الغاية في اختصار النهايةصفحات 324-356

1362 -

باب بيع الحَبَلة والملامَسة والمنابذة وغيرِ ذلك

نهت السنّة عن بيع حَبَل الحَبَلة، وعن بيع الملاقيح والمضامين، وعن الملامسة والمنابذة، وعن بيع الحصاة، وكلُّ ذلك فاسد 1. فأمَّا حَبَل الحَبَلة: فهو البيع بثمن مؤجَّل إلى نتاج النتاج، أو بيع نتاج النتاج قبل وجوده، والأوَّل تفسير الراوي.

والملاقيح: ما في الأرحام.
والمضامين: ما في الأصلاب.
والملامسة: جعل اللمس بيعًا، كقوله: إِذا لمستَ الثوب فهو مبيع منك، أو أن يتبايعا في ظلمة، ويجعلا اللمس قاطعًا لخيار الرؤية، وفي هذا احتمال؛ إِذ يجوز نفي خيار الرؤية على وجه ولا يمتنع تركه في هذه الصورة.
وهذان التأويلان منقدحان في المنابذة (1)، وقد حملها الأئمّة على المعاطاة، ولا ينعقد البيع بالمعاطاة على النصِّ وظاهرِ المذهب، وإِن اقترنت بها القرائن الدالَّة على إِرادة البيع.
وخرَّج ابن سُريج قرائن من القولين في جواز الأكل من الهدْي الكسير؛ بناءً على العلامة المشروعة فيه (2). وبيع الحصاة: أن يجعل رميها بيعًا، أو يقول: بعتك ما يقع عليه حصاتك من هذا المتاع، أو يبيع من الأرض ما تبلغه حصاة المشتري.

1363 -

فصل في تصرّفات الأعمى

يجوز للأعمى أن يؤاجر نفسه وأن يشتريها من مالكه ويكاتبه عليها،12

وأن يشتري ما رآه قبل العمى إِن لم تتقادم رؤيته، أو تقادمت وكان ممّا يبعد تغيّره، كالحديد والنحاس، وأن يوكل في البيع والشراء، فإِن تعاطاهما بنفسه لم يصحَّ عند الجمهور، وألحق بعضهم بيعه ببيع الغائب وشراءَه بشرائِه، وهذا مبنيٌّ على الوجهين فيمن اشترى غائبًا ووكَّل في الفسخ والإِجازة عند الرؤية، ففي صحّة توكيله وجهان: أحدهما: لا يصحّ، كما لو أسلم على عشر نسوة، فوكّل بالاختيار، فعلى هذا لا يصحّ شراء الأعمى.
والثاني: يصحّ اعتبارًا بخيار العيب والخُلْف، فعلى هذا يُلحق شراء الأعمى وبيعه بالغائب.

1364 -

فرع:

إِذا اشترى البصير غائبًا، ثمَّ عَمِي قبل رؤيته، فقد قيل بانفساخ البيع.

1365 - فرع: سلَمُ الأعمى الذي عَرَف الأوصاف ثمَّ عَمي نافذٌ، وإِن خُلق أكمهَ فوجهان؛ فإِن قلنا: يصحّ، ففي قبضه للمسلَم فيه الخلافُ في بيع الأعيان؛ لتعلُّقه بمعيَّن لا يحيط به، ورأى بعضهم القبض أَولى بالصحَّة.

1366 -

باب بيعتين في بيعةٍ

نهت السنَّة عن ذلك (1)، فإِذا قال: بعتك بألف نقدًا، أو بألفين نسيئةً، فبأيّهما شئت أنت أو أنا وجب البيع، فهذا باطل بالإِجماع، وإِن قال: بعتك عبدي على أن تبيعني ثوبك، خُرِّج على الشرائط الفاسدة، ومتى شُرط عقد في عقد صحَّ البيع المشروط إِن خلا عن المفسدات، وبطل البيع الأوَّل على قياس الفاسد بالشروط (2).

1367 -

فصل في النجش والبيع على البيع والسوم على السوم

نهت السنة عن النجَش، وأن يبيع الرجل على بيع أخيه، أو يَسُوْمَ على سَوْمِه 3، وكلُّ ذلك محرَّم لا يقدح تحريمه في صحَّة البيع؛ إِذ لا يرجع إِلى12

معنىً فيه، وإِنَّما يرجع إِلى أمرٍ كُلِّيٍّ، وهو الإِضرار بالغير، وكذلك كلُّ نهيٍ لا يرجع إِلى معنىً في البيع، كالبيع في وقت النداء.
والنجش حرامٌ على من بَلَغه الخبر ومن لم يبلغْه، ولا يَحرُم البيع على البيع، والسوم على السوم، على من بلغه الخبر.
فأمّا النجش فهو: أن يزيد على الثمن وهو لا يقصد الشراء؟ ليحرّض الناس عليه، فيزدادَ ثمنه، ولا خيار للمشتري إِلّا أن يقع النجش بمواطأة البائع، ففي الخيار وجهان.
والبيع على البيع: أن يأتي إلى عاقدين مغتبطين بعقدهما في مجلس الخيار، فيعرض على المشتري سلعةً خيرًا من المبيع بمثل ذلك الثمن، أو سلعة تساوي المبيع بأقل من الثمن؛ ترغيبًا له في فسخ البيع الأوَّل.
والسَّوم على السَّوم: أن يأتي إِلى متساوِمَين قد اتَّفقا على قدر الثمن، وعزما على البيع، فيساوم البائع، ويزيد على الثمن، أو يَعرِض على المشتري سلعة بأقل من الثمن؛ تسبُّبًا إِلى دفع ما اتَّفقا عليه من البيع، فإِن كانت السلعة معروضةً فيمن يزيد، فلا بأس بالزيادة قبل التوافق على الثمن.
ويجوز الخِطبة على الخِطبة إِذا رُدَّ الخاطب، وتحرم إنْ أُجيب، وإِن سُكِتَ عنه فقولان.
وإن ساوم فَسُكِت عنه جاز السوم عليه عند المراوزة قولًا واحدًا، وقال العراقيّون: إِن لم يقترن بالسكوت في الخِطبة والسوم ما يدلّ على = على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

الرضى فلا تحريم، وإِن اقترن ففي تحريمهما قولان.

1368 -

باب لا يبيعُ حاضر لبادٍ

وردت السنّة بألّا يبيع حاضر لبادٍ (1)، وذلك أن يأتي الحَضَريُّ إِلى قُرويٍّ قد قدِم بسلعة يريد بيعها من وقته، فيلتمسَ منه أن يتركها عنده؛ ليبيعها على طول الزمان، فيصحّ البيع، ويحرم ذلك على الحضريِّ إِن ظهر به الضرار، وإِن لم يظهر ضرر محسوس -لوجود السلع ورخاءِ الأسعار- ففي التحريم وجهان.
ولو بدأ البدويُّ بالتماس ذلك، أو كان عازمًا عليه، فأعانه الحضريُّ أو التمس منه تفويض الأمر إِليه، فلا بأس بذلك؛ لأنّه من باب التعاون.
وقد ورد النهي عن تلقِّي الركبان، وهو أن يخرج إِلى الزقاق ليشتري سِلَعَهم أو بعضَها، ويكذب في سعر البلد، فهذا حرام إن علم بالحديث، لكنْ يصحّ البيع، ويثبت الخيار إِن كذب في السعر، وإِنْ صَدَق فوجهان، وإِن صادفهم اتّفاقًا من غير قصد فلا خيار إِن صَدَق، وإِن كذب فوجهان.

1369 -

فصل في بيع الجارية والبهيمة بشرط الحمل

إِذا باع جاريةً على أنّها حاملٌ، أو شاةً على أنّها لبون، أو جُبّةً وشرط1

حشوها، فثلاث طرق: أحدها: البطلان في الجميع.
والثانية: تصحّ في الجبّة، وفي الجارية والشاة قولان.
والثالثة: يصحّ إِن شَرَط كونَها لبونًا، وإِن شرط اللبن في الضرع فهو كالحمل.
قال أبو عليّ: إِذا قال: بعتك الشاة وما في ضرعها، أو: الجارية وحملها، أو: الجبَّة وحشوها، بطل البيع قولًا واحدًا؛ لأنّه جعل ذلك مبيعًا مقصودًا، بخلاف ما سبق؛ لأنّه جعله كالصفة التي لو اختلفت 1 لَصَحَّ البيع.
وقال الإِمام: لا يبعد إِلحاق الحشْوِ بالغائب، وأن يُخرَّج بيع الجارية والشاة على قَوْلَي تفريقِ الصفقة إِذا ضمَّ إِلى الحلال مجهولًا لا يُعرَف.
وإِن أُطلِق بيعُ الجارية تبعها الحمل، وهل يُقابَل بقسط؟ فيه قولان.
وإِن باعها إِلّا حملها، ففي صحّة الاستثناء والبيع وجهان، فإِن كان الحمل حرًّا أو مملوكًا لغير البائع صحَّ البيع على الأصحّ؛ لأنّه مستثنىً بالشرع، وأبعدَ من منع ذلك، وقد نُقل عن الأصحاب في كتاب الرهن أنّهم منعوا من ذلك.

1370 -

باب النهي عن بيعٍ وسَلَفٍ جرَّ منفعة

نهى عليه السلام عن بيع وسلَف 1، وذلك بأن يشرط القرض في البيع بأن يقول: بعتك بالف على أن أُقرِضك ألفًا، أو: على أن تُقرضني ألفًا، فلا يصحّ البيع؛ لأنَّه شرط عقد في عقد.
والقرضُ رخصة مستثناةٌ عن قياس المعاوضات، ولا يثبت فيه الأجل، ويجوز استرجاعه على الفور، خلافًا لمالك.
وعماده: اللفظ والقبض، فاللفظ كقوله: أقرضتك، أو: خذ هذا واصرِفه في أغراضك بمثله، وما أشبه ذلك، ولا يشترط قبوله باللفظ على المذهب؛ لأنّه أذن في الإِتلاف بشرط الضمان، وقيل: يُشترط القبول باللفظ.
وهل يُملَك بالتصرّف أو القبض؟ فيه قولان، أقيسُهما أنّه يُملك بالقبض، فعلى هذا يجوز للمقرِض أن يرجع فيه بعينه، وقيل: لا يرجع فيه إِلّا برضى المقترض، وللمقترض ردّه بعينه كما لو تبايعا درهمًا بدرهم في الذمّة، ثم أقبض أحدهما الدرهم، فللآخر أن يردَّه عمّا عليه، وإِن قلنا: يملك بالتصرّف، فلا أثر للاستخدام والإِعارة اتّفاقًا 2.

وإِن أزال الملكَ زوالًا لازمًا ببيع أو هبة، تبيَّن حصولُ الملك قُبيل التصرّف، وفيما عدا ذلك من التصرُّفات أربعة طرق: إحداها: لا يملك إِلّا بتصرُّف يُزيل مِلك الرقبة.
الثانية: يملك بكلِّ تصرُّف يمنع رجوع الواهب والبائع في صورة الفَلَس.
الثالثة: يملك بكلّ تصرّف لازمٍ يتعلَّق بالرقبة، كالرهن، ولا يملك بما يتعلَّق بالمنافع.
الرابعة: يملك بكلّ تصرُّف لا يُستفاد إِلّا بالملك، دون ما يُباح بالإِباحة؛ فإِن شَرَطْنا إِزالة الملك جاز الاستخدام قبل ذلك؛ حملًا على الإِباحة، ولا تجوز الإِجارة.

1371 -

فرع:

إِذا باع المقترِض القرضَ بشرط الخيار، وشرطنا التصرُّف المُزيل للمِلك؛ فإِن نقلنا الملك إِلى المشتري ففيه تردُّد؛ لأجل جوازه، وإِن بقَّينا مِلكَ البائع لم يحصل ملك المقترض، وإِن شرطنا تصرُّفًا يستدعي الملك فقد حصل الملك للمقترض، ولو ملك الرجل زوجته في مدَّة الخيار انفسخ النكاح بالاتفاق 1. كذا ذكره أبو محمّد.

1372 -

فصل في بيان ما يجوز إقراضه وما لا يجوز

كلُّ ما صحَّ السَّلَم فيه صحَّ إِقراضه إِلّا الجواري، وفيما لا يصحّ السَّلَم فيه -كالجواهر والقِسِيِّ- وجهان، والجمهور على المنع.
وأمّا الجارية؛ فإِن كانت مَحرَمًا للمقترض بنسب أو صهر أو رضاع، صحَّ إِقراضها، وإِن كانت أجنبيَّةً فقولان اتَّفقوا على بنائهما على القولين فيما يحصل به الملك، فإِن قلنا: يحصل بالإِقباض، جاز الإِقراض، وإِن قلنا: بالتصرّف، لم يجز؛ لأنَّ القرض يقتضي الإِقباض، فلو قبضها لثبتت يده على غير مَحْرَم، وقيل: إِن قلنا: يملك بالتصرّف، صحَّ، وإِلّا فلا؛ لأنّه يستحلّها إِذا قبضها، فإِذا ردَّها أشبه ذلك استعارتها للوطء.

1373 -

فصل فيما يُرَدُّ في القرض

ويُردّ المثلُ في المِثْليِّ، وهل يُرَدُّ قيمة المتقوَّم أو مثله؟ فيه وجهان بنى عليهما الإِمام قَرْض ما لا يجوز السَّلَم فيه، والأقيسُ ردُّ القيمة؛ اعتبارًا بالإِتلاف، ووجه الجواز أنّه عليه السلام استقرض بَكْرًا وردَّ بازلًا، ولو وجب ردُّ القيمة لوجب إِعلامها.

1374 -

فرع:

إِذا أقرض ربويًّا لا يُباع بعضه ببعض، كالخبز، فإِن أوجبنا ردَّ القيمة جاز، وإِن أوجبنا المثل فوجهان.

1375 -

فصل في الشرط في القرض

يجوز أن يشرط في القرض الرهن والضمان، وإِن شرط ما ينفع المقرض فسد القرض إِن كان ربويًّا، وإِن كان غيرَ رِبويّ فوجهان، فإِذا شَرَط ردَّ الصحاح عن المُكسَّر، أو شرط السفاتج، وهي: ردُّ المال ببلدة أخرى، فسد القرض.
وإِن قال: أقرضتك على أن أقرضك شيئًا آخر، أو: على أن أرجع بالمكسَّر عن الصحاح، فإِن وعد بذلك صحَّ القرض ولم يجب الوفاء، وكذلك إِن شرطه على الأصحّ، وكذلك لو وهب على أن يهب شيئًا آخر، بخلاف ما لو باع على أن يهب؛ لأنَّ الشرط يُقابَل بجزء مجهول من العِوض، فلا فرق في المعاوضات بين أن يكون الشرط له أو عليه، وإن شرط الأجل، فإِن لم يكن للمقرض غرض صحَّ القرض، وإن كان له غرض بأن كان في وقت نهب، والمقترض مليء وفيٌّ، فوجهان.

1376 -

فصل في طلب البدل في غير محلّ القرض

إِذا طلب البدل في غير محلّ الإِقراض، فإِن كان ممّا لا عُسر في نقله، ولا تختلف قيمته باختلاف البقاع -كالنقدين- فالمذهب أنّ له ذلك، وإِن كان ممّا يعسر نقله، وتختلف قيمته، فليس له طلبه، وله طلب قيمته باعتبار بلد الإِقراض.
ولو غصب مثليًّا، فهل يطالب به في غير محلّ الغصب والضمان؟ فيه

وجهان، فإِن قلنا: لا يطالَب، أُخذت منه القيمة باعتبار بلد الغصب، فإِذا رجع إلى بلد الغصب رُدَّت عليه القيمة، وأُخذ المغصوب، فإِن كان تالفًا ففي ردٍّ القيمة وطلبِ مثله وجهان.

1377 -

فصل في اشتراط الزوائد في الثمن والمثمَّن

إِذا أُلحق الأجل بالقرض لم يلحق، وإِن أَلحقه بالثمن أو المثمَّن، أو أُلحق بهما زوائد أُخَر، فإِن أُلحقت بعد اللزوم لم تلحق، وإِن أُلحقت قبل اللزوم فوجهان، فإِن نقلنا الملك إِلى المشتري لم تلحق، وإِن بقَّيناه على البائع كان إِلحاقها كذكرها بين الإيجاب والقبول.
واختار الإِمام أنها لا تلحق وإِن بقَّينا الملك، فإِن قلنا: تلحق، فأَلحقا -أو ألحق أحدهما- شرطًا فاسدًا، أو حطَّ جميع الثمن، فسد العقد، وإِن حطَّ بعضه لَحِقَّ بالشفيع، بخلاف الحطِّ بعد اللزوم.
فإِن (1) ألحق أحدهما زيادة صحيحة، فلم يوافقه الآخر، واستمرَّ على ذلك، لم يبطل العقد، بخلاف ما لو ذكر أحدهما شرطًا بين الإِيجاب والقبول، فلم يوافقه الآخر عليه، فإِنَّ البيع لا ينعقد؛ إِذ لا توافق بين الإيجاب والقبول.

1378 -

فرع:

إِذا أسقط المَدِين الأجل لم يسقط في حقِّ الدائن، فلو أحضره قبل المحل لم يُجبَر على قبضه على الأصحّ، وهل يسقط حقُّ المَدِين حتّى يملك1

الدائن مطالبته به؟ فيه وجهان.
ولو استحقَّ دراهم صحاحًا، فأسقط صفة الصحّة لم تسقط اتّفاقًا.

1379 -

باب تجارة الوصيِّ بمال اليتيم

يَتصرّف في أموال الطفل الأبُ والجدُّ والوصيُّ والسلطان والقوَّام، ولا تصرّف للأمّ، ولا لوصيِّها، خلافًا للإِصطخريّ.
وإِن اجتمع الجدُّ ووصيُّ الأب فأيُّهما يقدَّم؟ فيه وجهان.

1380 -

فرع:

إِذا قال السلطان: نصَّبتك قوَّامًا، لم يملك إِلّا حفظ المال، وإِن قال الأب: نصَّبتك وصيًّا على الطفل، أو: في مال الطفل، ملك الحفظ والتصرُّف على الأصحّ، وقيل: لا يملك التصرّف إِلّا بالتصريح، كمنصوب السلطان.

1381 -

فصل في تصرّفات الوصيّ

وعليه رعايةُ النظر والغبطة، والمبالغةُ في الاحتياط، فلا يبيع بعشرة وثَمَّ من يزيد حبَّهً؛ إِذ لا يكفي في تصرُّفه الخلوُّ عن الغبن.
وإِن باع نسيئة بزيادة لأجْل الأجَل، وأخذ رهنًا وافيًا، جاز، وإِن ترك الرهن، فإِن كان المشتري مليًّا وفيًّا جاز على الأصحّ، وقد ذكر في (كتاب الرهن) أنّ ذلك لا يجوز، وحكاه عن العراقييّن، وقال: ليس في طرقنا ما يصرّح بخلافه.

ولا يقوم الضمان مقامَ الارتهان، ولا يجوز السفر بماله للتجارة إِلّا إِذا غلب الأمن والسلامة، فيجوز في البَرّ على الأصحّ، ويمتنع في البحر على قول الأكثر، وقيل: إِن أوجبنا ركوب البحر للحجِّ جاز، وإِلّا فلا، وإِن رأى أن يشتري له عقارًا يغلُّ مُغَلًّا يُقصد مثله ببَذْلِ ثمن العقار فليفعلْ.
ولا يشتري عقارًا نفيسًا لا يُحتَفل بمغلِّه بالنسبة إِلى ثمن العقار، كدار عظيمة لا يحتاج إِليها الصبيّ، ولا يوجد لها مكترٍ.
وشراءُ العقار أولى من إِرصاد المال للاتِّجار؛ إِذ المال معرَّض للإِغرار وهبوط الأسعار، وإن احتاج إِلى نفقة لا يمكن تحصيلها إِلّا ببيع العقار باع منه بقدر الحاجة، فإِن لم تكن حاجةٌ لم يجز البيع بثمن المثل، ولا بزيادة يحتقرها العقلاء بالنسبة إِلى شرف العقار، ويجوز بغبطة ظاهرة يُقدَّم مثلُها على شرف العقار إِذا قدر على تحصيل عقار تزيد قيمته وريعه على المبيع، فإِن لم يقدر عليه بذلك الثمن فلا خير في بيع العقار.

1382 -

فرع:

لا يُنفِذ الحاكم تصرُّفَ الوصيِّ إِلّا ببيِّنة تشهد بالغبطة، وينفذ تصرُّف الأب مطلقًا، وعلى من يدَّعي خلاف الغبطة البيّنةُ.
وإِن ادَّعى بعد البلوغ أنّ العقار بِيْع لغير حاجة ولا غِبطةٍ؛ فإِن كان الناظر أبًا فالقول قوله، وإِن كان وصيًّا فالقول قول الصبيّ.
وإِن أنفق عليه شيئًا في مصلحته، فأنكره أو زعم أنّه زائد على الحاجة، فالقول قول الأب، وفي الوصيِّ وجهان؛ لعسر الإِشهاد على جميع الأَنفاق.

1383 -

فصل في أحكام الصبيِّ في المعاملات وغيرها

لا تَصْلح عبارة الصبيّ لشيء من العقود وإِن حضرها الوليُّ إِلّا العبادة، وفي تدبيره ووصيَّته قولان، والمذهب بطلان بيع الاختبار.
وإِن أَخبر عن الإِذن في دخول دار، أو عن إِرسال هديّة، ففي قبول ذلك -ولا عرامةَ به- وجهان، فإِن اقترن بخبره قرينة مصدِّقة؛ فإِن حصل العلم سقط أثر الخبر، وإِن لم يحصل فقد قيل بالقبول؛ اقتداء بالأوَّلين، وقيل: فيه الوجهان.
ولا يصحُّ قبضه لدَين، ولا لما ليس أهلًا للعقد فيه، كالهبة وغيرها.
وإِن أُودع مالًا، فضاع بتفريطه، لم يضمنه، وإِن أتلفه فوجهان.
وإِن بِيع شيئًا وسلّم إِليه 1، فأتلفه لم يضمنه اتّفاقًا.
وقال المحقّقون: لو دفع درهمًا إِلى صيرفيٍّ لينقده لم يجز له ردُّه عليه، فإِن ردَّه عليه ضمِنه.
وإِن اشترى طعامًا بدرهم، وأكله، لم يضمن الطعام، والدرهم مضمون على القابض.
قال الأصحاب: إِذا قال المالك للمودعَ سلِّم الوديعة إِلى هذا الصبيِّ، أو ألقها في النار، ففعل، فقد برئ، وإِن وقع مثل ذلك في الدَّين لم يبرأ المدينُ.

1384 -

باب مداينة العبيد

ديون العبيد أقسام: الأوّل: ما وجب بغير رضى المستحِقّ، كأرش الجناية، فيتعلَّق برقبته، وكذا بذمَّته على الأصحِّ.
الثاني: ما وجب برضى المستحقّ دون إِذن السيّد، فلا يتعلَّق إِلّا بذمَّة العبد، ولا يطالَب به حتَّى يعتق، فإِن كُوتب لم يطالَب به على المذهب.
الثالث: ما وجب برضى السيِّد والمستحقّ، كدين المعاملة والقرض والضمان، فيتعلَّق بذمَّته وكسبه دون رقبته، وإِذا أذِن له في التصرُّف فله حالان: الأولى: أن يأذن له في التجارة، فيقع تصرُّفه لسيِّده، وتتعلَّق ديون التجارة برأس المال وربحه، وكذلك سائر أكسابه على الأصحِّ، فإِن حجر الحاكم عليه بالفَلَس، وقَسَم ما بيده، ففيما فضَل من الديون وجهان: أصحُّهما أنَّه يؤدِّيه من كسبه، أو ممَّا يدفعه إِليه من أموال التجارة، فإِن باعه استمرَّ التعلُّق بكسبه، وللمشتري الخيار، كما لو باعه بعد تعلُّق المهر ونفقة النكاح.
والثاني: لا يتعلَّق بكسبه، فيطالب به بعد العتق، فإِن باعه فلا خيار للمشتري؛ إِذ لا يتضرَّر بثبوت الدين في ذمَّة عبده، فإِن أُعتق طُولب بما

فضل، إِذ لا يُتصوَّر التعلُّق بالكسب دون التعلُّق بالذمَّة، ويُتصوَّر التعلُّق بالذمَّة من غير تعلُّق بالكسب؛ فإِن أدَّاه ففي رجوعه على السيِّد وجهان يُعبَّر عنهما بأنّه: هل يملك أن يتصرَّف تصرُّفًا يضرُّه بعد العتق، أو لا يملك ذلك إِلّا بشرط الضمان؟ فيه وجهان يجريان فيما يؤدِّيه عن سيِّده بعد العتق من مال الضمان، وفي العبد المأجور إِذا أُعتق في أثناء مدَّة الإِجارة، فوفى العمل بعد العتق، ففي رجوعه على السيِّد بأجرة المثل وجهان.

1385 -

فصل في مطالبة السيِّد بأثمان السلع

إِذا دفع إِليه مئة، فاشترى عبدًا في الذمّة بمئة، ثمّ تلفت المئة، فالأصحّ أنَّ السيِّد مطالَب بالأبدال، فإِن قلنا: لا يطالَب، ففي انفساخ العقد بتلف المئة وجهان، وإِن قلنا: يطالَب، فهل يتصرّف العبد في المئة الثانية بالإِذن السابق أو يفتقر إِلى إِذن جديد؟ فيه وجهان يظهران عند ارتفاع العقد بسبب من الأسباب، فإِن شرطنا التجديد رجع العبد إِلى الحَجْر بتلف رأس المال، وتعلَّقت أحكام العقد بالسيِّد من الفسخ وغيره، وهل يبقى التعلُّق بذمَّة العبد وكسبه؟ فيه تردُّد، وإِن لم يُشْرَط التجديد، فتصرُّف العبد في العقد، والتعلُّق بذمَّته على ما كان.
ولو باع شيئًا، فظهر مستحَقًّا بعد ما تلف الثمن في يد السيِّد، فعهدةُ الثمن على السيِّد، وكذلك إِن تلف في يد العبد على الأصحِّ، والعهدةُ متعلِّقةٌ بذمَّة العبد وكسبه، وأبعدَ مَن قال: لا طَلِبة عليه؛ لأنَّ يده كيد السيِّد، وعبارتَه مستعارة.

وإِن كان في يد العبد وفاءٌ بما اشتراه، أو نَقَص ما في يده عمَّا اشتراه، ففي مطالبة السيِّد ثلاثة أوجه: أحدها: يطالَب في الصورتين.
والثاني: لا يطالَب فيهما.
والثالث: لا يطالَب إِلّا في صورة النقصان.
والأوَّلُ هو القياس، ولا خلاف في مطالبة العبد في الرقِّ وبعد العتق، وفي مطالبة الوكيل في مثل هذه الصورة وجهان، وفي مطالبة الموكِّل طريقان: إحداهما: أنه يطالَب بخلاف السيّد.
والثانية: فيه الوجهان.
وهذا هو القياس.

1386 -

فصل في أحكام المأذون

ليس له أن يؤاجِر نفسه، وفي إِيجار أموال الاتِّجار وجهان.
وإِن أذن له في نوعٍ لم يجاوزه إِلى آخر.
وإِن رآه يتصرَّف، فسكت، لم يكن سكوتُه إِذنًا في ذلك التصرُّف.
ولا ينعزل بالإباق، فإِن تصرَّف وهو آبق نفذ، إِلّا أن يكون الإِذن مقيَّدًا ببلد السيّد.
ولا يأذن لعبد آخر في التجارة، ولا يقيم أحدًا مقامَ نفسه، والأصحُّ أنّه يوكِّل في آحاد التصرّفات.

ولا يتصرَّف فيما يكتسبه باحتشاش أو احتطاب أو غيرهما، ولا يشتري من يعتق على المالك.
ولا يعامله السيِّد وإِن ركِبتْه الديون؛ لأنّ مِلكه باقٍ على ما في يده.
ولا يجوز لمن علم رقَّه أن يعامله إِلّا أن يظهر أنّه مأذون بإِقرار السيّد، أو ببيّنةٍ، وفي الشيوع وجهان.
فإِن عامله مع الجهل بالإِذن، ثمّ ظهر أنّه مأذون، قرب إِلحاقه بمن باع مال أبيه على ظن الحياة، قال أبو محمّد: لو ظنّ أن مال أبيه مِلك نفسه، ثمّ ظهر أنّه تلقّاه بالإِرث، صحَّ البيع قولًا واحدًا.
ومن عامله مع الجهل برقِّه صحَّت معاملتُه، وإِنْ علم أنّه مأذون، فله الامتناع من التسليم حتى تقوم البيّنة بالإِذن.
وإِن ذكر أنّ السيِّد حَجَر عليه، فأكذبه السيِّد، لم تجز معاملتُه على المذهب، وله أن يأذن له في الإِذن لعبد في يده بالاتِّجار، وله الحجر على أيِّهما شاء، فإِن حَجَر على الأوَّل استمرَّ الثاني على التصرُّف.
وإِن أقرَّ لأبيه أو ابنه أو لغيرهما بدين معاملة قُبل، وإِن أقرَّ بعين في يده أنّه استودعها أو غصبها لم يُقبل.
الحال الثانية 1: أن يأذن في غير التجارة، كالنكاح والشراء والضمان، فيتعلَّق ذلك بجميع أكسابه وحِرَفه وأرباح ما في يده من أموال التجارة، وفي رؤوس الأموال وجهان، وليس للسيِّد أن يأخذ شيئًا من هذه الأكساب

قبل أداء الدين إِلا بشرط الضمان.

1387 -

فصل في تصرّف غير المأذون

إِذا لم يؤذن للعبد في التصرُّف، فليس له الانفراد بتصرُّفٍ يتعلَّق بالرقبة ولا بالنكاح، وإِن تصرَّف على الذمَّة بقرضٍ أو شراءٍ أو ضمانٍ فالأصحُّ بطلانُ القرض والشراء، وصحَّةُ الضمان؛ لأنّ القرض والشراء مفرَّعان على قولنا: إنَّه يَمْلك بالتمليك، وفيه إِشكالٌ من جهةِ أنَّ تملُّكَه مختصٌّ بالسيِّد دون الأجانب، فإِن صحَّحْنا ذلك تعلَّقَ بذمَّته دون كسبه، ولا يطالَب به إِلَّا بعد الإِعتاق، وإِذا ثبت ملكه على المبيع والقرض فللسيِّد انتزاعُهما منه، وله إِبقاءُ مِلكه عليهما، وللبائع والمقرِض أن يرجعا في ذلك قبل تملُّك السيِّد، ولا يرجعان بعده، وهذا بعيد مفرَّع على فاسد.
وإِن خالع ثبت العِوض، فإِن قلنا: لا يَمْلك بالتمليك، دخل العوض في ملك السيِّد قهرًا، كالصيد والحطب، وإِن قلنا: يملك، لم يَبْعُدْ أن يملك بدل الخُلع، ثمَّ يتخيَّر السيِّد في انتزاعه منه وإِبقائه، كما في القرض والشراء.

1388 -

فصل في إِقرار السيِّد على عبده

إِذا أقرَّ على عبده بما يوجب القصاص أو العقاب لم يُقبل، فإِن عُفي عن القصاص على مال، تعلَّق برقبته دون ذمَّته، وكذا لو أقرَّ عليه بمال يتعلَّق بالرقبة، فإِنَّه يتعلَّق برقبته دون ذمَّته.

وإِن أكرهه على شراء أو ضمان، لم يصحَّ بالاتّفاق؛ إِذ لا حكم له على ذمَّته، وإِن كان لو رضي بذلك لتعلَّق بكسبه؟ إِذ لا يُتصوَّر التعلُّق بالكسب بدون التعلُّق بالذمَّة.

1389 -

فصل في إِقرار العبد

إِذا أقرَّ بما لو ثبت لتعلَّق برقبته، فلا تعلُّق له إِلَّا بذمَّته، ولا طلب إِلا بعد الإِعتاق، فإِن رجع عن الإِقرار لم يُقبل رجوعه، بخلاف رجوع المبذِّر بعد انفكاك الحَجْر، وكذلك يلزمه ديون المعاملات إِذا ادَّعى فيها إِذن السيِّد، وكذلك إِقرارُه بما لا يتعلَّق بالكسب بحال، كبدل القرض والضمان إِن صحَّحناهما، أو أبطلنا القرض والشراء، فاعترف فيهما بالإِتلاف.
ويُقبل إِقراره بما يوجب العقاب والقصاص، فيُقطع في السرقة، وإِن ذكر أنّه أتلف المسروق ففي تعلُّقه برقبته قولان بناهما بعض الأصحاب على ما لو أقرَّ الحُرُّ بسرقة، ثمَّ رجع، ففي سقوطها بالرجوع قولان، ولا وجه لهذا البناء، ولا لإِسقاط مال السرقة بالرجوع.
وإِن ذكر أنَّ السرقة بيد المالك، أو بيد أجنبيٍّ، لم يُقبل بالاتِّفاق، وإِن ذكر أنَّها في يد نفسه، فقد قيل: لا يُقبل، وقيل: فيه القولان، والأظهر أنْ لا قبول؛ إِذ لا مَرَدَّ لِمَا يُقِرُّ به، ويده كيد سيّده.
وإِن أقرَّ بقصاص فعُفي عنه على مال؛ فإِن قلنا: مُوجَبُ العمدِ القودُ، ثبت المال؛ لأنّه ثبت بالعفو دون الإِقرار، وقال أبو محمّد: إِن قلنا: العفو

المطلق يوجب المال، ففيه هاهنا احتمال، وإِن أوجبنا أحد الأمرين، فإِن قبلنا إِقراره في صورة إِتلاف السرقة فهذا أولى، وإِن رددناه ثَمَّ فهاهنا قولان؛ لأنّ القتل سبب متَّحد، وفي السرقة ارتكاب كبيرة وإِتلاف ماله.
وقيل: مسألة السرقة أولى بثبوت المال؛ لتعذُّر التواطؤ عليها، وإِمكانه في القصاص.

1390 -

باب بيع الكلاب وغيرها

كلُّ كلب جاز اقتناؤه اختصَّ به صاحبه، وانتقل إِلى وُرَّاثه، ويحرم بيعه وغصبه، وعلى غاصبه ردُّه، ومن أتلفه لم يضمن رقبته، وفي منافعه وجهان، وفي صحَّة هبته وإِجارته وجهان، اختار الأئمّة فساد الهبة، واختار الإِمام صحَّة الإِجارة، وقال: إِن أبطلناها وجب ضمان المنافع.
ولا يجوز اقتناؤه اتِّفاقًا إِلّا أن يصلح للصيد، أو لحراسة النَّعَم، أو المزارع في أيّام الحصاد والتَّنْقية والدِّياس، وفي حارس الدور والدروب وجهان.
وإِن اقتناه مَن لا عادة له بالاصطياد فوجهان.
ولا يُشترط في اقتناء الصائد إِدامة الاصطياد، وإِن اقتنى جرو صائدٍ لينتفع به عند الاستقلال، فوجهان.
ويحرم قتل الكلاب وإِن لم يُنتفع بها، إِلّا الكَلِبَ والعقورَ الضاريَ بطبعه بالإِفساد، ولا يُتوانى في قتل الكَلبِ العَقور؛ لعِظَم شرِّه، وقد نُسخ جواز قتل الأسود البهيم.

1391 -

فصل فيما يجوز بيعه من الحيوان وما لا يجوز

الحيوان المنتفع به إِن كان نجس العين لم يجز بيعه، وإِن كان طاهرًا جاز بالاتفاق، إِلّا أن يكون له حرمة مانعة كالحُرِّ، فيجوز بيع الفهد والهِرِّ وجوارح الطير والنحل ودود القزِّ والفيل، وفي العَلَق الممتصِّ للدم تردُّد للقاضي 1، وميله إِلى الجواز.
ولا يُباع ما لا ينفع بحال، كالحشرات والهوامّ، وأخذ عوضه من أكل المال بالباطل، وكذلك ما لا منفعة إِلّا في جلده وريشه بعد فصله منه، كالأُسود والنمور والذئاب والحمار الزَّمِن الذي لا حِراك به، والحِدَأة والرَّخَمَة 2 والغراب، وقيل: يجوز بيعها؛ اعتمادًا على ما يُنتفع به من جلدها أو ريشها بعد الممات.

وأمَّا آلات الملاهي فإن لم يُتموَّل رُضَاضُها بعد الكسر المشروع فلا يجوز بيعها، وإِن تُمُوِّل ففي بيعها قبل كسرها وجهان.
وأمّا ما يُكسر من الصور وأشباح الأصنام، فإِن كان جوهره متقوَّمًا، كالصُّفْر والنحاس، فالأصحُّ جواز بيعه قبل كسره؛ اعتمادًا على جوهره؛ لأنّه مقصود، بخلاف رضاض الملاهي.

1392 -

فصل في بيع الأعيان النجسة

لا يجوز بيع الأنجاس وإِن كان فيها منفعة، كالسِّرقين وودك المَيْتات، ويجوز بيع الطاهر المتضمِّخ بالنجاسات.
وإِذا تنجَّس الدُّهن الطاهر ففي جواز الاستصباح به ويودك الميتة قولان، وفي إمكان غسله قولان، فإِن جوَّزنا غسله جاز بيعه، وإِن منعناه ففي جواز بيعه قولان مأخوذان من الخلاف في جواز الاستصباح، وقد فصَّل الإِمام الاستصباح، فقال: إِنْ بعُد السراج إِلى حدٍّ بحيث لا يَلْحقُ دخانُه المستصبحَ فلا وجه للتحريم؛ إِذ يجوز الانتفاع بالأنجاس؛ ولذلك يجوز تزبيل الأرض 1 وتدميلها بالعَذِرة، ويُحتمل طرد الخلاف مع بُعْد السراج؛ لأنّه استعمال نجاسة مستغنىً عنها، بخلاف التدميل والتزبيل؛ إِذ لا يقوم غيرهما مقامهما، كما لا يقوم مقامَ الكلب شيءٌ في صنعه 2، وخفَّة مؤونته،

والدخان ضربان: أحدهما: دخان الأعيان النجسة، وهو نجس إِن قلنا بنجاسة الرماد؛ لأنّ الدخان رماد منتشِر، وأبعد القاضي، فحكم بطهارته.
الثاني: دخان ما تنجَّس من الأدهان الطاهرة، والظاهر طهارته؛ لأنّه من أجزاء الدهن، ولا وجه لما ذكره الإِمام؛ لأنّه وإِن كان من أجزاء الدهن فقد حكم عليها بالنجاسة، فلا فرق بين اجتماعها وانتشارها، ويجوز أن يوجد الخلاف في الاستصباح من نجاسة الدخان؛ لأنّه ينتشر في البيوت، وقد لا يُحسُّ به حتّى يُحتَرَز منه.

1393 -

فصل في بيان ما يُتمَوَّل وما لا يُتمَوَّل

كلُّ طاهرِ نافعٍ مَحُوزٍ غيرِ محترَمٍ فهو مال يجوز بيعه وإِن لم يُتموَّل لكثرته، كالصخور والسنانير والماء على شطّ الفرات 1. وما لا يُتموّل لقلّة أو نجاسة أو حرمة فلا يجوز بيعه، كحبَّة الحنطة والحُرِّ والكعبة والمساجد، لكن يُضمن بالإِتلاف إِلّا الأنجاس.
وحدُّ ما لا يتموَّل لقلَّته: أنّه كلُّ ما ليس للانتفاع به وقعٌ محسوس بالنسبة إِلى جميع الجهات، كحبّة حنطة أو حبّات، لكن لا يجوز غصبه، وإِن غُصب وجب ردُّه، ولا يبعد أن يُضمن بمثله عند القفَّال، فيجب على من = (5/ 498): "في ظهور منفعته".

غصب حبَّة أن يردَّ مثلَها، فإِن كان من جنسٍ مُتقوَّم فلا ضمان.

1394 -

فصل في بيع الماء

يُملك الماء بالإِحراز في الأواني والحياض، ويجوز بيعه، وأبعد من قال: لا يُملك بحال.
ومن حفر بئرًا لاستقاء مائها لم يملكها، وكذلك لا يَملك ماءَها اتِّفاقًا، بل يكون أولى به حتَّى يجاوزه، ومن أحيا بئرًا أو نهرًا مَلَكَ البئر بظهور الماء، والنهرَ بجريانه، وهل يملك الماء كما تُملك ثمار الأشجار، أو لا يملكه كما لا يَملك ما عشعش في داره من الأطيار؟ فيه وجهان يجريان في بئر الدار المملوكة.
فإِن باع جمَّة البئر وماء النهر لم يصحَّ -وإِن قلنا: يملكهما- لتزايد الجمّة والعجزِ عن تسليم الجاري.
وإِن باع قَدْرًا معلومًا لم يصحَّ في ماء النهر، وفي الجمَّة وجهان، كما في أنموذج اللبن في الضرع، وينبغي أن يذكر قَدْرًا لا يزيد تزايدًا محتفَلًا به.
وإِن باع البئر أو النهر، ولم يتعرَّض للماء، صحَّ البيع.
وأمّا ماؤهما؛ فإِن قلنا: إنَّه غير مملوك، صار المشتري أحقَّ به، وإِن قلنا: إنّه مملوك، لم يدخل في البيع على الأصحّ، وقيل: يدخل؛ للعُرْف في ذلك.
وإِن باع البئر بمائها صحَّ إِن قلنا: يملك الماء، وإِن قلنا: لا يملك،

بطل بيع الماء، وفي البئر قولا تفريقِ الصفقة.
وإِن باع النهر بمائه بطل بيع الماء، وإِن قلنا: يملكه، وفي النهر قولا التفريقِ، والأصحّ البطلان.
وإِن حصل في ملكه شيء سوى الماءِ، كالموميا والملح؛ فإِن كان متزايدًا فحكمُه مع قراره حكم الماء في جميع ما ذكرناه، إِلّا أنَّ هذا مملوك لا يجيءُ فيه الوجهُ البعيد.

1395 -

فصل في الإقالة

لا خلاف في جوازها وردِّها للعِوَضين، وإِن لم يُذكَرا، ولا تختصُّ بالعاقدين، بل تجوز بين ورثتهما، وهي بيعٌ على القديم، فسخٌ على الجديد؛ لأنَّها تَردُّ الأمرَ إِلى ما كان، وبهذا أشْعَرَ لفظُها في وضع اللسان، ومنه: إِقالة العثرات.
والبيع هل يقبل الفسخ بالتراضي من غير سبب؟ فيه مذهبان: أحدهما: نعم، والقولان مختصَّان بلفظ الإِقالة.
والثاني: يجري القولان في لفظ الفسخ والإِقالة، فإِن جُعلت بيعًا، فقالا: تفاسَخْنا، فهل تقع بيعًا أو فسخًا؟ فيه وجهان.
ويجوز في السَّلَم والمبيع قبل القبض.
قال أبو محمّد: إِن جوَّزنا بيع المبيع من البائع قبل القبض ففي الإِقالة القولان، وإِن منعناه فهي فسخٌ بالاتِّفاق، ومتى وقعت بعد القبض ففيها القولان.

1396 - فروع: الأوّل: لا يتجدَّد حقُّ الشفعة بالإِقالة إِلّا إِذا جُعلت بيعًا.
الثاني: إِذا تلف المبيع في يد المشتري بعد الإِقالة لم ينفسخ إِلّا إِذا جُعلت بيعًا.
الثالث: لا يمتنع التصرّف في العوضين قبل قبضهما إِلّا على قول البيع.
الرابع: إِذا تقايلا بعد تلف العوضين لم يجز على قول البيع، وعلى قول الفسخ وجهان، بخلاف الفسخ بالتحالف، فإِنَّه تابعٌ غير مقصود، وإِن تقايلا عليهما بعد تلف أحدهما؛ فإِن جوَّزنا الإِقالة بعد تلفهما فهذا أولى، وإِن منعناها ثَمَّ فهاهنا وجهان؛ لأنَّ التالف يتبع الباقي.
الخامس: إِذا تقايلا على بعض المبيع؛ فإِن كان ممَّا يَتوزَّع الثمن عليه بالقيمة، كأحَدِ العبدين، لم يجز إِلّا على قول الفسخ، فيختصُّ الفسخُ بما تقايلا فيه، وأبعدَ مَن خرَّج الانفساخ في الآخَر على قولي التفريقِ، وإِن كان ممّا يتوزع الثمن على أجزائه، كالمثليات، وجزءٍ شاع من العبد المبيع، صحَّت قولًا واحدًا، ولا يُخرَّج على القولين في ردِّ أحد العبدين؛ لأنّ مبنى الردِّ على الإِجبار، ومبنى الإِقالة على التراضي.
ولو تراضيا بردِّ أحد العبدين لجاز، وكان إِقالةً.

1397 -

فروع

متفرّقة: الأول: إِذا وجد المشتري الجارية أختَه من رضاع أو نسب فلا ردَّ له، وإِن وجدها في عِدَّةِ شبهةٍ 1 ردَّها؛ لأنَّها محرَّمة على الكافَّة.

وإِن سعى المشتري في تحريمها على البائع خاصَّةَ، جاز ردُّها بالعيب القديم، ولا يَلحق التحريم بالعيب الحادث.
وإِن حدثت عنده عِدَّةُ شبهةٍ التحقت بالعيب الحادث، فإِنْ أخَّر الردَّ إِلى زوال العدَّة فقال البائع: ضُمَّ الأرش ورُدَّ، أو خُذ أرش العيب القديم، ففي بطلان الردّ بهذا التأخُّر وجهان.
الثاني: إِذا جاء المشتري بعبدٍ مَعيبٍ ليردَّه، فأنكر البائع أن يكون هو المقبوضَ صُدِّق البائع بيمينه، وفي مثله في السَّلَم والثمن وجهان من جهة أنَّ الأصل اشتغال الذمّة، فلا تبرأ إِلّا بالتوافق.
وقيل: إِنِ ادَّعى البائع أنَّ الثمن زُيوفٌ لا فضَّةَ فيه فالقولُ قوله؛ إِذ الأصلُ عدمُ القبض، وإِن ادَّعى العيب فالقولُ قول المشتري.
الثالث: إِذا أوصى ببيع عبد معيَّن، وأن يُشترى بثمنه جاريةٌ وتُعتق عنه، فباعه الوصيُّ بألف، واشترى به جارية وأعتقها، ثمَّ رُدَّ عليه العبدُ بعيب، فللوصيِّ أن يبيعه ويؤدِّي الألفَ من ثمنه -كذا ذكره أبو عليٍّ، ولم يخرِّجه على ما لو رُدَّ المبيعُ على الوكيل بعيب، فإِنّه لا يملك بيعه ثانيًا على المذهب- فإِن باع العبد بتسع مئة وجب جبر الزيادة، وهل يُخرج من التركة أو من مال الوصيِّ؟ فيه وجهان، وإِن باعه بألفين، فبان الغبنُ في البيع الأوّل؛ فإِن وقع الشراء بعين ثمن العبد فهو باطل، والعتق مردود، وإِن وقع على الذمّة انصرف البيع إِلى الوصيِّ، ونفذ العتق عنه، فيشتري جارية بالألفين ويعتقها.
الرابع: إِذا ظهر العبد ابنَ المشتري عَتَق عليه، ولا ردَّ ولا أرش إِلا أن يطَّلِع على عيب قديم، فيرجع بأرشه.

الخامس: إِذا باع سمسمًا أو قطنَا على أن يكون المبيع هو الشيرج دون الكسب، أو الحليج دون الحبِّ، فالبيع باطل.
السادس: إِذا قال: بعتك بلا ثمن، فقَبِلَ وقبض، فقد قطعوا بالبطلان، وفي الضمان وجهان، وذكر القاضي في كونه هبةً قولين، وإِن قال: بعتك، ولم يتعرَّض للثمن بنفي ولا إِثبات فليس تمليكًا بالاتِّفاق، ويجب الضمان على الأصحِّ، وقيل: فيه الوجهان.

جارٍ التحميل