الغاية في اختصار النهايةصفحات 277-317

كتاب السواك

16 -

السِّواك: مستحبٌّ في ثلاثة أوقات:

أحدها: تغيُّر النكهة بأكل طعام كريه الريح، أو نوم، أو طول أَزْم 1. الثاني: القيام إلى الصلاة؛ وإن لم يتطهَّر.
الثالث: الوضوء.
وقال أبو محمد: ينبغي أن يستاكَ لكلِّ صلاة، فإن ترك فلكلِّ طهارة، فإن ترك ففي اليوم والليلة.
وآلةُ السِّواك: قضبان الأشجار وعروقها؛ ويلحق به كلُّ آلة خشنة تزيل القَلَح؛ كالخِرَق 2 الخشنة.
وينبغي أن يستاك على ظاهر أسنانه عرضًا وطولًا، فإن اقتصر فالعَرْض أولى.

17 -

باب النيّة في الوضوء

النيَّة شرطٌ في طهارة الحدث دون الخبث.
والطهارة ضربان: أحدهما: طهارة الرَّفاهية 1؛ وهي وضوء مَن لا عُذْرَ له من نواقض الطهارة، وله أحوال: الأولى: نيَّة رفع الحدث؛ فإذا نوى رفع الحدث ارتفع حدثه، ويصحُّ وضوءُه؛ فإن غلط فنوى رفع حدث النوم وكان حدثه مَسًّا ارتفعَ حدثُه بإجماع، نقله المزنيُّ.
ولو غلط المتيمِّم فنوى استباحة الصلاة عن الحدث، ثم بان أنَّه جُنب صحَّ تيمُّمه.
ثمَّ من العبادات ما يُشترط التعيينُ 2 في نيَّته؛ كالصوم والصلاة، ومنها ما لا يشترط؛ وهو قسمان: أحدهما: لو عَيَّن فأخطأ لم تصحَّ عبادتُه؛ كما لو

نوى عتقًا عن ظِهار، ثم بان أنَّه حالفٌ غيرُ مظاهر، فلا يجزئه عن الحلف، ولو نوى الزكاة عن ماله الغائب، ثم بان تلفُه، فلا يجزئه عن سائر أمواله.
القسم الثاني: ما لا يضرُّ الغلطُ في تعيينه؛ كما لو نوى الإمامُ إمامةَ زيد، ثم بان أنَّ المقتديَ به عمرٌو، وحاصلُه يرجع إلى أنَّ أصلَ النية لا تشترط.
الثانية: نية الاستباحة؛ إذا نوى استباحة ما يفتقر إلى الوضوء؛ كالصلاة؛ أو مسِّ المُصحف؛ ارتفع حدثُه واستباح كلَّ ما يتوقف على الطهارة مِمَّا ذكره أو تركه.
وإن نوى استباحةَ ما يستحبُّ له الطهارة؛ كقراءة القرآن فوجهان.
ولا يرتفع بنية التجديد على المذهب؛ لأنَّ الوضوء للقراءة مأمورٌ به لأجل الحدث، بخلاف التجديد.

18 -

فرع:

إذا نوى استباحة صلاة بعينها ونفى ما سواها، ففي صحة وضوئه وجهان.

19 - فرع: قال أبو بكر: لو اجتمعت أحداثٌ، فنوى رفعَ بعضها ونفيَ ما سواه؛ ففي صحة وضوئه وجهان.
وذكر أبو محمد وجهًا ثالثًا: أنَّه إن نوى رفع الأوَّل صحَّ، وإن نوى رفع ما بعده لم يصحَّ.
ومقتضى كلام أبي بكر أنَّه لو نوى رفعَ حدث عَيَّنه ولم ينفِ غيرَه: أن يصحَّ وضوءُه؛ كما لو نوى صلاةً معيَّنة ولم ينفِ غيرها، وهذا وهم؛ لأنَّه

إذا لم ينفِ غيرَ الصلاة المعيَّنة، تضمَّنت استباحتُها رفعَ جميع الأحداث، بخلاف ما لو عيَّن حدثا ولم ينفِ غيره، فإنه ينقدح إجراءُ الخلاف فيه؛ لأنَّه لم يتعرَّض لما أُبقيَ من الأحداث؛ فلا يرتفع.
الحالة الثالثة: إذا نوى أداءَ الوضوء، أو فريضة الوضوء، صحَّ وضوءُه، وارتفع حدثُه، وفي مثله في التيمُّم وجهان.
الضرب الثاني: طهارةُ الضرورة: وهي طهارة المستحاضة، ومَن به سلسُ البول، والحدثُ الدائم، فلا تجزئ فيها نيةُ رفع الحدث، وتكفي نيةُ الاستباحة على المذهب.
وعن القفال (1): لابدَّ أن يجمع بين نيَّة رفع الحدث ونيَّة الاستباحة، وهو غلطٌ.
ومن نوى صلاة الظهر؛ ففي وجوب إضافتها إلى الله تعالى وجهان؛ ينقدح إجراؤهما فيما إذا نوى رفعَ الحدث؛ لأنَّ الوضوء قُرْبة؛ فشرط في نيته ما يشترط في نيَّة القُرُبات، بخلاف النية في الدُّيون (2).

20 -

فصل في وقت النية

وقت النيَّة مبنيٌّ على ما يعدُّ من الوضوء، والمضمضة والاستنشاق من الوضوء بالاتفاق؛ وكذلك التسميةُ، وغسل الكفين، والسِّواك على الأظهر،12

فإن نوى عند غسل أوَّل جزء من الوجه صحَّ وضوءُه، ولا يضرُّ عُزُوبُ النية (1) بعد ذلك، لكن لا يعتدُّ بما قدَّمه على غسل الوجه من السنن.
وإن نوى عند التسمية، ودامت النيةُ إلى غسل الوجه صحَّ، وإن عَزُبَتْ قبل الشُّروع في غسل الوجه وقلنا: إن ذلك من الوضوء؛ فوجهان.

21 -

نيَّه التبرُّد والتنظُّف:

إذا نوى رفعَ الحدث والتبرُّد صحَّ وضوءُه؛ لأنَّ كلَّ ما يحصُل بغير نيَّة فقصده لاغٍ، كما لو نوى بالظهر: الفرضَ والتحية، بخلاف ما لو نوى بالظهر: الفرضَ والسنة، أو نوى المسبوقُ بتكبيرته الإحرامَ والهُوِيَّ، فلا تصحُّ صلاته؛ للتشريك.
وإن نوى بغسله الجنابةَ والجمعةَ حصلا؛ لأنَّ مبنى الطهارات على التداخل؛ وفيه وجه 2 أنَّه لا يصحُّ غسله أصلًا؛ للتشريك؛ كالجمع بين الفرض والسنَّة في التكبير والصلاة، وهو بعيدٌ لا يتخرَّج إلا على قولنا: مَن نوى غسل الجنابة خاصَّة لم يحصُل له غسل الجمعة، وإن عزبت النية فنوى ببقية الطهارة التبرُّد لم يُجْزِه على الأصحِّ؛ كما لو رفض النيَّة 3، ونوى التبرُّد.
1

22 -

فصل في غُسْل الكافر

إذا اغتسلت الذِّمِّية عن الحيض؛ لتحلَّ لزوجها المسلم، أو امتنعت المسلمة عن غُسل الحيض، فغَسَّلَها زوجُها قهرًا، جاز وطؤهما (1). وهل يلزم المسلمةَ إعادةُ الغسل حقًّا لله، ويلزم الذمِّية إذا أسلمت؟ فيه وجهان.
والمسلمةُ أولى بالوجوب؛ لامتناعها مع الأهليَّة؛ والأوجه في الذمِّية أن لا يلزمَها الإعادةُ؛ لأنَّ القربة إذا استقلَّتْ بأحد مقصوديها لم يلزم إعادتُها؛ كما لو أسلم الكافر بعد أداء الكفارة.
لكنَّ الفرقَ أنَّ الكفارة المالية لا تنفك عن غرض لآدمي، بخلاف غسل الحيض؛ فإنَّه يجب على الخَلِيَّة (2) حقُّا لله تعالى مَحْضًا.
وإن اغتسلت الكافرة الخَلِيَّة، أو اغتسل الكافر، لزمتهما الإعادةُ بعد الإسلام، وغلط الفارسيُّ، فأجراهما على الخلاف.

23 -

فصل في وضوء المرتد

لا يصحُّ وضوء المرتد، ولا يبطل الوضوء بالرِّدة بعده، وفي التيمم وجهان.
وإن ارتدَّ في أثناء وضوئه، لم يصحَّ ما فعله في الردَّة؛ فإن أسلم على12

الفور ولم يأتِ بشيء في الردَّة: فإن لم يجدِّد نيَّة لبقيَّة الطهارة لم يصحَّ؛ لبطلان نيته بالردَّة، وإن جدَّد النيَّة فعلى وجهي تفريق النيَّة.

24 -

باب سُنّة الوضوء

يُسنُّ للمتوضئ غسلُ كفَّيه قبل غَمْسِهما وإن تيقَّن طهارتَهما، وكذلك يغسلُهما لو كان يصبُّ عليه الماء.
وعن بعضهم: إن تيقَّن طهارتهما فلا عليه لو غمسهما، ومع ذلك يُستحبُّ غسلُهما، واستبعده الإمام، ولا وجهَ لاستبعاده.
والتسمية سنَّة لا يبطل الوضوء بتركها 1 عمدًا ولا سهوًا.
والمضمضة والاستنشاق سُنَّتان في الوضوء والغسل.
ونقل المُزَنيُّ أنَّه يأخذُ غُرْفَةً لِفِيْهِ وأنْفِهِ، رواها عبد الله بن زيد 2. وروى الرَّبيع أنَّه يأخذ غُرْفَةً لِفِيْهِ وغُرْفَةً لأنْفِهِ؛ رواها عليٌّ وعثمان 3. فحمل بعضُهم ما نقله المُزنيُّ على الأقلِّ، وما نقله الرَّبيع على الأكمل.
وأجرى بعضُهم قولين:

أحدهما: الغُرْفة أَوْلى؛ حذرًا من السَّرَف؛ ولذلك لا يأخذ لكلِّ مرَّة من مرَّات المضمضة غرفة.
والثاني: الغُرفتان أولى؛ لأنَّهما سنَّتان متعلِّقتان بعُضْوَيْن؛ فإن قلنا [بالغُرفتين، تمضض بإحداهما ثلاثًا ثم استنشق بالأخرى ثلاثًا، وهذا الترتيب مستحب أو مُستحقٌّ؟ فيه وجهان، وإن قلنا] (1) بالغرفة؛ فعلى رأي العراقيين يخلطهما، فيتمضمض بكلِّ واحدة من الغَرَفات، ويستنشق بها، لأنَّ اتِّحاد الغَرَفات يجعل الفمَ والأنف كالشيء الواحد، والأصحُّ أنَّه يرتِّبهما.
والخلطُ وإن أجزأ إذا لم يشترط الترتيبُ فلا يؤمر به، ويستحبُّ لغير الصائم المبالغةُ فيهما بتصعيد الماء إلى الخياشيم ورَدِّه إلى الغَلْصَمة (2).

25 -

فصل في غَسل الوجه

غسل الوجه ركنٌ في الوضوء؛ وحَدُّه من منابت شعر الرأس إلى أصول الأذنَيْن ومنتهى اللَّحْيَيْنِ.
قال الشافعي: وموضع التحذيف 3 من الوجه.
وسُئل عن الوجه؟12

فدعا بحالِقٍ فحلق موضعَ التحذيف، ثم أشار إلى الوجه.
وعلى موضع التحذيف شَعَرٌ ليس بالخشن عادةُ النساء نتفُه؛ وحَدَّه الإمام بما يحويه خطٌّ ابتداؤه على طرف الأذن المقبل على الوجه، وانتهاؤه الطرف الأعلى من الجبهة المتصل بالرأس، وموضع الصَّلَع من الرأس، وكذلك النَّزَعَتَان، وهما الخَطَّان المحيطان بالناصية (1)، والغَمَم (2) إن استوعب الجبهةَ لزم غَسلُه، وكذلك إن أخذ بعضَها على الأصحِّ.

26 -

فصل فيما يجب غسلُه مِن شُعور (3) الوجه

يجب إيصالُ الماء إلى منابت شعر الحاجبَيْن، والأهداب، والشارب، والعِذارين، وهما: الخطَّان المحاذيان للأذنين؛ خفيفةً كانت أو كثيفة؛ لأنَّ كثافتها نادرة، ولأنّ بياضَ الوجه محيطٌ بها.
وأمَّا شعر الذَّقن والعارِض: وهو ما انحطَّ عن الأذن؛ فإن كان كثيفًا لم يجب غسلُ منبته، وإن كان خفيفًا تبدو منابته للناظر في مجلس التخاطب لزم غسلُ منبتهِ.
وكلُّ شعر يجب غسلُ منبته لزم غسلُ ما يقع منه في حدِّ الوجه، وفيما خرج منه عن حدِّ الوجه في جهته قولان.123

ويجب إفاضةُ الماء على ما في حدِّ الوجه مِن اللحية الكثيفة، وفيما خرج عن حدِّه القولان؛ فإن أوجبنا ذلك لزم إفاضتُه على الوجه البادي من الطبقة العليا، ولا يلزم إيصالُه إلى الوجه الآخر من تلك الطبقة على الأصحِّ.
والعَنْفَقَةُ (1) إن خفَّت لزم غسلُ منبتها، وإن كثفت فوجهان.
والسنَّة تخليلُ اللِّحية الكثيفة.

27 -

فرع:

لو أغفل لُمْعَةً (2) في الأولى، وغسلها في الثانية قصدًا للسنَّة؛ ففي سقوط الفرض بها وجهان.

28 - فرع: لو شكَّ: اغتسل مرَّتين أو ثلاثًا، بنى على الأقَلِّ؛ كأعداد الرَّكَعات.
وقال أبو محمد: يقتصر على ذلك.

29 -

فصل في غُسل اليدين

غسل اليدَيْن مع المرفقين رُكنٌ في الوضوء؛ فإن قُطعت من الكوع أو الساعد، لزم غسلُ ما بقي، وإن قطعت من العَضُد، سقط الفرضُ.12

ويستحبُّ تطويل الغُرَّة (1)؛ لأنه ثبت مقصودًا (2)، بخلاف ما يغسل من الرأس لاستيعاب الوجه، فإنَّه لا يُستحبُّ غسله إذا سقط غسلُ الوجه بعذر من الأعذار.
من قُطعت من المرفق لزمه أن يغسلَ من عظم العضد ما كان عظمُ الساعد داخلًا فيه، وقيل: فيه قولان.

30 -

فرع:

لو نبت في ساعده يدٌ أو سِلْعة 3 لزم غسلهما، وإن تدلَّتْ جلدة من12

الساعد لزم غسلها، فإن اتَّصل طرفها بالعضد، فلا يجب إزالة الالتصاق (1)، ويلزمه غسلُها مع وجهها الظاهر في محل الالتصاق.
وقال العراقيُّون: لا يلزمه غسلُ ما هو في حدِّ العضد وإن تدلَّت من العضد لم يلزمه غسل شيء منها ما لم يلتصق طرفها بالساعد؛ فيغسل ما ظهر في محلِّ الالتصاق، وما تحتها من الساعد في محل التجافي.
قال الشافعيُّ: ولو نبت له يدٌ زائدة من كتف أو عضد؛ فإن كانت لا تحاذي شيئًا من محلِّ الفرض لو مدَّت، فلا غسل عليه فيها، وإن حاذت شيئًا من محلِّ الفرض لزم غسلُ المحاذي؛ لاجتماع المحاذاة واسم اليد.
ولا خلافَ أنَّ السِّلْعة لو كانت كذلك فلا يلزمه غسل شيء منها.
وإن كان له يمينان لا يتبيَّن الأصليَّة منهما لزم غسلُهما اتِّفاقًا.

31 -

فصل في مسح الرأس

الواجبُ مِن مسح الرأس أقلُّ ما ينطلقُ عليه الاسم، ولو بعضَ شعرِه. وقيل: لا بدَّ من إيقاع المسح على ثلاث؛ كالحلق في النُّسك. وإن غسل رأسَه أجزأه اتِّفاقًا؛ إلا أنَّه يُكره عند الأكثرين للسَّرَف؛ ولا نعلم أحدًا يستحبُّه. ولا خلافَ في كراهية غسل الخُفِّ.1
= للفيومي (مادة: غدد).

وإنْ وَضَعَ البللَ على رأسه أجزأه على الأصحِّ.
وقيل: لا يُجْزِئُه ما لم يُمرَّ يده؛ لأنَّه لا يسمى مسحًا ولا غَسلًا.

32 -

فصل في محلِّ المسح

محلُّ المسح بشرة الرأس، أو الشعرُ النابت عليها، ما لم يخرج بالمدِّ عن حدِّ الرأس؛ فله أن يمسحَ مِن شعره ما لا يجاوز حدَّ الرأس؛ فإن تجعَّد بحيثُ يخرج بعضُه بالمدِّ عن حدِّ الرأس، فله المسحُ على ما لا يخرجه المدُّ منه دون ما يخرجه.

33 -

فرع:

إذا حلق رأسَه بعد المسح، فلا يلزمه إعادةُ المسح.
ونزَّله ابن خيران منزلةَ نزع الخُفِّ 1. ولو قلَّم أظفارَه لم يلزمه إعادةُ الغسل فيما أظهره القَلْم.

34 -

كيفية مسح الرأس:

يستحبُّ مسحُ الرأس ثلاثًا بمياه جديدة، فيلصق أطرافَ أصابع إحدى يديه بأطراف الأخرى، ويمرُّهما من مقدَّم رأسه إلى قفاه، ثم يردُّهما إلى حيث بدأ، ثم يفعل ذلك ثانية وثالثة.
قال أبو بكر: إنَّما يردِّد يده من ينقلب الشعرُ على رأسه بالترديد؛ فأمَّا المحلوق وذو الذوائب: فلا.

35 -

فصل في مسح الأذنين

مسحُ ظاهر الأذنين وباطنها ثلاثًا بماء جديد مستحبٌّ؛ فَيُدخِل مسبِّحَتَيْهِ في صِماخَيْه، ويديرهما على المعاطف، ويمرُّ إبهاميه على ظهورهما.
ولم يذكر الصيدلانيُّ مسحَ العنق، وذكر أبو محمد وجهين في كونه سنة أو أدبًا؛ لرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنه قال: "مسح العُنق أمان من الغل" 1؛

وإسنادُه غير مرضِيٍّ، ولا حاصلَ لما ذكره.

36 -

فصل في غسل الرجلين

غسل الرجلين مع الكعبين رُكنٌ في الوضوء.
والكعبان: العظمان البارزان من الجانبين.
ويُستحبُّ تخليل أصابعهما وإن تيقن وصولَ الماء إليها، فيبدأ بخنصر اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى، ويوقع التخليل بخنصر إحدى يديه من أسفل أصابع رجليه.

37 -

فصل في ترتيب الوضوء

ترتيبُ الوضوء ركنٌ فيه؛ فإن نَسِيَه لم يجزه إلا على قولِ قديم.

38 -

فرع:

إذا أحدث وأجنب تداخل الحَدَثان على المذهب؛ فيسقط الترتيبُ على الأصحِّ.
فإن انغمس في ماء ناويًا للوضوء فوجهان: = مسح العنق) (1/ 142) جملةً من الأخبار في ذلك"، ثمَّ قال "وبجميع هذا تعلم أنّ قول النووي: مسح الرقبة بدعة، وأنّ حديثه موضوع: مجازفة".
انتهى.
وللإمام عبد الحيّ اللكنويّ رسالة نفيسة في هذا الموضوع، مطبوعة، سمّاها "تحفة الطَّلبة في تحقيق مسح الرقبة" حقَّق فيها أنّة حديث ضعيف لا موضوع، فانظرها.

أحدُهما: لا يجزئه؛ لسقوط هيئة 1 الترتيب.
والثاني: يجزئه لأنَّه صيَّر وضوءه غسلًا، أو لأنَّ وضوءه يترتَّب في لحظات لطيفة، فإن نكس 2 غسله؛ فإن قلنا: لا يُجزئ المنغمس فهذا أولى، وإن قلنا: يُجزئه؛ فهاهنا وجهان؛ بناءً على العِلَّتَيْن.

39 -

فرع:

لو غُمِس في الماء كَرْهًا، فنوى رفعَ الجنابة، ولم يصدر منه فعل تتعلَّق به النية؛ فقد أشعر كلامُ المعظم بصحة غسله؛ لأنَّه إذا نوى رفع الحدث بما هو كاره له، فهو مريد له من وجه، وكاره له من وجه.
وقال أبو علي: لا يصحُّ غسله؛ لأنَّ النية لا تتحقَّق ما لم تُعلَّق بأمر، بخلاف ما لو برز للمطر، أو أُلقي في غَمْرةٍ، فنوى؛ فإن بُروزَه للمطر وإيثارَه المُقامَ هو فعلُه المنوي.

40 - فرع: إذا اغتسل الجُنب المحدِث، فأحدث قبل غسل رجلَيْه: فإن لم يوجب الترتيب لزمه الوضوءُ مرتَّبًا إلا في رجليه؛ لبقاء حكم الجنابة فيهما؛ وفيه وجهٌ: أنه يلزمه الترتيبُ فيهما؛ لأنَّ الوضوءَ هاهنا أكملُ من بقية الغسل،

فتندرج بقيَّة الغسل تحت الوضوء؛ وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ الجنابة أغلظُ حكمًا.
فلو نسي في مسألتنا حكم الجنابة في رجليه، ونوى رفع الحدث، فالأظهر ارتفاعُ جنابته، وقيل: لا ترتفعُ؛ لأنَّ الأعلى لا يرتفع بنيَّة الأدنى.

41 -

فرع:

إذا انغمر الجُنب في ماءٍ ناويًا رفع الحدث الأصغر، فلا ترتفع الجنابة عمَّا عدا أعضاءَ وضوئه، وفي أعضاء وضوئه وجهان؛ أحدهما: لا ترتفع؛ إذ الأعلى لا يرتفع بالأدنى؛ والأصحُّ: أنَّها ترتفع عن وجهه وبدنه ورجليه؛ وفي رأسه وجهان: من حيث إن نيَّته لم تتناول غسلَ الرأس.

42 - فرع: إذا شكَّ في الخارج أمَنِيٌّ هو أم مَذِيٌّ؟ فالوجه أن يغتسلَ أو يتوضأ مرتِّبًا، ويغسلَ ما أصابه الخارج، فإن ترك ترتيبَ وضوئه، أو رتبه ولم يغسل ما أصابه، لم يجزه ذلك على الأصحِّ.

43 -

فصل في تفريق الوضوء والغسل

ولا يبطل الوضوء ولا الغسل بيسير التفريق، وكذلك بكثيرِه على الجديد.
فإن كان معذورًا بخوفٍ أو نفادِ ماءٍ لم يضرَّ؛ وقيل: فيه القولان.
وفي إلحاق النِّسيان بالعذر تردد.
والكثير: أن يجفَّ الماءُ مع اعتدال الحال والهواء؛ فإن أبطلناه استأنف، وإن قلنا: لا يبطل، بنى، وفي وجوب تجديد النية وجهان إذا لم ينوِ تبرُّدًا أو غرضًا يخالفُ الطهارةَ.

44 - فرع: إذا أفرد كلَّ عضو بِنيَّة، فوجهان؛ بناءً على جواز التفريق.
وقال الإمام: إنْ منعنا التفريقَ لم يجزِ الإفرادُ، وإن جوَّزناه، فوجهان.

45 -

[فرع

في] تنشيفِ الأعضاء: قال العراقيُّون لم يَصِرْ أحدٌ إلى استحباب التنشيف؛ فإن نشَّف لم يكره؛ والظاهر أنَّ تركه أولى وسوَّى بعضُهم بين فعله وتركه.

46 - فرع: فرائض الوضوء ستة في الجديد، وسبعة في القديم: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسحُ ما قَلَّ من الرأس، [وغسل الرجلين] (1)، والترتيب، والموالاة على قولٍ (2).

47 -

وسننه: أربعة عشر على قول، وخمسة عشر على آخر: التسمية، وغسل الكفين، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وتعميم الرأس بالمسح، ومسح الأذنين، ومسح الرقبة (3)، وتخليل أصابع الرِّجلين،

123

والموالاة على قول.

48 -

فصل في مسِّ المصحف وحَمله

يحرم على كلِّ محدِث مسُّ المصحف: أسطره، وحواشيه، ودَفَّتَيْه، وفي صندوقه المصنوع له، وغلافه وهو فيهما، وجهان.
وإن قلَّب أوراقَه بقضيب، لم يجز على الأظهر، وان قلَّبه بيده وهي في كُمِّه لم يجز، ومن ذكر فيه خلافًا 1 فهو غالط.
وكذلك يحرم حملُه وحمل ورقة منه مغلَّفًا وغير مغلَّف، بِعِلاقة وبغيرِ عِلاقة، وإن حمله مع أمتعة في صندوق وهو عالم به؛ فوجهان.
وهل يلزم الأولياءَ مراعاةُ الطهارة في حق الصبيان لمسِّ الألواح والمصاحف؟ فيه وجهان.
وإن حمل أو مسَّ درهمًا، أو ثوبًا منقوشًا بآية، أو كتابًا فيه آيٌ كتبت للاحتجاج، أو التيمُّن دون الدراسة، فلا يحرم.
وإن حمل أو مسَّ لوحًا عليه آية أو بعض آية؛ كُتبت للدراسة لم يجز.

49 -

فصل في قراءة المحدِث القرآن

لا يُكره للمحدِث قراءةُ القرآن؛ والأوْلى أن يكون متطهِّرًا.
ويحرمُ على الجنب والحائض قراءته، أو قراءة شيء منه، ولو بعضَ آية.
وإنْ بسمل أو حمدل ناويًا للتلاوة حرم.
وإنْ 1 نوى التبرُّك، أو أطلق، لم يحرم.
وقيل: للشافعيِّ قولٌ؛ إن الحائضَ تقرأ القرآن؛ وهل تختصُّ بالمعلِّمة لأجل الكسب، أو تعمُّ النِّسوة لخوف النسيان؟ فيه وجهان.
فإن عمَّمنا: فلها قراءةُ ما شاءت؛ إذ لا ضابط للنِّسيان.
ولا يحرم على المحدِث القراءةُ ناظرًا في المصحف.

50 -

باب الاستطابة

إذا أراد الحاجةَ فليستتر، وَلْيبعد عن أعين الناظرين، ويعدَّ الأحجار قبل ذلك، ويجتنب مُتَحَدَّث الناس ومجالسَهم، وعَزاز الأرض 1، والجِحَرَة 2، والماء الراكد، والأشجار المثمرة، ومهابَّ الرياح، واستقبال الشمس والقمر، ولا يتدانى مجلس اثنين يتحدَّثان، ولا يكشف عورته، ما لم ينتبه إلى موضع جلوسه.
ويستبرئ من البول، فيمكث بعد انقطاع التقاطر ويتنحنح، وينتر ذكره، بأن يُمِرَّ إصبعه على أسفل القضيب لإخراج ما بقي، ولا يستنجي في موضع قضاء الحاجة، وإن كان في بناء دخل بيُسراه وخرج بيمناه عكسًا للمساجد.
ويُسَمِّي عند دخوله، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم 3، وعند خروجه: الحمدُ لله الذي أذهب عنِّي ما يؤذيني، وأبقى على ما ينفعني 4.

ويعتمدُ على يُسْرى رجليه في جلوسه، ولا يستصحبُ شيئًا عليه اسمٌ مُعَظَّم.

51 -

فصل في استقبال القبلة واستدبارها

إذا كان في بَرارٍ، أو عَرْصة دار، حرم عليه استقبالُ القبلة واستدبارها، وإن كان في بيت يُعدُّ ساترًا لم يحرم؛ والأوْلى: تركُه، وأن يَتَّخذ مجلسَه مائلًا عن القِبلة.
وإن استتر بِوَهْدة (1)، أو راحلة، أو شيء آخر فلا تحريم (2)، ويدنو من الساتر بقريب من ثلاثة أذرع، وكلَّما قَرُب كان أبلغَ، ويعتبر في الساتر أن يسْتر من سرَّته إلى موضع قدمَيْه.

52 -

فصل فيما يُوجِبُ خروجُه الاستنجاءَ

ولا يجب الاستنجاء بالريح 3، ويجب بكلِّ عينٍ ملوِّثة معتادة أو12 = عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا، ولا يثبت".
وحديث طاوس أخرجه الدارقطني في "سننه" (1/ 57)، والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" (813).

نادرة، وكذلك بالحصاةِ، والدودةِ التي لا تحسُّ رطوبتها على الأصح.

53 -

فصل فيما يستنجَى به

ويجوز الاستنجاء بكل عين طاهرة منشِّفة غير محترمة، ولا يجوز بمحترم؛ كالعصفور الحيِّ، ويد الغير، والمطعومات، وما عليه كتابة محترمة، فإن خالف ففي الإجزاء وجهان؛ ويجزئه بيد نفسه؛ إذ لا مأثمَ، ومن أجراه على الخلاف فغالِطٌ.
واختلف نصُّه في التراب والحُمَمَة 1، والأصحّ حمل الإجزاء على الصلب المتماسك القالع للنجاسة، ومن أجرى الخلاف في الرِّخو المنتثر فهو غالط.
وله نصوص في الجلد الجاف الطاهر؛ فرِّق في الثالث بين المدبوغ وغيره، فقيل: المذهب الجواز؛ لأنه طاهر منشف غير محترم؛ ويحمل النَّصَّان الآخَران على ما قبل الدباغ وبعده؛ لأنَّه قبل الدباغ دسمٌ غير نشاف، وقيل: النصوص أقوال؛ وعلَّة المنع كونه ماكولًا.
وقال أبو محمد: لو جَفَّ العظمُ بحيث لا يؤكل لجفافه لم يجز الاستنجاء به؛ لأنَّه مأكول على الجملة.

54 -

فصل في كيفية الاستنجاء

يُعتبر في استعمال الماء ما يعتبر في إزالة النجاسة، وإن استجمر فلابدَّ من الإنقاء مع ثلاث مَسَحات بحجر ذي أحرف، أو أحجار ثلاث، فإن أنقى بحجر، فلابدَّ من الثاني والثالث تعبُّدًا، فإنِ استعمل رَوْثةً تعيَّن الماء، وإن استعمل ما لا يقلع النجاسةَ، أو شيئًا مبتلًا: فإن نقلا النجاسة تعيَّن الماء، وإن لم ينقلا النجاسةَ، جاز الاستجمارُ فيما لم ينقل النجاسة، وتعيَّن الماء في المبتل على رأي أبي محمد؛ لأنَّ البلل قد نجس بالملاقاة، فصار كتعيين الماء في الروث؛ وفيه نظر؛ لأن عينَ الماء لا تنقلب نجسةً، وإنَّما تُجاوره النجاسةُ أو تخالطه.

55 -

فرع:

وفي الاستجمار عن النادر؛ كالدَّم والمَذي قولان؛ خصَّهما العراقيُّون بما يُوجب الوضوء، وقالوا: يتعئن الماءُ في دم الحيض قولًا واحدًا؛ وينبغي أن يضعَ الحجر على محلٍّ طاهر، ويمرَّه على النجاسة، ويديرَه عليها؛ ليزيل بكل جزء ظاهر من الحجر جزءًا من النجاسة، وفي وجوب هذه الإدارة وجهان، فإن نقل النجاسةَ عفي عما يتعذَّر الاحترازُ عنه من النقل دون غيره، ويمسح جميع المحلِّ ثلاث مَسَحًات، أو يمسح الصفحة اليمنى بحجر، واليسرى بآخر، والمَسْرَبة 1 بالثالث، فيه وجهان، قال العرقيون: يجوز الأمران، والخلاف في الأول.

وقال أبو محمد: الوجهان متنافيان، فلا يُجَوِّز أحدُهما ما جوَّزه الآخر.

56 -

فرع:

يُكره الاستنجاء باليمين؛ فينبغي أن يأخذَ الحَجَر بيمينه، ويمسح ذكره عليه بيساره، فإن حرَّك يمينَه دون يساره، أو حركهما، كُره ذلك، والأفضل أن يجمع بين الماء والحجر.

57 -

فصل في انتشار الخارج

إذا انتشرت النجاسة؛ فقد نقل الربيع أنَّه يستجمر مادامت بين الألْيَتَيْنِ، فإن جاوزت تعيَّن الماء.
ونقل المُزَنيُّ: أنَّه يستجمر ما لم تَعدَّ المخرجَ، ونقل عن القديم: أنه يستجمر ما لم يجاوز العادة، فأوهم المزنيُّ قولَيْن، وساعده بعضُهم، فَخَرَّجَ المسألةَ على أقوال، والمذهبُ اعتبار العادة في الانتشار، لأنَّ المزنيَّ أغفل قولَ الشافعيِّ: ما لم تَعدَّ المخرجَ وما حوله، وما ذكره الربيع يقرب مما ذكره الشافعيُّ، وإن لم يكن حدًّا يُوقف عنده.
وإن ترشَّش من النجاسة شيءٌ منفصل عنها تعيَّن الماء، وإن كان بحيث لو اتَّصل لَعُفي عنه، وإن خطأ فتعدَّت النجاسة أدنى تعدٍّ تعيَّن الماء، لتسبُّبه إلى ذلك.

58 -

الوضوء قبل الاستنجاء:

إذا توضأ قبل الاستنجاء، صَحَّ وضوءُه على أصح القولين، بخلاف التيمم، والأكثرون على تصحيح الوضوء، وتخريج التيمم على قولين.

وإن كانت النجاسةُ أجنبيةً، فقد خرَّجه بعضُهم على الخلاف، ولا يُعرف خلافًا أن تيمُّم العاري قبل استتاره صحيح، وإن كان تيمُّمه لا يستعقبُ جوازَ الصلاة.

59 -

باب الأحداث

نواقض الوضوء أربعة: الغلبةُ على العقل، والمسُّ، واللمس، وخروجُ الخارج من السبيلين ريحًا كان أو عينًا، نادرًا أو معتادًا؛ فإن انسدَّ سبيلُه انتقض طهره بالخارج من تحت المعدة، وفيما عليها أو فوقها قولان، وإن لم ينسدَّ لم ينتقض بما على المعدة أو فوقها، وفيما تحتها قولان.
والنادر كالمعتاد في أصحِّ القولين، فإن قلنا: لا ينقض، تعيَّن الماء، وإن قلنا: ينقض، ففي الاقتصار على الأحجار ثلاثة أقوال، يُفرَّق في الثالث بين المعتاد وغيره.
ولا ينتقضُ الوضوء بمسِّه على المذهب، وفي تحريم النظر إليه تردُّد، فإن أولج فيه، فلا يثبت شيء من أحكام الوطء إلا الغسل؛ والمذهب أنَّه لا يثبت.

60 -

فصل في الغلبة على العقل

ومهما زال العقلُ بِسُكْر أو غيره انتقض الوضوء، وأبْعَدَ 1 [مَنْ 2 لم،

يُنْقِضْ وُضوءَ السَّكران إذا جعلناه كالصَّاحي، ولا ينتقض بالغَفْوة، وهي: مبادئ فتور الحواسِّ، وينتقض بنوم المضطجع.
وفي النوم على هيئة من هيئات الصلاة ثلاثة أقوال: أحدها: لا ينقض.
والثاني: ينقض إلا في الصلاة.
والثالث وهو المذهب: أنَّ النوم ينقض إلا في حَقِّ القاعد.
وخَرَّج المزني قولًا في القاعد، فإن قلنا: لا ينقض، فشرطه أن يُمكن مقعدتَه - وهي: سبيلُ الحدث - من الأرض؛ فإن مكَّنها مستندًا أو متَّكئًا على شيء لو أُزِيل لسقط، فلا ينتقض طهره على المذهب، وإن تجافت مقعدتُه قبل انتباهه، انتقض وضوءُه، وإن تجافت بعد انتباهه أو شَكَّ في ذلك، فلا ينتقض.

61 -

فصل في اللَّمس

إذا تلامس الرجل والمرأة انتقض طهرُهما.
وإن لمس أحدُهما الآخرَ انتقض طهرُ اللامس، وفي الملموس قولان.
ولا ينتقض بلمس المحارم على أصحِّ القولين.
وفي لمس السِّن، والظفر، والشعر، والميتة، والصغيرة التي لا تُشتهى = من (فصل في الغُسالة)، ويقع فيها من اللوحة رقم (40) إلى اللوحة (50) ومكان بعد اللوحة رقم (10).

وجهان، وفي الهَرِمَة طريقان.
والمذهب: أنَّه لا ينتقض بعضو مُبَانٍ، وينتقض باللمس الاتفاقي (1) عند الجمهور، وفيه خلاف مذكور في "التقريب" (2).

62 -

فصل في مسِّ الفرج

إذا مسَّ الرجل أو المرأة القُبل من أنفسهما، أو من غيرهما، انتقض طهرهما: صغيرًا كان الممسوسُ أو كبيرًا، حيًّا أو ميِّتًا، ذكرًا أو أنثى، وأبعدَ من شَبَّب في الأنثى بخلاف، وفي الذَّكَر المُبان وجهان وأصحُّ القولين (3): أنَّ الدبر كالقُبل، وأنَّ فرجَ البهيمة لا ينقض، والممسوس من الذكر: جملته؛ فإن جُبَّ (4) فموضع الجَبِّ منه، ومن الفَرْج: ملتقى الشُّفرَيْن على المنفذ، وكذلك الملتقى من حَلْقة الدُّبر.

63 -

فرع:

إذا قلنا: مسُّ فرج البهيمة لا ينقض، فأولج يدَه فيه، فالظاهر أنَّه لا ينقض، ولا ينتقض بما ليس بفرج؛ كالخُصْية والعِجَان 5، وهل يجوز1234

مسُّ الفرج مِمَّن لم يبلغ حدَّ التمييز من الصغار، والنظرُ إليه، مع الاتفاق على الانتقاض بمسِّه؟ فيه اختلاف.
وأمَّا آلة المَسِّ: فباطن الكفِّ والأصابع دون ظاهرهما، ولا ينتقض برؤوس الأصابع على الأصحِّ، ولا بما بينهما على النصِّ، وأبعدَ مَن ذكر في ذلك خلافًا.
ولا ينتقض طهرُ الممسوس، ومَن أشار إلى خلافٍ فِيه فغالطٌ.

64 -

فصل في مسّ فرج الخُنْثَى

إذا مسَّ الخُنْثَى المُشْكِل من نفسه فرجَيْه، انتقض طهرُه، وإن مسَّ أحدَهما، لم ينتقض.
وينتقض وضوءُ الرجل بمسِّه ذَكَرَ الخنثى، ولا ينتقض بمسِّ فرجه، والمرأة على العكس.
وإن مس أحدُ خُنْثَيَيْنِ من الآخر فرجَيْه، انتقض طهره، وإن مسَّ أحدَهما، لم ينتقض، وإن مسَّ أحدُهما من صاحبه الفَرْجَ، ومسَّ الآخَرَ ذَكَرَ ماسَّه، لم ينتقض طهرُ واحد منهما في الحكم.
وإن مسَّ الخنثى ذَكَرَ نفسه، وصلَّى الصبح، ثم توضأ ومسَّ فرجه وصلى الظهر، فهل يلزمه قضاؤهما، أو لا يلزمه شيء؟ فيه وجهان.
والخارج من قُبُلَيه ناقضٌ لطهره، ومن أحدِهما كالخارج من سبيل

ينفتح تحت المعدة.

65 -

فصل فيما يُعرف به حال الخُنْثى

إذا بال بفرجَيْه، فمُشْكِل، وبأحدهما، واضح، ولا نظرَ إلى القِلَّة والكثرة.
وإن حاض بفرج النساء، أو أمنى بفرج الرجال؛ فواضح، وإن اجتمعا فمشكِل.
وفي نَبَات 1 اللحية ونُهُود الثَّدْي اختلاف.
ولا اعتماد على عدمهما، ولا يعارضان شيئًا من العلامات المتفق عليها.
وإن بال بفرج الرجال، وحاض بفرج النساء، فمشكِل عند الإمام، وتردَّد فيه أبو محمد، ورَجَّح المبال.
ومهما تعارضت العلاماتُ رُجع إليه عند بلوغه، وحُكم عليه بموجب قوله: فإن رجع لم يقبل إلا إن لم يكذبه 2؛ بأن يقول: أنا رجل، ثم يلد.
وإن ذكر أنَّه يميل إلى كلا الجنسين، أو لا يميل إلى واحد منهما، فمشكِل.

66 -

فصل في الشكِّ في الطهارة والحَدَث

إذا استيقن الطهارةَ أو الحَدَث، ثمَّ شكَّ في ذلك، بنى على يقينه، وإن علمهما وشكَّ في السابق منهما، فهل (1) يحكم له بمثل ما كان عليه قبلهما أو بعكسه؛ فيه وجهان.

67 -

فرع:

إذا غلب على ظنِّ المتوضئ أنَّه أحدث، فلا ينتقض طهرُه اتِّفاقًا، وإن غلب على الظنِّ نجاسةُ الطاهر، فقولان؛ فقال أبو محمد: لا مجال للاجتهاد في الأحداث، بخلاف النجاسات، وفَرَّق بأنَّ الأحداثَ لا علامة عليها، بخلاف النجاسات.
واعترض الإمام: بأنَّ صفات الحيض والمنيِّ يتعلَّق بهما في إثبات الحدث، فلا وجهَ للإطلاق بأنَّ الأحداثَ لا يتطرق إليها الاجتهاد.
ولعلَّ الفرق كثرة العلامات في الأنجاس، وقلَّتها في الأحداث.

68 -

خاتمة:

لا يُترك الاستصحابُ بالشكِّ إلا في أربع مسائل: إذا تردد في بقاء وقت الجمعة، أو تردَّد الماسحُ في انقضاء المدَّة، فلا تقع الجمعةُ، ولا يجوز المسح، وإن شكَّ المسافر في نيَّة الإقامة، أو انتهى إلى موضع يشكُّ أنَّه1

محل الإقامة، لا 1 يترخَّص على الأصح.

69 -

باب ما يُوجِب الغُسل

الأغسال الواجبة أربعة: غُسل الجَنابة، وغُسل الحيض والنفاس، وغسل الولادة، وغسل الموت.
وللجنابة سببان: أحدهما: إيلاجُ الحَشَفة، أو قدرها في أيِّ فَرْج كان من آدميٍّ أو بهيمة، حيٍّ أو ميِّت، ولا يجب إعادةُ غسلِ الميت بالإيلاج فيه على الأظهر؛ لسقوط تكليفه.
وإن أَوْلَج البهيمةُ في فرج آدمي لزم الغسل، كالإيلاج في فرج البهيمة، وفيه نظر؛ لِنُدْرته.
الثاني: خروج المَنِيِّ، وهو في اعتدال الحال: أبيضُ، ثخين، دافق بدفعات، يخرج بشهوة، ويُعْقِبُ خروجُه فتورًا، ريحُه كريح الطَّلْع أو كريح العجين.
وقد يرقُّ، ويصفر، ويسيل بغير شهوة.
والمَذيُ: رقيق، يخرج بنشاط، ولا يتعقبه فُتور.
والوَدْيُ: أبيضُ، يغلب خروجُه عند حمل الأثقال، ولا يخرج بشهوة.
ومَنِيُّ المرأة: أصفرُ، رقيق؛ زعم الأطباء أنَّه لا يخرج منها.

70 -

فصل في خصائص المَنِيِّ

إذا تيقَّن خروجَ المنيِّ لزمه الغسلُ، ويُعرف بخواصِّه، وهي: الرائحة، وإعقاب الفتور، والخروج بدفع وتزريق 1 ويكفي إحداهنَّ، وقد يخرج دمًا عَبِيطًا؛ لكثرة الجماع، والظاهر أنَّه منيٌّ إذا وجد فيه بعضُ خواصِّه.

71 -

فرع:

إذا شكَّ فلم يجد إلا الثخانة والبَيَاض، لم يجب الغسل؛ لأنَّ الوَدْيَ يشاركه فيهما، وإن غلب على ظنِّه أنَّه مَنِيٌّ؛ بأن تَنَبَّه بعد جماع في احتلامه، فوجد الماء الأبيض الثخين، وكان الوديُ لا يليق بطبعه، جاز أن يستصحبَ يقين الطهارة، وجاز أن يحمل على غلبة الظن؛ تخريجًا على غلبة الظن في النجاسة؛ فإنَّه مما يغلب وقوعُ الظن فيه، ويتعلَّق في قبيله بالعلامات.
وأطلق أبو محمد أنَّ الغسل لا يلزم إلا بيقين كما في الأحداث.

72 - فرع: إذا اغتسل ثم خرجت منه بقيَّة الماء، لزمه إعادةُ الغسل، سواء خرج قبل البول أو بعده.

73 - فرع: إذا خرج ماء المرأة، لزمها الغسل، ولا يُعرف ذلك إلا بفتُور شهوتها.

74 - فرع: إذا خرج منها منيُّ الرجل: فإن لم تقضِ وَطَرًا، أو كانت صغيرة لا منيَّ

لها، فلا غُسل عليها، وإن قضت وَطَرًا لزمها الغسلُ؛ لأنَّ الغالبَ اختلاطُ الماءين وخروجُهما معًا، فالظاهر وجوبُ الغسل، ويحتمل تخريجُه على إيجاب الغسل بالاحتمال الغالب.

75 -

فرع:

إذا ولدت، ولم تنفس؛ لزمها الغسلُ على الأصحِّ.
وإذا طهرت الحائضُ والنفساء اغتسلتا، وعلَّة وجوب غسلهما انقطاعُ الدم عند الأكثرين، وعند بعضهم خروجُه، ولا يصحُّ إلا أن تريدَ به خروجَ الجملة 1.

76 - فرع: مَن أحدث وأجنب دخل وضوءُه في غسله، وفيه قول: إنَّهما لا يتداخلان؛ وتتصوَّر الجنابة مجرَّدة عن الحدث؛ بأن يولجَ من وراء حائل، أو يولج في دُبر أو فرج بهيمة.

77 -

باب غسل الجنَابة

أقلُّه: إجراءُ الماء على ظاهر البدن، والشعور خفيفِها، وكثيفِها؛ ولا يجبُ الدَّلك، وكذلك المضمضة والاستنشاق على المذهب.
وشرطه: النِّية؛ فينوي رفعَ الجنابة، فإن نوى رفعَ الحدث ولم يتعرَّض لجنابة ولا حدث، فالوجه القطعُ بإجزائه.
وإنْ نوتِ المغتسلة عن الحيض استباحةَ الوطء جاز على الأصحِّ.

78 -

فصل في كيفية الغسل

ويبدأ بغسل ما به من نجاسة أو أذىً، فإن شكَّ في النجاسة احتاط بالغسل، ثمَّ يتوضَّأ للصلاة كَمَلًا، أو يؤخِّر غسلَ قدمَيْه حتى يفيضَ الماء على بدنه؛ فيه قولان.
ويتعهَّد معاطفَه وشعورَه الكثيفةَ التي يعسُر وصولُ الماء إليها، ثم يَحْثي الماءَ على رأسه، ثم على ميامنه، ثم على مياسره مع الدلك، وفحوى كلامهم أنَّه يُوصلُ الماءَ إلى كل موضع ثلاثًا ثلاثًا.

79 -

فرع:

لا تصحُّ طهارةُ الكافر؛ وفيه وجه أنَّه يصحُّ غسله، ووضوءُه،

وتيمُّمه، وهو ضعيف.

80 -

فصل في تجديد الوضوء

تجديد الوضوء مستحبٌّ؛ فإن لم يؤدِّ بوضوئه شيئًا؛ فالأظهر أنَّ التجديدَ لا يستحبُّ.
قال الإمام: هذا إذا تخلَّل تفريقٌ كثير بين الوضوء والتجديد، فإن وَصَل التجديدَ بالوضوء، فهو كالغسلة الرابعة، وفي استحباب تجديد الغسل وجهان.

81 -

فرع:

غُسل المرأة كغسل الرجل، إلا أنَّه يُستحبُّ أن تستعمل في غسل الحيض فِرْصة مِسْك في منفذ الدم، فإن لم تجد فطيبًا غيرَه، فإن لم تجد فالماء كافٍ؛ ولا فرقَ بين البِكر والثَّيِّب، فلا يجب إيصالُ الماء إلى ما وراء ملتقى الشُّفْرَين كما لا يجب المضمضة.

82 - فرع: الأوْلى بالجُنب أن لا يجامعَ حتى يغسلَ فرجَه ويتوضَّأ، وأن لا يأكل ولا يشربَ ما لم يتوضأ؛ فإن خالف فلا بأس.
وروي أن رجلًا سلّم على رسول الله فضرب يده على حائط فتيمَّم، ثم أجاب؛ تعظيمًا للسلام 1، فقيل: كان جنبًا مقيمًا واجدًا للماء.

جارٍ التحميل