كتاب الأيمان
3772 -
اليمينُ: تحقيقُ الأمر بذكر أسماء الله تعالى، وصفاته الأزليَّة نفيًا وإثباتًا فيما مضى، وإقدامًا وإحجامًا فيما يُستقبل، وألفاظها: صريحٌ وكنايةٌ، وهي أربعة أقسام:
الأوَّل: أن يقولَ: والله، أو بالله 1، أو يذكر أسماءً للذات، أو لصفة الذات، أو لصفة الفعل؛ كالخالق والرازق، فهذا أعلى الأقسام، فإن نوى اليمينَ، أو أطلق، انعقدت يمينهُ، وإن ورَّى، لم يُقبل في حقوق العباد؛ كالإيلاء، وهل يُديَّن؟ فيه طريقان:
إحداهما: لا يُديَّن.
والثانية: فيه وجهان.
الثاني: أن يحلفَ بصفة أزليَّة؛ كقدرة الله وعلمه وإرادته، أو بصفة ترجع إلى الذات والصفات؛ كالعزَّة والكبرياء والجلال، ففيه طرق:
أشهرُها: أنَّه إن نوى، أو أطلق، انعقدت اليمين، وإن ورَّى، قُبل باطنًا، وفي الظاهر وجهان.
والطريقة الثانيةُ: إلحاقُه بالقِسم الأوَّل في جميع التفاصيل.
والطريقة 1 الثالثةُ، وهي عراقيَّة: إن ذكر صفات 2 الذات؛ كالقدرة، والعلم، والإرادة، والكلام؛ فإن نوى، أو أطلق، انعقدت يمينهُ؛ لأنَّ هذه الصفات قد يُعبَّر بها عن متعلَّقاتها، وإن ذكر الكبرياءَ والجلال، فهو كالقسم الأوَّل، وهذا لا يصحُّ؛ لجواز أن يُقال: عاينتُ كبرياءَ الله وجلالَ الله.
الثالث: أن يقولَ: أقسمتُ بالله، أو حلفت بالله، أو أقسم بالله، أو أحلف بالله، ففيه طرق:
أشهرُها: إن نوى، انعقدت يمينُه، وإن أطلق، لم تنعقد على الأصحِّ، وإن أراد بالماضي الخبرَ عن يمين ماضية، وبالمستقبل يمينًا مستقبلة، قُبِل.
الثانية: أنَّ قوله: (أقسم)، أو (أقسمت) يمينٌ في الإطلاق.
الثالثة: ينعقد بقوله: (أقسم)، ولا ينعقد بقوله: (أقسمت)، وهذا بعيدٌ.
ولو قال: (شهدت بالله)، أو (أشهد بالله)، فهو عند المراوزة كـ (أقسمت بالله)، أو (أقسم بالله)، وعند العراقيّين كنايةٌ اتفاقًا، فإنَّه يُستعمل في غير الأيمان، بخلاف لفظ الإقسام.
وإذا قال المُلاعِنُ: (أشهد بالله)، ونوى اليمينَ، [أو جعلناه] 3 صريحًا، ففي وجوب الكفَّارة إن كان كاذبًا وجهان يقربان من القولين في كفَّارة الإيلاء؛ لأنَّ مقصودَهما قطعُ النكاح، فضعف فيهما قصدُ اليمين، فإن ورَّى باليمين،
احتمل الوجهين، فإنَّ التوريةَ لا تؤثر في تحليف الحكَّام.
الرابع: أن يقول: (أقسمت) أو (أقسم)، ولا يذكر اسمًا معظَّمًا، فلا ينعقد اليمينُ وإن نواها، لاتّفاقهم على (1) أنَّها لا تنعقد إلَّا (بذكر اسم) (2) معظَّم من أسماء الذات أو الصفات، فإن قال: (والشيءِ الموجود)، ونوى به الله عز وجل، لم تنعقد يمينُه.
3773 -
فصل في حروف القسم وبعض ألفاظه
وهي الباء، ثمَّ الواو، وأمَّا التاء: فمختصَّة باسم الله بهذا اللفظ، والأصحُّ: أنَّها صريحةٌ في القسم كالباء، فلو قال له الحاكمُ: قل: (بالله)، فقال: (تالله)، أو قال: (والرحمن)، لم يعتدَّ بيمينه، وإن قال: قل: (بالله)، فقال: (والله)، ففيه تردُّد للإمام.
وإن أسقط حرفَ القسم، فقال: (الله لأفعلنَّ)؛ فإن رفع اسم الله، لم تنعقد اليمينُ إلَّا بالنية، وإن كسر الهاء أو نصبها؛ فإن نوى، انعقدت يمينُه، وإن أطلق، فوجهان، والنصب مرتَّب على الكسر، وأولى بألَّا ينعقدَ، وإن قال: (بلَّه) بإسقاط الألف، لم ينعقد يمينُه، فإن البِلَّةَ الرطوبة، فلم يذكر اسمًا لله، وقال أبو محمَّد: إن نوى، كان حالفًا لاحنًا.
ولو قال: (وخلق الله)، (ورَزْق الله)، (وإحياء الله)، لم ينعقد يمينهُ؛12
إذ لا فرقَ بين الخلق والمخلوق.
ولو قال: وحقِّ الله، فالمذهب أنَّه كنايةٌ؛ لتردُّده بين استحقاق الطاعة والإلهية، وأبعد مَنْ ألحقه بالصفات.
وإن قال: (وعظمة الله)، أو (وحرمة الله)، فالأصحُّ: أنَّه كالصفات، وأبعد مَنْ جعله كـ (حقِّ الله)، وإن قال: (لعمر الله)، ففيه طرق:
إحداهنَّ: أنه كناية.
والثانية: أنَّه كالصفات؛ لأنَّه حلف ببقاء الله.
والثالثة: إن قال: (وعَمرِ الله)، انعقدت، وإن قال: (لعمرُو الله)، فهو كناية، وقيل: كلاهما كناية؛ لأنَّهما لم يَشِيعا في معنى البقاء.
وإن قال: (وايم الله)، فهو كناية، أو كالصفات، أو كقوله: بالله؟ فيه أوجهٌ؛ أبعدُها آخرُها.
وإن قال: (وعهد الله)، أو قال (1): (عليَّ عهد الله)، فهو كنايةٌ اتِّفاقًا، وإن ذكر اسمًا لله مشتركًا؛ كالحقّ، والعليم، والجبَّار، والرحيم، فقد مال أبو محمَّد إلى أنَّه كناية.
3774 -
فصل في الحلف بغير الله
الحلفُ بغير ذات الله وصفاته؛ كالنبيِّ، والكعبة مكروهٌ، وقيل: يحرم على قول، والأوَّل أصحُّ، ويكره الإكثارُ من الحلف بالله، ولا ينبغي أن يحلفَ1
إلَّا على حثٍّ على طاعة، أو زجر عن معصية.
3775 -
فصل في حكم المحلوف عليه بعد الحلف
لا يغيِّر اليمينُ حكمَ المحلوف عليه، فمَنْ حلف على واجب، أو مندوب، أو حرام، فهذه الأحكامُ بعد الحلف كما كانت قبل الحلف، وإن حلف على مباح، فهل تبقى إباحتُه، أو يُستحبُّ تركه، أو فعله؟ فيه ثلاثةُ أوجه، وإن حلف على ترك مكروه؛ كدخول بلد فيه بدعٌ وأهواء، لم يُستحبَّ له الحِنْثُ اتّفاقًا، وأبعد مَن استحبَّه، وقطع الإمامُ ببقاء الكراهة.
وتجب الكفَّارة باليمين الغموس، وهي أن يحلفَ على نفي ماضٍ، أو إثباته مع علمه بكذبه.
3776 -
فرع:
إذا قال: (أسألك بالله، أو أقسم عليك بالله) لتقومنَّ؛ فإن نوى اليمينَ، انعقدت، وإن نوى المناشدةَ؛ لتقريب غرض، أو أطلق، لم تنعقد.
3777 -
باب لغو اليمين
وهو ما يجري على اللسان في الغضب واللِّجاج من غير قصد إلى عقد اليمين؛ كقوله: لا والله، وبلى والله، فلا كفارة فيه، ولو 1 جرى مثلُه في الطلاق والعتاق، لوقعا؛ إذ لا عادةَ فيهما، بخلاف الأيمان.
3778 -
باب الكفَّارة [في الأيمان] (1) قبل الحِنْث
لا تجب الكفَّارةُ قبل الحِنْث، وأبعد مَنْ أوجبها، ووقَّت الإخراجَ بالحِنْث، ويُستحبُّ ألَّا يُكّفرَ حتَّى يحنثَ، فإن كفَّر قبل الحِنْث 2 لم يجزئه، وإن كفَّر بعد الحلف، وقبل الحنث؛ فإن كفَّر بالصوم، لم يجزئه على المذهب، وإن كفَّر بالمال؛ فإن كان الحِنْثُ مباحًا، أجزأه، وكذا المحرَّم على الأصحِّ، وإن تغيَّر حالُه، أو حالُ القابض عند الحنث، كان كتغيُّر الحال عند الحَوْل إذا عُجِّلت الزكاةُ من غير فرق، وجعل الأصحابُ الظهارَ مع العَوْد كاليمين مع الحِنثِ في جميع ما ذكرناه.
وإن كفَّر الصائمُ في رمضان قبل أن يجامعَ في 3 يوم الجماع، أو كفَّر المحرِمُ قبل ارتكاب سبب الكفَّارة، لم يجزئهما على الأصحِّ؛ فإنَّ الصومَ والإحرامَ ليسا بسبب خاصٍّ في الكفَّارة، بل نسبتهما إلى الكفَّارة كنسبة الإسلام إلى التزام الأحكام، وفي الإحرام وجهٌ ثالث إن كان السببُ مباحًا؛ كالحلق للحاجة، جاز، وإلَّا فلا، فإن قلنا بالإجزاء، وكانت الكفَّارة مُخيَّرة بين الصوم1
والمال؛ فإن اختار المال، قدَّمه، وإن اختار الصومَ، ففي تقديمه وجهان، وإن كفَّر عن القتل بعد الجَرْح، وقبل الموت، ففيه طرقٌ:
أحدُها: الإجزاء، وبه قطع الأصحاب.
والثانية: إن أعتق، أجزأه، وإن صام، فوجهان مبنيَّان على الخلاف في وجوب القصاص على كافر جرح كافرًا، ثمَّ أسلم الجارحُ، فمات المجروحُ، ولا يبعد أن يقال: يتبيَّن بالزهوق وجوبُ الكفَّارة قبل الزهوق.
الثالثة: تخريجُه على الخلاف 1 في تقديم الكفَّارة 2 على الحنث المحرَّم، [وهذا لا يصح؛ فإنَّ الزهوقَ لا يتَّصف بالتحريم] 3.
3779 -
باب الإطعام في كفَّارة اليمين
يتخيَّر المكفِّرُ بين أن يعتقَ رقبةً، أو يطعم عشرةَ مساكين، أو يكسوَهم، فإن لم يجد، صام ثلاثةَ أيَّام، ويُشترط في العتق والطعام ما يُشترط في كفارة الظهار.
3780 -
باب ما يجزئ من الكِسوة في الكفارة
يجب التمليكُ في الكسوة والطعام، فالطعام مدٌّ بمُدِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي الكسوة قولان:
أحدُهما: ما يستر عورةَ الآخذ.
والثاني -وهو الأصحُّ-: ما يقع عليه اسمُ الكسوة، وعلى القولين يختلف ذلك باختلاف الآخِذين، فيجزئ في حقِّ الأطفال ما لا يجزئ في حق الرجال.
وإن دفع إلى الرجال ما يجزئ الأطفالَ، لم يجزئه؛ خلافًا للقاضي.
ويجزئ ما يقع عليه اسمُ الكُسوة واللبس؛ كالقميص والسراويل، ولا يجزئ ما لا يقع عليه اسمُ اللبس والكسوة؛ كالمنطقة والتِّكَّة، وفيما يقع عليه (اسمُ) 1 اللبس دون الكسوة؛ كالخفَّين والنَّعلَيْن والشُّمْشُك 2، والقَلَنْسوة والتُّبَّان 3 وجهان، وأبعد مَنْ ألحق النعلين بالتِّكَّة، ولا تجزئ
الدرعُ المسرودةُ على الأظهر.
ولا يُشترط المخيطُ، بل تكفي خرقةٌ يتهيَّأ منها كسوةٌ للآخذ، فإن اختار لذلك رُضعاء من الأطفال، ودفع إلى وليِّ كلِّ واحد منهم ما يقع عليه اسمُ الكسوة لذلك الطفل، أجزأه.
ولا يتعيَّن للكسوة جنسٌ من الأجناس؛ بل تجزئ الأكسيةُ والخزُّ والصوفُ والقَزُّ والحرير والكتَّان، وقال القاضي: لا يبعد أن تتعيَّنَ غالبُ كسوة البلد.
ويجزئ الجديدُ والغَسِيلُ والمرقَّع، ولا يجزئ مشرفٌ على البِلَى، ولا ما رُقِّع لأجل البلى، ولا المعيبُ بعيب يؤثِّر في الانتفاع، ولا عبرةَ بالعيب 1 المثبِت للخيار في البيع، ويمكن الضبطُ ببقاء معظم الانتفاع، والأسلم أن يضبط بما لا يُعدُّ خَلَقًا، فإن كان مُهلْهَلَ النسج غيرَ بالٍ، ولا يدوم لبسُه إلَّا كدوام البالي، فالأظهرُ إجزاؤه؛ لما فيه من الإمتاع، والاستمتاع.
= المنير" للفيومي (مادة: تبن)، و "المعجم الوسيط" (مادة: تبن).
3781 -
باب الصيام في كفَّارة اليمين
الصومُ ثلاثة أيَّام، ولا يجب فيها 1 التتابعُ على أصحِّ القولين، وإن أوجبناه، انقطع [بما ينقطع] 2 به تتابعُ صوم الظهار، وفي الحيض وجهان، ولعلَّ الأصحَّ أنَّه يقطع؛ لإمكان إيقاعه في أيَّام الطهر، ويتَّجه أن يُجعلَ أولى من المرض بالقطع.
3782 -
باب الوصيَّة بكفّارة اليمين
من حُجر عليه بالفَلَس، وعليه ديونٌ للعباد، وديونٌ لله تعالى لا تتعلَّق بعين من 1 ماله؛ كالنذر المطلَق، والكفَّارة، قُدِّمت ديونُ العباد اتِّفاقًا؛ لجواز تأخير ديون الله تعالى، وإن حصلت هذه الديونُ على ميت، فتأخير الجميع حرامٌ، فهل يُقدَّم حقُّ الله تعالى، أو حقُّ العباد، أو يتساويان؟ فيه ثلاثةُ أقوال.
ومَنْ مات وعليه كفَّارة؛ فإن كانت مرتَّبة، وقلنا: لا يقف أداؤها على الوصيَّة، وجب على الوارث أن يعتقَ عنه من تركته، والولاءُ للميت، وإن كانت مخيَّرة، فمات غنيًّا، أو فقيرًا، أجزأ عنه الكسوةُ والطعام، وكذا العتقُ على الأصحِّ، وقيل: لا يجزئه؛ إذ يبعد صرفُ الولاء عن المعتق إلى مَنْ لم يأذن له فيه، ورتَّب الإمامُ المعسرَ على الموسر، وجعل المعسرَ أولى بالمنع.
وإن أعتق عنه أجنبيٌّ، لم يجزئه اتِّفاقًا، وإن أطعم، أو كسا، فوجهان؛ إذ لا ولايةَ له، ولا يبعد طردُ الوجهين في الإعتاق مع ترتيب على 2 الوارث؛ فإنَّهما 3 لو فعلا ذلك في حياة المورِّث بغير إذنه، لم يجزئه، وطرد جماعةٌ
من الأصحاب الوجهين في إطعام الوارث، وكسوته إذا مات الموِّرث فقيرًا، وهو متَّجه غريب.
ومَنْ مات فقيرًا، فأدَّى وارثُه دينَه، ففي إجبار المستحِقِّ على قبضه خلافٌ مأخذُه ما ذكرناه.
وقال الأصحابُ: إذا قال لوارثه، أو لأجنبيٍّ: إذا متُّ، فأعتق عنِّي، فمات فقيرًا، فأعتق عنه الوارثُ أو الأجنبيُّ، أجزأه؛ كما لو وقع ذلك في حال الحياة، وقالوا: لو كان عليه صوم، وقلنا: يصوم عنه وليُّه، فأوصى بذلك إلى أجنبيٍّ، فصام عنه، أجزأه؛ لأنَّه صار بالإذن كالوارث، ولو يئس من الصوم، وهو حيٌّ، فأذن لمَنْ يصوم عنه، ففي إجزائه خلافٌ.
وقال أبو محمَّد: إذا جوَّزنا للأجنبيِّ أن يكفِّرَ عنه بغير وصيَّة، لم يمتنع أن يصومَ عنه بغير وصيَّة.
3783 -
فرع:
إذا أعتق عن كفَّارة اليمين في مرض الموت، أو أوصى بالعتق، وكانت قيمةُ العبد أكثرَ من قيمة الطعام، ففي كونه متبرِّعًا بالزيادة وجهان، فإن لم نجعلْه متبرِّعًا، لزم العتق وإن جُعل متبرِّعًا؛ فإن وفى الثلثُ بذلك، لزم العتق، وإن لم يفِ، فوجهان:
أحدُهما -وهو ظاهر النصِّ-: تعتبر جميعُ القيمة من الثلث، فإن لم تخرج منه، عُدِل إلى الكسوة، أو الطعام.
والثاني: تُحسبُ قيمةُ الطعام من رأس المال، وتُحسب الزيادةُ من
ثلث الباقي، فإن خرجت منه، لزم العتق، وإن لم تخرج، عُدل إلى الكسوة أو الطعام.
3784 -
باب كفارة يمين العبد
يصحُّ تكفيرُ العبد بالصيام، فإن لم يؤثِّر في نفسه وقوَّته وقيامه بالخدمة، فله أن يصومَ ما شاء من التطوُّع وغيرِه اتّفاقًا، ولا اعتراضَ للسَّيِّد عليه؛ كما لو واظب على ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن في جميع التصرُّفات، وإن أثَّر فيه، وأعجزه عن إتمام الخدمة؛ فإن حلف بإذنه، وحنث بإذنه، لم يمنعه من المبادرة على المذهب، وخرَّجه بعضُهم على الخلاف في منع الزوجة من مبادرة الحجِّ، وينبغي أن لا يجريَ ذلك فيما إذا ظاهر بإذنه وعاد بإذنه؛ لتضرُّره باستمرار التحريم، وهل له منعُه من مبادرة الفرض في أوَّل وقته؟ فيه وجهان مشهوران؛ لأنَّ الوقتَ منضبط، بخلاف الكفَّارة، وإن حلف بغير إذنه، وحنث بإذنه، ففي منعه وجهان، فإن قلنا بمنعه، فكان الحالفُ أمةً، فصامت بغير إذنه، فله وطؤها، كما يملك وطأها في صوم النفل، والفرض الذي لم يأذن في سببه، مع أنَّه لا يضرُّ برقبتها وخدمتها، وإن حلف بإذنه، وحنث بغير إذنه، فله منعُه عند المحقِّقين، وقيل: فيه الوجهان، وإن وقع الحلفُ والحنثُ بغير الإذن، فله المنعُ.
3785 -
فصل في تكفير العبد بالمال
إذا ملَّك عبدَه (1) مالًا؛ فإن قلنا: لا يملك، لم يكفّر إلَّا بالصوم، وإن قلنا: [يملك] (2)، لم يكن له أن يكفّر به إلَّا بإذنه؛ فإن أذن كفَّرَ بالكسوة والطعام اتّفاقًا.
ولو ملَّكه عبدًا، وأذن له في عتقه تبرُّعًا، نفذ العتقُ، وهل يكون الولاءُ في الحال والمآل للعبد، أو السيِّد، أو يوقف؟ فيه ثلاثةُ أقوال، فإن جعلناه للسيِّد، فهل يقع العتقُ عنه، أو عن العبد؟ فيه وجهان منقدحان من كلام الأصحاب.
وإن أذن في عتقه عن الكفَّارة؛ فإن جعلنا الولاءَ للعبد، أجزأه التكفيرُ في الحال، وإن وقفناه، فهل يقف التكفيرُ، أو يحصل في الحال؟ فيه وجهان، وعلى قول غريب يثبت الولاءُ للسيِّد، ويجزئ التكفيرُ في الحال.
3786 -
فرع:
إذا كفَّر عن الظِّهار بالإذن؛ فإن قلنا: يحصل التكفيرُ في الحال، حلَّت الزوجةُ، وإن وقفنا الكفَّارة، لم تحلَّ إلَّا بالصيام.
وإن أذن له في عتق الظهار، فصام، ففي إجزائه احتمالٌ؛ لضعف ملكه، والقضاء بعُسْرته، ولذلك يلزمه نفقةُ معسر.12
3787 -
فرع:
قال الأصحابُ: إذا قلنا: لا يملك، فمات وعليه كفَّارة، فكفَّر عنه السيِّدُ بكسوة، أو إطعام، أجزأه، وإن أعتق عنه، فوجهان؛ لأجل الولاء، ويُحتمل أن يُخرَّج على الخلاف فيمن لزمته الكفَّارة وهو معسر، فأعتق بعد وجوب الكفَّارة، وقلنا: الاعتبارُ بحال الوجوب، فالأصحُّ: أنَّ له التكفيرَ بالمال، وقيل: لا يجزئه إلَّا الصيام، فيجب طردُ ذلك في العبد، لكن الفرق أنه لم يكن أهلًا للتكفير بالمال عند الوجوب، بخلاف الحرِّ المعسر، وينبغي أن تترتَّب المسائلُ في العبد على مسائل مَنْ مات معسرًا، فكفَّر عنه الوارثُ؛ لعُلْقة الخلافة، ويكون العبدُ أولى بالمنع؛ لضعف العُلْقة.
3788 - فرع: إذا كان بعضُ الرجل حرًّا، وبعضُه رقيقًا، فله أن يتصرَّفَ فيما يملكه بنصفه الحرِّ، ويتبرَّع به من غير إذن أحد؛ لتمام ملكه فيه، فإن لزمته كفَّارة، فكفَّر بالطعام أو الكسوة، أجزأه على المذهب، وقيل: لا يجزئه؛ لأنَّ الكفَّارة تقع عن جملته، وليس الرقيقُ أهلًا للتكفير بالمال.
3789 -
باب جامع الأيمان
يُرجع في لفظ اليمين والعتق والطلاق إلى اللغة والعُرْف، فإن نوى في الأيمان ما يخالف الظاهرَ ممَّا يحتملُه اللفظ؛ فإن لم يتعلَّق به حقُّ آدميٍّ، حُمل على ما نواه، وأن تعلَّق به حقُّ آدميٍّ؛ كالإيلاء، قُبل في الباطن، ورُدَّ في الظاهر، وإن أطلق، وقال: لم أنو شيئًا، ولم أقصد معنى اللفظ، ولم أدرِ ما قلتُ، لم يُقبل منه؛ فإنَّ العاقلَ الذي يفهم معنى اللفظ لا يطلقه إلَّا قاصدًا لمعناه، ومدارُ مسائل الأيمان على الإطلاق.
3790 -
فصل في الحلف على السُّكنى
إذا قال: (والله لا أسكن هذه الدار)، فالبِرُّ أن يخرجَ على الفور وإن طال مشيُه؛ لاتساع الدار 1، ولا يُكلَّف أن يخرجَ عن العادة بالهَرْولة والإسراع، فإن سكنها ساعةً مطمئنًّا إلى السُّكنى، حنث، وأن تشمَّر لنقل المتاع، لم يحنث؛ لأنّه يُسمَّى كائنًا في الدار، ولا يُسمّى ساكنًا، فإنَّ السكونَ عبارةٌ عن الركون إلى الكون، أو التمهُّل والانحلال من غير تشمُّر للانتقال.
وقال العراقيُّون: يحنث إلَّا أن يبادرَ الخروج، وله أن يوكِّلَ مَنْ ينقل المتاعَ.
ولو قال: لأخرجنَّ في لَمْحة عين، وأراد الوفاءَ بذلك، فلم يتمكَّن منه، حنث كما لو حلف ليصعدنَّ السماء.
والعبرةُ بانتقاله بنفسه، فإن انتقل، وترك بها أهلَه ومالَه، برَّ، وإن نقلهما وتأخَّر، حنث.
3791 -
فصل في الحلف على المساكنة
إذا حلف: لا يساكن فلانًا، فلهما أحوال:
أحدهنَّ: أن يكونا في بيت أو دار، فإن فارق أحدُهما الآخر [على الفور] 1، لم يحنث، [وإن] 2 تشمَّر الحالفُ للانتقال، ففيه الخلاف، وإن تشمَّر لبناء جدار يمنع مثلُه المساكنةَ، حنث، وأبعد مَنْ جعله كالتشمُّر لنقل المتاع.
الثانية: أن يكون كلُّ واحد منهما في بيت من خان واحد، ففي كونهما متساكنين أوجهٌ، ثالثها: إن كانا وقت اليمين في بيت، برَّ بالمفارقة إلى بعض بيوت الخان، وإن كانا في بيتين، لم يبرَّ إلَّا بمفارقة الخان.
الثالثة: أن يختصَّ كل واحد منهما ببيت من دار، فلا يبرُّ إلَّا بمفارقة
الدار إلَّا أن ينويَ تركَ المساكنة في بيت من بيوت الدار، وأبعد مَنْ ألحق بيوتَ الدار ببيوت الخان.
فإن ترك المحلوفَ عليه في الدار، وانحاز إلى حجرة فيها؛ فإن لم ينفرد بالمرافق، واحتاجت إلى مرافق الدار، فهي كبيت في الدار، وإن انفردت بالمرافق؛ كالمطبخ، وبيت الماء، ونحوهما؛ فإن لم يكن بابُها في الدار، برَّ، وإن كان، فوجهان.
وإن كان في الخان حجرةٌ منفردة بالمرافق، وممرُّها في العَرْصة، فلا مساكنةَ بين سكَّان الحُجَر اتِّفاقًا، فإنَّ حُجَرَ الخان لا تُعدُّ من الخان، بخلاف حُجَر الدار.
وإن كانا في حُجْرتي خان تنفرد كلُّ واحدة منهما بالمرافق، فحلف: لا يساكنه، فأقام، لم يحنث عند الأصحاب، وأبعد مَنْ قال: لا يبرُّ إلَّا بمفارقة الخان، وعلى هذا: لو كان كلُّ واحد منهما في بيت من بيوت الخان، فانحاز الحالفُ إلى حجرة ذات مرافق، لم يحنث.
الرابعة: أن يكونا في دارين بابُهما في سكَّة واحدة، فلا يحنثُ بالإقامة، وعلى الوجه البعيد: لا يبر إلَّا بمفارقة السكَّة، وهذا باطلٌ؛ فإنَّ الكلامَ في هذه [الصورة] 1 عند الإطلاق.
الخامسة: أن يكونا في دارين من بلدة واحدة لا تجمعهما محلَّة، ولا سكَّة، فإن أطلق، لم يحنث بالإقامة، وإن نوى، فوجهان، فإن قلنا: تنعقد يمينهُ على البلدة إذا نوى، انعقدت على المحلَّة، وإن قلنا: لا تنعقد
(يمينُه) (1) على البلدة؛ فإن كانت المحلَّة نافذةً، ففي الانعقاد عليها تردُّد، وإن كانت منسدَّة، ظهر القطعُ بالانعقاد.
السادسة: أن ينوي المساكنةَ في بعض الأقاليم؛ كالشام وخراسان، فلا يحنث بالإقامة اتِّفاقًا؛ لأنَّ الساكنَ بدمشق لا يُسمَّى (2) مساكنًا لمَنْ سكن ببعض (3) أطراف الشام.
3792 -
فصل في الحلف على دخول دار
كلُّ ما يُعبَّر عن استدامته بعبارة ابتدائه، فإنَّ الحالفَ عليه يحنث بالاستدامة والابتداء، فإذا حلف الراكبُ: أنَّه لا يركب، واللابسُ: أنه لا يلبس، حنثا بالاستدامة، كما يحنثان بالابتداء.
وكلُّ ما لا يُعبَّر عن استدامته بعبارة ابتدائه، حنث بابتدائه دون استدامته، فإذا حلف المتطهر لا يتطهَّر، لم يحنث بالاستدامة اتِّفاقًا، وإن حلف الكائنُ في الدارة لا يدخلها، فأقام؛ لم يحنث على الأصحِّ إلَّا أن ينويَ بالدخول الاستدامةَ، فيحنث على الأصحِّ.
فإن حلف على دخول الدار، فرقى السطحَ؛ فإن كان أجمَّ 4، لم يحنث، وإن كان محوطًا، لم يحنث على الأصحِّ، فإن قلنا: يحنث، فكان123
مُستَّرًا من جانبين، أو ثلاثة، ففيه تردُّد، وإن كان مستَّرًا من جانب واحد، لم يحنث [عند الإمام)] (1)، وإن دخل الدهليزَ، حنث عند الأصحاب، وإن كان وراءه مجاز إلى عَرْصة الدار.
ولو كان على باب الدار طاقٌ يستكنُّ به، فإنَّه يدخل في إطلاق بيع الدار، والأظهر: أنَّه لا يحنثُ بدخوله، وخصَّ الإمامُ الخلافَ بالطاق الذي على أبواب العظماء، فإنَّه من خطَّة الدار وإن لم يكن له أغلاق، وأمّا الأُزُج الذي يخرج قوابيل إلى الشارع (2)، ولا يدخل في تربيع الدار، فلا يحنث بدخوله اتِّفاقًا، وقال الشافعيُّ: لا يحنث بدخول الدِّهليز، فحمله الأصحابُ على الطاق، ولا يبعد حملُه على ظاهره؛ إذ يصحُّ أن يقال: دخل الدهليزَ، ولم يدخل الدارَ.
3793 -
فصل فيمن حلف لا يدخل بيتًا، فدخل خيمةً، أو بيتَ شَعرٍ
إذا حلف: لا يدخل بيتًا، [فدخل بيتًا] 3 مبنيًّا، أو مضروبًا من شعر أو غيره؛ فإن نوى ذلك، حنث، وإن أطلق؛ فإن كان بدويًّا، حنث بالجميع،12
سواء حلف في البوادي، أو في القرى والبلدان، وإن كان قرويًّا، فأوجه:
أحدُها -وهو النصُّ-: أنَّه كالبدويِّ.
والثاني: لا يحنثُ إلَّا بالبيت المبنيِّ (1).
والثالث: (أنَّه) (2) إن قربت قريتُه من البادية بحيث يطرقونها، ويناطقونهم فيها، فهو كالبدويِّ، وإن لم يكن كذلك، لم يحنث إلَّا بالمبنيِّ.
ولو تبدَّى القرويُّ، وناطَقَ أهلَ البادية بلغتهم، صار كالبدويِّ، ولو طال مقامُ البدويِّ في البلد، فناطَقَهم بعُرْفهم، خُرِّج على الخلاف.
وإن حلف: لا يدخل بيتًا، فدخل مسجدًا، أو دخل الكعبةَ، لم يحنث عند الجمهور، وقيل: يحنث، وكذلك دخولُ الرَّحا، والحمَّام عند الإمام.
وإن حلف: ليخرجنَّ من الدار، فرقى سطحَها، فقد قال القاضي: إن لم نجعله داخلًا، فهو خارج، وقال أبو محمَّد: ليس بداخل، ولا خارج؛ كمن حلف على الدخول أو الخروج، فأدخل بعضَ بدنه، أو أخرجه.
3794 -
قاعدة:
لا يحمل اللفظُ على مجازه اتِّفاقًا إلَّا أن يشتهرَ اشتهارَ الحقيقة، فلا يحمل البساطُ على الأرض، ولا الأوتادُ على الجبال، وما لا يُفهم من الاسم مع كثرته، (وعموم وجوده) 3؛ كلحم السمك بالنسبة إلى اللحم، فلا يحنث12
به في الإطلاق؛ لعلمنا أنَّه لم يقصده، بخلاف البيت، فإنَّه حقيقة في (1) بيت الشعر، ونحوه، فإذا أطلقه مَنْ تغلبُ عليه إرادتُه؛ كالبدويِّ حُمل عليه؛ لاجتماع الوضع، وغلبة الإرادة، وإن أطلقه قرويٌّ فقد قصد لفظه، ولم يخصَّ به شيئًا، فأشبه مَنْ حلف: لا يأكل مسمَّى التفَّاح، وهو لا يعرف التفاح؛ فإنَّه يحنث بمسمَّى التفاح، والخلاف في هذا ونظائره يرجع إلى أنَّ (2) الاعتبارَ بعُرْف اللفظ عند أهله، أو بعُرْف اللافظ، ولو قال: (اندرخانه نشوم) (3) فقد قال القفَّال: يحنثُ بالأبنية دون الخيام؛ لعدم عرف اللافظ واللفظ.
3795 -
فصل فيمَنْ حلف: لا يدخل من باب
إذا قال: لا أدخل هذا البابَ من هذا الموضع، فجُدِّد باب آخر، وعُلِّق عليه ذلك الباب؛ فإن دخل من الجديد، لم يحنث، وإنَّ دخل من القديم، فوجهان مأخذُهما أنَّ العبرةَ بالمنفذ، أو بالباب، وإن قال: لا أدخل هذا الباب، فدخل من ذلك المنفذ، وعليه البابُ، حنث، وإن قُلع الباب، ونُصب على منفذ آخر، فهل يحنثُ بالجديد، أو القديم، أو لا يحنث بواحد منهما؟ فيه ثلاثةُ أوجه.123
ومن (1) قال: لا أدخلُ بابَ هذه الدار، ولم يُشِرْ إلى شيء (منها) (2)، فجُدِّد لها بابٌ، فدخل منه، فقولان مأخذُهما أنَّ اليمينَ هل تنعقدُ على المنفذ القديم أو الجديد؟ وإن رقى إلى السطح، ونزل منه إليها، فوجهان، وكلُّ هذا عند الإطلاق، فإن نوى المنفذَ، أو المصاريعَ، أو عيَّن الدارَ، أو نوى شيئًا من محلِّ التردُّد، نزل على نيَّته.
3796 -
فصل فيمَنْ حلف: لا يأكل ممَّا اشتراه فلان
إذا حلف لا يأكلُ طعامًا اشتراه فلان، حنث بما ملكه بالشراء، والسلَم، والتولية، والاشتراك، ولا يحنثُ بما ملكه بالصُّلْح عند الصيدلانيِّ، وخالفه الإمامُ، ولا يحنث بما ملكه بهبة، أو وصيَّة، أو عوض عن منفعة، أو ردٍّ بعيب، أو إرث، أو إقالة، أو قسمة وإن جعلناها بيعًا.
وإن اشترى فلان وعمرو طعامًا، فأكله، أو بعضَه، لم يحنث؛ كما لو حلف: لا يدخل دارًا اشتراها زيدٌ، فدخل دارًا اشتراها زيد وعمرو، وقيل: يحنث بأكل بعضه وإن قلَّ، وقيل: لا يحنث حتى يأكلَ أكثرَ من نصفه، وكلا الوجهين بعيدٌ لا يُعدُّ من المذهب.
وإن انفرد زيدٌ بشراء طعام؛ كالدقيق مثلًا، وخلطه بدقيق اشتراه عمرو،12
فأكل من المختلط ما يُقطع بأنَّه أكل ممَّا اشتراه زيد، حنث وقيل: لا يحنث وإن كل الجميعَ، وقيل: إن أكل أكثرَ ممَّا اشتراه عمرٌو، حنث، وكلا الوجهين غلطٌ لا يُعدُّ من المذهب؛ فإنَّ اليقينَ إذا حصل، لم يتوقَّف على الزيادة على ما اشتراه عمرو، وكذلك إذا أكل الجميعَ.
3797 -
فرع:
إذا سقطت منه تمرٌ، فاختلطت بصُبْرة تمر، فحلف: لا يأكل تلك التمرةَ، لم يحنث حتَّى يتيقَّن بأنَّه أكل جميعَ الصُّبرة، فإن ترك منها تمرةً، لم يحنث إلَّا أن تكونَ تلك التمرةُ قد وقعت في جانب، فأكل منه ما تيقَّن أنه أكلها معه.
3798 -
فصل فيمَنْ حلف: لا يأكل ما طبخه زيدٌ
إذا حلف: لا يأكل ما طبخه زيدٌ، فالطبخُ هو الإيقادُ تحت القدر، فإن شاركه [في الإيقاد] 1 شخصٌ آخر، لم يحنث على المذهب.
ولو هيَّأ زيدٌ اللحمَ، وقطعه، وصبَّ عليه من الماء قدرَ الحاجة، وجمع التوابل، وأوقد غيرُه، فالمُؤيد هو الطابخُ عند الأصحاب، وشرط الإمامُ في ذلك ألَّا يراجعَه الموقدُ في الإيقاد، وقال: إذا جلس الماهرُ بالطبخ بالقُرْب، واستوقد صبيًّا يرجع إلى أمره ونهيه في تفاصيل الإيقاد، ففيه خلافٌ كالخلاف فيمَنْ حلف: لا يضرب، وهو ممَّن لا يتعاطى الضربَ بنفسه، ففُعِل بأمره.
وإذا انفرد زيدٌ بالإيقاد إلى حدٍّ يُسمَّى الموقَدُ عليه طبخًا، فانفرد عمرٌو بالإيقاد إلى إكمال النضج، فالمذهب تحنيثُ الحالف بإيقاد زيد، وأبعد مَنْ جعله كاشتراكهما في الإيقاد، فإن قلنا بالمذهب، فكانت اليمينُ على ما طبخه عمرٌو، فهل يحنث بفعل عمرو؟ فيه احتمالٌ.
ولو أوقد زيدٌ فسخَّن الماء، ولم يتأثَّر ما في القِدْر، فانفرد عمرو بالإيقاد إلى الإنضاج، فالطابخُ عمرو دون زيد، ولو حضر مَنْ يقطع الحطبَ، ويناوله المُوقِدَ، فلا عبرةَ بفعله، إنَّما العبرةُ بادخال الحطب تحت القدر.
3799 -
فصل فيمَنْ حلف: لا يدخل مسكنَ فلان أو داره
إذا حلف: لا يدخل مسكنَ فلان، حنث بما يسكنه بإجارة أو إعارة، وبما أُوصي له بمنفعته، وفي المغصوب وجهان، وفيما يملكه، ولا يسكنه أوجهٌ ثالثُها: لا يحنث إلَّا أن يكونَ قد سكنه ولو في 1 قَدْر يسير من الزمان.
ولو قال: هذه الدار مسكنُ فلان، فقياس ما ذكره الأصحابُ أنَّه لا يكون مقرًّا برقبة الدار.
وإن حلف: لا يدخل دارَ فلان، حنث بما يملكُه وإن لم يسكنه، ولا يحنث بالمأجور، والموصى بمنفعته، والمستعار، فإن باعها فلان، فدخلها بعد البيع، لم يحنث.
وإن قال: لا أدخل دارَ فلان هذه، فباعها، ثمَّ دخلها؛ فإن قصد الجمعَ
بين الإضافة والإشارة، لم يحنث، وإن أطلق، حنث على المذهب؛ تغليبًا للإشارة، وفيه قول مُخرَّج، وإن انهدمت، فدخلها؛ فإن صارت عَرْصةً، لم يحنث، وإن انهدمت الجدرانُ أو بعضُها، وبقيت جراثيمُ شاخصة؛ فإن كانت بحيث يقال لها: دار خربة، حنث، وإن قيل: كانت دارًا، أو قيل: هذه رسومُ دار فلان، لم يحنث.
3800 -
فائدة:
إذا نوى أمرًا يصحُّ ربطُه بلفظه، اعتُبرت نيَّته، وإن لم يرتبط به 1 أصلًا، فلا عبرةَ بنيَّته، وإن تُجوِّز بمثل ذلك على البُعْد، فلا عبرة بنيته، فإذا أكل طعامَ إنسان، ولم يشرب ماءه، ثمَّ حلف: ما ذقت له ماء، وعبَّر بالماء عن الطعام مبالغة، لم يحنث؛ لبعد 2 التجوُّز، وإزالة الحقيقة، ولا يمكن تعطيلُ أصل اللفظ.
وإن ذكر لفظًا له عرفٌ عند أهل اللغة، وللحالف عرفٌ يخالف عرفَ اللغة؛ فإن قصد تنزيلَه على عرفه، نزل عليه، وإن لم يقصد تنزيله على شيء، فالاعتبارُ بعرفه، أو عرف اللغة؟ فيه خلافٌ، وميلُ النصِّ إلى اعتبار عرف اللغة، فإن قال: قصدت، ثمَّ ذهلت عمَّا قصدت، فالظاهرُ تنزيلُه على عرفه؛ لغلبة إرادته، وأجراه الأصحابُ على الخلاف.
3801 -
فصل في الحلف على اللبس
إذا حلف: لا يلبس ثوبًا، حنث بأنواع الثياب، وإن لبسها على خلاف المعتاد فيها، فإذا اتَّزر بالقميص، أو توشَّح به، أو اعتمَّ به، أو ارتدى به (1) حنث؛ لأنَّ الاعتبارَ باسم اللبس والثوب، وإن لفَّه أو جمعه أو طواه، وجعله على كتفه أو رأسه، أو بسطه ورقد عليه، لم يحنث، وإن تدثَّر به، فوجهان.
وإن قال: لا ألبس قميصًا، فارتدى بقميص، فوجهان، وإن فتقه، وجعله رداءً، لم يحنث على الأصحِّ.
وإن قال: لا ألبس هذا، ففتقه، وخاطه إزارًا أو رداءً، ففيه خلافٌ مرتَّب، وأولى بألَّا يحنث؛ لأنَّه لم يذكر القميصَ، فيُحمل على لبس يليق به.
وإن قال: لا ألبس هذا الثوبَ، وكان قميصًا، ففتقه، وخاطه رداءً، ففيه خلاف مرتَّب على قوله: لا ألبس هذا، وأولى بالحِنْث.
وإن قال: لا ألبس هذا القميصَ قميصًا، فارتدى به، ففيه احتمال، وإن أخرجه عن كونه قميصًا، لم يحنث بلبسه.
وإذا اجتمع الاسمُ، والإشارةُ، ثم زال الاسمُ، ففيه الخلاف.
3802 -
فصل فيمَنْ حلف على شيء، فتعاطاه بعد زوال الاسم
إذا قال: لا أكلِّم هذا، وأشار إلى عبد، فعتق، فكلَّمه، أو أشار إلى1
سخلة، وقال: لا آكل هذا، فأكلها بعد زوال اسمها، أو قال: لا آكل هذا، وأشار إلى حنطة، فأكلها وهي (دقيق) (1) أو إلى رُطَب، فأكله وهو تمرٌ، حنث.
وإن قال: لا أكلِّم هذا العبدَ، فعتق، فكلَّمه، أو لا آكل لحمَ هذه السخلة، فأكله بعد زوال الاسم، أو لا آكل هذه الحنطة، فأكلها دقيقًا، أو خبزًا، أو لا آكل هذا الرطبَ، فأكله تمرًا، أو لا أدخل هذه الدارَ، فطرقها، وهي فضاءٌ، ففي حنثه أوجهٌ، ثالثُها: إن كان التغيُّر خَلْقيًّا، ككبر السخلة، وجفاف الرطب، حنث، وإن كان بصنع آدميٍّ؛ كالطحن، والخبز، لم يحنث.
وإن حلف: لا يدخل دارًا، فدخل عَرْصةً كانت دارًا، لم يحنث على الأصحِّ.
وإن أشار إلى سخلة، وقال: لا آكل لحمَ هذه البقرة، فأكله، فقد دلَّ كلامُ الأصحاب على الحِنْث، وفي البيع في نظيره وجهان (2).
3803 -
فصل فيمَنْ حلف لا يلبس ممَّا عزلته فلانة
إذا قال: لا ألبس ممَّا غزلته فلانةُ، لم يحنث إلَّا بما غزلته في الماضي،12
[سواء غزلته] 1 لنفسها، أو بأجرة، وإن قال: ممَّا تغزله، لم يحنث إلَّا بالمستقبل، وإن قال: مِنْ غزلها، حنث بالماضي، والمستقبل، ولا يحنث بما خيط بغزلها، وإن كان السَّدى من غزلها، واللُّحْمة من غيره، أو بالعكس، لم يحنث عند القاضي؛ فإنَّ اللبسَ يتناول جميعَ الثوب، فأشبه ما لو التفَّ بغزلها، وقال الإمامُ: يحنث؛ إذ يصحُّ أن يقال: ليس من غزلها.
فإن حلف: لا يلبس من غزل نسوة، فلبس ثوبًا من غزلهنَّ، فالوجه أن يحنثَ.
وإن قال: لا ألبس ثوبًا من غزلها، [فلبس من غزلها] 2 وغزل غيرها، لم يحنث؛ لأنَّه لم يلبس ثوبًا مِن غَزْلها.
فرعان:
الأوَّل: إذا حلف: لا يلبس ثوبَ زيد، فملكه بهبة أو شراء، ثمَّ لبسه، لم يحنث.
وإن قال: لا ألبس ثوبًا مَنَّ به عليَّ زيد، فوهبه منه؛ فإن لبسه، حنث، وإن باعه بثوب آخر، ولبس الثاني، لم يحنث، وإن باعه ثوبًا يساوي ألفًا بدرهم واحد، فلبسه، لم يحنث؛ لتعلُّق المئة بالثمن دون الثوب.
الثاني: إذا حلف بالطلاق: لا يأكل البيضَ، ثمَّ حلف ليأكلنَّ ممَّا في كُمِّ زيد، فإذا هو بيضٌ، فالبرُّ أن يجعلَه في القُبَيْطاء 3، ثمَّ يأكله.
3804 -
فصل فيمَنْ حلف على شيء، ففعله مكرهًا أو ناسيًا
إذا حلف: لا يدخل دارًا، فدخلها راكبًا، أو ماشيًا، أو محمولًا بإذنه (1)، حنث، وإن دخل مكرهًا، فقولان، وإن حُمل مكرهًا، وأُدخل مكرهًا، لم يحنث، وقيل: فيه القولان، وهو بعيدٌ، وإن حُمل بغير أمره وأُدخل، وهو قادرٌ على الامتناع، حنث عند المعظم، وقيل: فيه القولان، وإن دخل ناسيًا لليمين، فقولان مرتَّبان على الإكراه، وأيُّهما أولى بالحنث؟ فيه طريقان:
إحداهما: المكره؛ لذكره لليمين.
والثانية: الناسي؛ لاختياره.
وإن قال: لأشربن ماءَ هذه الإداوة غدًا، فأريق قبل الغد بغير اختياره، فقولان قريبان من قولي الإكراه، وأولى عند أبي محمَّد بألَّا يحنث؛ لعجزه عن الشرب، وقدرة المكره على الامتناع.
3805 -
فرع:
مَنْ حلف على ما لا يدخل تحت قدرته واختياره؛ كطلوع الشمس وغروبها، وفِعْلِ الغير، انعقدت يمينهُ، فإن حلف على إنسان: أنَّه لا يقوم، فقام؛ فإن قصد الإخبارَ عن القيام، أو أطلق، حنث، وإن قام لإكراه، أو نسيان، وإن قصد منعَه بما أسمعه من الحلف، فعلى التفاصيل السابقة في الطلاق.
وإن قال: لا أفارقُ غريمي حتَّى أستوفيَ حقِّي منه، فهرب الغريمُ؛ فإن قصد الخبرَ، أو أطلق، حنث، وإن قصد المنعَ، ففارقه مختارًا؛ فإن قدر على1
ردِّه، أو مساوقته، حنث، وإن هرب بحيث لا يُنسبُ إلى تقصير الحالف، فقولان.
هذا تفصيلُ الإمام، وقال في "التقريب": إذا فارقه الغريمُ، فقولان، ولم يذكر شيئًا من التفاصيل التي ذكرها الإمام.
3806 -
(فصل فيمن حلف لا يسلِّم على فلان
إذا حلف: لا يسلم على زيد، فسلَّم عليه ناسيًا ليمينه، فقولان، وإن سلَّم عليه في ظلمة معتقدًا أنَّه عمرو، فقولان مرتَّبان، وأولى بالحِنْث؛ لذكره لليمين، وإن سلَّم على قوم هو فيهم؛ فإن لم يعلم، فقولان مرتَّبان، وأولى بألَّا يحنثَ؛ لأنَّه لم يقصده بعينه، وإن علم به؛ فإن استثناه، لم يحنث، وفيه احتمال، وإن لم يستثنه، ولم ينو إدراجَه في السلام، حنث عند المراوزة، وعند العراقيين قولان) (1).
3807 -
فصل فيمن حلف لا يدخل بيتًا على فلان
إذا حلف: لا يدخل على فلان بيتًا، فدخل على جمع هو فيهم؛ فإن لم يعلم به، فقولان مرتَّبان على القولين في السلام؛ لبعد الفعل عن قبول التخصيص، وإن علم؛ فإن استثناه، فقولان، وإن نوى باليمين ألَّا يقصدَ الدخولَ عليه، أو لا يقصده بالدخول، فدخل مستثنيًا، فالوجه القطعُ بأنَّه1
لا يحنث، ولو لم يكن في البيت غيرُه، فدخل؛ لنقل متاع أو وضعه، أو لقعود، أو رقاد، وقصد ذلك دون الدخول عليه، فوجهان، وإن لم يعلم أنَّه في البيت، فالنصُّ أنَّه لا يحنث، وخرَّجه المعظمُ على القولين.
3808 -
فصل فيمَنْ حلف ليأكلنَّ هذا الرغيفَ غدًا
إذا حلف: ليأكلنَّ هذا الطعامَ غدًا، فتلف من الغد بعد التمكُّن من أكله، حنث على الأصحِّ؛ لأنَّه يُعدُّ مخالفًا لموجب يمينه، بخلاف مَنْ مات في أثناء وقت الصلاة بعد التمكُّن من فعلها، فإنَّه لا يأثمُ على الأصحِّ، وإن تلف قبل الغد، فقولان:
أصحُّهما: أنه لا يحنث.
والثاني: يحنث، وفي وقت حنثه أوجهٌ تظهر فائدتُها في صفة الحانث من اليسار، والإعسار:
أحدُها -وهو المذهب-: يحنثُ في الحال.
والثاني: يحنث إذا مضى من الغد زمانٌ يتَّسع لأكله.
والثالث: لا يحنث حتى تغرب الشمس من الغد، وهو بعيدٌ.
وإن أكله، أو بعضَه قبل الغد، حنث؛ لأنَّه فوَّت البرَّ باختياره، وفي وقت تحنيثه الخلافُ.
3809 -
فصل فيمَنْ حلف على قضاء حق
إذا قال: لأقضينَّ حقَّك غدًا، فمات الغريمُ قبل الغد، برَّ بالدفع إلى ورثته.
وإن قال: لأقضينك حقَّك، فمات أحدُهما قبل الغد، كان كتلف الطعام قبل الغد، فلا حنثَ على الأصحِّ، وإن قلنا: يحنث، وقلنا بتأخير الحنث، فكان الميتُ هو الحالفَ، فلا يتَّجه تحنيثُ ميِّت.
وإن قال: لأقضينَّ حقَّك غدًا إلَّا أن تشاء، فشاء من الغد، لم يحنث؛ لأنَّ معناه إلَّا أن تشاءَ التأخيرَ، وإن قال: إلَّا أن يشاء زيدٌ، فمات زيدٌ قبل المشيئة؛ فإن قضاه من الغد، برَّ، وإلَّا فلا.
وإن قال: لأقضين حقَّك مع رأس الهلال، فقضاه مع الاستهلال، برَّ، وإن قدَّم القضاء، أو أخَّره، حنث، والذي يقتضيه العرفُ في ذلك بذلُ الجهد في ضمِّ الأداء إلى الاستهلال؛ فإنَّ الناسَ لا يكلَّفون بما 1 لا يقدرون عليه من المُحال، وإن غُمَّ الهلالُ، فليدفعه بعد إكمال ثلاثين مع أوَّل أجزاء الليل كما ذكرناه في الاستهلال.
وإن قال: لأقضينَّك إلى رأس الهلال، فمعناه بسطُ الأداء على الأوقات المتقدِّمة 2 على الاستهلال، وأبعد مَنْ ألحقه بقوله: عند رأس الهلال، وعلى الأصحِّ: إذا قال: أردتُ بذلك مع رأس الهلال، قُبل على الأصحِّ.
وإن قال: لأقضينَّ حقَّك إلى عصر، أو دهر، أو وقت، أو حين، أو حقب، أو إذا مضى حينٌ لأقضينَّ حقَّك، فالقضاء منبسط على العمر، فلا يحنث إلَّا باليأس من القضاء.
3810 -
فصل فيمَنْ حلف لا يفعل شيئًا، فوكَّل فيه
إذا حلف: لا يبيع، ولا يشتري، ولا يتزوَّج، ولا يطلّق، فوكَّل في ذلك مَنْ فعله، لم يحنث، وإن حلف: لا يضرب زيدًا، فأمر بضربه، فضرب، لم يحنث.
وقال الربيعُ: إن كان ممَّن لا يباشر الضربَ؛ لحشمته، حنث، وطرد ذلك في نظائره، بخلاف العقود؛ فإنَّ الأماثلَ يباشرونها.
وإن قال: لا أبني بيتًا، أو لا أطيِّن سطحًا، وهو ممَّن لا يحسنُ ذلك، فتخريجُ الربيع في هذا، ونظائره أظهر.
وإن قال: لا أتزوَّج، فقبل النكاحَ لإنسان بالوكالة، لم يحنث، وإن حلف رجلان: لا يتزوَّجان، فقبل كلُّ واحد منهما نكاحَ الآخر بالوكالة، لم يحنث.
وإن قال: لا أكلِّم امرأةً تزوَّجها زيد، فكلَّم امرأة قبِل زيدٌ نكاحَها بالوكالة، لم يحنث اتفاقًا، وغلط مَنْ حنَّثَه.
وإن قال: لا أشتري شيئًا، فاشتراه وكيلهُ، لم يحنث اتِّفاقًا، وإن قال: لا أشتري، فقبل الشراءَ لموكِّله، ولم يسمِّه، حنث عند الجمهور، وفيه وجه.
وإن قال: لا أزوِّج فلانةَ، فزوَّجها بالوكالة، حنث.
3811 -
فصل فيمَنْ حلف على شيئين أو على مُحَال
إذا أشار إلى رغيفين، وقال: والله لا آكلُهما، أو لا آكل هذين الرغيفين، أو لا آكل هذا وهذا، لم يحنث إلَّا بأكلهما.
وإن قال: لأشربنَّ ماءَ هذه الإدواة، أو لا أشربُ ماءها، فلا يبرُّ، ولا يحنث إلَّا بالجميع.
وإن قال: لأشربن ماء هذا النهر، فوجهان:
أحدُهما: يحنث؛ لأنَّه حلف على مُحال.
والثاني: لا يحنث؛ فإنَّ معنى يمينه لأَرِدَنَّ هذا النهرَ، ولأشربنَّ من مائه.
وإن حلف على مُحال؛ فإن كان مقدورًا؛ كصعود السماء، وقتل رجل يعلم في وقت اليمين أنَّه ميت، وجبت الكفَّارة، وفي انعقاد اليمين وجهان.
أحدُهما: لا تنعقد، والكفَّارة وجبت؛ لمخالفة التعظيم.
والثاني -وهو قول المُعظم-: أنَّها تنعقد، ثمَّ تنحلُّ عقيبَ الانعقاد.
وإن كان غيرَ مقدور؛ مثل أن قال: لأشربنَّ ماءَ هذه الإداوة، ولا ماءَ فيها، فالمذهبُ وجوبُ الكفَّارة، وفي الانعقاد خلافٌ، والأوجه: أنَّها لا تنعقد.
وتجب الكفارةُ بيمين الغَموس اتِّفاقًا، واختار الإمامُ أنَّها لا تنعقد؛
لاقتران ما يقتضي حِلَّها بها، وإن قال: لأصعدنَّ السماءَ غدًا، ففي حِنْثه في الحال خلافٌ، وإن قال: لأقتلنَّ فلانًا، وهو يظنُّه حيًّا، فظهر أنَّه ميتٌ وقتَ اليمين، ففي الكفَّارة قولان.