الغاية في اختصار النهايةكِتابُ الوَدِيْعَةِ

كِتابُ الوَدِيْعَةِ

2157 -

الوديعة متَّفق عليها، ولا تفتقر إلى القبول اتِّفاقًا، وفي تسميتها عقدًا خلاف، والأمانةُ مقصودةٌ فيها، تابعةٌ في الرهن والقِراضِ والإجارةِ وشجرِ المساقاة، وكل مقبوضٍ مستَحَقِّ المنفعة.

2158 -

فصل في سفر المودَع

إذا أراد السفر لزمه الردُّ على المالك، أو وكيلِهِ في قبض حقوقِه، فإن لم يجد فعلى الحاكم، ويَلزمُه القبولُ إن كان السفر لضرورةِ أو حاجةٍ حاقَّة، ثم يحفظها بنفسه أو نائبه، وإن لم تكن حاجةٌ ولا ضرورةٌ ففي وجوب القبول خلافٌ بين العلماء بالإيالة.
ولو سلَّمها وهو مقيم لم يجب القبول اتِّفاقًا.
فإنْ لم يجد الحاكمَ لم يَجُزِ السفر بها إن كان الطريق مَخُوفًا، وإن كان آمنًا فوجهان، والمذهب: المنعُ، فإن أجزناه فشرطه: ألا يجدَ عدلًا يُوْدِعه، ويحتمل أن يسافر بها، ويمتنع من الإيداع.
وإن منعنا السفر، فأودعها أمينًا، ففي تضمينه قولان خصَّهما الإمام بسفر الاختيار دون سفر الاضطرار، وقال: إن اختار السفرَ احتمل ألا يجوز

له؛ لِمَا التزمه من الحفظ في الحضر، واحتمل أن يجوز، وفي تضمينه القولان.

2159 -

فرع:

إذا وقع في البلد نهبٌ أو جلاءٌ، جاز السفر مع أمنِ الطريق، ولا ضمان.
والأمن: أن يغلب على الظنِّ انتفاءُ أسباب الخوف، ولا يتحقَّق الأمن إلا بأسبابه، كإيالةٍ ضابطةٍ، ويدِ عدلٍ باطشةٍ، وترتُّبِ الناس في الأطراف.
فإن انتفت أسبابُ الأمن والخوف فالسفرُ حينئذٍ تغريرٌ.

2160 - فرع: قال العلماء: إذا استودعها وهو مسافرٌ فله المسافَرة بها إلى مَقْصِده، ثم إلى وطنه، وإن مرَّ بمكانٍ يصلح للإقامة لم يَلْزمه الإقامةُ به، وإن أراد السفرَ بها بعد عَوده إلى وطنه ففيه احتمال.

2161 - فرع: إذا دفن الوديعة، ثم سافر ولم يُعلِم بها أحدًا، ضمن؛ لأنَّ الحرز لا يتحقَّق إلا بمراقبةٍ ولِحاظٍ معتادٍ في مثل ذلك الحرز، وإن أعلم أمينًا، وأثبت يده على مدفنها، فعلى قول الإيداع، وأولى بنفي الضمان عند صاحب "التقريب"؛ لبقائها في مكانها، ولا فرق بينهما عند الإمام؛ لأنَّ الاعتماد على يد الأمين، وإن لم يُثْبِتْ عليها يدَ الأمين، وأَسْكَنَ فيها مَن لا يداخلُهم الأمين، أو تركها خاليةً، ضَمِنَ إلَّا أن يُحيط الأمنُ بالخالية من أقطارها على

العادة في مثلها، فلا يضمن على أحد القولين.

2162 -

فرع:

إذا استَوْدَعها في قرية خرِبَةٍ تصلحُ لإحرازها، فانتقل مع الأمن إلى قرية أحصنَ وأحرزَ؛ فإن كان بين القريتين كما بين محلَّتين من بلده جاز، وإن كان بينهما مسافةُ القصر فوجهان، وفيما نَقَصَ عن مسافة القصر وجهان مرتِّبان.
والضابط لذلك في سفر المختار؛ إن بعدت المسافة فوجهان، وإن قربت؛ فإن استوى القريتان في الحرز فوجهان مرتَّبان، وإن كانت الثانية أحرزَ فوجهان مرتَّبان على المستويتين.

2163 -

فصل فيما تُضمن به الودائع

وتُضمن بمخالفة قصد المالك في جهات الحفظ، وبالتضييع، والانتفاع، وتركِ الإيصاء بها؛ لأنَّه من أسباب الضَّياع، وكذا بالجناية بفضِّ الختم، وحلِّ الكيس، أو بقصد الجناية مع الفعل.
وإذا ضمن بالتعدِّي لم يَسقط الضمانُ بترك العدوان، فإن استأمنه المالك من غير إزالةٍ فوجهان، وإن أبرأه فوجهان أصلهما ضمان ما لم يجب، لأنَّ التعدِّيَ سببٌ للوجوب عند الفَوات، وفي هذا نظر؛ فإنَّه لو أتلف العين بعد ذلك لم يبرأ 1 عند أحد من الأصحاب، فينبغي أن يُحمل الخلاف على

أنَّه: هل يسقط الضمانُ بذلك حتى يعود الأمر إلى ما كان؟

2164 -

فصل في مخالفة المالك في الحفظ

يُتَّبع في المعاملات مقتضى الألفاظ؛ فإن وُجد عرفٌ متَّسق نزِّل منزلةَ اللفظ في تقييد المطلَق، وتخصيص العامِّ، فإذا وُجد من المودَع ما يُعدُّ تضييعًا لتلك الوديعةِ، وتركًا للاحتياط المعتاد في مثلها، أو انتفع بها بركوبٍ أو لُبْسٍ، أو خالف أمرَ المالك فيما يُقصَدُ مثلُه ضمن.
وإن شرط عليه المالك ما لا يليق بالحفظ، ففي اتِّباعه خلافٌ، والمحقِّقون على أنَّه لا يُتَّبع؛ تقريبًا له من الشرط الفاسد في العقود، كما لو شرط البائع ألا يأكلَ العبدُ المبيع إلا الهريسةَ، أو ألذَّ الأطعمة.
فإن كانت دار المودَع لا تليق بربط الدابَّة؛ لضيقها، أو عِزَّتها، فربطها في إصطبلٍ قريبٍ أو بعيدٍ جرت العادة بالربط في مثله، أو كان لا يليق بمثله حفظُها وسياستُها، فاستناب في ذلك عبده، أو أجيرَه المأمونَ، جاز؛ لجريان العرف بمثل ذلك.
ولو اقتضى العرفُ ربْطَها في الدار، فربطَها في حريم الدار بمرأًى منه ومسمَعٍ، فوجهان؛ للتردُّد في العرف.

2165 -

فصل في نقل الوديعة من حرز إلى حرز

إذا عيَّن المالكُ للإحراز بيتًا أو دارًا من محلَّة، فنقل إلى بيت آخرَ،

أو محلَّةٍ من تلك البلدة؛ فإن استوى الحرزان، أو كان الثاني أحرزَ، جاز اتّفاقًا؛ حملًا لتعيين المالك على بيان قَدْرِ الإحراز، وإن كان الأوَّلُ أحرزَ من الثاني، ضمن وإن كان الثاني حرزًا لتلك الوديعة؛ لأنَّه خالف قصد المالك في قَدْرِ الإحراز.
وإن عيَّن بيتًا، أو دارًا، أو محلَّةً، ونهاه عن النقل، فحدثت ضرورةٌ تقتضي النقلَ؛ فإنْ نقل لم يضمن، وإن لم ينقل فوجهان، إلا أن ينهاه عن النقل، وإن أيقن بالهلاك فلا يضمنُ باتِّفاق العراقيِّين، وخرَّجه الإمام على الخلاف في اشتراط ما لا يليق بالحفظ.
ولو نقل لغير ضرورة؛ فإن كان المكان المنهيُّ عن النقل منه أحرزَ من الثاني ضمن، وإن استويا، أو كان الثاني أحرزَ، فوجهان، وفي "التقريب" دلالةٌ على وجهٍ ثالثٍ، وهو: التضمينُ إن استوى الحرزان، وإن كان الثاني أحرزَ فلا ضمان.

2166 -

فصل في الاستعانة على حفظ الوديعة

إذا استعان على نقل الوديعة وحراستها والإغلاق عليها بمن يختصُّ به، كعبده، وأجيرِه المأمون، وزوجته وولدِه، مع ملاحظته للحرز، جاز؛ لأنَّها في يده، وإن سلَّمها إلى أحد هؤلاء ليحفظها في حرزٍ خارجٍ عن داره من غيرِ مطالعةٍ للحرز، ضمن على الظاهر.
وإن جعلها في مخزنٍ في داره، واستحفظ فيها أحدَ هؤلاء عند خروجه

مع ملاحظته للحرز عند رجوعه، فلا ضمان على الأصحِّ، وإن لم يلاحظ الحرز عند رجوعه، ففيه تردُّدٌ؛ للتردُّد في العرف.
وإن استحفظ مَن لا يختصُّ به -كالصديق المأمون- ضمن؛ لأنَّ العرف يقتضي الاستعانة بالمختصِّين به دون غيرهم.

2167 -

فصل في جحود الوديعة

إذا جحد الوديعة بعد تلفها على حكم الأمانة لم يضمن؛ لأنَّ كلَّ عينٍ تَلِفَتْ على حكمٍ، لم يتغيَّر حكمُها بما يطرأ بعد ذلك، ويظهر تلفُها قبل الجحود باعتراف المالك.
وإن جحدها وهي باقية عنده ضمنها؛ فإن غلط في الجحد لم يسقط الضمان في الحكم، فإن صدَّقه المالك على الغلط لم يضمن عند الإمام.
وإن انتفع بها؛ ظنًّا أنَّه يملكها، ثم انكفَّ كما تبيَّن، لم يضمن عند الإمام، وإن ادَّعى الغلط في الانتفاع لم يُقبل منه.
وإن ألقاها بمضيعةٍ مع الجهل بكونها وديعةً؛ فإن تمَّ الضياعُ ضمن، وإن عرف أمرها، فردَّها إلى الحرز، ففيه نظر؛ لأنَّ أسباب التلف لا تختلف بالعمد والخطأ.
وإن ادَّعى تلفَها بعد الجحود لم يسقط الضمان، وإن ادَّعى بعد الجحود تلفَها، أو ردَّها قبل الجحود، لم يُمكَّن من الحلف على ذلك، وإن أقام البيِّنة ففي سماعها وجهان، والضابط لسماع البيِّنة في مثل هذا:

أنَّ مقيم البيِّنة إن ناقَضَها قولُه حالَ إقامتها لم تُسمع، وإن ناقضها قولُه السابقُ، ثم رجع وأقامها على وفق الرجوع، ففي سماعها وجهان.
فإن قال: حلِّفوا المالك أنَّه لا يعلم بالتلف، أو الردِّ قبل الجحود، حلف على المذهب.
ولو ادَّعى عليه بوديعة، فقال: ما لك عندي شيء، أو: لا يلزمني تسليمُ شيء إليك، فقامت البيِّنة بالوديعة، أو أقرَّ بها، ثمّ ادَّعى تلفًا أو ردًّا قَبْلَ الإنكار، قُبل قولُه مع يمينه.

2168 -

فصل في الإيصاء بالوديعة

الأولى بالمودَع أن يوصي بها مع صحَّته، فإن لم يفعل حتى فجأه الموت أو قُتل غيلةً، ولم يتمكَّن من الإيصاء، أو مَرِضَ مرضًا لا يُحسب التبرُّع فيه من الثلث، أو أدركه الهرم، فلم يوصِ حتى فجأه الموت، لم يضمن.
وإن مرض مرضًا يُحسب فيه التبرُّعُ من الثلث، وتمكِّن من الإيصاء، فتركه، أو حُبس للقتل، وتمكَّن من الأيصاء، فلم يوصِ، أو أوصى إلى فاسق؛ فإن كانت الوديعةُ تالفةً لم يضمن، وإن كانت باقيةً ضمن وإن هلكت بعد موته.
وإن أوصى بها إلى عدل وعيَّنها له، لم يضمن، وإن وصفها له؛ فإن وجدنا في تركته من جنسها ضمن، وإلا فوجهان.

فإن أقام الوارث بيِّنة أنَّها هلكت قبل موت المودَع، أو بعد موته وقبل التمكُّن من الردِّ، فلا ضمان.
وإن ثبتت الوديعة، أو أقرَّ بها الوارث، واتَّفقا على أنَّه ترك الوصيَّة، فقال المالك: قصَّر بتركها فيضمن، وقال الوارث: إنَّما لم يوصِ لأنَّها تلفت على حكم الأمانة، فوجهان مرتَّبان، وأولى بنفي الضمان.
وإن قال الوارث: لا أدري؛ هل ترك الوصيّة لأنَّها تلفت على حكم الأمانة، أم لا؟ فإن ضمَّنَّاه إذا جزم بدعوى التلف على حكم الأمانة فهاهنا أولى، وإن لم نضمِّنه ثَمَّ فالأصحُّ هاهنا وجوبُ الضمان.

2169 -

فصل في نيَّة الخيانة

الوديعة أمانة لا تُضمن إلا بالتعدِّي، واتَّفقوا على أنَّ المودَع لا يلزمه ردُّ الوديعة بنفسه، ولا بنائبه، ولا مؤونةُ ردِّها، وإنَّما عليه التخليةُ بينها وبين مالكِها إذا طلبها.
ولو نوى احتراكَها عند قبضها من المالك ضمنها على المذهب، وإن نوى احتراكَها بعد القبض ولم يُحْدِثْ فعلًا، لم يضمن على المذهب، وإن نقلها نقلًا يَسُوغُ مثلُه ونوى بذلك الاحتراكَ ضمن.
هذا إن جزم النيَّة، فأمَّا خواطرُ الوسواس مع مدافعة وازع الدِّين فلا حكمَ لها، ولو تردَّد رأيه من غير جزمٍ فلا حكم له عند الإمام.

2170 -

فصل في دعوى التلف والردِّ

إذا ادَّعى تلفَ الوديعةِ أو ردَّها قُبِل قوله اتِّفاقًا، فإن حلف برئ، وإنْ نكل في دعوى التلف حلف المالكُ على نفي العلم به على المذهب، وقيل: يحلف على البتِّ؛ لإمكان اطِّلاعه على بقائها، فإنْ ذكر سبب التلف؛ فإن كان خفيًّا يَعْسُرُ إقامةُ البيِّنة عليه فالقولُ قولُه، وإن كان ظاهرًا تَيْسُرُ إقامة البيِّنة عليه -كالحريق والسيل والنهب- ففيه طرق: إحداهنَّ: لا يُقبل قوله؛ لإمكان إقامة البيِّنة، بخلاف الردِّ؛ فإنَّ العادة إخفاؤه.
والثانية: يُقبل مع تيسُّر إقامة البيِّنة، إلا أن يكون السبب ممَّا تقتضي العادة اشتهارَه، ولا يَشْتَهِرُ، كالحريق الظاهر، والنهبِ العظيم، والسيلِ الجارف في سكّةٍ أو محلَّة، فلا تُسمع دعواه؛ لأنَّ العادة تكذِّبه، ولو طلب تحليف المالك على نفيه فوجهان؛ لأنَّ صدقَه ممكنٌ على بُعْدٍ.
الثالثة: يُقبل قوله وإنْ أَمْكَنَ صدقُه على بعدٍ، فإنْ وقع الحريق، في طرف البلدة ليلًا، وأَمْكَنَ انطفاؤه من غير اطِّلاعٍ، قُبل قولُه، وإن تيقَّنَّا أنَّه لو وقع لظهر، فلا يُصدَّق.

2171 -

فصل في الردِّ على وكيل المالك

من قواعد الشرع أنَّ الأمين إذا ادَّعى ردَّ الأمانة على مَن لم يستأمنه فلا يُقبل قوله، فإذا ادَّعى المودَعُ الردَّ على رسول المالك، فأَكذبه الرسولُ

والمالك، أو قال: دفعتُها إلى وكيلك فلانٍ، فقال: لم أوكِّله، أو قال: وكَّلته، ولم يقبض الوديعة، وتَصادَقَ المودَعُ والوكيل على القبض، فالقولُ قول المالك اتِّفاقًا.
ولو تصادق المودَع والمالك على قبض الوكيل، فأكذبهما، فالقول قولُه، وفي تضمين المودَع لتقصيره بترك الإشهاد وجهان.

2172 -

فرع:

إذا ادَّعى الأب التسليم إلى ابنه بعد البلوغ، أو جوَّزنا الإيداع، فادَّعى المودَع الثاني الردَّ على المالك، لم يُقبل إلا ببيِّنة، ولو رجع المودَع الأوَّل والوديعةُ في يد الثاني، ففي استردادها منه احتمالٌ، ولو وكَل المختصِّين به في الحفظ فله صرفُهم عن ذلك اتِّفافًا.
ولو غُصبت منه الوديعة: فهل يملك الدعوى بها ليستردَّها؟ فيه وجهان.

2173 -

فصل في حكم الوديعة بعد موت المودَع

إذا مات المودَع لم يلزم الوارثَ الردُّ، ولا مؤونةُ الردِّ، فإنْ تلفت في يده؛ فإنْ كان قد تمكَّن من إعلام المالك، فقصَّر فيه، ضمن، وإلا فلا، وهل يلزمُه طلب المالك؟ بناه الإمام على مَن أطارت الريح إليه ثوبًا، وقد قال الأصحاب: إن عرف مالكَه لزمه إعلامُه، وإن لم يعرفه لم يَلْزمه طلبُه، وقال الإمام: إن جعلنا الثوب لقطة فله حكم اللقطة، وإن لم نجعله لقطةً، فجَهِلَ المالكُ، لزمه الإشعارُ به على أظهر الوجهين، وهل يشهره سَنَةً، أو

أبدًا، أو مدَّةً يغلب على الظنِّ شيوعُ خبره؟ فيه احتمالٌ، فجعل الإمام الوارثَ في الوديعة كمن طار إليه الثوب.

2174 -

فرع:

إذا ادَّعى الوارث الردَّ على المالك، لم يُقبل قوله، وإن ادَّعى التلف، قُبل عند الإمام إلا أن يُمْكِنَه إقامةُ البيِّنة على سببه.
ولو ادَّعى المودَع الردَّ، ومات قبل الحَلِفِ، فالأمرُ على ما ذُكر، واليمينُ على الوارث، فإن غلب على ظنِّه كذبُ أبيه حَرُمَ الحلف، وإن غلب على ظنِّه صدقُه جاز، وإن استويا فوجهان.

2175 -

فصل في التنازع في أسباب الضمان

إذا اختلفا في فعلٍ يوجب الضمان في حال الاختيار دون الاضطرار، كالنقل والسفر، فادَّعى المودَع الاضطرار، وادَّعى المالك الاختيار، أو ادَّعى المالك سبب ضمان، فنفاه المودَع، أو ادَّعى المودَع سببًا يدفع الضمان، فنفاه المالك، فالقولُ قول المودَع مع يمينه.
فإنْ أضاف الهلاك إلى سببٍ من شأنه أن يَظهر إذا وقع، فعلى الخلاف السابق في مثله.

2176 -

فصل في علف الدابَّة المودَعة وسقيها

إذا لم يتعرَّض المالك للعلف والسقي حَرُمَ على المودَع التعطيلُ،

فلْيَرْفعْ إلى الحاكم، فإن رأى الحاكم بيعَها، أو الاقتراضَ على المالك، فعل، وإن أذن للمودعَ في النفقة بشرط الرجوع فوجهان.
وكل موضعٍ فيه خلافٌ يتعلَّق بالحاكم، فليس معناه الحجرَ عليه في الاجتهاد؛ فإنَّ اجتهادَه متبَّعٌ اتِّفاقًا، وإنَّما الغرضُ بيانُ مسالك النظر، ومأخذِ الأحكام.
فإن لم يجد الحاكمَ - فأَنفق، فهل يُلحق بالإنفاق على الجِمال عند هرب الجمَّال؟ فيه طريقان: إحداهما: [فيه قولان؛ كمسألة الرجوع على الجمَّال.
الثانية] 1: لا يَرجع قولًا واحدًا؛ إذ لا حقَّ له على المودِع، بخلافِ مسألة الجمَّال، ويلزم المودَعَ من النفقة ما يصونُ الدابَّة عن العيب والهلاك، فإن كانت على حدٍّ من السِّمَن فهل يجب حفظُه بالعلف، أم يجوز الحطُّ عنه قليلًا؟ فيه احتمالٌ، والأوجَهُ: أنَّها إن كانت على غايةٍ من السمن لم يلزم إبقاؤها عليه، وإن كانت على اقتصادٍ ففيه الاحتمال.
ولا يَلزمه تعاطيَ السقي والعلف بنفسه، وله الاستعانةُ بالمتَّصلين به.
فإن أجاعها فماتت جوعًا؛ فإن لم تكن جائعةً عند الاستيداع لزمه الضمان، وإن كانت جائعةً، فماتت بالجوعين، ففي الضمان وجهان كالوجهين في تجويع الإنسان، وأولى بألا يجبَ؛ إذ له حبسُ الدابَّة على الجملة، وليس له حبسُ الإنسان.

فإن ضمَّنَّاه: فهل يضمن الديةَ والقيمةَ، أو نصفهما؟ فيه وجهان.
ولو نهاه المالك عن العلف، فتركها حتى ماتت، أثِما جميعًا، ولا ضمان، خلافًا للإصطخريِّ، ولا يُعدُّ قوله من المذهب؛ فإنَّه لو قَتَلَ عبدَ إنسان بإذنه لم يضمن، ولا فرق بينه وبين الدابَّة، فإنْ خالف في العبد خرقَ الإجماع.
وإن كانت الدوابُّ تخرج للسقي، فأخرجها عبدُه أو أجيرُه في الأمن، فلا بأس، فإن طرأ في البلد ما يقتضي ألا يسَلِّم الدابَّة إلى مملوكٍ أو سائس، لزم المودَعَ أن يرعَى في كلِّ حالةٍ ما يقتضيه العرفُ فيها.

2177 -

فصل في الخيانة على بعض الوديعة وفضِّ الختم وحلِّ الكيس

إذا تسلَّم الوديعةَ مختومةً، أو مشدودةً في كيس، ففضَّ ختمَها، أو حلَّ كيسها، ضمن على المذهب، وقال الإمام: إن كان الشدُّ ممَّا يُقصَد به الصون أو الإعلام، ضمن، وإلا فلا.
وإن كان الكيس مفتوحًا، فأخذ درهمًا منه لينفقه، لم يضمن سواه، ولا يبرأُ بردِّه إلى الكيس، فإنْ ردَّ بدلَه؛ فإن لم يتميَّز عن الدراهم ضمن الجميع، وإن تميَّز لم يضمن غيرَه.
وكلُّ مَن خلط مالَه بمال غيرِه بحيث لا يتميَّز، ضمن وإنْ قلَّ مالُه، وإن ردَّه بعينه لم يضمن غيرَه إن تميَّز، وإن لم يتميَّز فوجهان.

ولو نقل الوديعة من ظرف المالك إلى ظرفٍ آخَرَ، ولم يفضَّ الختم، ففي الضمان وجهان.
وإن كان الظرفُ للمودَع؛ فالظروفُ كالبيوت، وإن استويا، أو كان الثاني أحرزَ، جاز، وإن نهاه عن النقل، فنقل، فهو كما لو نهاه عن النقل من بيتٍ فنقله إلى غيره.

2178 -

فصل في اختلاف الأحراز

إذا كان للوديعة أحراز، وفي كلِّ واحد منها احتياطٌ ليس في غيره، فللمودعَ الحفظُ في أيِّها شاء، فإذا دفع إليه دراهمَ، فله أن يحفظها في يده، وله أن يربطها في كمِّه، مع أنَّ اليدُ أحفظُ من الغَصْبِ والطَّرِّ، والكمَّ أحرزُ عند النوم والغفلة.
فإن عيَّن المالك حرزًا من هذه الأحراز، مثل أن قال: اربط الدراهم في كمِّك، فجَعَلَها في يده، أو بالعكس، فخالفه المودَعُ، فتلفت الوديعة ففيه طرق: إحداها: وجوب الضمان؛ لمخالفته المالكَ في غرضٍ مقصود.
والثانية: تنزيل الحرزين بمنزلة البيتين، وعلى هذه الطريقة: هل اليد أحرزُ من الربط في الكمِّ، أو الربطُ أحرز؟ فيه خلاف، ويتَّجه على هذه الطريقة الحكم بالتسوية، فإنْ جعلنا اليد أحرزَ، فنصَّ عليها المالك، فربط في الكمِّ، فهو بمثابة ما لو نصَّ على بيتٍ فنقل إلى ما دونه، وإن نهاه، فعلى التفصيل السابق فيما إذا عيَّن الحرز ونهى عن النقل عنه، ولو تساوت

الأحراز مع انفراد كلِّ واحد منها بنوع من الحفظ، فنصَّ المالك على بعضها، جاز النقل، كالبيتين المتساويين.
والطريقة الثالثة، وهي المذهب المشهور: إن تلفت الوديعة من جهة نقصان الحرز المنقول إليه ضمن، وإلا فلا، مثاله: إذا أمره بالربط في كمِّه، فجعلها في يده، فانتثرت بسهوٍ أو نومٍ، ضمن، وإن غُصبت منه، فمانعَ جُهدَه، لم يضمن.
وقال الشافعيُّ: إذا قال: احفظ في هذا البيت، ولا تُدخِل عليها فلانًا، فأدخله؛ فإن فاتت الوديعة بسبب الداخل، مثل أنْ سرقها، أو دلَّ عليها السارقَ، ضمن، وإن فاتت بغير سببه لم يضمن، وبنى الأصحابُ عليه ما لو عيَّن بيتًا، فنقل إلى بيت يخالفه في الإحراز؛ فإن فاتت الوديعة بسبب نقصان الثاني ضمن، وإلّا فلا.

2179 -

فرع:

إذا قال: لا ترقد على الصندوق، فخالف، لم يضمن، ولو كان النوم أمام الصندوق أحرزَ -لبُعد سرقته من تلك الجهة، وتيسُّرِها من غيرِها- فخالفه في ذلك، فهو كالمخالفة في حرزين يختصُّ كلُّ واحد منهما باحتياطٍ ليس في الآخر.

2180 -

فصل فيمن أقرَّ بالوديعة لأحد رجلين

إذا ادَّعيا عليه وديعةً، فقال: هي لأحدِكما، ولا أعرفه؛ فإن لم يدَّعيا

عليه فلا نزاع لهما معه، ولا تُضمن بالنسيان اتِّفاقًا، ولا يُستحبُّ للحاكم تحليفُه على الأصحِّ؛ إذ لا تحليف في حقوق العباد إلا بدعوى.
وإن ادَّعى كلُّ واحد منهما عليه بأنَّه المالك، حلف لهما على نفي العلم يمينًا واحدةً، ويُحتمل أن يحلف يمينين؛ لانفصال إحدى الخصومتين عن الأخرى.
ولو ادَّعى أحدهما في غيبة الآخر، فقال: لا أدري، هل أودعتني، أم رجلٌ آخر؟ فإن لم يسمِّه، وحلف على ذلك، فللآخَرِ تحليفُه إذا حضر، وإن سمَّاه ففي تحليفه احتمال، ولا نقْلَ في ذلك.
وإذا ادَّعيا معًا فله أحوال: إحداها: أن يحلف أنَّه لا يعرف المستحِقَّ منهما، فيدورُ الخصام بينهما، فإنْ تناكَلاَ عن اليمين وُقفت الوديعة بينهما على المذهب، وقيل: تُقسم، فإن قلنا بالوقف، فكان المودَع أهلًا لتركها عنده، فللحاكم تركُها في يده، وهل له انتزاعُها منه ليحفظَها بنفسه أو نائبِه؟ فيه وجهان يجريان في نظائره، وإن حلفا فهل يقتسمان الوديعة، أو يُجعل حَلِفُهما كنكولهما؟ فيه وجهان.
الثانية: أن ينكل المودَع عن اليمين، فهل يبدأ الحاكم بتحليف من شاء منهما، أو يُقْرِعُ؟ فيه وجهان، فإذا بدأ بأحدهما حلَّفه أنَّه لا حقَّ لصاحبه في الوديعة، فإن نكل صاحبه حلَّفه مرَّةً أخرى؛ للإثبات، وإن نكل مَن بدأنا به فلصاحبه الجمعُ بين النفي والإثبات.
فإن قلنا: نبدأ بمن شاء، فهل تُقسم الوديعة، أو توقَف؟ فيه وجهان،

فإن قلنا: تُقسم، فهل يغرم المودَعُ لكلِّ واحد منهما نصفَ القيمة؟ فيه وجهان مأخوذان من قولَي غُرْمِ الحيلولة، فإن قلنا بالغرم، فشرطُه أن يحلف كلُّ واحد منهما على الاستحقاق، وعلى علم المودَع باستحقاقه، فإن لم يحلفا على علمه فلا غرم، وإن قلنا بالوقف، وقد حلفا على الاستحقاق والعلم، فهل يغرم لكلِّ واحد تمامَ القيمة؟ فيه خلاف، وقال في "التقريب": يغرم لكلِّ واحد نصف القيمة، وفي النصف الآخر الخلافُ.
هذا إذا حلفا، ولو نكلا، لكان كما لو حلف المودَعُ، ونكلا بعد حَلِفه.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، دُفعت الوديعة إلى الحالف، ولا غرم للناكل.
وإن قلنا: يبدأ بالقرعة، حلف مَن خرجت قرعتُه، وأخذ الوديعة، وليس للآخر أن يحلف ليشاركَه فيها، وهل له تحليف المودَع؟ فيه خلافٌ مبنيٌّ على التغريم، ورمز في "التقريب" إلى أن التحليف بالقرعة بمثابة التحليف يبدأ به الحاكم، فلا فائدة للقرعة سوى البداية.

2181 -

فصل في الإقرار بالغصب من أحد رجلين

ولو قال: غصبتُ هذا من أحدكما، ولا أعرفُه، حلف لكلِّ واحد منهما يمينًا باتَّةً أنَّه ما غصب منه، فإن امتنع من ذلك كان ناكلًا؛ لأنَّ النسيان لا يُسقط ضمانَ الغصب، بخلاف الوديعة؛ فإنَّها لا تُضمَن بالنسيان، ولو قال لأحدهما بعد اعترافه بالإبهام: ما غصبتُ منك، سُلِّمت العين إلى

الثاني، ولا يغرم للأوَّل شيئًا إلا أن يقرَّ له، ففي الغرم خلاف، فإن لم يقرَّ له، فطلب يمينَه؛ فإن قلنا: يَغْرَمُ، حلف، وإلا فلا، فإن قلنا: يحلف، فنكل، حَلف الأوَّلُ وغرَّمه، وقيل: إن جُعلت يمين الردِّ كالبيِّنة سُلِّمت إليه العين، وهذا غلط بإجماع أئمَّة المذهب.

2182 -

فصل في إيداع الصبيِّ والعبد

ليس الصبيُّ أهلًا للأمانة، فإن أتلف مالًا بغير تسليط من المالك ضمنه، وإن وُجد من المالك ما يتضمَّن التسليط؛ كالبيع إذا سلَّم إليه المبيع، فأتلفه، فلا يضمنه في الصغر ولا في الكبر، ظاهرًا ولا باطنًا، وإن أثبت يده من غير تسليطٍ على التصرُّف، كما لو أودعه شيئًا فأتلفه، ففي تضمينه وجهان، والعبد البالغ فيما يتعلَّق برقبته كالصبيِّ، إن أتلف المبيع تعلَّق بذمَّته دون رقبته، وإن أتلف بغير تسليطٍ تعلَّق الضمان برقبته، وإن أتلف الوديعة ففي التعلُّق برقبته وجهان، فإن كان العبد صغيرًا، فما تعلَّق بذمَّة الصغير الحرِّ تعلَّق برقبته.

جارٍ التحميل