قبل البلوغ وبعده.
2384 -
فصل فيما يفسد النكاح من الشروط
إذا شُرط على الزوج في العقد ألا يتزوّج على المرأة ولا يسافر، أو لا يتسرَّى، أو أن يهب شيئًا من إنسان، صحَّ النكاح، وفسد الشرط؛ إذ لا تبطُلُ العقود إلّا بما يقدحُ في مقصودها.
وإن شُرط الطلاق فسد النكاحُ إلا على قولٍ غريبٍ.
وإن شُرط أن لا يطأ، أو أن لا يطأ إلّا مرَّة، فوجهان أجراهما الإمام في قوله: زوَّجتكما على أن لا تحلَّ لك.
ومتى وقع المفسِدُ بين الإيجاب والقبول بطل النكاح، وإن تقدَّم على العقد لم يبطل، وأَبعدَ مَن جعل التواطُؤَ قبل العقد كالواقع بين القبول والإيجاب؛ أخذًا من مهر السرِّ والعلانية، وقد لعن رسول الله المحلِّل والمحلَّل له 1، فحمل ذلك على شرط النكاح، أو توقيته بأوّلِ وطأةٍ؛ فإنَّه يُفسد النكاح اتِّفاقًا، واستدعاءُ المطلِّق التحليلَ حرامٌ على الأصحِّ، مُدخِلٌ للمحلِّل والمحلَّل له في اللَّعنِ وإن صحَّ النكاح.
2385 -
باب نكاح المحرم
نكاحُ المحرم قبل التحلُّل الأول محرَّمٌ باطل، وفيما بعده قولان.
ولا فرق بين الزوجين، والوليِّ بالولاية العامَّة أو الخاصَّة، والوكالةِ من الجانبين.
والأصحُّ جواز الرجعة، وانعقادُ النكاح بشهادة مُحْرِمَين.
2386 -
باب العيب في المنكوحة
لكلِّ واحدٍ من الزوجين فسخُ النكاح بالجنون والبَرَص والجُذام، وللمرأة الفسخ بالجَبِّ والعُنَّة، وللزوج الفسخُ بالرَّتق والقَرَن، ولا فسخ بما سوى ذلك كالبَهَق والعَمَى والقَرَع والتقريح، وفي العِذْيَوْط (1) والصنان والبَخَرِ المتفاحش الذي لا يَقبل العلاج وجهٌ: أنه يُفسخ بكلِّ واحد منهما.
وانفرد القاضي بإثبات الفسخ بكلِّ عيب يؤثِّر عند عامة الناس عيافةً وتقزُّزًا في الجماع، وقال: لو حصلت العيافةُ بعيوبٍ لا أثر لآحادها، ثبت الخيار باجتماعها.
2387 -
فرع:
قال أبو محمد: لا فسخ بالبرص والجذام إلا أن يَسْتَحْكِما، واستحكامُ الجذام بأن يأخذ العضوُ في التقطُّع.
وقال الإمام: يكفي سوادُ العضو وإن لم ينقطع، إذا قضى أهل البصر بالاستحكام.
ولم يتعرض الأصحاب لمراجعة أهل الخبرة في الجنون، ويقرب أن يقال: يراجَعون، فإن حكموا بأنه مرجوُّ الزوال فلا خيار، وإن استبعدوا1
الزوال ثبت الخيار.
2388 -
فرع:
إذا ظهرت خنوثُة أحدهما ففي الفسخ مع يقين الذكورة خلافٌ مأخذُه العيافة والشهوة.
وقيل: إن قطع بذكورة الرجل فلا فسخ، وإن ظهرت بأمارةٍ معتبرة فأوجهٌ، ثالثها: إن ظهرت بإقراره ثبت الفسخ، وإلا فلا.
2389 - فرع: إذا كانا معيبين، فإن اختلف جنس العيب ثبت الخيار، وإن اتحد فوجهان أجراهما الإمام فيما إذا كانت رتقاءَ والرجلُ مجبوب.
2390 -
فصل في حكم الفسخ قبل الدخول وبعده
للمرأة الفسخ بالعيب المقارن للعقد والطارئ بعده، وللرجل الفسخُ بالمقارن، وفي الطارئ قولان.
ولا تفسخ المرأة بالعُنَّة الطارئة بعد الدخول، وأَبعدَ مَن ألحق الجَبَّ بالعُنَّة.
وأيهما فسخ قبل الدخول أسقط فسخُه المهر ولم يجب مهرُ المثل اتفاقًا، وأيهما فسخ بعد الدخول، فإن كان العيب مقرونًا بالعقد، ففي إسقاط المسمَّى والرجوعِ إلى مهر المثل قولان يجريان في إخلاف الصفات المشروطة في العقد؛ كالحرية وشرفِ النسب وغيرهما، والنصُّ: الرجوع
إلى مهر المثل.
وإن كان العيب طارئًا، فإن لم نُسقط المسمَّى عند اقتران العيب بالعقد فهاهنا أولى، وإن أسقطناه ثَمَّ فهاهنا أوجهٌ، ثالثها: إنْ حدث العيبُ قبل الدخول سقط وإلا فلا.
2391 -
فرع:
الفسخ بهذه العيوب على الفور كالردِّ بالعيب، ولا تقف على حكم الحاكم، ولا على حضور مجلسه إلا في العُنة، ولا يرجع بالأرش في عيوب النكاح.
2392 - فرع: إذا فُسخ النكاح بالعيب فلا نفقة، ولا سُكْنَى للحائل، وفي نفقة الحامل وسكناها قولان؛ فإنَّ الفسخ يقطع آثارَ النكاح، بخلافِ الطلاق.
2393 -
فصل في الرجوع بالمهر
إذا فَسَخَ بعيبٍ طارئ فلا رجوع له بالمهر اتِّفاقًا، وإن فَسَخَ بعيب مقارِنٍ للعقد؛ فإن قلنا: لا يرجع إذا غُرَّ بالحرّيّة، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يرجع ثَمَّ، فهاهنا قولان.
فإن قلنا: يرجع، رجع على الوليِّ إن عرف العيب، وإن جهله فوجهان.
فإن قلنا: يرجع على الجاهل، رجع إن كان مَحْرَمًا للزوجة، وإلا فوجهان.
فإن قلنا: لا يرجع على الجاهل، فعلمت المرأة، وكتمت، ففي
الرجوع عليها القولان؛ فإن قلنا: يرجع عليها، فهل يترك لها أقلَّ ما يُجعل صداقًا؟ فيه وجهان.
2394 -
فصل في فسخ الأولياء بالعيب
إذا رضيت المرأة بالعيب؛ فإن كان طارئًا فلا فسخ للأولياء اتِّفاقًا، وإن اقترن بالعقد فأوجُهٌ، ثالثها: لا فسخ إلا بالبرص والجنون والجذام، وقال العراقيّون: لهم الفسخ بالجنون، ولا فسخ بالجَبِّ والعنَّة، وفي البرص والجذام وجهان، وهذه الطريقة أحسن.
2395 -
فرع:
إذا دعت الوليَّ إلى التزويج بمَعيبٍ، لم تَلْزمه الإجابةُ إن أثبتنا الخيار، وإن لم نثبته لزمته الإجابة، فإن امتنع كان عاضلًا.
2396 -
فصل فيمن شرط كفر المرأة أو إسلامها فأُخلف شرطه
إذا شُرِط في الزوج أو الزوجة صفةٌ؛ كالحرّيّة والرقِّ، والكفر والإسلام، والنسب وغير ذلك، فأُخلفت الصفة بمثلها، أو دونَها، أو أفضلَ منها، ففي صحّة النكاح قولان، أصحُّهما: الصحّة، ولو أُخلفت الصفة المشروطة في البيع صحَّ اتِّفاقًا.
فإن قلنا: لا يصحُّ النكاح، فدخل بها، وجب المهر والعِدَّة، ولا نفقة ولا سكنى للحائل، وفي الحامل قولان.
فإن شَرَطَ كفرَ المرأة أو إسلامَها، فأُخلف، وقلنا: يصحُّ النكاح؛ فإن شرط أنَّها كتابيّة، فظهرت مسلمة، فلا خيار اتِّفاقًا، وإن شرط الإسلام، فظهرت كتابيّةً، تخيَّر على ظاهر المذهب.
ولو شَرَطَ إسلامَ العبد المبيع، فأُخلف، تخيَّر اتِّفاقًا، ولو شَرَطَ كفرَه، فأُخلف، تخيَّر على ظاهر النصِّ؛ فإنَّ الكافر زائد الماليَّة؛ لرغبةِ الكفرةِ والمسلمين فيه، وهذا قولُ الجمهور.
وقيل: لا خيار؛ لأنَّ زيادة ماليَّته إنَّما حصلت بكفره، فكان ما يقابلُها من الماليَّة كثمن الخمر.
وقيل: إن كَثُرَ أهل الذمَّة ببلد الشرك، أو قَرُبَ من بلاد الكفَّار؛ بحيث يُتوقَّع طروقُهم، ورغبتُهم في شرائه، ثبت الخيار، وإلا فلا.
فإن أثبتنا الخيار، فأتلف هذا العبد، ضَمِنَ بما يُبذَلُ فيه وإن زاد على ثمن المسلم، وإن لم نثُبت الخيار لم يضمن ما زاد بسبب الكفر، كما يجوز شراءُ الجارية العوَّادة 1، ولو أُتلفت لم تُضمن إلا بقيمتها بتقدير أنَّها لا تُحسِن الغناء.
2397 -
باب الأمة تغرُّ من نفسها
لا يُتصوَّر التغرير بالحرية إلا من الأمة، أو من وكيل السيِّد؛ فإنَّ السيِّد لو ذكر حريّتها لعتقت عليه.
فإذا غرَّه الوكيلُ بالحرية، وقلنا: يصحُّ النكاح؛ فإن كان ممَّن لا يَحِلُّ له نكاح الإماء بطل العقد، وإن حلَّ له نكاحُ الإماء فله حالان:
إحداهما: أن يكون حرًّا، فيتخيَّر على المذهب الأصحِّ.
وقيل: فيه وفي العبد أقوال، ثالثها: يتخيَّر الحرُّ دون العبد، فإن خيَّرناه، فأجاز، لزمه المسمَّى، ولم يرجع به على الغارِّ، وإن فسخ قبل الدخول، أو بعده، ففي سقوط المسمَّى وثبوتِ مهر المثل التفصيلُ والخلافُ المذكور في الفسخ بالعيب.
فإن علقت منه بأولادٍ بعد معرفته برقِّها، فهم ملكٌ لسيِّدها، وإن علقت بهم قبل معرفة الرقِّ انعقدوا أحرارًا، وعليه قيمتُهم باعتبارِ يوم ولادتهم، يَرجع بها على الغارِّ إجماعًا، وفي رجوعه بالمهر القولان، والأصحُّ: أنَّه لا يرجع، فإن قلنا: يرجع، أو أراد الرجوع بقيمة الولد، فلا يرجع حتى يغرم، وأبعد مَن أثبت الرجوعَ قبل الغرم.
ويجري هذا الخلافُ في رجوع الضامن قبل الأداء، وفي رجوع
العاقلة على شهود القتل إذا رجعوا بعد صرف الدية، وقبل الغرم.
وإن كانت الأمة هي الغارَّةَ، تعلَّقت قيمةُ الولد والمهر بذمَّتها دون كسبها ورقبتها.
2398 -
فرع:
إذا غرَّم الوكيلَ أُخذ منه جميعُ المهر، وإن أغرم الأمة فهل يبقى لها ما يجوز جعلُه صداقًا؟ فيه وجهان.
الحال الثانية: أن يكون عبدًا، فإن أبطلنا النكاح، فظهر الرقُّ قبل الدخول، فلا مهر ولا متعة، وإن ظهر بعد الدخول وجب مهرُ المثل في ذمَّته، أو رقبته، أو كسبه؟ فيه أقوالٌ أضعفُها: آخرها.
وإن قلنا: يصحُّ، ففي تخيُّره قولان، فإن أثبتناه فأجاز، أو نفيناه، لزمه المسمَّى في كسبه.
وإن فسخ؛ فإن قلنا: لا يسقط المسمَّى بالفسخ، فهو في كسبه، وإن أسقطناه بالفسخ فمهرُ المثل في ذمَّته، أو كسبه، أو رقبته؟ فعلى الأقوال، ويَقْوَى تعلُّقه بالكسب هاهنا؛ فإنَّه مهر نكاحٍ صحيحٍ مأذونٍ فيه.
وإن علقت منه بأولادٍ قبل معرفته بالرقِّ فهم أحرارٌ.
2399 - فرع: إذا غرَّ الوكيل بحرية المكاتَبة فالمهرُ لها اتِّفاقًا، وفي الرجوع على الوكيل القولان، وفي قيمة الولد خلافٌ مبنيٌّ على أنَّه يتكاتب عليها أم لا، وفيه قولان، فإن قلنا: لا يتكاتب، فهو حقٌّ للسيِّد أو للأمّ؟ فيه قولان.
وإذا غرم الزوجُ قيمةَ الولد [رجع] (1) على الوكيل إن كان هو الغارَّ، وإن كانت المكاتبةُ هي الغارَّةَ؛ فإن جُعلت القيمةُ للسيِّد رجع بها الزوجُ على المكاتبة، وإن جُعلت لها سقطت عن الزوج؛ إذ لا وجه لأخذها منه، ثم ردِّها عليه.
وإن رجع عليها بالمهر، فهل يترك لها ما يجوزُ جعلُه صداقًا؟ فيه الوجهان، وإذا لزمها قيمةُ الولد لم يتعلَّق برقبتها، بل يؤخذ من يدها، فإن لم يكن فمِن كَسْبِها، فإن فَضَلَ شيءٌ فهو في ذمَّتها يؤخَذُ بعد العِتْق.
2400 -
فصل في الجناية على الولد
إذا انعقد الولد حرًّا، فوضعته ميتًا، فلا شيء للمالك إلا أن ينفصل بجنايةٍ، فتجب الغرَّةُ على العاقلة.
وللجاني أحوالٌ:
الأولى: أن يكون أجنبيًّا، فتُصرف الغرَّةُ إلى أبي الجنين وجدَّته، وفيما يُصرف إلى السيّد وجهان، أصحُّهما: الأقلُّ من قيمة الغرَّة أو عُشْرِ قيمة الأمِّ، وبنى الأصحابُ هذا الخلاف على أنَّ جناية العبد: تُفدى بأرشها، أو بالأقلِّ من الأرش أو القيمة؟ والأصح: أنَّه يُفدى بالأقلِّ.
واختار القاضي إيجاب عُشْرِ الغُرة، وفداءَ جناية العبد بالأقلِّ؛ لأنَّ الزوج فوَّت الرقَّ بظنِّه، ولم يفوِّت عند جناية عبده شيئًا، فإنْ أوجبنا الأقلَّ1
لم يلزمه أداؤه حتى يأخذ الغرَّة، فإن كان معه جدَّةٌ لزمه الأقلُّ من العُشر أو خمسةِ أسداسِ الغرَّة، وإن أوجبنا العُشْرَ لزمه الجميع، وإن لم يقبض الغرَّة، وكان معه الجدَّة.
الحال الثانية: أن يكون الجاني هو الزوج، فلا حقَّ له في الغرَّة، فإن أوجبنا العُشر صُرفت الغرَّة إلى الورثة، وعلى الزوج العشرُ للسيِّد، وإن أوجبنا الأقلَّ أُخذ عُشر قيمة الغرَّة، وصُرفت إلى السيِّد، فإن فَضَلَ من الغرَّة شيءٌ فهو للورثة، وإن لم يفضل شيءٌ، أو نقصت الغرَّة عن العُشر، فلا شيء للورثة.
الثالثة: أن يكون الزوجُ الجاني عبدًا، فتتعلَّق الغرَّة للوارث برقبته، وما يُصرف إلى السيِّد من العشر أو الأقلِّ بذمَّته.
الرابعة: أن يكون الجاني عبدًا للزوج، فتتعلَّق الغرَّة برقبته إلّا ما يرثه الزوج، فإن لم يكن وارثٌ عن الزوج لم يتعلَّق بالرقبة شيء، ولكنَّه يُجعل كالقابض للغرَّة؛ لأنَّا برَّأنا عبده لأجل مِلْكِه، فرجعت الفائدة إليه.
الخامسة: أن يكون الجاني هو السيِّد، فالغرَّةُ للورثة، ومقتضَى طريقة القاضي: أنَّ على الزوج العُشْرَ للمالك، وعلى قول الجمهور: لا يُصرف إلى السيِّد شيءٌ حتَّى توجد الغرَّة، فيُصرفَ إليه الأقلُّ حينئذٍ، قال الإمام: لا يتَّجه على قياس القاضي ولا الجمهور أن يُصرف إلى السيِّد شيء؛ إذ يَقبح أن تكون جنايته سببًا فيما يُصرف إليه.
2401 -
فصل فيمن تزوَّج امرأة ظنَّها حرَّة أو مسلمة فأُخلف ظنُّه
إذا تزوَّج المسلم امرأة ظنَّها مسلمةً، فبانت كتابيةً، أو ظنَّها حرةً، فظهرت أَمَةً، وهو أهلٌ لنكاح الأمة، فالنصُّ: ثبوتُ الخيار في الكتابيَّة دون الأمة، وقيل: لا خيار فيهما؛ لبعد النكاح عن الخيار، ولذلك لا يثبت فيه خيارُ مجلسٍ، ولا شرطٍ، ولا رؤيةٍ.
وخرَّج بعضهم المسألتين على قولين؛ فإنَّ غلبة الإسلام والحرية تنزَّلُ منزلةَ التغرير بالشرط.
ومنهم مَن قرَّر النصَّين، وفرَّق: بأنَّه لا علامة للحرية والرقِّ، بخلافِ الكفر؛ فإنَّ شعار الوليِّ فيه ظاهرٌ، فإذا عُدم كان ذلك تلبيسًا منه، فأشبه الشرط.
وفرَّق الإمام: بأنَّ النفوس تنفر من وطء الكوافر دون الإماء، وبنى الخلافَ على أنَّ الكفر والرقَّ هل يُلحقان بالعيوب؟ فيه أوجهٌ؛ ثالثها: جَعْلُ الكفر عيبًا، والرقِّ ليس بعيبٍ.
2402 -
فرع:
لو ظنَّت المرأة حرية الزوج، فبان عبدًا، ففي تخيُّرها خلاف.
2403 -
فصل في التغرير بالفضائل والأنساب
إذا شُرط الزوج أنَّه عربيٌّ، أو قرشيٌّ، فأُخلف، ففي انعقاد النكاح
قولان يجريان في إخلاف جميع الأوصاف.
فإن قلنا: ينعقد، فبان نسبُه دون نسبها، فلها الخيار اتِّفاقًا، فإن فسخت قبل الدخول، أو بعده، أو أجازت، فعلى ما ذكرناه في خيار الفسخ بالعيب في المهر وغيره، إلّا أنَّ لأوليائها الفسخَ إن أجازت؛ دفعًا للعار عن النسب.
وإن ظهر نسبُه مثل نسبها أو أفضل، وقلنا: ينعقد النكاح، ففي تخيُّرها قولان، واختار المزنيُّ إثبات الخيار، واستبعده الإمام؛ لبعدِ النكاح عن الخيار.
فإن قلنا: تتخيَّر، فأجازت، فلا خيار للأولياء؛ إذ لا عارَ.
ولو زوَّج أمته، وشَرَطَ حرية الزوج، فأُخلفت، وقلنا: يصحُّ النكاح، فلا خيار للأمة، وفي تخيُّر السيد القولان، وأولى بثبوتِ الخيار عند أبي محمد؛ لتضرُّره بضيق النفقة.
ولو شُرطت المرأة نسيبةً 1، فأُخلف، وقلنا: يصحُّ النكاح؛ فإن بان دون نسب الزوج ففي تخيُّره قولان؛ إذ لا عار عليه في نكاح الخسيسة، وإن بان مثل نسب الزوج، فقولان مرتَّبان عند أبي محمد، ولا وجه للترتيب عند الإمام؛ إذ لا مأخذ للخيار إلا إخلافُ الشرط.
والحاصل: أنَّ حرية الزوج إذا شُرطت فأُخلفت، ثبت الخيار، وفي ظنِّ الحرية خلاف، ولها الخيارُ بإخلاف شرط النسب إن بان دون نسبها، وإن بان مثلَه أو أفضلَ فقولان.
ولو زوَّجها من مجهولٍ بإذنها، فبان عدمُ الكفاءة، فلا خيار اتِّفاقًا إلا في ظنِّ الحرّيّة.
ولو شرط حريتها، فأُخلفت، فأقوالٌ؛ ثالثها: التفرقةُ بين الحرِّ والعبد.
وفي إخلاف إسلامها قولان.
وفي ظنِّ إسلامها وحريتها خلافٌ.
فإن أُخلف نسبها، فبان دون نسب الزوج أو مثلَه فقولان.
2404 -
فصل في حكم الفسخ والانفساخ
كلُّ فسخٍ وقع بعيبٍ مقترنٍ بالعقد، أو شَرْطٍ ذُكر فيه، فإنَّه يُسقط المهر قبل الدخول، وهل يُسقطه بعد الدخول، ويوجب مهرَ المثل؟ فيه قولان.
والفسخ بالعيب الطارئ إن وقع قبل الدخول أسقط المهر، وإن وقع بعد الدخول؛ فإن لم نُسقط المسمَّى في العيب المقارِنِ فهذا أولى، وإن أسقطناه ثَمَّ فهاهنا ثلاثةُ أوجهٍ، ولا فرق بين الزوجين في جميع ذلك.
وأمَّا ما يقتضي الانفساخ من الأسباب، كالردَّة وغيرها؛ فإن وقعت قبل الدخول من المرأة سقط المهر، وإن وقعت من الرجل شطَّرت المهر، وإن وقعت بعد الدخول لم يسقط المسمَّى على النصِّ؛ فإنَّها لا تستند إلى العقد، بخلافِ العيوب، وألحقها بعضُهم بالفسخ بما يطرأ من العيوب.
2405 -
فصل في وقت الشروط في البيع والنكاح
لا أثر للشرائط المفسدةِ للبيع والنكاح وسائر المعاملات إلا أن تقترن بالعقد، وكذلك شرطُ الأجل والخيار، واشتراطُ الفضائل والمناقب في البيع والنكاح، فإنْ تقدَّم الشرط، ثم وقع العقد مطلقًا، ثبت حكمُ الإطلاق باتِّفاق، وإن تقدَّم عليه واتَّصل به، فلا أثر له إلا على وجهٍ بعيدٍ مأخوذٍ من مسألة مهر السرِّ والعلانية.
وإن قُرن التغرير بالحرية بالنكاح ثبتت أحكامه، وإن تقدَّم عليه بحيث يُعدُّ متَّصلًا به ثبتت أحكامه عند الإمام، واسْتَدَلَّ بأنَّ تغرير الأمة والمكاتَبة مُثْبتان الأحكام مع تعذُّر اقترانهما بالعقد، وبَنَى على ذلك أنَّ مَن اعترف بحرية أمة، ثم توكَّل في تزويجها بعد أيام، فليس بتغريرٍ 1، ولو توكَّل في التزويج، ثم قال: هذه حرَّة؛ ترغيبًا في التزويج، ثمَّ زوَّج متَّصلًا، فقد غرَّ، وإن لم يرغِّب في التزويج، ثمَّ زوَّج على القُرْب، أو ذكر ذلك للترغيب، ثمّ زوَّج بعد زمنٍ يُعدُّ مثلُه فصلًا، فقد تَرَدَّدَ في ذلك، والعرفُ هو المحكَّم في الاتِّصال والانفصال.
وإن كانت الأمةُ هي الغارَّةَ، فلا يُتصوَّر اقتران تغريرها بالعقد، وحكمُه في الاتِّصال والانفصال كحكم تغريرِ الوكيل.
وقال: إذا حكمنا بفساد النكاح عند إخلاف شرط الحرية أو غيرها
من الصفات، فلا بدَّ من اقتران الشرط بالعقد؛ لأنَّه من المفسِدات، فإن تقدَّم لم يفسد إلا على الوجه البعيد.
ولا تَثبتُ أحكام التغرير إلا إذا صدر من العاقد أو المنكوحة، فمَن سمع عدولًا يقولون: هذا العبد كاتبٌ، فاشتراه بناءً على قولهم، فأُخلف، فلا خيار له اتِّفاقًا، ولو سمع من يقول: هذه حرَّةٌ، فتزوَّجها اعتماد، على قوله، فأُخلف، لم يرجع عليه بشيء.
2406 -
باب الأمة تعتق وزوجها عبد
إذا عَتَقَتِ الأمة أو المستولَدةُ أو المكاتبةُ أو مَن بعضها حرٌّ فلا خيار لها إن كان زوجها حرًّا، وإن كان عبدًا، أو فيه جزء من الرقِّ، ثبت لها الخيارُ: على الفور، أو التأبيد، أو إلى ثلاثة أيّام؟ فيه أقوال أظهرها: الأوّل.
فإن جُعل ثلاثًا فابتداؤها من حين علمت بالعتق وبالخيار، وإن جُعل على الفور فحكمُه حكمُ الردِّ بالعيب، وإن جُعل مؤبَّدا لم يسقط إلا بالإسقاط، أو الإجازة، أو التمكين من الوطء مع العلم بحقيقة الحال.
فإن مكَّنت من الوطء، فلم يطأ، لم يسقط الخيار، وإن وطئها مكرِهًا، وقبض على فمها، لم يبطل خيارها اتِّفاقًا؛ لعجزها عن النطق بالفسخ، وإن لم يقبض على فمها ففيه تردُّدٌ للإمام، وإن وطئها بتمكينها، ثم ادَّعت الجهل، ففي قبول دعواها قولان، وفي محلِّهما طريقان:
إحداهما: أن تدَّعي الجهل بالعتق، ولا وجه لهذا؛ فإنَّ الأصل عدم علمها.
والثانية: أن تدَّعي الجهل بثبوت الخيار، فلا تُقبل على قول، كنظيره من الردِّ بالعيب، وتُقبل على الآخر؛ لأنَّ خيار العتق غيرُ مشهورٍ عند العوامِّ، وطرد الإمام القولين في دعواها الجهلَ بخيارِ الجنون والجذام، وفي دعوى
الزوج الجهلَ بخيار الرَّتَق والقَرَن.
والضابط لإسقاط الخيار: أنَّ كلَّ ما يُشعِر بالرضا؛ من وطءٍ، أو تأخيرٍ، أو جهلٍ، أو غيرِ ذلك، إذا ادَّعى الجهل به؛ فإن غلب على الظنِّ كذبُ المدَّعي لم تُقبل دعواه، وإنْ أَمْكَنَ صدقُه على بُعدٍ، كدعوى الجهل بردِّ المبيع بالعيب، لم نصدِّقه، ولو صدَّقه البائع على الجهل ثبت الخيار اتِّفاقًا.
2407 -
فرع:
قطع الأصحاب بأنَّ خيار عيوب النكاح على الفور، ومنهم مَن خرَّجه على الأقوال في خيار العتق.
2408 - فرع: إذا اختارت المقام فالمهرُ المسمَّى للسيد، فإن كانت مفوِّضةً فمهرُ المثل للسيد إن عتقت بعد الدخول، وإن عتقت قبل الدخول فهو للسيد إن أوجبناه بالعقد، وإن أوجبناه بالوطء فوجهان أظهرهما: أنَّه لها، وإن فسخت قبل الدخول سقط المهر وإن جُعل للسيّد، وإن فسخت بعد الدخول لم يسقط المسمَّى، ولم يخرَّج على القولين في الفسخ بالعيب، ولا على الخلاف في الانفساخ بالردَّة؛ لأنَّها لا تملك المهر، والفسخُ سببُه طارئ.
2409 - فرع: إذا عتق الزوج قبل فسخها سقط خيارها على الأصحِّ، ولا يُشترط في الخيار أن تكون مكرهةً على النكاح، ولذلك تتخيَّر المكاتَبة اتِّفاقًا.
2410 -
فرع:
إذا عتقت الطفلة، أو كان زوجُها عنِّينًا أو مجنونًا، ثبت لها الخيارُ بعد البلوغ، ولا ينوبُ أحد عنها.
2411 - فرع: إذا قالت: إن عتقتُ فقد رضيتُ بالمقام مع رقِّ الزوج، فلا عبرة بقولها.
2412 - فرع: إذا عتق زوج الأمة فلا خيار له على الأصحِّ.
2413 - فرع:
إذا طلَّقها بعد عتقها طلاقًا رجعيًّا نفذ، ولم يَبطل الخيار، وإن طلَّقها طلاقًا مُبينًا، أو ثبت لها الخيار بعيبه، فأبانها بالطلاق، نفذ على الأصحِّ، وسقط الخيار، وقيل: يوقف؛ فإن فسخت بان بطلانُه، وإن أجازت نفذ.
ولو وطئها، ففسخت، وقلنا: لو طلَّقها بائنًا لم ينفذ الطلاق، فلا ينعطف الفسخُ على الوطء.
2414 -
فصل في عتق الرجعيّة
إذا عتقت الأمة في عدَّة الرجعة فلها أحوال: الأولى: أن تُجيزَ النكاح، فلا تنفذ إجازتُها وإن قلنا بالوقف؛ فإنَّ شرط الوقف أن يكون محلُّ التصرُّف قابلًا لمقصوده، كما لا يُوقف بيعُ
الخمر على تخلُّلها، وقيل: تصحُّ إجازتها، وينفذ (1) إبطال الفسخ.
الثانية: أن تعجِّل الفسخ، فينفذ، وهل تبني على عدَّة أمةٍ، أو تستأنف عدَّة حرّة؟ فيه قولان.
الثالثة: أن ترتقب ما يكون من الزوج، فلا يبطل خيارُها، وإن جُعل على الفور؛ فإن ارتجعها فلها الفسخُ والإجازة؛ فإن فسخت فهل تبني على عدَّة أمةٍ، أو تستأنف؟ فيه قولان، فإن قلنا بالبناء، فهل تبني على عدَّةِ حرّةٍ أو أمة؟ فيه قولان.
2415 -
فرع:
إذا عتقت المطلَّقة البائن في العدَّة فلا خيار لها، وتعتدَّ عدَّة أمةٍ على القديم، وفي الجديد قولان.
1
2416 -
باب أجل العنِّين
العُنّة: هي العجز عن الوطء لآفةٍ في الذَّكَرِ، أو ضعفٍ في الدماغ، أو القلب، أو الكبد، أو مرضٍ في الجسد، وليست مأيوسةَ الزوال.
ولو عنَّ عن امرأة دون أخرى، تثبت أحكامُ العنَّة اتِّفاقًا، وكذلك لو عنَّ عن القُبُلِ دون الدبر، أو عنَّ عن افتضاض البكر دون الثيِّب.
ولا تثبت إلا لإقرار الزوج أو بيمين الردِّ، ولا تُسمع الشهادةُ بنفس العنَّة، وإن سَمع الشاهد إقرارَه لم يَجُزْ أن يشهد بنفس العنَّة، بل يشهدُ على إقراره؛ فإنَّ مَن سمع إنسانًا يقرُّ لرجلٍ بدار، فلا يجوز أن يشهد له بمِلْكِ الدار.
وإذا ثبتت العنَّة فلا يُفسخ بها في الحال اتِّفاقًا، بل يَضْرِبُ له الحاكم سنةً وإن كان عبدًا، ويعرِّفه أنَّه إن وطئ في السنة استمرَّ النكاح، وإن لم يطأ فلها الفسخُ بعد السنة.
ولا يَضْرِبُ المدَّةَ إلّا بطلب المرأة، فإن سكتت، واحتُمل أن يكون سكوتُها لدهشةٍ أو جهلٍ بالطلب، عرَّفها الحاكم ما لها وعليها، فإن سكتت بعد ذلك لم يَضْرِبِ المدَّة، كما لا يحلِّف إلا بطلب الخصم.
فإن جهلت حكم الواقعة، وأصرَّت على طلب ما ثبت لها في الشرع،
ضَربَ المدَّة، وبيَّن حكمها.
هذا إن أقرَّ، فإن أنكر فالقولُ قوله، فإن حلف انقطع الخصام، وإن نكل رُدَّت عليها اليمين، فإن حلفت كان حَلِفُها كإقراره، وإن نكلت كان نكولُها كحَلِفهِ، وأبعد أبو إسحاق المروزيُّ، فمنع من ردِّ اليمين؛ تعليلًا بأنَّها لا تعرف العنَّة، وهو باطلٌ بردِّ اليمين في نيَّة كنايات الطلاق، ولأنَّها تعرف ذلك بقرائن الأحوال، وكثرةِ المِرَاس، وعلى مذهبه: لا معنى لتحليفه إذا أنكر؛ إذ لا فائدةَ لنكوله، ويُحتمل على مذهبه أن يُقضى بالنكول وتُضرب المدَّة.
2417 -
فصل في حكم العنَّة بعد الأجل
إذا مضت السنة من غير وطءٍ، ففسخت قبل الرفع إلى الحاكم، لم ينفذ اتِّفاقًا.
وإن رفعت الأمر إليه، فاعترف الزوج بأنَّه لم يطأ، ففيمن يفسخُ وجهان:
أحدهما: أنَّه الحاكم، فإن أذن لها كانت نائبةً عنه.
والثاني: الزوجة، كما في سائر العيوب.
وهل يُشترط أن يقول الحاكم: ثبت حقُّك، فتخيَّري؟ فيه وجهان.
وإن ادَّعى الوطء في المدَّة، فالقولُ قوله، فإن حلف لم تفسخ، وإن نكل رُدَّت عليها اليمين، فإن حلفت كان حَلِفُها كإقراره بأنَّه لم يطأ، وفيمن يتولَّى الفسخ الخلافُ.
2418 -
فرع:
فراق العنَّة فسخٌ باتِّفاق الأصحاب، ولا يقف تأجيلُ الإيلاء والديةِ على ضرب الحاكم، بخلاف العُنَّة.
2419 -
فصل في مطالبة السليم بالوطء
إذا اعترفت المرأة بقدرة الزوج على الوطء، وطالبت به، لم يُجْبَرْ على المذهب، وقيل: يُجبر على وطئها (1)؛ ليتقرَّر المهر، أو ليوفِّيها حقَّها من الاستمتاع، فلو برئ من المهر، أو زوَّج رجلٌ عبدَه من أمته، فهل لها الطلب؟ فيه وجهان مأخذُهما المعنيان.
ولو تزوَّجت الأمة بحرٍّ أو عبدٍ لأجنبيٍّ: فالطلب للسيِّد، أو للأمة؟ فيه الوجهان، فإن استُمهِل أُمهِل قَدْرَ ما يتهيَّأ لذلك في العادة، فإن اعتذر بمرضٍ، أو عجزٍ ليس بعنَّة؛ فإن ظهرت مخايلُ صدقه أُمهل اتِّفاقًا، وإن امتنع لغير عذرٍ حُبس، ولم يتعرَّضوا لجعله كالمُوْلي بعد المدَّة في التطليق، ولا يَبْعُدُ أن يُلحق به.
2420 -
فصل في بيان أحكام الوطء
كلُّ حكم علَّقه الشرعُ بالوطء فهو معلَّقٌ بتغييب الحشفة من غير1
استثناءٍ، وذلك كالتحليل والإحصان، ووجوب الحدِّ، والكفَّارة، والغُسل، وحرمةِ المصاهرة، وفسادِ العبادة، وسقوطِ الطلب بالفيئة، والرفع بسبب العنَّة.
فإن قُطعت الحشفة تعلَّقت الأحكام بقَدْرِها من ذلك الذَّكر عند الجمهور، وقيل: لا تتعلَّق إلا بالإيعاب، وهو ظاهر النصِّ، والمذهبُ: الأوّل.
فإن بقي من الذكر أقلُّ من الحشفة فلا حكم لذلك، بل هو بمثابة المجبوب، وإن قُطعت الحشفة، فلم يمتنع الجماع، فهو كالسليم، وإن امتنع فهو كالعنِّين، ولو بقي ما يمكن به الجماع، فادَّعت عجزه، وأنكر، فالقولُ قوله، خلافًا لأبي إسحاق، ولعله لا يطرد مذهبه في قطع بعض الحشفة.
وتغييب الحشفة: أن يشتمل عليها ملتقى الشُّفْرين، فلو انقلب الشُّفْران إلى الباطن، فلم يلقَ الحشفةَ منهما إلّا البشرةُ الظاهرةُ، ففيه تردُّدٌ للإمام.
وتُفْطِر الصائمةُ بإيلاج بعض الحشفة، كما لو أولجت من إصبعها قدرَ نصف الحشفة، وقال أبو محمد: لا تفطر إلا بإيلاج الحشفة، واستدلَّ بأنَّ الكفَّارة تلزمُها على أقيس القولين، وقال: الاختلاف في طهارة رطوبة الفرج مأخذُه أنَّ ما وراء ملتقى الشُّفْرين إلى قَدْرِ حشفةٍ معتدلةٍ هل يثبت له حكمُ الظاهر كالفم؟ وقطع الإمام بأنَّه باطنٌ، واعتذر عن الكفَّارة بتغليب حكم الجماع على وصول ما يصل إلى الباطن.
2421 -
فصل في رضا المرأة بالإقامة
إذا رضيت بعد المدَّة بالإقامة سقط حقُّها اتِّفاقًا، ولو رضيت في أثناء المدَّة فقولان.
ولو فسخت بالعنَّة، ثم نكحته مع العلم ببقائها، فقولان.
ولو أبانها بعد الدخول، ثم نكحها وعُنَّ، ثبتت أحكام العنَّة.
ولو رضيت بالمقام بعد المدة، ثم طلَّقها طلاقًا رجعيًّا، ثم ارتجعها، لم تملك الفسخَ، وإن أبانها ثم نكحها، فقولان بناهما الأصحابُ على قولي عود الحِنْثِ، وبناهما الإمام على القولين السابقين.
فإن قلنا تفسخ، وهو الأصحُّ، وجب ضربُ المدَّة في النكاح الثاني؛ فإنَّ العنَّة الواقعة في النكاح الأول مرجوَّةُ الزوال، وتُتصوَّر العدَّة قبل الدخول باستدخال مائه، أو الوطءِ في الدبر، أو بالخلوةِ على قول.
2422 -
فصل في التنازع في الإصابة
إذا تُنوزع في نفي الإصابة وإثباتها، فالقاعدة: أنَّ القول قول النافي 1، فيؤاخَذُ كلُّ واحدٍ منهما بموجَبِ قوله فيما عليه.
والقول قول النافي 2 للإصابة، إلا أن يدَّعي الرجل وقوعَها في أَجَلِ
العنَّة، ومدَّةِ الإيلاء، فالقولُ قوله مع يمينه، فإن همَّ باليمين، فادَّعت البكارة، وأثبتتها بأربع نسوة، فالقولُ قولها مع يمينها، فإن حلفت ثبت الفسخ، وإن نكلت رُدَّت اليمين عليه، فإن حلف ثبتت الإصابة، وانقطع الخصام، وإن نكل كان نكوله كحلفها، وأبعد من قال: لا تَفسخ إلا أن تحلف.
وإن تنازعا بعد الطلاق في الإصابة، فالقولُ قولُه مع يمينه، وعليه شطرُ الصداق، فإن أتت بعد ذلك بولدٍ يلحقُه، فإنْ لاعَنَ فالحكمُ على ما كان، وإن لم يلاعِنْ حلفت على الإصابة، ولزمه إكمالُ الصداق.
فهذه المسائل الثلاث (1) مستثناةٌ اتّفاقًا.
ولو طلَّق بعد الخلوة، ثم اختلفا في الإصابة، فالقولُ قوله في أصحِّ القولين.
2423 -
فرع:
إذا طلَّق، ثمَّ اختلفا في الإصابة، فلهما حالان:
إحداهما: أن تدَّعيَها المرأةُ، وينكرها الزوج، فالقولُ قوله مع يمينه، وعليه نصفُ المهر، وله التزوُّجُ بأختها وبنتها وأربعٍ سواها في الحال، وعليها العدَّةُ، فلا تتزوَّج فيها، ولا نفقةَ لها عليه، ولا سُكنى.
الثانية: أن يدَّعيها الرجل، فتنكرها، فالقولُ قولُها مع يمينها، ولها النكاحُ من ساعتها، ولا عدَّة عليها، ولا سُكْنَى لها، ولا نفقةَ، ولا ينكحُ1
أختها في عدَّتها، ولا ابنتَها، ولا أربعًا سواها، وعليه شطرُ المهر، فإن قبضت الجميع فقد أقرَّ لها به، وهي تنكره، ففيه الخلافُ المذكورُ في الأقارير.
وقال أبو محمد: إنَّما يتَّجه نفيُ العدَّة في هذه الصورة في الطلاق المُبين، فإن كان الطلاقُ رجعيًّا احتُمل ألا تُصدَّق في الإصابة، كما في امرأة المُوْلي والعنِّين؛ فإنَّ الأصل دوامُ النكاح، ويُحتمل أن يُقال: الطلاق قاطعٌ للنكاح، فمن ادَّعى استدراكًا فعليه البيِّنةُ.
2424 -
فروع متفرّقة:
الأوّل: إذا حِيل بينهما في المدَّة اضطرارًا وجب ألا يُحسب عليه، فإن قال: لا تعذروني؛ فقد جرَّبتُ نفسي، فلم أجد منها قدرةً، لم يُلتفت إليه؛ لأنَّ النفس تنبسطُ عند مِراس النساء، كما تركُدُ عند طول التعزُّب، وإن اختار الانعزال؛ فإن اتَّحد بلدُهما حُسبت المدَّة اتِّفاقًا، وكذلك إن غاب إلى بلدةٍ أخرى على الأظهر؛ فإنَّ انعزاله دليلُ عجزه.
الثاني: الجَبُّ المقترنُ بالعقد والطارئُ قبل الدخول مثبتٌ للفسخ على الفور، ولو طرأ الجَبُّ أو العنَّة بعد الدخول فلا فسخ بالعنَّة، وفي الجَبِّ وجهان مشهوران أجراهما في طريان البرص والجذام بعد الدخول.
وإن اطَّلعت بعد الدخول على عيبٍ مقرونٍ بالعقد؛ فإن جوَّزنا الفسخ بطارئ العيب فهذا أولى، وإن منعناه ثَمَّ فالظاهرُ ثبوتُه هاهنا، وفيه احتمال.
الثالث: عنَّة الخصيِّ كعنَّة الفحل، وفي ثبوت الفسخ بمجرَّد الخِصاء قولان؛ أقيسُهما: أنَّه لا يثبت؛ لبقاء آلة الجماع، فإن ادَّعى الإصابة، فأكذبتْه، فالقولُ قوله مع يمينه، خلافًا لأبي إسحاق.
الرابع: لا تجري أحكام العنَّة على الصبيِّ؛ إذ لا عبرة بإقراره، وغلط المزنيُّ في ذلك.
الخامس: فسخُ العنَّة موجبٌ لسقوط المهر، وحكى الإصطخريُّ قولين غريبين: أحدهما: التشطُّر.
والثاني: وجوبُ الجميع.
ولا عدَّة عليها في القولين؛ لعدم الدخول.
ولا وجه لِمَا حكاه.
السادس: إذا بال الخنثى بأحد الفرجين أكثر من الآخر، أو أسبق، أو أبطأ، فلا عبرة بشيء من ذلك على المذهب، واعتبره في القديم، ولو سبق أحدُهما، وأبطأ الآخر، ففيه تردُّدٌ للإمام على القديم.
2425 -
باب الإحصان الموجب لرجم الزاني
الإحصانُ: بالبلوغ، والعقل، والحرية، والوطءِ في نكاحٍ صحيحٍ، وإن كانت الزوجة غيرَ محصَنةٍ، كالرقيقة.
ولا ترتُّب بين العقل والحرية والبلوغ، وفي ترتُّبِ الوطء عليها وجهان أصحُّهما: أنَّه لا يُشترط، فلو جامع في الصِّبا أو الجنون أو الرقِّ، ثمّ حصَّل بقيَّةَ الصفات تمَّ الإحصان.
2426 -
فصل في العزل
يجوز العزل عن السُّرِّيَّة اتِّفاقًا مع الكراهة، وفي الزوجة الرقيقة وجهان، وفي الحرَّة طريقان:
إحداهما: التحريم إن لم تأذن، وإن أذنت فوجهان.
والثانية: الجواز إن أذنت، وإن لم تأذن فوجهان.
والمستولَدة مرتَّبةٌ على الأمة، وهل هي أولى بالمنع أو الجواز؟ فيه طريقان.
ولم يتعرَّض الأصحاب لإذن الأمة المزوَّجة والمستولَدة، فيُحتمل أن
يُشرط إذنُ الأمة؛ لحقِّها في الفراش.
فإن قلنا بالتحريم فقد حمله الإمام على قصد العزل دون الاتِّفاق، وقَطَعَ بأنَّ مَن عَنَّ له الانكفافُ عن امرأة، ولم يجرِّد قصد العزل، فلا يحرم عليه ذلك، وقال أبو محمّد: يُكره في جميع الصور، ولا يحرم.
2427 -
فصل فيمن زوَّج إحدى ابنتيه، ثمَّ اختلفوا
إذا زوَّج الأبُ إحدى طفلتيه، ثم مات، فلهما بعد البلوغ حالان: إحداهما: أن تدَّعي كلُّ واحدة أنَّها المزوَّجةُ؛ فإن صدَّق الزوجُ إحداهما، ثبت نكاحها إن قبلنا إقرارَ النساء بالنكاح، وللأخرى أن تحلِّفه لأَجْلِ المهر على الأصحِّ، وأبعدَ مَن خرَّجه على قولي الغرم؛ لاتِّفاقهم على أنَّ المرأة لو ادَّعت نكاحًا بمهرٍ معلومٍ لسُمعت دعواها؛ لأنَّها ادَّعت مالًا، وأضافته إلى سببه.
فإن قلنا: يحلف، فحلف، سقط المهر، وحقوقُ النكاح، وإن نكل رُدَّت عليها اليمين، فإن نكلت كان نكولُها كحَلِفِه، وإن حلفت؛ فإن جُعلت يمينُ الردِّ كالبيِّنة ثبت المهر، ولم يبطل النكاح الأوّل على الأصحِّ، وقيل: يبطل، وينقطع النكاح الثاني؛ لإنكاره، وهذا باطل؛ فإنَّ يمين الردِّ لا تُجعل كالبيِّنة في حقِّ غير 1 المتخاصمَيْنِ، وإن جُعلت كالإقرار فالنكاح الأوّلُ بحاله.
وقيل: يرتفع النكاحان، كما لو صدَّق الثانيةَ بعد تصديق الأولى.
وهذا باطلٌ؛ فإنَّه لم يوجد منه لفظٌ يقتضي رفع النكاح.
فإن حكمنا ببقاء الأوّل، وبأنَّ الثانيَ لا يرتفعُ، وهو المذهبُ، ثبت المهرُ على المذهب، وقيل: لا يثبت؛ فإنَّه فرعٌ لنكاحٍ غيرِ ثابتٍ، وإن أثبتناه فهو نصف المسمَّى إن جُعل الإنكار قطعًا للنكاح، وإن لم يُجعل قطعًا للنكاح، اتَّجه إيجابُ الجميع إلا أن ينجِّز الطلاق.
الثانية: أن تنكر كلُّ واحدة أنَّها المزوَّجة؛ فإن ادَّعى الزوج على إحداهما فالقولُ قولُها مع يمينها، وسقط الطلب عن الأخرى، وغلط من جعل القولَ قولَه.
فإن جُعل القولُ قولها، فحلفت، انتفى النكاحان في الحكم، وإن نكلت رَدَدْنا اليمين عليه، فإن حلف 1 ثبت النكاح، وإن نكل كان نكوله كحلفها.
ولو وقع التنازعُ مع بقاء الأب؛ فإن أنكَرَتاه قُبِلَ إقرار الأب؛ لأنَّه مُجْبِرٌ، وإن أقرَّتا، فأكذبهما الأبُ، صحَّ الإقرار عند الأصحاب، وفيه نظر؛ إذ في إقرار المرأة بدوام النكاح خلاف، فإن قبلناه فهل يُقبل إقرارُ البكر مع وجود المجبِر؟ فيه وجهان، فإن قبلناه، فأقرَّت لإنسانٍ، وأقرَّ المجبِر لآخر، احتُمل أن يبطل الإقراران، أو يُحكم بالأسبق منهما.
2428 -
فصل في دعوى الزوجة أنَّها مَحْرَمٌ للزوج
إذا أَذِنَتِ الثيِّب أو البكرُ المالكةُ لأمرها في التزوُّج بمعيَّن، ثمَّ ادَّعت أنَّه أخوها من الرضاع، لم يُقبل قولُها، فإن اعتذرت بأنِّي أذِنْتُ بناءً على الظاهر فبان خلافُه، ففي سماع دعواها للتحليف خلافٌ؛ كالخلافِ فيمن أقرَّ بالرهن والقبض، ثم اعتذر بالاعتماد على كتابٍ بان تزويرُه، وهذا أولى بالقبول؛ لظهورِ الاحتمال، وإن لم تعتذر؛ فإن لم تُسمع الدعوى مع العذر لم تُسمع هاهنا، وإن سمعناها ثَمَّ فهاهنا وجهان.
ولو أُجبرت البكر الصغيرةُ أو البالغة، ثم ادَّعت المَحْرَميّة، سُمعت دعواها وبيِّنتُها، فإن لم تكن بيِّنةٌ، فالقولُ قولها مع يمينها عند الأكثرين، وفيه وجهٌ.
ولو باع الحاكم مالَ الغائب في حقٍّ، فادَّعى الغائب بعد البيع أنَّه وَقَفَه أو باعه قبل بيع الحاكم، لم يُقبل على أظهر القولين.
ولو اكتفى الأخ بصمت البكر؛ بناءً على الأظهر، ثم ادَّعت المَحْرَميّةَ، ففي إلحاق الصمت بصريح الإذن وجهان، وقال الإمام: تُسمع دعواها، ولا يُقبل قولها.
2429 -
فروع شتَّى:
الأوَّل: إذا تزوَّج جاريةَ أبيه بألفٍ، ثم وَرِثَها عنه، انفسخ النكاح، وصُرف الصَّداق في دَيْنِ الأب، فإن لم يكن دينٌ، ولا وارثَ سواه، سقط الصَّداق، وإن كان معه وارثٌ، أعطاه نصيبه منه، فإن كان الانفساخُ قبل الدخول، ففي لزوم شطر المهر وجهان؛ إذ لا نسبة للفسخ إليه.
ولو زوَّج ابنته بعبده، فورثت عنه نصفَ الزوج، انفسخ النكاح، فإن كان قبل الدخول ففي التشطُّر الوجهان، وإن كان بعد الدخول تعلَّق نصف الصداق بنصيب الوارث، ولا يُطلب النصف الآخر في الرقِّ، وفيما بعد العتق وجهان.
ولو زوَّج عبده بأمته، لم يثبت الصَّداقُ وإن باعها قبل الدخول فوطئها 1 في ملك المشتري؛ إذ لا يجب للسيّد دينٌ على عبده.
الثاني: إذا زوَّج أمته، ثمّ قال: زوَّجتُكَها وأنا مجنونٌ، أو: محجورٌ؛ فإن لم يُعهد منه ذلك فالقولُ قولُ الزوج، وإن عُهد فوجهان.
ولو وكَّل الوليُّ في التزويج، ثم أحرم، وجرت صورة العقد من الوكيل، فقال الوليُّ: زوَّجتُها بعد الإحرام، وقال الزوجُ: بل قبل الإحرام، فقد نصَّ الشافعيُّ على أنَّ القول قولُ الزوج.
الثالث: إذا اختلطت أختُه من الرضاع أو النسب بنساء، فجهلها؛ فإن كَثُرْنَ بحيث يَعْسُرُ عدُّهنَّ على الآحاد، فله التزوُّجُ بمن شاء منهنَّ، فإن كان فيهنَّ من يعلم أنَّها أجنبيّةٌ، فله نكاحُ مَن شاء منها أو من غيرها، وفيه احتمال، وكذلك يجوز الاصطياد إذا اختلط الصيدُ المملوك بصيدٍ تعسَّر عدُّه على الآحاد، ولا عبرة بعسر العدِّ على المملوك والولاة.
وإن اختلطت بنسوةٍ معدودةٍ، لم ينكح واحدة منهنَّ على المذهب، وقيل: يصحُّ مع شدّة الكراهة، وهو بعيدٌ.
الرابع: إذا زوَّج الذِّمِّيُّ ابنتَه الصغيرةَ بذمِّيٍّ، أو ابنَه الصغيرَ، ثمَّ حُكم بإسلام الزوج أو الزوجةِ بإسلام أحد الأبوين، ففي تشطُّر المهر وجهان، وأولى بالوجوب إذا حُكم بإسلام الزوج؛ فإنَّ الانفساخ مضافٌ إلى وصفٍ فيه.
الخامس: إذا ادَّعت على إنسان التزوُّجَ بألف، فأنكر، فحُكم بالنكاح بشاهدين، ثم رجعا، فهل يغرمان نصفَ المسمَّى للزوج؟ فيه وجهان؛ لأنَّهما أثبتا له البُضْعَ في مقابَلةِ الصَّداق، فإن قلنا: لا يغرمان، فشرطُه أن يكون مهرُ المِثْلِ ألفًا أو أكثر، فإن كان خمسَ مئة غرما خمسَ مئة؛ إذ لا مقابل لها.
ولو شهد اثنان بالنكاح، واثنان بالإصابة، واثنان بالطلاق، فحُكِمَ بشهادة الجميع، ثم رجعوا، ففي تغريم شهود النكاح الوجهان، ولا غرم على شهود الطلاق؛ لاعترافه بأنَّهم لم يفوِّتوا عليه شيئًا، وغَلِطَ مَن أوجب الغرم، وأمَّا شهودُ الإصابة؛ فإن شهدوا بالنكاح، وبالإصابة فيه، فالأصحُّ: أنَّهم يغرمون النصف، ويشاركون شهود النكاح في غرم النصف الآخر؛ فإنَّ الوطء إتلافٌ على كلِّ حالٍ، وأَبعدَ مَن قال: لا يغرمون.
وإنْ شهدوا بالإصابة وحدَها؛ فإنْ تأخَّرَ تاريخها عن النكاح فهو كما لو شهدوا بالإصابة وبالنكاح، وإن كان التاريخان مُطْلَقين لم يغرموا؛ إذ لا غرم على الزوج؛ لجواز أن تكون الإصابة زنًا.
السادس: إذا ادَّعى زيدٌ زوجيَّة امرأة، فأنكرت، فأقام بيِّنةً، وادَّعت زوجيَّةَ عمرو، فأنكر، أو سكت، فأقامت بيِّنةً، قُدِّمت بيِّنة زيد؛ لأنَّها مُثْبِتةٌ للحقِّ، وبيِّنةُ المرأة مثبتةٌ لسبب الحقِّ.
وقال أبو عليٍّ: إذا سكت عمرٌو اتَّجه أن يُحكم بتعارض الشهادتين.
وقال الإمام: إذا لم يُذكر المهر، فأنكر عمرو، فلا وجه لسماع دعواها وبيِّنتها، إلّا إذا قلنا: لا ينقطع النكاح بالإنكار، فيكون مقصودُها إثباتَ حقوق النكاح في المستقبل، وهذا وجهٌ بعيد عن مذهب الشافعيِّ.