الغاية في اختصار النهايةصفحات 201-241

كِتابُ النَّفقاتِ

3041 -

أجمع المسلمون على أصول النفقات، وتجبُ بالمِلْكِ والقرابة والنكاح، فللزوجة السُّكنى على الزوج، والكسوةُ، والطعامُ، والأدمُ، وما يُصْلِحُ به الطعام، وآلةُ التنظُّف، والفُرْشُ واللُّحفُ، والدِّثارُ، وماعونُ الدار، فإن كانت ممَّن يُخدَم وجبت نفقةُ الخادم على الأصحِّ، وذكر بعضُهم قولين، ولها سُكْنى مثلِها اتِّفاقًا.

ويجبُ أن يملِّكها الطعامَ والأدمَ، ومؤونةَ الإصلاح، وأن يمتِّعها بالمسكن، وثيابِ الليل، والفُرشِ، وماعونِ الدار، وفي كسوتها وكسوة الخادم وجهان، فما يجب الإمتاعُ به يَسقط بمضيِّ الزمان، وما يجب تمليكُه لا يسقط بمضيِّ الزمان.
ولا يجب لها الطِّيبُ، ولا الكحلُ اتِّفاقًا، ولا الأدويةُ ومؤنُ المعالجة، كأجرة الفاصد والحجَّام.

3042 -

باب قدر النفقة

إذا اختلف قوتُ البلد باختلاف الرُّتَب، اعتُبر بحال الزوج، وإن اتَّحد قوتُ البلد وجبت النفقةُ منه، وإن غلب بعضُ الأقوات، وغلب على الفقراء اقتياتُ ما دونه، فهل يُعتبر بهم، أو بالغالب؛ فيه تردُّدٌ.
ويلزمه تسليمُ الحَبِّ، أو التمر، ولا يلزمُها قبولُ الخبز، وفي كفايتها قولان: القديم: أنَّها تجب، فيختلفُ ذلك بالزهادة والرغبة، فإن اختلفا رُجع إلى اجتهاد الحاكم.
والثاني، وهو المذهب: يجب لامرأة المُعْسِر مُدٌّ بمدِّ رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، ولامرأةِ المتوسِّطِ مدٌّ ونصفٌ، ولامرأة الموسر مُدَّان، وللخادم على الموسر مدٌّ وثلثٌ، وعلى المعسر مدٌّ.
وقيل: يُرجع في نفقة المتوسِّط ونفقةِ خادم زوجته إلى رأي الحاكم؛ إذ لا أصل لتقديرها، بخلاف المدِّ والمدَّين؛ لوجوب المدَّين في فدية الأذى، والمدِّ في سائر الكفَّارات.
ثم قال الإمام: المعسِر: هو الفقير والمسكين، وكذلك مَن يقدر على كسبِ يومٍ فيومٍ.

وقال: لو قدر على أن يكتسب أضعافَ النفقة فليس بموسرٍ، وفي إلحاقه بالمتوسِّط تردُّدٌ، واختار أنَّه معسرٌ، فإنْ مَلَكَ من المال ما يُخْرِجُه عن حدِّ المسكنة فهو متوسِّطٌ.
وحَدُّ الموسِرِ بأنَّه الذي لا يحطُّه إيجابُ المدَّين على الدوام إلى حال المتوسِّط، والمتوسِّطُ هو الذي يحطُّه المدَّان إلى التوسُّط، ولا ينحطُّ بالمدِّ والنصفِ إلى الإعسار، ويختلفُ ذلك بالرخْص والغلاء.

3043 -

فصل في الإخدام

إذا كانت الزوجةُ ممَّن يُخدم عرفًا؛ بحيث لو خَدَمت نفسها لحطَّ ذلك من قَدْرِها، وجب إخدامُها وإن كانت قويّةً لا تتضرَّر بالخدمة.
وإن كانت ممَّن لا يُخدَم في العادة لم يجب إخدامُها، وإن خُدِمَتْ بحيث تُعدُّ مجاوِزةً لقَدْرِها، لم يجب إخدامُها.
وإن احتاجت إلى الخدمة؛ لضعفِ بِنْيتها؛ فإن كان الضعفُ لمرضٍ عارضٍ لم تستحقَّ الإخدام، وإن كان الضعفُ لازمًا ففيه تردُّدٌ للإمام، واختار الوجوبَ؛ فإنَّ دَفْعَ الحاجةِ اللازمةِ أولى من حفظ المروءة.
وإنْ تزوَّج بأمةٍ تُخدم؛ لجمالها، ففي وجوب إخدامها وجهان.
وتعيينُ الخادم إلى الزوج في الابتداء، فإنْ عيَّن خادمًا، فأَلِفَتْه، لم يَجُزْ له إبدالُه 1 إلا بريبةٍ، أو غرضٍ صحيحٍ، وإن استأجر لذلك أمةً أو حرَّةً، جاز.

ولا يُتصوَّر إيجابُ نفقة الخادم إلا أنْ تَمْلِكه، ويتراضيا بخدمته.
ولا يجبُ استئجار الخادم بأكثر من المدِّ في حقِّ المعسر، أو المدِّ والثلث في حقِّ الموسر، مع ما يليق بهما من الإدام، فإنَّا لو ألزمناه بأكثرَ من ذلك كان تفريعًا على وجوب الكفاية.
قال الإمام: وليس لها أن تقول: أنا أخدم نفسي، وآخذ نفقة الخادم.
وإن قال الزوج: أنا أخدم، ولا أدفعُ النفقة، فقد قال الأصحاب: له ذلك فيما لا تستحيي المرأةُ منه، كالخروجِ، وكنسِ الدار، وغيرِهما من المهن، وأمَّا ما تستحيي المرأةُ من إظهاره للزوج، كحمل الماء إلى المستراح، وغيرِه، فليس له ذلك على الأصحِّ، فإنْ وقع ذلك: فهل يستحقُّ الخادم النفقة، أو نصفَها، أو توزَّعُ على العملين؛ فيه احتمالٌ للإمام، واختار وجوب الجميع.

3044 -

فرع للإمام:

إذا تراضيا بخدمةِ حرَّة بالنفقة فلهما ذلك، ويكون العقد جائزًا، وتستحقُّ النفقةَ صبيحةَ كلِّ نهارٍ، فإنْ فسخت بعد أخذِها رَدَّتها، واستدلَّ الإمام على هذا بأنَّ الأصحاب حكموا بأنَّ الخادم تملك النفقة، واختلفوا في تمليك الأدم، ولا يُتصوَّر هذا في الرقيقة.
وهل تُزاد الزوجةُ من الأدم ما يَفْضُلُ للخادم، أو تُفرد الخادمُ بالأدم؟ فيه وجهان، فإن قلنا بالإفراد نقص عن قَدْرِ أدم المخدومة، ويجب تمليكُه، = هو التأنيث فيها، حيث قال: "ثم الخادمة في الابتداء إلى تعيين الزوج... فإن هي أَلِفَتْ خادمةً وأراد الزوج أن يبدلها... ".

وهل يكون من جنس أدم المخدومة؟ فيه وجهان، ولا خلاف في تجانس القُوْتين.

3045 -

فصل في الأدم

يجبُ الإدامُ من غالب جنس أدم المكان، ولا يتقدَّر اتِّفاقًا، بل يجب كفايةُ المدِّ، أو المدِّين، أو المدِّ والنصف.
فإن لم يَغْلِبْ أدمٌ، أو غَلَبَ وقلنا بإيجابه، فكرهَتْه، وطلبت إبدالَه بما يساويه في القيمة، ففي إجابتها تردُّدٌ واحتمالٌ.
قال الشافعيُّ: لامرأة الموسر في كلِّ أسبوع رطلان من اللحم، ولامرأة المعسر رطلٌ.
فقال القفَّال: لا يُزاد على ذلك.
وقال العراقيّون: يَختلف ذلك باختلاف البقاع، فيجبُ في المدِّ ما يليقُ به، وفي المدَّين ما يليق بهما، وحملوا قولَ الشافعيِّ على عادة أهل الحجاز.
وإن اعتادت ترك الأدم لم يسقط حقُّها منه، كما لا تسقط النفقةُ إذا استَغْنَتْ عنها في بعض الأحوال.

3046 -

فصل في كيفيَّة صرف النفقة إلى الزوجة

ولها طلبُ الحَبِّ اتِّفاقًا، ويلزمُ الزوجَ مؤونةُ إصلاحه، كطحنه وخَبزِه، فإن باعته، أو بَذَرتْه، وطلبت المؤونة لإصلاح حبٍّ آخَرَ، فلها ذلك، وإن

استَغْنَتْ في ذلك اليوم عن الخبز ففي سقوطِ مؤونةِ الإصلاح احتمالٌ، وإن اعتاضت عن الحبِّ ففي جوازه وجهان، كالقولين في الاعتياض عن الأثمان، فإن أجزناه، فاعتاضت بالخُبز عن البُرِّ، لم يجز على الأصحِّ.
وإن رضيت بالأكل مع الزوج من غير معاوضةٍ، ففي سقوط النفقة وجهان، وعلَّة السقوط: أنَّاَ نخيِّرها بين الاكل معه، وبين طلب الحبِّ وتكليفِ الإصلاح، فيكونُ الواجبُ أحدَ الأمرين، ويدلُّ على ذلك عادةُ السلف.

3047 -

فرع:

تجب النفقةُ بطلوع الفجر، فتملكُ طلبَها حينئذٍ، ويَنفُذُ تصرُّفُها فيها قبل القبض على حسب تصرُّفِ المُلَّاك على الذِّمَم، فإن قبضَتْها فلها التصرُّفُ فيها بما يتصرَّف به المالك في الأعيان.
فإن سَلَفَها نفقةَ مدَّةٍ ملكتْ نفقةَ ذلك اليوم، ولا تملكُ ما بعده على الأصحِّ؛ فإنَّها تجب يومَا فيومًا، بخلاف الدَّين المؤجَّل.
فإن ماتت في اليوم الأوَّل لم تُردَّ نفقتُه اتِّفاقًا، وإن ماتت في بقية المدَّة رُدَّت الزيادةُ إن قلنا: لا تملكها، وإن قلنا: تملُكها فوجهان، وقطع العراقيون بالردِّ.
وإن نَشَزتْ في يوم النفقة ردَّتها اتِّفاقًا، وإن نشزت في بعض يومٍ: فهل تسقط النفقةُ، أو ما يخصُّ زمنَ النشوز؟ فيه وجهان، وإن اعتادت النشوز يومًا، والطاعةَ يومًا، وجب نصفُ النفقة عند الأصحاب، وإن تفاوتت الأيّام وُزّعت النفقة على الأزمان.

3048 -

فصل في الكسوة

يجب من الكسوة قَدْرُ الكفاية، ويختلفُ باختلافِ الجثث والأبدان، فتجبُ في الصيف سراويلُ وقميصٌ وخمارٌ، وُيزاد في الشتاء جبَّةٌّ على حسب الحاجة إلى الإدفاء.
وأوجب الشافعيُّ على المُعْسِرِ غليظَ الكرباس، وعلى الموسر ليِّنَه ورقيقَه، وعلى المتوسِّط ما بينهما، فقال أبو محمد: لا يُزاد على ذلك؛ لأنَّ الزيادة عليه من رعونات المترَفين.
وقال العراقيُّون: يختلفُ ذلك باختلاف العادات؛ فإنْ جرت العادة في موضعٍ بلبس الخزِّ والحرير والكتَّان بحيث لا يُعدُّ مثلُه سَرَفًا ومجاوزةَ حدٍّ، وجب اتِّباعُه، وقولُ الشافعى محمولٌ على عادة أهلِ زمانه.
ولا خلافَ أنَّ كسوة الخادم دون كسوة المخدومة، فقد يجبُ لها في الشتاء فروةٌ على ما تقتضيه المغايرةُ بينهما.

3049 -

فرع:

إذا استأجر الكسوةَ، أو استعارَها، فإنْ جُعلت إمتاعًا جاز، وإلا فلا.

3050 - فرع: إذا جعلنا الكسوة إمتاعًا، فتلفت في يدها، فالوجه: القطعُ بأنَّها لا تَضمن؛ فإنَّ اليد المستحِقَّة لا تَضْمَنُ، وإن تلفت النفقةُ بعد التمليك لم يجب الإبدالُ، وإن تلفت الكسوةُ بغير تفريطٍ؛ فإن جُعلت إمتاعًا وجب الإبدالُ، وإن جُعلت تمليكًا، فمَلَّكها، وجب الإبدالُ على الأصحِّ.

وإن انقضى الفصلُ والكسوةُ باقيةٌ، فإن جُعلت إمتاعًا لم يجب التجديدُ، وإن جُعلت تمليكًا وجب التجديدُ اتِّفاقًا، وإن أتلفتها، فإن قلنا بالإمتاع لزمه التجديدُ، وعليها الضمانُ، وفي التجديد احتمالٌ من تطليق الأب زوجةَ الإعفاف، والوجه: إيجابُ التجديد إذا ردَّت البدل، وإن لم تردَّ احتُمل التخريج على الإعفاف.
وإن ماتت في أثناء الفصل؛ فإنْ قلنا بالإمتاع وجب الردُّ، وإلا فلا، ثم القولُ في تمليك الخادمة وإمتاعِها كالقولِ في الزوجة سواءٌ.

3051 -

فصل في الفرش والشعار والدِّثار

قال الشافعيُّ: ولها وسادةٌ، وملحفةٌ، ومُضَرَّبة وثيرةٌ، ويختلف ذلك باليسار والإعسار.
وقال العراقيُّون: يَجعل تحت المُضَرَّبة لِبدًا وحصيرًا، وفي زِلِّيّةٍ 1 للنهار وجهان، ولم يردُّوا ذلك إلى العادة، وهذا يدلُّ على الاقتصار على ما لا بدَّ منه.
وللخادم من ثياب الليل قَدْرُ الكفاية مع التفاوتِ الظاهرِ بينها وبين المخدومة، وجعل الشافعيُّ ثيابَ الليل لخادمِ المعسِر كساءً.

3052 -

فصل في آلات التنظُّف

قال الأصحاب: ويلزمُه تهيئةُ آلات التزيُّن والتنظُّفِ، كالدُّهنِ والمِشْط، وما يليق به، ولا يجب ذلك للخادم إلا أن يكثر الدَّرَنُ والهوامُّ بحيث يتعدَّى أذاه إلى المخدومة، فالأصحُّ أنَّه يلزمه كفايةُ ذلك.
وقيل: لا يجب، كما لا تجبُ معالجةُ الأمراض، وهذا لا يصحُّ؛ لندور المرض، ودوام هذا.
ولو أتى الزوجةَ بما يزيلُ الوسخَ وامتنع من الدهن، وقال: التزيُّنُ حقِّي، ولا أريدُه، لم نُجِبْه إلى ذلك، وفيه احتمالٌ.
وأمَّا ما يَقطَعُ الروائح الخبيثةَ، كالمَرْتكِ (1) للصِّنان، فإن لم يزُل إلا به وجب القطعُ بإيجابه، وإن أَمْكَن إزالتُه بالماء والتراب ففيه احتمالٌ.
وله منعُها من أكل السموم القاتلة، وما تتأذَّى بريحه الخبيثة، وفيما يغلبُ على الظنِّ أنَّه يُمْرِضُها من الأطعمة وجهان.
وإن احتاجت الخادمُ إلى الخروج وجب لها خفٌّ، وهل هو إمتاعٌ، أو تمليكٌ؛ فيه الخلافُ عند الإمام.

3053 -

فصل في ماعون الدار

وعلى الزوج ماعونُ الدار، كالقِدْرِ، والمِغْرفةِ، وظروفِ الماء، وغيرِ1

ذلك ممَّا يظهر الضررُ بفقده، وظروفُ الماء خزفٌ في حقِّ الخاملة، ويُحتمل أن تجب للشريفة من النحاس، ويُحتمل أن تجب الخزف، فإن استعمال النحاس من جملة الرعونات.

3054 -

فرع:

لا خلاف أنَّ المسكن يختلفُ باختلاف رتب النساء، وكذلك الإخدامُ، وللزوج حَصْرُها وحدها في المنزل، أو مع خادمٍ إن كانت مخدومةً رفيعةَ المنصب، وله منعُ أهلها من مداخلتها.
وتختلفُ النفقةُ باختلاف حال الرجال، فلا تجبُ على الملك الواسع الغنى أكثر ممَّا ذكرناه في النفقات.
وقال الإمام: كلُّ ما يُرعى فيه الإمتاعُ فإنَّه يختلف باختلاف النساء، وكلُّ ما يُرعى فيه التمليكُ اختلف باختلاف الرجال، فقد يجب على المعسِرِ الإخدامُ نظرًا إلى حال المرأة، ولا يجبُ في النفقة إلا ما يليقُ بحاله.

3055 -

فصل فيما يَلزم العبدَ من النفقة

على العبد نفقةُ المعسرين وإن كان مكاتبًا متَّسعَ المال، أو مأذونًا في التجارة، وكذلك لو ملك القنُّ أموالًا، وأُذن له في إتلافها، وقلنا: يملكُه، وإن كان بعضُه حرًّا فعليه نفقةُ معسرٍ وإن كان غنيًّا ببعضه الحرِّ، وقال المزنيُّ وبعضُ الأصحاب: يلزمُه بعضُ نفقة موسر، وبعضُ نفقةِ معسرٍ؛ توزيعًا على الحصَّتين.

3056 -

باب الحال التي تجب فيها النفقة

تجبُ النفقة بالتمكين، وتسقطُ بالنشوز، فإن لم يوجد تمكينٌ ولا نشوزٌ فقولان مأخذُهما: أنَّ سبب الوجوب هو التمكينُ، أو احتباسُها بالعقد عن نكاح غيره.
فإن اختلفا في التمكين، فادَّعته وأنكره؛ فإنْ أوجبنا النفقة بالعقد فالقولُ قولها، فإنَّ النشوز مانعٌ، والأصلُ عدمُه، وإن أوجبناها بالتمكين فالقولُ قولُه؛ إذ الأصلُ عدمُه.
فإن قالت الرشيدةُ، أو أهلُ المحجورة: مهما سلَّمتَ الصداق سلَّمناها إليك، فهذا تمكينٌ يوجبُ النفقةَ.
وإن لم يَطْلُبْ زفافَها، ولا ظَهَرَ منها، ولا من أهلها امتناعٌ، فقولان، فإنَّها غيرُ ناشزةٍ، ولا ممكِّنةٍ، وقطع العراقيّون بأنَّها لا تجبُ، وهذا لا يتَّجه؛ لأنَّهم طردوا القولين في صورة الاختلاف.

3057 -

فصل في نفقة المريضة والصغيرة

إذا امتنع الجماعُ بمرضٍ أو رتَقٍ، لم تسقط النفقة اتفاقًا، وإن امتنع بصغر أحد الزوجين فأقوالٌ؛ ثالثها: السقوطُ بصغره دون صغرها، ورابعها:

السقوط بصغرهما دون صغر أحدهما.
وقال بعضهم: إذا جَهِلَتِ البالغةُ صغر الزوج وجبت النفقةُ اتِّفاقًا، وإن علمت فقولان.
وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ ما يُسقط النفقة لا يختلف بالعلم والجهل.
فإن أوجبنا نفقةَ الصغيرة، فلا حاجةَ إلى العوض اتِّفاقًا، ولا إلى الوعد بالتمكين عند الإمكان، فإذا حصل الإمكانُ ببلوغٍ أو مراهقةٍ، فإن مكَّنت وجبت النفقةُ، وإن سكتَتْ فقولان.

3058 -

فرع:

إذا كان المرضُ (1) مانعًا من الجماع، فامتنعت من الخلوة، لم تسقط النفقة، فإن قال: زُفُّوها إليَّ، وأنا لا أجامعُ؛ فإنْ ثبت العُذْرُ بأربعِ نسوةٍ لم نُجبه إلى ذلك، وإن أَخبرت به امرأةٌ واحدة فوجهان، فإن عجزت عن ذلك وكانت بِنيتُها شاهدةَ على سلامتها، أو كان دنفُها ومرضُها لا يدلُّ على تضرُّرها، حلف على نفي العلم بالمرض الباطن.

3059 -

فصل في النشوز

تسقط النفقةُ بالنشوز اتِّفاقًا وإن قدر الزوج على ردِّها.
ومتى توفَّر عليها حقُّها فامتنعت، فهي ناشزةٌ، إلا أن يُحمل امتناعُها على الدلال الغالب من الطائعة.1

وإن خرجت من مسكن النكاح عاصيةً فهي ناشزةٌ، وإن خرجت أو سافرت بإذنه؛ فإن كان الشُّغلُ له لم تسقط النفقةُ، وإن كان لها فقولان.
وإنْ أَحْرمَتْ وهي مقيمةٌ بإذنه فلها أحوالٌ: الأولى: أن تسافر لذلك، ففي سقوط النفقة إلى أن ترجع إلى الزوج قولان.
الثانية: ألا تخرج من المسكن، فقد قيل: لا تسقط، وقيل: فيه القولان.
الثالثة: أن تهمَّ بالسفر، فينهاها، فتخالف، فتسقط النفقةُ عند القفَّال، وعند غيره قولان.
وإن أحرمت بغير إذنه؛ فإنْ خرجت فهي ناشزةٌ، وإن أقامت؛ فإن منعنا تحليلَها، فإنْ خرجت سقطت النفقةُ، وإن أقامت فوجهان؛ لأنَّها عاجزةٌ عن التحلُّل، بخلافِ النشوز، وقطع الإمامُ بالسقوط، وإن جوَّزنا تحليلها، فإنْ حلَّلها وجبت النفقةُ، وكذا إن لم يحلِّل عند الجمهور، وفيه وجهٌ.
ولا تسقط النفقةُ بصوم رمضان اتِّفاقًا، ولا بالطهارات والصلوات في الأوقات.
وإنْ أحرمت بحجِّ الإسلام؛ فإن قدَّمناه على حقِّ الزوج ففي سقوط النفقة احتمالٌ.
وإن صامت تطوُّعًا، أو عن نذرٍ نَذَرتْه بعد النكاح بغير إذنه، فله أن يفطِّرها، ولا تسقطُ النفقة، وذكر بعضُهم وجهين رتَّبهما الإمام على الوجهين في الإحرام؛ إذ يجوزُ له وطءُ الصائمة، وفي المُحْرِمة يُحلِّلها، ثم يطأ، فإن قلنا: لا تسقطُ نفقتُها بالصوم، فامتنعت من الوطء، ففي السقوط وجهان

خصَّهما الإمام بأيِّامٍ قليلةٍ مفرَّقةٍ على الأيَّام لا يقدح مثلُها في دوام الاستمتاع، فإن كثر ذلك كانت ممكّنة في الليل ناشزةً في النهار، وفي نفقتها خلافٌ تقدَّم.

3060 -

فرع:

ليس له منعُها من الوظائف المفروضة، وفي السنن الراتبة وتعجيلِ الصلوات خلافٌ طرده أبو محمد في صوم عاشوراءَ وعرفةَ، وإن اعتادت صومَ الإثنين والخميس فله المنعُ من ذلك.
هذا إن كان يُرْهِقها، وإن غاب فلها أن تصومَ ما بدا لها.
ولا يمنعُها من قضاء رمضان إن ضاق وقتُه، وإن اتَّسع ففيه الخلافُ، فإن قلنا: لا يمنعُها، اتَّجه إيجابُ النفقة، بخلافِ الخروج للحجِّ؛ فإنَّه انقطاعٌ عن الزوج.

3061 - فرع: إذا فارقت المسكنَ في غيبته، ثم رجعت إلى الطاعة، ففي عود النفقة وجهان، فإن قلنا: لا تعودُ، وطَلَبتْ من الحاكم إعلامَ الزوج بذلك 1، فأَعلمه، ثم مضى من الزمان ما لو أراد الرجوعَ فيه لوصل، وجبت النفقةُ من حينئذ، وكذلك لو علم بذلك من غير جهةِ الحاكم، وفي كلامهم ما يدُّل على اشتراط الحكم بالطاعة، وهو بعيدٌ.
هذا إن ظهر نشوزُها، وإن كان خفيًّا فقد قيل: لا يُشترطُ إعلام الزوج، وقيل: فيه الوجهان.
ولو ارتدَّت في غيبته، ثم أسلمت، سقطت النفقةُ في مدَّة الردَّة على

الأصحِّ، وتعودُ بالإسلام عند العراقيِّين، وخرَّجه المراوزةُ على الوجهين في اشتراط الإعلام.

3062 -

فرع:

إذا اختلفا في قبض النفقة، فالقولُ قولُها مع يمينها وإن كانت معه في الدار.

3063 -

باب الرجل لا يجد النفقة

مَن أعسر بنفقة زوجته، أو كان قادرًا على الكسب فامتنع منه، فلها رفعُ النكاح في أصحِّ القولين، وهل ترفعُه بالطلاق، أو الفسخ؟ فيه قولان.
فإن جُعل رفعُه بالطلاق أمره الحاكم به، فإن أبى: فهل يطلِّق عليه، أو يحبسه حتى يطلِّق؟ فيه قولان كالإيلاء، فإن طلَّق عليه، فراجع مع بقاء العسرة طلَّق عليه ثانيةً، فإن راجع طلَّق الثالثة.
وإن جُعل فسخًا، فثبتت العسرةُ عند الحاكم، فلها الفسخُ بنفسها، فإنْ فسختْ في غير مجلس الحكم نفَذَ عند المحقِّقين، وإنْ فسختْ قبل ثبوت الإعسار ففي نفُوذه خلافٌ، وقال الإمام: إن لم يكن في الناحية حاكمٌ ولا مُحكَّم نفذ الفسخُ، وإن لم يكن 1، ففيه الخلافُ.
وإن أعسر الموسرُ بأحد المدَّين، أو أعسر بهما، وقَدرَ على نفقة يومٍ فيومٍ، لم يفسخ، ويسقط المدُّ الذي أَعْسَرَ به، وإن أَعْسرَ بالأُدْم ثبت في ذمَّته، ولم يفسخ، وفي الفسخ احتمالٌ وتشبيبٌ بخلافٍ، وإن قدر على ثلث المدِّ فسخت، وكذا إن قدر على النصف على الأصحِّ، فإنَّ طعام الواحد لا يكفي

الاثنين على الدوام.
وإن أَعْسَرَ بالكسوة، أو السُّكنى، أو نفقة الخادم، فوجهان.
وإن أعسر بالصَّداق قبل الدخول فطريقان: إحداهما: لا يفسخ.
والثانية: فيه القولان.
وإن أعسر به بعد الدخول لم يفسخ، وأَبعدَ مَن طرد الخلاف.
وإن سمَّى صَداق المُفَوِّضة به فالعسرةُ كالعسرة بالمسمَّى في العقد، وإن لم يفرض وقلنا: تستحقُّه بالعقد، فوجهان.

3064 -

فرع:

إذا امتنع الغنيُّ من الإنفاق، فقد قيل: لا يفسخ، وقيل: فيه القولان، وقال الإمام: إن قدرت على أخذ النفقة بنفسها، أو بالوالي، لم يفسخ، وإن عجزت عن ذلك ففيه الخلاف.

3065 -

فصل في الإمهال

إذا ثبت إعسارُه، فطالبته بالنفقة عند الحاكم في أوّل النهار، فقال: أنا معسرٌ بالنفقة، ولا أظنُ أنِّي أقدر على تحصيلها، ففي مبادرتها بالفسخ احتمال، وإن لم يقل ذلك واستمهل، فقولان: أحدهما: لا يُمْهَلُ، ولكن لا تملك مبادرةَ الفسخ في أول النهار، ولا أن توكِّل به مَن يلازِمُه حتى تحصِّلَ النفقةَ، ثمّ يُحتمل ألا تفسخ حتى

تغرب الشمس، أو بمضيِّ يومٍ وليلة، أو بمضيِّ وقتٍ يظهر التضرُّرُ به لمَن لم يتهيَّأ للصوم، والأولى اعتبارُ يومٍ وليلةٍ، بخلاف المرتدِّ إذا قلنا: لا يُمهل، فإنَّا نقتلُه في الحال، ولو طلب ربُّ الدَّين حَبْسَ المَدين، فقال: أمهِلوني لأدفع حقَّه من المخزن، لم يُحبس، ولكن يوكَّل به مَن يدورُ معه وإن بعُد السوق، وفي النفقة لا نفعلُ ذلك، وهذا يدلُّ على أنَّها تجب بأول النهار وجوبًا موسَّعًا.
وقال الإمام: إنْ قدر عليها وجبت في الحال وإن كنَّا لا نَحْبِسُه ولا نوكِّل به، وإن تعذَّرت، أو شقَّ تحصيلُها، اتَّسع وجوبُها.
وإن تعوَّد دفع النفقة ليلًا ثبت الفسخُ؛ لِمَا في صوم الدهر من الضرار، فإن أمكنَ أن تأكل بعض المدِّ، وتؤخِّر بقيَّته إلى النهار؛ فإن كانت رغيبةً لا تَنتفعُ بذلك فلها الفسخُ.
والقول الثاني، وهو الأظهر: يُمهَلُ ثلاثة أيام بلياليها، فإنْ وَجد النفقة في اليوم الثالث، وعجز في الرابع، فإنَّا نكمل الثلاثةَ بالرابع، وأبعدَ مَن أوجب استئنافَ الثلاث؛ إذ يلزمُ منه أن يَعتاد الإنفاقَ يومًا، والتركَ ثلاثًا، ولعل قائلَ هذا لا يلتزمُ ذلك، وإن لم يجد شيئًا في مدَّة الإمهال، فطلبت الفسخَ في اليوم الرابع، فقال: أمهلوني لأُحضر النفقة في الوقت المعتاد، لم نُجِبْه إلى ذلك، وإن جاء بالنفقة في اليوم الرابع، فطلبت أن تفسخ، وتأخذَها عن مدَّة الإمهال، لم يكن لها ذلك، فإن استمرَّت النفقة بعد الرابع فليس لها الفسخُ، وإن كان ذلك بفتوحٍ لا يوُثَق به، وإن أعسر بعد ذلك؛ فإن كانت نفقتُه من الفتوح لم يُمهل، بل لو كان ذلك حالَه في الابتداء لم يُمهل عند

الإمام؛ فإئه خصَّ الخلاف في الإمهال بمن يثق بكسبٍ، أو مالٍ، أو غلَّةِ وقفٍ، فعرضت له جائحةٌ، بخلافِ المعتمِد على الفتوح، فإنَّ أصلَه الإعسارُ.
وإن أمهلنا الواثق بالمال، ثم عَرَضَتْ له جائحةٌ بعد اليسار، رجع الخلافُ في الإمهال.
والمالُ الموثوقُ به: هو الذي يغلبُ على الظنِّ التبلُّغُ به لو تصرَّف فيه، ولا يقال: إنَّه ينقطعُ لا محالةَ إلى مدَّة؛ فإنَّ ما ينقطع بعد مدَّة بمثابة الفتوح، ولو حصل لصاحب الفتوح نفقةُ اليوم الرابع، وكان منتظرًا لمثلها في الخامس، فحكمُه في الخامس كحكمِهِ في اليوم الأول إذا قلنا: لا يجبُ الإمهال.

3066 -

فرع:

إذا رضيت بعسرته بعد الإمهال، ثم أرادت الفسخ، فلها ذلك، ويعود الخلافُ في الإمهال، ويُحتمل ألا يُمْهَلَ كنظيره من الإيلاء، وإن أبرأته من نفقةِ خمسين سنةً، وقلنا: يصحُّ، لم يُفسخ في هذه المدَّة بالإعسار، ولو أسقطت امرأة المُوْلي حقَّ الطلب سنةً، لم يسقط عند الإمام؛ إذ لا يصحُّ الإبراء إلا من حق ثابت، ولا حقَّ لها في الاستمتاع.

3067 - فرع: إذا نكحت معسرًا مع العلم بعسرته، لم يسقط الفسخ بعلمها.

3068 -

فصل فيمن يثبت له حقُّ الفسخ

وهو مختصٌّ بالزوجة، فلا يثبتُ لوليِّ الطفلة والمجنونة اتِّفاقًا، فإن

كانتا فقيرتين أُنفِق عليهما من بيت المال، وتستقلُّ البالغةُ بالطلب، ولا اعتراضَ عليها لأحدٍ، فسخت أو أقامت، وللأمة الفسخُ وإنْ كره السيِّدُ، وبَذَلَ لها النفقةَ، ولا يصحُّ إبراؤها عن النفقة اتِّفاقًا، ولا يثبت الفسخ للسيِّد، وذكر أبو علي في فسخ السيِّدِ نكاحَ الأمةِ الصغيرة والمجنونة وجهين، وفي البالغة إذا امتنعت من الفسخ وجهين مرتَّبين، وإذا أثبتنا الفسخ بتعذُّر الصداق استقلَّ به السيِّد اتِّفاقًا.
ثم قال الإمام: نفقةُ الأمة مِلكٌ للسيِّد، وله إبدالُها، ولها حقُّ التعلُّق بها حتى يُبدِلَها، كما يملك منافع العبد وأكسابَه وإن تعلَّقت بها حقوقُ النكاح، ولا ينفذ إبراؤه من النفقة؛ لتعلُّق حقِّها بها، ولو أنفق من ماله فله أخذُها، ولو غاب السيِّد أنفق الزوج عليها من غير تمليكٍ لها؛ لإذنِ الشرع له في ذلك.
وللسيِّد أن يسافر بالعبد الناكح عند المعظَم وإن لم يضمن حقوقَ النكاح؛ إذ لا يثبت لزوجته التوثُّقُ بمنافعه، بخلافِ توثُّقِ الأمة بالنفقة كأنَّها عينٌ حاضرةٌ قابلةٌ للتوثُّق.
ولو تبرَّع أجنبيٌّ بالنفقة على امرأة المعسر لم يسقط الفسخُ، فإن دفعها إلى الزوج سقط الفسخُ؛ لاختصاص المِنَّة به، وإنْ أَعْسرَ العبدُ فدفع السيِّدُ نفقته ففي الفسخ تردُّدٌ ظاهر؛ لمِلْكه لمنافعه، ولو أراد أن يستخدمَه ويؤدِّيَ النفقة من ماله لجاز، وإن دفع النفقةَ للأمة فظاهرُ كلامهم أنَّ الفسخ لا يسقط بذلك، ويُحتمل أن يسقط؛ لأنَّه يملك رقبتَها ونفقتَها، فلم يكن متبرِّعًا.

3069 -

فرع:

إذا عجز العبد عن النفقة والكسبِ، لم تتعلَّق النفقةُ برقبته على الأصحِّ، وإن علَّقناها بالرقبة بِيْع فيها شيئًا فشيئًا إلا أن يفديَه المالك، فإن استوعبه البيعُ أخذ في بيعه على المشتري، وكذا أبدًا.

3070 - فرع: إذا أعسر بنفقة الرقيق بِيع عليه، وتُسيَّب أمُّ الولد لتكتسِبَ، ولا تُباع، فإن عجزت عن الكسب، فهي من فقراء المسلمين، ولم يقل أحد: إنَّها تُعتِقُ نفسَها، وأبعدَ مَن جعل للحاكم أن يُعْتِقَها.

3071 - فرع: قال الأصحاب: إذا لم يثبت الفسخُ بالإعسار فللمرأة أن تخرج للاكتساب، وقال الإمام: إن لم تحصِّل قُوْتَها إلا بالخروج جاز، وإن كانت غنيَّةً، أو قادرة على الاحتراف في المنزل، وقد وطئها بتمكينها، ففي الخروج وجهان.
وإن أثبتنا الفسخَ والإمهال، فاضطرَّت في مدَّة الإمهال خرجت مع اليسار، وكذا إن لم تضطرَّ على الظاهر.

3072 -

باب نفقة التي لا يملك زوجها رجعتها

المعتدَّات ثلاثة: الأولى: الرجعيّة، ولها السُّكنى والنفقةُ والأُدمُ والكسوةُ، وجميعُ حقوق النكاح إلا ما يتعلَّق بالاستمتاع، كالقَسْم والدهن (1).

3073 -

فرع:

إذا حملت الخَلِيَّةُ من وطءِ شبهةٍ لم تستحقَّ النفقةَ إلا إذا جعلناها للحمل، ولو حملت في النكاح بوطءِ شبهةٍ ففي سقوط النفقة عن الزوج في مدَّة الحمل وجهان.
وقال الإمام: إن وُطئت وهي مضبوطةٌ أو نائمةٌ لم تسقط، وإن طاوعت فوجهان مبنيَّان على نفقة الخليَّة، فإن لم نوجب نفقةَ الخليَّة لم تسقط النفقةُ عن الزوج، وإن أوجبنا نفقةَ الخليَّة سقطت النفقةُ عن الزوج، ووجبت على الواطئ؛ لئلا يجب في زمنٍ واحدٍ نفقتان.
ولو حملت الرجعية من وطءِ شبهةٍ، فقد قال الأصحاب: إن أثبتنا للزوج الرجعةَ قبل الوضع لم تسقط النفقةُ، وإن لم نثُبتها فوجهان، وقيل: إن لم نُثبِتِ الرجعةَ سقطت، وإن أثبتناها فوجهان.1

وقال الإمام: إن أوجبنا النفقة على الواطئ سقطت عن المطلِّق، وإن لم نُوْجِبْها عليه ففيه الطريقان.
الثانية: البائن بردَّة الزوج، أو بالطلاق، أو بفسخ بشطرِ الصَّداق، ولها السُّكنى في الحمل والحيال، ولا نفقةَ لها إلا أن تكون حاملًا، وهل تكون النفقةُ لها، أو للحمل؛ فيه قولان، فإن كان أحد الزوجين رقيقًا، فإن جُعلت النفقةُ للحامل وجبت، وإن جُعلت للحمل لم تجب، ولا نفقةَ لحائلٍ بانت بفسخٍ أو لعانٍ.
الثالثة: المفسوخُ نكاحُها بردَّتها، أو بعيبٍ في أحد الزوجين، فلا نفقةَ لها إن كانت حائلًا، وإن كانت حاملًا؛ فإن لم نُلزم الزوجَ نفقةَ الحَمْلِ إذا انفصل فلا نفقةَ لها، وإن لَزِمَتْ بالانفصال ففي وجوبها في العدَّة القولان، فإنَّ هذه الفرقة منتسبةٌ إليها، بخلاف الطلاق.

3074 -

فرع:

إذا لحقه حملُ الملاعنةِ فالمذهبُ وجوبُ النفقة في العدَّة؛ لأنَّها تُنكر استناد البينونة إليها، بخلافِ الفسخ بعيبها، وقيل: فيه القولان، ويجب طردُ هذا الخلافِ في تشطير الصداق باللِّعان، وإن نَفَى الولدَ باللعان، فأَنفقت عليه، فاستَلْحقه، رجعت بالنفقة على ظاهر المذهب.
ولو حملت الخليَّةُ من وطءِ شبهةٍ؛ فإن جعلنا النفقةَ للحمل وجبت، وإلا فلا، وهذا مشكِلٌ؛ فإن النفقة إذا جُعلت للحامل كانت كأجرة الحاضنة، فينبغي أنْ تَجِبَ اتِّفاقًا، ويمكنُ أخذُ القولين من أنَّ مَن تَلْزمُه النفقةُ بعد الولادة ففي وجوبها عليه قبل الولادة قولان؛ فإنَّه كجزءٍ من الأمِّ، ولهذا

لا تجب فطرتُه، ولا يُجزئُ عتقُه عن الكفَّارة، لكنْ يقدح في هذا: أنَّ ولد الرقيقة لا تجبُ نفقته بعد الولادة، وفيما قبل الولادة القولان، ولعل مأخذ القولين في ذلك تخصيصُ الآية بالأحرار؛ لغلبةِ ذلك.

3075 -

فصل في تعجيل النفقة قبل الوضع

إذا وجبت النفقةُ اتِّفاقًا، أو على قولٍ؛ فإن قلنا: الحملُ يُعرف، وجب تعجيلُها يومًا فيومًا، وإن قلنا: لا يُعرف، لم تستحقَّ شيئًا حتى تضع.
فإن أوجبنا التعجيل وهو الأصحُّ لم يجب حتى تشهد بذلك أربعُ نسوةٍ من أهل الخبرة، أو رجلان، فإن وقع الجزمُ بالشهادة قُبلت، وإن وقعت الشهادة بتوفُّر العلامات من غير جزمٍ، فقد قال الإمام: إن قلنا: إنَّ الحمل يُعرف، فلابدَّ من الجزم، وإن قلنا: لا يُعرف، اكتُفي بذلك، كما لو قال في شهادة العسرة: قد خَبِرْتُ ظاهره وباطنه، فظهر لي إعسارُه، ولا أعلمُ له مالًا، فإنَّا قد نكتفي بذلك في ثبوت الإعسار.
فإن أوجبنا التعجيل، فإن ظهر الحملُ ولو بإجهاضِ جنينٍ ميتٍ ظهر تخطيطُه وقعت النفقة موقعَها، وإن ظهر الحيالُ، فإن كان عند التعجيل معتقِدًا لوجوب التعجيل، أو لم يَعْتقِدْ ذلك فألزمَه الحاكمُ به، رجع، وإن لم يكن كذلك، ولم نوجب التعجيلَ، فهذا مبنيٌّ على قاعدةٍ، وهي: أنَّ كلَّ مَن عجَّل ما لا يعتقِدُ وجوبَه في الحال، ثم بأن أنَّه لم يجب، فله الرجوعُ اتِّفاقًا، سواءٌ أَطْلَقَ الدفع، أو عيَّن السبب الذي أَخرج عنه المال، فمن ظنَّ عليه دينًا، فأدَّاه، ثم بان خلافُه، رجع، ولو اعتقد بقاءَ ماله الغائبِ، فزكَّاه بعد

الحول، ثم ظهر تلفُه، رجع، وقيل: لا يرجع؛ فإنَّ زكاته لا تجبُ إلا إذا تحقَّق بقاؤه.
ولو عجَّل مالًا على توقُّعِ وجوبه، فلم يجب، فله حالان: إحداهما: ألا يستند الوجوب إلى الحال، كتعجيل الزكاة، فإن صرَّح بالتعجيل، وشرط الرجوع، رجع، وكذا إن لم يشرط الرجوعَ على الظاهر، وإن قال: هذه زكاةُ مالي، أو: صدقةُ مالي، ولم يذكر التعجيلَ، فوجهان مرتَّبان، وإنْ أَطْلَقَ لم يرجع على الأظهر.
الثانية: أن يستند الوجوبُ إلى الحال، كتعجيلِ نفقةِ الحامل، فإنْ شَرَطَ الرجوع رجعَ، وإنْ أَطْلَقَ فوجهان.
ولو بذل المالَ عالمًا بأنَّه لا يجبُ في الحال والمآل، فهو تبرُّعٌ، فإن كانت هبةً فقد لا يفتقِرُ إلى اللفظ فيما جرت العادةُ فيه بترك اللفظ، وإن كان صدقةً لم يفتقِرْ إلى اللفظ على الظاهر.

3076 -

فرع:

لا تسقط نفقةُ الرجعيَّة بمضيِّ الزمان، وكذا البائنُ الحاملُ إن جُعلت النفقةُ لها، وإن جُعلت للحمل؛ فإن لم نُوجبِ التعجيلَ لم تسقط في مدَّة الحمل اتِّفاقًا، وإن أوجبناه؛ فإن جُعلت للحامل لم تسقط، وإن جُعلت للحمل فوجهان.

3077 - فرع: لا تجب النفقة بالنكاح الفاسد، فإن أنفق على ظنِّ الصحَّة، فظهر الفسادُ لم يرجع عند الأصحاب، وكذا إنْ شَرَطَ الرجوع على تقدير ظهور الفساد

عند أبي محمد، وهذا مشكِلٌ؛ لأنَّه أنفق على ظنِّ الوجوب الناجز، فبان خلافُه، لكنَّ الأصحاب جعلوا ذلك في مقابلةِ سلطانِ الاستمتاع.
ولو اشترى شيئًا من دلَّال، ثم وهبه شيئًا، وأقبضَه ظنًّا أنَّه يستحقُّه عليه بالدلالة، فله الرجوعُ عند القفَّال، ويُحتمل أن يُخرَّج على أنَّ النظر في العقود إلى المقاصد، أو مقتضى الألفاظ 1؛ فإن نظرنا إلى اللفظ لم يرجع، وإن نظرنا إلى القصد رجع، كما قال القفَّال.

3078 -

فرع:

إذا اكتفت الحامل بأقلَّ من نفقة النكاح لم تُنْقَصْ عن نفقة النكاح، وإن احتاجت إلى زيادةٍ؛ فإن كانت منكوحةً لم يزدْها اتِّفاقًا، وإن لم تكن منكوحةً؛ فإن جعلنا النفقةَ لها وجبت الزيادة، وإن جُعلت للحمل، فوجهان، وقيل: إن جُعلت لها لم تُزَد، وإن جُعلت للحمل فوجهان.

3079 - فرع: إذا مرَّ بالرجعيَّة ثلاثةُ أقراء، فظهر حمل؛ فإن كان بحيث يُلْحَقُ انقضت العدَّة بوضعه، وبطلت الأقراء، وإن كان بحيث لا يُلحق انقضت العدَّة بالأقراء، فإن ادَّعت انقضاءها في أربعة أشهرٍ مثلًا، فالقول قولُها مع يمينها اتِّفاقًا، وتستحقُّ النفقة أربعةَ الأشهر؛ لأنَّها مؤتَمَنة في رحمها، وإن قالت: لا أدري في كم انقضت العدَّةُ؛ فإن كان لها عادةٌ مستقيمة، فقد قال الأصحاب: تستحقُّ النفقةَ في أيام عادتها، وإن اضطربت عادتُها؛ فإن عَرَفت أقلَّها استحقَّت النفقة

لأقلِّ عاداتها، وإن لم تعرف الأقلَّ استحقَّت النفقة لأقلِّ زمانٍ يُمْكِنُ أن تنقضيَ فيه عدَّتُها، ويُحتمل ألا يجب في جميع الصور إلا ذلك؛ لأنَّه المتيقَّنُ.

3080 -

فرع:

قال ابن الحدَّاد: إذا مات الزوجُ في عدَّة الطلاق البائن أتمَّتها، ولم تنتقل إلى عدَّة الوفاة، فإن كانت حاملًا سقطت نفقةُ الحمل بالموت سواء جعلناها لها، أو لحملها؛ إذ لا نفقةَ للولد بعد الموت، ومؤونتُه في الحمل كأجرة الحضانة، ولا تجبُ بعد الموت.
وغلَّطه أبو عليٍّ، وقال: تجب نفقتُها دفعةً واحدةً بالطلاق، ولذلك تستحقُّ السُّكْنى بعد الوفاة اتِّفاقًا.
واختار الإمام قولَ ابن الحدَّاد؛ فإنَّ النفقة تجب يومًا فيومًا، كنفقة النكاح.

3081 - فرع: إذا قال للرجعيَّه: طلَّقتك بعد الولادة، فعليك العدَّةُ، ولي الرجعةُ، فقالت: بل قبل الولادة، فالقولُ قولُه مع يمينه، فإن حلف ثبتت العدَّة والرجعة، ولا نفقةَ لها؛ مؤاخذةً لها بقولها.
وإن قالت: طلَّقتني بعد الولادة، فقال: بل قبلها، ثبتت النفقةُ في العدَّة، وانتفت الرجعةُ باعترافه.

3082 -

باب النفقة على الأقارب

نفقةُ الأقارب مختصَّةٌ بالوالدين وإن عَلَوا، وبالأولاد وإن سَفَلُوا، وإن اختلف الذين، وانتفى الإرثُ، بشرطِ يسار الدافع، وإعسارِ الآخِذِ، وتجب فيه الكفايةُ اتِّفاقًا، وتختلفُ بالزيادة والرغابة، ويجبُ الأُدْم والكسوةُ على ما تقدَّم في نفقة الزوجة، ولا يلزمُه تمليكُ الكفاية، بل يكفيه أن يقول: كُلْ معي.
والكفاية: ما يُقِلُّ البدن، ويدفعُ الضرر في الحال والمآل، فإنْ نَقَصَه ما لا يضرُّه في الحال، لكنَّه يضرُّ في الغد، وعزم على استدراكه من الغد، لم يَجُزْ عند الإمام.
وتسقطُ نفقةُ الأقارب بمضي الزمان، وأبعدَ مَن خالف في نفقة الأطفال، وإن جعلنا النفقةَ لحملِ البائن، فلم ينفق حتى ولدت، لم تسقط إن لم نُوجبِ التعجيلَ، وإن أوجبناه فوجهان.

3083 -

فرع:

لمستحِقِّ النفقة أن يطالب بها على حدِّ طلب الديون، ويُباعُ فيها كلُّ ما يُباع في الدَّين حتى العَقار، فإن تعذَّرت عليه، فظفر بجنس الكفاية، أَخَذَها، وإن ظفر بغير الجنس فقولان، وإن اقترض على مَن تلزمُه النفقةُ؛

فإنْ قدر على إذن الحاكم لم يصحَّ، وإن عجز فوجهان.

3084 -

فرع:

لا يجب الكسبُ لوفاء الدين اتِّفاقًا، ومَن قدر على كسبِ نفقةِ نفسه، ونفقةِ قريبه؛ فإنْ قدر قريبُه على كسب نفقةِ نفسهِ، لا يجبُ الكسبُ لأجل نفقته، وإن عجز فوجهان، وفي نفقة الزوجة وجهان مرتَّبان؛ لأنَّها دَينٌ، ولذلك تجبُ مع غِنَى الزوجة بإجماع العلماء.

3085 - فرع: كلُّ ما يُباع في الدَّين فلا نفقة لمن يملكه.

3086 -

فصل في نفقة الابن البالغ

إذا أعسر الابنُ البالغ بالنفقة؛ فإن عجز عن الكسب وجبت نفقتُه، وإن قدر فقولان؛ فإنْ شَرَطْنا العجز عن الكسب لم يُشترط العَمَى، وفي اشتراط المرض اللازم مع سلامة البِنْيةِ وجهان.
قال الإمام: إذا قَدَرَ على كسبٍ لا يليقُ بمثله، كنقل القاذورات، وحَمْلِ الكُنَاسات؛ فإنْ شَرَطْنا الزمانةَ لم تجب نفقتُه، وإن لم نشرطها ففيه تردُّد.
ويُباع عبدُ الرجل في نفقة نفسه اتِّفاقًا وإن أدَّاه ذلك إلى الابتذال في الحاجات.
ومَن قدر على الكسبِ: فهل يلزمُه اكتسابُ نفقة نفسه، أو يجوز له السؤال؟ فيه وجهان.

3087 -

فرع:

إذا شرطنا العجز عن الكسب، فقدر على كسب بعض القوت، استحقَّ بقدر ما عجز عنه.

3088 -

فصل في نفقة الأب

إذا أَعْسرَ الأبُ؛ فإن عجز عن الكسب وجبت نفقتُه ونفقةُ زوجته، وكذا إن قدر على المذهب، وقيل: فيه القولان، فإنْ شَرَطْنا العجز، فاحتاج إلى العفَّة، وقدر على النفقة وحدها، وَجَبَ إعفافُه على الأصحِّ، ولا تجبُ النفقة إلا لزوجةٍ واحدةٍ؛ فإنْ كان له زوجتان دفع إليه نفقةً واحدةً؛ ليفضَّها عليهما، وليس للابن تعيينُ إحداهما، وأبعدَ مَن قال: لا نفقةَ لواحدةٍ منهما.

3089 -

فصل في نفقة الابن الصغير

إذا كان الطفل معسرًا وجبت نفقتُه وإن قدر على الكسب اتِّفاقًا، وهذا مشكِل؛ لجواز تعليمه الحِرَفَ اتِّفاقًا، فإذا رأى الأبُ المصلحةَ في استكسابه لم يَبْعُدْ جوازُه، وكيف يجوزُ تضييعُ منافع المراهق مع أنَّ المصلحة في استكسابه؟ ! ومنع بعضُ الأصحاب من إلزامه بالاكتساب، وهذا لا يتَّجه إلا فيمَن لا يليقُ بمثله الكسبُ، ويلحقُه منه مَعَرَّةُ العمر، فإنَّ النظر لمثْل هذا أن لا يعلم الحِرَفَ، فيجب أن يُحْمَل ما ذكره الأصحابُ على أنَّ الصبيَّ لو امتنع من

الكسب عاصيًا لم تسقط نفقتُه بذلك، بخلافِ امتناع البالغ.

3090 -

فرع:

إذا تعذَّرت نفقةُ الطفل بغَيبة الأب، أو امتناعٍ منه في الحضور، فللأمِّ أن تأخذها من ماله؛ لقصَّة هندٍ، وأَبعدَ مَن شَرَطَ إذنَ الحاكم، فإن كان للطفل مالٌ فأَخْذُها منه كأخذها من مال الأب عند الإمام، ومهما تمكَّنت من الأخذ من الأب فالوجهُ ألا تستبدَّ بالأخذ.
وإن اقترضت على الأب؛ فإن شرطنا إذنَ الحاكم في الأخذ، لم نجوِّز القرض إلا بإذنه، وإن لم نشرطه فوجهان، فإن لم تجد مُقرِضًا، فأنفقت من مالها؛ فإن قصدت التبرُّع لم ترجع، وإن لم تَقْصِدْه فوجهان مرتَّبان على الاقتراض، وأولى بالمنع؛ لاتحاد المُقْرِض والمقترِض، فإن قلنا: ترجع، فقد شرط الإمام أن تَقصد الرجوع عند الإنفاق.

3091 - فرع: لا تجب النفقةُ على البعيد مع وجود القريب، فإنْ كان الأبُ والجدُّ موسرَيْنِ فالنفقةُ على الأب، فإن غاب، وقدر الحاكم على الاقتراض عليه، لزمه ذلك، ولم يَجُزْ له إلزامُ الجدّ بالنفقة، وإن عجز عن القرض، أو لم يتفرَّغ له، أو لم يكن حاكمٌ، وجبتِ النفقةُ على الجدِّ، ولا يُنفقُ عليه من بيت المال، فإنْ أنفق الجدُّ بإذن الحاكم، فإن شَرَط الرجوعَ رجع، وإن استقلَّ بذلك ناويًا للرجوع، فإن قدر على الحاكم لم يرجع على المذهب، وإن عجز فوجهان.

3092 -

فصل في احتياج الآباء والأمهات مع يسار الأولاد والأحفاد

إذا افتقر الآباء والأمَّهات مع يسار الأولاد والأحفاد، فهل تجبُ النفقة على الوارث، أو الأقرب؟ فيه طريقان: أصحُّهما: أنَّ التقديم بالقرب، فتلزمُ القريبَ المحرومَ دون البعيد الوارِثِ، فإن استويا في القربِ ففي التقديم بالإرث وجهان، وإن استويا في القرب والإرث، فهل يُسوَّى بينهما، أو يُوزَّع على قدر الإرث؛ فيه وجهان، وإن استويا في الإرث والقرب، أو استويا في القُرْبِ مع انتفاءِ الإرثِ، ففي تقديم الذَّكَرِ وجهٌ غريب؛ لقدرته على الكسب.
وإن قدَّمنا بالإرث فالنفقةُ على البعيد الوارِثِ دون القريب المحروم، فإن استويا في الإرث قُدِّم بالقرب اتِّفاقًا، وإن استويا في القرب مع الحرمان، أو الإرثِ، فالنفقةُ عليهما، وعلى الوجه الغريب: يُقدَّم الذَّكر، وفي ذلك صور: الأولى: إذا اجتمع الابنُ والبنتُ قُدِّم الابنُ على الوجه الغريب، وعلى المذهب: يجبُ عليهما، وفي التوزيع على الإرث الوجهان.
الثانية: بنتُ بنتٍ، وابنُ ابنٍ، إن قدَّمنا بالذكورة أو الإرث فالنفقةُ على ابن الابن، وإن قدَّمنا بالقرب ففي تقديمه لأَجْلِ إرثه وجهان.
الثالثة: بنتُ بنتٍ، وابنُ ابنِ ابنٍ، إن قدَّمنا بالقرب فالنفقةُ على بنت البنت، وإن قدَّمنا بالإرث فالنفقةُ عليه.
الرابعة: بنتٌ، وبنتُ ابنٍ، فالنفقةُ على البنت اتِّفاقًا؛ للقُرب والإرث.

الخامسة: بنتُ بنتٍ، وابنُ بنتٍ، فهما سواءٌ على المذهب، وعلى الوجه الغريب: يُقدَّم الذكر.

3093 -

فصل في احتياج الأولاد مع يسار الآباء والأجداد

إذا احتاج الأبناءُ والأحفادُ مع يسار الآباء والأجداد، فنفقةُ الصغير على الأب اتِّفاقًا، وكذا البالغُ على النصِّ، وقيل: تجبُ نفقةُ البالغ على الأب والأمِّ، وهل يُسوَّى بينهما، أو يجب عليها الثلث، وعليه الثلثان؛ فيه وجهان، ومتى اتَّحدت الجهةُ قُدِّم الأقرب اتِّفاقًا، فيُقدَّم الأب على الجدِّ، والأمُّ على الجدَّة.
فإن اجتمع الأجدادُ والجدَّات: فهل يُقدَّم بالقرب، أو بالأرث، أو بالولاية، أو بالذكورة مع الإرث، أو بالذكورة خاصَّة؛ فيه خمسُ طرقٍ؛ أصحُّها أوَّلُها، وأبعدُها آخِرُها.
فإن قدَّمنا بالقرب، فاستويا فيه، ففي التقديم بالإرث وجهان، فإن استويا قربًا وإرثًا، ففي التوزيع على قدر الإرث وجهان.
وإن قدَّمنا بالإرث، فالنفقةُ على البعيد الوارث دون القريب المحروم، فإن استويا قربًا وإرثًا فالنفقةُ عليهما، وإن استويا في الإرث، أو الحرمان، قُدم الأقرب.
وإن قدَّمنا بالولاية، فالنفقةُ على البعيد الوليِّ دون القريبِ الذي لا يلي، فإن لم يكن فيهم وليٌّ فهل يُقدَّم بالقرب، أو الإرث؛ فيه الطريقان، وأبعدَ مَن جعل النفقةَ على مَن يُدْلي بالوليِّ.

وإن قدَّمنا بالذكورة مع الإرث، قُدِّم الذَّكر الوارث على الأنثى الوارثة وعلى الذَّكر المحروم، فإن اجتمع ذكرٌ محرومٌ، وأنثى وارثةٌ، قُدِّم الأقربُ، فإن استويا، فالنفقةُ عليهما، ويجبُ طردُ هذه الطريقةِ في احتياج الآباء مع يسار الأولاد.
وإن قدَّمنا بالذكورة، قُدِّم الذكَّرُ البعيدُ المحرومُ على الأنثى القريبةِ الوارثةِ، فإن لم يكن ذكرٌ، واجتمع اثنان، قُدِّم مَن يُدْلي بالذَّكَر، وهذا ساقطٌ لا يُعتدُّ به.
وفي ذلك صور: الأولى: أبو أبٍ، وأمُّ أمٍّ: إن قدَّمنا بالقرب فالنفقةُ عليهما، وفي كيفيَّة التوزيع وجهان، وإن قدَّمنا بالإرث فالنفقةُ عليهما بقَدْرِ إرثهما، وإن قدَّمنا بالولاية أو الذكورةِ فالنفقةُ على أبي الأب.
الثانية: أبو أب، وأمٌّ: إن قدَّمنا بالقرب فالنفقةُ على الأمِّ، وإن قدَّمنا بالإرث فالنفقةُ عليهما بقَدْرِ إرثهما، وإن قدَّمنا بالولاية أو الذكورةِ فالنفقةُ على الجدِّ، وقيل: يُقدَّم الجدُّ على قولي قديمٍ، ولم يصحَّ نقلُه.
الثالثة: أبو أبٍ، وأبو أمٍّ: إن قدَّمنا بالقرب فالنفقةُ عليهما إن لم نقدِّم بالإرث، وإن قدَّمنا بالإرث، أو الولاية، أو الذكورة، فالنفقةُ على أب الأب.
الرابعة: أمُّ أبي الأب، وأبو أمِّ الأمِّ: إن قدَّمنا بالقرب، ولم نرجِّح بالإرث، فالنفقةُ عليهما، وإن رجَّحنا بالإرث فالنفقةُ على أمِّ أبي الأب، وإن قدَّمنا بالذكورة فالنفقةُ على أبي أمِّ الأمِّ.

3094 -

فصل في الاحتياج مع يسار الأصول والفروع

إذا احتاج الولدُ مع يسار أصوله وفروعه ففيه الطرقُ الشائعةُ من غير فرقٍ، إلّا أنَّا نَزِيدُ هاهنا تقديمَ الولد؛ لتأكُّدِ حقِّ الوالد، فإذا اجتمع الأبُ والابنُ فهل نسوِّي بينهما، أو يُقدَّم الأب استصحابًا لنفقةِ الصغر، أو يُقدَّم الابن لتاكُّد الحقِّ عليه؟ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، فإن قلنا بالتسوية ففي التوزيع على الإرث الوجهان.
وإن اجتمعت الأمُّ والابنُ: فهل يُقدَّم الابنُ، أو تجري الأوجه الثلاثة؟ فيه طريقان.
وإن اجتمع الأبُ وابنُ الابن؛ فإن قدَّمنا بالقرب أو الاستصحاب فالنفقةُ على الأب، وإن قدَّمنا بتأكُّد الحقِّ فالنفقةُ على ابن الابن.
وإن اجتمع الابنُ والجدُّ الأعلى؛ فإنْ قدَّمنا بالقرب، أو بتأكُّد الحقِّ فالنفقةُ على الابن، وإن قدَّمنا بالولاية فالنفقةُ على الجدِّ، وإن قدَّمنا بالإرث فالنفقةُ عليهما بقَدْرِ إرثهما.

3095 -

فصل في اجتماع الأصول والفروع مع ضيق النفقة

إذا ضاقت النفقةُ قُدِّمت الزوجةُ على الفروع والأصول، وفيه احتمالٌ؛ فإنَّ نفقتها دَينٌ، فإنْ فَضَلَ عن الزوجة ما لا يكفي الأصولَ والفروعَ، فكلُّ مَن ألزمناه بالنفقة في الصور السابقة فهو أحقُّ بالنفقة، إلّا إذا قدَّمنا ثَمِّ بالذكورة، ورجَّحنا بها، فنقدِّم هاهنا بالأنوثة، ونرجِّح بها؛ لأنَّها مَظِنَّةُ الضعف، فتُقدَّم الأمُّ بالنفقة على الأب على رأي، ويستويان على آخَرَ، وإذا وزَّعنا على الإرث

في الصور السابقة سوَّينا هاهنا على قول الجمهور؛ للاستواء في الحاجة، ويُحتمل إجراؤه على الخلاف، وإذا أوجبنا التسويةَ، فكان الفاضلُ لا يَسُدُّ مِن كلِّ واحدٍ مَسَدًّا، أُقرع بينهم عند الإمام، وإن سَدَّ مِن كلِّ واحدٍ منهم مَسَدًّا، قُسِّم بينهم.

3096 -

فصل في رضاع الولد

إذا طلبت الأمُّ إرضاع الولد تبرُّعًا، أو بأجرةِ مِثْلِها؛ فإنْ لم تكن مشغولةً بحقِّ الزوج فهي أحقُّ به، إلّا إذا طلبت أجرةَ المثل مع وجود متبرِّعةٍ بالرضاع، أو مسامِحةٍ بالأجرة، ففي تقديم الأمِّ بأجرة المثل قولان؛ لملاءمة لبنها لولدها، ومزيدِ شفقتها، وليس لها طلبُ الزيادة على أجرة المِثْلِ اتِّفاقًا.
وإن امتنعت من الإرضاع، فلم نجد غيرها، وخِيفَ على الصبيِّ التلَفُ، أو ما يُوقِع في التلف، لزمها إرضاعُه، والأجرةُ على الأب اتِّفاقًا، وإنْ وُجِدَ غيرُها لم يَلْزَمْها الرضاع، وعليها سَقْيُه اللِّبأ بالأجرة إن كان له أجرةٌ.
وإن كانت مشغولةً بحقِّ الزوج، فطلبت الرضاع، وطلب الزوجُ الاستمتاعَ في أوقات الرضاع، فله ذلك عند الجمهور، وفيه وجهٌ، وقال الإمام: له المنعُ إن كان الولدُ لغيره، وإن كان له ففيه هذا الخلافُ، ويُمْكِنُ بناؤه على الخلاف في وجوب الأجرة مع وجود المتبرِّعة، فإنَّ ما يتعطَّل عليه من الاستمتاع لمصلحة الولد بمثابةِ بذلِ الأجرة لإصلاحه.

3097 -

باب أيُّ الوالدين أحق بالولد

1 للولد حالان: إحداهما: ألا يميِّز، فحضانتُه لأمِّه اتِّفاقًا، بشرط العقلِ، والعزوبة، والأمانة، والحُريَّة، والإسلام، فلا حضانةَ لرقيقةِ وإنْ رضي المالكُ، ولا لكافرةٍ على مسلمٍ، خلافًا للإصطخريِّ، ولا لفاسقةٍ، ولا لمنكوحةٍ وإن رضي الزوجُ الأجنبيُّ، وإن كان الزوجُ من أهل الحضانة؛ كالجدِّ والعمِ وغيرهما من حواشي النسب؛ فإنْ لم يرضَ بالحضانة فلا حضانَة للأمِّ، وإن رضي لم تسقط حضانتُها على الأصحِّ، فإنْ طُلِّقت؛ فإن كان الطلاقُ بائنًا رجعت الحضانة بالطلاق، وكذا الرجعيُّ على أظهر القولين؛ فإنَّ المعتدَّة غيرُ مشغولةٍ بالزوج، فإنْ كان مسكنُ العدَّة مختصًّا بالزوج، فله منعُ الطفل من دخوله، وإن كان لها حَضَنتهُ فيه، ولا تسقطُ نفقتُها في العِدَّة وإن حَضَنته بغير إذنِ الزوج.
وقال أبو على: تسقطُ، كما لو حَضَنته في صُلب النكاح.
وغلَّطَه الإمام، وقال: لو اشتغلت المنكوحةُ في غيبة الزوج بحضانةِ، أو حرفةٍ لو تعاطتها في الحضور لكانت ناشزةً، لم يثبت حكمُ النشوز، بخلافِ مفارقة المسكن في الغَيبة، فإنَّه مخالفٌ لغرض الزوج في الحضور والغَيبة.

الحال الثانية: أن يبلغ الغلامُ أو الجاريةُ حدَّ التمييز، فيُخيَّر بين أبويه، فإن اختار أحدَهما سُلِّم إليه، وسواءٌ تقدَّم التمييزُ على سبع سنين، أو تأخَّر عنها، فإن اختار أحدهما، ثم اختار الآخَرَ، وتكرَّر ذلك منه بحيث يدلُّ على خَبَلِ عقله، استمرَّت حضانةُ الأمِّ، وإن لم يدلَّ على ذلك، بل كان شوقًا إلى كلّ واحدٍ منهما، لم يَبْطُلْ خيارُه عند الإمام بشرط ألا تتعطَّلَ أركانُ الحضانة بالتردُّد بينهما.
وإن خيِّر، فسكت، لم تسقط حضانةُ الأمِّ عند الإمام.
وإن لم يميِّز، أو بلغ مجنونًا، أو مُخبَّلًا، استمرَّت حضانة الأمِّ إلا أن تعجز عن حفظه، فتنتقلُ الحضانةُ إلى الأب، فإنَّا لا نُقدِّم بالحضانة من لا تتصوَّر منه، فإنَّ الحضانة: هي القيام بحفظ الولد، وإصلاحه، ووقايته من أسباب الهلاك، فلا تثبت لمَن لا يستقلُّ بذلك.
وإن بلغ الابن رشيدًا، استقلَّ بنفسه من غير مراقبةٍ، وإن بلغت البكرُ رشيدةً، فإن كانت ظاهرةَ الأمانة فلا اعتراضَ للعصبات عليها، والأصحُّ أنَّ للأب والجدِّ إسكانهَا حيث يستَصْوِبان، وقيل: لها أن تسكن حيث شاءت، وإن كانت البنتُ مأمونة فلا اعتراض عليها للأب والجدِّ، ولا لغيرهما من العصبات، فإن كانت تُزَنُّ بِرِيْبَةٍ 1 فللأب والجدِّ والعصبة تحصينُها في مسكنٍ يتيسَّر عليهم مراقبتُها فيه؛ دفعًا للعار، كما يدفعون عار التزُّوج بغير

الكفء، وإن ادَّعى الوليُّ الريبةَ، ولم يُقِم البيِّنة، ففي قبول قوله احتمالٌ.

3098 -

فصل في السفر بالولد

إذا ثبتت الحضانةُ للأمِّ، فأراد الأبُ السفر؛ فإن كان لنزهةٍ، أو تجارةٍ، لم يملك أخذَ الولد وإن طال سفرُه إلى حدٍّ يُنسَى في مثله نسبُ الولد، وخالف أبو محمد في السفر الطويل إلى هذا الحدِّ، وإن كان السفرُ، للنُّقْلة، والاستيطان؛ فإنْ سافرت معه لم يملك أخذَه؛ وإن أقامت فله أخذُه؛ حفظًا لنسبه إن بلغ السفرُ مرحلتين، وإن نقصَ عنهما لم يأخُذْه؛ لأنَّ النسب لا يندرِسُ مع قُربِ المسافة، ودلَّ كلام بعضهم على جواز أخذه، ويمكنُ تعليلُه بانقطاع الأب عن تأديبه وإصلاحه.

3099 -

فرع:

ليس للأب أن يَكِل الولد إلى الأمِّ فيما لا تستقلُّ به، كالتأديب، والحملِ إلى المكتب، وتعليمِ الحرفة، ولو اختار المميِّز الأب، لم يَمْلِكْ قطعَ الأمِّ عنه؛ لِمَا فيه من الضرر، قال عليه السلام: "لا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا" (1).

3100 -

فصل في ازدحام النساء على الحضانة

تُستَحقُّ الحضانةُ بالقرابة مع المَحْرميَّة أو العصوبة، وفي القرابة من1

جارٍ التحميل