الغاية في اختصار النهايةصفحات 414-453

2657 -

فرع:

إذا علَّق بقدوم إنسانٍ، فقُدِم به ميتًا أو محمولًا، لم تَطْلُقْ، وإن قدم اختيارًا طلقت، وإن أُكره فقولان، وإن لم يعلم باليمين، فعلى ما تقدَّم في الدخول.

2658 -

فصل في التعليق برؤية إنسان

إذا علَّق برؤية إنسان، فرأته حيًّا، أو ميتًا، أو نائمًا، أو سكران 1، أو مجنونًا، أو رأته وهي مجنونة، أو سكرانة، طلقت، ولا تَطْلُق برؤيته في المنام، وإن رأته في ماءِ يَحكيه لم تطلق عند القاضي، خلافًا للإمام، وإن قابَل مرآةً أو ماءً، فرأته فيهما، ففيه احتمالٌ؛ لأنَّها رؤيةٌ في الحقيقة دون العرف.
وإن قال لعمياء: إن رأيتِ فلانًا فأنتِ طالقٌ، فالمذهبُ أنَّه تعليقٌ بمستحيلٍ، وقيل: إن جلستْ مجلسَ التخاطُب طَلَقتْ؛ إذ يصحُّ من الأعمى أن يعبِّر عن ذلك بالرؤية.

2659 - فرع: إذا قال: إن مَسِسْتِ فلانًا فأنتِ طالقٌ، طَلَقتْ بمسِّه حيًّا أو ميتًا، ولا تطلق بالمسِّ من وراء حائلٍ، وكذلك مسُّ الشعر عند الإمام، وتردَّد فيه بعض الأصحاب.

2660 -

فصل في التعليق بالضرب

إذا قال: إن ضربت فلانًا فأنتِ طالق، فضربه (1) ضربًا مؤلمًا، طَلَقَتْ، وإن لم يؤلمه لم تَطْلُقْ عند المعظم، وقال المحقِّقون: يكفيه الصَّدْمُ بما يُفرض منه الإيلامُ وإن لم يؤلم، وإنْ صَدَمه بأنْمَلَةٍ لا يتوقع من مثلها إيلامٌ، أو وضع على بعضِ أعضائه حجرًا فطحنه، أو ضربه ميتًا، لم تطلقْ.

2661 -

فرع:

إذا علَّق الطلاق بالقذف، طلقت بقذف الحيِّ والميت.
وإن قال: إن قذفتِهِ في المسجد فأنتِ طالق، فشَرْطُه عند الأصحاب أن تكون المرأةُ في المسجد، وإن قال: إن قتلته في المسجد فأنتِ طالق، فشَرْطُه كونُ القتيل في المسجد؛ لاقتضاء العرف لذلك، فإن قال: أردتُ كونَ المقذوف والقاتلِ في المسجد، ففي قبوله تردُّدٌ واحتمال، فإنَّ مَن خالف العُرْفَ بما لا يَبْعُدُ عنه بعدًا كلِّيًا إلى ما يصحُّ في اللغة، أو خالَفَ اللغةَ فيما لا يبعدُ في العرف، ففي قبول ذلك منه في الظاهر خلافٌ.

2662 -

فصل في التعليق بإعطاء الحقِّ وأخذه

إذا قال: إن أخذتَ ما لك عليَّ فامرأتي طالق، فأخذه مختارًا، طلقت سواءٌ دفعه إليه، أو أخذه قهرًا، أو أجبره السلطان على دفعه، أو أخذه السلطانُ قهرًا فدفعه إليه، وإن أكرهه على الأخذ فقولان، فإن كان دَينًا، فأخذه1

ولا امتناع من المَدين، لم يحنث؛ لأنَّه غاصبٌ، وإن أخذه السلطان قهرًا حيث يجوزُ ذلك برئ، ولا يَحْنَثُ بأخذِ السلطان.
وإن قال: لا تأخذ منِّي ما لك عليَّ، فأعطاه مختارًا، فأخذه، حنث، وإن أخذه السلطانُ وسلَّمه إليه لم يحنث؛ لأنَّه لم يأخذ منه، وإن سلبه المستحِقُّ من الحالف حنث عند الإمام، ودلَّ كلام القاضي على أنَّه لا يحنث؛ لأنَّ قول القائل: أخذتُ من فلان، يُشْعِرُ بالطواعية، وإن أجبره السلطانُ على التسليم طلقت عند الإمام، وخرَّجه القاضي على القولين في الإكراه.
وإن حلف لا يعطيه حقَّه، فأعطاه مختارًا، حنث، وإن أُكره أو نسي، فعلى الخلاف، وإن أخذه السلطان ودفعه إليه، لم يحنث.

2663 -

فصل في التعليق بكلام إنسان

إذا قال: إن كلَّمتِ فلانًا فأنتِ طالق، فكلَّمَتْه بحيث يسمع، فسمع، أو لم يسمع؛ لذهوله، أو لعارضِ لَغَطٍ، طلقت، وإن لم يسمع للصمم فوجهان.
وقال الإمام: إذا كان اللَّغَطُ بحيث لا يُتصوَّر معه السمعُ وإن قصد الإصغاء، ففيه احتمالٌ من مسألة الأصمِّ، وإن كان بحيث لو أصغى لَسَمِع ولم يمنعه اللَّغطُ، طلقت كما ذكره الأصحاب؛ إذ يصحُّ أن يقال: كلَّمته، فلم يصغ.
ولو أقبلتْ على الأصمِّ، فعرف أنِّها تكلِّمه، أو وقع ذلك في صورة اللغط، وجب القطعُ بوقوع الطلاق.

وإن كَلَّمته ميتًا، أو نائمًا، أو هَذَت بالكلام وحدها، أو همست به بحيث لا يسمع، أو كلَّمته على مسافةٍ بعيدةٍ لا يحصل في مثلها الإسماع، فلم يسمع، لم تَطْلُقْ، فإنْ حملتِ الريحُ كلامها، فألقته في أذنه، لم تَطْلُقْ على الظاهر.
وإن كلَّمته وهي مجنونةٌ طَلَقَتْ عند القاضي، وخرَّجه الإمام على قولي الإكراه؛ فإنَّ قَصْدَ المجنون أضعفُ من قصد المُكْرَه.
وإن كلَّمته وهي سكرانة؛ فإن كانت كالمجنونة، فإنْ ألحقناها بالصاحية طَلَقَتْ، وإلا أُلحقت بالمجنونة، فإن كان سُكْرُها طافحًا، فهَذَت، كان هذيانُها كهذيان النائم.

2664 -

فصل في تكرير لفظ الطلاق

إذا كرَّر لفظ الطلاق، ونوى التأكيد، صحَّ إن لم يأت بعاطفٍ، وإن أتى بعاطفٍ صحَّ في بعض الصور إن اتَّحد العاطف، وإن اختلف لم يصحَّ، فإذا قال قبل الدخول: أنت طالقٌ أنت طالقٌ أنت طالقٌ، بانت بالأولى، ولم يقع ما بعدها.
وإن قال ذلك بعد الدخول؛ طلقت ثلاثًا إن قصد الإنشاء، وإن زعم أنَّه قصد تأكيد الأولى بالأُخريين، وقعت طلقةٌ في الحكم، وإن أطلق فقولان، وإن زعم أنَّه أنشأ الأُوليين، وأكَّد الثانيةَ بالثالثة قُبل، وإن أكَّد الأولى بالثالثة فوجهان؛ لأنَّ تخلُّل الفصل يمنع التأكيد.
وإن قال: أنت طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، فإنْ قَصَدَ بالثالثة تأكيدَ الثانية قُبل اتِّفاقًا، وإنْ قَصَدَ بها تأكيد الأولى لم يُقبل إجماعًا؛ لتخلُّل العاطف، وإن

أطلق: فهل تقع الثلاثُ، أو طلقتان؟ فيه قولان، فإنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، لوقع طلقتان.
وإن قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ فطالقٌ، أو: ثم طالق، لم يصحَّ التأكيدُ اتِّفاقًا؛ لاختلاف العواطف.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ، أو: طالقٌ طالقٌ أنت طالقٌ، وزعم أنَّه قصد بالأُخريين التأكيدَ، قُبل.
وإن قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، بل طالقٌ، وزعم أنَّه قصد بالثالثة التأكيدَ، فقولان.
وإن قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، لا بل طالقٌ، فهل يخرَّج على القولين، أو تقع الثلاث؟ فيه طريقان.
وإن قال: أنت طالقٌ طلقةً فطلقةً، وقع طلقتان، وإن قال: له عليَّ درهمٌ فدرهم، لزمه درهمٌ، وقيل: فيهما قولان.
وفرَّق بعضُهم: بأنّ الطلاق إيقاعٌ لا يندفع إلا بالتأكيد، وهو متعذِّر مع الفاء، والإقرارَ إخبارٌ يَحْتمِلُ من التكرار ما لا يَحْتمِلُه الإيقاعُ، ولذلك لو كرَّر الطلاقَ أو الإقرارَ مع طول الفصل، تعدَّد الطلاق، ولم يتعدَّد المقَرُّ به.
وإن قال: له عليَّ درهم، بل درهمان، لزمه درهمان.
وإن قال: أنت طالق طلقةً، بل طلقتين، طلقت ثلاثًا على النصِّ، وفيه احتمالٌ من جهةِ أنَّه قد يَقصِدُ بذلك إنشاءَ طلقةٍ مضمومةٍ إلى التي أَوْقَعها، ولكنْ حَمْلُ لفظ الطلاق على الإقرار بعيدٌ، فكيف حمْلُه على الجمع بين الإنشاء والإقرار؟

2665 - فرع: إذا قال: أنت طالقٌ طلاقًا، ولم ينوِ عددًا، طلقت طلقة واحدة.

2666 -

فرع

للإمام: يُشترط في اتِّصال التأكيد بالمؤكَّد، والاستثناءِ بالمستثنى منه، فوق ما يشترط في اتِّصال القبول بالإيجاب، ولذلك لا يبطل الإيجاب بتخلُّل الكلام اليسير على الأصحِّ، ولو وقع مثلُه في الاستثناء والتأكيد لبطلا عند الإمام.

2667 -

فصل في الإكراه على الطلاق وغيره من التصرُّفات

إذا أُكره على تنجيز الطلاق، أو العتاق، أو على تعليقهما، أو على سائر التصرُّفات كالبيع والهبة والإجارة والنِّكاح، لم يصحَّ شيء من ذلك، بخلاف الإكراه على إيقاع الصفة التي علَّق عليها الطلاقَ، فإنَّها مندرجةٌ تحت تعليقه، ولذلك لو قال: إن دخلتُ الدارَ مكرهًا فأنت طالق، فدخلها مكرهًا، طلقت اتِّفاقًا.
فإذا أتى بلفظ الطلاق والعتاق على وَفْقِ الإكراه، لم يقع واحدٌ منهما إلا أن يقصد الإيقاع، وإن نوى بذلك طلاقًا مِن وَثاقٍ لم تطلق، وإن لم ينوِ ذلك مع إمكان النيَّة فوجهان.
وقال الإمام: إنْ جَهِلَ التورية، أو ذهل عنها وهو عارفٌ بها، لم تطلق، وإن عرفها وذكرها، فالأظهرُ وقوعُ الطلاق، فإن قلنا: تَطْلُقُ، فزعم أنَّه نوى الطلاق من وثاق، قُبل، بخلافِ ما لو زعم أنه نوى ذلك حال الاختيار، وصار كمن أقرَّ ثم قال: كنتُ كاذبًا في الإقرار، فإن كان مكرهًا قُبل، وإلّا فلا.

2668 -

فرع:

قال الأصحاب: إذا خالف المكرَه ما طلبه المكرِه منه بزيادة، أو نقص وقع الطلاق الذي أتى به، وإن أُكره على طلقةٍ، فطلَّق ثلاثًا، وقع الثلاث، وإن أكره على ثلاث، فطلق واحدة، وقعت، وإن أكره على طلاقِ عَمرةَ، فطلَّقها مع ضرَّتها، طلقتا، وإن أكره على طلاق اثنتين، فطلَّق إحداهما، أو قال: قل: طلَّقتُها، فقال: فارقتُها، أو: سرَّحتها، طلقت.
وللإمام احتمالٌ فيما إذا أُكره على طلاق نسوةٍ، فطلَّق واحدةً، أو على ثلاث طلقاتٍ، فطلَّق واحدةً، أو على طلاقِ واحدةٍ، فطلَّقها مع ضرَّتها، والاحتمالُ في طلاقها مع الضرَّة أظهرُ، ولهذا لو كان عازمًا على طلاقها، فأُكره على طلاق صاحبتها، فضمَّها إليها، فهذا ظاهرٌ في حصول الإكراه، بخلافِ ما لو أُكره على طلقة، فطلَّق ثلاثًا.
ولو أُكره على طلاق اثنتين، فقال لإحدهما: أنت طالقٌ، وقال للأخرى: أنت طالقٌ، وجب القطع بأنَّهما لا تَطْلُقان، كما لو قال: أنتما طالقان.
ويقع طلاقُ الهازل في الظاهر والباطن، وهو الذي يقصد اللفظ دون معناه.
وإن هزل بالبيع جاز أن يُلحق بالطلاق والعتاق وألا يُلحق بهما؛ لقوله عليه السلام: "ثلاثٌ هزلهنَّ جدٌّ، وجدُّهنَّ جدٌّ: الطلاق، والعتاق، والنّكاح" 1. ومقتضَى الحديثِ انعقادُ نكاح الهازل، وفيه إشكالٌ؛ فإنَّه

لا يقبل التعليقَ ولا السرايةَ، ولا ينعقد بلفظٍ فاسدٍ.
ولا يقع طلاقُ اللَّاغي، وهو الذي يَبْدُرُ منه لفظُ الطلاق من غير قصدٍ.
فإنْ زعم الهازل أنَّه أراد طلاقًا من وَثاقٍ، أو زعم اللاغي أنَّه لَغَا، دُيِّن، ولم يُقبل في الظاهر.

2669 -

فرع:

إذا كان اسم زوجته: طاهرة، فقال: يا طالقةُ، وزعم أنَّ لسانه التفَّ بذلك من غير قصدٍ، قُبل في الحكم؛ لقوَّة القرينة.
ولا تصحَّ الردةُ بالإكراه، ومَن أوجب التلفُّظَ بها فقد غلط.
وإن أُكره الحربيُّ على الإسلام صحَّ اتِّفاقًا، وإن أُكره عليه الذمَّيُّ لم يصح على الأصحِّ.

2670 -

فصل في بيان حد الإكراه

يُشترط في الإكراه أن يَغْلِبَ على ظنِّ المُكْرَه وقوعُ ما خُوِّف به إن خالف المكرِهَ، وفي حدِّ الإكراه طرقٌ: = والعمل عليه عند أهل العلم، والصحابة، وغيرهم.
وذكره بلفظ المصنف النووي في "تهذيب الأسماء" (3/ 44) ثم قال: "هكذا وقع الحديث في "الوسيط"، وكذا وقع في بعض نسخ "المهذب" وفي بعضها: "والرجعة" بدل: "والعتاق"، وهذا هو الصواب، وهكذا أخرجه أئمة الحديث: "النكاح والطلاق والرجعة".

الأولى: أنَّه التخويفُ بعقوبةٍ تَنال بدنَه عاجلًا لا طاقة له بها، كالقتل، وقطعِ الطرَف، والضربِ بالسياط، والتجويعِ، والتعطيشِ، وتخليدِ الحبس، فإن هُدِّد بإيقاع شيءٍ من ذلك في الغد، أو باتلاف المال، أو قتلِ الولد، أو بالصَّفع في السوق، والمكرَهُ من ذوي المروءات، فليس بإكراه.
الثانية: التخويفُ بما يوجِبُ مثلُه القصاصَ، ولا يختلف الإكراه باختلاف ما يُطلب منه؛ من قتل، أو بيعٍ، أو طلاقٍ، أو عتقٍ، أو غيرِ ذلك من التصرُّفات، فإن خُوِّف بتخليد الحبس، فليس بإكراه إلّا أن يكون في قعرِ بئرٍ يغلبُ الموتُ منه.
الثالثة: يختلف الإكراه باختلاف المطلوب، فالقتلُ والقطعُ إكراهٌ على القتل، وإتلافُ المال إكراهٌ على إتلاف المال دون القتل والقطع.
الرابعة: فيه وجهان: أحدهما: أن يُخوَّف بما لا تحتملُه نفسُه.
والثاني: يختلف باختلاف عادة الناس، فصفعةُ الشريف على ملأ من الناس إكراهٌ، وفي إتلافِ المالِ وقتلِ الولد وجهان.
الخامسة: إن كان المطلوبُ أقلَّ عند العقلاء ممَّا خوِّف به فهو إكراهٌ، كمَن أُكره على الطلاق بضربٍ مبرِّحٍ، أو حبسٍ طويلٍ، أو غضٍّ ظاهرٍ من المروءة، فالإكراهُ على الطلاق دون الإكراه على القتل، فيكونُ تخليد الحبس إكراهًا على الطلاق والعتاق دون القتل، وإن كان المطلوبُ أعظم في النفوس ممَّا خُوِّف به فليس بإكراهٍ.
وذكر العراقيُّون في الإكراه على الطلاق أوجهًا:

أبعدُها: تخصيصُه بالقتل.
والثاني: بالقتل والقطع.
والثالث: بهما وبإتلافِ المال، وبكلِّ ما يَصْعُبُ احتمالُه، ويُعدُّ في العرف من أسباب الإلجاء، ويختلفُ ذلك باختلافِ أحوال ذوي المروءات.
الطريقة السادسة للمحقِّقين: التخويفُ بما يَسْلُبُ الطاقة والإطاقة، ويكاد يُعْدِمُ اختيار المكرَه حتّى يُصيِّره كالفارِّ من الأسد، ويحصل ذلك بالقتل والقطع دون تخليد الحبس، ولا يختلفُ باختلافِ المطلوب كالقتل والإتلاف، والطلاق والعتق، وبيع القليل من المال، ولو قوبح (1) بإيلامٍ لا يُصابَر، ولا يُقصد بمثله القتلُ، ففيه نظرٌ، وليس بإكراهٍ عند الإمام، ولو خُوِّف الأخرقُ بما يظنُّه مهلكًا، وليس كذلك، فهو كمن رأى سوادًا، فصلَّى للخوف، ثم بان خلاف ظنِّه.
ولو خُوِّف بضربٍ يُفضي إلى الهلاك فهو كقطع الطرَف، وإن لم يُتصوَّر البقاءُ معه فهو كالتخويف بالقتل.
وهذه الطريقةُ أضبط ممَّا سبق، فإنَّ المروءاتِ وتأثيرَ كشف الرأس، والصَّفعَ على رؤوس الأشهاد، وقَدْرَ ما يُتلف من المال، لا ضابطَ له مع اختلاف وَقْعِهِ باختلاف هِمَم الناس.

2671 -

فرع:

التخويف بقتل الوالد كالتخويف بقتل الولد، وجَعْلُ الحبسِ إكراهًا على القتل هفوةٌ، والجمعُ بين سقوط الطاقة وجعلِ الحبس إكراهًا هفوةٌ،1

والقطعُ بجعلِ الحبس إكراهًا وقتلِ الولد ليس بإكراهٍ هفوةٌ.

2672 -

فصل في طلاق السكران وتصرُّفاته

لا يقع طلاق نائمٍ ولا مغمًى عليه ولا مجنونٍ، ويقعُ طلاق السكران على ظاهر المذهب، وظِهارُه كظهار الصاحي، أو المجنون؟ فيه قولان قديمان خرَّجهما بعض الأصحاب في الطلاق، ويلزمُه قضاء الصلوات اتِّفاقًا.
وفي سائر تصرُّفاته القوليَّة والفعليَّة فيما له وعليه طرقٌ: أشهرُها: طرد القولين.
الثانية: تنفيذ ما عليه، وفيما له قولان.
الثالثة: تنفيذ الأفعال، وفي الأقوال قولان.
ولو سكر بإيجارِ الخمر 1 لم يلزمْهُ قضاءُ الصلوات عند أبي محمد، وقال الشافعيُّ: تصحُّ ردَّة السكران، ولا يُستتاب حتى يصحو، والأولى حملُ ذلك على الاستحباب، فإنَّ مَن صحَّت ردَّتُه صحَّ إسلامه، ومن هذا النصِّ أخذ بعض الأصحاب التفرقةَ بين ما له وعليه.
وحدَّ الشافعيُّ السكر بأن يختلط كلامُه المنظوم، ويظهر سرُّه المكتوم.
وقيل: بأن يهذي ويتمايل في مشيه.
وقيل: بألا يَعلم ما يقول.

وقال الإمام: لا عبرةَ بمبادي الطَّرب، فإذا صار كالمجنون في تاراته وأحواله، وفيما يبقى له من المَيْزِ والفهم، الذي يردُّ به الجوابَ، ويَفْهَمُ به الخطابَ، فهذا محلُّ الخلاف، وقد يختلُّ كلامه تارةً، وينتظمُ أخرى، فإذا انتهى إلى حال النائم والمغمَى عليه، فالوجُه القطع بإلحاقه بهما، وأبعدَ مَن أجراه على الخلاف.

2673 -

فرع:

قال الأصحاب: مَن تعاطى ما يُزيلُ عقلَه لغير حاجةٍ عصى، وكان حكمُه كحكم السكران، وألحقه الإمامُ بمن خلع قَدَمَ نفسه 1، وصلَّى قاعدًا، ثم برئ، والمذهب: أنَّه لا يقضي الصلاة فما الظنُّ بتصرُّفاته، فإنَّ خلْع القدم لا يُقصد، بخلاف السكر، وكذلك الخلاف فيمن خَتَن نفسه، ثمّ أفاق ففي قضاء الصلوات ما تقدَّم.
ولو تداوى ببنجٍ أو غيرِه، فزال عقلُه، لم يقع طلاقُه، ولو سَكِرَ بإيجارِ الخمرِ لم ينفذ طلاقُه اتِّفاقًا.

2674 -

باب الطلاق بالحساب والاستثناء

إذا قال: أنت طالقٌ واحدةً في اثنتين، وقال: نويتُ: مع اثنتين، طَلَقَتْ ثلاثًا، وإن قال: نويتُ جَعْلَ الثنتين ظَرْفًا للواحدة، وقعتْ واحدةٌ، وإن لم ينوِ شيئًا: فإنْ عرف اصطلاحَ الحُسَّاب فهل تطلق ثلاثًا، أو اثنتين، أو واحدةً؟ فيه أقوالٌ أبعدُها أوَّلها، وإن جهل الاصطلاح وقعت واحدة عند المحققِّين، ويُحتمل إيقاع الثلاث، إلا أن يقصد بذلك ما يعنيه الحُسَّاب، ففي وقوع طلقتين وجهان أجراهما الإمام فيما إذا قال: طلَّقتكِ مثلما طلَّق فلانٌ، مع الجهل بالعدد.
ولو لفظَ العجميُّ بالطلاق بالعربيَّة مع جهله بمعناه، ونوى معناه في العربيَّة، ثم انكشف له بعد ذلك، لم يقع الطلاق اتِّفاقًا.

2675 -

فصل في ترادف الطلاق

إذا قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، وقع قبل الدخول طلقةٌ، وبعده طلقتان متعاقبتان.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا أو اثنتين، وقع الجميع اتِّفاقًا، وإن كان قبل الدخول.
فإن وقع قولُه ثلاثًا بعد موتها، فالأصحُّ وقوعُ واحدة، وأَبعدَ مَن أوقع

الثلاثَ، ومَن قال: لا يقع شيء.
ومتى قال: أنت طالق ثلاثًا، فالمذهبُ الوقوعُ عند نجاز قوله: ثلاثًا.
وقيل: إن قلنا: لا يقع في صورة الموت شيءٌ، وقع الثلاث عند نجاز قوله: ثلاثًا، وإن أوقعنا الثلاث في مسألة الموت وقع الثلاثُ هاهنا بقوله: أنت طالق، وإن أوقعنا ثَمَّ واحدةً وقع هاهنا بقوله: أنت طالق، واحدةٌ، وبقوله: ثلاثًا، اثنتان، وهذا لا يصحُّ؛ إذ يلزمُ منه ألا يقع قبل الدخول إلا واحدةٌ، فإنَّها تَبِين بها، ثم لا يلحقها الطلقتان، وهذا لا قائل به.
وليس مَن أنشأ الطلاق على قصدِ أن يفسِّره بالعدد كمَن نواه ولم يأتِ بالعدد، فإنَّه اعتمد في العدد على اللفظ المفسِّر، ولم يأتِ بنيَّةٍ مع قوله: أنتِ طالق.
وإن قال للممسوسة: أنتِ طالقٌ طلقةً قبْلَها طلقةٌ، أو: بعدَ طلقةٍ، وقع طلقتان متعاقبتان اتِّفاقًا، ولا تتقدَّم واحدةٌ منهما على لفظه، وهل تتقدَّم المنجَّزة، أو تتأخَّر؟ فيه وجهان، فإنْ زعم أنَّه نوى الإسناد إلى ما قبل اللفظ فهو كقوله: أنت طالقٌ الشهرَ الماضيَ.
وإن ذكر ذلك قبل الدخول، فلا تقع اثنتان اتِّفاقًا، فإن قلنا: تتقدَّم المنجَّزة في الممسوسة، وقع قبل الدخول طلقةٌ، وإن أخَّرناها ثَمَّ فهاهنا في وقوع طلقةٍ خلافٌ بناه القاضي على الخلاف في الدَّور.
ولا يصحُّ هذا البناءُ، فإنَّ مَن أوقع الطلاقَ في الدَّور يمكنُ ألا يُوْقعَه هاهنا، فإنَّ في الدَّور شرطًا وجزاءً، والجزاءُ يقف على الشرط، والشرطُ لا يقف على الجزاء، وهاهنا إنَّما يمتنع وقوعُ الطلاق لتعذُّر صفته؛ إذ

لا يُتصوَّر قبل الدخول طلقةٌ مسبوقةٌ بأخرى، فيُحتمل أن يُعلَّل وجهُ المنع بهذا، وأن يعلَّل وجهُ الإيقاع بأنَّه وزَّع طلقتين على زمانين؛ إذ لا تكون الطلقةُ صفةً لطلقة أخرى، فتصير كقوله: أنت طالقٌ طلقةً وطلقةً.

2676 -

فرع:

إذا قال للممسوسة: أنت طالقٌ طلقةً قبل طلقةٍ، أو: طلقةً بعدها طلقةٌ، وقع طلقتان، وقبل الدخول يقعُ واحدة اتّفاقًا، كمَن قال لأمته: أوَّلُ ولدٍ تلدينه فهو حرٌّ، فإنَّها تَعْتِقُ باوَّل ولدٍ، وإن لم تلد بعده شيئًا.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً مع طلقةٍ، أو: معها طلقةٌ، فهل يقعان معًا، أو يتعاقبان؟ فيه وجهان، فإن قال ذلك قبل الدخول وقعت واحدةٌ إن قلنا بالتعاقب، وإن قلنا بالاقتران فطلقتان.

2677 - فرع: قال الأئمَّة إذا قال: أنتِ طالقٌ طلقةً تحت طلقة، أو: تحتها طلقةٌ، أو: فوقَ طلقةٍ، أو: فوقَها طلقةٌ، أو: على طلقةٍ، أو: عليها طلقةٌ، فهو كقوله: طلقةً معها طلقةٌ.

2678 - فرع: إذا قال: إن دخلتِ الدار فأنت طالقٌ وطالقٌ، فدخلت: فهل يقعان معًا، أو يتعاقبان؟ فيه وجهان، فيقع قبل الدخول واحدةٌ إن قلنا بالتعاقب، وإن قلنا بالاقتران فطلقتان.
وإن قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ إن دخلتِ الدار، فدخلت، فإنْ أوقعنا طلقتين إذا قدَّم الشرط فهاهنا أولى، وإن أوقعنا ثَمَّ واحدةً وقع هاهنا اثنتان

على أظهر الوجهين، واستبعد الإمام ذلك، فإنَّ الشرط والجزاء لا تتغيَّر رتبتُهما بالتقديم والتأخير.

2679 -

فصل في إضافة الطلاق إلى أبعاض الزوجة

إذا أضاف الطلاق إلى جزءٍ شائعٍ، أو معيَّنِ متَّصلٍ اتِّصالَ خَلْقِه؛ كالسَّمَن والشعر واليد والرأس، أو إلى عضوٍ قُطع بعضُه ولم يَلتحِمْ، أو أضافه إلى الرُّوح، طلقت، والأشبهُ أنَّ الحياة كالروح.
وفي الأذن الملتحِمةِ بعد الإبانة وجهان؛ لأنَّها بوجوب الإبانة كالمُبانةِ، وتردَّد الإمام في الشحم؛ لعدم التحامه، ولا نَقْلَ فيه.
وإن أضافه إلى الجنين، أو الصفات التي ليست بأجزاءِ كالحُسن والقبح واللون، لم تطلق اتِّفاقًا.
وإن أضافه إلى الفضلات والأخلاط؛ كالدمع، والريق، والعرق، والبول، واللَّبن، والمنيِّ، والبلغم، والمرّة الصفراء والسوداء، لم تَطْلق على الأصحِّ، وفي الدم طريقان، فإنَّه قوامُ البدن كالروح.

2680 -

فرع:

إذا قال: إن دخلتِ الدارَ فيمينُك طالقٌ، فدخلت ولا يمينَ لها، ففي الوقوع وجهان مأخذُهما: أنَّ الطلاق إذا أُضيف إلى بعضِ شائع أو معيَّنٍ: فهل يقعُ عليه ثم يسري إلى الباقي، أو يُجعلُ البعضُ عبارةً عن الجملة؟ فيه وجهان.

ولو قال لمن لا يمينَ لها: يمينُك طالقٌ، فقد خرَّجه بعضُهم على الوجهين، وقطع الإمام بنفي الطلاق، فإنَّ العبارة لم تجد مُعبَّرًا عنه.
ولو قال: لحيتُكِ، أو: ذَكَرُك، طالقٌ وجبَ ألا تَطْلُقَ اتِّفاقًا.

2681 -

فرع:

إضافة العتق إلى جزءٍ معيَّنٍ كإضافة الطلاق إليه، ولو أعتق نصفَ عبده، فالمذهبُ أنَّ عتق الباقي بطريقِ السراية، وقيل: بل بالعبارة عن الكل بالبعض، ولا تتأثر الجملة بالتصرُّف في جزئها الشائع أو المعيَّن إلا فيما يُبنى على السراية والغلبة، ويَقبل التعليقَ بالأغرار، فإن أضاف الفسخ أو الإقالة إلى جزءٍ معيَّنٍ لم ينفذ عند القاضي؛ فإنَّ الفسخ كالعقد، فلا يَرِدُ إلّا على مَوْرِدِه.

2682 -

فصل في إيقاع بعض طلقة

إذا قال: أنتِ طالقٌ بعضَ طلقة، أو: أوقعتُ عليك بعض طلقة، وقعت طلقةٌ، وإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً ونصفًا، وقع طلقتان.
ولو قال: زوَّجتُكَ نصفَ ابنتي، لم يصحَّ النكاحُ اتِّفاقًا.
فإن زادت الأبعاضُ على طلقةٍ أو طلقتين، فالاعتبارُ بالمضاف إليه، أو بالأبعاض المضافة؟ فيه وجهان، فإن اعتبرنا الأبعاضَ كمَّلنا منها طلقةً، فإن فَضَلَ شيءٌ كمَّلنا الثانية، فإن فضل شيءٌ فهو من الثالثة.
فإن قال: أنتِ طالقٌ أربعةَ أنصافِ طلقةٍ، فهل يقعُ واحدةٌ، أو ثنتان؟ فيه الوجهان.

وإن قال: خمسةَ أنصافِ طلقةٍ، فهل يقع واحدةٌ، أو ثلاث؟ فيه الوجهان.
وإن قال: نصْفَي طلقتين، وقع طلقتان.
وإن قال: ثلاثة أنصاف طلقتين، أو: خمسةَ أنصافِ طلقتين، فيقع ثلاثٌ، أو طلقتان؟ فيه الوجهان.
وإن قال: نصف طلقتين، فإن أراد نصفًا من كلِّ طلقة، وقع طلقتان، وإن أطلق وقعت واحدةٌ على أصحِّ الوجهين، فإنَّ الطلاق لا يقع إلا بيقينٍ، أو ظاهرٍ يقارِبُ اليقينَ، والضابطُ لذلك الظاهرِ: أن يكون الحَيْدُ عنه في حكم المستكرَهِ البعيد، فإن قال: أردتُ بنصف الطلقتين طلقةً، فإنْ حملنا الإطلاق على الواحدة قُبل، وإلا فوجهان، وإن أقرَّ بنصفِ عبدين، وزعم أنَّه أراد بذلك أحدَهما، لم يُقبل اتِّفاقًا؛ لتشخُّصِهما وتفاوتهما.
وللَّفظ مع ما يُقصد به مراتبُ: الأولى: ما لا يؤثِّر فيه القصدُ بحالٍ، كما لو نوى بقوله: أنتِ طالقٌ، طلاقًا لا يقع، ويُضبط بكلِّ ما لو صرَّح به على الاتِّصال لردَدْناه.
الثانية: ما يؤثِّر فيه القصدُ في الباطن دون الظاهر، كنيَّة الطلاق من الوثاق، ويُضبطُ بأنْ يَقصد بلفظه ما لا تُعتاد إرادتُه باللَّفظ على اختلاف الأحوال، وضبطَه بعضهم بما يصحُّ النطق به، وشَرَطَ آخرون مع صحَّة النطق إشعارُ اللفظ به في أصل الوضع على بُعْدٍ.
الثالثة: أن يظهر اللفظُ في معنًى، فيتأوله بما قد يجري في الكلام، ولا يبعد بُعْدَ المرتبة الثانية، وهو أقسام:

الأوّل: أن يكون اللفظُ كالمتردِّد بين الأمرين، فلا يقع به الطلاق، كنصف طلقتين، فإنَّه كالمتردِّد بين الواحدة والثنتين، فلا يقع سوى واحدة.
الثاني: أن يرتفع اللفظُ عن التردُّد، ولا ينتهي التأويلُ إلى الجفاء، فيُقبَل قولُه في التأويل، وإِن أطلق فوجهان.
الثالث: أن ينتهي بالتأويل إلى الجفاء، فيقع الطلاق عند الإطلاق، وفي قبول التأويل وجهان.

2683 -

فرع:

إذا قال: سدسَ وثلثَ وربعَ طلقةٍ، وقعت طلقةُ، وإِن قال: سدسَ طلقةٍ وربعَ طلقةٍ وثُمنَ طلقةٍ، فالمذهبُ وقوعُ الثلاث، وقيل: إن نوى الواحدة قُبِلَ منه.

2684 -

فصل في إيقاع طلقة أو طلقات على نسوة

إذا قال لأربعٍ: أوقعتُ عليكنَّ طلقةً، وقع على كلِّ واحدةٍ طلقةٌ.
وإِن قال: أوقعتُ عليكنَّ طلقتين، وقع على كل واحدةٍ طلقةٌ إلا أن ينويَ قسمةَ كلِّ طلقةٍ عليهنَّ، فيقع على كلِّ واحدةٍ طلقتان.
وإِن قال: أوقعتُ بينكنَّ طلقةً، وقع على كلِّ واحدةٍ طلقةٌ، فإن قال: نويتُ طلاق إحداهن على الإبهام، لم يُقبل على الأصحّ، وأبعدَ مَن شبَّب بهذا الخلاف في صورة الإطلاق.
وإِن قال: أوقعتُ بينكنَّ ثلاثَ طلقات، أو أربع طلقات، وقع على كلِّ

واحدةٍ طلقةٌ، إلا أن ينوي قسمةَ كلِّ طلقةٍ عليهنَّ، فيَطْلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا.
وإن قال: أوقعت بينكنَّ خمسًا، أو: ستًّا، أو: سبعًا، أو: ثمانيًا، وقع على كلِّ واحدةٍ طلقتان.

2685 -

فرع:

إذا قال: أوقعتُ بينكنَّ خمسًا، ثم قال: أردتُ إيقاع اثنتين على واحدةٍ والثلاثِ على أخرى، لم يُقبل على الأصحِّ.
وإن قال: أردتُ إيقاع اثنتين على فلانةَ، وتوزيعَ الثلاث على الباقيات، فإنْ قبلنا قوله في إخراج بعضهنَّ عن الطلاق، فهاهنا أولى، وإِن لم نقبله ثَمَّ فهاهنا وجهان، وقطع أبو عليٍّ بالقبول.
وإِن قال: أوقعتُ بينكنَّ عشرَ طلقات، طَلَقْنَ ثلاثًا ثلاثًا، فإنْ زعم أنَّه أوقع تسعًا على ثلاثٍ، وأوقعَ واحدةً على الرابعة، ففيه الطريقان.
وإن قال: أوقعتُ بينكنَّ طلقتين، أو ثلاثًا، وزعم أنَّه طلَّق ثنتين وعزل ثنتين، أو قال: أوقعتُ بينكنَّ أربعًا، وزعم أنَّه أوقعهنَّ على اثنتين وعزل اثنتين، ففيه الوجهان، وإِن زعم أنَّه أوقع الأربعَ على واحد؛ فإن قَبِلْنا قولَه في العزل طَلَقَتْ تلك الواحدةُ ثلاثًا، وهل تُلْغَى الطلقةُ الرابعة، أو تقعُ على الثلاث الأُخَر؟ فيه للقاضي جوابان.

2686 - فرع: إذا قال لثلاثٍ: أوقعتُ بينكنَّ طلقةَ، ثم قال للرابعة: أشركْتُكِ معهنَّ، لم تطلق إلا أن ينوي إشراكها في الطلاق، فإنْ نوى أن تكون كإحداهنَّ وقع عليها طلقةٌ، وإِن نوى مشاركتَها لكلِّ واحدةٍ في طَلْقَتها طَلَقتْ ثلاثًا، وإِن لم

ينوِ سوى الإشراكِ في الطلاق طَلَقتْ طلقةً، وأوقع القفَّال طلقتين، ولا يتَّجه ما قال.

2687 -

فرع:

قال العراقيون إذا قال: أوقعتُ بينكنَّ نصفَ طلقةٍ وسدسَ طلقةٍ وثلثَ طلقةٍ، طَلَقتْ كلُّ واحدةٍ ثلاثًا، وقال الإمام: إن قلنا: لا يقع بهذا اللَّفظ على الواحدة سوى طلقةٍ، طَلَقتْ كلُّ واحدةٍ طلقةً، وإنْ أوقعنا به على الواحدة ثلاثًا فهاهنا احتمالٌ.
وإِن قال: أوقعتُ بينكنَّ طلقةً وطلقةً وطلقةً، ففي وقوع الثلاث على طريقة العراق احتمالٌ.

2688 -

فصل في الاستثناء في الطلاق

الاستثناء من الإثبات نفيٌ، ومن النفي إثباتٌ، وشرطُه الاتِّصالُ وعدمُ الاستغراق، فإن ترادَفَ الاستثناء؛ فإنْ عطف بعضَه على بعضٍ اتَّحد الحكمُ، فيكون المعطوفُ والمعطوفُ عليه استثناءً ممَّا تقدَّم، وإن لم يعطفه كان المُثْبِتُ نافيًا، والنافي مُثْبِتًا، وإنْ عطف أعدادَ المستثنى أو المستثنى منه، فهل تُجمع، أو تُترك بحالها؟ فيه وجهان.
فإذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثلاثًا، وقع الثلاث.
وإن قال: إلا واحدةً وقع اثنتان.
وإِن قال: إلا واحدةً وإلا واحدةً، أو: إلّا اثنتين إلا واحدة، وقعت واحدةٌ.

وإِن قال: إلا ثلاثًا إلا اثنتين، فالأصحُّ وقوع طلقتين، وأبعدَ من أوقع واحدةً، وأبعدُ منه مَن أوقع الثلاث.
ولو قال: إلا واحدةً، أو قال: إلا اثنتين إلا واحدةً، وقعت واحدةٌ.
وإِن قال: واحدةً وواحدةً وواحدة إلا ثلاثًا، وقع الثلاثُ.
وإِن قال: واحدةً وواحدةً وواحدةً إلا واحدةً، فيقع ثلاثٌ، أو اثنتان؟ فيه الوجهان.
وإِن قال: واحدةً وواحدةً وواحدةً إلا ثنتين، فيقع واحدة، أو ثلاث؟ فيه الوجهان.
وإن قال: ثلاثًا إلّا واحدةً وواحدةً وواحدةً، فإنْ جمعنا وقع الثلاثُ، وإِن فرَّقنا وقعت واحدةٌ؛ لاختصاص البطلان بالأخيرة، وكذلك الحكمُ إذا قال: ثلاثًا إلا اثنتين وإلا واحدة.
وإِن قال: ثلاثًا إلا واحدةً واثنتين؛ فإنْ جمعنا وقع الثلاث، وإِن فرَّقنا وقع اثنتان؛ لاختصاص البطلان بالثنتين الأُخْرَيَين.
ولو قال: واحدةً وواحدةً وواحدةً إلا واحدةً وواحدةً وواحدةً، وقع الثلاثُ اتِّفاقًا.
وقال أبو محمد: كلُّ تفريقٍ يقتضي الإيقاعَ، فيجبُ القول به، وكلُّ تفريقٍ يُفضي إلى صحَّة الاستثناء، ففيه خلافٌ.
ولا وجه لِمَا قال.
وإِن قال: أنت طالقٌ طلقتين ونصفًا إلا واحدة؛ فإن فرَّقنا وقع الثلاث، وإِن جمعنا وقع طلقتان.

2689 -

فرع:

إذا خاطبها بأكثر من العدد الشرعيِّ ففي انحصار الاستثناء في العدد الشرعيِّ وجهان، فإذا قال: أنتِ طالقٌ ستًّا إلا ثلاثًا، وقع الثلاثُ اتِّفاقًا، وإِن قال: خمسًا إلا ثلاثًا، فيقع ثلاثٌ، أو ثنتان؟ فيه الوجهان، وإِن قال: أربعًا إلا ثنتين، فيقع واحدةٌ، أو ثنتان؟ فيه الوجهان.

2690 - فرع: إذا استثنى بعض طلقةٍ، صحَّ الاستثناء، إن كان مقتضِيًا للإيقاع، وإِن كان مقتضيًا للرفع لم يصحَّ، فماذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا طلقتين إلا نصفَ طلقةٍ، وقع طلقتان؛ لأنَّ الاستثناء الأخير مقتضٍ للإيقاع.
وإِن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا طلقةً ونصفًا، وقع طلقتان على الأصحِّ.
وإِن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا اثنتين ونصفًا؛ فإن صحَّحنا الاستثناء خُرِّج على الخلاف في جميع المعطوفات، وإِن أبطلناه وقعت طلقةٌ، ويتَّجه تصحيحُه هاهنا؛ فإن في إعماله إبطالَه إذا جمعنا المعطوفات.

2691 -

فصل في التعليق بالولادة

إذا قال للممسوسة: إنْ وَلَدْتِ فأنتِ طالقٌ، فولدَتْ ولدين بينهما أقلُّ من ستَّة أشهر، لحقاه وطَلَقَتْ بالأوَّل، وانقضت العدَّة بالثاني، فإن أتت بثالثٍ لأكثر من ستَّة أشهر من ولادة الأوَّل أو الثاني، لم يلحقه اتِّفاقًا، وإِن ولدت ولدين بينهما أكثرُ من ستَّة أشهرِ، فأصحُّ القولين أنَّ الثاني لا يلحق، ولا تنقضي به العِدَّة؛ فإنَّ كلَّ ولدٍ أَمْكَنَ العلوقُ به قبل الطلاق لَحِقَ اتِّفاقًا،

وكلَّ ولدٍ أَمْكَنَ العلوقُ به في مدَّة الرجعة، ولم يُمكن تقديمُه على الطلاق، ففيه القولان، ومأخذُهما: أنَّ مدَّة الحمل هل تُحسب من وقت الطلاق، أو من حين انقضاء العِدَّة؟ وإن قال: كلَّما ولدتِ ولدًا فأنتِ طالقٌ، فولدت أربعةً من بطنٍ واحدٍ، طلقت ثلاثًا، وانقضتِ العدَّةُ بالرابع، وإن ولدت ثلاثةً من بطنٍ طَلَقتْ طلقتين، وانقضت العدَّة بالثالث، ولا تَطْلُقُ به إلا على قولٍ بعيدٍ تأوَّله بعضُهم، وعلَّله القفَّال بأنَّ الطلاق يقع بين الولادة ويين الشروع في العدَّة، كما لو طلَّق الرجعيةَ وقلنا: تستأنفُ العِدَّة، فإنَّ الطلاق يقع بين العدَّة الأولى والثانية، وكمن قال: أنت طالقٌ بين الليل والنهار، فإنَّ الطلاق يقع لا في الليل، ولا في النهار.
ولا يتَّجه ما قال؛ فإنَّ وقوع الطلاق في غيرِ زمانٍ مُحَالٌ.
وإذا قال: أنتِ طالقٌ بين الليل والنهار، طلقت في آخر أجزاء النهار؛ لأنَّ معنى ذلك اتِّصافُها بالطلاق في أوَّل الليل وآخر النهار.

2692 -

فرع:

إذا قال للرجعيَّة: أنت طالقٌ مع انقضاء العِدَّة، فعلى الخلافِ في مسألة الولادة، وإن قال: أنتِ طالقٌ في آخر العدَّة، طلقت في آخِرِ أجزائها، وغلط القاضي بتخريجه على الخلاف.

2693 -

فصل في التعليق بمشيئة الله

إذا قال: أنت طالق إن لم يدخل زيدٌ الدار، لم تطلق حتى نيأسَ 1 من

الدخول، فيقع الطلاق قُبيل اليأس من الدخول، فإن شككنا في الدخول لموته 1، لم تطلق على الأصحِّ، وإِن قال: إلا أن يدخل زيد الدار، فشككنا في الدخول لموته، طلقت عند الجمهور؛ ظنًّا منهم أنَّه نجَّز الطلاق، ثمَّ استدركه بالاستثناء، وقطع الإمام بأنَّها لا تطلق، فإنَّ منجَّز الطلاق لا يرتفع، ومعلَّقَه لا يقعُ قبل الشرط.
وإِن قال: أنت طالق إن لم يشأ زيد، فقد علَّق الطلاق بألا يشاء الطلاق، فلا تَطْلُق حتى يُيْأَس من ذلك، وإِن قال: إلا أن يشاء زيدٌ، فمعناه: إلا أن يشاء ألا تَطْلُقي، فلا يقع الطلاق.
وإِن قال: أنت طالقٌ إن شاء الله، لم تطلق إلا على قولٍ غريبٍ، وإِن قال: إن لم يشأ الله، لم تطلق على النصِّ.
وإِن قال: إلا أن يشاء الله، فقولان: اختار القاضي الوقوعَ، وقال الإمام: لا يقع؛ لأنَّ تعلُّق المشيئة ينفي الطلاقَ، وإثباتُه غيبٌ لا يُعرف، والأصلُ بقاء النكاح.

2694 -

فرع:

إذا علَّق البيع، أو الهبة، أو العتق، أو الإقرار، أو الظهار، أو غير ذلك من الألفاظ التي تتعلَّق بها العقودُ والأحكامُ، لم يصحَّ شيءٌ من ذلك على الأصحِّ، وأَبعدَ مَن صحَّح الظهار دون غيره.

2695 - فرع: إذا قال: أنت طالقٌ واحدةً ثلاثًا إن شاء الله، أو: أنت طالق ثلاثًا ثلاثًا

إن شاء الله، لم تطلق.
وإن قال: أنت طالقٌ ثلاثًا وثلاثًا إن شاء الله، فهل يقع الثلاثُ، أو لا يقع شيء؟ فيه وجهان.
وإِن قال: أنت طالقٌ واحدةً واثنتين إن شاء الله؛ فإن فرَّقنا المعطوفات وقعت واحدةٌ، وإِن جمعناها لم يقع شيء.

2696 -

فرع:

إذا قال: أنت طالقٌ، ولم يقصد الاستثناءَ ولا التعليقَ، فلمَّا نجَّز كلامه وصله بالتعليق على مشيئة الله، أو دخولِ الدار، فالأصحُّ وقوعُ الطلاق، وقيل: يتعلَّق على المشيئة والدخول.

2697 - فرع: قال الأئمَّة: إنَّما يصحُّ الاستثناءُ في الأخبار وصِيَغ الأفعال دون الأسماء، فإذا قال: يا طالقُ إن شاء الله، طلقت، خلافًا للإمام، وإِن قال: يا طالقُ أنت طالقٌ ثلاثًا إن شاء الله، أو: أنت طالقٌ ثلاثًا إن شاء الله يا طالق، طَلَقَتْ واحدة، وإِن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا يا طالقُ إن شاء الله، لم يقع شيءٌ؛ لأنَّ الاستثناء راجعٌ إلى الثلاث، وقوله: يا طالقُ، صفةٌ لها بذلك الطلاقِ المعلَّق بالمشيئة، ولا يضرُّ تخلُّل قولِه: يا طالق، كما لو قال: طلَّقتك يا فاطمةُ إن شاء الله، أو: أنت طالقٌ ثلاثًا يا حفصةُ إن شاء الله، أو: أنت طالقٌ يا رانيةُ 1 إن دخلتِ الدارَ، فإنَّ الطلاق يتعلَّقُ بدخول الدار، وعلى رأي الإمام يُحتمل

أن يقع الثلاث، ويتَّجه إيقاع واحدة.

2698 -

فصل في التعليق بمشيئة الزوجة

إذا قال: أنت طالقٌ إن شئتِ، لم تطلق إلا أن تقول: شئتُ، على الفور؛ لاجتماع استدعاء الجواب ومعنى التمليك، وإِن قال: زوجتي طالقٌ إن شاءت، ففي الفور تردُّدٌ للقاضي، واشتراطُه متَّجه في الحاضرة بعيدٌ في الغائبة، ويُحتمل أن يُشترط الفور إذا بلغها الخبر.
وإِن قال: إن شاء زيدٌ فزوجتي طالقٌ، لم يُشترط الفور، وإِن قال: إن شئتَ فزوجتي طالق فوجهان.
وإِن قال: أنت طالقٌ إن شئتِ أنت وأبوكِ، فشاءا على الفور، طلقت، وإن شاءت على الفور، وتأخرَّت مشيئةُ الأب، ثم شاء، لم تطلق، ويُحتمل أن تَطْلُقَ، كما لو علَّق على مشيئتها ودخولها الدار، فعجَّلَت المشيئة، وأخَّرتِ الدخول، ثم دخلت.
وإذا علَّق بمشيئة زيد، فقال: شئتُ، أو بمشيئتها، فقالت على الفور: شئتُ، طَلَقَتْ، وإِن قالت: شئتُ إن شئتَ، فقال: شئتُ، لم تَطْلُقْ، فإن كانت سكرانةً ففي صحَّة مشيئتها خلافٌ، وإِن كانت مجنونةً لم تصحَّ اتِّفاقًا، بخلافِ ما لو علَّق على كلامها.
وفي الصبيَّة خلافٌ، والأكثرون على أنَّها لا تطلق، ولو قال للصغيرة: إن تكلَّمتِ، أو إن قلتِ: شئتُ، فأنت طالقٌ، فقالت: شئتُ، طلقت.

ولو قال: أنتِ طالقٌ على ألفٍ، فقَبِلَتْ، لم تطلق؛ إذ لا عبرةَ بقولها في العقود، وقال القاضي: يُحتمل إلحاقُه بخُلْع السفيهة.

2699 -

فرع:

إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا أن يشاء أبوك واحدةً، فشاء واحدةً، لم يقع شيءٌ على المذهب الا ان يقصد وقوعَ الواحدة بمشيئة الأب، وقيل: يقع واحدةٌ إذا أطلق، فإن قال: أردتُ انتفاء الثلاثِ بمشيئة الواحدةِ حتى لا يقع شيءٌ، قُبل على اظهر الوجهين.

2700 - فرع: إذا شاءت باللسان وكرهت بالقلب طَلَقتْ ظاهرًا، وفي الباطن وجهان، وإن شاءت بالقلب دون اللسان وجب القطع بأنَّها لا تَطْلُقُ.

2701 - فرع: إذا قال: أنت طالقٌ إن شئتِ، لم يملك الرجوع، وإِن قال: طلِّقي نفسَكِ إن شئت، وجعلناه تمليكًا يقتضي الفورَ، فله الرجوعُ قبل الجواب، فإن قالت: طَلَّقتُ [وشئتُ] 1، فليس له أن يرجع قبل قولها: شئتُ، وله الرجوع قبل قولها: طلَّقتُ.

2702 -

باب طلاق المريض

أيُّ الزوجين مات في عِدَّة الرجعة ورثَه الآخَرُ، وإِن بانت الزوجةُ في الصحَّة، فلا توارُثَ وإِن مات أحدُهما في العِدَّة.
وإِن بانت في مرض الموت بالثلاث لم يرثها اتِّفاقًا، وكذلك لا ترثُه على الجديد، وتَرثُ في القديم؛ لأنَّه متَّهمٌ بالفرار من إرثها، وهل ترثُه أبدًا، أو ما لم تنقضِ العدَّة، أو ما لم تتزوَّج؟ فيه أقوال.
وإِن خالعته، أو أبانها بسؤالها، لم ترثه، وأبعدَ مَن طرد القولين.
فإنْ ورَّثناها فعليه فروع: الفرع الأول: إذا طلَّق واحدةً ونكح أخرى، اشتركا في الإرث، وإِن طلَّق أربعًا ونكح أربعًا، فترثه الأوائلُ، أو الأواخرُ، أو يشتركن؟ فيه ثلاثة أوجه.
ولو أبان الأربعَ ونكح واحدةً، أو أبان واحدةً ونكح أربعًا، فهل ترثه الواحدة، أو الأربع، أو يشتركن؟ فيه الأوجه الثلاثة.
الثاني: إذا علَّق المريضُ الطلاق بفعله، فوُجد في المرض، أو علَّقه بفعلِ أجنبيٍّ، أو مجيءِ وقتٍ، أو بفعلها الذي لا بدَّ لها منه طبعًا أو شرعًا، كالنوم والصلاة، فهو فارٌّ، وإن كان لها منه بدٌّ، فإنْ لم تعلم باليمين فهو فارٌّ،

وإن علمت فليس بفارٍّ، إلّا أن يظهر أنَّه قَصَدَ منعَها من الفعل، فَفَعَلتْه 1 ناسيةً، فالأشبهُ أنَّه فارٌّ، وفيه احتمال، وإن علَّق بتطعُّمها فأكلت، فإن كان تركُه يضرُّ بها فهو فارٌّ، وإن تلذَّذْت به، فإن أضرَّها فليس بفارٍّ، وإِن نفعها ففيه احتمالٌ، وقال الإمام: إن ظنَّت التضرُّرَ فليس بفارٍّ وإِن كذب ظنُّها، وإِن ظنَّت أنَّه لا يضرُّ فهو فارٌّ.
الثالث: إذا علَّق الصحيحُ الطلاقَ بمقدِّمات الموت، أو بما يُشعر به، كالنزع، وتردُّدِ الزوج في الشراسيف، فهو فارٌّ، وإِن قال الصحيح: أنت طالق قبل موتي بيوم أو يومين، أو ذكر مدَّةً قريبةً يغلبُ انبساط مرض الموت عليها، فهو فارٌّ وإِن وقع الطلاق في الصحَّة على وجهٍ لو نجَّزه 2 لم يكن فارًّا، وأبعدَ من قال: إذا علَّقه على الموت، أو بمرض الموت، فليس بفارٍّ.
الرابع: للقاضي 3: إذا قال: إذا مرضتُ مرضَ الموت فأنتِ طالقٌ قبله بيوم، أو: أَنتَ يا عبدي حرٌّ قبله بيوم، فليس بفارٍّ، والعتقُ من رأس المال، وفيهما للقاضي احتمالٌ، وقال الإمام: يُحتمل أن يُقضَى بالفرار، وبأنَّ العتق من رأس المال.
الخامس: إذا علَّق الصحيح الطلاقَ بفعل نفسه، فوُجد في المرض،

فهو فارٌّ، وأبعد مَن خالف فيه، وكلُّ وضعٍ حُكم فيه بالفرار فالعتقُ في مثله من الثُّلث، وإِن علَّق الطلاق، أو العتقَ بفعلِ أجنبيٍّ، أو أمرٍ يمكن وقوعُه في الصحَّة وفي مرض الموت، فإن وقع في الصحَّة، فلا فِرارَ والعتقُ من رأس المال، وإِن وقع في المرض ففي كونه فارًّا قولان، ولعل الأقيس أنَّه ليس بفارٍّ، وكذلك الخلافُ في حَسْبِ العتق من رأس المال.
السادس: إذا أقرَّ المريض بطلاقٍ أو عتقٍ أسندهما إلى حال الصحَّة، فقد قَبِلَه الأصحاب، ويُحتمل تخريجُه على الخلاف في إقرار السفيه إذا أسنده إلى حال الإطلاق.
الثامن 1: إذا طلَّق المريضُ زوجتَه الأمةَ فعَتَقَتْ، أو الذمِّيَّة فأسلمت، أو كان عبدًا عند الطلاق، فعتق، فليس بفارٍّ؛ إذ لا تُهَمَة، والفرار مبنيٌّ على التهمة، ويُحتمل تخريجه على الخلاف فيمن أقرَّ في المرض لغير وارثٍ، فصار وارثًا عند الموت.
التاسع: إذا انفسخ النكاح بإسلامه، أو بعيبها، فليس بفارٍّ اتِّفاقًا، وإِن ارتدَّ فوجهان، وإِن ارتدَّت لم يرثها على الأصحِّ.
العاشر: إذا لاعَنَ لدَرْءِ حدٍّ، أو دفع نسبٍ، فليس بفارٍّ، وإِن لم يكن نسبٌ ولا طلبُ حدٍّ فقد قيل: إنَّه فارٌّ، ورمزوا إلى خلافه؛ لبُعْدِ التهمة، مع ما في اللِّعان من العار.

2703 -

باب الشكِّ في الطلاق

إذا شكَّ في الطلاق أو العتاق أو نحوِهما من التصرُّفات؛ لم يُحكم بشيء منها، فلو قال لطائرٍ يجهلُه: إن كان هذا غرابًا فأنتِ طالقٌ، وإِن كان حَمَامًا فأَمَتي حرَّة، لم يقع الطلاق، ولا العتق.
وإِن قال: إن كان غرابًا فزينبُ طالقٌ وسالمُ حرٌّ، وإِن لم يكن غرابًا فعمرةُ طالقٌ وغانمُ حرٌّ، حُجر عليه في زوجتيه وعبديه، ولزمه البيانُ.
وإِن قال: إن كان غرابًا فزوجتي طالق وعبدي حرٌّ، فقال آخَرُ: إن لم يكن غرابًا فزوجتي طالق وعبدي حرٌّ، وقع الطلاقُ والعتق على أحدهما في الباطن دون الظاهر، فإنْ مَلَكَ أحدُهما عبدَ الآخر بسببٍ من الأسباب صحَّ، وحُجر عليه في العبدين، وقيل: يختصُّ الحجرُ بالمشتري، إلا أن يقول قبل تملُّكه: ما حَنِثْتُ في يميني، فيَعْتِقُ عليه عند تملُّكه، ولا يرجعُ بالثمن؛ إذ لا يُقبل إقرارُه على البائع.

2704 -

فصل فيمن أبان إحدى امرأتيه وعيَّنها في نيَّته

إذا قال: إحداكما طالق، ونواهما، لم يقع الطلاق عليهما، وإِن عيَّن إحداهما في نيَّته طلقت من حين اللفظ، وحالَ الحاكمُ بينه وبينهما، وألزمه

بالبيان، وبأنْ يدرَّ عليهما النفقةَ، وجميعَ نوائب النكاح التي كانت تلزمُه قبل الطلاق، ولا يرجعُ بالنفقة على المطلَّقة إذا بيَّنها اتِّفاقًا وإن انقضت العِدَّة أو وقع ذلك قبل الدخول، وله وطءُ الأخرى في الباطن، ويتحتَّم عليه البيان.
ولو طلَّق إحداهما، ثم نسي المطلَّقة، أو قال: إن كان هذا غرابًا فأنتِ طالقٌ، وإن لم يكن غرابًا فضرَّتك طالق، فإنَّه يؤخذ بالنفقة وإن كان ذلك قبل الدخول.
ومتى عيَّن المطلَّقة قُبِلَ قوله، فإن سكتت الأخرى لم يتعرَّض له الحاكم، ولم يحلِّفه؛ لأنَّ الغالب على النكاح حقوقُ العباد، وإِن خاصمته أمره بالانكفافِ عنها حتى ينقضي الخصام.

2705 -

فرع:

عدَّةُ المطلَّقة من حين الطلاق على المذهب، وأبعدَ مَن خرَّج قولًا من القولين في أنَّ عدَّة نكاح الشبهة من حين التفريق أو من آخِرِ وَطأةٍ، فجعل ابتداء العدَّة هاهنا من حين البيان، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّا قد حُلْنا هاهنا بينهما، ولكلِّ واحدةٍ منهما أن تدَّعي أنَّها المرادةُ بالطلاق، فإن قال: أردتُ هذه أو هذه فالإيهامُ بحاله، فإنَّ الكلام بآخره.
وإِن قال: أردتُ هذه وهذه، أو قال: أردتُ هذه بل هذه، طَلَقَتا في الظاهر دون الباطن.
وإن قال: أردتُ هذه هذه، فإن أشار باللفظين إلى إحداها طلقت في الحكم، وإِن أشار بأحدهما إلى إحداها وبالآخر إلى الأخرى على الاتِّصال طَلَقتا.

وإِن قال: أردتُ هذه ثم هذه، طلقت الأولى عند القاضي، وقال الإمام: تَطْلُقان.
وإِن قال: أردتُ هذه بعد هذه، طَلَقتِ الثانية على قياس القاضي.
وإِن قال: أردتُ هذه بعدَ هذه، طلقتِ الأولى وحدها، وعلى رأي الإمام تطلقان.

2706 -

فرع:

إذا أبهم طلقةً بين ثلاثٍ، فأفرد واحدةً في ناحيةٍ وجَمَعَ اثنتين في ناحيةٍ، ثم أشار إليهما، وقال: أردتُ هذه وهذه، ثم غيَّر نغمته، أو سكت سكتةً لا تقطعُ اتِّصال الكلام، وقال: أو هذه، أو بدأ بالإشارة إلى الفردة، فقال: أردتُ هذه، ثم سكت أو غيَّر النغمة، وقال: أو هذه وهذه، فالطلاقُ مردَّدٌ بينهما وبين الفردة، فيُراجَع، فإن بيَّن الطلاقَ في الفردة طَلَقَتْ، وتعيَّنتِ الأخريان للنكاح، وإِن بيَّن الطلاق فيهما، أو في إحداهما طلقتا، وتعيَّنت الفردةُ للنكاح.
ولو قال: أردتُ هذه، وأطال السكوت، ثم قال: أو هذه وهذه، طلقت الأولى وحدها.
وإن سرد الكلام من غير وقفةٍ ولا نغمة، وقال: أردتُ هذه أو هذه، وهذه رُوجِع، فإن زعم أنَّه قصد عطف الثالثة على الثانية فهو كما لو قال: هذه، ووقف، ثمّ قال: أو هذه وهذه، وإن زعم أنّه قصد عطف الثالثة على الأولى، فالثالثةُ والأولى حزبٌ، والثانية حزبٌ، والكلامُ على ما سبق إذا وقف حرفًا حرفًا.

وإِن قال: هذه أو هذه وهذه، من غير وقفةٍ ولا نغمةٍ، رُوجِع، فإن قال: قصدتُ ضمَّ الثالثة إلى الثانية، طلقت الأولى وإحدى الأخريين من الثانية والثالثة، وإِن قال: أردتُ ضمَّ الثالثة إليهما، فالطلاق واقعٌ على الثانية وحدها، أو على الأخريين جميعًا، فيُؤخذ بالبيان كما تقدَّم.
ولو أبهم طلقةً بين أربعٍ، ثم قال: هذه أو هذه أو هذه أو هذه، فالإبهامُ بحاله، وإِن قال: هذه، بل هذه، بل هذه، بل هذه، طَلَقْنَ في الحكم، والله أعلم.

2707 -

فصل في إبهام الطلاق ظاهرًا وباطنًا

إذا قال: إحداكما طالق، ولم يعيِّن المطلَّقةَ في نيَّته، طُولب بأن يعيِّن الطلاقَ في إحداهما، كما يُطالَبُ إذا نوى بالبيان، وإذا عيَّن: فهل يقع الطلاقُ من حين اللفظ، أو من حين عيَّن؟ فيه وجهان مشهوران، فإن أوقعناه من حين عيَّن، فابتداء العدَّة من ذلك الوقت، وإِن أوقعناه من حين اللفظ، ففي ابتداء العدَّة الطريقان، كما لو نوى إحداهما، وإِن ادَّعتا لم تسمع دعواهما؛ بل يُطالب بالتعيين من غير دعوى، كمن أسلم على عشرِ نسوةٍ، فإنَّه يُطالَبُ بالاختيار من غير دعوى.
وإِن وطئ إحداهما، ففي كونه تعيينًا وجهان يجريان في إبهام العتق بين أمتين، وبناهما القفَّال على الخلافِ في وقتِ وقوع الطلاق، فإن قلنا: يقع من حين اللفظ، كان الوطءُ تعيينًا كالوطء في زمن الخيار، وإِن أوقعناه من حين التعيين لم يكن الوطءُ تعيينًا.

وإِن طُولب بالتعيين، فقال: عيَّنتُ هذه أو هذه، فالإبهامُ بحاله، وإن قال: عيَّنت هذه وهذه، أو قال: هذه بل هذه، طلقت الأولى وحدها؛ إذ لا يمكن حملُ كلامه على الإقرار، وسواءٌ قلنا: يقع باللفظ، أو التعيين.

2708 -

فصل في الموت قبل التعيين والبيان

إذا نوى إحداهما فماتتا، ثمّ بيَّن المطلَّقة بعد موتهما، سقط إرثها، وثبت إرثُ الأخرى، فإن ادَّعى وَرَثَتُها أنَّها المرادةُ بالطلاق، فالقولُ قوله مع يمينه، فإنْ نكل حلفوا وسقط الإرثان.
ولو أبهم الطلاقَ من غير نيّةٍ لم يسقط التعيين بالموت اتِّفاقًا، فإن عيَّن إحداهما ورثت الأخرى، ولا دعوى للورثة عليه، ويقع الطلاقُ من حين اللفظ، وإِن أوقعنا الطلاق في الحيَّة بالتعيين، وقيل: إن أوقعناه بالتعيين طلقت هاهنا قُبيل موتها.
ومال أبو محمدٍ إلى إسقاط التعيين بموت الزوجتين، وقال: لو ماتت إحداهما تعيَّنت للزوجيَّة، وتعيَّنت الأخرى للطلاق، وإن ماتتا ورث من كلِّ واحدةٍ منهما نصيبَ زوجٍ.
ولا يُعدُّ هذا من المذهب.
وإن مات الزوج، فإن كان البيانُ مضرًّا بالوارثِ قُبل منه اتفاقًا؛ لأنَّه إقرارٌ، وإِن لم يضرَّ به ففيه وفي التعيين طرق: إحداهنَّ: قبولُ البيان دون التعيين؛ كما لو أسلم المورِّثُ على عشر

نسوةٍ، ومات قبل الاختيار، فلا يُرجعُ إلى اختيار الوارث.
والثانية: لا يُقبل تعيينُه، وفي البيان قولان؛ فإنَّ حقوق النكاح لا تُورث.
والثالث: في البيان والتعيين قولان، سواءٌ كان للوارث غرضٌ أم لم يكن.
الرابعة: للقفَّال ومعظمِ المحقِّقين: إن كانت المرأتان في الحياة فلا تعيين للوارث، ولا بيان؛ لانتفاء غرضه، وإِن ماتت إحداهما قبل الزوج والأخرى بعده؛ فإن أضاف الوارثُ الطلاقَ إلى الأولى قُبل؛ لأنَّه أقرَّ بما يضرُّه من وجهين، وإِن أضافه إلى الأخيرة، أو أراد تعيين الأولى للطلاق، ففي قبوله لإثبات غرضه في التركتين قولان، ويَحْسُنُ إجراءُ الطرق هاهنا، وإِن كانتا ميتتين فقد يظهر غرضُه؛ لكثرةِ إحدى التركتين، أو يتعلَّق غرضه بعينِ من الأعيان، ففي تعيينه وبيانه الخلافُ، وإنْ أبهم العتقَ بين عبدين، ففي الرجوع إلى بيان الوارث قولان.

2709 -

فصل فيمن حلف بالطلاق والعتق وحنث في أحدهما على الإبهام

إذا سقته امرأةٌ في الظلام، فقال: إن كنتِ امرأتي فأنت طالق، وإِن كنتِ أمتي فأنت حرّةٌ، أو قال: إن كان هذا الطائرُ غرابًا فامرأتي طالق، وإِن لم يكن غرابًا فأمتي حرَّة، مُنع من التمتُّع بالمرأة، والتصرُّفِ في الأمة، ولزمته نفقتُهما، وعليه البيان.

فإن مات، ففي الرجوع إلى بيان الوارث قولان، وأَبعدَ مَن قال: لا يُرجع إليه لجريان القرعة هاهنا، ولا يصحُّ هذا، بل ما يجري في إبهام الطلاق على حِدَته، والعتقِ على انفراده، فهو جارٍ في إبهام الطلاق والعتاق، فإن رجعنا إلى الوارث قُدِّم بيانهُ على القرعة، وإِن لم نرجع إليه أقرعنا؛ فإن قَرَعَتِ الأمةُ عَتَقَتْ وتعيَّنت الزوجةُ للنكاح، وإِن قَرَعَتِ المرأةُ لم تطلق، وفي الأمة وجهان أصحُّهما: أنَّها لا تُرَقُّ، فيبقى الإشكالُ بحاله، وأبعدَ مَن قال بإعادة القرعة، وهذا باطل، فإنَّها لو أُعيدت ثانيًا لأعيدت ثالثًا ورابعًا إلى أن تعتق الأمة.

2710 -

فصل في الاختلاف

إذا ادَّعت إحداهما أنَّها المرادةُ بالطلاق حلف على البتِّ، فإنْ نكل حلفت، وطَلَقَتْ في الحكم، فإنْ نكلت انقطعت الخصومةُ، وإِن طُولب بالبيان فقال: نسيتُ المَنْويَّة، فإن صدَّقتاه مُنع منهما، ولا طَلِبةَ لهما بالبيان ولا للسلطان، وإِن كذَّبتاه في النسيان حلف لهما على البتِّ، فإنْ نكل رُدَّت اليمين، فإن حلفتا حُكم بالطلاق، وإلا فلا.
وإِن ادَّعت إحداهما الطلاق؛ لكون الطائر غرابًا، وادَّعته الأخرى لكونه غيرَ غرابٍ، فقال: لا أعرف الطائر؛ لأنِّي قلتُ ذلك في ظلمة الليل، فإنْ صدَّقتاه فلا دعوى لهما عليه بعد ذلك، ولا مطالبةَ بالبيان، ويقومُ لهما بحقوق النكاح، وإِن أكذبتاه لم تُسمع دعواه الجهلَ، فإنْ أصرَّ عليها جُعل منكِرًا، وعُرضتْ عليه اليمينُ الجازمةُ، فإنْ أصرَّ على ذلك حُكم بنكوله ورُدَّت اليمين على المدَّعية، فإن حلف طَلَقتْ، وإلا فلا، ويكونُ يمينُها على نفي

كونه غرابًا جازمةً على ما اختاره الإمام؛ فإنَّ ما يمكنُ الاطِّلاع عليه لا يُنظر فيه إلى آحاد الصور، كما أن الحلِف على نفي فعل الغير على نفي العلم لا يتغيَّر بإمكان معرفة النفي في آحاد الصور.

2711 -

فرع:

إذا قال: حنثتُ في يمين العتق، عتقت الأمة، وللمرأة أن تدَّعيَ كونَ الطائر غرابًا، فإن قال: لا أعرفُ، لم يقبل منه، وإِن حلف انقطعت الخصومة، وإِن نكل حلفت، وحُكم بالطلاق.
وإن حلف بعتق عبيدٍ وطلاقِ نساءٍ على الإبهام، فادَّعت إحداهنَّ الحِنْثَ، وحلفت يمينَ الردِّ، أو علَّق طلاقهنَّ بدخول الدار، فأثبتته إحداهنَّ بيمين الردِّ، طَلَقَتْ دون صواحباتها؛ إذ لا يَثْبتُ حقُّ أحدٍ بيمين غيره، كما لو أقام أحدُ الابنين البيِّنةَ أنَّ لأبيه دينًا على فلانٍ، فان أقام شاهدين ثبت الدَّينُ للأخوين، وإِن أقام شاهدًا وحلف معه ثبت حقُّه دون حقِّ أخيه.

2712 - فرع: لا تُسمع الدعوى على الوارث إنْ لم نرجع إلى بيانه، وإِن رجعنا إليه، فإن لم يكن له غرضٌ لم تُسمع دعواهما، كما لو مات أبوه عن زوجتين قد أَبهم بينهما الطلاقَ، وقلنا: لا نرجع إليه في بعض الطرق، فكذلك هاهنا؛ إذ لا غرض له في تعيين إحداهما، وإِن كان له غرضٌ سُمعت كما يسمع في إبهام العتق بين عبدين، فيحلف على نفي العلم بالحنث، وإِن كان الإبهام بين الطلاق والعتق، فزعم أن أباه حنث في الطلاق قُبل، وحلف للمرأة على البتِّ، وللعبد على نفي العلم.

2713 -

فرع:

إذا أشار إلى زوجته وأجنبيَّةٍ وقال: إحداكما طالقٌ، أو قال: زينبُ طالقٌ، وزعم أنَّه أراد الأجنبيَّة، أو جارةً له اسمُها زينب، فإن صَدَقَ لم يقع الطلاقُ باطنًا، وفي قبول قوله ظاهرًا وجهان، والأكثرون على القبول في الأُولى، والردِّ في الثانية.

2714 - فرع: لا يمتنع الطلاقُ بالجهل اتِّفاقًا، فإن جهل كونَه مزوَّجًا، فقال: زوجتي طالقٌ، أو قال لعبد أبيه: أعتقتُك، أو: أنت حرٌّ، فبان أنَّه ورثه، وقع الطلاق والعتاق.

2715 - فرع: إذا أبهم طلاقًا رجعيًّا فالأصحُّ أنَّه يلزمه التعيينُ والبيان.

جارٍ التحميل