الغاية في اختصار النهايةصفحات 161-201

كتاب الجمعة

503 -

أجمع المسلمون على وجوب الجمعة، ويجبُ على أهل المصر وإِن كثروا بحيث لا يبلغهم النداء.

وإِن اشتملت قريةٌ على أربعين كامِلِين لزمتهم الجمعةُ، والأَوْلى أن يُجَمِّعوا بالقرية، وإِن جمَّعوا بالمصر جاز، وإِن نَقَصوا عن الأربعين، فلا يلزمُهم إِلا أنَّ يبلُغهم النداء، فإِذا بلغهم أو بلغ واحدًا منهم لزمتهم الجمعةُ.
واعتبارُ النداء بأن يفرضَ رجل يُعدُّ 1 صَيِّتًا في العُرْف ينادي بالليل مع هدوء الأصوات، ورُكود الرياح، ويقف على طرف البلد الذي يلي القريةَ، وغلط من قال: يقفُ في وسطها؛ لأنَّها قد تتَّسع بحيث لا يبلغ مَن بأقطارها فضلًا عمَّن خرج عنها، ولا عبرةَ بسماع مَنْ جاوز سماعُه العادةَ في الحارة.
وإِن استوت مسافةُ قريتين، فلم تسمع إحداهما؛ لكونها في وَهْدة لزمتها الجمعة عند أبي محمَّد.

504 -

فصل في بيان مكان الجمعة

شرائطُ الجمعة خمسة: دار الإِقامة، والعدد، والجماعة، والوقت، والخُطبتان.
فأما دار الإِقامة: فكلُّ بناء لا يُنقل في العادة، وإِن كان من سَعَف وخشب وجريد، فلا تصحُّ في الخيام والأخبية، ولا في الموضع الذي يترخَّص المسافر بالبروز إِليه، ولا يُشترط الكِنُّ، فلو أُقيمت في عَرْصة معدودة من خِطَّة البلد، جاز.

505 -

فصل في صفة مَنْ تنعقد بهم الجمعة

ولا تنعقدُ الجمعة إِلا بأربعين ذكور، أحرار، مُكلَّفين، مقيمين بالمكان، لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفًا إِلا لحاجة تعرض، فإِن اعتادوا الانتقال في الشتاء أو الصيف [إِلى موضع آخر] 1، فلا تنعقدُ بهم الجمعةُ، ويُشترط استماعُهم لجميع أركان الخُطبة، وأن يَتحرَّموا بالصلاة قولًا واحدًا، ولا يُشترط أنَّ يكونَ الإِمامُ زائدًا على الأربعين على أظهر الوجهين، وحُكي قولٌ قديم أنَّها تنعقد باثنين مع الإِمام، [وردَّه الأكثرون] 2.

506 -

فصل في الانفضاض في الخطبة

ولا يُعتدُّ بالخطبة ما لم يَسمع أركانَها الأربعون؛ فإِن انفضُّوا أو نَقَصوا، فأتى بركن في غيبتهم، فلا يُعتدُّ به قولًا واحدًا، وإِن لم يأتِ بركن بنى إِن عادوا قريبًا، وإن بَعُدَ عودُهم، أو أطال السكوتَ بحضرتهم، أو غابوا بعدَ الخطبتين وقبل الصلاة، ففي البطلان قولان مبنيَّان على وجوب الولاء؛ فإِن كان ذلك بعد الخُطبتين بطلتا إِن شَرَطْنا الولاءَ، فإِن أعادهما فذاك، وهل يلزمه إِعادتُهما؟ [فيه] (1) وجهان.

507 -

فصل [في الانفضاض في الصلاة]

2 ويُشترط أنَّ يُحرِمَ بالصلاة أربعون كاملون قد سمعوا الخطبةَ، فإِن انفضَّ مَنْ سمع، وأحرم بها من لم يسمع، فلا تصحُّ بلا خلاف، وإِن أحرم بها السامعون، ثم انفضوا أو نقصوا، فأربعة أقوال: أحدها: لا يصحُّ، ويشترط بقاء العدد في جميعها؛ اعتبارًا بالوقت.
والثاني -وهو مخرج-: يكفي بقاء الإِمام وحدَه.
والثالث: يكفي أنَّ يبقى معه اثنان.
والرابع: يكفي أنَّ يبقى معه واحد.
وقال المزنيُّ: إِن انفضُّوا أو نَقَصوا في الأولى بطلت الجمعةُ، وفي1

الثانية لا تبطل وإِن بقي الإِمام وحدَه؛ اعتبارًا بالمسبوق، فعدَّه المعظمُ قولًا خامسًا مخرَّجًا، وأباه بعضُهم، وفُرِّق بأنَّ المسبوقَ تابعٌ لمن صحَّت جمعتُه، والإِمام هاهنا يصير تبعًا لمن لم تصحَّ جمعتهُ، فإن شرطنا بقاءَ العدد، فلم ينفضَّ السامعون حتَّى أحرم أربعون لم يسمعوا الخطبة، فلا تبطل الجمعة؛ لأنَّهم لمَّا تبعوهم ثبت لهم حكمُهم، ولا يمتنع أنَّ يُشترطَ بقاء أربعين من السامعين، وإِن جوَّزنا أنَّ يبقى معه واحد أو اثنان، فلابدَّ من كمالهما على الظاهر، وفي العبد والمسافر احتمالٌ ذكره صاحب "التقريب".

508 -

فصل في تأخُّر إِحرام الجماعة عن إِحرام الإمام

(1) شرط القفَّال (في ذلك أنَّ يُدركوه في الركوع) (2)، فإِن أدركوه في اعتداله لم تصحَّ الجمعة، وشرط أبو محمَّد أنَّ لا يتأخروا عن إِحرامه بما يعد فصلًا طويلًا، وشرط الإِمام ألَّا يتأخَّروا إِلى حدٍّ يسقط عنهم شيءٌ من قراءة الفاتحة؛ لأنَّ ذلك من أحكام المسبوقين.

509 -

فصل في الزِّحام [عن سجود الركعة الأولى]

3 إِذا زُحِم عن سجود الصلاة، فله قطعُ القدوة عند الصيدلانيِّ، وفرَّق12

الإمامُ بين الجمعة وغيرها من جهة وجوب الاقتداء في الجمعة، ولعلَّ ذلك مرادُ الصيدلانيِّ، فإِذا زحم عن سجود الركعة الأولى، وكان بمكان عالٍ يمكنه أنَّ يضعَ جبهته على ظهر إِنسان ويأتيَ بالهيئة المشروطة في السجود، فعل ذلك، والتخلُّف بعذر الزحمة لا يقطعُ القدوةَ على الإِطلاق بالاتفاق، وإِن لم يمكنه ذلك فيصبرُ حتَّى يزولَ الزِّحام، أو يومئ بما يقدِر عليه، أو يتخير بين الإِيماء والصبر؟ فيه ثلاثة أوجه، والمذهب أنَّه يصبر، ثم ينقسم أمره إِلى قسمين: القسم الأوَّل: أن يتمكَّن من السجود قبل ركوع الإِمام في الثانية، فله عند فراغه من السجود سبعةُ أحوال: الحال الأولى: أنَّ يدرك الإِمامَ قائمًا، فيقرأ الفاتحة، ويركع معه، فقد تمت جمعتُه، ويعذر في تخلُّفه بالاتِّفاق.
الحالُ الثانية: أنَّ يدركَه راكعًا، فيركع متابعًا كالمسبوق، أو يقرأ مرتِّبًا لصلاة نفسه؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: يقرأ، فلا يقطع القدوة، بل يرتِّب صلاة نفسه عازمًا على لُحوق الإِمام، وهو في قدوة حكميَّة لو سها تحمَّله الإِمام.
الحال الثالثة: أنَّ يدركَه قائمًا، ولا يتمكَّن من إِتمام الفاتحة، فإِن قلنا: يقرأ لو أدركه راكعًا، فليقرأ هاهنا، وإِن قلنا: يركع ثَمَّ، ففي ركوعه هاهنا خلافٌ مرتَّب على المسبوق إِذا أدرك بعضَ الفاتحة؛ فإن راعينا ترتيبَ الصلاة، فالوجه الاقتصار على الفرائض؛ ليدرك الإِمام، ويحتمل أنَّ يأتيَ بالمتوسِّط من السنن كما قلنا في المسبوق إِذا اشتغل بالافتتاح والتعوُّذ.
الحال الرابعة: أنَّ يدركَه فيما بعد الركوع، ففيه طريقان، المشهورُ

بناءُ ذلك على الخلاف في المتابعة والترتيب؛ فإِن قلنا: يتابع، فلا يُحسب له ما يتابع فيه كالمسبوق، ويأتي بركعة بعد سلام الإِمام، وقد تمَّت جمعته، وإِن قلنا: يرتِّب صلاتَه، فوافق، فقد أدرك الركعة الثانية أيضًا.
والطريقة الثانية: تتعيَّن متابعةُ الإِمام؛ إِذ لو رتَّب لطال تخلُّفُه، بخلاف ما لو أدركه في الركوع، وعلى هذه الطريقة لو لم يتمكَّن من السجود ولا من المتابعة في الركوع حتَّى اعتدل الإِمام عن الركوع، فقد فاتته الجمعةُ وإِن سجد عن الأولى؛ لإِفراط تخلُّفه.
الحال الخامسة: أنَّ يتحلَّل الإِمام عَقيب سجوده، فعلى قول المعظم يأتي بركعة أخرى؛ إِكمالًا لجمعته، وهل يكون في هذه الركعة في قدوة حكميَّة؟ فيه وجهان، ولا وجهَ لذلك؛ إِذ كيف يُقدَّر الاقتداء بمن ليس في الصلاة؟ ! الحال السادسة: أن يدرك الإِمامَ وقد سلَّم قبل أنَّ يرفعَ المزحومُ رأسَه من السجود، فلا تحصل له الجمعةُ، ولا تثبت هاهنا قدوة حكميَّة؛ لأنَّ مَنْ أثبتها جعلها تبعًا لركعة تامَّة، بخلاف ما هاهنا.
الحال السابعة: أن يرفعَ عن السجدتين، فيسلِّم الإِمام قبل اعتداله، فالظاهر الإِدراك، وفيه احتمال.
القسم الثاني: ألا يتمكنَ من السجود حتَّى يركعَ الإِمام في الثانية، فهل يسجد رعاية للترتيب، أو يركع؛ لئلا يَطُول تخلُّفه؟ فيه قولان منصوصان؛ فإِن قلنا: يركع، فوافق وأتى بالركعة الثانية مع الإِمام، فبأيِّ ركوعيه يُحتَسَب؟ فيه وجهان؛ فإِن حَسَبْنا الثانيَ، فليُكمِل جمعتَه بركعة أخرى، وإِن حسبنا

الأوَّلَ فقد تلفَّقت ركعتُه، والأصحُّ أنَّ الجمعة تُدرك بالملفَّقة.
فإِن قلنا: لا تدرك بالملفَّقة، فهل تحصل له ركعةٌ من الظهر؟ فيه قولان مبنيَّان على القولين في أنَّ الجمعة ظهرٌ مقصورة، أم فرضٌ على حيالها؟ فإِن قلنا: لا تحصل ركعة من الظهر، فهل تبطل صلاتُه أو تنقلب نفلًا؟ فيه قولان معروفان، هكذا رتَّبه الأصحابُ، واستدرك عليهم الإِمامُ تفريعَ البطلان من جهة أنَّ الأمرَ بما قُصَاراه الفسادُ مُحالٌ، فلا يجوز التفريعُ إِلا على الأوجه المقتضية للصحَّة، وحاصلها ثلاثة أوجه: أصحُّها: إِدراكُ الجمُعَة إِمَّا للاحتساب بالركوع الثاني، أو للإِدراك بالملفَّقة.
والثاني: تحصل ركعةٌ من الظهر؛ بناءً على منع التلفيق، وعلى أنَّ الجمعةَ ظهرٌ مقصورة.
والثالث: تحصل ركعةٌ من النفل.

510 -

فصل

إِذا أمرناه بالركوع، فسجد جاهلًا، فلا يُعتدُّ بسجوده، فإِذا فرغ منه فله أحوال: [الحال] 1 الأولى: أنَّ يُدرك الإِمامَ في الركوع فيركعَ معه، فحكمه حكمُ ما لو أمرناه بالركوع فركع.

[الحال] (1) الثانية: ألَّا يدرك الركوعَ، فيقوم ويقرأ، ويركع ويسجد، فإنَّا نَحسِب له هذه السجدةَ وقد تلفَّقتْ ركعته، وقدوته فيها حكميَّة؛ فإِن قلنا: تُدرك الجمعة بالملفَّقة، ففي إِدراكها بالقدوة الحكميَّة وجهان يختصَّان بما يقع من القدوة الحكميَّة بعد فوات الركوع دون ما قبله، والفرق بينهما طول التخلُّف وإِفراطه، فإِن قلنا: لا تُدرك الجمعة، ففي إِدراك ركعة من الظهر القولان، فإِن قلنا: لا تدرك، ففي بطلانها وانقلابها نفلًا قولان، ولا يبعد البطلانُ هاهنا؛ لمخالفته وإِن كان جاهلًا.
فالحاصل إِذن أربعة أوجه: إِدراك ركعة من الجمعة، أو الظهر، أو النفل، أو البطلان.
[الحال] (2) الثالثة: أنَّ يدركه معتدلًا عن الركوع؛ فإِنَّه يتابعه وجهًا واحدًا، ولا يسلك الترتيبَ بحال، فإِذا سجد معه، فقدوته حقيقيَّة، لكنَّ ركعته ملفَّقة، ففيها الوجهان.

511 -

فصل

إِذا أمرناه بالركوع، فسجد عالمًا بالمنع مُستديمًا لنيَّة القدوة، بطلت صلاتُه، وإِن قطع القدوة، ففي بطلان صلاته قولان؛ فإِن قلنا: لا تبطل، بُني على القولين في صحَّة الظهر بنيَّة الجمعة، فإِن قلنا: تصحُّ، بُني على12

القولين في صحة الظهر قبل فوات الجمعة، فإن فرَّعنا على أقوال الصحَّة في هذه الصور، ففيما تحصَّل له قولان: أحدهما: ركعةٌ من الظهر.
والثاني: ركعةٌ من النفل.

512 -

فصل

إِذا أمرناه بالسجود، فوافق، فقدوته حكميَّة، ففي الإِدراك بها الوجهان 1، فإِن قلنا: يدرك، فسجد، فله حالان: الأولى: أن يدرك الإِمامَ رافعًا عن الركوع أو متشهِّدًا، فيلزمه الترتيبُ في الركعة الثانية، وقيل: يتابع، ثمَّ يأتي بركعة بعد تحلُّل الإِمام.
الحال الثانية: أن يدركَه راكعًا؛ فإِن قلنا: يتابعه في الاعتدال، ففي الركوع أَولى، وإِن قلنا: لا يتابعه في الاعتدال، ففي الركوع وجهان؛ لأنَّه إِذا تابع في الركوع، حُسب له كما يُحسَب للمسبوق، ولم يكن ذلك إِخلالًا بالترتيب، وإِلا ظهر في الاعتدال أنَّه يشتغل بالترتيب.

513 - فصل إِذا أمرناه بالسجود، فركع عالمًا بالمنع بطلت صلاتُه، وإن كان جاهلًا

لم يحسبْ ركوعه، فإِذا سجد فقد تلفَّقت ركعتُه، وفي الإِدراك بها الوجهان؛ فإِن قلنا: لا يدرك، ففي انقلابها ظهرًا أو نفلًا أو بطلانها الخلاف [السابق] (1).

514 -

فصل في الزِّحام في الركعة الثانية

إِذا اقتدى في الأولى، وزحم عن سجود الثانية حتَّى (2) سلَّم الإِمام، فقد أدرك الجمعةَ بلا خلاف، ولو أدركه المسبوقُ في ركوع الثانية، وزحم عن سجودها حتَّى سلَّم الإِمامُ فقد فاتت الجمعةُ، وحيث قلنا: تنقلب جمعته ظهرًا، ففي توقُّف ذلك على قصده وجهان.

515 -

فرع:

التخلُّف بالنسيان كالتخلف بالزِّحام أو يُلحق بتخلُّف العامد؟ فيه وجهان؛ إِذ القدوةُ مأمور بها، والنسيان لا يؤثِّر في المأمورات، واختار أبو محمَّد أنَّ الناسيَ كالمزحوم.

516 - فرع: لو زُحم في غير الجمعة، فلا تبطل صلاتُه بالتلفيق، ولا بالقدوة الحكميَّة، والفرق أنَّ الجمعةَ يجب الاقتداء فيها، فشُرط فيها من الانتظام ما لا يُشترط في غيرها.12

517 -

خاتمة:

مهما تمكَّن من السجود والإِمام قائمٌ في الثانية، فلا يؤدِّي تفريعُه إِلى البطلان حيث يوافق أمرَنا، وإن لم يتمكّن حتَّى ركع الإِمامُ فقد يؤدِّي تفريعُه إِلى البطلان في عاقبة الأمر، وإِذا كان كذلك اتَّجَه ألَّا يؤمرَ بما يؤدِّي إِلى البطلان، بل تبطل صلاتُه في الحال، وإِن أمرناه فخالف اتَّجه قولُ البطلان، والبطلان بالتلفيق أو بالقدوة الحكميَّة أو بطول التخلُّف إِذا أمرناه بالسجود بعيدٌ.

518 -

فصل في الاستخلاف

إِذا بطلت صلاةُ الإِمام عمدًا أو سهوًا، فله أنَّ يستخلفَ مَنْ يُكمل الصلاةَ على الجديد دون القديم، والقولان في جميع الصلوات، وقيل: يختصَّان بالجمعة؛ لأنَّ الجماعةَ لمَّا وجبت فيها جاز أنَّ يُشترطَ فيها اتِّحادُ الإِمام، وإِن خطب واحد وأمَّ آخرُ، فقولان مرتَّبان، وأولى بالجواز، وعند أبي محمَّد أولى بالمنع؛ لأنَّ الشافعيَّ تردَّد في ذلك في الجديد مع قطعه بجواز الاستخلاف، فإِن منعنا الاستخلافَ، فأحدث الإِمامُ في الركعة الأولى، فقد بطلت الجمعةُ، وخرَّج أبو محمَّد قولًا أنَّها لا تبطل، كما لو انفضُّوا عنه وبقي وحدَه، وإِن أحدث في الثانية، فلا تبطل جمعةُ القوم بوفاق أبي محمَّد، وخرَّج الإمامُ قولًا من الانفضاض أنَّها تبطل؛ إِذ لا فرقَ في بطلان الاقتداء بين زوال الإِمام وبين زوال الجماعة وبقاء الإِمام، ولا تفريعَ على ما ذكره الإِمام ووالده.

519 -

فصل في الاستخلاف في الركعة الأولى من الجمعة

إِذا جوَّزنا الاستخلاف فشَرْطُه أنَّ يكونَ الخليفةُ ممَّن اقتدى بالإِمام، ولا يُشترط سماعُه للخطبة على الأصحِّ، وإِذا كان الحدثُ في الأُولى لزم المقتدين الاستخلافُ إِن تركه الإِمام، [وإِن استخلف الإِمام جاز] (1)، ولا حاجةَ إِلى تجديد نيَّة الاقتداء؛ لأنَّ الخليفةَ بمنزلة المستخلف، وإِن استخلف بعض الجماعة، أو تقدَّم واحدٌ بغير استخلافهم، جاز عند الإِمام، فإِن قدَّم الإِمام واحدًا والقومُ آخرَ، فلا نقلَ في هذه المسالة، والأظهر اعتبارُ تقديمهم، وينبغي مبادرةُ الاستخلاف، فإِن مضى قبله ركنٌ لم يجز، وإِن طال الفصل ولم يمضِ ركنٌ، ففيه احتمال، والخليفة يصلِّي الجمعة؛ لأنَّه لمَّا اقتدى قبل الاستخلاف لحق بالقوم.

520 -

فصل في الاستخلاف في الركعة الثانية

وإِذا تمَّت الأولى مع الاِمام، فلا يجب الاستخلافُ في الثانية، ولا تجب متابعةُ خليفة الإمام، بل لهم الانفرادُ والاقتداء بالخليفة، وإِن اقتدى البعضُ دون البعض، جاز، ولو أراد مصلِّي الجمعةِ أن يقطعَ القدوة في الركعة الثانية في غير صورة الاستخلاف، لم يجز عند الإِمام؛ لأنَّ الجماعةَ واجبة، فلا يجوز قطعُها، بخلاف سائر الصلوات، وبخلاف صورة الاستخلاف؛ لأنَّهم التزموا فيها متابعةَ الإِمام الأوَّل، فلم يلزمهم غيرُ ما التزموه.
1

521 - فصل إِذا استخلف في الثانية مسبوقًا بالأولى، ففي جوازه قولان بناهما الإمام على اشتراط سماع الخُطبة؛ فإِن شرطناه، لم يصحَّ، (وإِن لم نشرطه ففيه القولان) (1)، فإن أجزناه فَلْيجْرِ على ترتيب صلاة الإِمام وصفتها، فيجلس بعد الركعة بقدر جلوس الإِمام، ثمَّ يومئ إِليهم ليتحفلوا، ويأتي ببقية صلاته، ولا يدرك الجمعةَ بلا خلاف، ولو لحقه مسبوقٌ في ركوعه لأدرك الجمعة؛ لأنَّه بالنسبة إِلى المقتدين كالإِمام الأوَّل، ولذلك يجري على ترتيب صلاته.
وذكر ابن سُريج في صحَّة ظهر الخليفة قولين، بناء على صحة الظهر بنيه الجمعة، وعلى صحَّتها قبل فوات الجمعة، فإِن قلنا: لا تصحُّ فقد صارت نفلًا، وفي الجمعة خَلْفَ المتنفِّل قولان؛ فإنْ جوَّزناها، فاقتدى به المسبوقُ، فقد أدرك الجمعة، وإِن منعناها، فلا يدرك الجمعة، بخلاف القوم، فإنَّه لمَا جاز أن ينفردوا ببقيَّة الصلاة جاز إِتمامُها خلف المتنفِّل كسائر الصلوات، وقال الإِمام: لا يصحُّ استخلافُ المسبوق إِلا إِذا قلنا بصحَّة صلاته ظهرًا أو نفلًا، فأمَّا على قول الإِبطال، فلا.

522 -

فصل

في استخلاف من لم يقتد بالإمام [إِذا استخلف مَنْ لم يقتد به، لم] 2 يصحَّ استخلافُه، ويجري على1

ترتيب صلاة نفسه، فإِن تابعه القومُ، ففي جوازه الخلافُ فيمن اقتدى بعد انفراده، فإِن وقع ذلك في الجمعة، ففي صحَّة ظهر المقدَّم قولان، فإِن قلنا: لا تصحُّ ولا تنقلب نفلًا، فلا يصحُّ الاقتداء به، وإِن قلنا: تصحُّ صلاتُه؛ فإِن كان ذلك في الركعة الأولى، فلا جمعةَ للقوم، وهل يصح لهم الظهر أو النفل أو تبطل؟ فيه الخلاف؛ فإِن صحَّحنا صلاتَهم ابتني ذلك على الاقتداء بعد الانفراد، وإِن قطعوا الصلاة، ونوَوا جميعًا الجمعةَ، أجزأتهم الجمعةُ إِن جوَّزنا تعدُّدَ الخطيب والإِمام، وإن منعناه، فلا جمعة، وإِن وقع ذلك في الركعة الثانية، ونوى المقدَّم الجمعةَ؛ فإِن قلنا: لا تصحُّ صلاتُه لم يجزِ الاقتداءُ به لمَنْ علم ذلك، وإِن قلنا: تصحُّ ظهرًا أو نفلًا، ففيه الخلافُ في قدوة المنفرد.

523 -

فصل في كيفيَّة نيَّة الجمعة

ويجب أن ينويَ الجمعةَ إِن جعلناها فرضًا مستقلًّا، فلو نوى ظهرًا مقصورة، لم تصحَّ الجمعةُ، وإِن جعلناها ظهرًا مقصورة، فنواها كذلك فوجهان؛ إِذ الجمعةُ متميِّزة عمَّا يقصرُ من الصلوات، والغرضُ بالنيَّة التمييزُ، فيجب تمييزها بما تختصُّ به، وهو الجمعة، وإِن نوى الجمعةَ وجعلناها مقصورةً، فلا يُشترط أن ينويَ قصرَها على الأصحِّ.

524 -

فصل في اشتراط الوقت في الجمعة

الوقت شرط في الجمعة، فلو وقعت تسليمةُ الإِمام والمقتدين به في

وقت العصر، لم تصحَّ الجمعة، وفي بطلانها وانقلابها ظهرًا أو نفلًا خلاف (1)، وإن وقعت ركعةُ المسبوق وراء الوقت، فوجهان، لأنَّه تابع.

525 -

فصل في بيان مَنْ تلزمه الجمعةُ ومن لا تلزمه

الناسُ في الجمعة أربعةُ أقسام: الأول: مَنْ تلزمه وتنعقدُ به، وهم أهلُ الكمال [بالتكليف والذكورة والحرِّيَّة والإِقامة على الشرط السابق] 2. الثاني: مَنْ لا تلزمه، ولا تنعقدُ به وإِن حضر الجامع، وهم العبد والمكاتبُ، ومَنْ فيه جزءٌ من الرق، والصبي، والمرأة، والمسافر المترخِّص، وغلط مَنْ أوجبها على العبد إِذا حضر الجامعَ، ومن أوجبها على من بعضُه حرٌّ إِذا وقعت في نوبته من المهاياة مع أنَّها لا تنعقد به اتفاقًا.
الثالث: مَنْ تنعقد به، ولا يلزمه الحضورُ، ولو حضر لزمته، وهو المريضُ والمعذورُ، ولو نقصوا واحدًا؛ ولو حضر المريضُ لكمَّلهم، فلا يلزمهُ الحضور [وإِن فاتت الجمعة بغيبته] 3، وإِن أقيمت بحضوره لزمته، وانعقدت به وإِن صلَّاها قاعدًا، وإِن كانت تؤخَّر عن أوَّل الوقت، فلا يلزمه انتظارها إِلا أنَّ لا يشُقَّ عليه عند الإِمام، واعتبر ذلك بما يجوز القعودَ في1

الفريضة، وأجاز له الانصرافَ قبل الوقت.
الرابع: مَنْ يلزمه حضورُ الجامع وإِقامتها، ولا تنعقد به، وهو الغريبُ المقيم لغرض ينصرف عند نجازه؛ كالتاجر والمُتفقِّه، وقيل: تنعقد به، وكلٌّ من هؤلاء لو أقام الجمعةَ، لصحَّت بالاتِّفاق.

526 -

فصل في بيان الأعذار المسقطة للجمعة

وتسقط الجمعةُ بكلِّ عذر تُترك لأجله الجماعةُ؛ كالمرض، والتمريض، والمطر بالاتِّفاق، والوحل الشديد على المذهب، وكذلك تركها باحتضار القريب سواء بعُدَ نسبُه أو قَرُب، وكذلك زوجتُه ومملوكه عند الإِمام، ولا يبعد أن يُلحقَ به المولى، ولا يترك لاحتضار الصديق.
ويُعتبر المرض بما يلقاه الماشي في الوحل والمطر، ويما يناله من موت قريبه في غيبته، ولا يُشترط في المرض أنَّ يجوزَ بمثله القعود في الفرض، ولا يجوز تركُها بتمريض مَنْ لا يتضرَّر بغيبته، ولا بمن له من يتفقَّده قريبًا كان أو أجنبيًّا، وإِن خيف هلاكُه، فلا تترك له الجمعةُ إِذا قام بإنقاذه مَنْ لا جمعة عليه، وإِن لم يقم به أحدٌ، فإنقاذهُ من الهلاك فرضُ كفاية، فتترك الجمعةُ لأجله، كما يجب إِنقاذ المشرف على الهلاك، وإِطعام المضطر، بخلاف مَنْ بلغ به الجوعُ مبلغًا مُضِرًّا، فإنَّه يجب كفايتهُ على بيت المال دون المسلمين؛ إِذ لو لزمهم ذلك، لما انفكَّ أحدٌ منهم عن الحرج مع عموم الجوع وغلبة الضرر، ولذلك يجوز غصبُ الطعام لخوف الهلاك دون الجوع، وإِن كان تضرُّر المريض على حدِّ الجوع المُضِرِّ، فثلاثة أوجه يفرَّق

في الثالث بين القريب والأجنبي، والأصحُّ الجواز في الجميع.

527 -

فصل في صلاة المعذور الظهرَ قبل فوات الجمعة

وللمعذور أنَّ يصلِّي الظهرَ قبل فوات الجمعة، ولا تلزمه الجمعةُ بعد ذلك وإِن زال عذرهُ؛ كمريض يبرأ، أو مسافر يقيم، أو عبد يعتق، إِلا أنَّ الأولى بمَنْ لا يتوقَّع زوال عذره؛ كالمرأة والزَّمنِ أنَّ يعجِّل الظهر في أوَّل وقتها، ومن توقَّع زوالَ عذره؛ كعبد يرجو العتقَ، ومسافر يتوقَّع الاِقامة، ومريض يرجو خفَّة مرضِه، فالمستحبُّ أنَّ لا يصلِّي الظهر ما لم تفته الجمعةُ، وفيما تفوت به وجهان: أحدهما: بالاعتدال عن ركوع الثانية.
والثاني: يُعتبر في حقِّ كلِّ أحدٍ تصوُّر إِدراكه، ويختلف ذلك بالبعد والقرب، فقد تفوت البعيد وإِن لم يشرع فيها الإِمام.
واِذا صلَّى المعذورُ الظهرَ، فالأولى به أنَّ يقيمَ الجمعةَ بعد ذلك إِلا أنَّ يكون امرأةً، ثم إِذا أقامها، فأيَّتُهما فرضُه؟ فيه خلاف كالخلاف في المنفرد إِذا أعاد في الجماعة.

528 -

فرع:

(إِذا صلَّى المعذورون الظهرَ ففي استحباب الجماعة لهم) 1 وجهان،

وقال أبو محمد: لا بأس بها في البيوت من غير اشتهار.

529 -

فصل في تقديم الظهر لغير المعذور

ومن تعدَّى بالظهر قبل الجمعة لم يجزِه على أصحِّ القولين، والجمعة باقية في ذمَّته؛ فإِن فاتته فلياتِ بالظهر مرَّةً أخرى، وفي انقلاب ظهره الأوَّل نفلًا أو بطلانها قولان.
وإِن قلنا: يجزئه الظهرُ فقد سقطت عنه الجمعةُ؛ لأنَّ ظهرَه طاعة من وجه، ومعصيةٌ من وجه، فأشبهت الصلواتِ في الأوقات المكروهات، فإِن صلَّى الجمعةَ بعد ذلك، ففرضه الظهر أو الجمعة، أو كلاهما أو يحتسِبُ اللهُ بما شاء منهما؟ فيه أربعة أقوال ذكرها أبو محمَّد، ويخرَّج من هذه الأقوال أنَّ الجمعةَ إِذا فاتت، فلا يجبُ قضاؤُها، وإِن لم تَفُت، ففي وجوبها قولان: أحدهما: لا تجب؛ بناءً على أنَّ فرضَه الظهر أو إِحداهما لو صلى الجمعة.
والثاني: تجب إِذا قلنا: كلاهما فرض، ثمَّ لو فاتت الجمعة لاكتُفي بالظهر السابقة.

530 -

فصل في صفة إمام الجمعة

إِذا كان إِمامُ الجمعة صبيًّا أو عبدًا أو متنفِّلًا أو محدِثًا أو مسافرًا؛ فإِن كمل به العدد، فلا جمعةَ، وإِن زاد ففي الصبيِّ والمحدِث والمتنفل قولان،

وإِن شرطنا زيادةَ الإِمام، والمحدثُ أولى بالإِبطال، وإِن كان عبدًا أو مسافرًا صحَّت الجمعة إِن قلنا: الإِمامُ زائد، وكذلك إِن لم نشرط زيادتَه على الأصحِّ.

531 -

فرع:

لو زال العذرُ في أثناء الظهر، وقلنا: لا تصحُّ الظهرُ من غير المعذور، فهذا كرؤية المتيمِّم الماءَ في الصلاة، فيتفرع على الوجوه المذكورة في التيمُّم.

532 -

فصل (1) في السفر يوم الجمعة

ليس لمن تلزمه الجمعةُ أن يسافر بعد الزوال، وفيما بعد الفجر وقبل الزوال طريقان: أحدهما: إِجراء قولين.
والثانية: القطع بالجواز.
قال أبو بكر: إِن كان سفرُه قبل الزوال واجبًا أو طاعة، فلا يمتنع بلا خلاف، وفي سفر الطاعة احتمال، ولا تتعيَّن الجمعة عَقيب الزوال، بل يتوسَّع وجوبُها.
1

533 -

باب الغُسل للجمعة والخُطبة

غُسل الجمعة سنَّة مؤكَّدة تختصُّ بمَنْ يحضر الجامعَ، بخلاف غُسل العيد، فإِنَّه يعمُّ مَنْ حضر المصلَّى ومَنْ لم يحضره، وكره أبو بكر تركَ الغُسل للجمعة، وكره الإِمامُ تركَ كلِّ مسنونٍ صحَّ الأمرُ به مقصودًا، والأولى تقريبُ الغُسل من الرَّواح، ويجوز بعد الفجر، ولا يجوز قبله على المذهب، وفي غُسل العيد وجهان.
وإِن تعذَّر الغسلُ وأمكن التيمُّم فالمستحبُّ أنْ يتيمَّم، وفيه احتمال؛ إِذ مقصود هذا الغُسل لا يحصل بالتيمُّم.

534 -

والأغسال الواجبة أربعةٌ

(1). 535 -

الأغسال المسنونة

ويُسنُّ الغُسل للجمعة، والعيدين، والإِحرام، والوقوف بعرفة، وبمزدلفة، ولدخول مكَّة، وللرمي في ثلاثة أيام التشريق، ولدخول الكعبة، وللإِفاقة من إِغماء أو جنون، ولغَسل الميِّت، وقيل: يجبُ الغُسلُ من غَسله، والوضوءُ من مسِّه، ولإسلام الكافر الذي ليس بجُنُب، وفي تقديمِهِ على1

الإِسلام وجهان، ويبعد تقديمُه، وإِن كان جنبًا لزمه الغسلُ، وإِن اغتسل في كفره لم يصحَّ، وغلط من صحَّحه، وفي القديم قولٌ أنَّه يغتسل لطواف الوداع، وذكر في "التلخيص" الغسلَ للحِجامة، وللخروج من الحمام، وأنكرهما معظمُ الأصحاب، وقال: لا يتأكَّد هذان الغسلان، ولا الغُسل من غَسل الميّت، ولا غُسل الإِسلام، واتَّفقوا على تغليطه في الغُسل من غَسْل الميِّت.

536 -

فصل في الاقتداء بالإمام فيما زاده على جهة السهو

إِذا زاد في الصبح ركعةً على وجه السهو، فاقتدى به فيها مسبوقٌ لا يعلم بزيادتها 1، حُسبت له تلك الركعةُ على المذهب، وقيل: لا تُحتسب، وإِن أدركه في ركوعها، وقلنا: لا تُحتسب لو أدركه فيها، فلا يدركها بإدراك ركوعها، وإِن قلنا: تحتسب، فالمذهبُ أنَّه لا يدركها [بإِدراك ركوعها] 2، وكذلك الخلافُ في إِدراك ركوع المحدِث.
وإِن سها في الجمعة بثالثة، فاقتدى به فيها مسبوقٌ، فإِن علم حالُه فلا تصحُّ قدوتُه اتِّفاقًا، وإِن جهل، فلا تُحتسب له الركعةُ على الأصحِّ، والفرقُ وجوبُ القدوة في الجمعة، وإِن أدركه في ركوعها، وقلنا: تُحتسب له لو أتى بها، فالمذهب أنَّه لا يدركها [بإِدراك ركوعها] 3، وأبعد مَنْ قال: يدركها؛ فإِن فرَّعنا على الأصحِّ، فترك سجودَ الأولى، وتداركه في الثانية،

وقام إِلى الثالثة، فأدركه المسبوقُ في الثالثة، أو في ركوعها، فقد أدرك الجمعةَ، وإِن ترك سجودَ الثانية، وقام إِلى الثالثة فهي زائدة، فلا تُحسب للمقتدي، وإِن شكَّ من أيِّ ركعتيه ترك السجودَ، لزمه أنَّ يأتيَ بثالثة؛ لجواز تركه من الأولى، ولا تُحسب للمسبوق؛ لجواز تركه من الثانية؛ أخذًا باليقين في الطرفين.
وإِذا فرَّعنا على الأصحِّ، فنسي سجودَ الأولى، وأتى به في الثانية، ثم تذكَّر لزمه القيامُ إِلى الثالثة؛ فلو اقتدى به مسبوقٌ في الثانية والثالثة ظنًّا أنَّها جمعتُه، فقد أدرك الجمعةَ، فعلى قول أبي على يأتي بركعة؛ ليكملَ بها الجمعة؛ إِذ التفريعُ على أنَّ [الاقتداءَ في] (1) الزائد لا يُعتدُّ به (2)، وقال القفَّال: يُسلِّم مع الإِمام؛ لأنَّه أتى بركعتين، وانفرد في أولاهما واقتدى في الثانية، فأشبه المسبوقَ الذي يقتدي في الأولى، وينفرد في الثانية، ولا يلزم على هذا أن يجوزَ الانفراد بالركعة الأولى من الجمعة؛ لأنَّ من فعل ذلك فقد ترك نيَّة القدوة في وقتها، [وهاهنا قد نوى القدوةَ في وقتها، فاجزأته] (3).

537 -

فصل في بيان أركان الخطبتين

الخطبتان واجبتان، ويراعى فيهما خمسة أشياء:123

الحمد لله، والصلاة على رسول الله، والتوصية بتقوى الله، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات.
والحمدلة والصلاة والتوصيةُ أركان في كل خطبة، والمشهور وجوبُ القراءة، وذكر أبو إسحاق المروزيُّ في وجوبها وجهين؛ فإِن أوجبناها، ففي اختصاصِها بالأُولى وجهان: أحدهما: تختصُّ الأولى بالقراءة، والثانيةُ بالدعاء.
والثاني: تختصُّ الثانية بالدعاء، وتجوز القراءةُ في أيّتهما شاء، وهو الظاهر.
وقال العراقيون: تجب القراءةُ فيهما، ونصَّ الشافعيُّ وصاحب "التلخيص" في الأركان على الحمد والصلاة والوعظ، ولم يتعرَّضا للقراءة والدعاء.
ويتعيَّن الحمدُ والصلاة، فلا يقوم غيرُهما مقامَهما، وأبعد مَنْ أوجب الثناءَ، ولم يتعرَّض للحمد، وذكر العراقيُّون ذكرَ الله ورسوله، ولعلَّهم أرادوا بذلك الحمدَ والصلاة.

538 -

فصل في كيفيَّة الوصيَّة بالتقوى

ولا تتعيَّن للوصيَّة صيغةٌ، والغرضُ الحثُّ على التقوى، وهي فعلُ المأمورات واجتناب المنهيَّات، ولا تتعيَّن بالتقوى، بل الغرضُ الوعظ.
نصَّ عليه في "الإِملاء"، والمواعظُ راجعة إِلى الحثِّ على الطاعة، واجتناب

المعصية، وأحدهما مُشعِرٌ بالآخر، فيُكتفى به، وإِن رغَّب في الثواب، أو حذَّر من العقاب، أجزأه ذلك عند الإِمام، وإِن لم يتعرَّض للأمر والنهي، ولم يُكتفَ بالأمر بالإحسان من غير تعرُّض لذكر الله، ولا بذكر الموت ما لم يتعرَّض للاستعداد له، ولا بالتحذير من الاغترار بالدنيا؛ فإِنَّه ممَّا يتواصى به منكرو المعاد.
وإِن اقتصر على قوله: (أطيعوا الله، واجتنبوا معاصيه)، كفى ذلك عند الأصحاب، وأباه الإِمام، وَشَرطَ فصلًا يهزُّ ويقع من السامعين موقعًا، ويحثُّهم على الخير، وبه أشعر كلام الشافعيِّ؛ إذ ذكر لفظ الوعظ مع مراعاته للاتِّباع.

539 -

[فصل] (1) في بيان ما يجب من القراءة

وإِذا أوجبنا القراءةَ على المشهور، فلابدَّ من آية تامَّة، وأجاز الإِمامُ بعضَ آية طويلة، ولم يجوِّز قولَه: ﴿ثُمَّ نَظَر﴾ وإِن كان آيةً، وضَبطَ القراءةَ بما لا يجري على نظمه ذكرٌ من الأذكار، وهو الذي يحرم على الجُنُب قراءتُه، وتردَّد فيما تحرم قراءتُه على الجنب، ولا يستقلُّ بمعناه، وأجاز ما يستقلُّ بوعد أو وعيد أو حكم شرعيٍّ أو غير ذلك.
وأما الدعاء: فيكفي أنَّ يدعوَ لعامَّة المؤمنين بجهة من الجهات، فإِن اقتصر على أوطار الدنيا لم يجز عند الإِمام، ولو أبدل جميعَ الأركان بآي1

يشتمل على معانيها، لم يجز؛ إِذ لا تسمَّى خطبةً، وإِن أبدل بعضَ الأركان؛ كالتحميد أو الوعظ، فقد أجازه أبو محمَّد، ولم يُبْعِدْه الإِمام، لكنْ لا تُحسب القراءةُ عن الوعظ وعن القراءة.

540 -

[فصل] (1) في القيام في الخطبتين والقعود بينهما

ويجب القيامُ فيهما على القادر، وكذلك تجبُ القعدةُ بينهما مع الطمأنينة، وهذه الجلسة تقاربُ الجلسةَ بين السجدتين في الأقل والأفضل، وقدر الشافعيُّ الأفضلَ بـ (سورة الإِخلاص) ومن أخصَّ أركان الخطبتين رفعُ الصوت بهما.

541 -

[فصل] (2) في شرائط الخطبتين

يُشترط في الجمعة تقدُّم الخطبتين، ويُشترط في الخطبتين وقوعُهما في الوقت، وفي طهارتي الحدَثِ والخَبَثِ، وسَتْرِ العورة وجهان، ولا يُشترط استقبالُ القبلة ولا استدبارُها، والأدبُ استدبارُها؛ فإِن استقبلها وأسمع، أو وقف في أُخريات المسجد مستقبلًا، جاز وإِن خالف الأدبَ.
فإِنْ شَرَطْنا الطهارةَ، فأحدث في أثنائها، فلا يُعتدُّ بما يأتي به مع الحدَث، وإن شَرَطنا الوِلاء، فتطهَّر في زمان لا ينقطعُ بمثله الولاءُ، ففي12

وجوب الاستئناف وجهان؛ وجهُ الوجوبِ التشبيهُ بالصلاة.
قال الإِمامُ: ولا فرقَ في انقطاع الولاء بين المعذور وغيره، بخلاف الطهارة.

542 -

فصل في آداب الخطبتين

1 روي أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُسلِّم على من عند المنبر، ثمَّ يصعد، فإِذا استقبل الناسَ بوجهه سلَّم، ثم جلس 2، فينبغي للإِمام أنَّ يفعل ذلك، ثمَّ يؤذن بين يديه الأذان المشروع، ولم يكن قبله أذانٌ على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر، فلمَّا كثر الناس في زمن عثمان - رضي الله عنه -، أمر المؤذِّنِين فأذَّنوا على أماكنهم، ثم كان يؤذَّن بين يديه على المنبر.
فإِذا انقضى الأذانُ، فليقم إِلى الخطبة، ويُشغِل إِحدى يديه بحَرْفِ المِنبَر، ويعتمد بالأخرى على قوس أو سيف أو عَنَزة 3، فذلك مروي عنه - صلى الله عليه وسلم - 4، وقيل: كان يعتمد في الحَضَر على العنزة، وفي السفر على القوس

والسيف، فإِن لم يفعل أرسل يديه قارتين، أو وضعهما على صدره كما في الصلاة، ولا ثَبَت في هذا، والغرض ألا يعبثَ، فإذا قضى الخطبة الأولى جلس بقدر (سورة الإِخلاص)، ثمّ قام وخطب الثانية، فإِذا قضاها أقيْمت الصلاة، وقرَّبَ الإِمامُ وقوفَه في المحراب من نجاز الإِقامة.

543 -

[صفة الخطبة]

(1): وينبغي أنَّ تكون الخطبة بليغة قريبة من الأفهام مائلةً إلى القِصَر، بعيدة من الركيك والغريب، مرتَّلةً بأناةٍ من غير تغنٍّ ولا تمطيط.

544 -

فصل في الاستماع والصمت

ومن تمكَّن من الإِصغاء لزمه الإِصغاءُ والصمتُ على القديم دون الجديد، فإِن أوجبناه على السامع، ففي مَنْ لا يسمع وجهان.
ولا يحرم الكلامُ على الخطيب، وغلط من أجراه على القولين، ولا خلاف أنَّ الخُطبةَ لا تنقطعُ بيسير الكلام، وإِن طال فعلى الخلاف في الموالاة، وقطع الإِمام بأنَّ إِصغاءَ أربعين كاملين فرضُ كفاية، وأوجب على الإِمام إِسماعَهم؛ فإِن لم يسمعها أربعون، فلا تصحَّ الخطبةُ ولا الجمعةُ، وخصَّصَ الخلافَ بمن زاد على الأربعين.
فإِن حرَّمنا الكلامَ، فلا يجوز التسليمُ ولا ردُّه، وفي تشميت العاطس وجهان.1

فإِن أجزناه، فهل نستحبُّه أو يكونُ الإِصغاءُ أهمَّ منه؟ فيه وجهان، وإِن جوَّزنا الكلامَ وجب تشميتُ العاطس، ولا يجب ردُّ السلام؛ لوقوعه في غير محلِّه، وفي استحباب ردِّه وجهان.

545 -

فرع:

إِذا أذَّنوا بين يدي الخطيب فلا يحرم الكلام، ولكن لا ينبغي التنفُّل حينئذ، وللداخل في أثناء الخطبة أن يصلِّي ركعتين خفيفتين، ولا يحرم الكلام والصلاة بعد الخطبتين إِلى الإِحرام بالجمعة، والمنصوص أنَّ الكلامَ لا يحرم على الداخل ما دام يمشي ويختار لنفسه مجلسًا، فإِذا جلس ففيه الخلاف.

546 -

فصل في عَقْد جمعتين ببلدة واحدة

اتَّفقوا على جواز الزيادة على جمعة واحدة ببغدادَ، وفي علَّته ثلاثة مذاهب: أحدها: تخلُّل النهر العظيم، فلا يجوز فيها سوى جمعةٍ شرقيَّة، وأخرى غربية، وكذلك في كلِّ بلدةٍ يتخلَّلها نهرٌ لا يُخِيض.
والثاني: أنَّها كانت قرىً متفرِّقةً تقام في كل واحدة منهنَّ جمعةٌ، فلما اتَّصلت العمارةُ استُصْحِب ذلك الحكمُ، فيُلحق بها ما ساواها في ذلك من البلاد.
وقال في "التقريب": ينبغي أنَّ يترخَّصَ المسافر بمجاوزة القرية القديمة؛ نظرًا إِلى الحكم القديم، ويحتمل أنَّ لا يترخَّص، وأن لا تقامَ فيهنَّ إِلا جمعة

واحدة؛ نظرًا إِلى ما حدث من الاتِّصال.
والثالث: أنَّ العلَّة كثرة الناس، وضيق المكان، فيلحق بها ما ساواها في ذلك من البلاد، وإِن لم يكن شيءٌ من ذلك، فلا تُقام بالبلدة الواحدة إِلا جمعةٌ واحدة.
فإن وقعت جمعتان صحَّت السابقة دون اللاحقة، إِلا أن يكونَ الإِمامُ مع اللاحقة، فوجهان أصحُّهما: أنَّها لا تترجَّح بحضوره؛ إِذ لا يجب مراجعةُ الولاة في الجمعة، وإِن كان الأَولى أن يُراجَعوا، ويعتبر السبقُ بالإِحرام على الأصحِّ، وقيل: بالشروع في الخطبة، وأبعد من قال: بالسلام.
وإِن وقعتا معًا، أو احتُمِل وقوعُهما معًا، فلا تصحُّ واحدةٌ منهما، وتلزمهم الجمعةُ.
قال الإِمام: قياسُ الاحتياط في صورة الاحتمال أن تلزمهم الجمعةُ؛ لاحتمال وقوعهما معًا، وأن يلزمَهم الظهرُ؛ لاحتمال التلاحق، وإِن تلاحقتا ولم تُعرف السابقةُ، فهل تلزمهم الجمعة أو الظهر؟ فيه قولان، ووَجْهُ وجوب الجمعة أنَّها بنيت على كمال، فجاز أن يُشترط فيها تعيُّنُ البراءة مع التعيين، وإِن عرفت السابقة، ثمَّ نُسيتْ، لزمتهم الظهرُ، وأبعد مَنْ طرد القولين.

547 -

فرع:

لو علموا في أثناء الجمعة أنَّهم سُبقوا، ففي بناء الظهر عليها قولان.

548 -

القراءة في الجمعة:

قال في القديم: يقرأ في الأولى من الجمعة بـ (سبح اسم ربك الأعلى)،

وفي الثانية بـ (الغاشية).
وفي الجديد: يقرأ في الأولى (الجمعة)، وفي الثانية (المنافقين)؛ فإِن نسي (الجمعةَ) في الأولى قرأها في الثانية مع (المنافقين).

549 -

[باب] (1) التبكير إلى الجمعة

يُستحبُّ لقاصد الجمعة أن يأتيَها ماشيًا بالسكينة والوقار، وأن يتطيَّب ويتزيَّن، وأحبُّ الثيابِ إِلى الله البياضُ.
وإن حَضَرها العُجَّزُ فلا يَلْبَسْنَ الشهيرةَ من الثياب، ولا يتطيَّبنَ بما فيه شهرة.
وقد قال عليه السلام: "مَنْ راح إِلى الجمعة في الساعة الأُولى فكأنَّما قرَّب بدنةً، ومن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قرَّب بقرةً، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنَّما قرَّب كبشًا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنَّما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنَّما قرَّب بيضة" 2. وأراد عليه السلام بذلك الحثَّ على المسابقة إِلى الجمعة، وبيانَ منازل السابقين، وغلط من حمله على الساعات التي قُسِّم عليها الليل والنهار؛ لأنَّ السلف لم يكونوا يبكِّرون في أوَّل ساعات النهار مع أنَّ الساعةَ الخامسة تقع في الصيف قبل الزوال، وفي الشتاء قريبًا من العصر، فلا يحمل كلامُ الرسول عليه السلام على ما ذكره أصحاب التقاويم.
1

550 -

باب صلاة الخوف

لا يجوز جمعُ الصلاة، ولا إِخراجُها عن وقتها بسبب الخوف.
وصلاة الخوف على ما يقتضيه الحال أربعةُ أضرب: الضرب الأوَّل: صلاةُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-ببطن النخل؛ إِذ فرَّق أصحابه فرقتين، فصلى بكلِّ واحدةٍ منهما ركعتين، وتحلَّل بهما 1، وذلك جائز في الأمن.
الضرب الثاني: صلاته بذات الرقاع؛ إِذ روى خوَّات بن جبير أنَّه فرقهم فرقتين 2؛ إِحداهما في وجه العدوِّ، وصلى بالأخرى ركعة، فلما قام إِلى الثانية انفردوا عنه بركعة، وسلَّموا، ثم قاموا في وجه العدوِّ، ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قائم في انتظار الثانية إِلى أن جاءت، فصلَّى بها ركعة، ثمَّ جلس ينتظرها، فصلَّت ركعة ثمَّ تحلَّل بها.
وروى ابن عمر أنَّه لما صلَّى بالفرقة الأولى ركعةً ذهبت إِلى وجه العدو، وهي في الصلاة، ثمَّ أتته الثانية، فصلَّى بها ركعة، وتحلَّل، فذهبت إِلى وجه

العدوِّ، وهي في الصلاة، ثمَّ رجعت الأولى إِلى مكانها من الصلاة، فأتمَّت صلاتها، ثمَّ انصرفت إلى وجه العدوِّ، وفعلت الفرقة الأخرى كذلك (1). وكلتا الروايتين صحيحة، فأجاز (2) بعضُهم الأخذَ بهما، وفضَّل رواية خوَّات، ومنعه آخرون، وقالوا: لا تصحُّ الصلاةُ على ما تقتضيه روايةُ ابن عمر؛ ترجيحًا لرواية خَوَّات بكثرة الرواة، وأنَّها مقيَّدة بذات الرقاع، وهي من آخر الغزوات، ولموافقتها القواعدَ في ترك الأفعال في الصلوات.
فإذا كان العدوُّ منحرفًا عن القبلة فرَّقهم فرقتين، وانحاز بإِحداهما إلى حدٍّ لا تبلغه سهامُ العدوِّ، وكذلك كان الأمرُ في غزوة ذات الرقاع، وليصلِّ بهم ركعتين على وفق رواية خوَّات إِلا أن الطائفةَ الثانية تتشهد معه على القول القديم، وتفارقه كالمسبوق، ولا شكَّ في جواز ذلك، والاعتماد في الجديد على رواية خوَّات، فيفارقونه إِذا جلس، وينتظرهم إلى أن يسلِّموا معه.

551 -

[فصل] (3) في قراءة الإمام وتشهُّده في حال الانتظار

ويقرأ الإِمامُ الفاتحةَ في انتظاره، ويمدُّ القراءةَ بعدَها بقدر ما تتمكَّن الفرقةُ الثانية من قراءة الفاتحة، ونقل المزنيُّ أئه لا يقرأ حتَّى تلحقه، فغلَّطه بعضُهم، وذكر آخرون قولين، [وانتظارهم في التشهُّد كانتظارهم في القيام123

أو يتشهَّد قولًا واحدًا؟ فيه، (1) [وفي التشهد] طريقان، والفرق أنَّه إِنَّما يسكت في القيام؛ ليسوِّيَ بين الفرقتين في القراءة، بخلاف التشهد.

552 -

[فصل] (2) في صلاة ذات الرقاع في الأمن

إِذا صلوا في الأمن كصلاة ذات الرقاع، ففي بطلان صلاة الفرقة الأولى الخلافُ فيمن انفرد بغير عُذْر، وفي بطلان صلاة الإِمام الخلافُ في بطلان الصلوات بالانتظار؛ فإِن أبطلنا صلاتَه بطلت صلاةُ الطائفة الثانية إِن علمت، ولم تبطل إِن جهلت، وإِن لم نبطل صلاته، فلا تبطل صلاة الفرقة (3) الثانية إِن فارقته مفارقةَ المسبوق، وإِن فارقوه لمَّا رفع رأسه؛ بناءً على القول الجديد، فقد قطعوا القدوةَ بغير عذر، فإِن لم تبطل الصلاةُ بذلك؛ فإِذا رجعوا إِلى الإِمام، فقد اقتدوا بعد الانفراد، وفي ذلك قولان.

553 -

فصل في صلاة المغرب في الخوف كذات الرقاع

لو صلَّى المغربَ بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، أو بعكس ذلك لجاز، والأوَّل أفضل؛ إِذ لو عكس لتشهَّدت الفرقةُ الثانية تشهدًا لا يحسب لها، ومثل ذلك لا يُحتمل في الخوف، وفيه قول مزيف أنَّ العكسَ أولى.123

وإِذا صلى بالأُولى ركعتين فانتظارُ الثانية في القيام أَولى من انتظارها في التشهُّد، وأبعد من عكس ذلك.

554 -

فصل في تفريق الجند أربعَ فِرَق

لو فرَّقهم أربع فرق؛ ليصلِّي بكلِّ فرقةٍ ركعة، وتنفرد بثلاث ركعات؛ فإِن لم تدْعُ إِلى ذلك حاجةٌ، فهو كالصلاة في الأمن، وإِن مسَّت إِليه الحاجة، ففي 1 جوازه قولان، فإِن أجزناه، فانتظار الثالثة في القيام أَولى من انتظارها في التشهُّد، وأما الطائفة الرابعة: فإِنَّها تفارقه إِذا رفع رأسه، وينتظرها حتى تُسلِّم معه، وعلى القديم تتشهَّد معه، وتفارقه بعد سلامه كالمسبوق، وإِن منعنا ذلك صحَّت صلاةُ الطائفة الأولى والثانية، وانتظار الطائفة الثالثة في الركعة الثالثة ممنوعٌ على النصِّ جائز على قول ابن سُريج.
وعلى النصِّ في بطلان صلاة الإِمام بانتظاره قولان؛ فإن قلنا: لا تبطل، صحَّت صلاةُ الفرقة الثالثة؛ لأنَّهم انفردوا بعذر، وقال أبو محمَّد: لا اعتبارَ بعُذْرهم؛ لأنَّ ذلك على خلاف الشرع، وإِن أبطلنا صلاتَه، فلا تصحُّ صلاةُ الطائفة الثالثة خلفَه إِن علِمَت بذلك، وإِن جهلت ذلك، صحَّت صلاتُها؛ كالمقتدي بالجنب إِلا أنهم قد انفردوا بعد اقتدائهم بمن لا صلاةَ له، ففيهم وفيمن انفرد عن إِمامة الجنب احتمالٌ من جهة أنَّهم انفردوا عمَّن يعتقدون صحةَ إِمامته، ويُحتمل أن يُخرَّج على أنَّه هل يثبت لهم حكمُ القدوة أم لا؟

وإِن

ْ فرَّع

نا على قول ابن سُريج صحَّت صلاةُ الطائفة الثالثة، ورجع التفريعُ إِلى انتظار الطائفة الرابعة، ومهما أبطلنا الصلاةَ بالانتظار، فلا تبطل إِلا إِذا طوَّل بعد الفاتحة والسورة قاصدًا للانتظار، فإِن عزم قبل التطويل على الانتظار، فقد علَّق نيَّتَه بما لو نجَّزه لأبطلَ صلاتَه، وقد تقدَّم هذا في فصول النيَّة.

555 -

فصل في سجود السهو

ويتحمَّل الإِمامُ سهوَ الطائفتين، ويلحقهما حكمُ سهوِه فيما اقتدتا به فيه، وثبت ذلك في حقِّ الأولى ما لم يرفع من السجود، وفيما بعد السجود إِلى القيام وجهان؛ فإِن قلنا: تنقطع قدوتُهم بالرفع من السجود فرَفَع الإِمامُ قبلهم، فقد انقطعت القدوةُ؛ إِذ لا خلافَ أنَّ الإِمامَ لا يتحمَّل سهوَ مَن يسهو عَقيب سلامه في صلوات الاختيار؛ لوقوع ذلك بعد فراقه، وإن قلنا: لا تنقطع قدوتُهم إِلا بالاعتدال، احتُمل ألَّا تنقطعَ إِلا إِذا ركعوا؛ لأنَّهم حينئذ فارقوه على الحقيقة، والمنقول ما قدَّمته.
وإِذا انتظر الطائفة الثانية في التشهُّد ففي تحمُّله لسهوهم وإِلحاقِهم حكمَ سهوِه وجهان يجريان في الاقتداء الحُكميِّ في حقّ المزحوم، والأصحُّ عند الإِمام أنَّ القدوة لا تنقطع، فإن قلنا: تنقطع، فيبعد أن يعودوا إِلى المتابعة بغير نيَّة، ولم يشرِط النيَّة أحدٌ.

556 - فرع: لو سها منفردًا، ثمَّ اقتدى، فقد ذكر بعضُهم في انقطاع سهوه بالاقتداء

وجهين، وقطع الإمام بأنَّه لا ينقطع؛ لأنَّه لما سها لم يكن عازمًا على لُحوق الإِمام.

557 -

فرع:

لو صلَّى الجمعةَ كصلاة ذات الرقاع، ففي جوازه وجهان؛ فإِن منعناه، فحُكم مفارقتهم في الثانية حكمُ الانقضاض، وقال الإِمام: ينبغي ألَّا تصحَّ صلاةُ الطائفة الأولى؛ لأنَّهم وإِن صلَّوا ركعةً مع الإِمام فقد انفردوا عنه بالثانية، وذلك غيرُ جائز في حال الاختيار، وقد أشار العراقيُّون إِلى تردُّدٍ فيه في حقِّ المختار، ولا أصلَ له.

558 -

فصل في صلاة عُسْفان

1 إِذا كان العدوُّ في جهة القبلة، ولم يلتحم القتالُ، فلْيصُفَّهم صَفَّين، وليُحْرِمْ بهم، فإذا سجد فليسجدْ معه الصفُّ الثاني، وليحرسْهم الصفُّ الأوَّل، فإِذا قاموا سجد الصفُّ الأوَّل، فإِذا سجد في الركعة الثانية حَرَسَ الصفُّ الثاني وسجد الأوَّل، فإِذا رفعوا فليسجد الحارسون.
قال الشافعيُّ: لو تأخَّر الصفُّ الأوَّل، وتقدَّم الثاني للحراسة، كان حسنًا، ولو حرس الصفُّ الأوَّل في الركعة الثانية، والثاني في الركعة الأولى،

فقد أجازه أبو محمَّد، وإِن حرس في الركعتين طائفةٌ واحدة فوجهان، ولو حرس بعضُ الصفِّ الأوَّل في الأولى، وبعضُه في الثانية، جاز بلا خلاف.

559 -

فرع:

لا تصحُّ صلاة عُسْفان في حال الاختيار مع بقاء نيَّة القدوة بلا خلاف.

560 -

فصل في وجوب حمل السلاح في صلاة الخوف

اختلف نصُّه في ذلك، فمنهم من قطع باستحبابه، ومنهم من قطع بوجوبه، وذكر آخرون قولين.
وقال الإِمام: إِن بعُدوا عن السلاح بحيث يتعرَّضون للهلاك حرُم ذلك، وإِن قربوه بحيث يتيسَّر أخذُه من غير خطر، فلا بأس، وإِن لم يظهر في وضعه خللٌ، ولم يُؤمَن الخلل، فلعلَّ هذا موضعُ الخلاف؛ فإِن أوجبنا الحملَ، فتركَه، لم تبطل الصلاةُ؛ لتعدُّد الجهة؛ كالصلاة في الدار المغصوبة، ويحتمل أن يلحقَ بالصلاة في حال الاختيار؛ لأنَّ تغييرَ الصلاة إِنَّما جاز؛ تحصيلًا للحزم ومكايد 1 الحرب، فإِذا اختلَّ ذلك أُلحق بحال الاختيار.

561 -

فصل في الصلاة في شدَّة الخوف

يُعتبر في أحوال الخوف ما يوافقها من الصلوات، فصلاة عُسْفان حيث لا توافق كصلاتها في حال الاختيار، فإِذا اشتدَّ الخوف والتحموا، ولم يمكن التفريقُ ولا صلاةُ عُسْفان، صلَّوا رجالًا ورُكبانًا إِلى القبلة وإِلى غير القبلة مومئين بالركوع والسجود، كالصلاة على الراحلة، ولا يُتمُّ الماشي الركوعَ والسجود؛ لما فيه من الخطر، بخلاف صلاته في السفر، وتبطل الصلاةُ بالزعقة والصيحة، والأفعال الكثيرة لغير حاجة.
وإن كثر فعله للحاجة؛ فإِن كان ذلك في أشخاص، لم تبطل صلاتُه على أصحِّ القولين، وإِن كان في شخص واحد بطلت، واختار الإِمام أنَّها لا تبطل؛ لأنَّ الواحدَ قد يتَّقي بحجَفَتِه وسلاحه، فلا تندر كثرةُ الأفعال في ذلك، وبه أشعر كلام الصيدلانيِّ إِذ قال: المعتبَر في ذلك كلِّه الحاجةُ.

562 -

تلطُّخ السلاح بالدم:

إِذا تلطَّخ سيفُه بالدم فألقاه، أو أغمده تحت ركابه في زمان يقارب زمانَ الإِلقاء، لم يضرَّ، وإِن أمسكه بطلت صلاتُه، وقال الإِمامُ: لا تبطل إِلا إِذا استغنى عنه؛ لأنَ ذلك ممَّا تعمُّ به البلوى، ولو أغمده في قِراب هو متقلِّده فهو حامل للنجاسة.

563 -

فصل في زوال الخوف في أثناء الصلاة وطُرُوِّه عليها

إِذا طرأ الخوفُ على الصلاة، ومسَّت الحاجةُ إِلى الركوب، فرَكِب،

جارٍ التحميل