الغاية في اختصار النهايةكِتَابُ الْجِزْية

كتاب الجزية

3628 -

الجزية مُجْمَعٌ عليها، وهي عوضٌ عن سُكْناهم بلادَنا، أو عن حَقْنِنا دماءَهم، أو عن تركنا القتال؟ فيه أوجه، والوجه: أن تجعلَ عوضًا عن جميع مقاصد الكفَّار.

ثمَّ الكفَّار أقسام: الأوَّل: أهلُ الكتاب، وهم اليهودُ والنصارى، فتحِلُّ ذبائحهم ونساؤهم، ويقاتَلون حتَّى يُسْلموا، أو يبذلوا الجزيةَ.
الثاني: مَنْ له شبهةُ كتاب، وهم المَجُوس، فنقرُّهم بالجزية، والمذهبُ: تحريمُ ذبائحهم ونسائهم.
الثالث: مَنْ لا كتابَ له، ولا شبهةَ كتاب؛ كَعَبَدة الأصنام والنار والصُّوَر الحِسان، فلا تؤخذُ منهم الجزيةُ، ويقاتَلون حتَّى يُسلموا، أو يُستأصلوا، ولا فرقَ بين العرب والعجم في هذه الأقسام.
الرابع: من يزعم أنَّه متمسِّك [بكتاب منزل كصُحف إبراهيم، وزَبور داود؛ فتحرم ذبائحُهم ونساؤهم] 1، وفي أخذ جزيتهم وجهان؛ إذ لا ثقةَ بقولهم، فإن قلنا: تُؤخذُ جزيتُهم، لم تحلَّ ذبائحُهم، ولا مناكحتُهم، ولو

انتهينا إلى طائفة من الكفرة (1)، فقاتلناهم، فزعموا أنَّهم يهود أو نصارى، وبذلوا الجزيةَ، لزمنا قَبولُ جزيتهم، ولا نكلِّفهم البيِّنة اتِّفاقًا.

3629 -

فرع:

مَنْ دخل جدُّه العالي في اليهوديَّة؛ فإن دخل فيها بعد مَبْعث نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم-، لم تُؤخذ جزيتُه، وإن دخل قبل المبعث، أو شككنا؛ هل دخل قبل [المبعث، أو بعده] 2، أُخذت جزيتُه، وذكر بعضُ المصنِّفين أنَّ من دخل قبل المبعث؛ فإن دخل قبل تبديل التوراة، أُخذت جزيتُه، وإن دخل بعد تبديلها؛ فإن لم يتمسَّك بالمبدَّل، أخذت جزيتُه، وكذا إن تمسَّك به على المذهب، وقيل: إن أدركه الإسلامُ، لم تؤخذ جزيتُه، وهل تُؤخذ الجزية من أولاده؟ فيه خلاف كأولاد المرتدِّين.
الخامس: السامرة والصابئة، وكان الشافعيُّ متردِّدًا في اعتقادهم، ثمَّ تبيَّن له تمسُّكهم بالكتاب، فقطع بأخذ جزيتهم، وخالفه الإصطخريُّ في ذلك.
وقال الإمام: إن ثبت تعطيلُهم، لم تُؤخذ جزيتُهم، وإِن أشكل، حرمت ذبائحُهم ونساؤهم، وفي الجزية احتمال؛ لما نُقل عنهم من أنَّ 3 الكواكبَ السبعةَ مدبِّرة للعالم، بخلاف المجوس، فإنَّهم تمسَّكوا بنبوَّة زرادشت، ويزعمون أنَّه إبراهيم.
واختلف الأصحابُ في كيفيّة تردُّد الشافعيِّ قبل رجوعه، فقيل: إنَّه1

تردَّد في أنَّهم هل خالفوا الملَّةَ بما يوجب التكفيرَ أم لا، فإن لم يخالفوا بما يوجب التكفيرَ، حلَّت ذبائحُهم ونساؤُهم، وإلَّا فلا يحلُّ ذلك، ولا تُؤخذ جزيتُهم، وألحقهم الإمامُ بالمجوس؛ لأنَّ تمسُّكَهم بالكتابين لا ينحطُّ عن شبهة الكتاب.
وقيل: تردَّد بين تمسُّكِهم بالكتابين، وبين التعطيل؛ إذ نقل عنهم أنَّ الأنجمَ السبعة تدبِّر العالمَ، [ويدبرها الفلك] 1 الأعلى، وهو حيٌّ ناطق، وقال بعضُهم بقدم النور والظلمة، ومن يقول هذا، فلا معنى للكتب والنبوَّات عنده.

3630 -

فرع:

إذا تهوَّد وثنيٌّ قبل المبعث، وله ابنٌ صغير، فبلغ بعد المبعث، وتمسَّك باليهوديَّة، أُخذت جزيتُه؛ إذ ثبت له حكمُ تهوُّد أبيه.

3631 - فرع: إذا توثَّن نصرانيٌّ في زماننا، فالأظهرُ أنَّه يُلحق بمأمنه، وقيل: يُغتال، فإن كان له أولادٌ صغار؛ فإن كانت أمُّهم نصرانيَّة، أقررناهم في دارنا تبعًا لأمِّهم، وإِن كانت وثنيَّةً، لم يتبعوا الأبَ في التوثُّن على أقيس القولين؛ لأنَّ أدنى الدِّينين لا يستتبعُ أعلاهما، فإن قلنا: يتبعونه، فالوجهُ القطعُ بأنَّهم لا يُغتالون في الصغر.
ولو كان للطفل أبوان وثنيَّان، فتهوَّد أبوه في زماننا، لم يثبت للطفل

حكمُ التهوُّد؛ لوقوعه بعد المبعث.

3632 -

فرع:

إذا زعمت طائفةٌ أنَّهم من أهل الكتاب، فأخذنا جزيتَهم، فأسلم اثنان منهم، وعُدِّلا، فشهدا بأنَّهم من عبدة الأوثان، تبيَّن بطلانُ الذمَّة من أصلها، فنحكم لهم بحكم عُبَّاد الأوثان، والظاهر أنَّهم يُغتالون؛ لتدليسهم.

3633 - فرع: إذا تهوَّد مسلمٌ أو تنصَّر، فعلقت منه كافرةٌ بولد؛ فإن جعلنا الولدَ مرتدًّا، لم تُؤخذ 1 جزيتُه، وإِن جعلناه مسلمًا، طُولب بالإسلام، فإن امتنع، قُتل قَتْل المرتدِّ، وإِن جعلناه كافرًا أصليًّا، لم نأخذ جزيتَه على المذهب؛ لأنه لم يَدِنْ بالدين قبل المبعث، وفيه وجهٌ بعيد، وفي إرقاقه خلاف؛ إذ يجوز إرقاقُ الوثنيِّ على المذهب.

3634 - فرع: من تهوَّد بعد المبعث، لم تنُكح بناتُه اتِّفاقًا، فلا تُؤخذ جزيةُ أهل غَوْر 2، ولا يُناكَحون؛ لأنّهم ارتدُّوا بعد الإسلام، وغلط مَنْ أجاز نكاحهم.

3635 - فرع: مَنْ تولَّد من وثنيٍّ وكتابيَّة، لم تحلَّ مناكحتُه، ولا ذبيحتُه اتِّفاقًا، وفيمن تولَّد من كتابيٍّ ووثنيَّة قولان، وأخذُ الجزية منه تابعٌ لجواز المناكحة والذبيحة

عند العراقييِّن، وصاحب "التقريب"، وقطع الإمامُ بأخذ الجزية؛ لشبهة الكتاب.

3636 -

باب الجزية على أهل الكتاب

قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] فالإعطاء هاهنا: الالتزام، واليدُ: القهرُ، والصَّغار: عند الشافعيِّ التزامُهم أحكامَ الاسلام، وقيل: الصَّغار أن يضعَ الجزية في كفَّة الميزان، ويأخذ القابض بلحيته، ويضرب في لَهازمه، وفي تحتُّم ذلك وجهان.
فإن وكَّل مسلمًا في عقد الذمَّة، جاز، وإن وكَّله في أداء الجزية أو ضمنها عنه مسلم، فوجهان (1) مأخوذان من الخلاف في تحتُّم الصَّغَار، والضمانُ أولى بالصحَّة؛ لإمكان مطالبة الأصيل.

3637 -

فصل في بيان قدر الجزية

أقلُّ ما يُؤخذ من الغنيِّ، والمكتسب الفقير والمتوسِّط دينارٌ، أو اثنا عشر درهمًا فضَّة خالصة، وفي كلامهم ما يدلُّ على أنَّا نأخذُ من الدراهم بقدر قيمة الدينار؛ كما في نصاب السرقة، وينبغي للإمام أن يماكسَهم؛ ليزيدوا على الدينار، فإن أبوا ألزمهم قبولَ الدينار، ولا يلزمه تعريفُ الجاهل بأقلِّ1

الجزية، وإِن أحضر المسلمُ الجاهل أكثرَ مما يلزمه من الزكاة وجب تعريفُه بقدر الزكاة.
وإذا التزموا أكثرَ من الدينار، وجب القيامُ به، فإن نبذوا العهدَ، ثمَّ بذلوا الدينار وجب قبولُه، فإن نبذوه بعد الحَوْل، طُولبوا بما التزموه في ذلك الحول، فإن مات أحدُهم قبل تمام ذلك الحول، وقلنا: يجب قسطٌ من الجزية، لزمه ذلك باعتبار ما التزمه من الزيادة على الدينار.
والفقير إذا قدر على اكتساب الدينار، أقررناه في دارنا، وطُولب على رأس الحول بالدينار؛ فإن ترك الكسبَ؛ فإن كان قادرًا عليه، لم يُقَرَّ في الدار اتِّفاقًا، وإن عجز، ففي إقراره قولان؛ فإن قلنا: يُقرُّ فالأصحُّ: ثبوتُ الجزية في ذمَّته إلى أن يوسرَ، وعلى قول بعيد: لا يلزمه شيءٌ، فعلى هذا: لو استغنى في أثناء الحول، لم يجب شيءٌ لما مضى، وهل يُؤخذ الدينار عمَّا بقي من الحول، أو يُستأنف الحول من حين الغنى؟ فيه احتمال، والأصحُّ: أنَّه يُمنع من دخول الدار، وإقامتُه بها سنة.

3638 -

فصل في شرط الضيافة على أهل الذمَّة

للإمام أن يشترطَ عليهم ضيافةَ مَنْ يمرُّ بهم من [أبناء] 1 السبيل بشرط أن تكونَ الضيافةُ زائدةً على الدينار، فإن جعلها من الدينار، فوجهان: أحدُهما: يجوز، فإن كانت بقدر الدينار، أو أكثر، جاز، وإِن نقصت،

طُولب كلُّ واحد منهم بإكمال الدينار.
والثاني: لا يجوز، فيطالَبون بها، وبالدينار، ولا يلزمهم إلَّا أن يقبلوها، فإن قبلوها، وجبت، كما لو قبلوا الزيادةَ على الدينار، وينبغي أن يبيِّنَ لهم جنسَ العلف والطعام والإدام، وقدرَ ذلك، ويبيِّن منازلَ الضيِّفان، ويبيِّن لكلِّ واحد عددَ ضيفانه في السنة، أو في شهر منها، أو شهرين، ويفاوت بين الفقراء والأغنياء والمتوسِّطين في عدد الضيفان باجتهاده، ويبيِّن مدَّة ضيافة كلِّ واحد، ولعلَّ الأشبهَ ألَّا يزيدَ على ثلاث ليال، فإن زاد، جاز، ولا تختصُّ الضيافةُ بالمرتزقة، وفي أهل الذمَّة تردُّد إن كانت الضيافةُ مطلقةً.

3639 -

فرع:

إذا أراد الإمامُ أن يردَّ الضيافةَ إلى الدينار، جاز إن رضوا، وإِن لم يرضوا، فوجهان، وقال الإمامُ: إن حُسِبت من الدينار، فالأصحُّ: جوازُ الإبدال بغير رضاهم، وإن لم تُحسب منه، لم يجز إلَّا برضاهم، وإِن جوَّزنا الإبدالَ، فهل يختصُّ الدينار بالمرتزقة، أو يبقى للمصالح العامَّة كالضيافة؟ فيه وجهان.

3640 -

فصل فيمن لا جزية عليه

لا جزيةَ على مَنْ يُرَقُّ بنفس السَّبْي؛ كالنساء، والمجانين، والصبيان، فإن بذلت المرأةُ الجزيةَ، وجب إعلامُها بأنَّها لا تلزمها، وإِن دخل إلينا كافرٌ بغير ذمَّة، ولا أمان، جرت عليه أحكامُ أهل الحرب، فيُغتال الرجال، وترقُّ النساء والصبيان، وإِن دخل الفقراءُ، اغتلناهم، ولا يُمَكَّنون من المقام باتِّفاق

المحقِّقين، والخلاف مختصٌّ بمَنْ عقد الذمَّة مع القدرة، ثمَّ أعسر.

3641 -

فصل فيمن يتبع الذمِّيَّ من النساء والصبيان

إذا عُقدت الذمَّة تبع الذمِّيَّ رقيقُه وأموالُه وإن لم يشرط ذلك، وإِن شرط أن يتبعه نساء وأطفال؛ فإن كانوا أجانبَ، لم يتبعوه، وإن كانوا أطفالَه، تبعوه إن شرط، وإن لم يشرط، فوجهان، ولا تتبعه النساءُ الخارجات عن عمود النسب؛ كالأخوات، وبنات العمَّات إن لم يشرط، وإِن شرط، وجب إسعافُه بذلك عند الإمام، وزوجاتُه كأطفاله أو كأخواته؟ فيه وجهان، ولا يتبعه الأحماءُ والأصهارُ إن لم يشرط، وإِن شرط، فوجهان، ولا يتبعه من يستقلُّ من أبنائه وآبائه وأجداده اتِّفاقًا، وإذا قلنا: لا يُقَرُّ الفقير إلَّا بجزية، فلا يتبعه أحدٌ من قراباته الأغنياء اتِّفاقًا.

3642 -

فرع:

إذا فتحنا قلعةً ليس فيها إلَّا النساء، فبذلن الجزيةَ؛ دفعًا للرقِّ؛ لم تُقبل على الأصحِّ؛ إذ يلزم طردُ ذلك في كلِّ حربية تبذل الجزيةَ لدفع الرقِّ، فإن قبلناها، فقد قال القاضي: لا تؤخذ على رأس كلِّ سنة، وهذا باطل، فإن كان ما يبذلنه فداءً، فالفداءُ لا يجب قَبولُه، ولا يمكن تأبيدُ الأمان من غير تكرير مال، وعلى ما قال لا فائدةَ لأخذ المال منهنَّ سوى الإعراض عنهنَّ في هذه الكرَّة.
وقال الأصحابُ: لو كان معهنَّ رجلٌ واحد، فبذل الجزيةَ، عصم

الجميع، وهذا لا يصحُّ في الأجنبيَّات.
ولو بذلن المالَ قبل الظفر، فلا فرق بينهنَّ وبين الرجال في أنَّ الخيرةَ للإمام، وليس له أن يؤبِّد العصمةَ بما يبذل في الحال.

3643 -

فرع:

إذا تبع الطفل 1 أباه في الذمَّة، ثمَّ بلغ رشيدًا، أو سفيهًا، فهل نعقد له الذمَّة؟ فيه وجهان: أقيسهما: أنا نعقدها بما يقع التراضي به، ولا يلزمه غيره، فإن قال الأب: قد التزمت في حقِّ ابني إذا بلغ مثلَ ما التزمته لنفسي، فلا أثر لقوله.
الثاني -وهو النصُّ-: يُؤخذ منه مثلُ جزية أبيه وإِن زادت على الدينار، وإِن امتنع من الزيادة، كان كامتناع أبيه منها بعد قَبولها.
ولا يدخل عقدُ الذمَّة، ولا نبذُها في حَجْر السفيه، فإن التزم السفيهُ أكثرَ من الدينار، لزمته عند القاضي، وخالفه الإمامُ؛ لأنَّ المالَ مختصٌّ بالحَجْر دون عقد الذمَّة، وإن وجب على السفيه قصاصٌ، فلم يصالحه المستحِقُّ إلَّا على أكثرَ من الدية، فله بذلُه؛ حفظًا لمُهْجته، والأولى أن يُراجعَ الوليُّ، فإن امتنع أو عسرت المراجعةُ، فعله السفيهُ وإِن بلغ ديات، وإِن امتنع السفيهُ من ذلك، بذله الوليُّ، وإن نهاه السفيهُ؛ كما يسدُّ رمقَه بطعام يستوعب أموالَه؛ فإن المُهَج أولى بالحفظ من الأموال.

3644 -

فرع:

من اختلف القولُ في قتلهم؛ كالزَّمنى، والشيوخ، والرُّهبان، ففي أخذ جزيتهم طريقان: إحداهما: تؤخذ.
والثانية: إن جوَّزنا قتلَهم، أخذت، وإلَّا فلا.

3645 -

فصل فيمن يُجَنُّ ويفيق

لا تجب الجزية على من بعضُه رقيق، وفيمن يُجنُّ ويفيق أوجه: أحدُها: تجب؛ إلحاقًا للجنون بالغشي.
والثاني: لا تجب؛ إلَّا أن يكونَ مفيقًا مع 1 آخر الحَوْل.
والثالث: يُلفَّق حولٌ من أيَّام الإفاقة، وتُؤخذ جزيته.
والرابع: إن غلبت أوقاتُ الجنون، لم تجب، وإِن تساوت الأوقاتُ، أو غلبت أوقاتُ الإفاقة، وجبت.
والخامسُ: لا تجب وإِن غلبت أوقاتُ الإفاقة إذا تتابع الجنونُ والإفاقة؛ مثل أن يفيقَ يومين أو ثلاثة، ويُجنَّ يومًا، فإن لم يتعاقبا؛ بأن كان يُجنُّ يومًا، ويفيق بقيَّة الشهر، فالاعتبار بالإفاقة.
وضبط الإمامُ أوقات الإفاقة على هذا الوجه الضعيف بما لا يُتَوقَّع فيه

آثار الجنون، وإذا جُعل الجنونُ كالغشي، فطال بحيث يُخشى بوادرُه في أيَّام الإفاقة، بعُد إلحاقُه بالغشي، وإِن خلت أيَّام الإفاقة من بوادره، فلا ينبغي أن يُجعلَ كالجنون إلَّا أن يشابهَ اغتلام الرجل الصفراوي في هيج النفس، وثوران الغضب؛ فإنَّه إن لم يكن كذلك، كان جنونًا محقَّقًا، وأقصَدُ الوجوه: القولُ بالتلفيق، أو اعتبار آخر الحول.
وأمَّا غير الجزية من الأحكام: فلا يجري فيها التلفيق، ولا اعتبار آخر الحول، بل يجري في ذلك إمَّا تغليبُ الجنون، أو تغليبُ الإفاقة، أو إفراد كلِّ واحد منهما بحكمه.
فإن أسرنا من يُجنَّ ويفيق؛ فإن غلَّبنا الجنونَ، رَقَّ، وإِن غلَّبنا الإفاقة، لم يرقَّ، ويتَّجه أن يُعتبرَ بيوم السبي؛ فإن رأى الإمامُ قتلَه؛ فإن غلَّبنا الجنون، لم يجز، وإِن غلَّبنا الإفاقةَ، فالظاهر: أنَّه لا يجوز، ويُحتمل أن يُنظرَ إلى يوم السَّبْي.

3646 -

فصل في موت الذمِّيِّ بعد الحَوْل وفي أثنائه

إذا وجبت الجزية، فهي دَين مقدَّم على الوصايا والميراث، ولا يسقط بموت الذمِّيِّ، ولا بإسلامه، ولا تتداخل بتداخل السنين، وهل هي حقٌّ للعباد؟ فيه وجهان: أحدُهما: أنَّها حقٌّ لهم، فيضارب بها أرباب الديون.
والثاني: أنَّها حقٌّ لله تعالى، فإذا اجتمعت مع ديون العباد، ففي المقدَّم

ثلاثةُ أقوال كالزكاة، وإذا مات الذميُّ في أثناء الحَوْل، ففي وجوب قسطٍ لما مضى قولان مأخذُهما أنها هل تجبُ بأوَّل الحول أو بآخره؟ فإن أوجبنا القسطَ، فطلبه الإمامُ من الحيِّ في أثناء الحَوْل، لم يجز على أظهر الوجهين؛ لِسَير الأوَّلين.

3647 -

فصل في كيفيَّة عقد الذمة

تصحُّ الذمَّة المطلقة، ولا تصحُّ المؤقَّتة في أظهر القولين، ويجب ذكرُ الجزية في العقد، وقال العراقيُّون: كلُّ ما ينتقض به العهدُ اتِّفاقًا يجب ذكره اتِّفاقًا، فأوجبوا ذكرَ التزام الأحكام، وقياسُ المراوزة: أنَّه لا يُشترط؛ لأنَّه من حكم العقد.
وفي اشتراط ترك التعرُّض لديننا بالسوء وجهان، وقال العراقيُّون: المرادُ بالتزامهم الأحكامَ أنَّهم إذا فعلوا ما يحرِّمه ديننا؛ فإن اعتقدوا تحريمَه؛ كالزنا والسرقة، أُجريت عليهم أحكامُ الإسلام فيما لا يتعلَّق بالدعوى، فإذا ثبت زنا أحدهم، أو سرقتُه، حددناه وقطعناه، وإن سخط حكمَنا، ولم يرتفع إلينا، وإن لم يعتقدوا تحريمَه؛ فإن كان شربَ الخمر، فالمذهبُ أنَّه لا يُحدُّ وإن رضي بحكمنا، وإِن كان غيرَ الشرب؛ كنكاح المجوس محارمَهم؛ فإن لم يرتفعوا إلينا، لم يُتعرَّض لهم، وإِن ارتفعوا راضين بحكمنا، ففي وجوب الحكم بينهم قولان.
وقال الإمام: إن زنا بمسلمة، أو سرق مالَ مسلم، فالحكم كما ذكره

العراقيُّون، وإِن زنا بكافرة، أو سرق مالَ كافر، أو غصبه، أو جحد وديعتَه، ففيه القولان.

3648 -

فصل فيما يلزمنا لأهل الذمَّة

يلزمنا أن نكفَّ عنهم الأذى، وألَّا نتعرَّض لما يعتقدونه ما أَخْفَوْه من الأنكحة والبياعات، فلا نقتل الخنازيرَ، ولا نُرِيق الخمورَ ما أخفوا ذلك، ولا يلزمهم الذبُّ عنَّا إذا غشِينا الكفَّارُ، ولا يلزمنا ذبُّ الكفَّار عنهم إن كانوا في دار الحرب، وإِن كانوا في دار الإسلام وجب الذبُّ؛ حفظًا للدار، وإِن كانوا ببلد متاخم لنا ولأهل الحرب، وأمكن الذبُّ، لم يجب على أقيس الوجهين، فإن أوجبناه، فشرطنا في العقد ألَّا نذبَّ عنهم، صحَّ الشرطُ على أظهر الوجهين، وإِن قلنا: لا يجب الذبُّ، فشرطناه، فالرأي ألَّا يجبَ، وفي كلام الأصحاب إشارةٌ إلى الوجوب.

3649 -

فصل فيما تنتقض به الذمَّة

إذا فعلوا ما منعناهم منه، فهو أقسام: أحدُها: ما ينتقض به العهدُ وإِن لم يُشرط، وهو ثلاثة أشياء.
أحدُها: أن يقاتلونا بغير شُبهة، فينتقض العهدُ، وإِن قاتلناهم بغير حقٍّ، لم ينتقض؛ فإنَّه لازم من قِبَلنا.
الثاني: أن يمتنعوا من التزام الأحكام، فينتقض العهدُ، وقال الإمام: إن

كان الامتناعُ بالهرب، لم ينتقض، وإن اعتمدوا على قوَّة وعُدَّة، دعوناهم إلى الانقياد، فإن أبوا، هَمَمْنا بهم، فإن انقادوا، أُجريت عليهم الأحكامُ، وإن قاتلوا، انتقض العهدُ بالقتال، ولم يذكر القاضي في هذا القسم سوى القتال.
الثالث: أن يمتنعوا من أداء الجزية مع التمكُّن، فإن أطال أحدُهم المطالَ بغير عذر، انتقض عهدُه على مقتضى إطلاق الأصحاب؛ فإنَّ الجزية عِوَض عن تركنا القتال، بخلاف الامتناع من سائر الديون، ويتَّجه ألَّا ينتقضَ إن كان تحت قهرنا، ولم يفرِّقوا بين أن يمتنعَ ممَّا استقرَّ عليه من الجزية عمَّا مضى، وبين أن يمتنعَ من الماضي، والمستقبل.
القسم الثاني: ما يعظم ضررهُ على المسلمين؛ مثل أن يطأ أحدُهم مسلمةً بزنًا، أو اسم نكاح، أو يُؤوي عينًا لأهل الحرب، أو يكاتبهم بأسرارنا، أو يطلعهم على عوراتنا، أو يفتن مسلمًا عن دينه، فلا يشترط أن يذكر الكفُّ عن هذه الأشياء في العقد اتِّفاقًا، وفي انتقاضه بها أوجهٌ: أحدُها: ينتقض وإن شرطنا أنه لا ينتقض.
والثاني: لا ينتقضُ وإن شرطنا الانتقاضَ.
والثالث: لا ينتقضُ إلَّا أن نشرط الانتقاضَ، وإن قتلوا قتلًا يوجب القصاصَ، أو قطعوا الطريقَ من غير منابذة، ومفارقة للمسلمين، ففيه الأوجهُ الثلاثة عند جمع من المحقِّقين، ولم يذكره آخرون، فينبغي أن يلحقَ بالقسم الأوَّل، ولا قائلَ بأنَّ العقد لا ينتقض إلَّا أن ينقضَه الإمام، فإن شرط ذلك عليهم، لم يبعد تصحيحُ الشرط.

القسم الثالث: ما لا ينتقضُ به العهدُ وإِن شرطنا أنَّهم لا يفعلونه، وأنَّهم إن فعلوه، انتقض العهدُ، وذلك كإظهار الخمر، وإسماعنا الناقوسَ، وإظهار اعتقادهم في المسيح وفي غيره ممَّا يكفرون به، فلا ينتقض به العهدُ اتِّفاقًا، بل يُمنعون منه، ويُعزَّرون إلَّا أن يُصِرُّوا على التجمُّع والامتناع، فيلحق بامتناعهم من التزام الأحكام.
وقال الأئمَّة: إن شرط عليهم أنَّهم إن فعلوه، انتقض العهدُ، حُمل الشرطُ على التخويف.
وقال الإمام: إن قال: إذا أظهرتم الخمرَ مثلًا، فلا عهدَ، أو قال: إذا أظهرتموه، انتقض العهدُ؛ فإن جَوَّزنا تأقيتَ العهد، انتقض بإظهار الخمر، وإِن منعنا التأقيتَ، فسد العقدُ، ولم يجز أن يعقد بهذا الشرط، وأشار الصيدلانيُّ إلى تأبُّد الذمَّة هاهنا، فإنَّها مطلقة يمكن بقاؤها إن لم يظهروا الخمر، بخلاف التوقيت، فإنَّه مقيَّد بزمان قاصر.
القسم 1 الرابع: أن يتعرَّضوا بالسوء لنبيِّنا، أو يقدحوا في ديننا، أو يذكروا الله تعالى بما لا يليق به، فإن لم يكن ذلك من قواعد دينهم؛ كسبِّ الرسول، والقدح في نسبه، فهل يُلحقُ بالقسم الأوّل، أو الثاني؟ فيه طريقان، وإِن لم يتعرَّضوا لذلك، ولكن أظهروا اعتقادَهم [في المسيح، والتثليث، عُزِّروا، ولم ينتقض العهدُ، وإن أظهروا اعتقادَهم] 2 في القدح في الإسلام،

وفي تكذيب الرسول، والقرآن، فهو (1) كإظهار التثليث، وأبعد مَنْ خرَّجه على الطريقين.

3650 -

فصل في اغتيال مَنْ نقض العهدَ

إذا انتقض العهدُ بالقتال، بادرنا باغتيالهم في الأنفس والذراري والأموال، وإن انتقض العهدُ بغير القتال، فهل يُغتالون، أو يُبلَّغون المأمن؟ فيه قولان، ومن نبذ العهدَ من غير إضرار أُلحق بالمأمن، وأبعد مَنْ طرد القولين.

3651 -

فصل فيمن تعرَّض لله ورسوله من المسلمين

إذا تعرَّض المسلمُ لذكر الله تعالى بسوء يوجب الكفرَ بالإجماع، صار مرتدًّا، فإن تاب قُبلت توبتُه، ومَنْ صرَّح من المسلمين بقَذْف الرسول، كفر اتِّفاقًا، فإن تاب، لم يسقط قتلُه، وقيل: يسقط، وقال الصيدلانيُّ: يسقط، ويُجلد ثمانين، وهذا بعيدٌ يلزم منه أن يُجمعَ بين قتله وجلده عند الإصرار، فإن قلنا: لا يسقط، لم يُجعل القتلُ حدًّا، بل يكون السبُّ موجبًا للقتل دون الحدِّ، فإنَّه لو جُعل حدًّا لسقط بإسقاط الورثة، وتوقَّف على طلبهم، أو طلب بعضهم، أو أن يُجعلَ كقذف مَنْ لا وارثَ له.
ومن قذف مُحْصَنًا لا وارثَ له، لم يبعد تخريجُ حدِّه على الخلاف في قتل مَنْ لا وارث له.1

وقال الإمام: إذا سبَّ الرسولَ بما ليس بقَذْف صريح، ولكنَه ممَّا يوجب التعزيرَ، فحكمه حكمُ القَذْف الصريح؛ لأنَّ الاستهانةَ به كفر، ومن تعمَّد الكذبَ عليه، لم يكفر، وغلط أبو محمَّد فأكفره.

3652 -

فصل في حكم البيَع والكنائس وبيوت النيران

البلادُ الداخلة تحت حكمنا أقسام: الأوَّل: بلد أنشأناه، فلا يُمَكَّنون أن يُحدِثوا فيه بِيعةً، ولا كنيسةً، ولا بيتَ نار، فإن أحدثوا شيئًا من ذلك، نقضناه.
الثاني: بلد ملكناه عَنْوةً، فيجب نقضُ بِيَعه وكنائسه، والمنع من إحداثهما، فإن رأى الإمامُ أن تبقى كنيسةً؛ ليقيمَ بالبلد طائفةٌ منهم، لم يجز إلَّا على وجه بعيد لبعض العراقييّن.
الثالث: بلد فتحناه بالصُّلْح، فله حالان: إحداهما: أن تكونَ رِقابه 1 لنا، ويسكنوا فيه بمال خارج عن الجزية، فإن استُثنيت البِيعُ والكنائس في الصلح، لم تُنقَض، وإِن لم تُستثنَ، فوجهان، فإن قلنا: تُنقض، دخلت في ملكنا، وإِن قلنا: لا تُنقض، فهي باقية على ملكهم.
الثانية: أن تكون رِقابه لهم، فلا تُنقض البيعُ والكنائس، وعليهم ما يلتزمونه من جزية وغيرها، ولهم إحداثُ البيع والكنائس على الأصحِّ.

ولا يُلزمون بالغِيار، ولا يُمنعون من إظهار الخمر والخنزير، وضرب الناقوس، وليس لمَنْ يخالطهم من المسلمين أن ينكرَ عليهم؛ فإنَّ حكم هذا البلد كحكم بيوتهم في بلاد الإسلام، ولا يجوز لنا التعرُّض لما يفعلونه في بيوتهم، وإِن بَقَّيْنَا الكنائسَ في غير هذه البلدة، فالمذهب منعهم من ضرب الناقوس، وقيل: لا يُمنعون؛ لأنَّه من أحكام الكنائس.
وقال الإمام: لا يُمنع المجوسُ من النَّاووس (1)؛ فإنَّه مُحَوَّط، وبيوت تُجمع فيه الجِيَفُ، بخلاف الكنائس؛ فإنَّها من شعار الدين الباطل.

3653 -

فرع:

إذا جوَّزنا إبقاء الكنائس، ومنعنا من إحدائها، فلا يُمنعون من مرمَّتها، والأصحُّ: أنَّهم لا يُلزمون بإخفاء العمارة، وقيل: يُمنعون حتَّى لو أشرف الجدارُ على الانهدام، بنوا جدارًا دونه، ولم يتعرَّض صاحبُ هذا الوجه للعمارة ليلًا، وعلى الأصحِّ: لو انهدمت الكنيسةُ، ففي إعادتها وجهان، لكن لا تجوز الزيادةُ في خطَّتها على الأصحِّ.

3654 -

فصل في مطاولتهم في البنيان

ليس للذمِّيِّ مطاولةُ جاره المسلم في البنيان، وإن رضي المسلمُ بذلك، وفي المساواة وجهان، وأبعد مَنْ أجاز المطاولةَ.1

وإِن اشترى من مسلم دارًا مطلَّة على جيرانه، لم يُمنع من سكناها اتِّفاقًا، ولا يلزم بخَفْضها عن أبنية الجيران وإن بَعُدوا عن المسلمين؛ فإن انفردوا بمحلَّة ليس فيها مسلم، أو كانوا في طرف البلد بحيث لا يجاورهم مسلمٌ، فلهم رفعُ البناء على الأصحِّ؛ فإنَّ المطاولةَ لا تظهر مع البعد، ويمكن تعليلُ المنع بأنَّ ذلك ضربٌ من إظهار الخُيَلاء والزينة، فيشبه ركوبَ الخيل، فعلى هذا يُمنع من الإطالة المظهرة للزينة، ولا يُلزم بخَفْض البناء عن أقصر دار في البلد.
وإذا كانت دارُ الجار المسلم على غاية القصر؛ لضعفه، لم تجز المطاولةُ، وفي المساواة وجهان، وفي ذلك نظرٌ واحتمال.

3655 -

فصل في الغِيار وركوب الخيل

ويؤمرون بالغِيار اتِّفاقًا؛ ليمتازوا عن المسلمين، ويجب ذلك في الزيِّ والملابس، ويُمنعون من ركوب الخيل والبغال النفيسة التي يُتزيَّن بركوبها، ولا يُمنعون من الحُمرِ النفيسة.
وقال أبو محمَّد: لا يُمنعون من الفرس الخسيس، والبغل الخسيس، ويُميِّزون مراكبَهم عن مراكب الأعيان والأماثل، وقيل: ينبغي أن يكونَ ركابُهم من الخشب، والتميُّز في الخيل والمراكب واجبٌ أو أدب؟ فيه وجهان؛ فإن جعلناه أدبًا، فأمر به الإمامُ وجبت طاعتُه، وفي وجوب الغِيار على المرأة إذا برزت وجهان، فإن أوجبناه، فدخلت حمَّامًا فيه مسلمات، أو دخل الرجلُ حمَّامًا فيه مسلمون، ولم يحصل التميُّز إلَّا بالغيار، وجب، ولا يُمكَّنون من

سَرارة 1 الطريق، ويُضطرُّون إلى أضيقه، إلَّا أن يخلوَ عن زحمة المسلمين، وتُكتب أسماؤهم، وحُلاهم في ديوان، ويُعرف عليهم عُرْفًا يخبرون بمَنْ يموت؛ لتُنقضَ جزيته، وبمَنْ يبلغ؛ لتُكتب جزيتُه، ويجب ذلك؛ لمسيس الحاجة إليه.

3656 -

فرع:

إذا بُذلت الجزيةُ؛ فإن لم يظهر للإمام ضررٌ على المسلمين، قبلها، وإن ضيَّقوا المراتعَ ومرافقَ البلد والمساكن، وإِن غلب على ظنِّه توقُّعُ الشرِّ، لم يجز قَبولُها؛ مثل أن يبذلَها مَنْ يغلبُ على الظنِّ أنَّه طليعةٌ أو جاسوس، أو يبذلها جماعةٌ من أهل النجدة على أن يُقِرَّهم في وسط الخطَّة، ولم يُؤمن تجمُّعهم واستيلاؤهم على الناحية، فإن قبلها فرَّقهم في البلاد، وأمر برعايتهم.
وإذا صحَّ العقدُ، لزم من جهتنا، وجاز من جهتهم، فإن أجَّله بأجل معلوم، فقولان: أحدُهما: يصحُّ، ويجب الوفاءُ بها إلى أجلها.
وأظهرهما: أنَّها لا تصحُّ، فيُبلَّغون المأمن، [فإن طلبوا ذمَّةً مؤبَّدة أجابهم، وإن أُجِّلت بأجل مجهول] 2؛ فإن صحَّحنا المعلومَ، صحَّ المجهولُ، وإلَّا فوجهان.

3657 - فرع: إذا رابَ الإمامَ منهم أمرٌ لو كان في الابتداء لما جاز العقدُ، ففي جواز

نَبْذ العقد وجهان خصِّهما الإمامُ بالمحذور الممكن التدارك، وقال: إن عظم أثرُه، وخِيف منه ما يبعدُ تداركُه، جاز النبذُ قطعًا.
وإذا عُقدت الذمَّة على الفساد بأكثر من الدينار، لم يجب سوى الدينار في كلِّ عام، وإِن عُقدت بغير إذن الإمام، لم تصحَّ، ولم تلزم، ويُبلَّغون المأمن.
وإِن دخل كافرٌ بأمان الآحاد، وأقام حَوْلًا، ففي وجوب الدينار وجهان، ولو دخل بغير أمان خُفْيةً، وأقام سنينَ، فلا جزيةَ عليه عند الأصحاب، ولنا قتلُه، وأخذُ ماله، فإن بذل الجزيةَ، قبلناها، وقيل: لا تُقبل؛ لأنَّه صار في القبضة، فأشبه الأسرى.
ولو جاءنا حربيٌّ يزعم أنَّه سفير، أو مستجير؛ ليسمعَ الذكر، قُبل قولُه بغير بيِّنة، وإِن زعم أنّه دخل بأمان الآحاد، ففي قَبول قوله بغير بينة وجهان، فإن غلب على الظنِّ كذِبُ مدَّعي السفارة، ولم يكن معه كتابٌ، ففيه احتمال.

3658 -

فرع:

إذا عُقدت الذمَّة على أن يُؤخذَ في كل شهر ما يخصُّه من الدينار، ففي جوازه احتمال مأخوذ من إسلام الذمِّيِّ في أثناء الحَوْل.

3659 -

فصل في مقامهم في الحجاز

لا يصحُّ الصلحُ على أن يقيموا بالحجاز، وهو مكة والمدينة، ومخاليفُها؛ كاليمامة، ووجٍّ، وخيبر، والطائف، وما يُعزى إليها، وجعل العراقيُّون اليمنَ

من الحجاز، وفي إقامتهم في الطرق التي بين هذه البلاد وجهان، وجزيرةُ العرب من (1) الحجاز.
وقال العراقيُّون: تمتدُّ الجزيرةُ إلى أطراف الشام من جانب، وإلى أطراف العراق من جانب، وسُمِّيت جزيرةً؛ لإحاطة البحر بمعظم جوانبها، وإحاطة دجلة والفرات بها من جانب العراق، فإن جعلت إلى أطراف الشام، والعراق، فلا خلافَ في جواز إقامتهم فيما زاد على الحجاز، فإن اجتازوا بالحجاز، أو أذن لهم الإمامُ في الاجتياز، جاز (2) بشرط ألَّا يقيموا في البلاد والقرى أكثرَ من ثلاثة أيَّام غير يومي النزول والرحيل.
ولا يجب الجريان على المنازل المعهودة (3)، فإن قطعوها فرسخًا فرسخًا، وأقاموا على كلِّ فرسخ ثلاثةَ أيَّام، أو تردَّدوا من مكان إلى مكان لو قيس تردُّدهم فيهما لزاد على مدَّة المسافرين، جاز.

3660 -

فصل في دخولهم الحرمَ

لا يُمكَّن كافرٌ من دخول الحرم، وإِن كان مجتازًا أو سفيرًا أو مستجيرًا لسماع القرآن، وحجِّ الإسلام.
ولا يحلُّ للإمام الإذنُ في ذلك بل يخرج، أو يخرج نائبه إلى السفير؛123

ليسمعَ رسالته، وجميع الحرم كخطَّة مكَّة اتِّفاقًا، وحكمُ مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كسائر بلدان الحجاز.

3661 -

فرع:

إذا مرض الكافرُ بالحجاز، أُلزم بالانتقال إلَّا أن يُخافَ موته، فيُترك حتَّى يبرأ، وإِن لم يغلب على الظنِّ (موتُه) 1، ولكن عظمت المشقَّة في نقله، لم يُنقل على الأصحِّ، وإِن مات؛ فإن عظمت المشقَّة في نقله وُورِي كسائر الجِيَف، فإن كان على طرف الحجاز؛ فإن لم يُدفن، نُقل، وإِن دُفن فوجهان، فإن قلنا: لا ينقل، فلا يبعد أن لا يُرفع نعشُ قبره 2. ولو دخل المستأمنُ خفيةً إلى الحرم بغير إذن، فمرض، أُخرج، وإِن أدَّى إخراجُه إلى الهلاك؛ فإن دُفن في الحرم، نُقل على الفور، فإن تفتَّت، جُمع وطُهِّر منه الحرم، ولا يفتقر الذمِّيُ والسفير والمستجيرُ إلى إذن في دخول الحجاز، وسائر البلدان.
وإن دخل الحربيُّ للتجارة، اغتيل إلَّا أن يؤمِّنه مسلم، فإن قال: ظننت

التجارة أمانًا، اغتلناه، وإِن قال مسلم: أمَّنت مَنْ يدخل دارَ الإسلام [من التجَّار] (1)، لم يصحَّ؛ لأنَّ الأمانَ العامَّ مختصٌّ بنوَّاب الإمام، فإن دخلوا اعتمادًا على أمانه، ففي ثبوت عُلْقة الأمان وجهان؛ لأنَّ علقةَ الأمان الفاسد إنَّما تثبت في الأمان الخاصِّ.
وإِن عقد بعضُ الآحاد الذمَّة لكافر، لم يصحَّ، والوجه: القطعُ بإثبات عُلْقة الأمان.

3662 -

فصل في تعشير أموال الكفَّار

لا يجوز توظيفُ مال على سفير، ولا مستجير لسماع القرآن، وإِن دخلا إلى الحجاز، ولا يجوز الإذنُ لغيرهما في دخول بلادنا إلَّا لمصلحة تعود علينا، فمَنْ أتانا بأمان لغير تجارة، لم يؤخذ منه شيء، وأبعد مَنْ ألزمه الدينارَ بدخول الحجاز، ولا صائرَ إلى تعشير جميع ما معه من مركوب وثياب، وإن رأى الإمامُ توظيفَ العشر على المعاهدين إذا دخلوا بلادنا، جاز، فإن وظَّف أقلَّ من العشر لمصلحة، جاز اتِّفاقًا، وإِن زاد عليه، لم يجز 2 على الأصحِّ، وإِن حطَّ الجميع، فوجهان، ولعلَّ الأصحَّ المنعُ، ولا يثبت العشرُ إلَّا بالشرط اتِّفاقًا، فإن دخلوا بغير شرط، فلا شيءَ عليهم، وأبعد مَنْ أوجب العشرَ بدخول الحجاز.1

ولا يُضرب على الذمِّيِّ شيء بدخول البلاد، فإن دخل الحجازَ تاجرًا، ضُرب عليه نصفُ العشر، فإن تكرَّر دخولُ المعاهد إلى البلاد تاجرًا؛ فإن كان بالمال الذي عشَّرناه، لم يُؤخذ منه العشرُ في السنة إلا مرَّة؛ لأنَّه كالجزية، ويُعطى جوازًا؛ لئلَّا يتعرَّض له العشَّارون في تلك السنة.
وقال الإمام: إذا جوَّزنا الزيادةَ على العشر، فضُربت عليهم، لم يبعد تكريرُ التعشير (1)، فإنَّه إذا ضرب الزيادة، تخيَّر بين أن يأخذَ الجميعَ دفعةً، وأن يفرِّقه على كلِّ دخلة، وقيل: يتكرَّر التعشيرُ بتكرر دخول الحجاز دون التردُّد فيه، ولا تُمنع التثنية إلَّا في المال الواحد، فإن دخل في تلك السنة بمال آخر، عشَّرناه.
وإذا تَجَرَت المرأةُ المعصومةُ بأمان زوجها أو قريبها في الحجاز، أو غيره، فحكمها حكم الذمِّيِّ.

3663 -

فرع:

إذا رضوا بالتزام أكثرَ من العشر، أُخذ منهم، فإن امتنعوا من [الزيادة بعد] 2 التزامها، لم يُجْبَروا عليها، وفيه احتمال من الذِّمِّي إذا التزم أكثرَ من الدينار، لكنَّ الفرقَ أنَّ الذميَّ التزم الزيادةَ في عقد، فوجبت.
1

3664 -

باب نصارى العرب تضعَّف عليهم الصدقة

أنفت نصارى العرب من دفع الجزية، فالتمسوا من عمرَ أن يضعِّفَها، ويسمِّيَها باسم الصدقة، ويأخذها من أموال الزكاة، فأجابهم إلى ذلك (1)، فإن رأى الإمامُ أن يفعل ذلك، ويضعفَ الصدقةَ أضعافًا كثيرة، فيكون المأخوذُ صدقةً بالاسمِ، جزيةً بالمعنى، ولا تُؤخذ من النساء، والصبيان، جاز.
ولا فرقَ بين العرب والعجَم، وأبعد مَنْ منعه في العجم، فإن زاد المأخوذُ على قدر جزية الجميع، وقبلوا الزيادةَ، لزمهم الوفاءُ بها، وإِن نقص لزمهم التكميلُ عن كلِّ رأسٍ دينار، وإِن أُخذ قدرُ الصدقة، أو مثل نصفها؛ فإن كان [بقَدْر الجزية] (2)، جاز، ولا يبعد المنعُ فيما يساوي الجزيةَ، فإنَّه إسقاط للصَّغَار بغير مال.

3665 -

فرع:

إذا بلغ قدرُ الصدقة قدرَ جزية الأغنياء والفقراء، فأدَّاها الأغنياء [عن12

أنفسهم] (1)، وعن الفقراء، أقررنا الفقراء، وكانت جزيتُهم مضروبةً عليهم، ويقع الأداءُ عنهم بإذنهم، وإِن كانت بقَدْر جزية الأغنياء، ففي تقرير الفقراء الخلافُ السابق.

3666 -

فرع:

كلَّما مضى حولٌ قابلنا الرؤوسَ بالدنانير، فإن قابل كلَّ رأس دينارٌ، فما زاد حصل الغرض، فإن عسرت المقابلةُ على رأس كل سنة، وغلب على الظنِّ أنَّها وافية بقَدْر الجزية، ففي الاكتفاء بذلك للعراقيِّين وجهان، وقطع الإمامُ باشتراط العلم بالوفاء.

3667 -

فصل في كيفيَّة التضعيف

يتبع في التضعيف مقتضى لفظ الإمام، فإذا قال: ضعَّفت عليكم الصدقةَ، فكلُّ ما يلزم المسلمَ من الزكاة يلزمهم ضعفاه، فيؤخذ عن البعير بعيران، وعن الشاة شاتان، ففي عشر من الإبل أربعُ شياه، وفي خمس شاتان، وفي عشرين ثمان، وفي خمس وعشرين بنتا مخاض، وفي مئتين ثماني حقاق، أو عشرُ بنات لَبون، وفي عشرين دينارًا دينار، وفي مئتي درهم عشرة دراهم، وفي ستِّين من البقر أربعة أتْبِعة، وفيما سُقي بالنضح العُشر، وفيما سقت السماءُ الخمس.
وإِن شرط ألَّا يؤخذ من الأوقاص شيء، أو شرط الأخذَ منها، اتُّبع1

شرطُه، وإن أطلق، فأوجهٌ: أصحُّها: أنَّه لا شيءَ فيها؛ اتباعًا للفظ.
والثاني: يُؤخذ بحساب التضعيف، وحكى البويطيُّ عن الشافعيِّ أنَّه يُؤخذ من مئة درهم خمسةُ دراهم، ومن عشرين شاة شاة، ومن بعيرين ونصف شاة، ففي ثلاثين ونصف [من الإبل] (1) بنت مخاض عن خمس وعشرين منها، وعن خمس ونصف ما يجب في أحدَ عشر جزءًا من أجزاء بنت لبون إذا أضيفت إلى ستٍّ وثلاثين (2). والثالث: يُؤخذ إلَّا أن يؤدِّيَ إلى التشقيص، ففي سبع ونصف من الإبل ثلاثُ شياه، وفي ثلاثين ونصف بنتُ مخاض وبنتُ لبون، وفي خمس وثلاثين من البقر مسنَّة وتبيع.

3668 -

فرع:

إذا ملك ستًّا وثلاثين، وعنده بنتُ مخاض، وليس عنده ابن لبون أُخذ منه بنتا مخاض، ولا يضعَّف الجبران على الأصحِّ، وإِن لم يكن عنده بناتُ مخاض، وعنده حقاق، أُخذ منه حقَّتان، وأعطى جُبرانين، ولا يُضعَّف الجبران اتفاقًا؛ لأنَّه مأخوذ منَّا.12

3669 -

باب المهادنة

إذا هادن الإمامُ بعضَ الكفَّار؛ فإن كان المسلمون ضعفاءَ، صحَّت في عشر سنين فما دونها، وإن زاد على العشرة، لم يصحَّ على الأصحِّ، وإِن كان المسلمون أقوياء، صحَّت في أربعة أشهر، ولا يجوز سنة، وفيما بينهما قولان أبعدَ مَنْ طردهما في السنة، وأبعد مَنْ بناهما على الخلاف في تقسيط الجزية إذا مات الذميِّ في أثناء الحول، وقال: إن لم نوجب القسطَ، صحَّت الهُدنةُ، وإن أوجبناه، بطلت، وقال: لو مضى من سنة الجزية أربعةُ أشهر فما دون، فلا قسطَ لها، وطرد الأصحابُ القولين فيما دون أربعة الأشهر.

3670 -

فرع:

إذا أطلق الهدنةَ، ولم يذكر المدَّة، فالأصحُّ: بطلانُها في حال القوَّة والضعف، وأبعد مَنْ نزَّلها في حال الضعف على العشر، وكذلك من ذكر في حال القوَّة قولين؛ أحدُهما: تُنرل على أربعة أشهر، والثاني: على سنة.
وإذا فسدت الهدنةُ، جاز 1 نبذُها إليهم، ولا يجوز أن نبغتَهم بالمسير إليهم حتَّى نعرِّفَهم بفسادها، فيستمرَّ أمانُهم ما داموا على ظنِّ بقاء الهدنة.

3671 -

فرع:

ما يتعلَّق بنظر الإمام لا يلزمه فعلُه ما لم تظهر مصلحتُه، فإذا [ظهرت] (1) وجب ابتدارُها، فإذا طلب الكافر الذمّة (2)، ولم يتوقَّع ضررًا، وجبت الإجابة، وأبعد مَنْ قال: يعمل بما يراه أصلحَ.
وإذا طلب الكفرةُ الهدنةَ، لم تجب، وفُعل الأصلحُ، وأبعد مَنْ أوجبها عند انتفاء المضرَّة، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّه أسقط الجهادَ بغير فائدة للمسلمين، والمصلحةُ في الهدنة أن نرجوَ من اختلاطهم بنا أن يفهموا دعوتنا لعلَّهم أو بعضَهم يرشدون.

3672 - فرع: إذا استجار واحدٌ أوآحاد لسماع الذكر، وجبت الإجابةُ، فإن دخل، وأضرب عن السماع، نُبذ إليه أمانه، وإن تردَّد بين السؤال والجواب في مجالسَ يقع في مثلها البيانُ التامُّ، فهل يُنبذ (إليه) (3) عهدُه، أو يُمهل تمامَ أربعة أشهر؟ فيه وجهان مأخوذان من فحوى كلام الأصحاب، ولعلَّ الأظهر: أنَّه لا يجب سوى البيان.

3673 -

فصل في ردِّ النساء والرجال في الهدنة

إذا شرطنا في الهدنة ألَّا نردَّ مَنْ جاءنا مسلمًا، فلا يجب ردُّ من جاء123

مسلمًا من النساء والرجال، ولا نغرم مهورَ النساء، ولا يجوز أن نشرط ردَّ المسلمات، وقد شرط عليه السلام ردَّ مَنْ جاءه من الكفَّار مسلمًا 1، وهل دخل المسلماتُ في هذا العموم؟ فيه قولان: أحدُهما: دخلن فيه، ثمَّ نُسخ ردُّهنَّ بقوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10].
والثاني: لم يدخلن فيه، وهل علم عليه السلام بأنَّهنَّ لم يدخلن؟ فيه مذهبان: أحدُهما: أنَّه علم بذلك، ولكنَّه أوهم دخولهنَّ باللفظ العامِّ؛ لمصلحة رآها؛ فإنَّ في المعاريض مندوحةً عن الكذب، وكان إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها 2. والثاني: لم يعلم، وكأنَّه أُمر أن يتلفَّظ به، فصالح عليه كما أُمر، ثمَّ نزل تخصيصُه، فإن قال الإمام: من جاءنا منكم رددناه عليكم، فجاءنا مسلمون ومسلمات، رددنا الرجالَ ذوي العشائر، ولم نردَّ المسلمات، وهل يلزمنا غرمُ مهورهنَّ لأزواجهن؟ فيه خلاف؛ إن قلنا: إنهنَّ دخلن في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثمَّ نُسخ ردُّهن 3، لم يُغرم المهر؛ لفساد هذا الشرط الآن، وإِن قلنا: غرم عليه السلام مهورَهنَّ؛ للإيهام، لزمنا الغرمُ، وفي علَّته مذهبان:

أحدُهما: أنَّا غررناهم بالإيهام، والتغريرُ سببٌ في الضمان.
والثاني -وهو الأصحُّ (1) -: إنَّما وجب (2) الغرمُ؛ لما في منع الردِّ من مخالفة الأمان، فعلى هذا: إذا أُطلقت الهدنةُ من غير تعرُّض للردِّ بنفي ولا إثبات، ففي الغرم وجهان، مأخذُهما المعنيان، فإن قلنا: لا يجب، فلا يجب ردُّ الرجال عند الإمام؛ لأنَّ مقتضى الهُدنة تركُ التعرُّض للدماء والأموال، فإذا جاءنا مسلمٌ صار منَّا، وخرج عن موجَب العقد، بخلاف المهر، فإنَّه للزوج، ولا حقَّ لهم فيمَنْ جاءنا من الرجال الأحرار.

3674 -

التفريع على إيجاب الغُرْم:

إذا أوجبنا الغرمَ فالواجب هو المسمَّى دون مهر المثل، ولا يجب إلَّا أن يطلبَها الزوجُ أو وكيلُه، فنمنعها، فإن طلبها أبوها أو أقاربُها، لم يجب الغرمُ؛ إذ لا حقَّ لهم فيها، وإن شرطنا ردَّ النساء والرجال، فسد الشرط في المسلمات، ولزم الغرم، وفي فساد الهدنة بالشرط الفاسد خلافٌ طرده الإمام في كلِّ عقد نافذ لازم لا عوضَ فيه، فإن جاءت كافرة، رُدَّت على الزوج، فإن أسلمت عندنا، حَرُم ردُّها، ويجب الغرمُ على الأظهر؛ لأنَّ المنع بسبب الإسلام، فإن أسلمت عندهم، وجاءتنا مرتدَّة، لم تُردَّ؛ لكن يجب الغرمُ على الأصحِّ، وإِن جاءت مجنونة، فلا ردَّ، ولا غرمَ، وإِن جاءت صبيَّة مميِّزة واصفة للإسلام؛ فإن قلنا: يصحُّ إسلامُها، حرم الردُّ، ولزم الغرمُ، وإن قلنا: لا يصحُّ لم تُردَّ على الأصحِّ، وفي الغرم وجهان.12

وإِن جاء الزوجُ بعد موتها، أو جاء، ولم يطلب، لم يجب الغرمُ.
وإِن قتلها مسلمٌ بعد طلب الزوج، لزمه المهرُ مع الدية، أو القصاصُ؛ لأنَّه منعها بالقتل.
وقال الإمام: إن قتلها عقيبَ الطلب، لزمه الغرمُ، وإِن منعناها بعد الطلب، فقتلها، لم يلزمه الغرمُ؛ لأنَّ قتله كموتها، ولو ماتت بعد الطلب والمنع، وجب الغرمُ، فإن جرحها مسلمٌ، فطلبها الزوجُ، وهي بحركة مذبوح، لم يجب الغرمُ، وإِن كانت بها حياةٌ مستقرَّة، فماتت بعد الطلب، وجب الغرمُ على بيت المال، وأبعد مَنْ أوجبه [على الجارح] 1. وإِن قبضت المسمَّى، ثمَّ وهبته من الزوج، وأقبضته، ففي وجوب الغرم قولان.
وإِن طلبها وهي في عدَّته، فغرمنا المهرَ، فأسلم قبل انقضاء العدَّة، لزمه ردُّه؛ لبقاء النكاح، وإِن لم يقبض المهرَ، فأسلم بعد العدَّة، أو التزم الذمَّة، طُولب بالمسمَّى، فإن كان قد طلبها 2 وهي معتدَّة، فهل يُضمن له ما غرمه؟ فيه احتمال.
وإذا لم يقبض المهرَ، أو كان خمرًا، أو خنزيرًا، فأقبضها إيَّاه، أو بعضَه، لم يجب الغرمُ، وإِن ادَّعى الإقباضَ، فأكذبته، لم يجب الغرمُ إلَّا ببينة، وإِن صدَّقته، وجب الغرمُ عند العراقيين، وخالفهم الإمامُ.
وإن جاء وهي في عدَّة رجعة؛ فإن لم يراجع، لم يجب الغرمُ، وإِن

راجع وطلب، وجب الغرمُ، وإِن طلب، ولم يراجع، لم يجب الغرمُ إلَّا على قول مخرَّج منقاس؛ إذ لا معنى لاشتراط رجعة فاسدة، ويجب الغرمُ قبل الدخول وبعده.
وإِن جاءت أمةٌ مسلمة قبل الدخول، لم تُرد، وتجب قيمتُها لسيِّدها، ولا يجب ثمنُها، وقد تُعتق بالمراغمة، واللحوق بدار الإسلام، فإن طلبها الزوج والسيِّد معًا، وجبت القيمةُ والمهر، وإِن انفرد أحدُهما بالطلب، فأوجهٌ، أقيسُها: وجوبُ الغرم لمَنْ جاء منهما، وثالثُها: إن طلب السيِّد، وجبت القيمةُ؛ لأنَّه مستحِقٌّ لليد يملك المسافرةَ بها، وإِن طلبها الزوجُ، لم يجب المهرُ، وإِن جاء حرٌّ مسلم، فلا يُردّ إلَّا أن يكونَ له عشيرةٌ لا يهينونه، ويضنون به، فإن كان الطالبُ للردِّ مستقلًّا بردّه، فلا كلامَ، وإِن عجز عن ردِّه، لم يلزمنا أن نرده بأنفسنا، ولا يلزمه أن يرجعَ إليهم، وله أن يهربَ، ويفعل ما أراد، فإنَّه لم يعاهدهم، ولا حقَّ لهم عليه.
وفي ردِّ العبد وجهان؛ إذ لا يخافُ عليه الفاحشة، بخلاف المرأة، ولكنَّ الغالب أنَّه يُسترقُّ بعد أن عُتق بالمراغمة، ويستهان.
وإِن لم يكن للحرِّ عشيرة، وغلب على الظنِّ (أنَّه يهان) 1، فقد قيل: يجب ردُّه، وقيل: فيه الوجهان، ولا عبرةَ بالأذى بالتقييد ونحوه.
وإذا شرطنا ردَّ مَنْ جاءنا، فالظاهر أنَّه لا يجب إلَّا بعد الطلب، فإن شرطنا أن نردَّه بأنفسنا، لم يبعد إيجابُ الوفاء، وإِن شرط لهم الأمن من المسلمين، فأسلم أحدُهم؛ فإن هاجر إلينا، لزمه من أحكام العهد مثلُ ما لزمنا

اتِّفاقًا، فإن طلبوه، فرددناه، فليفعل ما بدا له من الهرب، والقتل، والاغتيال، وأخذ الأموال، وإِن أسلم وبقي بين أظهرهم، فهل يحرم عليه ذلك أو لا أمانَ لهم عليه؟ فيه احتمال.
وإِن لحقت مسلمةٌ بالبغاة، لم يجب الغرمُ؟ لأنَّهم لم يدخلوا في الأمان، فإن لحقت بأطراف البلاد؛ فإن كان الإمامُ قد قال: من جاءنا، وأراد المسلمين، وجب الغرمُ، وإِن قال: من جاءني فوجهان، وإِن لحق بهم مرتدٌّ فسُحْقًا له، وإِن لحقت بهم مرتدَّة، وجب ردُّها، وإِن كنَّا قد قلنا: من جاءكم منَّا، فلا تردُّوه؛ فإنَّ النساءَ خارجاتٌ من هذه الإطلاقات، فإن جاءتنا مسلمة، ولحقتهم مرتدَّة؛ فإن استوى مهرُ المسلمة والمرتدَّة، فلا شيءَ لزوج المسلمة، ويُدفع ما كان يستحقُّه لزوج المرتدَّة اتِّفاقًا، وإِن نقص مهرُ المسلمة أُكمل مهرُ المرتدَّة من بيت المال، وإِن زاد مهر المسلمة، فالزيادة لزوجها؛ لأنَّ أهلَ الهدنة كشخص واحد.

3675 -

فصل في فروع مفرَّقة

أحدها: ليس لنا أن نبذلَ للكفَّار مالًا؛ فإن خفنا استئصالًا، واصطلامًا، جاز البذلُ اتِّفاقًا.
الثاني: لو أسلم عبدٌ لكافر، أُمر ببيعه، فإن دبَّره، ففي سقوط الأمر بالبيع وجهان، وإِن علَّق عتقَه بصفة، فطريقان: إحداهما: يُلزم ببيعه.
والثانية: فيه الوجهان.

ويحرم بيعُ المصاحف، وكتب الحديث من الكفَّار، وفي انعقاد بيعها خلافٌ طرده العراقيُّون في حكايات الصالحين، وخالفهم الإمامُ.
الثالث: إذا قارض مسلمٌ ذمِّيًّا، فاشترى بمال القراض شيئًا محرَّمًا؛ كالخمر والخنزير؛ فإن شرط عليه ألَّا يشتريَ محرَّمًا، ضمن ما سلَّمه من الثمن، وكذا إن لم يُشرط على الأصحِّ.

3676 -

فصل في نقض الهدنة ونبذها

إذا صحَّت الهدنةُ في ضَعْف المسلمين، وجب الوفاءُ بها وإِن قويَ المسلمون قبل انقضائها، ومتى خان الكفَّار، أو فعلوا ما يخالف العهدَ، أو فعلوا شيئًا من المضرَّات التي اختلف القولُ في انتقاض الذمَّة بها (1)، انتقض عهدُهم اتِّفاقًا وإن لم يعلموا أنَّ ذلك ناقضٌ؛ فإنَّ الهدنة ضعيفة لم تتأكَّد ببذل المال، فإن علموا انتقاضَ العهد، جاز أن نفاجئَهم بالقتال، وإِن لم يعلموا، فوجهان، وإِن خِيفت خيانتُهم، جاز نبذُ العهد إليهم، ولا يجوز القتالُ قبل النبذ، وإِن خِيفت الخيانةُ من أهل الذمَّة، لم تُنبذ إليهم الذمَّة على الأصحِّ، وإِن ظهرت خيانةُ بعض المهادنين، وسكت الآخرون، جاز النبذُ إلى الخائنين والساكتين، وفي قتال الساكتين قبل النبذ تردُّد واحتمال.

3677 -

فرع:

إذا أظهر أهلُ الذمَّة الخمرَ، أرقناها، وإِن أخفَوْها، لم يجز التعرُّض1

لها، فإن غصبناها، أو أتلفناها، لم يجب ضمانُها، وفي وجوب مؤونة ردِّها خلاف، والمحقِّقون على أنَّها لا تجب، بل يُخلَّى بينهم وبينها، وإِن باعوها من مسلم، وسلَّموها إليه، أرقناها؛ لتعدِّيهم بإظهارها.
وإِن غُصبت الخمرةُ المحرَّمة من مسلم، فالوجه: إيجابُ مؤونة ردِّها، وفيه احتمال.

جارٍ التحميل