كِتَابُ الحُدُودِ
كِتَابُ الحُدُودِ
3445 -
حدودُ الشرع: بالجَلْد، والقطع، والقتل؛ ويُجلد العبدُ شطرَ الجلد، ويساوي الحرَّ في القَطْع، والقتل.
فالجَلْد في زنا البكر، والقَذْفِ، وشُربِ الخمر، والقطعُ في السرقة، والمحاربةِ، والقتلُ في المحاربة والإصرار على الردَّة، ويجب في زنا الثيِّب الرجمُ.
ولا يجب شيءٌ من الحدود إلَّا على بالغ عاقل.
3446 -
باب حدِّ الزنا
يجب بزنا البكر جلدُ مئة، وتغريبُ عام إلى مسافة تُقصر فيها الصلاةُ.
والبكرُ: هو الحرُّ البالغ العاقل الذي لم يطأ في نكاح صحيح، فإن كان رقيقًا، جُلد خمسين، وفي التغريب قولان، فإن قلنا: يُغرَّب، غُرِّب إلى مسافة القصر اتِّفَاقًا، وفي مدَّة التغريب قولان:
أحدُهما: سنةٌ.
والثاني - وهو الأصحُّ -: نصفُ سنة.
وتُغرَّب المرأةُ إن ساعدها زوجٌ أو مَحْرم، فإن طلب أجرةً، فهي عليها، أو على بيت المال؛ فيه وجهان، فإن امتنع، ففي إجباره بالأجرة وجهان، فإنَّ الإمامَ إذا استعان ببعض الآحاد، لزمه الانقيادُ، فإن لم يكن زوجٌ، ولا مَحْرم، ففي تغريبها مع أمن الطريق وجهان.
ويُغرَّب الغريبُ إلى غير وطنه، والأصحُّ أنَّ للمُغرَّب مفارقةَ البلد الذي غُرِّب إليه، فإن اختلف الزاني والإمامُ في جهة التغريب، فاختار الإمامُ المشرِقَ، واختار الزاني المَغرِبَ، فالأصحُّ اتِّباع الزاني، فإن عاد المغرَّبُ في أثناء السنة، وأقام مدَّة، وجب تغريبهُ، وفي بطلان ما مضى من التغريب احتمال.
3447 -
فصل في رجم الزاني
يُرجم الزاني المُحْصَن إلى أن يموتَ، ثم يُغسَّل، ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين، وهو: البالغُ العاقل الحرُّ الذي وطئ في نكاحٍ صحيح، فإن وطئ أمتَه، لم يحصل التحصُّن اتِّفَاقًا، وإن وطئ بشبهة، أو نكاح فاسد، فليس بمُحْصَن في أصحِّ القولين، ولا ترتُّب بين الحرِّيَّة، والعقل، والبلوغ، وفي ترتيب الإصابة على هذه الصفات وجهان، فإذا وطئ العبدُ، أو المجنون، أو الصبيُّ في نكاح صحيح، ثمَّ بلغ الصبيُّ، وأفاق المجنون، وعتق العبد، ففي حصول التحصين بذلك الوطء الوجهان، وإن اجتمعت هذه الصفاتُ في أحد الزوجين عند الإصابة، وانتفت عن الآخر، حصل التحصُّن (1) لمَنْ يثبت له دون صاحبه (2)، وذكر في "التقريب" في إصابة الصغيرة (3) والصغير وجهين، خصَّهما الإمامُ بالصغير الذي لا يشتهي، وبالصغيرة التي لا تُشتهى، وإن كان أحدُ الزانيين بكرًا، والآخر مُحْصَنًا، رجم المحصنُ اتِّفَاقًا.
3448 -
فصل في الإقرار بالزنا والرجوع عنه
إذا أقرَّ بالزنا مرَّةً، أو أقرَّ بالسرقة، وجب الحَدُّ، فإن رجع، وذكر سببَ123
الرجوع والإقرار، أو لم يذكره، سقط حدُّ الزنا، وفي قطع السرقة قولان، وإن أقرَّ الأخرسُ بالإشارة، أو قامت بذلك بيِّنةٌ، لزمه الحدُّ.
والرجوع أن يقولَ: كذبتُ في الإقرار، أو رجعتُ عمَّا قلت، وهو يريدُ التكذيبَ، فإن لم يصرِّح بالرجوع، والتمس تركَ الحدِّ، لم يسقط على أظهر الوجهين، وإن هرب من الحدِّ، أو امتنع من الانقياد له؛ فإن ثبت زناه بالإقرار، ففي سقوط الحدِّ وجهان، وإن ثبت بالبيِّنة، فطريقان، وقيل: لا يسقط في الصورتين، والخلافُ في اتباعه لإقامة الحدِّ، وإذا ثبت الحدُّ بالبيِّنة لم يسقط بالتوبة على أصحِّ القولين، وإن تاب المحاربُ قبل الظفَر، سقط الحدُّ اتِّفاقًا، وإن تاب بعد الظفر، لم يسقط على الأصحِّ.
3449 -
فصل في صفة الجلد والرجم
السلطانُ والشهودُ بالخيار بين أن يحضروا محلَّ الجلد والرجم، وبين ألَّا يحضروا، ويُستحبُّ للشهود بالحدِّ أن يحضروا.
ويجب الرجمُ بأحجار يُرجم بمثلها للقتل، ولا يجوز ضربُ عنقه، ولا رميهُ بصخرة مذفِّفة، ولا بمثل حصا الخَذْف، فإن فُعل ذلك، فمات به، حصل الحدُّ، وُيرجم المريضُ المُدْنِف في الحَرِّ المفرط، والبرد الشديد، وأمَّا الجَلْد؛ فإن ثبت بإقرار 1، أُخر إلى اعتدال الزمان؛ فإن كان مريضًا؛ فإن رجونا بُرْأَه، أُخِّر حتَى يبرأ، وإن لم يُرجَ برؤه، أو كان ضعيفًا مخدَّج
الخلق لا يحتمل الجَلْد أصلًا، ضرب بعِثْكال عليه مئة شِمْراخ 1، فإن كان عليه خمسون، ضرب به مرَّتين، قال الصيدلانيُّ: ولا يُشترط أن تمسَّه جميعُ الشماريخ، ويكفي انكباسُ 2 بعضها على بعض بحيثُ يحصل ألمُ التثقيل، وقيل: لا يُشترط الإيلامُ، ولا يكفي الوضعُ اتِّفَاقًا، ولا بدَّ ممَّا يُسمَّى ضربًا، وشرط الإمامُ إيلامًا يكون وَقْعُه منه كوَقْع السياط من جسد الأيد، وطرد هذه النسبة فيما يحتمله كلُّ مجلود، ولو احتمل المخدَّجُ سياطًا دون سياط الحدِّ، فقد دلَّ كلامُ الأصحاب على العدول إلى العِثْكال، وخالفهم الإمامُ، وإن احتمل المريضُ سياطًا مفرَّقة على الأيَّام، لم يجب ذلك عند أحد من الأصحاب، ويجب أن يُقامَ عليه ما يحتمله، ثمَّ يُخلَّى سبيله.
3450 -
فرع:
إذا كان المرضُ مرجوَّ الزوال؛ فإن ثبت الحدُّ بالإقرار، ففي حبسه إلى البرء احتمال، وإن ثبت بالبيِّنة، فالذي تلقيته من كلام الأصحاب أنَّه يُحبس إلى الزوال.
3451 - فرع: إذا غلب على الظنِّ أنَّ المرضَ مأيوسُ الزوال، فجلدناه بالعثكال، ثمَّ
برئ، فلا يُعاد الحدُّ اتِّفَاقًا.
3452 -
فرع:
مَنْ حدَّه الإمامُ في شدَّة الحرِّ أو البرد، فهلك، لم يضمنه، ومن امتنع من الختان، فختنه الإمامُ في حرٍّ أو برد، فمات، وجب الضمانُ، وقيل: فيهما قولان، وفرَّق بعضُهم بأنَّ الحدودَ مفوَّضة إلى الأئمَّة، بخلاف الختان.
وقال الإمامُ: إذا لم نوجب الضمانَ، كان التأخيرُ إلى الاعتدال مستحبًّا، وإن أوجبنا الضمانَ انقدح في وجوب التأخير وجهان.
3453 -
فائدة:
الضعيفُ: هو الذي يُهلكه الجَلْدُ (1) لا محالة، والقويُّ: هو الذي تغلب سلامتُه منه، والتعزيرُ مشروط بغلبة السلامة، ويحتمل أن تُشترطَ غلبةُ السلامة في الحدِّ، ويحتمل ألَّا تُشترط؛ فإنَّ جَلْدَ مئة على صفة الحدِّ قد يجب بمثلها القصاصُ؛ إذ لا ينقص عن قطع أَنْمَلة، ويُحتمل أن يكون الحدُّ بحيث لو وقع عدوانًا، لما أوجب القصاصَ.
3454 -
فصل في حدِّ اللواط وإتيان البهائم
في حدِّ اللواط أقوال:
أحدُها: أنَّه الرجم.
والثاني: ضربُ الحنث.1
والثالث: يُجلد البكرُ، ويُرجَم المُحْصَن.
والرابع: التعزيرُ، وهو بعيدٌ مخرَّج.
ووطء الأجنبيَّة في الدُّبُر كالزنا، أو اللواط؟ فيه طريقان، ووطءُ الزوجة والمملوكة في الدُّبُر موجبٌ للتعزير، وأبعد مَنْ ألحقه باللواط.
ومن لاط بمملوكه، ففي حدِّه الأقوالُ الأربعة، وأبعد مَنْ خرَّجه على القولين فيمَنْ وطئ أمتَه المحرَّمة عليه بنسب، أو رضاع؛ فإنَّ الملكَ لا يبيحُ إلَّا في الإناث.
وإذا جعلنا اللائطَ كالزاني، اعتُبرت شرائطُ الإحصان في الفاعل، ويحتمل أن تُعتبرَ في المفعول به، ويحتمل أن يجلدَ ويُغرَّب، ويحتمل أن يُقتلَ بكلِّ حال.
وإتيان البهائم موجبٌ للتعزير، وعلى قول بعيد هو كاللواط؛ فإن جُعل كاللواط، ففي قتل البهيمة أوجهٌ، ثالثها: يُذبح ما يُؤكل لحمه، ويحرم قتل ما لا يُؤكل لحمه، فإن أوجبنا قتلَ ما لا يُؤكل، وجبت قيمتُه على الأصحِّ، وهل يجب على الزاني، أو بيت المال؛ فيه وجهان، وإن قلنا بذبح المكول، لم يحرم لحمُه على الأصحِّ، بل يجب أرشُ الذبح، وفي محلِّه الوجهان، وإن قلنا: يحرم لحمُه، أُلحق بما لا يُؤكل.
3455 -
فرع:
كلُّ إتيان يوجب الحدَّ، فلا يثبتُ إلَّا بأربعة شهود، وكل إتيان يوجب التعزيرَ، ففي ثبوته بشاهدين وجهان، وظاهر النصِّ: أنَّه لا يثبت إلَّا باربعة.
3456 -
فصل في نقصان شهود الزنا وخروجهم عن أهليَّة الشهادة
إذا شهد بالزنا أقلُّ من أربعة، فهل يُحدُّون للقذف؟ فيه قولان.
وإن شهد أربعةٌ عادلة، ثمَّ رجع أحدُهم، حُدَّ الراجع وحدَه، وأبعد من خرَّج الثلاثةَ على القولين، وينبغي أن يختصَّ ذلك بما قبل الحكم، وإن لم يرجعوا، ولكن ظهر كفرُهم، أو رِقُّهم، لزمهم حدَّ القذف عند المحقِّقين؛ لخروجهم عن أهليَّة الشهادة، وإن ظهر فسقُهم؛ فإن كان فسقًا مجتَهَدًا فيه، فرآه الحاكمُ، فلا حدَّ عليهم اتِّفاقًا، ولا يبعد إسقاطُ حدِّ الزنا أيضًا، وإن كان فسقُهم معلومًا؛ فإن كانوا متظاهرين به، ففي وجوب الحدِّ عليهم قولان، وإن كانوا مستخفين به، لم يُحدُّوا على المذهب، وفيه وجه.
ولو شهد عدلان أنَّ زيذا زنى بفلانةَ مطاوِعةً، وشهد آخر أنَّه زَنىَ بها مكرَهة، فلا حدَّ عليها، وفي وجوب الحدِّ على شاهدي المطاوعة لأجل المرأة القولان، فإن قلنا: يُحدَّان، فلا حدَّ على زيد، ولا يُحدَّان لأجْلِه عند المحقِّقين، وإن قلنا: لا يُحدَّان، وجب الحدُّ على زيد عند الأكثرين، وفيه وجه.
وإن شهد أربعةٌ بالزنا، وشهد أربعُ نسوة ببقاء العُذْرة، فلا حدَّ عليها، ولا على الشهود؛ فإنَّ العذرةَ قد تزول، ثمَّ تعود.
ولو شهد أربعة أنَّه زنى بها مكرهةً، فشهد أربعُ نسوة بالبكارة، فلا حدَّ على واحد منهما، وفي حدِّ الشهود القولان.
3457 -
فصل في بيان الشُّبهات
الشُّبهاتُ ثلاث:
الأول: شبهةٌ في الموطوء؛ كمن وطئ جاريةً يملك بعضَها، أو يملك جميعَها، ولكنَّها محرَّمة عليه بنسب، أو رضاع، أو بمعنى تختصُّ به؛ كالزوجيَّة، والعدَّة، فلا حدَّ عليه في أصحِّ القولين، واستبعد الإمامُ الخلافَ في المزوَّجة والمعتدَّة؛ لأنَّ تحريمَهما عُرْضة للزوال، بخلاف المَحْرميَّة، والرضاع.
ولو أحبل الأبُ جاريةَ الابن، لم يحدَّ اتِّفَاقًا، وأبعد مَنْ أجرى القولين إذا لم يثبت الاستيلادُ.
الثانية: شبهةٌ في الواطئ، وهي جهلُه بتحريم الوطء؛ كمَنْ وطئ في نكاح فاسد يعتقد صحَّتَه، أو زُفَّت إليه أجنبيَّة يظنُّها 1 زوجته، أو وجد امرأةً في 2 فراشه، فظنَّها زوجتَه أو أمتَه، فلا حدَّ عليه، وإن ظنَّها أمةً يملك بعضَها، وقلنا بالأصحِّ، لم يُحدَّ على أظهر الاحتمالين؛ فإنَّه ظنَّ ظنًّا لو تحقَّق لدُفع الحدُّ.
الثالثة: شبهةٌ في السبب المبيح؛ كالعقود المختلَف في صحَّتها؛ مثل نكاح المتعة، والنكاح بغير وليٍّ، أو بغير شهود، فلا حدَّ فيه على المذهب وإن كان الواطئُ معتقدًا للتحريم، وللشافعيِّ قول في وجوب الحدِّ على من يعتقد تحريمَ نكاح المتعة، وطرده الإمام في كلِّ عَقْد يُعلم بطلانُه مع اختلاف
العلماء فيه، بخلاف النكاح بلا وفي، أو بغير شهود؛ إذ لا يُعلم بطلانُهما، وقال أبو بكر الصيرفيُّ: يُحَدُّ الشافعيُّ والحنفيُّ في النكاح بلا وليٍّ.
3458 -
فرع:
إذا عقد النكاحَ على بعض محارمه، أو استأجر امرأةً للزنا، أو زَنىَ عاقلٌ بمجنونة، أو مجنونٌ بعاقلة، فليس ذلك شبهةً في دَرْء الحدِّ.
3459 -
فصل في حدِّ السيد رقيقَه
إذا أقرَّ العبدُ أو الأمةُ بما يوجب الحدَّ فللسيِّد أن يحدَّهما، وهل يملك ذلك بطريق الولاية، أو بإصلاحه لمُلْكه؟ فيه خلاف، وكذلك حكمُ المدبَّر، وأمِّ الولد، وليس له ذلك في المكاتب، ولا فيمن بعضُه حرٌّ، وغلط مَنْ أجازه فيمَنْ بعضُه حرٌّ، فإن كان السيِّد فاسقًا، أو امرأة، أو مكاتبًا، فهل له إقامةُ الحدِّ؟ فيه وجهان مأخذُهما المعنيان، فإن قلنا: ليس له ذلك، تولَّاه الإمامُ، وأبعد مَنْ قال: يتولَّاه في رقيق المرأة من يتولَّى تزويجَها، وإن أقرَّ العبدُ بما يوجب حدَّ القطع، أو القتل، ففيه أوجهٌ، ثالثها: له ذلك في القطع دون القتل، فإنَّ القتل فيه تفويت للملك، وليس بإصلاح له.
3460 - فرع: إذا قامت البيِّنةُ عند السيد بما يوجب الحدَّ؛ فإن علَّلنا بالإصلاح، لم يسمعها، وإن علَّلنا بالولاية فوجهان، فإن قلنا: لا يسمعها، سمعها الحاكمُ، وتولَّى السيِّدُ الحدَّ، ولا يُشترط أن يكونَ مجتهدًا، وقال الصيدلانيُّ: إن جوَّزنا له سماعَ البينة، فلا بد أن يكونَ عالمًا، ولا يتَّجه قولُه إلَّا في العلم
المختصِّ بهذا الباب.
3461 -
فرع:
إذا قلنا بتغريب العبد، فالأصحُّ أنَّ للسيد تغريبَهُ.
3462 - فرع: للسلطان أن يحدَّ الأرقَّاء، فإذا ثبت الحدُّ، فابتدره، وقع الموقعَ، وللسيِّد إقامتُه بغير إذن السلطان، فإن اجتمعا، وتنازعا فأيُّهُما أولى؟ فيه احتمال، ويتجه أن يُجعلَ السيِّد أولى بالجَلْد، والإمامُ أولى بالقطع والقتل.
3463 - فرع: إذا ترافع إلينا أهلُ الذِّمة في الحدود، جاز الحكمُ بينهم، وفي وجوبه قولان؛ فإن رضي الذمِّيُّ بحكمنا في حدِّ الخمر، لم نحدَّه على المذهب، ويُحدُّ الحنفيُّ بشرب النبيذ، فقيل: فيهما قولان بالنقل والتخريج، والأصحِّ الفرقُ؛ فإنَّا أمرنا بمتاركة الذمِّيُّ، وإصلاح أهل الإسلام.
3464 -
باب حدِّ القذف
حدُّ القذف حقٌّ للمقذوف يتوقَّف على طلبه اتِّفَاقًا، ويسقط بعفوه، ويُورث عنه اتِّفَاقًا، وفي المعاوضة عنه وجهان، ولا يستبدُّ المستحِقُّ باستيفائه اتِّفَاقًا؛ كالقصاص في النفس، والأطراف، فإن استبدَّ بالحدِّ، والقصاص، حصل القصاصُ، ولم يحصل الحدُّ، ولا يبعد حصولُه [لا] سيَّما إذا تراضيا به.
وإن قتل بعضُ الآحاد الزانيَ المُحْصَنَ، أو جلد البكرَ، حصل الحدُّ بالقتل، ولم يحصل بالجَلْد.
ويُحدُّ الحرُّ ثمانين، والعبد أربعين، ولا يسقط الحدُّ بإذن المقذوف في القذف، خلافًا لأبي حامد، وفيمن يرث حدَّ القذف أوجه:
أحدها: يرثه مَنْ يرث المالَ.
والثاني: يختصُّ به مَنْ يرثُ بالقرابة فرضًا كان أو تعصيبًا.
والثالث: تختصُّ به العصبات، وفي المعتق وجهان، وأبعد مَنْ طرد هذا الخلافَ فيمَنْ يرث القصاصَ، ومَنْ قذف ميتًا لزمه الحدُّ، وفيمن يرثه الخلافُ، فإن جعلناه لمن يرث المالَ، دخل فيه الزوجان على الأصحِّ، كما يرثانه إذا ثبت في حال الحياة، وإذا ماتت الأمةُ المقذوفة، ففي انتقال التعزير
إلى السيد وجهان؛ فإنَّه ملتزم لتجهيزها، وله أن يعيِّن مدفنَها.
3465 -
فرع:
إذا عفا بعضُ الورثة عن نصيبه من الحدِّ، ففي سقوطه أوجه:
أحدُها: يسقط كالقصاص.
والثاني: يسقط نصيبهُ، وتبقى حصصُ الباقين، ويُجبر الكسرُ في الإسقاط.
والثالث - وهو قول الجمهور -: لا يسقط منه شيءٌ، ولمن بقي استيفاءُ الجميع.
3466 -
فصل في تعدُّد المقذوف والقذف
إذا قذف شخصًا مرَّتين بزنيتين؛ فإذا لم يُحدَّ بين القذفين، وجب حدٌّ واحد، وإن حُدَّ بينهما، وجب حد آخرُ في أصحِّ القولين، وإن أعاد القذفَ الذي حُدَّ فيه، أو أطلق، عُزِّر، ولم يُحدَّ اتِّفَاقًا.
وإن قذف أجنبيَّة، ثمّ تزوَّجها، وقذفها بزنًا على فراشه، فطريقان:
إحداهما: يجب حدَّان.
والثانية: فيه القولان، فإن لاعنَ، طُولب بالحدِّ السابق.
وإن قذف اثنين فما زاد؛ فإن أفرد كلَّ واحد بكلمة، تعدَّد الحدُّ اتِّفاقًا، وإن اتَّحدت الكلمةُ؛ مثل أن قال: زنيتما، أو: أنتما زانيان، وجب حدَّان في أصحِّ القولين، وإن قال لزوجته وأجنبيَّة: زنيتما، فطريقان:
إحداهما: يجب حدَّان.
والثانية: فيه القولان، فإن لاعن الزوجةَ، حُدَّ للأجنبيَّة اتِّفَاقًا.