الغاية في اختصار النهايةكتاب الاعتكاف وليلة القدر

كتاب الاعتكاف وليلة القدر

897 -

المختار أنَّ ليلةَ القدر مخصوصةٌ بهذه الأمَّة، ووقتها جميعُ السنة عند بعض العلماء، وجميعُ رمضان عند أبي حنيفةَ، والعشرُ الأواخرُ عند الشافعيِّ رحمه الله، وفي "التقريب" تردُّد في النصف الآخر من رمضان، ولا أصل له، وميلُ الشافعيِّ إِلى الحادي والعشرين، وقال في موضع: الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين 1، ومال ابن عباس إِلى السابع والعشرين، ووافقه على ذلك طوائفُ من الناس

2.

وقال بعضُهم: رُفعت مع رسول - صلى الله عليه وسلم -، وقال بعضُهم: إنها تنتقل، وهي عند الشافعيِّ منحصِرةٌ في العشر مع تردُّده في لياليه، ولذلك قال: لو علَّق الطلاقَ قبل دخول العشر بليلة القدر، طَلَقت بانقضاء العشر، ولا تطلق قبل انقضائه.
وكان عليه السلام يعتكف العشرَ الأواخرَ ليلًا ونهارًا لطلبها (1)، فمن تابعه فليشرعْ في الاعتكاف قبيل الغروب ليلة الحادي والعشرين، ويستمرَّ إِلى هلال شوال، ولو أحيا ليلتي العيد لم يمت قلبُه يوم تموت القلوبُ (2).

898 -

فصل في بيان أقلِّ الاعتكاف

الاعتكاف سُنَّة حسنة، وفي أقلِّه وجهان: أحدُهما: حضورُ المسجد مع النيَّة؛ اعتبارًا بحضور عرفةَ، ولو دخل12 = وقيل: بالإبهام، والتنقُّل كلّ عام، في كلّ رمضان، وفي كلّ السنة، فهذه عشرة أقوال".

من باب وخرج من آخرَ أجزأه.
والثاني: لابدَّ من مُكثٍ محسوس يزيد على طمأنينةِ الركوع، ولو تردَّد في نواحي المسجد، أجزأه، وقيل: لو اعتاد دخولَ المسجد لجماعة أو غيرها، فنوى الاعتكافَ في بعض دخلاته، لم يصحَّ؛ لأنَّه لم يخالف عادتَه، ولا وجهَ لهذا, ولا لقول مَنْ قال: لا يصحُّ الاعتكافُ إِلا يومًا أو ما يدنو منه.

899 -

فصل في الصوم في الاعتكاف

ولا يُشترط فيه الصومُ، فيصحُّ في الليالي المنفردة، والعيد، وأيَّام التشريق، واشتُرط فيه الصومُ على القديم، فلا يصحُّ اعتكافُ الليل تبعًا ولا منفردًا، ولا يشترط أن يكونَ صومُه لأجل الاعتكاف، ولذلك يصحُّ اعتكاف رمضانَ.
وعلى الجديد: لو نذر أن يعتكفَ صائمًا، لزمه الصومُ والاعتكاف، وفي جمعهما وجهان: أحدُهما: لا يجب؛ كما لو نذر الاعتكافَ مصلِّيًا.
والثاني: يجب؛ لاتِّفاقهما في غَرَض الانكفاف، واعتبارًا بنذر القِران بين الحجِّ والعمرة، ولو نذر صلاةً يقرأ فيها سورةَ كذا، ففي وجوب الجمع الوجهان، ولو نذر أن يصومَ معتكِفًا، لم يجب الجمعُ عند أبي محمَّد، وخرَّجه الإِمامُ على الوجهين.

900 -

فرع:

لو نذر اعتكافَ العشر الأواخر، فنقص الشهرُ، أجزأه التسع، بخلاف ما لو نذر اعتكافَ عشرٍ، فإِنَّه يلزمه الإتمام.

901 -

فصل في التطوُّع بالاعتكاف

لا يجب الاعتكاف إِلا بالنذر، وبهذا يبطل مذهبُ مَنْ قال: لا يجبُ بالنذر إِلَّا ما يجب بأصل الشرع، فإِذا شرع في الاعتكاف متطوِّعًا, ولم ينو مدّةً، صحَّ اعتكافُه ما دام في المسجد، وتردَّد أبو محمد في هذا وفيمن أطلق نيَّة الصلاة، وأجاز الاقتصارَ على أربع ركعات فما دونها، وإِن زاد ففيه نظر، وأجاز غيرُه أن يأتيَ بمئة ركعة، وهذا هو القياس، فإِن قلنا بالأصحِّ، فخرج لحاجة أو غيرها، فالذي مضى اعتكافٌ تامٌّ إِن كان لبث، وإِن لم يكن فعلى الوجهين، فإِن عاد إِلى المسجد، فهو اعتكافٌ جديد يفتقر إِلى النيَّة.
ولو نوى اعتكافَ أيَّام أو نَذَرها, ولم يشرط التتابعَ، فخرج في أثنائها، وعاد قبل انقضائها، فقد قال أبو محمد: إِن قصُر الزمانُ، فلا نيَّة عليه، وإِن طال، فقولان؛ كما في تفريق الطهارة، وقال غيرُه: إِن خرج للحاجة، فلا نيَّة عليه، وإِن خرج لغيرها، فوجهان وإِن قرب الزمان.

902 -

فصل فيمن نذر تتابعَ الاعتكاف ولم يعين الزمان

إِذا نذر اعتكافًا متتابعًا, ولم يعيِّن زمانًا، لزمه ذلك، فإِن لم يتابعه،

بَطَل ما مضى منه، ولا ينقطع التتابعُ بالخروج للحاجة إِن قَصُرَ الزمان، وإِن طال؛ لبعد المنزل، أو كثر الخروج لعارض خارج عن الاعتدال، فوجهان.
وحدُّ القصير: ما لا يُخرجه عن هيئة ملازَمة المسجد، والطويل: ما يخرج عن هيئة الملازَمة.
ولو كان له منزلان قريبان، فخرج إِلى أبعدِهما، فوجهان، ولو خرج لأكلٍ أو وضوء واجبٍ، لم يجز على الأصحِّ؛ لإمكانهما في المسجد.
وإِن حاضت المرأةُ في اعتكاف أو صوم متتابع؛ فإِن كانت المدَّة المنذورة ممَّا يغلب طُروءُ الحيض عليها لم ينقطع التتابع، وإِن قلَّت بحيث لا يبعد خُلوُّها عن الحيض، فإِن شرعت قريبًا من نوبتها، أو اتَّفق تقدُّم الحيض على خلاف عادتها، فوجهان، والأصحُّ الانقطاعُ فيما قرَّبتْه من نوبتها، ووجه الصِّحة تجويزُ تأخُّر الحيض.
وإِن خرج لمرض يبيح الخروجَ، فقولان، فإِن أفضى إِلى تلويث المسجد؛ كالاستحاضة، واسترخاء الأُسْر، فطريقان: أحدهما: لا يقطع كالحيض.
والثانية: فيه القولان، وهو القياس.
ويبطل بالخروج للعيادة والأغراض الصحيحة إِلَّا أن يستثنيَ ذلك، وفي الاستثناء قولٌ مهجور: أنَّ التتابعَ واجب، والاستثناء باطل؛ فإِن عاد بعد المرض أو المستثنى من الغرَض، ففي تجديد النيَّة وجهان كالوجهين في تجديدها عند تفريق الطهارة.

903 -

فصل فيما يُحسب له من أزمنة الخروج وما لا يُحسب

إِذا خرج لحيض أو مرض، لم يحسب وقتُهما من المُدَّة المنذورة، ولزم استدراكه، وتُحسب أوقاتُ الحاجة من المدَّة المنذورة، فإِذا نذر عشرًا، فبلغت خرجاته يومًا أو أكثر لم يلزمه تداركها اتِّفاقًا، وهل يجري عليها حكمُ الاعتكاف؟ فيه وجهان: أحدُهما: نعم؛ بدليل أنَّه لو جامع فيها, لفسد الاعتكاف.
والثاني: لا؛ لأنَّ خرجاتِه مستثناةٌ بحكم العادة، فكأنَّه نذر العشرَ إِلا أوقات الحاجة.
وإِنَّما أفسده الجماعُ؛ لاشتغاله بغير الحاجة، فصار كالعيادة، فإِن تُصُوِّر الجماعُ مع قضاء الحاجة، لم تبطل.
وقال الإِمام: الأصحُّ البطلان بالجماع وإِن جعلناه غيرَ معتكِف؛ لِعَظَم وقع الجماع في الشرع، ولذلك لو خرج للحاجة، فكل لُقَمًا يسيرة، لم يبطل اعتكافُه، ولو جامع في مثل تلك المدَّة بطل اتِّفاقًا.

904 -

فصل فيمن عيَّن وقتَ الاعتكاف ولم يَشرط التتابعَ

إِذا نذر اعتكافَ العشر الأواخر، لم يلزمه استدراكُ أوقات الحاجة، ولا أن يجدِّد النيَّةَ إِذا عاد، فإِن خرج لغير عُذْر، أو جامع، لم تُحتسب أوقاتُ خروجه، ولا يبطل ما مضى، فإِن عاد لزمته النيَّة على المذهب، وقيل: لا تلزمه؛ لشمول النيَّة الأُولى.
ولو خرج لأغراضٍ استثناها, لم يلزمه تداركُ أوقاتها؛ لخروجها

بالاستثناء عن الالتزام، بخلاف ما تقدَّم في النذر المتتابع؛ فإِن الاستثناءَ فيه ينصرفُ إِلى التتابع دون أصل المدَّة.
ولو خرج لحيض أو مرض، لزمه تداركُ وقتيهما، بخلاف أوقات الاستثناء.
ولو ترك اعتكافَ العشر، لزمه قضاءُ العشر دون التتابع؛ اعتبارًا برمضان.

905 -

فرع:

لو عيَّن الزمانَ، وشرط التتابعَ، ثبت حكمُ التتابع على الأصحِّ، وقيل: لا يثبت، وقد سبق تفريعُ كلِّ واحد منهما.

906 -

فصل في الاستثناء في الاعتكاف والعبادات

إِذا صحَّ الاستثناءُ في الاعتكاف، لم يجز الزيادةُ على مقتضاه، فإِن استثنى العيادةَ، لم يخرج لأهمَّ منها, ولو استثنى عيادةَ زيدٍ، لم يخرج لعيادة عمرو، ولو استثنى الخروجَ لكلِّ شغل يعِنُّ له، فله الخروجُ لكلِّ غَرَض مباح عاجل أو آجِل، وليس له أن يخرجَ لينظرَ إِلى رفقة أو مجتمع؛ إِذ لا حاصلَ لذلك، ويمكن أن يضبط الشغل بمطلوب المسافر في مقصده.
ولو قال: لله عليَّ أن أتصدَّق بعشرة دراهم إِلَّا أن أحتاجَ، أو فرض مثله في سائر القربات؛ كالصوم والصلاة، أو قال: لله على كذا وكذا إِلَّا أن يبدوَ لي، فبدا له، فهذه المسائل محتمِلةٌ عند صاحب "التقريب"، ولم يفسد نذرُه بهذا الشرط.

وقال أبو محمد: الأوجَهُ بطلان الاستثناء في قوله: إِلَّا أن يبدو لي، ويتَّجه إِبطالُ النذر؛ لمنافاة التخيُّرِ للالتزام.
وقال العراقيُّون: لو شرع في صوم منذور، وشرط في نيَّته أن يتحلَّل عنه إن عرض له عرض مؤثِّر؛ كالمرض الذي لا يبيح الإفطار، صحَّ صومه، وله أن يتحلَّل عند الشرط، وعليه القضاء.
ولو شرط التحلُّلَ عن الحجِّ بالمرض، فقولان، وقال أبو محمَّد: الحجُّ أَولى بقَبول الشرط؛ لحديث ضُباعةَ في قوله عليه السلام: "أهِلِّي، واشترطي: أن محلِّي حيث حَبَسْتني" (1)، ولا ينقدح في الصوم إِلا بطلانُ الشرط، أو بطلانُ الصوم؛ لبطلان النيَّة.

907 -

فصل في تعيين المساجد للصلاة والاعتكاف

إِذا نذر الصلاةَ في مسجد غير مسجد مكَّةَ والمدينة والقدس، فله أن يصليَّها في أيِّ مكانٍ شاء من المساجد وغيرها، وإِن عيَّن المسجدين، فقولان، وفي المسجد الحرام طريقان: أحدُهما: يتعيَّن قولًا واحدًا.
والثانية: فيه القولان.
وإِن نذر الاعتكافَ في غير الثلاثة، فوجهان، ظاهرُ النصِّ التعيُّن، كما يتعيَّن الزمانُ للصوم على المذهب؛ لأنَّهما مشتركان في الانكفاف، ونسبةُ1

المكان إِلى الاعتكاف كنسبة الزمان إِلى الصيام، فإِن عيَّنَّا ما عدا الثلاثةَ، فالثلاثةُ أولى، وإِن لم نعيِّنه، ففي الثلاثة القولان؛ كما في الصلاة، وأولى بالتعين، [فإن قلنا بالتعين] (1)، فلا يصحُّ الاعتكافُ إِلَّا في المعيَّن، وإِن قلنا: لا يتعيَّن المسجدُ، فاعتكف فيه، ثمَّ خرج للحاجة وعاد إِلى مسجد آخرَ يساويه في المسافة أو ينقص عنه، وفعل ذلك في كلِّ خروج، جاز على الأظهر، وأبعدَ من منعه.
والاعتكافُ في الجامع أفضلُ، فإِن عيَّن غيرَه، لزمه الخروجُ إِلى الجمعة، فإِن قلنا بالتعيُّن، ففي انقطاع التتابع بالخروج إِلى الجمعة قولان، وإن قلنا: لا يتعيَّن، فخرج للحاجة، ورجع إِلى الجامع عند استواء المسافة، لم ينقطع التتابعُ على المذهب، وإِن لم يخرج إِلا للجمعة، ففيه القولان (2).

908 -

فصل في الخروج للعيادة وصلاة الجنازة

إِذا خرج لعيادة، أو شهود جنازة، بطل التتابعُ، ولو صلَّى على جنازة على ممرِّه إِلى حاجته، أو وقف وقفةً قريبة للعيادة، أو سأل عن المريض، فلا بأس، ولا يَزْوَرُّ للجنازة ولا للعيادة، فإِن ازورَّ للعيادة في زمن قريب يُحتمل مثلُه بين البطء والإِسراع، بطل اعتكافُه.
ولو جلس في منزله جَلسة يسيرة؛ ليُهيَّأَ له موضعُ الحاجة، أو أكل في12

جلسته أكلًا غيرَ مقصود، فلا بأس، وكذلك لو أكل بعد الحاجة لُقَمًا يسيرة على الأصحِّ، ولا خلاف أنَّ وضوءَه بعد الحاجة لا يقطع التتابعَ وإِن منعنا الخروجَ لأجله.
ويُعتبر في الزيارة على الممرِّ طولُ الزمان وقِصَرُه، فكلُّ أمدٍ زاد على الاتِّئاد والاقتصاد بحيث يُحسُّ به المنتظِرُ المراقِبُ، فهو طويل.

909 -

فصل في اكتساب المعتكِف

ولا يبطل الاعتكافُ بسِباب ولا جدال، ولا بيع ولا شراء ولا احتراف، وأبطله مالكٌ بحِرْفة التبلُّغ وغلط مَنْ أضاف ذلك إِلى الشافعيِّ.

910 -

فصل في الخروج للأذان

ولا بأس بالصُّعود إِلى المنارة المعدودة من المسجد؛ إِذ هي كبيتِ في المسجد، وإِن صعِد إِلى منارة ملصقة بالمسجد غيرِ معدودة منه، فلها حالان: الأولى: أن يكون بابُها في المسجد، فلا ينقطعُ التتابعُ إِن صعدها المؤذِّن الراتبُ لأجل الأذان، وفيه احتمال؛ إِذ خرج إِلى بقعة ليس لها أحكام المساجد، وإِن خرج إِليها لغير الأذان، فلا نقلَ في هذه المسألة، والظاهر الانقطاعُ.
الثانية: أن يكون بابُها في الشارع، أو في حريم المسجد، فإِن خرج

إليها لغير الأذان، بطل التتابعُ، وللأذان من الراتب وجهان، أحدُهما: البطلان، وهو القياس.
والثاني: الصحَّة؛ إِمَّا لأنَّها من حقوق المسجد؛ لكونها على حريمه، أو لأنَّ خروجَ الراتب للأذان كالمستثنى.
وفي خروج غير الراتب للأذان وجهان مأخذُهما المعنيان، ولو خرج المؤذِّن إِلى حجرة مهيَّأة للسكنى، وبابُها في المسجد، بطل اعتكافُه، بخلاف المنارة، فإِنَّها (1) بُنيت لإِقامة شعار المسجد.

911 -

فصل في الأذان للولاة

قال الشافعيُّ رحمه الله: أكره الأذانَ بالصلاة للولاة.
فقيل: لا تعلُّقَ لهذا بالاعتكاف، وأراد أن يأتيَ المؤذِّنُ بالأذان، أو بعضِ كلماته؛ كالحيعلتين على أبواب الأعيان.
ولو نادى على أبوابهم بغير كَلِمِ الأذان، ففي الكراهية وجهان، وقيل: أراد خروجَ المؤذِّن للنداء على أبواب الأعيان، فإِنَّه يقطع الاعتكافَ، بخلاف الخروج للأذان على حريم المسجد.

912 -

فصل فيمن خرج مُكرَهًا أو ناسيًا أو لأداء واجب

إِذا خرج لمرض يعسرُ احتمالُه في المسجد، أو أخرج قهرًا، أو أكره حتَّى خرج، ففي انقطاع التتابع قولان.1

ولو خرج ناسيًا، فالظاهرُ الانقطاعُ عند الإِمام، وغايته أن يجريَ فيه القولان، بخلاف ما لو أكل ناسيًا، أو أُوجِرَ الطعامَ في الصيام، وإِذا صحَّحنا الاستثناءَ، فاستثنى إِخراجَ السلطان، ففي صحَّة الاستثناء المعلَّق بغير المستثنى وجهان.
وإِن خرج لشهادة تحمَّلَها قبلَ الاعتكاف، بطل التتابع 1 إِن لم يتعيَّن، وإِن تعيَّن، فقولان مرتَّبان على المرض، وأولى بالانقطاع.
ولو خرج لإِقامة حدٍّ وجب قبل الاعتكاف، فقولان مرتَّبان على الشهادة، وأولى بالبطلان.
ولو شَرَعَت المرأةُ في اعتكاف منذور؛ فإِن كان نذرُها وشروعها بإِذن زوجها، فليس له إِخراجُها، وإِن أذِن في أحدِهما دون الآخر، فوجهان.
فإِن طلَّقها أو مات؛ فإِن كان يملك إِخراجَها لو دام نكاحُها, لزمها الخروجُ للعِدَّة، وفي انقطاع الوِلاء قولان مختلفان في الترتيب؛ إِن كانت قد عصت باعتكافها، فعلى القولين في الخروج للحَدِّ، وإِن لم تعصِ، فعلى القولين في إِقامة الشهادة.
وإِن كان لا يملك إِخراجَها مع قيام النكاح، فهل لها إتمامُ الاعتكاف؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: لا تخرج، فخالفت، بطل اعتكافُها، وإِن أوجبنا الخروجَ ففي انقطاع التتابع 2 قولان.

913 -

فصل في الجماع والمباشرة

ويبطل الاعتكافُ بكلِّ جماع مفسد للصيام، وفي المباشرة بغير إِنزال قولان، وبالإنزال طريقان، أصحُّهما البطلان، وقال الشافعيُّ في موضع: لا يبطل الاعتكافُ إِلا بوطء يوجب الحدَّ، ومقتضاه ألَّا يبطل بوطء البهيمة إِذا لم يوجب الحدِّ؛ فإِن أفسدناه بالمباشرة، فالضابطُ فيها وفيما يوجب الفديةَ في الإحرام كلُّ مباشرة تنقضُ الوضوءَ، والحيضُ مبطلٌ اتِّفاقًا، وكذلك الجنابةُ على القياس، ومن قال: لا يبطل بالإنزال أمكنه أن يعتبرَ ذلك بالعبور إِذا جعلنا الحضورَ اعتكافًا، فإِذا عقَّب الانزالَ بالغسل في المسجد، أمكن ألَّا يبطلَ في ذلك الزمان.
وأمَّا المكث مع الجنابة: فلا يجوزُ أن يصحَّ معه الاعتكافُ.
ولو تعمَّد الإنزالَ مع التمكُّن من الغسل في المسجد، فالوجه التحريمُ، وفيه احتمال.
ولو اتَّفقت الجنابةُ في المسجد، وأمكنه أن يغتسلَ فيه في زمن ينقص عن قطع مسافته (1) في الخروج، تعيَّن عليه الخروجُ، وأبعد مَنْ أجاز له الغسلَ في المسجد، ولم يوجبه أحدٌ؛ نظرًا إِلى قرب الزمان.

914 -

فصل في الردَّة والسُّكْر

إِذا ارتدَّ المعتكِفُ، أو سكر، ففي بطلان اعتكافه ثلاثةُ أوجه، أبعدُها1

التفرقةُ بين طويل الزمان وقصيره، والمنصوص أنَّه يبطل بالسُّكْر دون الردَّة، والقياسُ خلاف النصِّ فيهما؛ اعتبارًا للسُّكْر بالنوم والغفلة، وحملًا لنصِّ الردَّة: على أنَّها لا تُبطِل ما مضى، ولنصِّ السكر: على ما لو أُخرج لإِقامة الحدِّ، وأبعد من أقرَّ النصَّين، وفرَّق بأنَّ السَّكرانَ ليس من أهل المسجد، بخلاف المرتدِّ.
فإِن قلنا: لا تفسده الردَّةُ، فلو اقترنت بإِنشائه، فتصحيحه بعيدٌ، والفرق عَسِرٌ.

915 -

فصل فيما يدخل من الليالي في نذر الاعتكاف وما لا يدخل

إِذا نذر اعتكافَ شهرٍ أو أيَّام، أو صومَ شهر أو أيَّام؛ فإِن شَرط التتابعَ 1 بلفظه أو نيَّته، لزمه ذلك، وإِن أطلق، فالمستحبُّ أن يتابعَه، ولا يلزمه ذلك، خلافًا لابن سُريج في الاعتكاف.
وإِن نذر اعتكافَ يوم، فاعتكف نِصفَي يومين، أو أثلاثَ ثلاثةٍ فوجهان؛ لأنَّ الساعات المفرَّقة لا تُسمَّى يومًا، بخلاف الأيَّام المفرَّقة؛ فإِنّها تُسمّى شهرًا أو عشرة أيَّام، فإِذن اليومُ عبارة عن ساعات متَّصلة من الفجر إِلى الغروب.
فإِن منعنا التفريقَ، فاعتكف من الزوال إِلى الغروب، ثمَّ من الفجر

إِلى الزوال، لم يجزه، وإِن اعتكف من الزوال إِلى الزوال، أجزأه، خلافًا لأبي إسحاق المروزيِّ، فإِنَّه قال: لا يجزئه، إِلَّا أن يعتكفَ من الفجر إِلى الغروب.
وإنَّ جوَّزنا التفريقَ، كفاه ساعاتُ أقصرِ النهار، ويتَّجه أن يُنسبَ جزءُ كلِّ يوم إِليه حتَّى لو فرَّق الساعات على أيَّامٍ هي أقصرُ أيَّام السنين، أجزأه، وإِن اختلفت الأيَّام طولًا وقِصَرًا، فينبغي أن يُنسبَ أجزاء كلِّ يوم إِليه، فإِن كانت ثلثًا، فقد برئ من ثلث الواجب، وهكذا إِلى التمام.
ويحقِّق هذا أنَّه لو اعتكف تسعَ ساعات ونصفًا من أطول الأيَّام، لم يجزه، ولو نذر يومًا، فاعتكف أطولَ الأيام، فالكلُّ فرضٌ، وإِن اعتكف أقصرَها، كفاه، وإِن نذر اعتكاف شهر لزمته الليالي اتِّفاقًا، وإِن نذر يومًا، لم يلزمه الليلةُ إِلّا أن ينويَها، وإِن نذر ثلاثةَ أيَّام فما زاد، لم يلزمه تِباعُها على الأظهر، وهل يلزمه الليالي بعدَّة الأيام؟ فيه وجهان.
وقال الإِمام: إِذا كان لزومُ الليالي مأخوذًا من إِطلاق التواريخ، وجب ألَّا تلزمه الليالي بعدَّة الأيَّام، بل تكفيه في العشرة تسعٌ، وفي الثلاثة ليلتان.
ولو نذر يومين، فهما كاليوم عند المراوزة، وكالأيَّام عند العراقيِّين، فإِن قيَّدهما بالتِّباع، فلم يعتكف الليلةَ التي بينهما، أجزأه عند أبي محمَّد؛ اعتبارًا بالصوم، ولا يجزئه عند العراقيين، ولو نذر التِّباعَ في الأيَّام، فخرج في لياليها، ففي جوازه الخلافُ بين العراقيّين والمراوزة.

916 -

فصل في الاعتكاف في مسجد الدار

لا يصحُّ اعتكافُ المرأة في مسجد بيتها، وهو المكانُ المهيَّأ للصلاة، وأجازه في القديم، وفي الرجل قولان مرتَّبان، ولا وجهَ لذلك.

917 -

فصل في نذر الاعتكاف لقدوم زيد

إِذا نذر أن يصومَ أو يعتكفَ اليومَ الذي يقدم فيه فلانٌ، فقدمَ نصفَ النهار، لزمه أن يعتكفَ بقيّة النهار على المذهب، وهل يلزمه قضاءُ الصوم، وما فات من اعتكاف أول النهار؟ فيه قولان، وقال المزنيُّ: المستحبُّ أن يعتكفَ يومًا متواصلًا، وهذا غلط؛ لأنَّ بقية النهار مجزئة، فلا يُستحبُّ التواصل في غير المنذور.

918 -

فصل فيمن يصحُّ اعتكافه

كلُّ من صحَّت نيَّته صحَّ اعتكافُه؛ كالعبد والمرأة والمسافر، وأبعد مَنْ منع المكاتَب؛ إِذ لا خلاف أنَّه لو جلس في بيته يومًا أو يومين، ولم يكتسب، فلا اعتراضَ عليه قبل حُلول النجم.

919 -

فرع:

لا يُحرِّم الاعتكافُ ما يحرِّمه الإِحرامُ؛ من اللباس والنكاح والإنكاح، ولا بأسَ بوضع الموائد في المساجد، وغسل الأيدي في الطُّسوس.

920 -

فرع:

لو نذر الصومَ أو الاعتكافَ في زمان معيَّن، لزمه ذلك على الأصحِّ، فلا يجوز التقديمُ ولا التأخير، وقيل: لا يتعيَّن؛ كالصلاة والصدقة.

921 - فرع: إِذا مات وعليه اعتكافٌ تمكَّن منه، فهل يُخرَج عنه مُدٌّ لكلِّ يوم بليلته، أو يَعتكِف عنه وليُّه؟ فيه قولان منصوصان، والله أعلم.

جارٍ التحميل