379 -
باب سجود السهو
إِذا شكَّ في عدد الركعات لزمه البناءُ على الأقلِّ، والإِتيانُ بما شكَّ فيه، ثمَّ يسجد للسهو، ولا يعتمد في ذلك على ظنٍّ ولا اجتهاد؛ إِذ لا علامةَ، وإِنْ شكَّ على أثَر الصلاة، فهل يُعتبر بالشكِّ في الصلاة، أو يُعفى عنه؟ فيه قولان، فإِن طال الفصلُ ثم شكَّ، عُفي عنه قولًا واحدًا، وقيل: فيه القولان.
قال الإِمام: إِن شكَّ في صلاةٍ غاب عنه تفصيلُها، عُفي عن شكِّه، وإِن كان ذاكرًا لتفصيلها، ففيه الطريقان، فإِن اعتبرنا الشكَّ بعد الصلاة بنى إِن قَصُرَ الفصلُ، واستأنف إِن طال.
380 -
فصل في محلِّ السجود
أظهرُ الأقوال: أنَّ سجودَ السهو قبل السلام، والثاني: يسجدُ للنقص قبل السلام، وللزيادة بعده، والثالث: يتخيَّر بينهما.
والمشهور أنَّ هذا الخلافَ [في الإِجزاء والجواز، ومنهم من أجاز التقديمَ والتأخير، ورَدَّ الخلافَ] 1 إِلى الأَوْلى والأفضل.
والتفريعُ على المشهور: إِن جعلناه قبل السلام، فتعمَّد السلامَ مع ذكره للسجود، فقد فات السجودُ، ولا تبطل الصلاة؛ لأنَّ السجود سُنَّة، وإِنْ سلَّم ساهيًا، ثمّ تذكَّر على القُرْب ففي صحَّة سلامه وجهان؛ فإِن [قلنا] (1): يصحُّ، فقد فاته السجود، وإِن قلنا: لا يصحُّ؛ فإِن سجد فهو باقٍ في الصلاة، ولو أحدث لبطلت، وإِن ترك السجودَ، فالظاهر أنَّه في الصلاة، فلابدَّ من السلام، ويحتمل أن يقال: السلامُ موقوف؛ فإِن سجد تبيَّن أنَّه في الصلاة، وإِن ترك تبيَّن أنَّه قد تحلَّل، وإِن طال الفصلُ، فقد فات السجودُ؛ فإِن قلنا: لا يصحُّ السلامُ مع قِصَر الفصل، فالوجهُ القطع بصحَّته هاهنا.
وهذا يقوّي وقفَ السلام.
381 -
السجودُ بعد السلام:
إِذا فرَّعنا على أنهما بعد السلام، فلا تبطل الصلاةُ بما يقاربهما من حدث، فإِنْ قرب الفصلُ سجدهما، وإِنْ طال، فهل يفوت؛ اعتبارًا بالتسليمة الثانية، أو لا يفوت؛ اعتبارًا بجبرانات الحجِّ؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: يفوت، ففي قضائهما قولان، ويعتبر فيهما ما يعتبر في سجدة 2 التلاوة خارجَ الصلاة، ويتشهَّد بعدَهما كسجود التلاوة، وقيل: قبلَهما، كما لو سجدهما في الصلاة.
واعتبارُ الطول والقِصَر بالعرف؛ فإِذا غلب على الظنِّ إِضرابُه عنهما عمدًا أو سهوًا، فهذا حدُّ الطويل، وما دونه قصير، فإِن أحدث ثمَّ تطهَّر عن1
قُرْب، فالظاهر أنَّ الحدثَ كطويل الزمان، وإِن فارق المجلس ففيه نظر؛ لأنَّ مفارقته قد تُغلِّب على الظنِّ الإِضرابَ؛ كطويل الزمان، واعتبره في القديم بالمجلس، فمتى لم يفارقْه فهو متَّصل وإِن طال الزمان، وإِن فارقه فمنفصل وإِن قَصُرَ الزمان.
وإِن فرَّقْنا بين الزيادة والنقصان، كان تفريع النقصان كتفريع القول الأول، وتفريع الزيادة كتفريع القول الثاني.
382 -
فصل فيمن قام إِلى الخامسة ناسيًا
إِذا لم يتشهَّد عَقيبَ الرابعة، وقام إِلى الخامسة ناسيًا، ثمّ ذكر وهو قائم أو راكع أو ساجد، فليجلس كما ذكر ويتشهَّد، ويسجد للسهو، ولا تضرُّ كثرةُ الأفعال إِذا كانت من جنس الصلاة.
وإِن قام إِليها بعد ما تشهَّد على قصد التشهُّد الأخير، أو أطلق، ففي إِعادة التشهُّد وجهان؛ القياسُ أن لا إِعادةَ، وظاهر النصِّ أنَّه يعيده؛ إِمَّا ليواليَ بينه وبين السلام، أو لئلَّا يقعَ السلامُ منفردًا غيرَ متَّصل بركن قبلَه ولا بعده، والمعنيان فاسدان؛ لأنَّ نسيانَ الموالاة لا يضرُّ، ولأنَّ التشهُّدَ الذي يأتي به منقطعٌ عن الأركان، وكذلك انفرادُ السلام مفرَّع على النظر إِلى الموالاة، والمعنيان ذكرهما ابن سُريج، وفرَّع عليهما: ما لو نسي الركوع، وهوى للسجود، ثم تذكَّر؛ فإِن علَّلْنا بالوِلاء، انتصب قائمًا، ثمَّ ركع؛ ليواليَ بين الركوع والقيام، وعند الإِمام يقوم لا لأجل الوِلاء، ولكن ليكونَ ركوعُه عن
قيام، وإِن علَّلْنا بانفراد السلام ارتفع إِلى الركوع من غير قيام؛ لاتِّصال الركوع بما بعده من الأركان.
قال الإِمام: إِن صحَّ هذا وجب أن يكتفيَ مَنْ خفَّ مرضُه بعد القراءة بارتفاعه إِلى الركوع من غير قيام، وإِن تشهَّد ظانًّا أنَّه التشهُّد الأوَّل، ففي حصول الفرض به وجهان؛ فإِن قلنا: لا يحصل، أعاد التشهُّدَ، وإِن قلنا: يحصل، فهو كتشهُّده على قصد الأخير.
383 -
فصل فيمن نسي التشهُّدَ الأول
إِذا نسي التشهُّد الأوَّل، ثم ذكره بعد انتصابه، لم يجزْ له العَوْدُ، فإِن عاد، بطلت صلاتُه إِلا أن يعتقدَ جوازه؛ لكونه حنبليًّا أو شافعيًّا غبيًّا، فلا تبطل صلاته، ويسجد للسهو، وإِن تركه المأمومُ دون الإِمام؛ فإِن تعمَّد الانتصابَ، لم تبطل صلاتُه على المذهب، والوجه القطع بأنَّه لا يجوز له الرجوعُ إِلى متابعة الإِمام، وإِن انتصب غالطًا، فلا يلزمه الرجوعُ، والأَولى أن لا يرجعَ، وفي جواز الرجوع وجهان؛ فإِن منعناه، فخالف، بطلت صلاتُه، ونظيرُ ذلك ما لو تعمَّد المأمومُ الاعتدالَ عن الركوع، فلا يرجع، وإِن رجع بطلت صلاتُه، وإِن اعتدل غالطًا، ففي جواز الرجوع الوجهان، فإِن همَّ بالركوع، فارتفع الإِمام عن حدِّ الراكعين، فليس له أن يركعَ، فإِن خالف بطلت صلاتُه.
384 -
فصل فيمن نسي التشهُّد ولم ينتصب
إِذا نهض عن التشهُّد ولم يصوِّر الركوعَ، فإِن صار إِلى القيام أقربَ منه إِلى القعود، رجع وسجد للسهو، وإِن كان إِلى القعود أقربَ منه إِلى القيام رجع، ولا سجودَ، وكذلك إِن استويا عند الإِمام.
وإِن صوَّر الركوعَ في ارتفاعه رجع وسجد، ولا يشترط الطمأنينةُ في الركوع المبطل للصلاة.
وأوَّل حدِّ الركوع: أن تنال راحتاه ركبتيه مع اعتدال الخلق، وهذا الحدُّ أقربُ إِلى كمال الركوع منه إِلى القيام.
وآخِرُ حدِّ الركوع عند الإمام: أن ينخفضَ عن الكمال؛ بحيث يكون قُرْبُه منه مساويًا لقربه من أوَّل حدِّ الركوع، فمتى صوَّر الركوعَ في شيء من هذا الحدِّ، فقد زاد ركوعًا.
385 -
فصل فيمن ترك ترتيبَ الصلاة
ترتيبُ أركان الصلاة واجبٌ، فإِن تعمَّد تركَه بطلت صلاتُه، وإِن سها به لم تبطل، لكن لا يُعتدُّ بما يفعلُه على خلاف الترتيب، ويسجد للسهو، فلو ترك سجدةً من الأولى، بطل قيامُ الثانية وقراءتُها وركوعُها؛ لأنه على خلاف الترتيب، وحصل من الأولى والثانية على ركعة؛ لجبر الأولى بسجدة من الثانية.
وإِنْ ترك واحدةً من الأولى، واثنتين من الثانية، وأتى في الثالثة
بسجدتين، لم يحصل له من الثلاث إِلا ركعةٌ؛ لجبر الأُولى بسجدة من الثالثة.
وإِنْ ترك أربعًا من أربع ركعات، لم يحصل له إِلا ركعتان.
وإِنْ ترك واحدةً من الأولى، واثنتين من الثانية، وواحدةً من الرابعة، فقد جبرت (1) الأولى بسجدة من الثالثة، فليأتِ بسجدة وركعتين.
386 -
فصل فيمن نسي سجدات لا يعرف محلَّها
إذا نسي سجدات لا يعرف مواضعَها لزمه الأخذُ بالأَشقِّ، والبناءُ على اليقين؛ فإذا نسي أربعًا من أربع ركعات، فليأتِ بسجدة وركعتين؛ لجواز تركه لواحدة من الأولى، واثنتين من الثانية، وواحدة من الرابعة.
وقال أبو محمَّد: يلزمه أن يأتيَ بسجدتين وركعتين؛ لاحتمال أنَّه ترك الأربعَ من الثالثة والرابعة، ولا يعدُّ ما ذكره من المذهب؛ لأنَّ السجدةَ الثانية لا يُعتدُّ بها في حساب أصلًا، وما لا يعتدُّ به لا يجبُ فعله.
387 -
فصل فيمن ذكر في الثانية أنه ترك سجدةً من الأولى
إِذا ذكر في قيام الثانية أنه نسي سجدةً من الأولى؛ فإِن لم يكن قد قعد بعد السجدة، فليجلس كما ذكر؛ إِذ لا يجزئه القيامُ بدلًا من الجلوس، وقيل: يجزئه؛ لأنه قد فصل بين السجدتين، فأشبه الجلوسَ، وهذا لا يصحُ؛ لأنه1
لو تعمَّد ذلك، لم يجز، وإن جلس للفصل بين السجدتين، فليسجد ولا يجلس.
قلت: ينبغي أن يجلسَ؛ لأنَّ الجلسةَ بين السجدتين ركنٌ طويل على الأظهر، ولم ينقطع بالقيام في أثنائها، وإِن جلس للاستراحة؛ فإِن أقمنا القيام مقامَ الجلوس، فليسجد، وعلى المذهب في حصول الفرض بجلسة الاستراحة وجهان، وإِن ذكر ذلك وهو راكع، فليخِرَّ ساجدًا كما ذكر.
388 -
فصل في تطويل الركن القصير
أركانُ الصلاة كلُّها طويلةٌ إِلا اعتدالَ الركوع، والجلسةَ عن السجود، والأظهر أنَّ الاعتدال قصيرٌ، وأنَّ الجلسةَ طويلة، فإِذا أطال الاعتدالَ، ففي بطلان الصلاة أربعة أوجه:
أحدُها: لا تبطل بحال.
والثاني: تبطل إِلا في محلِّ القنوت، وصلاة التسبيح.
والثالث: لا تبطل إِلا أن ينقلَ إِليه ركنًا آخرَ.
والرابع: إِن قَنَتَ فيه حيث لا يشرع أبطل، وإِن طوَّله بذكرٍ آخرَ غيرَ قاصدٍ للقنوت، لم تبطل، فإِن قلنا: تبطل، فسها بذلك، سجد للسهو.
389 -
فصل فيما يسجد لتركه من المأمورات
متعلَّق السجود نسيانُ مأمور، أو فعل منهي، فلا يسجد لترك شيء
من المأمورات إِلا الأبعاض إِذا تركها سهوًا، وفي العمد وجهان.
والأبعاض: التشهُّد الأوَّل، والجلوسُ له، وقنوتُ الصبح، وكذلك الصلاةُ على رسول الله وعلى آله في التشهُّد الأوَّل إِن أمرنا بهما، ولا يبعد أن يُعدَّ الوقوف للقنوت.
ولا يسجدُ لغير ذلك؛ من تكبير وتسبيح، وجهر وإِسرار، وكذلك تكبيراتُ العيد الزائدة.
390 -
فصل فيما يسجد لفعله من المنهيَّات
ويسجد لكلِّ منهيٍّ تبطل الصلاةُ بعمده دون سَهْوه إِذا فعله ساهيًا؛ كزيادة الركوع والسجود، والكلام، وترك الترتيب، وهذا الضابط مطَّرد، وفي انعكاسه طريقان:
إحداهما: ينعكسُ، فما أبطل عمدُه اتفاقًا سجد لسهوه اتفاقًا، وما لا فلا، وما اختُلِف في الإِبطال بعمده اختُلف في السجود بسهوه، وذهب أربابُ هذه الطريقة إِلى أنَّ من طوَّل ركنًا قصيرًا، ونقل إِليه ركنًا؛ كقراءة الفاتحة في اعتدال الركوع، بطلت الصلاةُ بعمده، وسجد بسهوه، وإِن طوَّل بغير نقل، أو نقل بغير تطويل، كما لو تشهَّد في القيام أو الركوع أو السجود، أو قرأ الفاتحة في جلوس التشهُد، أو طوَّل الاعتدال بصمت أو ذكرٍ غيرِ مفروض، ففي البطلان بعمده، والسجود بسهوه وجهان.
والطريقةُ الثانية: أنَّ من قرأ الفاتحةَ في التشهُّد، أو التشهد في القيام،
فلا تبطل صلاتُه وجهًا واحدًا، وفي السجود بسهوه وجهان؛ فإِن قلنا: يسجد، فلا عكس إِذن، وقد ذهب آخرون إِلى أنَّ مَن قرأ الفاتحة في الاعتدال، لا تبطل صلاتُه.
391 -
فرع:
لا تُطوَّل جلسةُ الاستراحة بالاتفاق، فإِن أطالها سهوًا، أو افتتح التشهُّد فيها، سجد لأحد هذين الأمرين.
ولو هوى للسجود، فجلس وتشهَّد، فليسجد.
قال الإِمام: لو جلس عن القيام جَلسةً خفيفة، ثم سجد منها، لم تبطل صلاتُه، ولو تشهد بين السجدتين، لم يسجد إِلا أن تُجعلَ الجلسةُ قصيرةً، أو يُقْضى بالسجود بمجرَّد نقل الركن.
392 - فرع: لو قرأ في التشهُّد سورةً غيرَ الفاتحة، فهو كقراءة الفاتحة؛ لما فيه من تغيير الشعار، وينقدح خلافه؛ إِذ المنقولُ ليس بركن.
393 -
فصل في الشكِّ في السهو
إِذا شكَّ في ترك شيء من الأبعاض، فليسجد، وإِن شكَّ في ارتكاب منهيٍّ، فلا يسجد اتِّفاقًا إِلا إِذا شكَّ في عدد الركعات، فإنه يأخذ باليقين ويسجد؛ إِما اتِّباعًا للخبر، أو تعليلًا بأنه أتى بالركعة شاكًّا في أنَّها خامسةٌ، فضعف بذلك قصدُه لإقامة الفرض، فإِن ذكر بعد ذلك أنها خامسةٌ، فليسجد،
وإن علم أنَّها الرابعة، فإِن لم يمضِ مع الشك ركنٌ، لم يسجد، وإِن مضى معه ركن، سجد إِن علَّلنا بالشكِّ، وإن اعتمدنا ظاهرَ الخبر، فلا يسجد، والتعليل بالشكّ منتقضٌ بمَنْ عليه فائتةٌ يشكُّ في قضائها؛ فإِنه يلزمه قضاؤُها، ولا يسجد، مع أنَّه شاكٌّ في فرضيَّتها من أوَّلها إِلى آخرها.
394 -
الشك في سجود السهو:
إِذا علم السهوَ، وشكَّ في السجود له، فليسجد، وإِن شكَّ أَسَجد واحدةَ أو اثنتين، فليأت بثانية، ولا يسجد لهذا السهو باتفاق من المذاهب.
395 -
فرع:
إِذا اعتقد من غير تردُّد أنَّه سها، فسجد للسهو، ثمَّ ذكر أنَّه لم يَسْهُ، فليسجد لسهوه بالسجود، وقال أبو محمَّد: لا يسجد؛ لأن سجدتيه سهوٌ من وجه، وجبرٌ لأنفسهما من وجه.
396 - فرع: إِذا سها بعد سجود السهو بكلام أو غيره، فلا يسجد لذلك اتفاقًا؛ لأنَّ السجودَ لا يتعدَّد بتعدُّد السهو، فيُقدَّر سهوُه سابقًا على سجوده.
397 - فرع: إِذا سجد في الجمعة للسهو، ثمَّ تبيَّن خروج الوقت، أو سجد قاصرُ الصلاةِ ثمَّ تبين وصولُه إِلى وطنه، فلا يُعتدُّ بذلك السجود؛ لوقوعه في وسط الصلاة، فإذا كمَّل صلاتَه أربعًا، سجد.
398 -
فصل في سهو المقتدي
إِذا سها خلف الإِمام، لم يسجد، وإِن انفرد في آخر صلاته؛ لكونه مسبوقا؛ لأنَّ الإِمامَ يتحمَّل سجودَ السهو، كما يتحمَّل سجودَ التلاوة، وقراءةَ السورة، والقنوتَ، والجهرَ، وقراءةَ الفاتحة، وتطويلَ القيام عن المسبوق، والتشهُّد الأوَّل إِذا أدركه في الركعة الثانية.
399 -
فرع:
إِذا سلَّم المسبوقُ مع الإِمام غلطًا، فليسجد لسلامه؛ لأنه وقع بعد تسليم الإِمام.
قلت: إِن ساوقه في السلام، فينبغي ألَّا يسجدَ؛ لأنَّه لم ينفرد بعدُ، فإِن سمع صوتًا ظنَّه تسليمَ الإِمام، فقام وتدارك الركعة، ثم جلس والإِمام في الصلاة، فلا يُعتدُّ بتلك الركعة، ولا يسجد لها، ولا لما يقع فيها من سهو؛ لجريان حكم القدوة عليه، فإِذا سلَّم الإِمامُ، فليأتِ بالركعة، وإِن علم في قيامه أنَّ الإِمامَ لم يسلّم، فليجلس معه، فإِن أراد قطعَ القدوة والمُضيَّ على القيام، فليس له ذلك إِذا لم نجوِّز قطعَ القدوة، وإِن جوَّزنا قطعَها، ففي وجوب القعود وجهان، فإِن جوَّزنا المُضيَّ، وكان قد قرأ الفاتحةَ، لزمه إِعادتُها.
400 -
فصل في سهو الإمام
إِذا سجد الإِمامُ للسهو، ولزم المأمومَ أن يتابعه، فإن خالف مع بقاء
القدوة، بطلت صلاتُه، فإِن ترك الإِمامُ، ففي سجود المأموم خلافٌ مأخذُه أنه يسجد لسهوه أو لمتابعته؟ والنصُّ أنَّه يسجد لسهوه، فإِن كان مسبوقًا سجد مع الإِمام؛ متابعةً على الأصحّ، فإِذا تابعه، ففي سجوده في آخر صلاة نفسه قولان، واِن ترك الإمامُ، فلا يسجد المسبوق في آخر صلاة الإِمام، وفي سجوده في آخر صلاة نفسه الخلافُ، والنصُّ أنَّه يسجد.
وسهوُ الإِمام قبل اقتداء المسبوق، كسهوه بعد اقتدائه على المذهب، وأبعدَ من قال: لا يلحقُه حكمُ سهوه، فلا يسجدُ إِن ترك الإِمامُ وجهًا واحدًا، وكذلك إِن سجد الإِمامُ على الأظهر، وقيل: يسجد متابعةً إِلا أنه لا يسجد في آخر الصلاة.
401 -
فرع:
إِذا سها الإِمام، وقلنا: يسجد المسبوق في آخر صلاته، فسها بعد انفراده كفاه سجدتان، وقيل: يسجد أربعًا؛ لاختلاف سبب السجود.
402 -
فصل في سجود الشكر
سجود الشكر مستحبٌّ لمن تجدَّدت عنده نعمةٌ لا يتوقَّعها، أو اندفعت عنه بليَّة 1 من حيث لا يَحتسِب اندفاعَها، ولا يُستحبُّ السجود على استمرار النعم.
وإِن رأى مُبْتلىً، فهاله بلاؤُه، فحَسَنٌ أن يسجدَ إِلا أنَّه يُخفيه عن
المعذور في بلائه، ويُظْهِرُه لغير المعذور؛ لعلَّه يرعوي.
ويُعتبر في سجود الشكر ما يُعتبرُ في سجود التلاوة.
وإِن سجد للشكر في الصلاة بطلت صلاتُه.
403 -
فرع:
إِذا تنفَّل على الراحلة، سجد لتلاوة الصلاة وسهوها على الراحلة، وإِن سجد خارجَ الصلاة لتلاوة أو شكر، فهي كصلاة الجنازة لا يومئُ بها على الأصحِّ 1.
والسجدات أربعٌ: سجدةُ الصلاة، والتلاوة، والسهو، والشكر.
وإن جوّزْنا سجدةَ الخضوع صارت خمسًا 2.
404 -
باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة
والأقلُّ المجزئُ: هو الأركانُ والشرائط.
وأركانُ الصلاة: النيَّة، وتكبيرةُ الإِحرام، والقيام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاعتدالُ عنه، والسجود، والاعتدال عنه، والجلوس الأخير، والأقل من التشهُد، والصلاة على رسول الله، والتسليم، وفي نيَّة الخروج، والصلاةِ على آل رسول الله خلافٌ، والاستقبال ركنٌ أو شرط؟ فيه وجهان أقربهما أنَّه ركن؛ لاختصاص وجوبه بالصلاة، وأنه لا يتقدَّمها، والطمأنينة مع وجوبها ركن أو هيئة؟ فيه خلاف.
405 -
باب طول القراءة وقِصَرها
ويقرأ في الصبح بطِوال المُفصَّل.
قال الشافعي: وفي الظهر شبيهًا بالصبح، وفي المغرب بالقصار.
وفي كلام الشافعيِّ إِشارةٌ إِلى أنَّه يقرأ في الظهر والعصر والعشاء بالأوساط، فلا يتعدَّى الإِمام ذلك؛ تخفيفًا على مَنْ خلفه، ويشاركه المنفرد في تقصير المغرب، وإن طول ما اتَّسع ميقاته فلا حرجَ.
406 -
باب الصلاة بالنجاسة، وظهور حدثِ الإِمام
إِذا ظهر حدثُ الإِمام أو جنابته أو نجاسة بدنه أو ثيابه (1) بنجاسة خفيَّة، فلا إِعادةَ على المأموم، وفي القديم: إِن كان الإِمامُ عالمًا بذلك، وجبت الإِعادة على المأموم، وإِلا فلا.
وإِن ظهر كفره أو أنوثته أو خنوثته، وجبت الإِعادةُ قولًا واحدًا، وقيل: خنوثته كحدثه.
والكفر الذي يستسرُّ به غالبًا كالحدث على أحد الوجهين.
وإِن كان عليه نجاسة ظاهرة لا تكاد تخفى، فلم يتَّفق تأمُّلها، ففي إِلحاق ذلك بالكفر الذي يخفى في الغالب احتمالٌ.
ولا تبطل صلاةُ المأموم بما يطرأ من حدث الإِمام.
407 -
فصل فيما يُعفى عنه من النجاسات وما لا يعفى
دمُ البراغيثِ والبثراتُ وقيحُها وصديدُها معفوٌّ عن قليله، وفي الكثير وجهان، [و] المذهب أنَّه لا يُعفى.1
وإِن أصابه من غيره لم يُعفَ عن كثيره، وفي القليل وجهان، وقطع الإِمامُ بإِلحاقه بسائر النجاسات.
وأما لطخ الدماميل والقروح: فقد قال أبو محمَّد: إِن كان مثلُها يدوم غالبًا؛ كالدماميل الكبار، أُلحق بدم الاستحاضة، وإِن لم يدُمْ غالبًا؛ كالدماميل الصغار، أُلحق بدم الأجنبيِّ، ومال صاحب "التقريب" إِلى إِلحاق هذه الدماميل، وما يخرج من دم الفصد بدم البراغيث.
ولا عفْوَ عمَّا عدا ذلك من النجاسات قليلِها وكثيرِها سوى أثرِ الاستجمار.
وفيما لا يُدرك لقلَّته نضَّان.
ويُعفى عمَّا يلحَقُ البدنَ من غبار الدِّمَن 1 والمزابل، والمواضع النجسة؛ لتعذُّر الاحتراز عنه.
واختَلف قولُه في حدِّ القليل؛ فقدَّره في القديم مرَّةَ بكفٍّ، ومرَّةً بدينار، ثم رجع عن ذلك؛ إِذ لا مستَندَ له، واختلفوا على الجديد، فقيل: الكثير: ما يلوح ويلمعُ للناظر من غير تأمُّل، والأفقه: أنَّ القليل ما يُبتلى به في الغالب، ويَتَعذَّرُ الاحترازُ منه، وأنَّ ما جاوزه كثير، والأظهر أنَّ ذلك يختلف باختلاف البِقاع والأزمنة؛ وفاءً بتعذُّر الاحتراز، وقيل: يعتبر الوسط منهما دون ما يكثر ذلك فيه أو يقِلُّ، وقطع الإِمامُ باعتبار العادة في غَسل الثياب.
ولو تفرَّق على ثوبه نجاسةٌ لو اجتمعت لظهرت للناظر، ففي العفو
عن مُفترِقِها، ووجوبِ غَسلِ مُجتمِعِها تردُّدٌ للإِمام، ويشهد له تفريقُ الأفعال في الصلاة واجتماعها، ومَيلُه إِلى أن ذلك بمثابة الأفعال في الصلاة.
408 -
فرع:
إِذا شككنا في الكثرة، احتُمِل العفُو؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الكثرة، ويُحتمل المؤاخدةُ؛ لأنَّ الأصل وجوبُ الإِزالة إِلا فيما تحقَّقت قِلَّته.
409 - فرع:
لو صلَّى على ظنِّ الطهارة، ثمَّ ظهر حدثُه، لزمته الإِعادةُ بلا خلاف، والجهلُ بالنجاسة عذرٌ في القديم دون الجديد، وإِن علِمَها، ثمَ نسيها فطريقان:
إِحداهما: تجب الإعادة.
والثانية: فيه القولان.
410 -
فصل في الاجتهاد في الثياب
تفصيل الاجتهاد في الثياب كتفصيله في الأواني؛ فيتحرَّى في الثوبين، ويصلِّي في الطاهر منهما، ولو صلَّى في كلِّ واحد منهما مرَّةً بغير اجتهاد، أثم، والصلاتان باطلتان، وأجازه المُزَنيُّ، وقال في الإِناءين: يتيمَّم، ولا يجتهد.
411 - فرع: إِذا أشكل موضعُ النجاسة من الثوب، غَسَله كلَّه؛ فإِنْ غَسَل أحدَ نصفيه،
ثمّ قَلَبه وغسل النصفَ الآخرَ، لم يجزه، وقيل: يجزئه، وهذا لا يصحُّ؛ لاحتمال أن تكونَ النجاسةُ على منتصفه، فيزولَ بعضُها بغسل النصف الأوَّل، فإِذا غسل النصف الثانيَ، انعكست على النصف الأوَّل.
412 -
فرع:
إِذا انحصرت النجاسةُ في موضعين من الثوب؛ كرُدْنيه أو غيْرِهما، فغسل أحدَهما بالاجتهاد، وصلَّى فيه، أو غسل أحدَ الثوبين بالاجتهاد وصلَّى فيه مع الثوب الآخر، صحَّت صلاتُه على الأصحِّ، وإِن غسل أحدَهما بغير اجتهاد، ثم صلّى في الثاني فوجهان، وإِن جهل محلَّ النجاسة، فغسل موضعًا منه بغير اجتهاد، لم تجز الصلاةُ فيه وجهًا واحدًا.
413 -
فصل فيما يُعفى عنه من آثار النجاسة وما لا يُعفى
إِذا غسل النجاسةَ غَسْلَ مثلِها في العادة، عُفي عمَّا يبقى من لونها دون طعمها، وفي ريحِها قولان.
فمن اختضب بحِنَّاء نجِسٍ، فغسله غسْلَ مثلِه طَهُرَ مع بقاءِ لونِه، وغلط مَنْ ألحق اللونَ بالطعم، وذُكر في الريح قولان؛ والمراد بريحها ما يوجد من محلِّها، دون ما يعبق بهواء بُقعتها؛ إِذ لا خلافَ في الطهارة معه.
وإِذا زالت الصفاتُ في الحِسِّ، فلا مبالاة بما يُقدَّر خفيًّا عن الحِسّ؛ إِذ لا يُعتدُّ بأمثاله.
قال الإِمام: لو كان اللونُ ثابتًا لا يزول إِلا على ممرِّ الزمان، نُظر إِلى
الغُسالة؛ فإِن صفَت بعد الإِمعان والتحامل طهرَ المحلُّ، وإِن لم تَصفُ لم تطهر؛ لأنَّها تقطعُ من أعيان النجاسة، ثم قال: وفي هذا نظر؛ إِذ يعسرُ اعتبارُه فيما صُبغ بالنجاسة؛ فإِنَّ غُسالاتِه لا تصفو ما بقي منه سِلْك (1)، فإن كان الصبغُ معقودًا لا يمكن فصلُه بالغسل، فيظهر اجتنابه؛ لقيام عين النجاسة فيه.
414 -
فصل في بيان الطاهر من الحيوان والجماد
الحيواناتُ والجماداتُ التي لم تخرج من حيوانٍ كلُّها طاهرة إِلا الخمرَ والكلبَ والخِنزيرَ وفروعَهما، وأبعد من طهَّر المثلَّث (2) المسكِرَ الذي أباحه أبو حنيفةَ مع القطع بتحريمه.
والمَيْتات كلُّها نجسة إِلا السمكَ والجرادَ، وكذلك الآدميُّ على المذهب، وفيما لا نَفْسَ له سائلة خلاف.
415 -
فصل في نجاسة ما يخرج من الحيوان
إِذا كان الخارجُ من الحيوان رَشْحًا لا تظهر استحالتُه واجتماعُه؛ كالعَرق12
واللعاب، فهو في الطهارة والنجاسة تابعٌ للحيوان، وإِن كان مجتمِعًا مستَحِيلًا، فالقياس نجاستُه إِلا ما ثبت استثناؤه.
فالدمُ والقيحُ والصديد، والمِرَّة (1) الصفراء والسوداء، والأرواث كلُّها، والأبوال بأسرها، وبلل المولود ومشيمته الخارجة معه؛ كلُّ ذلك نجس.
واختلفوا في الأَنفحة، وخُرْء السمك والجراد، وجميع ما يخرج منهما، أو ما لا نفسَ له سائلة إِذا طهَّرنا مَيْتَته.
ولا خلافَ في طهارة البلغم النازل من الرأس، وفي المقتلع من منفذ المريء وجهان.
وأمَّا بللُ الجراحات والنَّفَّاطات؛ فإن كان متغيِّرَ الريح أو مختلطًا بدم أو صديد، فهو نجس، وإن لم يكن كذلك، فالنصُّ أنه طاهر كالعرق، وظاهر كلام أبي عليٍّ أنه نجس.
416 -
فصل في طهارة المنِيِّ ونجاسته
المنِيُّ نجسٌ من كلِّ حيوان نجسٍ، طاهرٌ من الرجال، وفي النساء وجهان مبنيان على طهارة رطوبة الفرج 2، وأبعد من قال: منيُّهُنَّ نجس، وفي الرجال قولان.1
وفي سائر الحيوان [ثلاثة] (1) أوجه؛ ثالثُها: أنَّ منيَّ المأكول لحمُه طاهرٌ دون غيره (2).
417 -
[فصل في الطاهر والنجس من الألبان
البيض واللبن من الحيوان المأكول ومن الآدمي طاهرٌ حلال، ولبن ما لا يؤكل وبيضه محرمان، والمذهب نجاسةُ لبن ما لا يؤكل، وفي بيضه وجهان.
418 -
فرع:
المذهب نجاسةُ البيضة إن استحالت مَذِرةً، ولو استحال المنيُّ مُضغةً أو علقةً، فوجهان؛ أجراهما أبو علي في الخَمْرة المحترمة التي يقصدُ بها الخلُّ، وبنى على ذلك وجوبَ الضمان بإتلافها، واستبعده الإمام.
419 -
فصل في الرَّشِّ على بول الصبي
لا خلافَ في نجاسة بول الصبي إلا أنه يكتفى في تطهيره بالرشِّ بشرط ألا يطعمَ إلا اللبن، فيعم مورده برشِّ الماء، وإن لم يجر عليه ولم يقطر12
عنه، وأوجب أبو محمد نقعَه دون عَصْره، ولا يعدُّ هذا من المذهب.
ويغسل بول الصبية كسائر النجاسات، وفيه قول: إنه كبول الغلام، ولا وجهَ له.
420 -
فصل فيمن جبر عظمه بعظم نجس
إذا ضمَّد جرحَه بضماد نجس، نزعه لأجل الصلاة، وجُوِّز التداوي بجميع النجاسات إلا بالخمر، وأجازه بعضُهم عند ظهور الضرورة.
وإن جبر عظمَه بعظم نجس، فلم يتصل، ولم يلتحم، أو اتصل والتحم، ولم يَخَفْ من نزعه، لزمه نزعُه لأجل الصلاة، وإن خاف فوجهان، وقطع الإمامُ بأنه لا ينزع مع الخوف، ولا عند استتاره بالجلد واللحم؛ لالتحاقه بالباطن، ولا يتجه الخلافُ إلا أن يتعدَّى، فيجبره بالنجس مع قدرته على الطاهر، ومع ذلك فالظاهر أنه لا يقلع؛ إبقاءً على المُهْجة، وفي نزعه بعد الموت وجهان يبعد إحداهما إذا استتر بالجلد، وخوفُ فساد العضو كالخوف على الروح عند الإمام.
ولو خاط جرحَه بخيط لغيره، لم ينزع عند الخوف اتفاقًا.
421 -
فصل في وصل الشعر
إذا وصلت المرأةُ شعَرها بشعر نجس، حرمت الصلاةُ فيه، وإن وصلته بشعر امرأة، وأظهرته لزوجها، حَرُم إن حرَّمنا النظرَ إلى العضو المُبان، وكذلك
إن وصلته بشعر رجل، فنظرت إليه، ومسُّه حرام، ولا يطرد هذا في الوصل بشعر امرأة من محارم الزوجين.
ولا يجوز الوصلُ لخَلِيَّة ولا لمُدلِّسة به على زوجها، وإن وصلته بشعر طاهر من بهيمة بإذن زوجها، لم يجز على الأصح، وألحق الصيدلانيّ بذلك كلَّ ما يُخَيّلُ أمرًا في الخِلْقة؛ كتحمير الوجه، واستبعد الإمامُ الخلافَ في التحمير بإذن الزوج، وأجراه الصيدلانيُّ على الخلاف، وقرب الإمامُ تجعيدَ الشعر من تحمير الوجه، ولم يحرم تسويةَ الأصداغ، وتصفيفَ الطرر.
422 -
فصل في تطهير الأرض
بال أعرابيٌّ في مسجد المدينة، فقال عليه السلام: "صُبُّوا عليه ذَنُوبًا من ماء" 1، فإذا أصاب] 2 الأرضَ نجاسةٌ مائعة، فتطهيرُها أن تُكاثرَ بالماء حتى يغلبها ويغمرَها، فيختلف ذلك بقدر النجاسات وكيفيتها، وقدَّره بعضُهم بسبعة أمثال النجاسة، وقد قال الشافعي: لو بال اثنان، لم يطهِّره إِلا دلوان، فأجراه بعضُهم على ظاهره، وهذا لا يصحُّ؛ إِذ قد يكون بولُ واحد أكثرَ من بول اثنين.
وإِن كانت النجاسةُ جامدةً، نُقلت عينُها، ثم كُوثرَتْ بالماء.
وإِن ضرب اللَّبِنَ بماء نجس، فصَبَّ عليه الماء، وأوصله إِلى جميع أجزائه طهرَ كالأرض، ومهما نَضَب الماءُ في الأرض، أو عُصر الثوب عَصْرَ مثله، فقد طهرا، ولا تقِفُ طهارتُهما على جفافهما، ومقتضى هذا أن جفافَ الثوب أو مقاربتَه الجفافَ أَوْلى من العصر.
وإِن أصابت الغُسالةُ شيئًا لم يطهر بالعصر، ولا بالجفاف، ولابد من غسله؛ إِذ الرُّخَص لا يُعدَّى (1) بها محالُّها.
423 -
فصل في الأسباب المزيلة للنجاسة
لا مطهِّرَ على الجديد إِلا الماءُ، فلو قلعت الشمسُ آثارَ النجاسة عن أرض أو ثوب، أو طُبخ الآجرُّ المضروب بالماء النجس، أو استحالت النجاسةُ ترابًا أو رمادًا، أو انقلب الكلبُ في المَمْلحة مِلْحًا، فلا يطهرُ شيء من ذلك على الجديد، وعلى القديم تطهرُ الأرضُ والثوب والآجرُّ، وفي التراب والرماد والمِلْح وجهان؛ فإِن طهَّرنا الكلبَ، نثبت له أحكامَ الملح، وإِن لم نطهِّر الآجرَّ فنُقعَ في الماء زمانًا، طهر ظاهرُه دون باطنه، ولا وجهَ للإِطلاق بأنَّ ظاهرَه لا يطهر إِلا أن يكونَ فيه شيء من أجزاء النجاسة.
وخرَّج الإِمامُ وجهًا في الفرق بين الأرض والثوب من جهة أنَّ أجزاء الأرض مُعِيْنةٌ على قلع الآثار، بخلاف الثوب، فإِن طهرنا الثوبَ بالشمس ففي جفافه في الظلِّ وجهان، ولا يكفي في شيء من هذه الصور مُجرَّدُ1
الجفاف، ولابدَّ من انقلاع الآثار على طول الزمان بلا خلاف.
قال الإِمام: ينبغي أن تقعَ الاستحالةُ إِلى صفات الأعيان الطاهرة؛ كالتراب والمِلْح والرماد.
424 -
فصل فيما يشترط طهارته في الصلاة
يشرط في صحَّة الصلاة طهارةُ بدن المصلّي، وجميع ملبوساته ومحمولاته، وما يلاقيه بأعضائه أو ثيابه، وفيما يحاذيه في سجوده ولا يلاقي أعضاءَه وثيابه وجهان؛ فلو احتكَّ في قيامه بجِدار نجس، أو كان ذيلُه أو طرفُ عِمامته نجسًا، أو موضوعًا على نجاسة، لم تصحَّ صلاتُه؛ سواءٌ تحرَّك بحركته أو لم يتحرَّك.
وإِن كان ما لا يلاقيه من البساط نجسًا؛ كطرفه، أو وجهه الذي على الأرض، أو كان تحت رجله حبْلٌ طرَفُه نجس، أو في عنق كلب، فلا بأس.
وإِن حمل حيوانًا، فلا بأس بما في باطنه، فإِن كان على منفَذ الحيوان نجاسةٌ، أو حمل مُسْتجمِرًا، أو بيضةً مَذِرةً، أو عنقودًا استحال باطنُ حباته خمرًا من غير رَشْح، فيه وجهان.
وإن كانت النجاسة في قارورة مصمَّمة الرأس، لم يجز، وألحقها ابن أبي هريرة 1 بالبيضة المَذِرة، ولا نتخيَّل الخلافَ في النجاسة الملفوفة.
ولو أخذ بيده عمامةً أو حبلًا، أو شدَّهما على يده، أو حبل عاتقه (1)، وطرفهما الذي لا يتحرَّك بارتفاعه وانخفاضه نجسٌ، أو مُلاقٍ لنجاسة، أو مشدودٌ بعنُق كلب، فوجهان؛ فإِن كان الطرَفُ المشدود بالكلب قريبًا من المصلِّي؛ بحيث لو مشى الكلبُ لكان المصلي حاملَه، فالخلاف مرتَّبٌ، وأَوْلى بالبطلان، ولو كان في الحبل ساجور (2) معلَّق في عنق الكلب، فالخلاف مرتَّب، وأَولى بالصحَّة ممَّا يلاقي جِرْمَ الكلب.
وإِن كان في عنق حمار عليه نجاسةٌ، أو معلَّقًا بسفينة تنجرُّ بذلك الحبل، وفي السفينة نجاسةٌ، فالخلافُ مرتَّب على الساجور، وأولى منه بالصحَّة، وإِن لم تنجرَّ السفينة بالحبل؛ لِكبرها فلا بأس، وأبعدَ من أجراه على الخلاف.
425 -
فرع:
لو بسط على النجاسة اليابسة إِزارًا مُهلهَلَ النسيج، لم يجز على الظاهر؛ لأنَّه يلاقي النجاسةَ من خلاله، ولو بسط على الحرير إِزارًا صفيقًا، جاز الجلوسُ عليه، وإِن كان مُهلهلًا، فعلى الخلاف.
12 = الكبير على مختصر المزني" توفي سنة (345 هـ).
426 -
فصل في عبور الجُنُب والحائض في المساجد
اللُّبْثُ في المسجد جائز للمحدِث، حرامٌ على الجُنُب والحائض.
ويجوز العبورُ للجنب والمحدث، وفي الحائض وجهان؛ اختار الصيدلانيُّ الجواز، ولا يتردَّد العابرُ في أكناف المسجد، ولا يلزمه سلوكُ أقرب الطرق، ولا الإِسراعُ في المشي، بل يمشي على الاقتصاد والاعتياد، ولعلَّ ضبط التردُّد أن لا يعرِّج تعريجًا كأقلِّ ما يجزئ في الاعتكاف إِذا شرطنا فيه اللبثَ.
ويُمنع من العبور كلُّ مَن يُخشى منه تلويثُ المسجد من حائضٍ أو عليلٍ به سلسُ البول، أو استرخاءُ الأسفل، أو جراحُه نضَّاخة بالدم.
427 -
فرع:
يجوز للكافر دخولُ المسجد بإِذن واحد من المسلمين، وبغير إِذن وجهان، فإِن كان جنبًا، ففي تمكينه من اللبث وجهان.
428 -
فصل في الأماكن التي نُهي عن الصلاة فيها
نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في سبعة مواطن: المَزبلة، والمَجزرة، وقارعة الطريق، وبطن الوادي، والحمَّام، وظهر الكعبة، وأعطان الإِبل 1؛
فتكره الصلاةُ في الحمَّام؛ لأنه لا يخلو عن رشاشٍ، وبدوِّ عورات، أو لأنَّه بيت الشياطين، فإِن صُلِّي في المسلخ كره إِن علَّلنا بكونه بيتَ الشياطين، ولا يكره إِن علَّلنا بالرشاش 1 وبُدوِّ العورات، وكذلك تكره الصلاة في أعطان الإبل دون مَراح الغنم، وليس المرادُ بذلك المرابطَ التي يكثر فيها البولُ والبعرُ، والمراد بالأعطان: مواقفُها عند الماء؛ لأنها قد تزدحم على المنهل، فتَفَرَّق أذوادًا، كلما شرب ذَوْدٌ 2 نُحِّيَ، فإذا توافت سِيقَتْ، وكذلك تصويرُ مَراح الغنم.
429 -
باب الساعات التي تكره فيها الصلاة
تُكره الصلواتُ التي لا أسبابَ لها في خمسة أوقات: عند استواء الشمس إِلى زوالها، وعند اصفرارها إِلى غروبها، وعند بوادي شروقها إلى طلوع قرصها، وفي امتداده إِلى استيلاء سلطانها وجهان، وبعد صلاتيِ الصبح والعصر، فيتَّسعُ وقتُ الكراهية بتقديمهما، ويضيق بتأخيرهما.
ولا يكره طوافُ التطوُّع في هذه الأوقات اتفاقًا، ولا يُكرهُ من الصلوات في هذه الأوقات ما له سببٌ سابق، أو مقارن؛ كصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وقضاء الفرائض، والسنن الرواتب، وصلاة الاستسقاء، وتحية المسجد؛ سواءٌ دخله قصدًا أو اتفاقًا، [وكرهها الزبيريُّ 1 من أصحابنا بكل حال، وأبعد من كره الاستسقاء، وكذلك من كره التحيَّة مع اتفاق الدخول؛ فإن الحصولَ في المسجد سببٌ لها، فأشبه ما لو قصد تأخيرَ الفائتة؛ ليقضيهَا
في هذه الأوقات، واتَّفقوا على كراهية ركعتي الإِحرام؛ لتأخُّر سببهما] (1)، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة نصفَ النهار حتى تَزول الشمسُ إِلا يوم الجمعة (2).
فخصَّه بعضهم بالمُهجِّر (3) القاصد لطرد النعاس، وأبعد من استثنى الأوقات الخمسةَ يوم الجمعة.
وكذلك نهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر إِلا بمكة (4)، فخصَّه بعضُهم بركعتي الطواف، وأجراه الأكثرون في الأوقات الخمسة.
430 -
فرع:
إِذا صلَّى حيث أثبتنا الكراهيةَ، أو نذر الصلاةَ في هذه الأوقات، ففي انعقاد صلاته ونذره وجهان؛ فإِن قلنا: ينعقد نذرُه، فلا كراهيةَ في أدائه في هذه الأوقات.1234
431 -
فرع:
من أدرك الإِمامَ في الصبح فليدخلْ معه، فإِذا فرغ أتى بالسنَّة أداءً ما لم تطلع الشمسُ.
432 -
فصل في قضاء النوافل
لا خلافَ في أنَّ الكسوفَ لا يُقضى، ولا معنى لقضاء صلاة الاستسقاء، وفي سائر النوافل أقوال؛ يقضي في الثالث ما أُفرد بوقت؛ كصلاة العيد دون توابع الفرائض، والأصحُّ القضاءُ، وصلاةُ الضحى كصلاة العيد عند أبي محمَّد؛ لانفرادها بوقتها؛ فإِن قلنا بالقضاء، فليقضِ أبدًا على أصحّ الأقوال، وعلى قول: يقضي الراتبةَ ما لم يؤدِّ الفريضة [المستقبلة] (1)، فيقضي الوترَ ما لم يُصَلِّ الصبحَ، فإِذا صلَّاها فلا قضاء، وعلى قول يقضي سننَ الليل ما لم تطلع الشمسُ، وسنن النهار؛ كركعتي الفجر ما لم تغرب الشمسُ.
433 -
فصل [في بيان أفضل] (2) النوافل
أفضل النوافل: العيدان، ثمَّ الكسوفان، ثم الاستسقاء، ثمَّ الرواتب.
وأفضل الرواتب: الوترُ، وركعتا الفجر، وأيُّهما أفضل؟ فيه قولان.12
والضُّحى مقدَّمة على الرواتب عند أبي محمَّد، مؤخَّرة عنها عند الإِمام؛ لأن السلفَ لم يواظبوا عليها مواظبَتَهم على الرواتب.
وأما صلاةُ التراويح: فإِن لم نشَرَع فيها الجماعةَ، فالرواتبُ أفضل منها، وكذلك إِن شَرَعنا فيها الجماعةَ على الأصحِّ، وشَبَّبَ بعضُهم بتفضيلها على الرواتب.
434 -
باب صلاة التطوع وقيام شهر رمضان
اختلفوا في عدد الرواتب، فقيل: إِحدى عشْرةَ ركعةً؛ ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، والوتر ركعة.
وجعل بعضُهم قبل الظهر أربعًا، فتصير ثلاثَ عشْرةَ، وزاد بعضُهم أربعًا قبل العصر، فتصير سبعَ عشْرةَ.
والرواتبُ كلُّها مَثْنى مَثْنى إِلا الوترَ، وليس لأحدٍ تغييرُ الرواتب عن حدِّها، وكيفيتها المشروعة فيها؛ فإِن زاد في ركعتي الفجر ثالثةً، بطلت تلك الصلاةُ، ويجوز أن يقال: هل تبطل أصلًا، أو تبقى نفلًا؟ فيه قولان.
435 -
فصل في التطوُّع الذي لا سببَ له
الأفضلُ في تطوُّعات الليل والنهار مثنى مثنى، ولا خلافَ أن الخِيَرة إِلى المصلِّي فيما يُنشِئه من أعداد الركعات، فلو سلَّم من كلِّ ركعةِ، أو صلَّى مئةَ ركعةٍ بتشهُد واحدٍ، أو بتشهُّدات عَقيبَ كلِّ ركعتين، جاز.
ولو تشهَّد عَقيب كلِّ ركعة، أو عقيب كلِّ ثلاث، جاز عند الإِمام، والضابطُ عنده أنَّ كلَّ قدرٍ جاز أن يتحلَّل عنه، جاز أن يتشهَّد عليه، ثمَّ
يقوم من غير تحلُّل.
ولو نوى عددًا فله الزيادةُ عليه، والنقصانُ منه بشرط النيّة فيهما جميعًا، فإِذا نوى أربعًا ثمَّ سلَّم عن اثنتين؛ فإِن تعمَّد ذلك غيرَ قاصِدٍ للاقتصار، بطلت صلاتُه، وإِن سها بسلامه لم يتحلَّل، وهو مخيَّر بين الزيادة والنقصان، ويسجد لسهوه بالسلام، وإِن قام إِلى الخامسة غيرَ ساهٍ ولا قاصد للزيادة، [بطلت صلاتُه، وإِن قام سهوًا، رجع وسجد لسهوه؛ فإِن أراد التماديَ قاصدًا للزيادة] 1، فوجهان:
أحدُهما: يلزمه العَوْدُ؛ ليقومَ ويسجدَ للسهو.
والثاني: لا يجوز له العَوْد، بل يتمادى ولا سجودَ عليه، واعتبر الإِمامُ زيادةَ التشهُّدات بزيادة الركعات، فقال: لو نوى ركعتين بتشهُّد، ثمَّ زاد تشهُّدًا آخرَ، فإِن كان سهوًا، فليسجد، وإِن كان على قصد الزيادة، جاز؛ كزيادة الركعات، وإِن نوى ركعتين مطلقًا انعقدت صلاتُه على تشهُّد واحد؛ لأنَّه الغالبُ، وإِن نوى عشرَ ركعات مطلقًا، فالظاهرُ عنده أنَّه يجلس على كلِّ ركعتين، فإِن أراد الزيادةَ على ذلك، فليقصدها، ولو نوى أربعَ ركعات مطلقًا فله أن يأتيَ بتشهُّدين؛ فإِن ترك الأوَّلَ، لم يسجد للسهو؛ لأنَّه لا يتأكَّد تأكُّدَ الأبعاض، وإِن تعمَّد تركَ التشهّد الأوَّل من الفريضة، سجد على ظاهر المذهب، ولو نوى أربعًا بتشهُّدين، ثمَّ ترك الأوَّل عمدًا أو سهوا، لم يسجد، وفي السهو احتمال.
436 -
فرع:
للقادر أن يتنفَّل قاعدًا، وفي تنفُّلِه مومئًا مستقبلًا أو على جنب خلافٌ، اختار الصيدلانيُّ جوازَه، وزيَّفه أبو محمَّد.
ومن نذر صلاةً لزمته، وفي قعوده مع القدرة قولان، وإِن نذر أربعَ ركعات قائمًا، لزمه القيامُ بلا خلاف، وإِن نذر القيامَ في جميع النوافل، لم يلزمه ذلك عند الصيدلانيِّ؛ لأنَّ الرُّخَصَ لا تُنفى بالنذر، كما لو نذر أن يُتمَّ في كلّ سَفَر، أو يصومَ ولا يفطر.
437 -
وصلاة التراويح عشرون ركعة، وتجوزُ جماعة وفُرادى، وأيُّهما أولى؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدُها: الانفراد.
الثاني: الاجتماع.
والثالث: إن كان يحفظ القرآنَ، ولا يكسَل عنها إِذا خلا، فالانفرادُ أولى، وإِلا فالاقتداء أولى.
438 -
فصل في الوتر
لا يجبُ بأصل الشرع إِلا الصلواتُ الخمس، والوتر سنَّة مؤكَّدة، ويجوز الإِيتارُ بما نقل عن رسول الله، وهو ركعة، وثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإِحدى عشْرة.
واختلفوا في نقلِ ثلاثَ عشْرةَ؛ فإن زاد على المنقول، ففي صحَّة وتره وجهان، ونُقل أنَّه كان يتشهَّد على آخر هذه الأعداد تشهُّدين، وأنَّه صلَّى
ثلاثًا، وخمسًا بتشهُّد واحد، والمذهب جوازُ الأمرين، وأيُّهما أولى؟ فيه وجهان.
ولو تشهَّد على أثر كلِّ ركعتين بغير تحلُّل، لم يجز، وفي الأفضل أربعة أوجه:
أحدُها: ثلاث موصولة.
والثاني: الفردة أفضلُ من ثلاث موصولة، بل من إِحدى عشْرةَ، وهو سَرَف.
والثالث: الثلاثُ المفصولة أفضلُ من ثلاث موصولة، وثلاث موصولة أفضلُ من الفردة.
والرابع: الفصل أولى بالمنفرد، والوصلُ أولى بالإِمام.
وهذا الخلافُ يختصُّ بالثلاث؛ فاما الزيادة عليها: فلا يُؤثره أحدٌ من أصحابنا من طريق الفضيلة، ويُحمل فعلُه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك على الجواز دون الأَولى.
439 -
فصل في الوتر قبل النوم وبعده
كان أبو بكر يوتر ثمَّ ينام، وكان عمر يوتر بعد النوم فرفعا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأشار إِلى أنَّ أبا بكر أخذ بالحزم، وأنَّ عمرَ أخذ بالقوَّة 1،
[وميلُ الشافعي إِلى حزم أبي بكر، وكان ابن عمرَ يوتر ثمَّ ينام، ثم ينقض الوترَ بركعة ويتهجَّد، ثم يوتر (1)] (2)، ولم يرفع ذلك إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يرَ نَقْضَ الوتر أحدٌ يُعتمَد من أصحابنا، وأخطأ من قال (3): الأَولى عندنا ما فعله ابن عمر.
440 -
فرع:
لو أوتر بركعة لم يسبقها تنفُّل، صحَّ وترهُ على الأقيس.
441 - فرع:
لو أوتر قبل العشاء سهوًا أو عمدًا، لم يصحَّ، وأبعد من صحَّحه.
ولا قنوتَ في الوتر إِلا في النصف الأخير من رمضان، فيقنتُ بعد الركوع، ويقرأ في الثلاث فَصْلًا ووصلًا بـ (سَبِّح اسمَ ربِّك الأعلى)، و (قُلْ يا أيها الكافرون)، وفي أُخراهن (بالإِخلاص) و (المعوِّذتين).
123
442 -
باب فضل الجماعة والعُذْر بتركها
الجماعة سنَّة مؤكَّدة أو فرضُ كفاية؟ فيه وجهان؛ فإِذا قام بها قومٌ سقط فرضُها عن الباقين، وقيل: ينبغي أن تُقامَ في كلّ مَحَلَّة.
قال الإِمام: الغرضُ ظهورُ الشِّعار، فإِذا أُقيمت في البلد الكبير في مواضعَ يظهر بمثلها الشعارُ، فقد حصل الغرضُ، وقيل: لا يظهر إلا بإِقامتها في كلِّ محَلَّة، ولو حضر في كلِّ مسجد اثنان أو ثلاثة لا يظهرون للمارَّة، اتَّجه أن لا يكفيَ في الإِظهار، وقد نكتفي في القرية الصغيرة بجماعة واحدة، ومهما ظهر الشعارُ في الأمصار، فلا يمتنعُ سقوطُه فيما قاربها من القرى الصِّغار.
ولا يتعرَّض لهذا الفرض مسافرٌ، ولا مَنْ قلَّ عددهم من سكَان الأمصار، وإِن كثر أهلُ البوادي، ففيهم نَظَر.
الصلاةُ في الجمع الكثير أولى، فإِن كان بقربه مسجدٌ تُقام فيه الجماعةُ إِن حضر، وتتعطَّل إِن غاب، فحضورُه أَولى من قَصد الجمع الكثير، وإِن لم تتعطَّل فالمذهبُ أنَّ الجمعَ الكثيرَ أَولى، وقيل: رعايةُ حقِّ الجِوار أَوْلى.
443 -
فصل في بيان الأعذار
يجوز تركُ الجماعة بالأعذار؛ كالأمراض، والأمطار، وتمريضِ من يُعتنى به، وفي تركه إِضرار، وكذلك الرياحُ الشديدة بالليل دون النهار، وكذلك القيام على مال لو تركه (1) لضاع، أو خِيف عليه البوار، وكذلك خوف المديون من حبس غريمه عند الإِعسار، وكذلك ما لم يتفاحش (2) من الوحل على الأظهر، ورجاء الجاني العفوَ عن القصاص عذرٌ في ترك الجمعة والجماعات مع ما فيه من الإِشكال، وكان رسولُ الله يأمر مناديَه في الليلة المطِيرة (3)، أو الليلة ذات الريح أنْ يقول: "ألا صلُّوا في رحالكم" (4). قال الصيدلانيُّ: يقولُه بعد قوله: (حيَّ على الفلاح)، واستبعده الإِمامُ، ورأى أنه يأتي به بعد الأذان.
444 -
فصل في الصلاة مع الجُوع ومُدافعة الأخبثين
إِذا أرهقه الحدَثُ، أو أفرط جوعُه، فلا يصلِّي حتَّى يقضيَ حاجته، ويكسرَ سَوْرةَ جوعه بِلُقَيم، ولا يجلسُ للأطعمة، وترديد الألوان.
وقال القاضي حُسين: إِذا أرهقه الحدثُ بحيث لا يتأتَّى منه الخشوعُ1234