الغاية في اختصار النهايةصفحات 77-117

كتابُ النِّكاح

2242 -

باب ما جاء في أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأزواجه في النكاح

خُصَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتخفيفٍ 1 وتحريمٍ وإيجابٍ؛ توسعةً له في التخفيف، وتعظيمًا لأجره في التحريم والإيجاب؛ لأنَّ أجرهما أكبر من أجر اجتنابِ المكروه وفعلِ المندوب؛ إذ المحرَّم في المنهيِّات 2 كالواجب في المأمورات.
فالواجب: التهجُّدُ والضحى والوتر، وفي السؤالِ ومشاورةِ ذوي الأحلام وجهان.
ولزمه تخييرُ نسائه بين الدنيا والآخرة، فاخترن الله ورسولَه، فحُرِّمَ عليه التزوُّجُ عليهنِّ، والتبدُّلُ بهنَّ، ولم يُحَرَّم طلاقُهنَّ على الأظهر، وقيل:

لو طلَّقهنَّ عَقيبَ اختياره ففي جوازه وجهان، والظاهر: الجواز، ثم نسخ الله التزوُّج عليهنَّ، والتبدُّل بهنَّ.
ولو اخترن الدنيا، فهل ينقطع النكاح بذلك، أو يلزمُه الطلاق؛ فيه وجهان، فإن قلنا: لا ينقطع، لم يلزمهنَّ جوابُ التخيير على الفور، وإن قلنا: ينقطع، فقولان، كما لو قال أحدنا لزوجته: طلِّقي نفسك، وهذا لا يصحُّ؛ لقوله لعائشة؛ "فلا تبادريني حتى تؤامري أبويك" (1). ولمَّا اتَّسع المالُ لزمه قضاءُ دينِ مَن مات مُعْسِرًا، وأَبعدَ مَن قال بالاستحباب، وفي وجوب ذلك على الأئمَّة بعده وجهان.
وقال الإمام: مَن استدان، وبقي معسرًا حتى مات، لم يُقضَ دينُه من بيت المال؛ لأنَّه يلقى الله ولا مظلمةَ عليه، وإن ظلم بالمطال ففيه احتمال، والأَوْلى: ألا يُقضى، فإن أوجبناه فشرطُه اتِّساعُ المال، وفضله عن مصالح الأحياء.

2243 -

فصل فيما اختصَّ بتحريمه

وهو صدقة الفرض، وكذا التطوُّعُ على الأصحِّ.
وفي الأكل متَّكئًا، وأكلِ ذوات الأراييح الخبيثة كالثوم ونحوه، وجهان، فإن قلنا: لا يحرم، كُره.1

ويحرم عليه خائنةُ الأعين، وهي الإشارةُ بخلافِ ما يُظهره، وأَبعدَ مَن حرَّم التخييل بضروب الأفعال حتى خُدع القتال، وهذا لا يصحُّ؛ لقوله: "الحربُ خَدْعَة" 1، وكان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها، والفرق: أنَّ الرمز يُزري بالرامز، بخلافِ الإيهام في الأمور العظام.
وكان إذا لبس اللأمة حرُم عليه نزعُها حتى يلقى العدوَّ، وأَبعدَ مَن قال: يُكره ذلك.
وحرم عليه البقاءُ على نكاحِ مَن تَكره صحبته.
ولو تسرَّى بكتابيَّة، أو نكح حرَّةً كتابيَّةً، فوجهان.
وحرم عليه نكاحُ الأمة الكتابيَّة، وفي المسلمة وجهان، فإن أجزناه لم يُشرط خوفُ العنتِ، وفي فَقْدِ الطَّوْل وجهان، فإن شرطناه لم تَجُزِ الزيادة على واحدةٍ، وإن لم نشرطه جاز، فإن أولدها فالولدُ حرٌّ، وقيل: رقيقٌ إن جوَّزنا إرقاق العرب، وهذا هذيانٌ لا يحلُّ اعتقادُه، بل لو أولد أمةً في نكاح غرورٍ لم يغرم قيمتَه عند المحقِّقين؛ لأنَّه ينعقد حرًّا مع العلم، فظنُّ الحرية يكونُ دافعًا للرق 2، والكلام في مثل ذلك اقتحامُ غررٍ وركوبُ خطرٍ من غير حاجةٍ، بخلافِ ما تدعو إليه الحاجةُ من الأحكام.

2244 -

فصل فيما اختصَّ بإباحته

وهو دخولُ مكَّة بغير إحرامٍ، وصَفِيُّ المَغْنَم، وخُمسُ الخُمس، والوصالُ في الصوم، وهل يُكره لأمته أو يَحْرُمُ؛ فيه وجهان، ولو رأى امرأةً، فوقعت منه بموقعٍ، لزم زوجَها طلاقُها؛ لقصَّة زيدٍ وزينبَ، وهل مَلَكَ بضعَ زينبَ بقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37], أو عقد عليها عقدًا؟ فيه وجهان.
وحرُم إرثه، فقيل: إنَّه صدقة، والأصحُّ بقاؤه على مِلْكِه؛ فإنَّ الأنبياء أحياءٌ، ولذلك كان أبو بكر ينفق منه على أهله وخدمه، ويَصْرِفُه فيما كان يَصْرِفُه فيه في حال الحياة.
وحلَّ له نكاحُ تسعٍ، وفي انحصار نكاحه فيهنَّ، وطلاقِهِ في الثلاث، ووجوبِ القَسْمِ لهنَّ، والنكاحِ في الإحرام، خلاف.
وينعقد نكاحُه بلفظ الهبة من جانب المرأة، وفي جانبه وجهان.
ولو نكح بلا وليٍّ ولا شهودٍ، صحَّ على الأصحِّ؛ إذ لا يُتصوَّر منه الجحود، والوليُّ إنَّما نُصب لطلب الحظٍّ، ومأخذُ هذا الخلافِ: أنَّ الزوجات في حقِّه كالسراري في حقِّ غيره، أو كالزوجات؟ فيه وجهان؛ فإن جُعلنَ كالسراري، لم نشرط الوليَّ ولا الشهودَ، وانعقد نكاحُه في الإحرام وبلفظ الهبة من الجانبين، ولم ينحصرن في العدد، وإن جعلناهنَّ كالزوجات، فالحكمُ بالعكس.
وجَعَلَ عتقَ صفيَّة صداقَها، وذلك خاصَّةٌ باتِّفاق، وهل الخاصَّةُ جَعْلُ

القيمةِ صداقًا مع كونها مجهولةً، أو وجوبُ الوفاء على صفته بذلك؟ فيه وجهان.
وقال صاحب "التلخيص": لو أمَّن كافرًا جاز له قتلُه، ولم يَلْزَمْه الوفاءُ بالأمان، وجعل له أن يَلْعَنَ مَن شاء بغير سببٍ؛ لأنَّ لعنته رحمةٌ، وأن يَدخل المسجد جُنبًا، وجعل شهادة خزيمة له من خصائصه.
وقَطَعَ الأصحاب بتخطئته في الصورتين الأَوَّلتين، ويجب القطعُ بتخطئته في الثالثة، وفي الرابعة نظر.

2245 -

فصل في أحكام نسائه

كلُّ امرأة مات عنها حَرُمَتْ على غيره أبدًا اتِّفاقَا، وفيمن فارقها في الحياة أوجهٌ، أعدلُها: تحريم الممسوسة، وتحليلُ مَن لم يمسَّها.
ولو خيَّر واحدةً، فاختارت الدنيا، حلَّت لغيره اتِّفاقًا.
ومات عن تسعٍ: عائشةَ، وحفصةَ، وأمِّ سلمةَ، وأمّ حَبيبةَ، وميمونةَ، وصفيَّةَ، وجُوَيْرِيةَ، وسَوْدةَ، وزينبَ، فهؤلاء أمَّهات المؤمنين في تحريم النكاح دون النظر، ولا نُجاوز ذلك فنقول: بناتُه أخواتُ المؤمنين، ولا معاويةُ خال المؤمنين 1.

2246 -

باب ما جاء في الترغيب في النكاح

الأَوْلَى بالتائق إلى النكاح أن يتزوَّج إن وجد أُهْبةً، وأنْ يصبر إن لم يجد أُهبة، ويكسر شهوته بالصيام، والأولى بغير التائق أن يتخلَّى للعبادة، والأولى بالراغب أن يتزوَّج البكر الودود، الدَّيّنة الحَسيبة، وألا يتزوَّج القرابة القريبة.

2247 -

فصل في نظر الرجل إلى الرجل والمرأة إلى المرأة

كلُّ ما حَرُمَ النظر إليه حَرُمَ مسُّه والإفضاءُ إليه من غير حائلٍ.
ويجوزُ نظر الرجل إلى الرجل ما خلا العورة.
والنظر إلى المُرْد بالشهوة حرامٌ اتِّفاقًا، جائزٌ بغير الشهوة إلا أن يَظهر إمكانُ الفتنة، ففي التحريم خلافٌ، وكَرِهَ الأصحابُ تَضاجُعَ الرجلين أو المرأتين في الثوب الواحد.
وما لزم الرجلَ سترُه في الصلاة لزمه سترُه في غير الصلاة، وما لزم المرأة سترُه في الصلاة لم يلزمها سترُ جميعِه خارجَ الصلاة.
ونظر المرأة إلى المرأة: كنظر الرجل إلى مَحْرَمه، أو كنظرِ الرجلِ إلى الرجلِ، في جميع ما تقدَّم؟ فيه خلافٌ.

ونظر الذمِّيَّة إلى المسلمة: كنظر المسلمة، أو كنظر الرجال الأجانب؟ فيه وجهان.

2248 -

فصل في نظر الرجل إلى المرأة

النساء أقسام: الأوَّل: المباحةُ للناظر، فله النظرُ إلى جميع بدنها، ويُكره النظرُ إلى فرجها، وأَبعدَ مَن حرَّمه ومَن فرَّق بين الظاهر والباطن، ويُكره للرجل النظرُ إلى فرج نفسه من غير حاجةٍ، ولا يَحْرُمُ.
الثاني: المَحْرمُ بقرابةٍ أو صهرٍ أو رضاعٍ، فله النظرُ إلى ما يبدو منها في المهنة كالساق والساعد والعنق والوجه والرأس، ولا يجوز إلى ما بين السرَّة والركبة، وفيما وراء ذلك وجهان، والثديُ في مدَّة الرضاع: كالساق، أو يُخرَّج على الوجهين؟ فيه طريقان.
الثالث 1: الأجنبيَّة، ويحرم النظر منها إلى ما عدا الوجه والكفَّين، فإن خِيفت الفتنة في الوجه والكفَّين حرّم اتّفاقًا، وإن لم يظهر خوفُ الفتنة، فالمسُّ محرَّم، والنظرُ جائزٌ عند الجمهور، محرَّمٌ عند آخرين؛ لإجماع المسلمين على منع النساء من التبرُّج سافراتٍ.
فإن أجزنا النظر إلى الكفّ فحدُّه إلى المعصم، وغَلِطَ مَن خصَّ الإباحة بالراحة، والنظرُ إلى ظهر القدم حرامٌ، وكذا أخمصُه على الأصحِّ، وفرَّقت

طائفةٌ بين الأَمة والحرَّة، وألحقوا الأمةَ بالمحارم.
وقطع الأصحابُ بتحريم النظر إلى الميتة، والعضوِ المُبان، وحرَّم الشافعيّ نظر الرجل إلى شعر الأجنبية الذي وصلَتْه الزوجةُ بشعرها.
وأجاز بعضهم النظر إلى قلامة أظفار اليدين دون الرجلين، وهذا يقتضي أنَّ ما حَرُمَ نظرُه متَّصلًا حَرُمَ نظرُه منفصلًا، وما لا فلا، ويبعد ذلك فيما لا يتميَّز بصورته، كالجلدة والشعرة والقلامة، بخلاف العقيصة الموصولة (1)؛ فإنَّها ممتازةٌ، ومبنى تحريمِ المناظر على تميُّز المنظور، فإن راعينا ذلك، فماذا نقول في نظر الرجل بعد الرجعة إلى شعرةٍ بانت من مطلَّقته قَبْلَ ارتجاعها؟ الرابع: الأمة المحرَّمةُ على المالك بتوثُّنٍ، أو تمجُّسٍ، أو كتابةٍ، أو ردَّة، أو نكاحٍ، أو عِدَّةٍ، فنظرُ مالكِها إليها كنظره إلى الإماء الأجانب.

2249 -

فصل في نظر المرأة إلى الرجال

نظر المرأة إلى زوجها ومالكها كنظرهما إليها في الفرج وغيره، وفي نظرها إلى المحارم وجهان: أحدهما: أنَّه كنظرهم إليها.
والثاني: الجواز في ما عدا العورةَ، واختاره المحقِّقون.1

وقال الأئمَّة: نظرها إلى الأجانب بمثابة نظرهم إليها، واختلفوا بعد ذلك، فقيل: لا تنظر إلا إلى الوجه والكفَّين، وقيل: تنظر إلى ما يظهر في المهنة، وقيل: نظرها إلى ما فوق سرَّةِ الرجل وتحتَ ركبته كنظره إلى وجهها وكفَّيها على ما تقدَّم من التفاصيل.

2250 -

فرع:

نظر المملوك إلى سيِّدته: كنظره إلى محارمه، أو إلى الأجانب؟ فيه خلافٌ، وإلحاقُه بالمحارم مُشْكِلٌ؛ لِمَا في ذلك من تجويز الخلوة.
ولا فرقَ في النظر بين الشابِّ، والشيخ الهِمِّ 1، والعنِّين، والمخنَّث، والمتشبِّه بالنساء، والمقطوع الذكر أوالأنثيين، فإن قُطعا جميعًا فهو كالمحارم عند الأكثرين.
والخنثى كالرجال، وأجاز له القفَّال النظر؛ استصحابًا لِمَا كان عليه في الصِّغر.
وأمَّا الصبيُّ؛ فإن لم يبلغ حدَّ الداعية إلى حكايةِ ما يرى، فلا أثر لحضوره، وإن بلغ حدَّ الحكاية والتشوُّفِ إلى الشهوات فهو كالرجل، وإن بلغ حدَّ الحكاية دون التشوُّفِ فهو كالمَحارم.
وحدُّ الحكاية؛ قبل: سِنُّ التمييز؛ وهو من مبادي الكَيْس 2،

وبدوِّ (1) الفطنة.
والتشوُّف: ثورانُ الشهوة قبل استقراره.

2251 -

فصل في إباحة النظر للحاجة

من رغب في نكاح امرأة فله النظر إلى وجهها وكفَّيها وإن خاف الفتنة 2، واستحبَّه الأكثرون، ولا يقف على إذنها، بل له أن يسرقها النظر، ولا يجوز إلى غير الوجه والكفِّ اتِّفاقًا, ولو أمر عجوزًا بالنظر إلى متجَرَّدها فلا بأس، والأَوْلَى تقديمُ النظر على الخطبة.
وإن مسَّت الحاجة إلى نظر الأجنبيات أو مسِّهنَّ؛ لمعالجةٍ، أو إقامةِ شهادةٍ، جاز بالأعذار، وضبط الإِمام الأعذار بكلِّ ما يبيح التيمُّم وفاقًا وخلافًا، وأجاز النظر إلى الوجه والكفَّين بكلِّ حاجة تساوي حاجةَ النظر إلى المخطوبة؛ فإنَّ الحاجة العامَّة كالضرورة الخاصَّة.
ثم قال: ويُحتمل أن تُضبط بكلِّ عذرٍ لا يَعُدُّ العقلاءُ التكشُّفَ لأجله هتكًا للمروءة، وهذا يختلف باختلاف الأعضاء، ويُحتمل إذا ضبطنا بأعذار التيمُّم أن يُرتَّب الخلافُ فيما دون الإزار على الخلاف فيما فوقه، فإذا كان في المرض المُضني فيما فوق الإزار قولان، ففيما تحت الإزار قولان مرتَّبان،1

ويُحتمل ألّا يُرتَّب ذلك.
ثم قال: وفي النفس من هذا شيءٌ، فينبغي أن يجوز التكشُّفُ بالمرض المُضني قولًا واحدًا، وإن كان في التيمُّم بسببه قولان، فعلى هذا يُباح التكشُّف حيث يُباح التيمُّم اتِّفاقا، وحيث يكون في إباحته قولان ظاهران.

2252 -

فرع:

يجوز النظر إلى فرج الزاني لإقامة الشهادة عند الجمهور، خلافًا للإصطخري.

2253 -

باب ما على الأولياء في إنكاح البكر

إذا دعت البالغةُ العاقلةُ وليَّها إلى التزويج من كفءٍ لزمته الإجابة، وغلط مَن قال: لا يلزم المجبر.
ولا يصحُّ الإيصاء بتزويج البنات، ولا يصحُّ النكاح إلا بوفي، فإن حكم حنفيٌّ بصحَّته ففي نقض حكمه وجهان.
ولو قال الوليُّ: وكِّلي عن نفسك مَن يزوّجك، فوكَّلَتْ، لم يصحَّ، وإن قال: وكِّلي عنّي، فوجهان مأخذُهما: أنَّ وكيل الوكيل نائبٌ عنه، أو عن الموكّل؟ فإن وُطئت في النكاح بلا وليٍّ وجب مهرُ المثل، ولا حدَّ على المذهب، وأوجبه الصيرفيُّ.
وإن أقرَّت بالنكاح؛ فإن أضافتْه إلى نفسها لم يُقبل، وإن أضافتْه إلى الوليِّ فقولان: القديم: أنَّه لا يُقبل إلا أن يكون الزوجان في بلدِ غربةٍ، فتُسلَّم إلى الزوج؛ لعسر حضور الوليِّ، فإذا رجعا إلى الوطن؛ فإنْ حَكَمَ الحاكم بنفوذ الإقرار لم يُنقض، وكذا إن لم يحكم به عند الجمهور، خلافًا لأبي محمد.
والجديد: قبول إقرارها إن قيَّدته بشرائط النكاح، وإن أطلقت ففيه

خلافٌ كالخلاف في الدعوى المُطْلقةِ بالنكاح، والأصحُّ: قبول الدعوى والإقرار.
وإن أقرَّت في حضور الوليِّ رُوجِع؛ فإن صدَّقها سُلِّمت إلى الزوج، وإن كذَّبها فوجهان.
وإن أقرَّت في غيبة الوليِّ سُلِّمت إلى الزوج، فإن حضر الوليُّ وأكذبها، فقد قال الإِمام: إن اعتبرنا تكذيبه بتقدير حضوره، فهذا كتفريع القديم إذا تصادقا في الغربة ثم رجعا إلى الوطن، وإن لم نَعتبِر تكذيبه، فالظاهر أنَّه لا يُعتبر ها هنا.

2254 -

فرع:

لا يُقبل إقرار الوليِّ عليها بتزويجها إلا في حالٍ يملُك فيها الإجبار، فإنْ كانت ثيِّبًا، فقال: زوَّجْتُها لمَّا كانت بكرًا، لم يُقبل؛ لأنَّ الاعتبار بحالِ الإقرار.

2255 -

فصل في تزويج الثيِّب والأبكار

يختصُّ الإجبار بالآباء والأجداد في حقِّ الأبكار، فيجبرونها وإن كانت بالغةً عاقلة كارهة للنكاح، والأفضلُ استئذانُ البالغة، وإذنُها صماتُها.
وإن عيَّنت كفؤًا، فزوَّجها منه، صحَّ، وإن زوَّجها من غيره فوجهان، اختار الإِمام الصحَّة.
والبكارةُ: جلدة العُذْرَة، فمتى زالت بوِقاعٍ محلَّل أو محرَّم أو شبهةٍ

ثبت حكمُ الثيِّب، وإن زالت بغير الوقاع فوجهان، وفي دخول مثلِها تحت الوصيَّة للثيّب أو الأبكار تردُّدٌ لأبي محمد، وأَبعدَ مَن قال: لا تدخل في واحد منهما, ولها سبعُ ليالٍ من حقِّ القَسْمِ، وخرَّجه أبو عليٍّ على الوجهين.
وليس للأب إنكاحُ الثيِّب وإن كانت صغيرةً إلا بإذنها بعد بلوغها، وفي الثيِّب الصغيرة المجنونة وجهان.
وليس لغير الأب والجدِّ تزويجُ الصغيرة بحالٍ، ولا تزويجُ البالغة إلا بإذنها، وفي اكتفاء غير الأب والجدِّ بصمت البكر بعد استئذانها وجهان.

2256 -

فصل في تزويج المجنونة

إذا بلغت المرأة مجنونةً، فالنظرُ في مالها للأب والجدّ اتّفاقًا، وكذلك تزويجُها إن كانت بكرًا، وإن كانت ثيِّبًا: فهل يستقلُّ الأب أو الجدُّ بتزويجها، أو يُلحقان بالعصبة؟ فيه خلاف، وظاهر النصِّ: الاستقلال.
وإن جُنَّت بعد البلوغ؛ فإن جُعل النظر في مالها للسلطان، فالأبُ في حقِّها كالعصبات، فإن لم يكن أبٌ ولا جدٌّ، جاز التزويج إن احتاجت إلى النكاح.
ولا تُزوَّج لمصلحةِ نفقةٍ أو غيرها على الأصحِّ؛ لأنَّ تزويجها إجبار، فلا تملكه العصبة ولا السلطان.
وهل يزوِّجها إذا احتاجت العصبةُ أو السلطان؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يزوِّجها العصبة، فلا بدَّ من إذن السلطان، وإن قلنا: يزوِّجها السلطان،

فالمستحبُّ أن يشاور العصبةَ، وأَبعدَ مَن أوجبَ المشاورة.

2257 -

فصل في تزويج الابن الصغير

إذا كان الابن الصغير مجنونًا لم يُزوِّج على المذهب؛ لعدم حاجته، ولمَا يلزمه من مؤن النكاح، وفيه وجهٌ ضعيف، وإن كان عاقلًا زوَّجه الأب أو الجدُّ، فإن كان ممسوحَ الذكر والأنثيين، فوجهان ذكرهما أبو محمد؛ إذ لا حاجة به إلى النكاح وإن كان كبيرًا.
فإن كان عاقلًا لم يزوِّج إلا بإذنه، مطلَقًا كان أو محجورًا، وإن كان مجنونًا زُوِّج للحاجة، ولا يُزوَّج للاستصلاح؛ إذ لا يُرجَى له صلاحٌ.
ويزوِّجه الأب أو الجدُّ إن بلغ مجنونًا، وإن بلغ عاقلًا ثم جُنَّ، ففيمن يزوِّجه خلافٌ مبنيٌّ على الخلاف في ولاية المال.
ويزوِّج من الصغير العاقلِ أربعًا؛ لِمَا يُتوقَّع من صلاحه بعد البلوغ، وأَبعدَ مَن منع الزيادة على واحدة، ولا يُزاد المجنونُ على واحدة؛ إذ لا يُرجَى صلاحه.
وفي السفيه خلافٌ، فإنَّ رجاء رشده أقرب من رجاء الإفاقة.
وتظهر حاجة المجنون والمجنونة بتشوُّفهما إلى النكاح، أو تحْكم الأطبَّاء بأنَّ فيه شفاءً، ولا عبرةَ بطلبهما، وحيث اعتبرنا الاستصلاح فلو زوَّج الوليُّ على خلافه فهو كتزويج البكر من غير كفؤ.
ولا يُضرب لامرأة المجنون أَجَلُ العنَّة، ولا نفقةَ للمجنونة إذا تعذَّر

وقاعُها بسبب جنونها.
ولو غاب الابن المستقلُّ، وأشرف مالُه على الضياع، لم يَجُزْ للأب التصرُّفُ فيه وإن فُقد الحاكم.

2258 -

فصل في الشهادة على النكاح

لا ينعقد النكاح إلا بحضور شاهدين، ذكرين، حرَّين، بالغين، مسلمين، سميعين، وفي الأعميين وجهان، واختار الإِمام البطلان، وينعقد بحضور عدلين، وكذا بالمستورين على النصِّ، وتُباح المرأة بذلك، وأبعدَ مَن قال: لا ينعقد.
وفي مستوري الحرِّيَّة تردُّدٌ لأبي محمد.
وإن حضر ابنان للزوجة، وابنان للزوج، انعقد اتِّفاقًا، وإن حضر ابنان لهما، أو لأحدهما، أو ابنٌ للزوجة وابنٌ للزوج، فأوجهٌ ثالثها: الإبطال إلا إذا حضر ابنان لأحدهما.
وإن حضر عدوَّان لهما أو لأحدهما، أو عدوٌّ للزوجة وعدوٌّ للزوج، فعلى الأوجه الثلاثة.

2259 -

فرع:

إذا عُقد بمستورَيْنِ، فثبت فسقُهما حالَ العقد، ففي بطلانه قولان، كما في نقض الحكم، ولا عبرة بقولهما: كنَّا فاسقين، كنظيره في الحكم.
وإن قال الزوجان: عرفنا ذلك حال العقد، حُكم ببطلانه، ووجب

مهرُ المثل بالوطء.
وإن تزوَّجها بعد ذلك ملك عليها ثلاث طلقات، وإن اعترف الزوج وحده ارتفع النكاح، وتشطَّر المسمَّى قبل الدخول، ولزم جميعه بالدخول، فإن نكحها بعد ذلك رجعت بطلقتين على ما ذكره الصيدلانيُّ.
ولو نكح أمةً، ثم اعترف بوجدان الطَّول عند العقد، فقد نصَّ الشافعيُّ على أنَّها تَبينُ بطلقة، ويُشكل إيقاعُ الطلاق في الصورتين من غير إنشاء ولا إقرار.
ولو قال الزوجان: لم نعرف الشاهدين (1) حال العقد، ثم تذكَّرنا فسقَهما، احتُمل التخريج على القولين.
ولو علم الزوج عند العقد أنَّ الشاهد مجروح جرحَ الرواية فالظاهر: أنَّه لا ينعقد، ويُحتمل إلحاقُه بالمستور ما لم يثبت جَرْحُه عند الحاكم، وكان أبو محمد يستتيب المستورين عند العقد، ويتردَّد في أنَّ توبةَ المُعْلنِ بالفسق هل تُلْحِقُه بالمستور؟ فإنْ ألحقناه بالمستور، فراجع الفسقَ على الفور، فلا أثر لتوبته على الظاهر، وفيه احتمال.

2260 -

فصل في ولاية الفاسق

لا ولاية لمن بلغ فاسقًا أو مبذِّرًا؛ فإنَّه محجور عليه، وإن بلغ رشيدًا، ثم بذَّر؛ فإن أعدنا الحجر بنفس التبذير فلا ولاية له، وإن قلنا:1

لا يعود إلا بالحاكم، فلا ولاية له عند أبي محمد؛ فإنَّه لا يصلح للولاية وإن نفذ تصرُّفه في حقِّ نفسه.
وإن بلغ رشيدًا ثم فسق، لم يَعُدِ الحجرُ على الأصحِّ، وولايتُه باقيةٌ على النصِّ القديم والجديدِ، وبه قطع القفَّال، واختاره الإِمام؛ فإنَّ السلف لم يعترضوا على أنكحة الفسَّاق، وقد قال الشافعيُّ: لا يلي السفيهُ، فحمله القفَّال على المخبَّل المحجور عليه؛ لعدم رشده، وذكر غيره في الفاسق قولين.
وقيل: إن كان أبًا أو جدًّا ولِيَ؛ لقوَّة سببه، وإلا فلا.
وقيل: إن لم يكن مُجْبَرًا وَلِيَ، وإلا فلا، وعلى هذا: لو زوَّج البكرَ بإذنها صحَّ.
وولايةُ الفاسق لمال ابنه كولايته النكاحَ وفاقًا وخلافًا عند المحقِّقين، وعند أبي عليٍّ، وصاحب "التقريب"، فإن منعنا ولاية الفاسق فله تزويج أمته على الأصحِّ، ولو توكَّل في قبول النكاح صحَّ، وإن توكَّل في إيجابه فوجهان، وفي العبد وجهان مرتَّبان، وأولى بالبطلان.
وإن وكَّل الزوج عبدَ نفسه في القبول صحَّ اتِّفاقًا، وإن وكَّل عبدَ غيره صحَّ إن أذن السيِّد، وكذا إن لم يأذن على المذهب، ولا وجه لمنع ذلك؛ إذ لا ضرر على السيِّد فيه، فأشبهَ التهليل والتسبيح.
وللأعمى أن يقبل النكاح اتِّفاقًا.
وإن فسق الوالي؛ فإن قلنا: ينعزل، لم يملك التصرُّف، وإن قلنا: لا ينعزل، ففي صحَّة تزويجه وجهان؛ فإنَّ التزويج قد يُمنع مع قيام

الولاية، كما في المُحْرِم.

2261 -

فصل في تزويج السفيه

يجوز تزويج السفيه للحاجة، وفي الاستصلاح خلافٌ يَبْتَنِي عليه جوازُ الزيادة على الواحدة، ولا يصحُّ نكاحه إلا باتِّفاقه واتِّفاق الوليّ، وأيُّهما أذن للآخر فعقدُه صحَّ.
ولو أذن للسفيه في بيع معيَّنٍ صحَّ على المذهب، وكلُّ تصرُّفٍ يُراجَعُ فيه فإنَّه ينعقد بعبارته، وكذلك ما لا يُراجع فيه على المذهب، ولا يقف التصرُّفُ في ماله على مراجعته.
ومتى طَلبَ النكاح للحاجة وجبت الإجابة، ولا يقف ذلك على قوة جبلَّته وضعفها, ولا على حكم الأطبَّاء، فإنْ مَنَعه، فنكح بنفسه، أو منعه الطعامَ والكسوةَ ونحوَهما، فاشترى ذلك، ففي نفوذ تصرُّفه للعراقيين وجهان خصَّهما الإِمام بنكاح الحاجة، وبتعذُّر مراجعة الحاكم، ورتَّب شراء الطعام والكسوة على النكاح، ورآهما أولى بالنفوذ.
ولو استطعم الوليَّ، فمنعه، فله أن يأخذ من ماله قَدْرَ الحاجة.
وإذا أذن له في النكاح فالأَولى أن يعيِّن المرأة والصَّداق، فإن عيَّن أحدَهما دون الآخر جاز، وتَقَيَّدَ بمهر المثل، فإن زاد بطلت الزيادة، ولم يُطالب بها في الحجر، ولا بعد الطلاق.
ولو قال: تزوَّج ممَّن شئتَ، ففي صحَّة هذا الإذن وجهان، فإن منعناه،

فتزوَّج ووافق المصلحة لم يصحَّ، وإن أجزناه، فنكح شريفةً يستغرِقُ مهرُ مثلِها مالَه، لم يصحَّ على أظهر الاحتمالين، وإن مسَّت حاجتُه، فلم يجد إلا مَن لا ترضى إلا بأكثر من مهر المثل، ففيه احتمال.
ولو قال للعبد: انكح مَن شئتَ بما شئتَ، فله نكاحُ مَن شاء بما شاء، فإنْ زاد على صَداق المِثْلِ تعلَّقت الزيادةُ ومهرُ المثل بكسبه.
ولو أذن له في مهر المثل، فزاد صحَّ اتِّفاقًا، وتعلَّق مهر المثل بكسبه، والزيادة بذمَّته؛ يُطالَب بها بعد الإعتاق.
ولو أذن للعبد أو للسفيه بنكاح امرأة معيَّنة، أو علَّق الإذن بصفةٍ أو وقتٍ، فخالفا في ذلك، لم يصحَّ النكاح.
ولو أذن لكلِّ واحد منهما في نكاحِ معيَّنةٍ بألفٍ، فنكح كلُّ واحد منهما ما عيَّن له بألفين، صحَّ الإصداق في حقِّ العبد، وبطل في حقِّ السفيه، بخلافِ ما لو نكحا غيرَ المعيَّنة، ويُحتمل أن يبطل إصداقُ العبد، فلا تلزمه الزيادة، كما لو ضمن بغير إذن السيِّد، ولكن فرِّق: بأنَّ الزيادة ها هنا تابعةٌ للمأذون، بخلاف الضمان، وهذا تكلُّفٌ؛ فإنَّ من قواعد الدين أنَّ الجمع بين المسألتين إذا كان أظهرَ من الفرق وجبَ اجتماعُهما في الحكم وإن انقدح فرقٌ بعيد.
ولو توكَّل رجلٌ في قبول نكاحٍ بألفٍ، فقَبِلَه بألفين، لم يصحَّ النكاح على المذهب، وأبعدَ مَن صحَّحه.
ولو أتلف السفيهُ ما اشتراه بغير إذن الوليّ، لم يضمنه إلا أن يشتريه من سفيه.

ولو وطئ في نكاح فاسد، ففي وجوب المهر وجهان، فإن أوجبناه لزمه مهرُ المثل، وأَبعدَ مَن أَوْجَبَ أقلَّ ما يجب إصداقُه، ولا فرق بين السفيهة والرشيدة فيما يتعلَّق بالنكاح.
ولو كان السفيهُ مطلاقًا، سُرِّيَ بجارية، ولم يُزوَّج.

2262 -

فصل في إجبار الرقيق على النكاح

للسيِّد تزويجُ العبد برضاه، وفي إجباره على النكاح أقوال، ثالثها: جواز إجبار الصغار دون الكبار.
ولو طلب العبد النكاح، ففي إجبار السيِّد قولان، وقال العراقيُّون: إن قلنا: يُجبر العبد، فلا يُجبر السيِّد، وإلا فقولان، فإن قلنا: يُجبر، فامتنع، ففي استقلال العبد من التفصيل والخلاف ما ذكرناه في استقلال السفيه إذا منعه الوليُّ.
ولا يجبِر السيِّد مَن نصفُه حرٌّ، وفي إجباره السيِّدَ قولان.
وللسيِّد إجبارُ أمته، ولا تُجْبِره إن حلَّت له، وإن حَرُمَتْ فقولان.

2263 -

فصل فيما يلزم العبدَ من حقوق النكاح

إذا نكح بالإذن تعلَّق المهر والنفقةُ وحقوقُ النكاح بأكسابه، وما في يده من مال التجارة اتِّفاقًا، وفي التعليق بالأرباح وجهان، وهل يلزم المالكَ ضمانُ ذلك؟ فيه قولان.

ولو تمتَّع في النسك بالإذن، ففي ضمان الدم قولان مرتَّبان، وأولى بألا يضمن؛ لأنَّ له بدلًا، وذكر العراقيون قولًا ثالثًا، فقالوا: إن كان كسوبًا لم يضمن، وإن كان غيرَ كسوبٍ ضمن، سواءٌ عَلِمَ السيِّد بأنَّه كسوب أو جَهِلَ، فإنْ كان عند العقد كسوبًا، ثم امتنع كسبُه بآفةٍ، سقط القولُ الثالث، والعجز عن بعض الكسب كالعجز عن كلِّه.
فإن قلنا: لا يضمن، وهو الجديدُ الأصحُّ، لزمه تمكينُه من الاكتساب، ولو قيَّد الإذن بالضمان لم يصحَّ؛ لأنَّه ضمانُ ما لم يجب.
وإن ضمن المهرَ بعد العقد صحَّ، وإن ضمن نفقة الاستقبال لم يصحَّ، إلّا أن يذكر مدَّةً معلومةً فقولان.
ولو استخدمه، أو سافر به، جاز عند المراوزة، وامتنع عند العراقيين إلا أن يضمن حقوق النكاح، وفيما قالوه نظر؛ فإنَّه ضمانُ نفقةٍ في الاستقبال.
وينبغي ألا يزول التعلُّقُ بالأكساب إلا بالأداء، فإن استخدمه، أو سافر به مُحِقًّا أو مبطلًا، لزمه الغرم اتِّفاقًا، وفيما يَغْرَمُه قولان: أحدهما: الأقلُّ من أجرة المثل أو حقوق النكاح؛ من المهر وغيره.
والثاني: يغرم جميع الحقوق من المهر وغيره وإن زادت على أجرة المثل.
فإن قلنا: يغرم الحقوق، فهل يغرمها في تلك المدَّة، أو إلى انتهاء النكاح؟ فيه وجهان يقربان من القولين كيفداء العبد الجاني؛ فإنَّه قد يتَّفق له في تلك المدَّة كسبٌ يفي بالحقوق، كما يتَّفق زبونٌ يشتري الجانيَ بالأرش.

ويُحتمل أن يُلحق الاستخدام بما لو قتل السيِّد عبده الجاني؛ فإنَّه لا يلزمُه إلا القيمةُ على المذهب، ويُحتمل أن يفرَّق بأنَّه أذن له في النكاح، بخلاف الجناية.
ولو استخدمه أجنبيٌّ لزمه أجرةُ المثل لا غير.
ويُصرف كسبُ كلِّ يوم في النفقة، فإن زاد الكسبُ على النفقة صُرفت الزيادة في المهر إلى أن يُستوفَى بهذه الجهة، وليس [للسيد] 1 استخدامه ليلًا، وعليه التخليةُ بينه وبين الاستمتاع.
وللسيِّد المسافرةُ بالأمة المنكوحة اتِّفاقًا, ولا يضمنُ ما فات من الاستمتاع.
ولو تزوَّج العبد أو السفيهُ بغير إذن، ودخلا، فالمذهبُ: أنَّه لا شيء على السفيه، وعلى العبد مهرُ المثل في ذمَّته، وفيه قولٌ: أنَّه يتعلَّق برقبته، وأنكره بعض الأصحاب، وجعله حكايةً من الشافعيِّ لمذهب غيره.
ولو أذن للعبد في النكاح، فنكح نكاحًا فاسدًا، ووطئ، فهو كما لو نكح بغير إذنٍ، وفيه قولٌ: أنَّ المهر يتعلَّق برقبته؛ بناءً على أنَّ اسم النكاح يتناول الصحيح والفاسد.
ولو حلف لا يبيع، لا يحنث بالفاسد، وخُرِّج فيه قولٌ من النكاح.
ولو نكح بالإذن، وفسد الصداق من جهة التسمية، تعلَّق بكسبه قولًا واحدًا.

2264 -

فرع:

للزوج المسافَرةُ بزوجته الحرَّة حيث شاء، ويلزمُها التسليمُ ليلًا ونهارًا، وعلى السيِّد تسليمُ الأمة ليلًا, ولا يلزمُه التسليم في النهار اتِّفاقًا، وهل يملك إنزالَها مع الزوج في بيت من داره؟ فيه قولان.
ويجب كمالُ نفقتها إن سُلِّمت ليلأونهارًا، وإن سُلِّمت بالليل دون النهار فوجهان، فإن قلنا: يجبُ، فهل يجب الجميعُ، أو الشطرُ؟ فيه وجهان، ولو سلَّمت الحرَّة نفسَها بالليل دون النهار، فهل تسقطُ النفقة، أو شطرُها؟ فيه وجهان.

2265 -

فصل في شراء المرأةِ زوجَها

إذا ملك أحدُ الزوجين صاحبَه انفسخ النكاح، فإذا ضمن السيِّد الصَّداق، أو قلنا: يضمنه بالإذن، ثم اتَّهبت المرأة زوجَها، أو اشترته بغير الصداق، صحَّ المِلْكُ، وانفسخ النكاح.
وهل يُضاف انفساخُه إليها لأجل قبولها، أو إلى السيِّد لأجل إيجابه؟ فيه قولان أصحُّهما: الإضافة إلى المرأة.
فإن كان ذلك قبل الدخول؛ فإن أضفنا الفسخَ إليها سقط المهر، وإن أضفناه إلى السيِّد تشطَّر، وفي سقوط شطرها وجهان مبنيَّان على أنَّ مَن ملك عبدًا له عليه دينٌ، ففي سقوط دَيْنه بتملُّكه وجهان.
وإن اشترته بالصداق قبل الدخول؛ فإن أضفنا الفسخَ إليها، بطل الشراء، واستمرَّ النكاح؛ فإنَّ الشراء لو صحَّ لانفسخ النكاح، وسقط

الصداق، وهو الثَّمنُ، ولا بيع إلا بثَمَنٍ، وإنَّما سقط الصداقُ عن المالك لأنَّه كفيلٌ، وقد برئ ببراءة الأصيل.
وإن أضفنا الفسخ إلى البائع؛ فإن أسقطنا دين العبد بتملُّكه بطل الشراء، واستمرَّ النكاح، وإن لم نسُقط الدَّينَ، بطل البيعُ في النصف، وخُرِّج الباقي على تفريق الصفقة.
وإن اشترته بعد الدخول بالصَّداق؛ فإن أسقطنا الدَّين بالتملُّك بطل الشراء، وإن لم نُسقِطه صحَّ الشراء، وانفسخ النكاح.

2266 -

فرع:

إذا كانت الزوجةُ أمةً، وقد ضمن السيِّد المهر، ثم باعه من مالك الأمة بالمهر أو بغيره، صحَّ البيعُ، واستمرَّ النكاح.
فإن باعه بالصداق برئ منه، وإن باعه بغير الصَّداقِ فعلى تفاصيل التقاصِّ.

2267 -

فصل في الدَّور وفيه صور

الأولى: إذا زوَّج أمته بعبدٍ لغيره، ثم قبض الصَّداق، وأتلفه، ثم أعتقها قبل الدخول في مرض موته، وقيمتُها قدرُ الثلث، فإنَّها تَعْتِقُ، ولا يثبت لها خيارُ العتق؛ إذ لو فَسَخَتْ لسقط الصداق، وصار دينًا على الميت، وبطل العتق في بعضها، وبطل النكاح، وكذلك لو بقي الصَّداق بيده، أو بيد مالك العبد، ولكن كانت الجاريةُ مع الصداق بقَدْرِ ثلث التركة.
الثانية: رجل مات عن أخٍ وعبدين، فأعتقهما، فعُدِّلا، ثم شهدا بزوجةٍ

وولدٍ للميت، فيثبت النكاحُ وإرثُ الزوجة، فإن كان الولد ابنًا ثبت نسبه عند الأكثرين، ولا يرث؛ فإنَّه لو ورث حجب الأخ، وبطل العتق، والشهادة، والزوجيَّة، والنسب، والإرث، وأَبْعدَ مَن قال: لا يثبتُ النسب ولا الإرث.
وإن كان الولد بنتًا؛ فإن كان الأخُ مُعْسِرًا عند العتق لم يثبت النسب، ولا الزوجيةُ، ولا الإرثُ، وإن كان موسرًا، وقلنا بتعجيل السراية، ثبت الإرث، وهذه من مسائل المعاياة (1). الثالثة: إذا أوصى لزيد بابنه، فمات زيدٌ بعد موت الموصي، وقَبْلَ قبول الوصيَّة، وخلَّف أخًا، فقَبِلَ، صحَّ القبول، وعتق الابنُ، ولم يرث؛ إذ لو ورث لحجب الأخ، وبطل القبولُ والعتق.
ولو خلَّف زيدٌ ابنًا آخر، فقبل أخاه الموصَى به؛ فإن قلنا: تُملك الوصيَّةُ بالقبول، لم يشارِك أخاه القابل في الإرث؛ لرقِّه عند الموت، وإن قلنا: تُملَك بالموت، أو وقفنا المِلْكَ، لم يرث على الأصحِّ؛ إذ لو ورث لم يكن القابِلُ جميعَ الورثة، ولا يصحُّ قبول بعض الورثة بجميع الموصَى به.

2268 -

فصل فيمن أعتق أمته على أن تتزوَّج به

إذا قال لأمته: أعتقتك على أن تتزوَّجيني، أو قالت: أعتقني على أن1

أتزوَّجك، فأجابها, لم تعتق حتى تقبل، فإنْ قبلت لزمها قيمتُها, ولم يلزمها التزوُّجُ به؛ فإنَّ العقود لا تلزم في الذمم، ولا تُجعل أعواضًا.
فإن تزوَّجته بقيمتها؛ فإن عَلِماها صحَّ، وإن جهلاها، أو جهلها أحدهما، لم يصحَّ على الأصحِّ، وقيل: يصحُّ؛ لأنَّ المقصود منه الإسقاطُ دون الاستيفاء.
ولو لزمها قيمةُ عبدٍ أتلفتْه، ثم تزوَّجت بمالكه على تلك القيمة، فالوجه: الإبطالُ، والقياسُ: طردُ الخلاف فيه.

2269 -

فرع:

قال في "التقريب": إن قال لأمته: إن قدَّر الله بيننا نكاحًا فأنتِ حرَّةٌ قبله بيوم، فمضى يومٌ، فتزوَّجها؛ فإن أبت لم تَعْتِقْ، وإن أجابت صحَّ النكاح؛ لتقدُّم العتق عليه، وبه قطع أبو محمد، وخرَّجه بعضُهم على وقف العقود، وقيل بتخريجه على مَن زوَّج جاريةً أبيه على ظنِّ حياته، فبانت وفاتُه عند النكاح.
ولو قالت المرأة لعبدها: أعتقتُك على أن أنكحك، أو: على أن تنكحني، عتق وإن لم يقبل، ولا قيمةَ عليه، كما لو أعتقتْه على أن تهبه ألفًا، وقيل: لا يَعْتِقُ إلا بالقبول، وإنْ قَبِلَ لزمَتْه القيمةُ؛ لأنَّ ذلك ممَّا يُقصد بذلُ العِوَض فيه، وهذا باطلٌ بما لو طلَّق امرأته على ألا تحتجب منه أبدًا؛ فإنَّه ممَّا يقصده بعض الناس.

2270 -

باب اجتماع الولاة وتفرُّقهم

أسباب الولاية: التعصيبُ، والولاء، والسلطنة؛ فتُقدَّم العصبات، ثم الموالي، ثم السلطان.
ويُقدَّم من العصبات الأبُ، ثم الجدُّ، ثم الإخوةُ، ثم أبناؤهم، ثم الأعمام، ثمّ أبناؤهم، ثمّ أعمام الأب، ويترتَّبون كترتُّبهم في الإرث، إلا في ثلاث صور: الأولى: الابنُ أَوْلَى بالإرث، ولا يزوِّجُ أمَّه بالبنوَّة، ويزوِّجها بسائر الأسباب، كالقضاء والولاية.
الثانية: الجدُّ يقاسم الإخوة في الإرث، ويقدَّم عليهم في الإنكاح.
الثالثة: إذا اجتمع مَن يُدْلي بالأبوين ومَن يُدْلي بالأب كالإخوة وبنيهم، قُدّم مَن يُدْلي بالأبوين في الإرث، وهل يُقدَّم في الأنكاح، أو يستويان؟ فيه قولان، فإن قدَّمنا مَن يدلي بالأبوين، فاجتمع ابنا عم أحدُهما أخٌ لأمٍّ، أو ابنا مُعْتِقٍ أحدهما ابن المرأة، أو ابنا ابن عم أحدهما ابنها، ففي تقديم الأخ والابن خلاف، واختار الإِمام التسوية.
وإن اجتمع الأخُ للأب والأخ للأبوين في الصلاة على أخيهما، أو في الوصيَّة للأقرب، فالمذهب: تقديم الأخ للأبوين، وأبعدَ مَن أجرى القولين

في الصورتين.
وإن اجتمع أخو المعتِقِ لأبويه، وأخوه لأبيه، فالإرثُ للأخ للأبوين على الأصحِّ، وإن اجتمعا في التزويج فطريقان: إحداهما: أنَّه كالإرث.
والثانية: فيه القولان.

2271 -

فصل في التزويج بالولاء

إذا عُدم العصبة فالولاية للمُعْتِقِ، ثم لعصباته، ثم لمُعْتقه، ثم لعصباته، ثم لمعتق المعتق، وكذلك أبدًا، ويُقدَّم ابن المعتِقِ على أبيه، وأبوه على أخيه.
وتترتَّب عصباتُ المعتِقِ كترتُّب عصبات النسب إلا أنَّ الابن لا يزوِّج أمَّه، وابنُ المعتقة يزوِّج العتيقة.
وإن اجتمع جدُّ المعتِقِ وأخوه، فهل يستويان لاستوائهما في الدرجة، أو يُقدِّم الأخ لقوَّة عصوبته؟ فيه قولان مأخذُهما المعنيان.

2272 -

فرع:

إذا أعتق الأمةَ اثنان، لم ينفرد أحدُهما بالتزويج اتِّفاقا، بل يوكل أحدهما الآخر، أو يوكِّلا أجنبيًّا، فإن عَضَلا، أو عَضَلَ أحدُهما، زوَّجها السلطان.
وإن خلَّف كلُّ واحد منهما ابنًا، لم ينفرد بالتزويج.

ولو خلَّف المعتِقُ ابنين فلكلّ واحد منهما الاستقلالُ، ولو ترك أحدهما ابنًا، وترك الآخر ابنين كان كلُّ واحد من ابني أحدهما بمثابة معتِقِ النصف.

2273 -

فرع:

أولياء المرأة يزوِّجون مملوكتها بإذنها دون إذن المملوكة، ويزوجون عتيقتها بإذن العتيقة دون إذن المعتِقة، وقيل: يُشترط إذن المعتِقة، فإن أبتْ رُوجع السلطان؛ لينوب عنها في الإذن، ويزوجُها الأولياء.

2274 - فرع: إذا اجتمع ابن المعتِقة وأبوها، فالولايةُ للأب في حياة المعتِقة على المذهب، وللابن بعد موتها على الأصحِّ.

2275 - فرع: المذهب: جوازُ إنكاح مَن بعضُها حرٌّ، وأبعدَ مَن منع ذلك، فإن قلنا: تزوَّج، فإن قلنا بتوريثها زوَّجها المالك والعصبةُ على الأصحّ، وأبعدَ مَن قال: يزوِّجها المعتِق والمالك، وأبعدُ منه مَن قال: يزوِّجها السلطان والمالك، وإن قلنا: لا تُورَّث، زوَّجها السلطان والمالك على الأصح، وقيل: يزوِّجها المعتِق والمالك.

2276 - فرع: إذا أعتق في المرض المَخُوف أمةً لا يملك غيرها، فزوَّجها عصبتُها، ففي صحَّة النكاح وجهان: اختيار ابن الحدَّاد: البطلانُ، وعلى مذهبه: لو كان مالكًا لِمَا يخرج من ثلثه ففي صحَّة النكاح تردُّد واحتمالٌ؛ فإنَّ تصرُّف المريض ضعيفٌ،

والأموالُ عرضةٌ للنقصان، وفحوى كلامه: أنَّ المريض لو زوَّجها صحَّ، وهذا لا يستقيم؛ فإنَّ العصبة تُقدَّم على المولى.
والثاني: يصحُّ الإنكاح؛ فإنَّ تصرُّفات المريض مبنيَّة على ظاهر الحال، وقد يصحُّ النكاح بناءً على الظاهر، كما يصحُّ بحضور مستورَيْنِ، فإنْ بان خلافُ ما ظننَّاه نقضناه.
ولو وهب المريض مالًا، وأقبضه، فللمتَّهب التصرُّف، فإن مات الواهب نُقض ما يجب نقضُه، وقُرِّر ما يجب تقريرُه.
قال أبو عليٍّ: قياسُ ابن الحدَّاد ألا تنفذ تصرُّفات المتَّهب، وأن يحرم عليه الوطءُ والإنكاح، فإن قال بذلك خالف نصَّ الشافعيِّ، وإن نفَّذ تصرُّف المئهب عَسُرَ عليه الفرقُ.
وإن قلنا: يصحُّ النكاح، فَعَتَقَتِ الأمةُ بموت المالك عن مالٍ، تُخْرَجُ من ثلثه، أو برئ من مرضه فقد بيَّنَّا صحَّة النكاح واستقرارَه، وإن مات معسِرًا؛ فإنْ ردَّ الوارث العتق بَطَلَ النكاح، وإن أجاز؛ فإن جُعلت الإجازة ابتداءَ عطيَّةٍ بان فساد النكاح، وإن جُعلت تنفيذًا فقد بانت الصحَّة في الابتداء والانتهاء.
وقال الإِمام: يلزمُ هذا القائلَ أن يقول: إذا برئ المريض فقد بانت الصحَّة في الابتداء والانتهاء، وإن ملك مالًا، أو أجاز الوارث، احتُمل التصحيحُ في الابتداء والانتهاء، واحتُمل التخريجُ على إنكاح جارية الأب على ظنِّ الحياة، ثم ظهورِ الوفاة.

2277 -

فصل في التزويج بالسلطنة

يزوِّج السلطان إذا فُقد الوليُّ الخاصُّ، أو سافر، أو عَضَلَ، أو أراد التزويج بموليته، وفي تزويج المجنونة البالغة خلاف.
وتزويجُه عند فَقْدِ الأولياء نيابةٌ عن المسلمين، على ما ذكره الأصحاب.
والكفاءة حقٌّ للمرأة والأولياء، فإنْ رضيت بغير كُفءٍ فلهم المنعُ والإجابةُ، فإن لم يكن لها وليٌّ سوى السلطانِ فقد قطع أبو محمد بالإجابة، ونقل الصيدلانيُّ أنَّها لا تُجاب؛ فإنَّ السلطان ناظرٌ للمسلمين، فلا يَدَعُ النظر.

2278 -

فصل في تنارع الأولياء في الإنكاح

إذا اتَّحدت درجة الأولياء، فدعتهم المرأة [إلى] 1 التزويج بكفء، فعضَلوا أثموا، وإن دعت أحدهم، فعضل مع إمكان تزويج الآخَرِين، ففي إثمه وجهان.
والعضلُ حرامٌ عند الأصحاب وإن كان بحضرة السلطان، وقال الإِمام: لا يحرم إلا إذا غاب السلطان.
وإن تنازعوا في التزويج؛ فإنْ فوَّضَتْه 2 إلى أحدهم اختصَّ به، فإن زوَّجها بإذنها من غير كفءٍ بغيرِ رضاهم، ففي صحَّة الإنكاح طرقٌ: إحداهنَّ: الصحَّة، كبيع الشِّقص المشفوع.

والثانية: البطلان؛ لأنَّ عاره لا يُتدارك بالفسخ.
والثالثة: قولان؛ فإن صحَّحناه فللأولياء فسخُه.
وإن أذنت لكلِّ واحدٍ منهم أن يستقلَّ، فالأَوْلى أن يفوِّضوه إلى الأسنِّ الأفضل، فإن أبَوا لم يُكره، واقترعوا، فإن زوَّجها القارع صحَّ، وكذا إن زوَّجها غيره على الأصحِّ، ولا يُكره لغيره التزويجُ عند الإِمام إلا أن يكون المُقْرعُ هو السلطان، وأبعدَ مَن أبطل إنكاحَ المقروع، ولا أدري: هل يجري الإبطال في تقارع الأولياء؟

2279 -

فصل فيما ينافي الولاية وينقلها إلى الأبعد

وهو الجنون المطلَق، والصِّبا، وحَجْر السفَه، وما يُسقِط الرأيَ والنظر من تغفُّلٍ أو غَميزةٍ في العقل يُحمَّق بها صاحبُها وإن كان صحيحَ البدن حافظًا للمال، وكذلك المرضُ المزمنُ، أو السقمُ المؤلمُ الذي يتبلَّد صاحبه بين العجز والضجر، ولا يُحتمل الفكرُ في أمرِ نصِّ الشافعيِّ على ذلك، واتَّفقوا عليه، وكذلك اختلافُ الدِّين إسلامًا وكفرًا في الوليِّ الخاصّ، واليهوديَّةُ مع النصرانيِّ كأهلِ ملَّةٍ واحدةٍ.
فهذه كلُّها تُناقِضُ الولاية، وتنقلُها إلى الأبعد، وفي العمى وجهان.

2280 -

فصل في سفر الوليِّ

لا تبطل الولاية بالسفر وإن طال، ولا تنتقلُ الولاية إلى الأبعد، ولو

أَجبر البكرَ في غيبته عنها نفذ إجباره.
فإن طلبت المرأة الإنكاح من السلطان، فقد قال الشافعيُّ: لا يزوِّجها السلطان حتَّى يَشهد شاهدان بنفي العِدَّة، والنكاح، والوليِّ الحاضرِ، وهل يُستحبُّ ذلك، أو يجب؟ فيه وجهان: أحدهما: يُستحبُّ؛ لأنَّ الاعتماد في العقود على أقوال أربابها، فمن باع ما في يده لم يبحث الحاكم عن ملكه.
والثاني: يجب؛ احتياطًا للأبضاع، ولكنَّه يَبطل بتزويج الرجل جاريةً في يده، فإن أوجبناه فالاحتياطُ فيه كالاحتياط في حصر الورثة والإعسار، فلا يشهد به إلا من يَخْبَرُ بواطن المرأة، وإن قلنا: يُستحبُّ، فتركَه، فقد أساء، ويصحُّ الإنكاح.
وإن طَلَبت المبادرة إلى ذلك؛ فإن أوجبنا البحث لم يُجِبْها إلى البِدار، وإن استحببناه ففي البِدَارِ خلافٌ بين أهل الأصول.
فإن كانت الطالبة بكرًا مجبَرةً، فجوَّز الحاكم أن يكون وليُّها قد زوَّجها في الغيبة، ففيه هذا التفصيلُ والخلاف، فإن طالت الغيبةُ وعسُر البحث فالظاهر: وجوبُ إجابتها.
وإن كانت ممَّن لا يُجبَر، وادَّعت أنَّها لم تأذن لوليِّها الغائبِ في التزويج، فالقولُ قولها, وللسلطان تحليفُها، وكلُّ يمين يَحتاط بها السلطان، ولا تتعلَّق بالدعوى، فهل تجب أو تُستحبُّ؟ فيه وجهان.
ولو أشرف مالُ الغائب على الضَّياع، وعَسُرتِ المراجعةُ، فللسلطان بيعُه وإن جوز أن يكون الغائبُ قد باعه من آخَر؛ لأنَّ الاحتياط للمشتري

كالاحتياط للبائع.
ولو ادَّعت المطلَّقة ثلاثًا أنَّها تحلَّلت لزوجها الأوَّل، وانقضت عِدَّتُها فللزوج الأوّل نكاحُها إنْ أَمْكَنَ صدقُها, ولم يُلزِمه أحدٌ بالاحتياط؛ لأنَّه من خصائص الولاة.
والسفر الذي يزوِّج بسببه الحاكمُ ما بلغ مسافةَ القصر، فإنْ بلغ مسافة العَدْوَى لم يزوِّجها حتى يراجع الوليَّ، وفيما بينهما وجهان.
ومسافة العَدْوَى (1): ما يقطعها المبتدئ بالسفر صبيحةَ يومه، ثم يرجعُ إلى منزله قبل أن يُجِنَّه الليل.

2281 -

فصل في الإغماء والجنون المقطّع

إذا طلبت المرأة النكاح والوليُّ زائل العقل؛ فإن قلَّ زمن الزوال، كالصرع والغشية من المرَّة الصفراء، لم تُزوَّج حتى يفيق، وإن طال زمنُ الإغماء، أو تقطَّع الجنون، فهل تبطل الولاية، وتنتقل إلى الأبعد، أو لا تبطل، أو يبطلها الجنون دون الإغماء؟ فيه ثلاثة أوجه أصحُّها: آخرها.
فإن قلنا: لا تبطل بالجنون والإغماء، فحكمهما حكمُ السفر: إن طالت1

مدَّتُهما إلى حدٍّ تُقطع في مثله مسافة القصر ذهابًا وإيابًا على الاقتصاد، زوَّجَها الحاكم، وإن بلغا مسافةَ العدويِّ لم يزوِّجْ حتى يفيقا، وفيما بينهما وجهان.
ويُرجع في قِصر المدَّة وطولها إلى الأطبَّاء؛ فإنَّه يختلف بالأشخاص، وتنوُّع الإغماء.
وأمَّا زمنُ إفاقة المجنون؛ فإن خلت من الخبل رجعت الولايةُ إليه، وإن اشتملت على خبلٍ يُحمل مثلُه من العاقل على الحِدَّة وسوء الخلُق، ففي عَود الولاية وجهان، وإن قلَّ وقتُ الإفاقة بحيث يتماسك في مثله المجنون المطبِقُ فهو مجنونٌ في تلك الأوقات، وإن قلَّ الهيجُ إلى حدٍّ يطرأ مثله على العاقل إذا تلظَّى غضبُه فليس بجنون.

2282 -

فرع:

إذا طلبت المرأة تعجيل النكاح حيث أوجبنا المراجعة بالسفر أو الإغماءِ، فلا تُجاب إلى ذلك، ولو لم يكن لها وليٌّ سوى السلطان فله التأخير للنظر والرأي بقَدْرِ مسافة العَدْوَى.

2283 -

فصل في إحرام الوليِّ

الإنكاح محرَّم على المُحْرم، وفي بطلان ولايته بالإحرام وجهان، فإن قلنا: تبطل، انتقلت إلى الأبعد وإن قلَّ زمن الإحرام؛ فإنَّ الإحرام يسلب العبارة، فأشبه ما لو بقي لحظةٌ من بلوغ الغلام، وإن قلنا: لا تبطل، فالإحرام كالسفر؛ إن طال زوَّجَ الحاكمُ، وإن كان على مسافة العَدْوَى لم

يزوِّج حتَّى يتحلَّل، وفيما بينهما وجهان.
ولو أنكح المُحْرِمُ، أو وكَّل فأنكح وكيلُه، بطل التوكيلُ والإنكاح.
ولو وكَّل الحلالُ، ثم أحرم أو أحرم وكيلُه، انعزل على الأصحِّ، ولا تعودُ الوكالة بالإحلال، فإن قلنا: لا ينعزلُ بإحرام الموكِّل، لم يملك التزويجَ حتَّى يتحلَّل موكِّلُه، فيزوِّج حينئذٍ.

2284 -

فصل في تزويج السكران

إذا أبطلنا ولاية الفاسق فلا ولاية للسكران، وإن أثبتنا ولاية الفاسق فقد خرَّج الأصحاب ولايةَ السكران على تصرُّفه؛ فإن نفَّذناه صحَّ إنكاحُه، وقال أبو محمد: لا يصحُّ؛ إذ لا نظر له، وهذا استدراكٌ حسن، وإن أبطلنا تصرُّف السكران فالسُّكْرُ كالإغماء، وقد مضى حكمُه.

2285 -

فصل في التوكيل في النكاح

يجوز التوكيل في إيجاب النكاح وقبوله، فإنْ وكَّل المجبِرُ صحَّ اتِّفاقًا إن عيَّن الزوجَ، وإن لم يعيِّنه فقولان.
وإن أذنت لغير المجبِر في التزويج؛ فإن عيَّنت الزوجَ صحَّ، وإن لم تعيِّنه فقولان مرتَبان، وأولى بالصحَّة؛ لِمَا له فيه من الحظِّ، بخلاف الوكيل، فإن جوَّزنا الإطلاق في التوكيل، أو في الإذن للوليِّ، تَقَيَّدَ بإنكاح الكفء إلا أن تقول: زوِّجني ممَّن شئتَ، كفؤًا كان أو غير كفءٍ، فيتخيَّر

الوليَّ، وإن قالت: زوِّجني ممَّن شئتَ، ففي تخيُّره وجهان أظهرهما: التخيُّر، كما لو قال لوكيله: بِعْ مالي بما شئت، فله بيعُه بما عزَّ وهان، فإن حملنا قولها على تخيُّر الوليِّ فقد خرَّجه الأصحاب على القولين في التعيين، وقال الإِمام: إذا أسقطت الكفاءةَ فينبغي أن يسقط التعيين.
وإن أَذِنَتْ لغير المجبِر في التوكيل، ونهته عن التزويج، لم يصحَّ الإذنُ عند الأصحاب، وإن أذنت له في التزويج والتوكيل صحَّ اتِّفاقًا، وإن أذنت في التزويج، ونهت عن التوكيل، لم يصحَّ التوكيل اتِّفاقًا.
وإن أطلقت الإذنَ في التزويج، فهل يملك التوكيل؟ فيه وجهان، فإن لم نشرط التعيين، فعيَّنت للوليِّ زوجًا، فأطلق الوليُّ التوكيل، فاتَّفق تزويجُ الوكيل من المعيَّن، فسد على الظاهر عند الإِمام؛ لفساد صيغة التوكيل، واعتبره بما لو قال الوليُّ للوكيل: بيع مال الطفل بما عزَّ وهان، فباع بالغِبطة، فلا يصحُّ على الظاهر عنده.
وفيما ذكره نظر؛ فإنَّه إذا أذن في البيع بما عزَّ وهان، فينبغي أن يبطل تفويضُه فيما هان، ويبقى فيما عزَّ، فينفذ به تصرُّفُه، وكذلك إذا أذن الوليُّ على الإطلاق، فصادف تزويج المعيَّن، فينبغي أن يصحَّ من جهةِ أنَّ لفظ الإذن صالحٌ لاندراج المعيَّن فيه وتناولِهِ.

2286 -

فصل في كيفيَّة تزويج الوكيل

لا يخاطب الوليُّ وكيلَ الزوج، بل يقول: زوَّجت فلانةَ من فلان،

أو: من هذا، فيقول الوكيل: قبلتُ له هذا النكاح، فإن اقتصر على قوله: قبلتُ، وجوَّزنا ذلك في غير صورة الوكالة، فهاهنا وجهان؛ إذ لا خطاب بين الوليِّ والوكيل.
ولو قال: زوَّجتك فلانةَ، فقال: قبلتُ، ونوى موكِّلَه انعقد للوكيل، بخلاف نظيره من البيع؛ فإنَّ البُضع لا يقبل النقل بعد العقد، ويقولُ الوكيل في الإيجاب: زوَّجتُك فلانةً، ولا يُشترط إضافة التزويج إلى الوكالة؛ فإنَّ الأسباب المفيدة للتصرُّف لا يجب ذكرها، كما لا يُضيفُ المالك التزويج إلى ملكه، ولا يذكر الوليُّ سبب ولايته.
ولو قال: زوَّجَ موكِّلي فلانٌ ابنتَه منك، لم يصحَّ؛ فإنَّ وكيل الوليِّ مزوِّج على الحقيقة، ووكيل الزوج ليس بمتزوِّجٍ، ولهذا لو حلف لا يزوِّج ابنته من زيد، فقبل زيدٌ نكاحَها بالوكالة، لم يَحْنَثْ، ولو قال: لا أتزوَّج من زيد، فتوكَّل زيدٌ في الإيجاب، فقَبِلَه منه، حنث.
ولو قال: لا أتزوَّج، فقَبِلَ النكاح بالوكالة، لم يحنث إلا أن يقول: لا أتزوَّج لفلان، ثم يقبل له النكاح.

2287 -

فصل في ولاية الكافر

لا يزوِّج المسلمُ ابنته الكافرة، ولا الكافرُ ابنتَه المسلمة، ويزوِّج ابنتَه الكافرة، وللإمام تزويجُ الكوافر حيث يزوِّج السلطان.
وأبعد الحَليميُّ، فألحق الكفر بالفسق، وقال: لا يقبل المسلمُ نكاح

جارٍ التحميل