الغاية في اختصار النهايةصفحات 66-105

ترجيلًا، جاز في غير الرأس، وألحق ما تلفُّه على يديها بالقفَّازين إِن منعنا التغليفَ.

971 -

باب ما يجتنب المحرِم من الطيب واللباس

يختصُّ الرجل بتحريم كلِّ ملبوس يُحيط إِحاطةَ المخيط سواء كانت الإِحاطةُ بالخياطة أو السرد؛ كالدرع، أو بسبب آخر، وذلك كالقُمُص 1 والسراويلات، والخِفاف، والمُفرَّجات، وكذلك الشُّمُشْك 2 على الأظهر وقول الأكثر، ويجب الفديةُ بلبس القباء؛ وإِن لم يدخل يديه في كُمَّيه.
ولو التحف بقباء أو مُفرَّج؛ فإِن أخذ من بدنه ما يأخذُ من بدن اللابس؛ بحيث لو قام لاستمسك، وجبت الفديةُ، وإِلَّا فلا.
ولا بأس بالالتحاف بالجباب، ولا بالتوشح، والالتفاف بالقمص والسراويلات؛ إِذ لا إِحاطةَ.
ولو عقد إِزاره، أو عقد أحدَ طرفي ردائه بالآخر، أو عقد أحدَ طرفي ردائه بإِزاره، أو اتَّخذ لإِزاره حُجْزَةً فيها تِكَّة، فلا بأس بذلك كلِّه.
ولو شدّ إِزاره بشَرَج وعُرًى، ثمَّ أحاط به إِحاطةَ المخيط، حرم عند العراقيِّين، وهو الظاهر، وتردَّد فيه أبو محمَّد.

وإن جعل الشرجَ على طرف الرداء بحيث لا ينتظم انتظامَ الخياطة، جاز عند الإِمام؛ اعتبارًا بالعقد، وطرد الجواز في كلِّ ما أشبه العقد، وخرج ما يشبه الخياطة على رأي العراقيِّين، وتردُّدِ أبي محمَّد.

972 -

فرع:

لو شقَّ الإِزار من ورائه، وجعل له ذَيْلين، وعَقَد طرفي كلِّ واحد منهما على ساقه ملفوفًا به، فقد منعه العراقيُّون كالسراويل، وخالفهم الإِمام.

973 - فرع: من لم يجد الإِزارَ، وأمكنه أن يفتقَ السراويلَ، ويتخذ منه إِزارًا سابغًا، فليفعل؛ فإِن لم يحصل منه إِزارٌ سابغ، أو ضاق الوقتُ عن ذلك، فليلبس السراويلَ، ولا يلزمه رفعُ ساقيه إِلى ركبتيه، وإِن رفعه عن سُرَّته، فقد منعه الإمام.

974 - فرع: وله أن يلبسَ النعلَ وإن عُرِّض شِسْعُه وشراكه؛ فإِن لم يجد نعلين، فله لبس الشُّمُشْك، أو يقطع الخُفَّين أسفلَ من الكعبين، ويلبسهما، ولا فديةَ عليه.

975 - فرع: لبس القفَّازين محرَّم على الرجال، وفي النساء قولان، ولعل أصحَّهما الجوازُ؛ للاتِّفاق على جواز تغطية أكفِّهنَّ بأكمامهنَّ، ولو اتَّخذ الرجل للحيته غلافًا كالخريطة، ففيه تردُّد، وإن اتَّخذه لسائر أعضائه 1، ففيه تردُّد لأبي

محمَّد، وقطع الإمامُ بجوازه؛ لأنَّه (1) غيرُ معتاد، بخلاف القفَّازين وغلاف اللحية؛ إِذ المقصودُ إِنَّما هو الخروجُ عن الزيِّ المعهود في اللباس، ولا يحرم على المرأة لبسُ المخيطات؛ كالقُمُص، والخِفاف، والسراويلات.

976 -

فصل فيما يتعلَّق به الكفَّارات من المحظورات

محظوراتُ النسك: إِتلافٌ، واستمتاع.
فالإتلافُ: الجنايةُ على الصيد، وعلى أطرافه، والحَلْقُ، والقَلْم.
والاستمتاعُ: كالدهن، والطيب، واللباس.
فمن تعمَّد شيئًا من ذلك لزمته الكفارة، وإن نسي فلا كفَّارةَ عليه في ضُروب الاستمتاع، وفي الإتلاف قولان أظهرُهما الوجوبُ.
ولو فرِّق بين إتلاف الصيد والحلق والقَلْم، لكان متَّجهًا؛ إذ الغالبُ عليهما الاستمتاعُ.

977 -

فصل فيما تتعدد كفارته من الاستمتاع

إِذا اتَّحد نوعُ الاستمتاع؛ فإِن اتَّحد المكان، واتَّصل الزمان، كما لو لبِس القميصَ والعِمامةَ والسراويل في مكانٍ واحد على التواصل المعتاد، اتَّحدت الكفَّارة، ولا نظرَ إِلى طول الزمان في لبس الخفِّ، وتكوير العمامة،1

ومضاعفة القمصان.
وإن تعدَّد اللبسُ والمكان، أو اتَّحد المكان، وتقطَّع الزمان تقطُّعًا زائدًا على المعتاد، ففي تعدُّد الكفَّارة قولان إِلَّا أن يتخلَّل التكفير، فيتعدَّد قولًا واحدًا إِلَّا أن ينويَ بالتكفير الماضيَ والمستقبلَ، ففي إجزائه عن المستقبل وجهان؛ فإِن قلنا: لا يجزئه، تعدَّدت الكفَّارة، وإِن قلنا: يجزئه، ففيه القولان، والقياسُ: التعدُّدُ.

978 -

فرع:

لو تخلَّل التكفيرُ في لبس متواصل، ففي التكفير عمَّا بعد التكفير وجهان، وإِن اختلف نوعُ الاستمتاع؛ كالطيب، واللبس، والادِّهان؛ فإِن اتَّحد الزمانُ والمكان، فوجهان مرتَّبان على تعدُّد الزمان والمكان في النوع الواحد، وهذا أولى بالتعدُّد.

979 - فرع: اتِّحاد العُذْر هل يمنع من التعدُّد؟ فيه وجهان.

980 -

فصل في تعدُّد كفَّارة الإتلاف

تتعدَّد الكفَّارة في إتلاف الصيد وتفويت أجزائه، وأمَّا الحلق والقَلْم: فله حالان: أحدهما: أن يتَّحد نوعُه، فإِذا حلق رأسَه، أو ثلاثَ شعرات منه، فالواجب كفَّارة واحدة إِن اتَّحد الزمان والمكان، وإِن حلق رأسَه في دَفَعات،

فقولان مرتَّبان على الاستمتاع، وأولى بالتعدُّد.
قال الإِمام: لو حلق رأسه مرَّتين وتخلَّلهما نبات، فلا شكَّ في التعدُّد.

981 -

فرع:

لو حلق ثلاث شعرات في أمكنة أو أزمنة، فلا أثرَ لذلك إِن جعلنا في كلِّ شعرةٍ ثلثَ دم، وإِن جعلنا في كلِّ شعرة مدًّا، بُني على القولين في التعدُّد عند اختلاف الزمان أو المكان؛ فإِن قلنا بالتعدُّد، لزمه في كلِّ شعرةٍ مدٌّ؛ لأن كلَّ شعرة منقطعة عن غيرها، وإن قلنا بالاتِّحاد، لزمه دمٌ.
الحال الثانية 1: أن يتعدَّد نوعُ الإتلاف؛ كالقَلْم والحِلاق، أو يجتمع استمتاعٌ وإِتلاف، فتتعدَّد الكفَّارة بلا خلاف إِلَّا أن يتَّحد السبب، ففيه وجهان، والأكثرون على التعدُّد؛ مثل أن يحتاجَ بسبب شَجَّة إِلى حلق رأسه، وشدِّ الشجة بضماد فيه طِيب، فهذا ستر وتطيُّب وحلق، ففي اتِّحاد كفَّارته الوجهان.

982 - فرع: لو حلق شعرَ رأسه وبدنه متواصلًا، فالكفَّارة واحدة، وأبعد مَنْ أوجب كفارةً لرأسه 2 وأخرى لبدنه، وكذلك [أبعد من ذكر وجهين في الأخذ] 3 من ثلاثة مواضع مختلفة على البدن مع اتحاد الزمان والمكان 4.

983 -

فرع:

الجماع ملحق بالقَلْم أو الاستمتاع؟ فيه قولان، وأيُّهما أُلحِق به جرى عليه حكمُه.

984 -

فصل في استعمال الطِّيب

استعمال الطِّيب محرَّم على المُحْرِم إجماعًا.
ولاتِّصال الطِّيب بالمُحْرم ثلاثةُ أحوال: الأولى: أن يعبقَ عينُه بثيابه أو بدنه، فتجب الفديةُ وإن لم يكن معتادًا، كما لو داسه بعقِبه، أو أكل طعامًا مطيَّبًا.
الثانية: أن يتَّصل به ريحُ الطيب دون عينه، فلا تجب الفديةُ إِلَّا فيما كان معتادًا؛ كالاحتواء بثيابه على مِجمَرة الطيب، فلو جلس عند الكعبة وهي تُجمَّر، فناله من طيبها ما يناله بالتبخُّر، أو جلس عند العطَّارين، أو في بيت تجمَّرَ أهلُه، فلا بأسَ بذلك كلِّه.
الثالثة: أن يتَّصل بعين 1 الطيب، فتعبق به ريحُه دون عينه؛ فإِن كان العبوق غالبًا، وجبت الفديةُ؛ كما لو شَدَّ على طرف ثوبه مسكًا، وإِن لم يغلب العبوق، كما لو مسَّ طِيبًا يابسًا، أو شدَّ عودًا على طرف ثوبه؛ فإِن لم يعبق به ريحه، فلا فدية؛ لأنَّه غير معتاد، وإن عبقت، فقولان ينظر في أحدهما إِلى مباشرة عين الطيب، وفي الآخر إِلى عدم الاعتياد.

ولو قصد أن يحتف به أجرام (1) الطيب؛ ليستروح (2) إِلى ريحها، فلا بأس، ولا فدية، بخلاف التبخُّر؛ فإِن البخارَ من جملة أجزاء الطيب.

985 -

فصل في الجاهل بتحريم الطيب

مَنْ جهل تحريمَ الطيب فلا فديةَ عليه، وإِنْ علم التحريمَ وجهل وجوبَ الفدية، وجبت الفديةُ (3)، وإن جهل كونَ الممسوس طيبًا، فوجهان، وإِن علم أنَّه طِيب وظنَّه يابسًا؛ فإِذا هو رَطْبٌ، وجبت الفديةُ على الأصحِّ، ولو جهل تحريمَ الكلام في الصلاة، أو الأكل في الصيام، لم تبطل صلاتُه ولا صومُه.

986 -

فصل في غسل الطِّيب

إِذا عبق بالمحرم الطيبُ بغير صنعه، لزمه السعيُ في إِزالته، ويُعفى عمَّا تدعو إِليه الحاجةُ من مباشرة الإزالة، فإِن كان معه ما لا يكفيه لوضوئه وغَسلِ الطيب، غَسَل الطيبَ، وتيمَّم، إِلَّا أن يمكنَه إِزالةُ الطيب بغير الماء، فيزيله ويتوضَّأ؛ فإِن أمكنه أن يجمعَ غُسالة الوضوء، ثمَّ يزيل بها الطيبَ، فهذا هو الوجهُ عند العراقيِّين، وفيه نظرٌ من جهة أنَّ الإِزالةَ على الفور؛123

فإِذا قدَّم الوضوء عليها فقد أخَّرها (1).

987 -

فصل في افتراش المطيَّب

إِذا جلس على فراش مطيَّب، فباشره ببدنه أو ثيابه، لزمته الفديةُ؛ لأنَّ ذلك عادةُ المترفين في الغطاء والوِطاء، فإِن بسط عليه ثوبًا فإِن كان صفيقًا يحول بينه وبين الريح، جاز، وإِن كان خفيفًا لا يمنع الريحَ، كُره ولا فدية، وفيه احتمال.

988 -

فصل في الادِّهان

لا يحرم الدُّهن إِلَّا في شعر الرأس واللحية، ولا بأس بادِّهان الأقرع الذي لا يرجو نباتَ الشعر، وكذلك المحلوق على أقيس الوجهين، ولا بأس بغسل شعر الرأس واللحية بالسِّدر والخِطْمِيِّ وكلِّ غاسول يُستعمل في غَسل الرأس.

989 - فرع: قال أبو محمَّد: لا ينبغي أن يَفْلِيَ المحرمُ رأسَه، ولا أن ينحِّيَ هوامَّه، وهذا ممَّا انفرد به، وخالفه الإمامُ، وقد قال الشافعيُّ رحمه الله في القملة لو نحَّاها: افتدى، وحكى أبو محمَّد في وجوب الافتداء وجهين.1

###: (فرع: قال أبو محمد: لا ينبغي أن يفلي... ) المذكور بعد نصف صحيفة تقريبًا.

ولا يُكره اغتسال المحرِم على الجديد، وكرهه في القديم إِلّا لحاجة ماسَّة، ولا بأس بلبس الهِمْيان (1) والمِنْطَقة، ولا بالاكتحال ما لم يكن طيب.

990 -

فصل في إِزالة الشعر بالحَلْق وغيره

إِزالة الشعر بالحَلْقِ وغيرِه من أسباب الإِزالة حرامٌ في الإحرام، وتكمل الفديةُ بحلق ثلاث شعرات على الاتِّصال، وفيما دون الثلاث أقوال: أحدُها: يجب بكلِّ شعرة ثلث دم.
والثاني: مدٌّ.
والثالث: درهم.
والرابع: دم كامل (2). والأوَّل [أصحُّ] (3)، [و] هو القياس، والرابع بعيدٌ غريب (4).

991 -

فرع:

لو تأذَّى بشعرة في باطن جفنه، أو بظفر منكسر، فقلعهما، فلا فديةَ عليه؛ اعتبارًا بقتل الصائل من الصيد، وأبعد من خرَّجه على القولين في وطء1234

الجراد إذا عمَّ الطرقَ والمسالك.
ولو حلق لتضرُّره بالوسخ أو الهوامِّ، وجبت الفديةُ.

992 -

فصل في فدية الحلق والقلْم

إِذا حلق أو قلم بعُذْر أو غير عذر، لزمه شاةٌ، أو إِطعامُ ثلاثة آصُع لستَّة مساكين، أو صوم ثلاثة أيَّام.

993 -

فصل في حلق الحلال شعرَ الحرام

للمحرم أن يحلقَ شعرَ الحلال، وليس للحلال حلقُ شعر الحرام 1 وإِن أذن فيه إِلَّا أن يكون معذورًا؛ فإن حلقه بإِذنه، فالفديةُ على الحرام قرارًا ووجوبًا، وإن حلقه مكرَهًا أو نائمًا أو مجنونًا، فالفديةُ على الحلال اتِّفاقًا، وهل يلقى وجوبَها المحرمُ، ثمَّ يتحمَّلها الحلال؟ فيه قولان.
وإن حلقه وهو ساكت، فهل يلحق بالنائم أو الآذن؟ فيه وجهان، وإِذا قلنا: الوجوبُ لا يلقى الحرام، فله مطالبةُ الحلال اتِّفاقًا، وإِذا أخرج الحلالُ الفديةَ؛ فإِن جعلناه أصلًا، تخيَّر بين الخصال الثلاث، وإن جعلناه حميلًا، فلا يمكن تحمُّل الصوم، ويبعد أن يقصر تخيره 2 على الدم والإِطعام،

ويبعد إلزامُ المحرم بالصوم، فالوجه أن يقال: إِن صام الحرام، بَرِئ الحلال، وإِن أطعم، رجع على الحلال، بخلاف التحمُّل في وِقاع رمضان؛ إِذ لا تراجعَ فيه.

994 -

فرع:

لو قطع عضوًا عليه شعر، أو كشط جلد رأسه، فلا فديةَ عليه.

995 - فرع: إِذا امتشط، فسقطت شعرات؛ فإِن علم أنَّه نتَفَها، وجبت الفديةُ، وإِن علم أنَّها كانت منتتفةً، فانسلَّت بالمشط، فلا فديةَ، وكذلك إِن أشكل الأمرُ على أقيس القولين.

996 -

فصل في بيان الطيب

كلُّ شيء ظهر منه قصد التطيُّب، أو كان مقصوده الأظهرُ التطيُّبَ، فهو الطيب المحرَّم، وما كان مقصوده الأظهرُ الأكلَ تفكُّهًا أو تداويًا؛ كالتفاح والسفرجل، والنارنج، والأترجِّ، والدَّارصيني 1 والقرنفل، فليس بطيب، وكذلك البان ودهنه، وما لا يُستنبت من الأزهار الطيبة في البوادي؛ كالشِّيح والقيصوم، وأبعد من اعتبر عادةَ كلِّ ناحية فيما يتَّخذونه طيبًا، ولا خلاف أنَّ المطعومَ في بعض الأقطار مطعومٌ في باب الربا، وأما الورد والوَرْس والزعفران: فكلُّها طيب، وكذلك الضَّيْمران على أصحِّ القولين، وهو الريحان

الفارسيُّ، وفي البنفسج اختلاف نصٍّ، وللأصحاب فيه وفي دهنه طرقٌ: إِحداهنَّ: أنَّهما طِيْبان، وبها قطع الإِمام.
والثانية: قولان.
والثالثة: البنفسج طِيبٌ، وليس دهنه بطيب.
وقطع أبو محمَّد بأنَّ دهنَ الورد طيب مع التردُّد في دهن البنفسج، وسوَّى الإمامُ بينهما، والظاهر وجوبُ الفدية باستعمالهما، وخصَّ العراقيُّون الخلافَ بما إِذا أُغلي الورد أو البنفسج في الدهن, وقالوا: لو ذُرَّ البنفسجُ على السمسِم واعتُصر، فليس بطيب قولًا واحدًا.
وقال أبو محمَّد: هذا أشرفُ من المغليِّ، لأنَّ السمسمَ يتشرَّب مائيَّة البنفسج الطيِّبة، ويمتزج بها.

997 -

فصل في استعمال الطيب الذاهب الريح

إِذا زالت رائحةُ الطيب على وجه تعود برشِّ الماء، فاستعماله حرامٌ، وإِن لم تعد بالرش، فلها أحوال: الأولى: أن يزولَ الطعم والريح دون اللون، ففي جواز استعماله وجهان، وقطع الإِمامُ بالجواز.
الثانية: ألَّا يبقى إِلا طعمُه، فلا عبرةَ به.
الثالثة: أن يبقى لونُه وطعمه، فقد قطع العراقيّون بمنعه، وألحقه الإمامُ ببقاء اللون وحدَه، ولو انغمر قليلُ الطيب بما ليس بطيب، واستعمل منه

ما يُتيقَّن اشتمالُه على شيء من الطيب، ففي جواز استعماله وجهان.
ولو لم ينغمر إِلَّا ريحُه، وظهر لونُه وطعمُه، ففيه احتمال عن بعضهم، والظاهر عنده المنع، ولذلك قال الشافعيُّ رحمه الله: إِن كان الخبيصُ بحيث يصبغ اللسانَ، لزمت الفديةُ بتناوله، وإِن زالت رائحةُ الزعفران، وهذا مؤوَّل عند الإِمام بما إِذا كانت الريحُ كامنة يُثوِّرها العلاجُ بالماء، واختيار الإِمام مُتَوجِّه في هذه الصورة، [والله تعالى أعلم بالصواب] 1، ولا فرقَ بين قليل الطيب وكثيره، ولا نقلَ فيما لا يدركه الطَّرْفُ.

998 -

باب دخول مكة

يُستحب للمحرم أن يغتسلَ لدخول مكَّة بذي طوىً؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - اغتسل بها 1، ودخل مكَّة من الثنيَّة العليا، وخرج من الثنية السفلى 2، ثمَّ دخل المسجدَ من باب بني شيبة 3، فإِذا دخلها القادم من أعلاها، فوقع بصرهُ على البيت عند رأس الردْم، فليقفْ عنده، وليقل: (اللهمَّ زِدْ هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومَهابةً، وزِدْ من شرَّفه وعظَّمه ممَّن حجَّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا، اللهمَّ أنت السلام ومنك السلام، فحيِّنا ربَّنا بالسلام) 4، ويدعو بمصالح الدنيا والآخرة، وأهمُّها طلبُ المغفرة.

ويُستحبُّ أن يدخلَ المسجدَ من باب بني شيبة، ولا نسكَ في الدخول من الثنيَّة العليا، خلافًا لأبي محمَّد.

999 -

فصل في صفة البيت، [وبيان الحجر والشاذروان بين الركنين اليمانيين]

(1) انهدم البيتُ قبل المبعث بعشر سنين، وكان لاصقًا بالأرض له بابان شرقيٌّ وغربيٌّ، فلمَّا بنته قريش رفعت بابَه؛ ليُدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من أرادوا، ولمَّا عزموا على بنائه، أَجَلُّوه أن يبنوه بأموالهم؛ لاختلاطها بالربا، فبنَوه من النذور، والهدايا الطيِّبة، فقصَّرت بهم عن إِتمامه، فأخرجوا من عَرْصته قدرَ ستِّ أذرع من جانب الحِجْر، وضيَّقوا عرض الجدار اليماني فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود، وأخرجوا من أساس الجدار على هيئة دكَّان لا عرض له، وهو الذي يُسمَّى الشاذروان.

1000 -

فصل في شرائط الطواف

الطواف بالبيت من الحجر إِلى الحجر سبع مرات ركنٌ في النسكين.1
= وأمّا قوله: "اللهمّ أنتَ السلامُ" حتى قوله: "فحيِّنا ربَّنا بالسلام"، فأخرجه البيهقي بروايتين في "السنن الكبرى" (5/ 73) عن سعيد بن المسيب مقطوعًا، وعنه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عنه موقوفًا.
وأهمل النووي رحمه الله تخريجه في: "الأذكار" (ص: 251).

وشرطُه: طهارةُ الطائف عن الحدَث والخَبَث في بدنه وثيابه ومَمَرِّه من المطاف، وأن يطوفَ على يساره خارجًا عن جميع أجزاء البيت، مبتدئًا من الحجر الأسود، محاذيًا له بجنبه (1) الأيسر؛ فإِن حاذاه ببعض جنبه، وخلَّف بعضَ الحجر وراءه، لم يصحَّ هذا الشوطُ على الأصحِّ، ولو حاذى وسطه بجميع بدنه، ففيه تردُّد لأبي محمَّد، ولو طاف في الحجر أو على شيء من الشاذروان، لم يُعتدَّ بما يفعلُه بعد ذلك حتَّى يعودَ إلى مكانه من الشاذروان، وإلى مدخله إِلى الحجر، ولو نكَّس طوافه، فطاف عن يمينه، أو بدأ بغير الحجر الأسود، لم يجزه حتَّى يأتيَ الحجرَ، فيبتدئ منه الطوافَ على يساره، وإِن طاف على جدار الحجر بحيث يقع طوافُه خارجًا عن الأذرع الستِّ، كُره وأجزأه، ولو طاف وراء الشاذروان وهو يمسُّ الجدارَ بيده، لم يجزه على الأصحِّ، وهو قول الأكثرين، ولو طاف مستقبلًا بوجهه، ففيه تردُّد للقفَّال؛ والأصحُّ أنَّه لا يجزئه.

1001 -

فصل في الموالاة في الطواف

ينبغي أن يواليَ الطوافَ، ولا بأس بيسير التفريق، وفي كثيره بغير عُذْر قولان، ومع العذر طريقان: أحدهما: يصحُّ قولًا واحدًا.
والثانية: فيه القولان.1

وجعل أبو محمَّد الطواف أولى بالولاء من الطهارة، ولا فرق بينهما عند الإِمام، وكلُّ تفريق أشعر بالإضراب عن الطواف، أو بالفراغ منه، فهو الكثير، وما نقص عن ذلك فهو اليسيرُ.

1002 -

فصل في الحدث في الطواف

إِذا لم نبُطل الصلاةَ بسبق الحدث، فالطَّواف بذلك أولى، وإِن أبطلنا الصلاةَ بالسبق، ففي الطواف قولان، فإِن أبطلناه وجب استئنافُه، وإِن لم نبطله خرج وتطهَّر، وبنى كما يبني على الصلاة، ولا بأسَ بهذا التفريق وإِن كان في التفريق بالعُذْر قولان، وإِذا أبطلنا الطوافَ بسبق الحدث، فعمدُه أولى (1)، وإِن لم نبطله [بالسبق] (2)، ففي العمد وجهان، ولا يعتدُّ بما يقع في زمان الحدث، فإِن طال زمانُ الحدث فهذا تفريق، وإِن قصر، فهل يلحق التفريق اليسير مع الحدث بالتفريق الكثير من غير حدث؟ فيه وجهان كالوجهين في تخلُّل الردّةِ في الطهارة مع قِصَر الزمان.

1003 -

فصل في بيان المطاف

محلُّ الطواف جميعُ المسجد الحرام، فلو طاف في أخريات أروقته، أو على مكانها من السطوح، أجزأه، ولو وُسِّع المسجدُ لاتَّسع المطاف،12

ولا يصحُّ الطوافُ خارجَ المسجد.

1004 -

فصل في الاستلام

إِذا بدأ بالطواف، فليستلم الحجرَ الأسود؛ فإِن زُحِم عن تقبيله، مسَّه بيده، ثمَّ قبَّلها؛ فإِن لم يمكنه، أشار إِليه بيده، ويقول عند ابتداء الطواف: بسم الله، والله أكبر، اللهمَّ إِيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتِّباعًا لسنَّة نبيِّك محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. وكلَّما حاذى الحجر الأسود قال في رَمَله: اللهمَّ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا.
وإن تمكَّن من استلام الحجر في كلِّ شَوط، فحَسَن، وفي الأوتار آكد، وكذلك إِذا أكمل الطواف، ويمسُّ الركنَ اليماني بيده، ولا يقبِّله، وهل يقبِّل يدَه، ثمّ يمسُّه أو يمسُّه ثمَّ يقبِّل يده؟ فيه وجهان ينقدحان في المزحوم عن الاستلام.
قال الإمام: ليس هذا عندي باختلاف وإِنَّما هو تخيير، ولمَّا طاف عليه السلام راكبًا، كان يشيرُ إِلى الحجر بمِحْجن في يده 1، وهذا يدلُّ على أنَّ طواف الراكب مجزئٌ لا نقصانَ فيه إِلَّا أنَّ الدابّه إِن أمن تلويثها للمسجد، فذاك، وإِن لم يؤمَن، كُره إِدخالُها المساجدَ.

1005 -

فصل في الرَّمَلان

الأولى أن يرملَ في ثلاثة أشواط من أوَّل الطواف، ويمشي على هينته في الأربعة الأُخَر.
قال الصيدلانيُّ: الرَّمَل: سرعةُ المشي دون الخَبَب, وقال بعضُهم: هو فوق سجية المشي، ودون العَدْوِ.
قال الإمام: الرمل: ضَرْبٌ من الخَبَب يشير إِلى قفزان؛ لأنَّ كلَّ ما تضطرب الحركاتُ فيه فمصدره في الغالب الفَعَلان؛ كالقَفَزان والضربان والنَّزَوان.

1006 -

فصل فيما يُشرع فيه الرمل من الطواف

لا خلافَ أنَّه لا يشرع في كل طواف، وهل يختصُّ بطواف القدوم، أو لا يشرع إِلَّا في طوافٍ بعدَه سعيٌ؟ فيه قولان، خزَجوا عليهما الرملَ في طواف العمرة؛ إِذ لا يشرعُ فيها للقدوم طوافٌ، ولا اتّجاهَ لذلك في العمرة؛ لأن الرملَ أوَّل ما شُرع في عمرة القضاء، ولأنَّ في طوافها معنى القدوم، فمن قصد السعيَ بعد طواف القدوم، رَمَلَ اتّفاقًا، [ومن قصد تأخيرَه إِلى ما بعد طواف الزيارة، فلا يرمل في الطوافين اتِّفاقًا] 1، وهل يرمل في القدوم أو في الزيارة؟ فيه القولان، ويُستحبُّ الرملُ على جميع أقطار البيت، وفيه قول أنَّه يترك الرملَ بين الركنين اليمانيِّين، ويُستحبُّ أن يجمعَ بين الرمل

والدنوّ من البيت؛ فإِن لم يمكن، فالرملُ في البُعد أولى من الدُّنُوِّ إِلَّا أن يقعَ في صفِّ النساء، فترك الرَّمل أوْلى.

1007 -

فرع:

لو ترك الرملَ في الأشواط الثلاثة، لم يقضه في الأربعة؛ إِذ لو فعل ذلك كان تاركا للسُّنتين، بخلاف الجمع بين (سورة الجمعة) و (المنافقين) في الركعة الأخيرة من صلاة الجمعة.

1008 -

فصل في الاضطباع

لا يشرع الاضطباع إِلا في طواف فيه رملٌ، ويستديمه إِلى إِتمام الطواف، وفي إِبقائه (1) إِلى إِكمال السعي خلافٌ.
والاضطباعُ: أن يكشفَ كتفَه اليمنى، ويجعل وسطَ الرداء تحتها، ويجمعَ طرفيه على عاتقه الأيسر، كدأب أهل الشطارة.

1009 -

فصل في ركعتي الطواف

إِذا أكمل الطوافَ، فليصلِّ ركعتين خلف المقام، وفي وجوبهما في الطواف الواجب قولان، وفي حسبهما من الطواف خلاف 2، ولا يحسبان من طواف الركن اتّفافا، ولا تجبان على أثر طواف التطوع، خلافًا لابن الحدّاد،1

ولا يتعيَّن لهما المسجدُ الحرام؛ فيجوز أداؤهما بعد الرجوع إِلى الوطن، والعمر وقتٌ لأدائهما؛ فإِن مات قبل فعلهما؛ فإِن أوجبناهما، لم يمتنع إِيجابُ جَبْرهما كغيرهما من الواجبات، ولا تجوز النيابةُ في شيء من الصلوات إِلَّا فيهما حيث تجوزُ الاستنابة في النسك، ولا يقوم غيرُهما من الصلوات مقامَهما إِن أوجبناهما، وكذلك إِن لم نوجبهما، خلافًا للصيدلانيِّ، فإِنَّه انفرد بإِلحاقهما بتحيَّة المسجد في إِقامة غيرهما من الصلوات مقامهما.

1010 -

فصل في طواف القدوم والزيارة والوداع

طواف الحجِّ ثلاثة أقسام: أحدها: طوافُ الركن، وشرطه أن يقعَ بعد الوقوف 1. الثاني: طوافُ الوداع، ويقع بعد الفراغ من جميع المناسك من الرمي والمبيت وغيرهما، وشرطه ألَّا يعرِّج بعدَه على شغل 2، فإِن عرَّج بطل وأعيد، وهو سنَّة مؤكَّدة، أو واجب مجبورٌ بالدم؛ فيه قولان، ومال في الجديد إِلى إِيجابه.
وللحائض أن تنفرَ بغير وداع، ولا يلزمها الدمُ، فإِن نفرت بغير وداع، ثمَّ طهرت قبل مفارقة خِطَّة مكَّة، فلترجع للوداع، وإِن استمرَّ

الحيض 1 إِلى مسافة القصر، أو نفر الرجلُ بغير وداع، وانتهى إِلى مسافة القصر، فلا رجوعَ عليهما.
ويجب الدمُ على الرجل دون الحائض، ولا يسقط الدمُ بعَوْده للوداع إِلَّا على قول غريب، فإِن عاد بنسك، وفرَّعنا على القول الغريب، كفاه وداعٌ واحد للنسكين، وقيل: لابدَّ من وداعين.
ولو جاوز الرجلُ الخِطَّة، أو طهرت الحائض بعد مجاوزتها 2، ولم يبلغا مسافة القصر، فالنصُّ أنَّه لا رجوعَ على المرأة، ولو عاد الرجل 3 لسقط الدم، (فمن أصحابنا مَن أقرَّ النصين) 4 وقال: لا عودَ على الحائض [ولا دم] 5، ولو عاد الرجلُ لسقط الدم، [وفرَّق بأن الحائضَ لم تكن من أهل الوداع، ومنهم] 6 من جعل 7 المسألتين على قولين: أحدُهما: يجب عليهما الرجوعُ 8؛ فإن لم يرجعا، استقرَّ عليهما الجُبْران 9.

والثاني: يفوت الوداع بمجاوزة الخِطَّة، ولا يمكن استدراكُه إِلَّا أنَّ الجُبْرانَ يجب على الرجل دون الحائض، والمرأة الطاهر في ذلك كالرجل؛ فإن اعتبرنا الخطَّة، فالاعتبار بمفارقة الحَرَم أو العمران؟ فيه وجهان، ولا خلاف أنَّ المكِّيَّ لو سافر، لترخَّص بمفارقة العمران.
ثمَّ الوداع من مناسك الحجِّ، وإِن وقع بعدها، وليس على كلِّ خارج من مكة وداعٌ بسبب الخروج، بخلاف الإحرام بسبب الدخول؛ [فإن السفرَ يثبت في حقِّه إِذا فارق مكَّة] (1)؛ إِذ الوداعُ مختصٌّ بالغرباء [إِلَّا أن يرجع الغريبُ إِلى مكَّة قاطنًا، فلا وداعَ عليه، ولا على المكِّي إِذا خرج وعزم على النفْر مع الغرباء] (2)، ورمز بعضُهم إِلى أنَّ المكِّيَّ يودِّع في مثل هذه الصورة إِلَّا أن يعِنَّ له ذلك بعد رجوعه إِلى مكَّة، فلا وداعَ عليه اتِّفاقًا، وإن عزم الغريبُ على أن يعرِّج بمكَّة أيَّامًا لزمه الوداعُ، وإِن عزم الإِقامة، ثمَّ نقض عَزْمَه وسافر، فلا يلزمه وداع.

1011 -

فرع:

إِذا أوجبنا طوافَ الوداع، فطاف محدثًا، فقد قال أبو يعقوب الأَبْيَورْدِيُّ: يصحُّ طوافُه ويجبر الطهارةَ بالدم، وهذا خطأ؛ لأنَّ الدمَ جابرٌ للطواف دون الطهارة.
الثالث 3: طوافُ القدوم، وهو من الحجِّ في حقِّ من يَقْدَم مكَّةَ قبل12

عرفة، فيطوف كما قَدِم، ولا يعرج قبله على شيء؛ فإِن عرَّج، ففيه تردُّد مع القطع ببطلان الوداع بالتعريج بعده، والمذهب أنَّه سنَّة، وأشار في "التقريب" إِلى احتمال إِلحاقه بطواف الوداع في الإيجاب.

1012 -

فصل في الطواف بالصبي محمولًا

لا يجب تجديدُ النيَّة للطواف، لكن إِن نوى الطائف صَرْفَ الطواف إِلى غير جهة النسك، لم يُجزه على الأصحِّ.
ولو طاف بالصبي المحرِمِ مُحِلّ، أو مُحرِلم طاف عن نفسه، وقع الطوافُ للصبيّ.
وإِن طاف به محرِمٌ لم يطف عن نفسه؛ فإِن نوى نفسَه بالطواف، أو نوى نفسَه، ونوى الصبيَّ، وقع الطوافُ عن الحامل 1 دون الصبيِّ، وإِن نوى الصبيَّ وحدَه، فطريقان: أحدُهما: لا يقع عن الصبي، وفي وقوعه عن الحامل قولان.
والثانية وهي المرضية: إِن أبطلنا الطوافَ بنيَّة الصَّرْف، وقع الطوافُ عن الصبيّ، وإن لم نبطله وقع عن الحامل.
= (الفصل رقم: 1010).

1013 -

فصل في السعي بين الصفا والمروة

إِذا صلَّى ركعتي الطواف، فليخرج من باب الصفا، وليرْقَ في درج الصفا بقَدْر قامة، فإِن لم يَرْقَ، كفاه الانتهاءُ إِلى أصل الجبل اتِّفاقًا.
والسعيُ بين الصفا والمروة ركنٌ لا يجبره الدم، وشرطه: أن يقعَ بعد طواف صحيح وإِن كان نفلًا؛ كطواف القدوم، ولا يُشترط فيه الطهارةُ، ولا السِّتارة، ولا أن يوالى بينه وبين الطواف، ولو تخلَّل فصلٌ طويل، فلا بأس ولو كان بقدْر سَنَةٍ فما زاد، وإِن تخلَّل الوقوفُ بعرفة، لم يجزه عند أبي عليٍّ.
ولو طاف للزيارة، وأخَّره عن أيَّام مِنىً، فلا بأس.
ولو سعى بعد القدوم، كُره له إِعادةُ السعي بعد طواف الزيارة؛ إِذ لا قربةَ فيه إِلَّا أن يقع ركنًا.

1014 - فصل في السعي وهو التردُّد بين الصفا والمروةِ سبعَ مرَّات، وأبعد من قال: أربعَ عشْرةَ مرَّة؛ لأنَّه عدَّ الذهابَ إِلى المروة والرجوعَ إِلى الصفا بمرَّة واحدة، ولابدَّ من ترتيبه؛ بأن يبدأَ بالصفا ويختمَ بالمروة؛ فإِن بدأ بالمروةِ، لم يُحسب حتَّى يأتيَ الصفا، فيحسبَ منه ابتداءُ سعيه، ومكانُ السعي معروف لا يُتعدَّى.

1015 -

فصل في سُنن السعي

رقى عليه السلام في الصفا بقَدْر قامة, وقال: "الحمدُ لله الذي صدق

وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" 1، وحسن أن يدعوَ الناسكُ ممَّا بدا له، ثمَّ ينزل ماشيًا على هينته حتَّى يبقى بينه وبين المِيل [الأخضر] 2 المعلَّق بركن المسجد قدْرُ ستَة أذرع، فيسعى سعيًا شديدًا لا يُبْهِره 3 إِلى أن يتوسَّط المِيلين الأخضرين اللذَينِ أحدُهما بفِناء المسجد، والآخرُ بفناء دار العبَّاس، فيمشي على هِينته إِلى أن يأتيَ المروةَ، فيرقى عليها كما رقى على الصفا، وذكر بعضُهم في السعي بين الأميال لفظَ الخَبَب، ولا يُعتدُّ بذلك.
وكان عليه السلام يقول في سَعْيه: "اللهمَّ اغفر وارحم، واعفُ عمَّا تعلم، وأنت الأعزُّ الأكرم 4 "، اللهمّ ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة

حسنة، وقِنا عذاب النار (1).

1016 -

فصل في الحِلاق

يدخل وقتُ الحِلاق في العمرة بالفراغ من السعي، والحَلْقُ في وقته نسأ، أو إِطلاق محظور؟ فيه قولان؛ فإِن جعلناه نسكًا، فلا يتعلَّق إلا بشعر الرأس، ويقف التحلُّل عليه، ويُقضى بكونه ركنًا لا يجبر بالدم اتِّفاقًا؛ فإِن تعذَّر التعرُّضُ للشعر مع وجوده، وجب الصبرُ إِلى الإِمكان، ولا يجزئه الدمُ، وإن لم يكن على رأسه شعرٌ، فلا نسكَ عليه، ولا يلزمه الصبرُ إِلى نبات الشعر، لكن يُستحبُّ له إِمرار المُوسَى على رأسه، وأن يأخذ من شعر شاربه ولحيته. كذا ذكره الشافعيُّ. ويحصل النسكُ بحلق ثلاث شعرات أو نتفها، وكذلك يحصل بشعرة واحدة إِن كمَّلنا فيها الدمَ على القول الضعيف، وإِن أخذ ثلاثَ شعرات بدفعات؛ فإِن كمَّلنا الدمَ، حصل النسكُ، وإِلَّا فلا، ولو أخذ شعره في مرَّات؛ فإِن تواصل الزمانُ، لم تُكمَّل الفدية، ولم يحصل النسك، وإن تقطع الزمان ففي تكميل الفدية، وحصول النسك وجهان.1
= قلتُ: وتورغُ العزّ عن نسبة الصحة إلى الحديث دون تَبَعٍ لإمام الحرمين = فطنة محقِّق لنصوص الكتاب رحمه الله.

وتقتصر المرأةُ على التقصير، وهو أخذُ بعض الشعر، ولا حلقَ عليها، ولو نذرته لم يلزمها؛ لأنَّه ليس بقربة في حقِّها، ولو نذره الرجل لزمه، ولا يبرأ من النذر بالتقصير، ويكفيه ما يقع عليه اسمُ الحلق، ولا يلزمه الإِمعانُ في الاستئصال، ويقرب أن يرجعَ في ذلك إِلى رؤية الشعر، ولو استأصله بالمِقَصِّ، أو نتفه، أو أحرقه، ففي إجزائه عن النذر احتمال، ولو أمرَّ الموسى ولم يستأصل، لم يسقط النذرُ على الظاهر؛ لأنَّ هذا تقصير، ولو نذر استيعابَ الرأس بالحلق، ففي وجوب الوفاء تردُّد للقفَّال، ولو لبَّدَ رأسَه، وعَقَصَه، وهذا لا يفعله إِلَّا العازمُ على الحلق، ففي تنزيله منزلةَ نذر الحلق قولان كالقولين في أنَّ التقليدَ والإشعار هل ينزل منزلةَ قوله: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً.

1017 -

فصل في خُطَب الحجِّ

إِذا لم يحضر الإِمام الحجَّ، فليقدِّم على الناس مَنْ يقوم بمصالحهم، وينبغي أن يخطبَ بهم الإِمام، أو المقدَّمُ أربعَ خُطب يعلِّمهم فيها ما يحتاجون إِليه من أمر المناسك.
الخُطبة الأولى: يومَ السابع، يحمدُ الله ويصلِّي على نبيِّه، ويحثُّهم على الخروج يومَ التروية.
الثانية: يومَ عرفة بعرفة.
والثالثة: يومَ النحر.

والرابعة: يومَ النفْر الأوَّل، وكلُّها أفراد بعدَ صلاة الظهر إِلَّا يومَ عرفة فإِنه يخطب خطبتين بعد الزوال، وقبل الصلاة، ويجعل الخطبةَ الثانية بقدْر الأذان والإِقامة، فيبتدئها مع ابتداء الأذان، ويفرغ منها مع نجاز الإِقامة، كذلك فَعَل عليه السلام، وكانت خطبتُه في مسجد إبراهيم (1).

1018 -

فصل في الوقوف بعرفة

الوقوف بعرفة أعظمُ أركان الحجِّ، ووقته من الزوال يوم عرفة إِلى طلوع فجر يوم النحر، فلو وقف بالليل دون النهار، أجزأه، وأبعدَ مَنْ ذكر قولين، ولو وقف نهارًا، وأفاض قبل الغروب، أجزأه وفي لزوم الدم قولان؛ فإن أوجبناه فعاد ووقف إِلى الغروب، سقط الدمُ، وفي سقوطه بالعود ليلًا وجهان.

1019 -

فرع:

لو غلطوا بالوقوف في العاشر، أجزأهم اتِّفاقًا، وإِن تبيَّن بعد التاسع أنَّهم غلطوا بالثامن، فوجهان.

1020 -

فصل في بيان محلِّ الوقوف

محلُّ الوقوف معروفٌ، وموقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه حيث يقف1

الخطيبُ، ويطيف بعرصات عرفة جبالٌ وجوهُها المقبِلة من عرفة في وسطها جبل يسمى جبلَ الرحمة، ولا نُسُكَ في صعوده وإِن اعتاده الناس، ويلي عرفةَ من القبلة وادي عُرنة، وليس من عرفة، ومقدَّم مسجد إبراهيم في صدر هذا الوادي، ومؤخَّره في عرفة، فلا يصحُّ الوقوف في صدر هذا المسجد، ويتميَّز حدُّ عرفة بصخرات كبار مفروشة هناك.

1021 -

فصل فيما يجزئُ من الوقوف

ويكفي في ذلك الحصولُ بعرفة، ولا يُشترط اللبثُ، فلو حضر بطرف من أطرافها نائمًا أو جاهلًا بكونه من عرفة، أجزأه، ولو صرف وقوفه عن النسك إِلى اتِّباع غريم أو دابَّة، فقد أشاروا إِلى القطع بإجزائه مع تردُّدهم في صرف الطواف.
ولو طافت الدابَّةُ بالنائم على وجهٍ لا ينتقضُ وضوءُه احتُمل أن يُقطعَ بصحَّة طوافه، واحتُمل تخريجُه على الخلاف في صرف الطواف؛ إِذ لم يوجد منه فعلٌ أصلًا، ولهذا التفاتٌ على الخلاف فيمن نوى الطهارةَ، ولم يوجد منه فعلٌ ولا مكث، ولا يمتنع طردُ الخلاف في صرف الوقوف.

1022 -

فصل فيما يُستحبُّ في يوم عرفة

يُستحبُّ إِكثارُ التهليل عشيَّةَ عرفة، ورفعُ الصوت بالتلبية، وجمع التقديم مستحبٌّ بعرفة، وإِن كنَّا لا نُؤثر الجمعَ في الأسفار، وإِذا تضيَّفت

الشمسُ للغروب، أفاضوا ليوافوا الخروجَ من عرفة بعد الغروب، ويؤخِّرون المغربَ؛ ليجمعوها مع العشاء بمزدلفة، وتَمدُّ المطايا أعناقَها إِلى مزدلفة، فيبيتون بها، ويتأهَّبون للرحيل بعد نصف الليل، ويمزجون التكبير بالتلبية، فإذا أخذوا في الرمي محَّضوا التكبير، وتركوا التلبيةَ، وإذا انتهوا إِلى المشعَر الحرام، وهو آخرُ مزدلفةَ، وقفوا ودعوا الله -عَزَّ وَجَلَّ-، ثم يسيرون، فإِذا أتوا وادي محسّر حرَّكوا دوابَّهم في الوادي قليلًا.

1023 -

فصل في أسباب التحلُّل من الحجِّ

يدخل وقتُ الرمي والطواف وكذلك الحَلْق إِن جعل نُسكًا بانتصاف ليلة النحر، ولا ترتيبَ في هذه الأسباب، فأيَّها قدَّم أو أخَّر، أجزأ، إِلَّا أن يُجعل الحلقُ إِطلاقَ محظور، فلا يجوز إِلَّا بعد التحلُّل الأوَّل، وقيل: يحصل التحلُّل الأوَّل على هذا القول بطلوع الفجر.
والأفضل أن يرميَ بعد طلوع الشمس، ثمَّ يحلق، ثمَّ يطوف للزيارة لابسًا متزيّنًا، ويمتدُّ وقت الرمي إِلى الغروب من ليلة القرّ، [وفي امتداده إِلى الفجر من يوم القَرّ 1 وجهان يجريان في ليلتي النَّفْرَيْنِ 2، والأصحُّ أنَّه

لا يمتدُّ، ولا خلافَ في انقضاء الوقت بالغروب آخرَ أيَّام التشريق، ويدخل وقتُ الرمي في أيَّام التشريق بزوال الشمس] (1). وللحجِّ تحلُّلان يحصلان بالرمي، والطواف، والحلق إِن جعل نُسْكًا؛ ويحصل التحلُّل الأوَّل بسببين (2) من هذه الأسباب، والسعي مع الطواف سببٌ واحد، وإِن جُعل الحلقُ إِطلاقَ محظور، حصل التحلُّلان بالرمي والطواف، وحصل التحلُّل الأوَّل بأحدهما.

1024 -

فرع:

إِذا فات الرميُ، ففي وقوف التحلُّل على بدله ثلاثةُ أوجه، ثالثها: التوقُّف على الدم دون الصوم.

1025 -

فصل فيما يُباح بالتحلُّل الأوَّل

ويقف حِلُّ الجماع على التحلُّلين اتِّفاقًا، ويباح بالأوَّل لبسُ المخيط، وسترُ الرأس، والقَلْم، والحَلْق إِن لم يُجْعل 3 نسكًا، وفي الصيد وعقد النكاح والمباشرة بإِنزال وبغير إِنزال قولان، وفي الطيب طريقان، إحداهما: الجواز قولًا واحدًا.
والثانية: فيه القولان.
12

1026 -

فصل في جملة أفعال الحجِّ

إِذا طاف الغريبُ للقدوم؛ فإِن شاء عقَّبه بالسعي، وإِن شاء أخَّر السعيَ إِلى طواف الزيارة، ويخرج من مكَّة يومَ التروية، ويبيت بمِنى، فإِذا أصبح، سار إلى عرفة، ثمّ يُفيض منها بعد الغروب إِلى مزدلفة، ويبيت بها، فإِذا أصبح، رمى جمرةَ العقبة، وحلق وطاف طوافَ الزيارة، ويُسمَّى طوافَ الركن، وطوافَ الصَّدَر، وقيل: طوافُ الصَّدَر: طوافُ الوداع (1)، فإِن كان قد سعى، فلا يعيد السعيَ، ثمَّ يرجع إِلى منىً؛ للمبيت والرمي، فإِن شاء تعجَّل في النفْر الأوَّل، وإِن شاء تأخَّر إِلى الثاني، ولو أتى عرفةَ مع ضيق الوقت، ولم يدخل مكَّة، لم يُشرع في حقِّه طواف القدوم.

1027 -

فصل في الرمي

الرميُ واجبٌ اتِّفاقًا، ووظيفة كلّ جمرة سبعُ حصيات، ويقتصر في يوم النحر على جمرة العقبة، ويرمي في كلّ يوم من أيَّام التشريق إِلى الجمرات الثلاث، فيبدأ بالجمرة التي تلي مسجدَ الخَيفْ، ويثنِّي بالوسطى، ويختم بجمرة العقبة، فتلك سبعون حصاة 2 للمتأخِّر إِلى النفر الثاني، وتسع وأربعون للمتعجِّل.1

والترتيب المكانيُّ واجبٌ في الجمرات الثلاث، وكذلك في المناسك المتعلِّقة بالأمكنة؛ كالسعي والطواف، فلو بدأ بجمرة العقبة، وختم بالثالثة، لم يُحسَب له سوى الثالثة، ولا يجب الترتيبُ الزمانيُّ في قضاء الرمي على أظهر القولين، كما لا يجب في قضاء الصلوات.

1028 -

فصل فيما يرمي به

ولا يجوز الرميُ إِلَّا بما يُسمَّى حجرًا، فيجزئه حجر النُّورة 1 قبل الطبخ، ولا يجزئ بعده؛ إِذ لا يُسمَّى حجرًا، ولا يجزئه الإِثمِدُ، والزِّرنيخ، والجواهر المعدنيَّة؛ كالتِّبْرَين، وغيرِهما ممَّا ينطبع ويتطرَّق، وتردَّدوا فيما يُتَّخذ منه الفُصوص؛ كالعقيق، والفيروزج، والياقوت الشفاف وغير الشفَّاف، والظاهر أنَّها لا تجزئ.
والأحجارُ المشتملة على الجواهر ضربان: أحدهما: ما يُسمَّى حجرًا، ولا يظهر عليه ما يستخرج منه إِلَّا لخواصِّ أهل الصنعة؛ كحجارة المينا 2، وهي الأحجار الصغار في رضراض الأودية، فيجوز بها الرمي.
الثاني: حجر الحديد، وفيه تردُّد لأبي محمَّد، ولا يبعد إِلحاقُه بالإِثمد

إِلَّا أنَّ الإِثمدَ جوهرٌ كلُّه، فصار كالطَّلْق (1)، والمغنيسيا (2)، والمرقشيتا (3) بخلاف حجر الحديد، فإِنّه حجر يشتمل على حديد كامن فيه.

1029 -

فصل في الرمي بما رُمي به

إِذا رمى بحجر قد رُمي به؛ فإِن تعدَّد الرامي أو الجمرة أو الزمان، جاز اتِّفاقًا، فإِذا رمى الواحدُ حصاةً إِلى جمرتين في يوم واحد، أو إِلى جمرة واحدة في يومين، أو رماها اثنان (4) إِلى جمرة واحدة، أجزأ ذلك، وإن اتَّحد الرامي واليومُ والجمرة، لم يجز على أظهر الوجهين.

1030 -

فصل في فوات الرمي

[يدخل وقتُ رمي أيام التشريق بالزوال، ويمتدُّ إلى الغروب من ذلك1234

اليوم، ولا يمتد إلى الفجر من ليلتي النَّفْرَيْنِ على الأصحِّ، وينقضي بالغروب من اليوم الأخير] (1). فإِذا ترك الرميَ حتَّى مضت أيَّامُ التشريق، فقد تعذَّر استدراكُه (2)، ويُجبر بالدم قولًا واحدًا (3). وإِن ترك رميَ يوم القَرِّ، ففي تداركه في اليومين بعده قولان؛ فإِن قلنا: لا يتدارك، تعيَّن الدم، وإِن قلنا بالتدارك، لزمه الرميُ، وهل هو قضاء أو أداء فات وقتُ اختياره؟ فيه وجهان؛ فإِن جعلناه قضاء، فهل يجوز أن يقضى في النصف الأوَّل من النهار أو في الليل إِذا لم نجعله وقتًا للأداء؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ إِذ القضاء لا يتأقَّت.
والثاني: لا؛ تشبيهًا لذلك الزمان بليل الصيام، وإِن قلنا بالأداء، فجميعُ أيَّام التشريق وقت له إِلَّا ما قبل الزوال والليل، ففيهما الوجهان، والظاهر المنع.

1031 -

فرع:

لو قدَّم رميَ يوم إِلى يوم قبله، جاز إن جُعل التداركُ أداءً، وامتنع إِن جعلناه قضاء.123

1032 -

فرع:

لو أخَّر الرميَ إِلى يومٍ آخر بغير عُذْر، فقد رمز في "التقريب" إِلى جواز ذلك على قول الأداء، وهو قياسُه، ولكنَّه بعيد، وبه يظهر ضعفُ القول بالأداء، وأن التأخيرَ من خصائص رعاء الإِبل وأهل السقاية.

1033 - فرع: إِذا فاته رمي يوم النحر، ففي تداركه في أيَّام التشريق طريقان 1: إحداهما: لا يجوز قولًا واحدًا.
والثانية: فيه القولان.

1034 - فرع: إِذا أوجبنا القضاءَ، لم يلزمه مع القضاء فديةٌ، خلافًا لابن سُريج، فإِنَّه ألحق ذلك بتأخير 2 قضاء رمضان [إِلى دخول رمضان آخر] 3.

1035 - فرع: إِذا أوجبنا التداركَ، فينبغي أن يرتِّبه، فيبدأ 4 بالتدارك، ثمَّ يرمي عن يومه، فإِن رمى إِلى كلِّ جمرة أربعَ عشْرةَ حصاةً؛ فإن لم نوجب الترتيبَ الزمانيَّ، أجزأه، وإِن أوجبناه، لم يصحَّ رميُ يومه ما بقي عليه حصاةٌ من أمسه.

1036 -

فرع:

لو نوى صرفَ الرمي عن النسك، ففي انصرافه عنه خلافٌ، فلو رمى الجمرات الثلاث بنيَّة يومِه؛ فإِن قلنا: لا أثر لنيَّة الصرف، وقع رميُه عن التدارك، وإِن قلنا: ينصرف بالنيَّة؛ فإِن لم نوجب الترتيبَ، وقع عن يومه، وإِن أوجبناه، لم يقع عن يومه، ولا عن أمسه؛ لفساد قصده.

1037 -

فصل في كيفيَّة الرمي

من وقف في الجمرة، أو رآها ورمى إِليها أجزأه، والوقوفُ وراءها أولى.
وإِن وضع الحصاةَ على الجمرة بيده، لم يجزه على المذهب.
ولو وقعت على إِنسان، فاستقرَّت عليه أو على ثوبه، فنفضها فوقعت في الجمرة، لم تجزه.
ولو أصابت مَحْمِلًا، فارتدَّت بقوَّة الصدمة، ووقعت في الجمرة، أجزأت، ولو وقعت في مَحْمِل ولم يبق فيها أثر من قوة الرمي، فتدحرجت إِلى الجمرة، فوجهان.
وإِن رمى حصاتين أو أكثرَ دفعة واحدة، فإِن وقعتا معًا، لم تُحسب إِلَّا واحدة، وكذلك إِن ترتَّب وقوعُهما على المذهب، وقيل: يجزئه عن رميتين؛ نظرًا إِلى ترتُّب الوقوع.
وإِن أتبع الحصاةَ الحصاةَ؛ فإن ترتَّبتا في الوقوع كترتُّبِهما في الرمي، فهما رميتان، وإِن وقعتا معًا، أو وقعت الثانيةُ قبل الأولى، فهما رميتان

على الأصحِّ؛ نظرًا إلى ابتداء الرمي، وأبعد مَنْ جعلهما رمية واحدة؛ نظرًا إِلى الوقوع.

1038 -

فصل في الاستنابة

من (1) عجز عن الرمي عجزًا لا يرجى زوالُه في مدّة الرمي، فله أن يستنيبَ فيه؛ فإِن أذن في ذلك، أو أذن المعضوبُ في الحجِّ إِذنًا غيرَ لازم، فأُغمي على المرميِّ عنه، أو مات المعضوبُ، لم يبطل بذلك إِذنُهما عند العراقيِّين؛ لأنَّ سببَ هذه النيابةِ العجزُ، فلا يقدح تأكُّده فيها، وهذا بعيد في الموت مُحتمَل في الإِغماء، وقد قال بعضُ الأصحاب: لا ينعزل الوكيلُ بالإغماء؛ اعتبارًا بالنوم، ولذلك لا تثبت الولايةُ على المغمى عليه.

1039 -

فرع:

إِذا رمى عن العاجز، ثم زال عذرُه والوقتُ باقٍ، فهل يلزمه إِعادةُ الرمي؟ فيه وجهان كالوجهين في إجزاء الحجِّ عن المَعْضوب إِذا برئ بعده.

1040 -

فصل في فدية الرمي

لا خلافَ في تكميل الفدية في ترك الرمي يومَ النحر، ولو ترك رميَ [الجمرات الثلاث في] 2 يوم من أيام التشريق لزمه دمٌ، ولا مزيدَ عليه1

جارٍ التحميل