حقَّ 1 لسيِّده في ولاء مواليه كما لا حقَّ له في ماله.
ولو جَرح الذمِّيُّ أو المسلمُ ذمِّيًّا، فلحق الجريحُ بدار الحرب ناقضًا للعهد، فأرققناه، وتعيَّن مالكُه مثلًا، ثمَّ مات بالسراية، فما يلزم الجانيَ لورثته أو فيء؟ فيه قولان، وفيما يلزم الجانيَ أقوالٌ:
أحدُها: القيمةُ بالغةً ما بلغت؛ نظرًا إلى المال.
والثاني: الأقلُّ من القيمة، أو أَرْش الجناية؛ لأنَّه صار هدرًا بعد الجناية.
والثالث: جميعُ الأرش بالغًا ما بلغ، وهو ضعيفٌ يشبه قولَ الإصطخريِّ فيمن قُطعت يداه ورجلاه، فارتدَّ ومات؛ فإنَّه أوجب فيه ديتين؛ لتعذُّر الإدراج، وهذا الخلاف مبنيٌّ على أنَّ مَنْ جرح مسلمًا، فارتدَّ، ثمَّ أسلم، ومات بالسراية، فهل تلزمه الديةُ أو نصفُها أو ثلثاها؟ فيه خلاف، فإن أوجبنا الديةَ، ففيما يجب هاهنا الأقوالُ المذكورة، وإِن لم نوجب الديةَ؛ لوقوع السراية في الردَّة، وجب أن يُهدرَ هاهنا ما وقع من السراية بعد انتقاض العهد، فإن اعتبرنا الأرشَ، وجب، وإِن اعتبرنا القيمةَ، فهل يجب نصفُها أو ثلثاها؟ فيه الوجهان، وإِن اعتبرنا الأقلَّ، فهل يجب الأقلُّ من الأرش ونصف القيمة، أو من الأرش وثلثيها؟ فيه الوجهان، فإن حكمنا بالأرش فإن أوجبنا الأقلَّ، صُرف إلى الوارث، وإِن أوجبنا القيمةَ؛ فإن كانت بقَدْر الأرش، أو أقلَّ، فهي للوارث، وإِن زادت على الأرش، صُرف الأرشُ إلى الوارث، والباقي للمالك، وإِن أوجبنا الأرشَ بالغًا ما بلغ، صُرف إلى الوارث، وقال القاضي:
يُصرف قدرُ القيمة إلى السيِّد، فإن فضل شيءٌ، صُرف إلى الوارث، وهذا غلط؛ فإنَّا إذا اعتبرنا الأرشَ، لم ننظر إلى القيمة.
3610 -
فصل في فتح مكَّة ومَنْ يسلم قبل الظفَر
إذا حصرنا قلعةً، فخرج بعضُ أهلها مسلمًا قبل الظفَر، عُصم مالُه ودمه وصغاره وعقاره، ولم يُعصم مَنْ بلغ من أبنائه، وبناته، وفي زوجاته وجهان، فإن كان له جنين في بطن حربيَّة، لم يُسترقَّ بحال، وتُسترقُّ الأمُّ إن لم تكن في نكاح الأب، وإِن كانت في نكاحه، فوجهان.
ولا يُغنم عقارٌ اشتراه المسلمُ في دار الحرب.
ودخل عليه السلام مكَّةَ مستعدًّا للقتال، فلم يقاتلوه، فأمَّنهم إلَّا طائفةً استثناهم، فهذا معنى دخوله عَنْوةً، وعقارُها ورِباعُها المُحْيَاةُ ملكٌ لملَّاكها، فينفذ فيها البيعُ والهبةُ، وسائر التصرُّفات كغيرها من البلاد.
3611 -
باب وقوع الرجل على الجارية قبل القَسْم
إذا حُزْنا الغنائم، فهل نملكها قبل القسمة؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تُملك.
وأضعفها: أنَّها لا تُملك.
وثالثها: الوقفُ.
فإن تلفت قبل القسمة، أو أعرض بعضُهم عن سهمه، تبيَّن انتفاءُ الملك، وإن قُسمت تبيَّن أنَّ كلَّ واحد ملك نصيبَه شائعًا إلى أن تعيَّن بالقسمة، وأبعد مَنْ قال: تبيَّن أنَّه ملك ما تعيَّن بالقسمة من حين الحيازة؛ فإنَّه يسقط لو أعرض، بخلاف سائر المشتركات، وأيُّهم أعرض عن سهمه قبل القسمة، سقط؛ فإنَّ مقصودَ الجهاد إعلاءُ كلمة الله تعالى، دون الغنائم.
ومن أعرض بعد إفراز الخمس، والسلَب، لم يسقط سهمُه إلَّا على قول بعيد.
وقال الإمام: إن استبدَّ الإمامُ بالإفراز، لم يسقط، وإن أفرزه بطلب الغانمين، تأكَّدت حقوقُهم، فإن قلنا بالمذهب، صار المُعْرِض كمَنْ لم يكن، فيُخمَّس سهمه مع الغنائم، وتُصرف أربعةُ الأخماس إلى الغانمين، وإِن قلنا بالقول البعيد، ظهر أن يُصرف سهمُه مصرفَ الخمس.
وإِن قالوا: اخترنا الغنيمةَ، ثمَّ أعرض بعضُهم، ففي سقوط سهمه وجهان، وإِن أعرض جميعُ الغانمين عن سُهمانهم، سقطت عند الأكثرين، وصُرفت مصرفَ الخمس، ولا يسقط سهمُ ذوي القربى بإعراضهم على الظاهر؛ لأنَّه يثبت مقصودًا، بخلاف الغنائم، وفي سقوط السلَب، والرضخ بالإعراض خلافٌ؛ لأنَّ مستحقَّه متعيِّن، فأشبه إعراضَ الغانمين، وإن أعرض العبدُ عن رضخه، لم يسقط، وإِن أعرض عنه السيِّد، فوجهان.
3612 -
فصل فيمن وطئ أمَةً من الغنائم
إذا وطئ الغازي أمةً مغنومةً قبل القسمة، لم يُحدَّ على الجديد، فإن لم تحبل، فلها حالان:
إحداهما: أن تحصلَ بالقسمة لغيره، فإن انحصر الغزاةُ بحيث يتيسَّر ضبطُهم؛ فإن قلنا: لا يملك قبل القَسْم وجب المهرُ، وقسم على جميع الغانمين، وإِن أثبتنا الملكَ، فعلى المذهب: يلزمه المهرُ إلَّا قدرَ نصيبه، وعلى الوجه البعيد: يلزمه جميعُ المهر لمَنْ وقعت الجاريةُ في نصيبه.
الحال الثانية: أن تحصلَ للواطئ، فالمذهبُ في المهر كالمذهب فيه إذا حصلت لغيره، وعلى الوجه البعيد: لا يلزمه شيءٌ من المهر، ولا عودَ إلى التفريع عليه، وإِن عَسُرَ ضبطُ الجند؛ لكثرتهم، فحيث يجب المهرُ إذا تيسَّر الضبطُ، يجب جميعُه هاهنا، ويُقسم مع الغنائم، فيرجع إليه منه، أو من بدله قدرُ حقِّه.
وقال الإمام: إن طابت نفسُه ببذل الجميع، فذاك، وإِن طلب أن نتركَ
عليه قدرَ نصيبه، أجبناه، فإن عَسُرَ ضبطُ الجند؛ لتفرُّقهم، حططنا المستيقَن، وتوقَّفنا فيما بقي.
وإِن حبلت الأمةُ، وقلنا: لا يُحدُّ فالمهرُ على ما سبق، وللواطئ حالان:
إحداهما: أن يكون موسرًا، فإن قلنا بتعجيل سراية الاستيلاد قبل دفع القيمة، انعقد الولدُ حرًّا نسيبًا، وفي الاستيلاد طريقان مبنيَّان على الخلاف في ثبوت الملك:
إحداهما: إن قلنا: لا يُملك، لم يئبت الاستيلادُ في شيء منها، فإن ملكها بعد ذلك، ففي ثبوته قولان، وإِن قلنا: يُملك، فوجهان كالوجهين في استيلاد المشتري في مدَّة الخيار؛ لضعف الملك في الصورتين.
والطريقةُ الثانية: إن قلنا: يُملك، ثبت الاستيلادُ، وإن قلنا: لا يُملك، فوجهان، والمذهبُ: ثبوتُ الاستيلاد، فإن انحصر الجندُ، غرم قيمتَها إلَّا ما يخصُّه، وإِن لم ينحصروا، غرم القيمةَ، وقُسمت مع 1 الغنائم، فيرجع إليه منها، أو من بدلها ما يخصُّه، وفي قيمة الولد قولان مبنيَّان على أنَّ الملكَ هل ينتقل قُبيل العُلوق، أو معه، أو بعده؛ كما في إحبال أحد الشريكين إذا أثبتنا الاستيلاد؟
فإن أوجبنا القيمةَ؛ فإن انحصر الجندُ غرم القيمةَ إلَّا ما يخصُّه، وإِن لم ينحصروا، جُعلت القيمةُ في الغنائم، وقُسمت معها.
الحال الثانية: أن يكون معسرًا، فإن لم نثبت استيلادَ الموسر، لم يثبت
استيلاده؛ وإن أثبتنا استيلادَ الموسر؛ فإن كانت الجاريةُ جميعَ الغنيمة، أو كان معها شيءٌ آخر، فأعرض عن نصيبه منه ثبت الاستيلادُ في حصَّته، ولا يلزمه أن يختارَ التملُّكَ في غيرها؛ فإنَّ الكسبَ لا يجب لأجل السراية، فإن اختار التملُّكَ، سرى الاستيلادُ بقدر ما ملك من غيرها، وهل ينعقد الولد حرًّا، أو يناسب أمَّه في رقِّها وحرِّيتها؟ فيه وجهان؛ فإنَّ الشبهة شاملة لجميع الأمة، فأشبه مَنْ أولد جاريةَ أجنبيٍّ يظنُّها زوجتَه الحرَّة، فإنَّ جميعَ الولد ينعقدُ حرًّا.
ولو تبعَّض الرقُّ والحرِّيَّة في امرأة، فولدت من نكاح أو سفاح، انعقد الولدُ على صفتها؛ إذ لا شبهةَ حتَّى يُحكم بشمولها، بخلاف الجارية المشتركة؛ فإنَّ الاشتراكَ يشملها.
وإذا لم يثبت الاستيلادُ في حقِّ الموسر، انعقد الولدُ كلُّه حرًّا؛ لشمول شبهة الملك واليسار؛ كمن وطئ جارية أجنبيٍّ يظنُّها جاريةَ نفسه، ولو وطئ أمةً يظنُّها زوجتَه الرقيقة، فالولد رقيق، فإنَّ ظنَّه لو تحقَّق، لما اقتضى حرِّيَّة الولد، وأبعد مَنْ حكم بالحرِّيَّة؛ كما لو وطئ المغرور زوجتَه التي غُرَّ بها؛ ظنًّا أنَّها أمة لغيره، وأنَّه زانٍ بها، وهذا لا يصحُّ؛ فإن ظنَّ المغرور فاسد، والولد حرٌّ في نكاح المغرور.
3613 -
فرع:
إذا وطئ الأجنبيُّ جاريةً مغنومة؛ فإن وطئها بعد إفراز الخمس، وانتفاء الشبهات، فهو زانٍ وإِن كان أبوه من الغانمين؛ فإنَّ وطءَ الابن جاريةَ الأب زنًا، وإن كان ابنُه من الغانمين، كان وطؤه كوطء أحدِهم، وإن وطئها قبل
إفراز الخمس، أو وطئ جاريةَ بيت المال؛ فإن قلنا: يُقطع بالسرقة من بيت المال، وجب الحدُّ هاهنا، وإِن قلنا: لا يُقطع بالسرقة -وهو المذهب- ففي الحدِّ هاهنا وجهان.
3614 -
فرع:
إذا حُجر على الغانم بالفَلَس، فله أن يعرضَ عن نصيبه، وإِن أعرض السفيهُ، ففيه 1 تردُّد، ولعلَّ الظاهرَ البطلانُ، وإِن قلنا: لا يملك، ففي الإعراض تردُّد، فإن بان رشدُه قبل القسمة، فأعرض، نفذ إعراضُه وإِن كان سفيهًا عند حيازة الغنائم 2. وإذا بلغ الطفلُ قبل القسمة، فأعرض عن الرَّضخ، نفذ، وإن أخذ الوليُّ رضخَ الصبي، أو سهمَ السفيه، فأعرضا عنه بعد الإطلاق؛ لم ينفذ الإعراض.
3615 - فرع: إذا وقع في الغنائم مَنْ يعتق على بعض الغانمين؛ كالأب والابن، فالنصُّ أنَّه لا يعتق قبل القسمة، ونصَّ في الإحبال على ثبوت الاستيلاد، فقيل قولان بالنقل والتخريج، وفرَّق بعضُهم بقوَّة الاستيلاد؛ فإنَّه يثبت حيث لا يثبت العتق؛ كإحبال الأب جاريةَ الابن، وقيل: إن اختار الملك، عتق، وإلَّا فلا.
3616 - فرع: إذا أوجبنا القطعَ بالسرقة من المال المشترك، ففي قطع الغانم بالسرقة من الغنائم وجهان؛ لتعلُّق حقِّه بالكلِّ، ولو أعرض أصحابُه لمَلَكَ جميعَ
الغنائم، وإذا أوجبنا الحدَّ بوطء أحد الشريكين، ففي وطء الغانم جاريةَ المغانم وجهان، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ اعتمادَ القول القديم (1) على مَحْض التحريم.
3617 -
فصل فيمن أُرِقَّ وله دينٌ أو عليه دين
إذا أُرقَّ الحربيُّ، وله دينٌ على مسلم أو ذمِّيٍّ، فهو كما لو أودع المستأمن مالًا، ثمَّ استُرقَّ بعد اللحوق بدار الحرب، وإن كان عليه دين؛ فإن كان لحربيٍّ، سقط على الظاهر عند القاضي؛ إذ لا حرمةَ له، وفيه احتمال، وإِن كان لمسلم، أو ذمِّيٍّ لم يسقط اتفاقًا، وفي حلوله إن كان مؤجَّلًا وجهان مرتَّبان على الخلاف في الحُلول بحَجْر الفَلَس، وهذا أولى بالحُلول؛ فإنَّ الرقَّ يقطعُ الملكَ والنكاحَ، فيشبه الموتَ، وشبَّب بعضُ الخلافيِّين بسقوط دين المسلم، والذمِّيِّ، ولا يُعدُّ ذلك من المذهب.
فإن أرققناه، ثمَّ غنمنا مالَه، قُضي الدينُ من ماله، وإِن غنمنا المالَ، ثمَّ أرققناه، قُسم مالُه بين الغانمين، وبقي الدينُ في ذمَّته؛ لأن حقَّ الغانمين متعلِّق بالعين، وكذلك إن وقع الإرقاقُ والاغتنام معًا، وفيه احتمال؛ فإنَّ الرقَّ يشبه الموتَ.
ولو نكح حربيَّة بمهر صحيح، أو اقترض حربيٌّ من حربيٍّ شيئًا، أو اشتراه بثمن صحيح، ثمَّ أسلم، وأسلم المستحقُّ، أو أسلم، ثمَّ أسلم1
المستحقُّ، فله طلب (1) ذلك اتِّفاقًا، وإِن أسلم، وتخلَّف المستحقُّ، فهل له طلبه ما دام حربيًّا؟ فيه قولان.
ولو أتلف على حربيٍّ شيئًا، ثمَّ أسلم، لم يلزمه شيء؛ فإنَّه لو قهره على ماله ملكه، والإتلافُ ضَرْبٌ من القهر.
ولو أتلف مالَ مسلم، أو جنى عليه، ثمَّ أسلم، أو عُقدت له ذمَّة أو أمان، فلا شيءَ عليه، وغلط من قال: لا يلزمه ذلك إذا أسلم، ويلزمه إذا عُقدت له ذمَّة أو أمان، وإِن أُرقَّ، لم يلزمه شيء، وغلط مَنْ أوجب الضمانَ في ذمَّته؛ فإنَّ الإتلافَ لا يقدر بقاؤه إلى الإسلام، بخلاف المعاملات.
3618 -
فصل في التفريق بين الطفل وأبويه
إذا فُرِّق بين الوالدة وطفلها، حَرُم اتِّفاقًا وإِن كانا كافِرَيْن، أو أحدُهما مسلمًا، والآخرُ كافرًا، ويحرم التفريقُ بكلِّ سبب ينقل الملكَ؛ كالوصية والهبة والبيع، والوالد كالوالدة في أظهر القولين، فإن جعلناه كالوالدة، ففي جميع محارم الأقارب قولان؛ فإن حرَّمنا نقلَ الملك، ففي انتقاله قولان، أصحُّهما: أنّه لا ينتقل، والجدَّة عند عدم الأمِّ بمثابة الأمِّ، ولا عبرةَ بها مع رقِّ الأمِّ، فإن كان له أمٌّ وجدَّة، فبيع مع الأمِّ وحدها، جاز، وإِن بيع مع الجدَّة وحدها، فقولان، ويسمرُّ التحريمُ إلى سنِّ التمييز، وهو سبع أو ثمان، وعلى قول يمتدُّ إلى البلوغ، ويجوز التفريقُ للضرورة؛ بأن تكون الأمُّ حرَّة، أو ملكًا1
لغير مالك الطفل، ويجوز رهنُها وحدها، ثمَّ تباع مع الطفل، ويوزَّع الثمنُ عليهما.
3619 -
فرع:
إذا ولدت الجاريةُ المبيعةُ عند المشتري، ثمَّ حُجر عليه بالفلس، فهل للبائع أن يرجعَ فيها دون الولد؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يرجعُ، فله أن يبذل قيمةَ الولد، ويأخذه، فإن أبى ضاربَ الغرماء، ولو لم يحجر عليه، فوجد بها عيبًا قديمًا، فليس له ردُّها، ولا إلزامُ البائع بملك الولد، ولا يبعد تجويزُ إفرادها بالردِّ ما لم يكن بها عيبٌ حادث؛ كنقص الولادة، أو غير ذلك.
3620 -
باب المبارزة
لا ينبغي لأحد أن يبارزَ بغير إذن أمير الجيش، فإن بارز بغير إذنه، فوجهان ترجع حقيقتُهما إلى صحَّه أمانه لقِرْنه، أو بطلان ذلك؛ إذ لا تحرم المكاوحةُ في القتال، ولا يجوزُ لمَنْ لم يعرف من نفسه شجاعةً وبلاء أن يبرزَ لأحد من الأبطال.
وإذا تبارز مسلمٌ وكافر، جاز لنا قتلُ الكافر إلَّا أن يتشارطا أن لا يعين كلَّ واحد أصحابُه، فيجب الوفاء بالشرط، فإن قُيِّد الشرطُ بالإثخان، فقتل الكافرُ المسلم، جاز قتلهُ قبل رجوعه إلى الصفِّ، إلَّا أن يُقيَّدَ الأمان بالرجوع إلى الصفِّ، فيجب الوفاء به، فإن أُثخن المسلم، فلم يبق فيه قتالٌ، لم يُمَكَّن من التذفيف عليه، فإنَّ الأمانَ إن قُيِّد بالقتال، فقد انتهى بالإثخان، وإن مدَّه إلى القتل، فهو باطل، وإذا تقيَّد الأمانُ بالقتال، فهرب أحدُهما، جاز لنا قتلُ الكافر؛ لانتهاء القتال، وإن استعان على المسلم بجماعة من أصحابه، قتلناه معهم، وإِن أعانوه بغير طلب منه، قُتلوا دونه.
ومَنْ بارز بغير إذن، وشرط للكافر الأمانَ حتَّى يرجعَ إلى الصف؛ فإن أجزنا المبارزةَ بغير إذن، صحَّ الأمان، وإن منعناها، لم يصحَّ، وجاز لنا قتلُ الكافر؛ فإنَّ الأمانَ الخاصَّ لا يصحُّ لمَنْ يقف في صفِّ الكفَرة، أو يُقْبِل
على القتال؛ لما فيه من الأضرار.
3621 -
باب فتح السواد
أصحُّ الروايات أنَّ جميعَ أراضي العراق فُتحت عَنْوةً، وقسمها عمرُ بين الغانمين، فاستغلُّوها ثلاثَ سنين، فشغلهم حَرْثُها وزرعُها عن الجهاد، فخشي عمر من تعطُّل الجهاد، فاستطاب أنفسَهم عنها، فنزل بعضُهم عنها مجَّانًا، ونزل بعضُهم بعِوَض، وامتنع بلالٌ من ذلك، وأغلظ لعمرَ في القول، فاحتمله، وقال: اللهمَّ خلِّصني من بلال وذويه، فما مضى الحولُ 1 حتّى هلكوا 2. فلما صارت للمسلمين، وقفها عمرُ على المصالح العامَّة، وأجَّرها لسكَّان العراق من الكفَّار بأجرة مؤبَّدة مقسَّطة على السنين؛ لتُصرفَ في مصالح المسلمين العامَّة، ولا تسقط بإسلامهم، [فمن أخذ] 3 منها شيئًا عن آبائه، أو أجداده، لم يكن لغيره أخذُه منه بما عليها؛ لأنَّ الإجارةَ لا تنفسخُ بموت العاقد، وليس لأحدهم بيعُها، وله الإيجارُ مدَّة معلومةً بأجرة معلومة، فإن أجَّرها مؤبَّدةً بما يتَّفق التراضي عليه، لم يجز على الأصحِّ؛ لأنَّ ما جاز
للمصالح العامَّة لا يجوز للخاصَّة، وقال ابن سُريج: باعها عمرُ منهم بثمن مؤجَّل.
3622 -
فرع:
إذا وقع مثلُ ذلك في زمننا، فاستطاب الإمامُ أنفسَ الغانمين، فأبوا، قهرهم على الجهاد، ولم يجز له أخذُ الأرض.
3623 -
باب الأسير يؤخذ عليه العهدُ ألَّا يهربَ، أو على الفداء
إذا أطلق الكفَّارُ الأسيرَ على ألَّا يخرج إلى دارنا؛ فإن لم يخش الفتنةَ، وتمكَّن من إقامة شعائر الإسلام، لم تلزمه الهجرةُ على الأصحِّ، وإِن خاف الفتنةَ؛ فإن أمكنته الهجرةُ لزمته، فإن لم يؤمِّنوه لمَّا أطلقوه، فله اغتيالُهم، وإِن أمَّنوه حرم الاغتيالُ في الأنفس والأموال والأطفال؛ فإنَّ الأمانَ إذا وقع بشرط، عمَّ الجانبين، فإن تبعه مَنْ يردُّه فله قتلُه واغتيالُه دون غيره.
وإِن أُطلق؛ ليزورَ أهلَه، ثمَّ يعود، حرم عليه العَوْدُ، فإن عزم على العَوْد، منعه الإمامُ، فإن حلَّفوه ألَّا يخرجَ بالله، أو بالطلاق، أو العتاق؛ فإن أُكره، لم ينعقد اليمينُ، وإِن اختار اليمينَ؛ فإن حلف بالله تعالى، وجبت الهجرةُ والكفَّارة، وإِن حلف بالطلاق والعتاق، فالظاهر وجوبُ الهجرة، فإن هاجر، وقع الطلاقُ والعتاق.
وإِن اشترى منهم شيئًا، وخرج به إلينا، لزمه الثمنُ إن اختار الشراء، وإن أُكره عليه، لم يصحَّ، ويجب ردُّ المبيع؛ فإن جوَّزنا وقفَ العقود، فله أن يردَّ المبيعَ أو الثمن؛ فإنَّ المكرهَ على البيع له أن يجيزه إذا جوَّزنا وقفَ العقود، وإِن فادوه بمال، حرم العَوْدُ، ولم يجب المال، وقيل: يلزمه العودُ أو المالُ على قول قديم لا يُعدُّ من المذهب.
3624 -
فصل في كلاب الغنائم، ونقل رؤوس الكفَّار
إذا كان في الغنائم كلابٌ لا تنفع، أطلقناها، وقتلنا عَقُورَها، وإِن جاز اقتناؤها لنفعها، فخصَّ الإمامُ بها مَنْ يحتاج إليها من الغانمين، جاز عند العراقيِّين، ولا يُحسب على مَنْ يأخذها، ولا يبعد أن تختصَّ بالجميع بحقِّ اليد؛ كمن مات عن كلاب، فليس للحاكم أن يخصَّ بها بعضَ الورثة.
ويُكره حملُ رؤوس الكفَّار إلى بلادنا على قياس المذهب؛ لأنَّ ذلك لم يُعهد في زمن الصحابة، ولا نصَّ للشافعيِّ في ذلك، فإن رآه الإمامُ ناجعًا في الكفَّار، لم يُكره عند أبي محمَّد.
3625 -
فصل في نزول الكفَّار على حكم حاكم
إذا نزل أهلُ القلعة المحصورة على حكم حاكم عيَّنوه، جاز لنا إجابتُهم إلى ذلك إن كان الحاكمُ عدلًا عارفًا بطلب الحظِّ للمسلمين، فإن حكم عليهم بشيء، فللإمام أن يَعْدِلَ إلى ما دونه، ولا يعدل إلى ما فوقه، فإن حكم بالأَسْر أو القتل، جاز المنُّ والفداء، وإِن حكم بالقتل، ففي جواز الإرقاق وجهان، فإن أسلموا أسقط القتل، وفي الإرقاق الوجهان، وإِن حكم بالجزية؛ فإن قبلوها، فللإمام أن يَمُنَّ عليهم، وله أن يعقدَها معهم، وهل يلزمهم بغير عقد؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يلزمهم، أبلغناهم المأمن، ولم نغتلْهم اتِّفاقًا، وإِن قلنا: يلزمهم، فامتنعوا، ففي الاغتيال قولان.
3626 -
فائدتان:
الأولى: مَنْ غصب عبدًا، فأذن له سيِّدُه في قتله، فقتله، أو قطع يدَه،
لم يضمن ذلك، فإن مات في يده بغير جنايته 1 لزمه الضمان، وإِن غصب عبدًا مرتدًّا، فقتله افتئاتًا، أو قطع يدَه، فاندملت، ثمَّ أسلم، لم يضمن، وإن مات في يده، وجب الضمانُ.
الثانية: يمينُ الكافر منعقدةٌ موجبة للكفَّارة، فإن أسلم، لم تسقط على الأصحِّ؛ كالديون، فإن قلنا: يسقط، انقطع إيلاؤه بالإسلام، ويتَّجه أن يبقى تحريمُ الظهار إلى أن يكفِّر.
3627 -
باب إظهار دين الله
قال الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: 9] قيل: في جزيرة العرب، وقيل: بالاستيلاء على المشارق والمغارب، وقيل: إذا نزل المسيحُ، وقيل: بالحجَّة والبرهان، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده"، فكان كما قال، وقال: "إذا هلك قيصرَ، فلا قيصر بعده" 1، وأراد بالشام.