قلناه وأنّ الأخذ بالحديث واجب، ويُعدّ ذلك من مذهب الشافعي ولكن بشرطين ذكرهما النووي حيث قال: "وهذا الذي قاله الشافعي ليس معناه أنّ كل أحد رأى حديثًا صحيحًا قال هذا مذهب الشافعي وعمل بظاهره، وإنّما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب على ما تقدّم من صفته أو قريب منه، وشرطه أن يغلب على ظنّه أنّ الشافعي رحمه الله لم يقف على هذا الحديث أو يعلم صحته، وهذا إنّما يكون بعد مطالعة كُتب الشافعي كلها ونحوها من كُتب أصحابه الآخرين عنه وما أشبهها، وهذا شرط صعب قلّ من يتصف به، وإنّما اشترطوا ما ذكرنا لأنّ الشافعي رحمه الله ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها وعلمها لكن قام الدليل عنده على طعن فيها أو نسخها أو تخصيصها أو
تأويلها أو نحو ذلك" 1.
التساهل = صيغ التضعيف والتمريض.
التعسف = صيغ التضعيف والتمريض.
تنزل منزلته، أو أنيب منابه، أو أقيم مقامه: ويقصدون بالاصطلاحات السابقة عندما يقام الشيء مقام الآخر، إلّا أنّ لكلّ لفظ من الألفاظ العربية معناه الخاص، وإنْ وضع لفظ مكان الآخر فإنه قد لا يدل على المعنى بدقة، وفي هذه الحالة يستخدم الشافعية تلك الاصطلاحات، ولكن لكلِّ منها موضعه المناسب ودلالته الخاصة.
فاصطلاح "تنزل منزلته": "في إقامة الأعلى مقام الأدنى 2.
و"أنيب منابه": "في إقامة الأدنى مقام الأعلى" 3.
و"أقيم مقامه": "في المساواة" 4.
ومن حيث اللغة فإنّ: النزول: الحلول...، نزلت عن الأمر إذا تركته كأنّك كنت مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِ مُسْتَوْليًا... ونزل من علو إلى سفل: انحدر، وناب الشيء عن الشيء، ينوب: قام مقامه.
أمّا قام فلان على الشيء إذا ثبت عليه وتمسك به، ومنه قيل في