كتاب السير
3563 -
أقام - صلى الله عليه وسلم - بعد النبوَّة بمكَّة ثلاثَ عشرة سنة، ثمَّ هاجر إلى المدينة، فوقعت غزوةُ بدر في السنة الثانية من الهجرة، وأُحُد في الثالثة، وذاتُ الرقاع في الرابعة، والخندق في الخامسة، وغزوة بني النَّضِير ومُرَيْسِيع وعمرة الحُدَيبية في السادسة، وخَيْبر وعمرة القضاء في السابعة، وفتح مكة، ثمَّ هوازن في الثامنة، وتبوك في التاسعة، وفيها حجَّ أبو بكر بالناس، وحجَّة الوداع في العاشرة، وعاش بعدها اثنين وثمانين يومًا، وأجمع المسلمون على أنَّا مأمورون بالجهاد، فتارة يتعيَّن، وتارة يُفرض على الكفاية
(1).
3564 -
فصل في بيان فرض الكفاية
القصد بفرض العين تكليفُ المأمور به، وبفرض الكفاية تحصيلُه [في نفسه] 2، ويتعلَّق فرضُ الكفاية بالأمور الكلِّية من مصالح الدنيا والآخرة؛1
كالعلم والجهاد، وما يصلح 1 به المعاش؛ كالحرث، والبيع، والشراء، والنكاح، والأمر بواجبات الشرع، والنهي عن محرَّماته.
ويجب ذلك على الولاة ولو بالقَهْر بالسلاح 2، ويجب على الكافَّة الأمرُ به من غير شَهْر سلاح بشرط أن يعرفوا وجوبَ ما يأمرون به، وتحريمَ ما يُنكِرون، ولا يختصُّ ذلك بالمجتهدين.
والولاة يأمرون العلماءَ، والعلماء يقيمون زيغَ الولاة.
وكذلك دفعُ الأذى عن المضطرين، وإغاثة المستغيثين.
وإذا فُرِّقت الزكاة، وخلا بيتُ المال من مال المصالح، وجب على كافَّة المُوسِرين 3 سترُ العراة، وإطعامُ الجياع بما تندفع به الضرورةُ، وفي تمام الكفاية التي يجب مثلُها في نفقة القريب خلافٌ بين أرباب الأصول، وكذلك احترامُ الموتى بالتجهيز والتكفين، والغَسل والصلاة، والدفن على هيئة الاحترام، وكذلك تحمُّل الشهادات، والانتصاب للولايات، وإعانة القضاة والولاة على العدل والإنصاف، وكذلك الشعائرُ الظاهرة التي يُشعر تركُها بالاستهانة بالدِّين، فمنها ما هو فرضُ كفاية، ومنها ما هو فرضُ عين؛ كإحياء الحرم كلَّ سنة بالحجِّ، ومنها [ما هو] 4 مختلَفٌ فيه؛ كالأذان، وصلاة الجماعة في غير الجمعة.
3565 -
فرع:
إذا عُطِّل فرضُ الكفاية، أثِم بذلك كلُّ من يؤمر به، وإن قام به مَنْ فيه كفايةٌ سقط عن الباقين، وإن قام به جمع أكثرُ من أهل الكفاية، فللجميع مرتبةُ الفرض، وليكن أهل فرض الكفاية على التبادر إليه دون التواكل، فإنَّه يؤدي إلى تعطيله، وإذا عُطِّل فرضُ كفاية، لم يأثم أهلُ الخِطَّة بتعطيله، بل يأثم به مَنْ يلزمه البحثُ عنه، فيأثم مَنْ علمه، ثمَّ أهل المحلَّة بتركهم البحثَ، فإن شاع في أهل البلاد، لزمهم تداركُه، فإن لم يفعلوا أثموا، ثمَّ يجري هذا التدريجُ حتَّى يأثمَ جميعُ من في الخطَّة.
3566 -
فصل في الجهاد المفروض على الكفاية
إذا كان الكفرة في ديارهم 1 غيرَ مُتَعلِّقين بطرف من بلاد الإِسلام، وجب على الإِمام أن يغزيَهم في كلِّ عام مرَّة، فيبعث إلى كلِّ صَوْب جندًا تنتشر من مثله النكايةُ في ذلك القطرِ، والإرعابُ.
ويسقط الفرضُ بإيقاع القتال في صَوْب واحد.
وقال الإمامُ: يجب إدامةُ الجهاد على حسب الإمكان، فإن أمكن استئصالُ الكلِّ، وجب، وإن لم يمكن، بدأ بالأهمِّ فالأهمِّ.
والواجبُ في هذا الباب 2 شيئان:
أحدُهما: مُفاتحتُهم بالقتال.
والثاني: التحرُّز منهم على الدوام من غير فُتور بعمارة الثغور، ونصب المرابطين، وإعداد الكراع والسلاح.
وإذا عَيَّن طائفةً للغزو, الزمتهم الإجابة، ويراعي فيهم الإمامُ النصفةَ في المناوبة، ولا يتحامل على طائفة بتكرير الإغزاء [مع ترويح] (1) الآخرين، [وتركهم إلى الدَّعة] (2).
3567 -
فصل فيمن يلزمه فرضُ الكفاية في الجهاد
يجب فرضُ الكفاية في الجهاد على كلِّ: ذكر، بالغ، عاقل، حرٍّ، مسلم، قويٍّ، بصير، سليم من المرض والعَرَج، قادر على الراحلة والعدَّة والسلاح، وعلى نفقته، ونفقة مَنْ يلزمه نفقتُه في الذهاب والإياب، فإن لم يكن له أهلٌ، ففي نفقة الإياب خلافٌ مرتَّب على الحجِّ، وأولى بألَّا يُشترط؛ لأنَّه سفر الموت.
ولا يُشترط أمنُ الطريق من اللصوص والكفَّار، وأبعد مَنْ شرطه في اللصوص، وهذا باطل؛ فإنَّ دفعَ اللصوص فرضُ كفاية، فهو نوع من الجهاد، ولا يجب الجهادُ على صبيٍّ ولا مجنون، ولا امرأة، ولا على قادر على المشي إلَّا أن تقربَ المسافةُ، ولا على العبد وإن أذن السيِّد؛ إذ لا حقَّ له في دَمِهِ حتَّى يعرِّضه للهلاك، ولو صِيل على السيِّد، لم يلزمه الدفعُ عنه إذا كان12
فيه تعرُّض للهلاك، وقلنا: لا يجبُ دفعُ الصائل؛ إذ لا حقَّ له في دمه، وله استصحابُه في السفر للسياسة والاستخدام.
ولا يجب الجهادُ على ضعيف ولا أعمى، ولا مريض ولا أعرج إذا كان المرضُ معجزًا عن الاستقلال بالقتال، فإن قدر على القتال، وكان مُفْضيًا إلى عَجْز، أو هلاك، لم يلزمه على الظاهر عند الإِمام، ولا يمنع العرجُ اليسير الذي لا يمنع من مُكاوحة القِرْن 1 عند الترجُّل للقتال، وإن قدر الأعرجُ على القتال راكبًا لم يلزمه، خلافًا للعراقيّين.
ولا يسافر للقتال مَنْ عليه دينٌ حالٌّ إلَّا بإذن غريمه، فإن أذن له، فالأظهرُ أنَّه يصير من أهل فرض الكفاية، وإن كان الدين مؤجَّلًا، لم يمنع من السفر لغير القتال، ولغريمه أن يخرجَ معه؛ ليطالبه عند المحلِّ، ولا يحلُّ له أن يداوره في السفر مداورةَ الملازم، ولا يُعتبر بقيَّة الأجل بالأمد الذي يتنجَّز في مثله السفر، كلُّ ذلك متَّفَق عليه، ولا مطالبةَ ولا مؤاخذةَ قبل الأجل، وهل له منعه من سفر الغزو؟ فيه أوجه:
أصحُّها: ليس له ذلك.
والثاني: يمنعه إلَّا أن يخلِّف وفاء.
والثالث: يمنعه وإن خلَّف الوفاءَ.
والرابع: يمنعه إلَّا أن يكون مرتزقًا.
3568 -
فصل في الغزو بغير إذن الأبوين
لا يحلُّ للولد أن يخرجَ للغزو إلَّا بإذن أبويه إلَّا أن يكونا كافرين، ولمستطيع الحجِّ أن يسافرَ للحجِّ، وإن كره أبواه اتِّفاقًا؛ لتعيُّنه عليه 1، وكذلك الخروجُ لتعلُّم ما يتعيَّن تعلُّمه، وإن خرج لطلب رتبة الاجتهاد بغير إذنهما؛ فإن كان في الناحية مَنْ يستقلّ 2 بالفتوى، جاز على الأصحِّ، فإن تعطَّلت الفتوى، عمَّ الحرجُ كلَّ متأخِّر عن الخروج لأجلها، وإن كان في الخارج رشد، فلا حاجة إلى الإذن [اتِّفاقًا، فإن خرج لذلك جمع، أو همُّوا بالخروج، ولأحدهم أبوان، فلا حاجةَ إلى الإذن] 3 على الأصحِّ.
وإن سافر لمباح؛ كالتجارة وغيرها، فقد قال الإمامُ: إن كان السفرُ دون مسافة القصر، جاز، وإن بلغ مسافةَ القصر، وغلب الأمنُ، فإن لم تطل مدَّة الذهاب والإياب، جاز، وإن طالت المدَّة؛ فإن كانت الرفاقُ متواصلةً، جاز، وإلَّا فلا، فإن ركب البحرَ؛ فإن أوجبنا ركوبَه للحجِّ، فقد يظهر وجوبُ الاستئذان، [وإن لم نوجبه، فلا بدَّ من الإذن، وأطلق القاضي القولَ بوجوب الاستذان] 4 في السفر المباح، وعنى بذلك ما بلغ مسافةَ القصر، ولا يبعد إلحاقُ الأبوين الكافرين بالمسلمين في السفر المباح.
3569 -
فصل فيمن يتعيَّن عليه الجهاد
إذا وطئ الكفَّار طرفًا من بلادنا، قلنا 1 حالان:
إحداهما: ألَّا نتمكَّن من التأهُّب لدفعهم، فإن علمنا أنَّا نُقتل وإن أُسرنا، وجب على كلِّ مَنْ وقف عليه كافر أو كفَّار أن يدفعَ عن نفسه بأقصى الإمكان، وإن كان من العبيد أو النسوان، وإن علمنا أنَّا نُقتل إن قاتلنا، ولا نبعد الأسرَ والفداء إن استسلمنا، جاز الاستسلامُ، وإن علمت المرأة أنَّها تُقتل إن قاتلت، وتُؤسر إن استسلمت، وتُقصد بالفاحشة، لزمها الدفعُ على الأظهر؛ فإنَّ الزنا لا يُباح بالإكراه، ويُحتمل تجويز الاستسلام إذا ظنَّت أنَّها تُقصد بالفاحشة، فإن قُصدت بذلك بَعْدَ الأَسْر، لزمها الدفعُ بأقصى الإمكان.
الحال الثانية: أن نتمكَّن من دفعهم عمَّا استولوا عليه، فيتعيَّن على أهل الناحية دفعُهم، وإخراجُهم، فإن لم يستقلَّ الأحرارُ بذلك؛ وجب على العبيد، وإن لم يأذن السادة، وإن استقلَّوا، ففي تعيينه على العبيد وجهان، ولا يتعيَّن على النساء إن لم يكن فيهنَّ قوَّة، وإن كانت فهُنَّ كالعبيد.
وإذا خرج أهلُ الكفاية، لم يسقط عن الباقين على ظاهر المذهب، وقيل: يسقط، وأمَّا غيرُ أهل الناحية: فلهم حالان:
إحداهما: أن يكونوا دون مسافة القصر، فإن لم يستقلَّ أهلُ الناحية، لزمهم أن يطيروا إليهم إن قدروا على الزاد، وكذلك إن استقلَّ أهل الناحية
على ظاهر المذهب؛ لأنَّهم كأهل الناحية.
الثانية: أن يكونوا على مسافة القصر فما فوقها، فإن لم يستقلَّ أهلُ الناحية، ومن كان منهم دون مسافة القصر، لزمهم أن يطيروا إليهم، فإن طار إليهم مَنْ يحصل به الكفايةُ، فالأظهرُ سقوطُه عن الباقين، وقيل: لا يسقط عن الذكور الأحرار، وفي النِّساء والعبيد وجهان، وكذلك الحكم في الأقرب فالأقرب، وإذا بلغهم الخبر، فلبثوا؛ تعويلًا على حركة مَنْ هو أبعدُ منهم، لم يجز اتِّفاقًا.
وإن كان في أهل الناحية كفاية، فتشمَّروا لذلك، فلا شيءَ على من فوق مسافة القصر عند المحقِّقين، وقيل: يجب، ويصير المسلمون كأهل الناحية، فينهض لذلك أقربُهم فأقربهم، فإذا نهض لذلك مَنْ بلغه الخبرُ، فلا يزالون يُدانون 1 حتى يبلغهم خبر الكفاية.
ويُشترط القدرةُ على الزاد في مسافة القصر وما دونها, ولا يُشترط المركوب فيما دون مسافة القصر، وفيما فوقها خلافٌ، وأبعد مَنْ لم يشرط الزادَ حيث لا يُشترط المركوب؛ فإنَّ ذلك تعريضٌ للتلف من غير نفع لأهل الإِسلام.
3570 -
فرع:
إذا أسروا مسلمًا، أو مسلمين، ففي إلحاق ذلك بوطء الدار تردُّد، وقطع الإمامُ بإلحاقه بوطء الدار؛ لأنَّ حرمةَ المسلم (1) آكدُ من حرمة الدار، فإن كانوا بالقُرْب منَّا، طرنا إليهم؛ لإنقاذ الأسير، وإن توغَّلوا في بلادهم، وعلمنا أنَّهم يقتلون الأسرى إن لم نطر إليهم، فلا نبادر بذلك حتى ننظر فيما يقتضيه الرأيُ، فإنّا قد نعجز عن ذلك.
ولو وطئ دارنا ملكٌ عظيم نعلم أنّه لا يُلقَى إلَّا بالراية العظمى، فلا يُسارَعُ إليه طوائفَ وآحادًا، والرأي أولى بالرعاية من كلِّ شيء.
3571 - فرع: إذا استولوا على موات يُعدُّ من بلادنا, ولكنَّه بعيد من العمران، وجب دفعُهم عنه عند الأصحاب كما يدفعون عن الأوطان، واستبعده الإِمام.
3572 -
فصل فيما يجب تعلُّمه
العلمُ ضربان: فرضٌ على الكفاية، وفرضٌ على الأعيان، فكلُّ من تعيَّن عليه فعلٌ؛ كالصلاة والصيام، لزمه تحصيلُ العلوم الظاهرة بما يستمرُّ من أركانه وشرائطه دون ما يندر منهما 2، وكذلك الحكمُ فيمن ابتلي بنكاح أو غيره من المعاملات.1
وفرضُ الكفاية من العلم ما يزيد على المتعيَّن إلى رتبة الاجتهاد، وكذلك تعلُّم ما تُدفع به الشُّبَه الواردة على العقائد.
3573 -
فرع:
يتعيَّن على الآحاد التصميمُ على الاعتقاد المستقيم، ولا يلزمهم تعرُّف أدلَّة العقل، وحَلِّ الشبهات، فإن طرأ على أحدهم شكٌّ، لزمه أن يدأبَ في إزالته إلى أن يزول.
3574 - فرع: لا يكفي في الخِطَّة مُفتٍ واحد، بل ينتصب في كل قطر مَنْ يُرجَع إليه في الفتوى، واعتبره الفقهاء بمسافة القصر.
3575 - فرع: من شرع في التعلُّم، فأنس من نفسه رشدًا، أو توقُّعًا لدرجة الاجتهاد، لم يلزمه الإتمام، وغلط مَنْ ألزمه بذلك.
3576 -
فصل في السلام
إفشاء السلام سنَّة مؤكَّدة، وردُّه فرضُ عين، وفرضُ كفاية، فمن خُصَّ بالسلام تعيَّن عليه الردُّ، ولم يسقط بردِّ غيره، ولا يثبت شيءٌ على الكفاية إلَّا ويتطرَّق إليه التعيُّن؛ كتدارك المحتاجين، وغسل الميت ودفنه، والصلاة عليه.
وإن سلَّم على جمع، سقط الفرضُ بردِّ أحدهم، ولا يسقط بردِّ غيرهم،
فإن لم يردَّه أحدٌ منهم، أثموا كلُّهم، وإن التقى جمعان، كان السلام سنَّة كفاية، وردُّه فرض كفاية، فإن سلَّم واحدٌ من الجَمْعين على الجَمْع الآخر، فردَّه واحد منهم، حصلت السنَّة والفرض.
ويُسَلِّم على الواحد بصيغة الجمع، فيقول: السلام عليكم، ولو قلت: عليكم السلام، جاز، والأحسن أن تعطف الردَّ على السلام، فتقول: وعليكم السلام، أو تقول: والسلام عليكم، فإن قلت: عليكم السلام، [أجزأ، ولو] (1) قلت: عليكم، لم يجزئ، وإن قلت: وعليكم، فقد قيل: يجزئ، وقال الإِمام لا يجزئ؛ لأنَّك لم تذكر السلام، وقد قال تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86], فردُّها أن تقول لمن قال: سلام عليكم: وعليكم السلام، والأحسنُ أن تقولَ: وعليكم السلام ورحمة الله.
3577 -
فرع:
قال الأصحابُ: مَنْ سلَّم حيث لا يُستحبُّ السلام، لم يستحقِّ الجوابَ، فمَنْ كان على حاجة لا يجوز القربُ منه، أو لا تقتضي المروءةُ القربَ منه؛ كقضاء الحاجة، والتبذُّل في التدلُّك في الحمام، فلا يُسلَّم عليه، ولا يمتنع التسليمُ على المشتغلين بأشغال الدنيا؛ كالمتساومين وغيرهما.
وقال أبو محمد: لا يُسلَّم على الآكِل، وقال الإِمام: إن كانت اللقمةُ في فيه، لم يُسلَّم عليه، وإن سُلِّم عليه بعد بلعها، أو قبل رفعها، فلا يبعد إيجابُ الجواب.
ولا يجوز تسليمُ الرجل على الأجنبية، وليس لها أن تردَّ عليه السلام.1
3578 -
فرع:
قال أبو محمد: تشميتُ العاطس سنَّة على الكفاية، ولا يجب جوابُه.
3579 -
فصل في طريان الأعذار على المغازي
إذا خرج الغريمُ بإذن ربِّ الدين، أو الولدُ بإذن الوالدين، ثمَّ رجعوا؛ فإن بلغه خبرُ الرجوع قبل التقاء الصفَّين، لزمه الرجوعُ إن أمكن، وإن لم يمكن؛ لخوف الطريق، فإن لم تمكنه الإقامةُ في الطريق، مضى مع الجند؛ ليرجعَ معهم، وإن أمكنه الإقامةُ في الطريق، فالوجهُ إيجابُ الإقامة، وإن بلغه الخبرُ بعد التقاء الصفَّين؛ فإن خاف انفلالَ الأجناد لرجوعه، حرم الرجوعُ، وإن لم يخف ذلك، فهل يحرم الرجوعُ، أو يجب، أو يتخيَّر بين الرجوع والقتال؟ فيه ثلاثةُ أوجه.
وإن أسلم أبواه بعد الخروج، أو حدث عليه؛ دين؛ فإن أذن له الأبوان والغريمُ في الجهاد، أتمَّه، وإن لم يأذنوا، كان كرجوع الأبوين.
وإن مرض قبل الوقوف في الصفِّ، فله أن يرجعَ، وإن مرض بعد الوقوف في الصفِّ؛ فإن خاف اختلالًا في الجند، حرم الرجوعُ وإن خشي الموت والهلاك، وإن لم يخف الاختلالَ، لم يجب الرجوعُ، وفي جوازه وجهان.
3580 - فرع: إذا لابس الحربَ مَنْ هو أهلٌ لفرض الكفاية، ولا عذرَ له، تعيَّن عليه الجهادُ اتفاقًا، فإن طرأ عليه عذرٌ؛ فإن خاف انفلالًا حرم الانصرافُ، وإن لم
يخفه، فوجهان.
3581 -
فرع:
إذا شرع في صلاة الجنازة، لزمه إتمامُها، خلافًا للقفَّال، ومَنْ آنسَ من نفسه رشدًا في التعلُّم؛ فإن لم يكن في القطر غيرُه، لزمه الشروعُ والإتمام، وإن كان فيه غيرُه، لم يلزمه الشروعُ، وإن شرع، لم يلزمه الإتمامُ على الأصح؛ لأنَّ كل مسألة مستقلَّةٌ بنفسها، بخلاف صلاة الجنازة.
3582 -
فصل في قتل المحارم والاستعانة بالكفار
يُكره للغازي قتلُ محارمه من القرابات، وتشتدُّ الكراهة باشتداد القرب، وتخفُّ بسقوط المحرميَّة.
وإذا استعان الإمامُ بأهل الذمَّة على القتال؛ فإن علم أنهم لو غدروا لقاوم الفريقين، جاز، وإن عسرت المقاومةُ، فلا ينبغي أن يستعينَ بهم، ويحرم عليه أن يستصحبَ المخذِّل، وهو المرْجِف الذي يجبن القلوب، ويصرفها عن القتال، فإن حضر ردَّه الإِمام، فإن قاتل وقتل، فلا رضخَ له، ولا سهم، ولا سلَب، فإن تاب قُبلت توبتُه، ولا يُسهَم له حتَّى يُستبرأ في السرِّ والإعلان.
3583 -
فصل في الاستئجار على الجهاد
إذا استُؤجر المسلمُ على الجهاد؛ فإن استأجره الآحادُ، لم يصح اتِّفاقًا،
فإن فعل ما استُؤجر عليه، لم يستحقَّ المسمَّى، ولا أجرةَ المثل، كما لو حجَّ الصَّرورةُ عن غيره بالأجرة، وإن استأجره الإمامُ، لم يصحَّ على الأصحِّ؛ فإنَّ الجهادَ يقع عنه، فلا يُجمع له العوضان، فإن قلنا بصحَّة الإجارة، لم تثبت حقيقتُها عند القاضي، ويكون ما يأخذه إعانةً واجبة 1 على الأُهْبة، وأسباب الجهاد.
وإن استُؤجر الذمِّيُّ للقتال؛ فإن استأجره الآحادُ، لم يصحَّ عند الأصحاب، ولا يبعد تخريجُه على الخلاف في الاستئجار للأذان، وإن استأجره الإمامُ، صحَّ على المذهب؛ فإنَّه لا يقع عنه، وأبعد مَنْ صحَّح الجعالةَ وأبطل الإجارةَ؛ لجهالة الأعمال، فإن أجزنا الجعالةَ فلهم فسخُها، فإن فسخوها بعد التقاء الصفَّين، فينبغي أن يُمنعوا من الانصراف، وكذلك لو خرجوا بغير عوض، ثمَّ انصرفوا بعد التقاء الصفوف 2؛ لما يوجبه انصرافُهم من الاختلال.
وإن استأجر لذلك رقيقَ المسلمين، أو جعل لهم جعلًا؛ إن منعنا الإجارةَ، صحَّ إن جوَّزنا ذلك في الأحرار، وإن منعناه في الأحرار، ففي العبيد وجهان مأخوذان من الخلاف في تعيُّنهم للقتال إذا وطئ الكفَّار بلادَ الإِسلام.
3584 -
فصل في أجرة مَنْ أُجبر على الجهاد
إذا أجبر الإمامُ أهل الذمَّة على القتال مجَّانًا، فقد أساء، وتجب لهم أجرةُ المثل، فإن أطلقهم استحقُوا الأجرةَ من حين أُخرجوا إلى حين أُطلقوا، ولا تجب لما بعد الإطلاق إلى رجوعهم إلى الأوطان؛ فإنَّ منافعَهم رجعت إلى أيديهم يتصرَّفون فيها على ما يؤثرون، وإن أجبر بعض المسلمين على الجهاد، فلا شيء لهم، لوقوعه عنهم؛ ووافق الصيدلانيُّ على ذلك، وقطع بصحَّة الإجارة، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ الإجارةَ لو صحَّت لوجبت أجرةُ المثل بالإجبار.
ولو أجبر إنسانًا على غسل ميت، أو دفنه، فلا أجرةَ له عند الصيدلانيِّ، وقال الإِمام: تجب الأجرةُ في التركة، فإن لم يكن، ففي بيت المال، فإن لم يتَّسع لذلك، اتَّجه ألَّا تجب.
وإن عيَّن طائفَةً للغزو لزمهم ذلك، ولا يعيِّن غيرَ المرتزقة إلَّا لضرورة أو حاجة، ولا يبني شيئًا من أموره على مجرَّد التخيُّر من غير نظر واجتهاد، وإذا أجبر أهلَ الذمَّة على الخروج؛ فإن لم يقفوا للقتال، استحقُّوا أجرةَ الذهاب، وإن وقفوا للقتال، فهل يُلحق الوقوفُ بالقتال؟ فيه وجهان:
أحدُهما: يُلحق به، [فتجب الأجرةُ، كما يجب السهمُ بمجرَّد الوقوف.
والثاني: لا يُلحقُ به] 1، فلا يستحقُّون الأجرةَ إن لم يمنعهم من الانصراف، وإن منعهم، فوجهان.
وإن أجبر العبيدَ على الخروج، وجبت الأجرةُ وإن وقفوا, ولم يقاتلوا.
ومن قاتل بقَهْر، أو إجارة، فأجرته من مال المصالح، أو من رأس الغنائم؟ فيه وجهان.
3585 -
فرع:
إذا حضر الذمِّيُّ بإذن الإِمام، استحقَّ الرضْخَ، وإن حضر بغير إذن، لم يستحقَّه على الأصحِّ، وأبعد مَنْ قال: إن حضر بغير الإذن، استحقَّ، وإن نهاه عن الحضور، فحضر، فوجهان، ولم يذكر في قسم الغنائم سوى هذه الطريقة الضعيفة.
3586 - فرع: يبدأ الإمامُ بقتال مَنْ يليه من الكفَّار، فإن أمنهم، واقتضى الرأيُ بعثَ الجند إلى الأباعد، فعل ما يقتضيه الرأي.
3587 -
باب جامع السِّيَر
نقاتل اليهودَ والنصارى والمجوسَ حتَّى يبذلوا الجزيةَ، أو يُسْلِمُوا، ونقاتل من لا كتابَ له، ولا شبهةَ كتاب حتَّى يسلموا أو يُستأصلوا.
وترِقُّ النساءُ والمجانين والصِّبيان بنفس الأسر، ويُفعل بالرجال ما يقتضيه الرأيُ من القتل والإرقاق، والمَنِّ والفداء، وله أن يحبسَهم إلى أن يتَحتَّم (1) الرأي.
3588 -
فصل في أكل الغُزاة من طعام المغنم
للغازي أن يأكلَ من طعام المغنم قبل أن يُقسَم، ولا يلزمه قيمتُه، ولا يُحسب من سهمه، ولا يجوز له بيعُه وإقراضُه، ولا أن يأخذَ أكثرَ من حاجته، فإن احتاج إلى الشحم لتوقيح 2 الدوابِّ، لم يجز على الأصحِّ؛ فإنَّ العبرةَ بحاجة العلف والاقتيات، ويختصُّ ذلك بالأقوات، وعلفِ الدوابِّ،1
وفيما يغلب أكلُه، ولا يقتات؛ كالفواكه وجهان، ويمكن أن يُفرَّق بين ما يسرع فسادُه، ويعسر نقلُه، وما ليس كذلك.
ولا يجوز ذلك فيما لا يغلب أكلُه من الأطعمة؛ كالسُّكَّر والفانيذ، وكذلك الأدويةُ، والعقاقيرُ التي لا تُستعمل إلَّا دواء.
وأمَّا الحيوان: فيُساق منه ما تيسَّر سَوقُه، ويجوز ذبحُ الغنم اتفاقًا، والأصح: أنها كالطعام، وأبعد مَنْ أوجب القيمةَ على من يأكلها، فإن أكلوها بجلودها المسموطة، جاز، وإن سُلخت الجلودُ، رُدَّت إلى المغنم، ولا يجوز لمريضِهم تناولُ الأدوية إلَّا بقيمة، أو قسمة، ولكل واحد أن يأخذَ تمامَ حاجته، فإن أخذ أكثرَ من الحاجة، فأصلحه وطبخه، وأضاف به الغانمين، جاز، وإن أضاف به أجنبيًّا، لم يجز، وكان كالغاصب إذا ضيَّف أجنبيًّا بالطعام المغصوب.
ومن ملك من العلف والطعام قَدْرَ كفايته، جاز له الأخذُ، فإن كثر الجند، وقيل الطعامُ، قسمه الإمامُ على المحتاجين بقَدْر حاجاتهم دون من يملك قَدْرَ الحاجة، ومَنْ أتلف منهم شيئًا منه 1، ضمنه عند المحقِّقين؛ لأنَّهم كالضيفان.
[وإذا انجلتِ الحربُ، وحِيزت الغنائمُ، فلحق مددٌ، ففي تبسُّطهم في الطعام وجهان] 2.
وإن اقترض بعضُهم من بعض شيئًا من ذلك الطعام، أو باعه، ففيه أوجه:
أحدها -وهو المذهب-: فسادُ البيع، والقرض؛ لأنَّهما بمثابة ضيفين تبادلا لُقْمةً بلقمة، فيصير المقترضُ كأنَّه أخذ الطعامَ بنفسه، فإذا رجع المقرِضُ إلى دار الإِسلام، رُدَّ الباقي إلى المغنم قولًا واحدًا؛ لأنَّه لم يأخذه لنفسه، وقيل: يُخرَّج على الخلاف في ردِّ ما أخذه لنفسه.
والثاني: يطالبه 1 به، أو بمثله من طعام المغنم ما داما في دار الحرب، فإن أكله، ولم يبقَ من طعام المغنم شيءٌ، فلا شيءَ عليه، فإنَّ اختصاصَ اليد لا يُقابَل بالمملوك؛ كما لو أتلف على إنسان كلبًا، أو زبلًا، فلا يضمنه بما يملك، فإذا اتَّصلا بدار الإِسلام، فأخذه الإمامُ، ردَّه على المغنم اتّفاقًا، فإن عَسُر ذلك؛ لقلَّة الطعام، وكثرةِ الجُنْد، رُدَّ على سهم المصالح، وأبعد مَنْ جعله فيئًا، فإن تلف في يد المقترض، فلا شيء عليه.
والثالث: يبطل البيعُ، ويصحُّ القرضُ على ما ذكر في الوجه الثاني، فإن قلنا: يصحُّ البيعُ، فباع صاعًا بصاعين، لم يطالب إلَّا بصاع واحد كأحد الضيفين إذا بذل للآخر لقمةً بلقمتين.
ولا يجوز التبسُّطُ في الأطعمة إلَّا في دار الحرب سواءٌ أمكن شراءُ الطعام من دار الحرب، أو تعذَّر، كما تثبت رخصُ السفر للمترفِّه وغيره، فإذا تعلَّق الجندُ بطرَفٍ من دار الإِسلام، وتمكَّنوا من شراء الطعام، لم يجز الابتداءُ بالتبسُّط إن كان الطرفُ عامرًا، وإن لم يكن عامرًا، فوجهان، وإن
تعلَّقوا بدار لأهل الذمَّة، أو أهل العهد لا يساكنهم فيها مسلمٌ؛ فإن كانت الدارُ في قبضتنا، وهم ملتزمون لأحكامنا، فحكمُها حكمُ دار الإِسلام، وإن لم يكن كذلك، وكان أهلُها مهادنين لا يمنعون من بيع الطعام، فالظاهر أنَّها كدار الإِسلام.
3589 -
فرع:
إذا تعلَّقوا بدار الإِسلام، ومعهم فضلاتٌ من طعام المغنم، وعلف الدوابِّ، وجب ردُّها على أصحِّ القولين.
وقال أبو محمد: إن كان ممَّا يُقصد مثلُه، وجب ردُّه اتِّفاقًا، وإن لم يحتفل بمثله؛ كَكِسَر الخبز، ونفض السُّفَر 1، وبقية الأتبان في المخالي، ففيه القولان.
وقال الإِمام؛ إن أخذوا ما يغلب على الظنِّ مع تواصل السير أنَّه يفضل عنهم إذا تعلَّقوا بدار الإِسلام، وجب ردُّ الفاضل عمَّا يغلبُ على الظنِّ أنَّه ينفق في دار الحرب، فإن أخذوا ما لا يبعد إنفاقُه في دار الحرب، فاتَّفق أن فضلت منه فضلةٌ، ففيه أقوال؛ يُفرَّق في الثالث بين ما يُقصدُ مثله، وما لا يقصدُ، فإن أوجبنا الردَّ، فردَّها قبل قَسْم الغنائم، ضُمَّت إليها، وقُسمت معها، وإن ردَّها بعد القسمة؛ فإن أمكن فضُّها على نسبتها، فعلنا ذلك، وإن عسر الفَضُّ؛ لقلَّتها، وكثرة الغزاة، فقد قيل: يُردُّ إلى سهم المصالح، وهذه غفلةٌ؛ (إذ يمكن) 2 إفرازُ خمُسه، وإنَّما يستقيم هذا في أربعة الأخماس، ثمَّ ينقدح فيها
الخلافُ المذكور فيما يفضل من طعام القرض.
3590 -
فصل في كتب أهل الحرب وما لا يُخمَّس من أموالهم
كتبُ أهل الحرب من جملة الغنائم إن كانت ممَّا يجوزُ تعلُّمه؛ كالطبِّ، والحساب، وإن كانت محرَّمةً؛ ككتب الشرك، والهجْو 1 من الأشعار؛ فإن لم يمكن الانتفاعُ بجلودها، وأوعيتها، مُحِقت، وإن أمكن الانتفاعُ بالجلود والأوعية، مُحيت، ورُدَّت الجلودُ والأوعيةُ إلى الغنائم، فإن لم يمكن المحوُ إلَّا بالتمزيق، والتحريق، أُحرقت، ومُزِّقت، ولا تُترك بأيدي الناس.
ووافق الإمامُ على كتب الهجو والخنا والفحش الذي لا خيرَ فيه، وقال في كتب الكفر: إن كانت مقالتُهم فيها مشهورةً، أُبطلت، وإن لم تكن مشهورةً، فهل نتركها؛ لنعرفَ مقالتَهم، ونردَّ عليهم؟ فيه تردُّد، واحتمال.
ويختصُّ الفيءُ والغنائمُ بما يملكه الكفار، ومباحُ دارهم كمباح دار الإِسلام يختصُّ به مَنْ أخذه، ولا يُخمَّس، وكلُّ مال لو وُجد في دار الإِسلام، لكان لُقَطةً، فإنه يُخمَّس إذا وُجد في دارهم، ويكون فيئًا إن أُخذ بالرعب، وغنيمةً إن أُخذ بالقتال، فإن أمكن أن تكونَ اللُّقَطة لمسلم، وجب تعريفُها على الجند إن لم يكن في دار الحرب سواهم، ولا نظرَ إلى إمكان طُروق بعض التجَّار، فإن عرَّفها مسلم، أخذها، وإن لم تُعرف، فحكمُها ما ذكرناه.
ومَنْ دخل دارَ الحرب خُفْيةً، وسرق منها شيئًا، اختصَّ به اتّفاقًا, ولو وجد إنسان مالًا ضائعًا في دار الحرب، لم يفرض فيه إرعاب، ولا أخذٌ بالقوَّة؛ فإن لم يتوصَّل إليه إلَّا بعُدَّةٍ، فهو فيءٌ، وإن أمكن الوصولُ إليه بغير عدَّة، وجب أن يختصَّ به آخذُه؛ كالسَّرقة؛ فإنَّ الفيءَ ما يُؤخذُ من أيديهم بالرعب، والغنيمةَ ما يُؤخذ بالقتال، فما خرج عن ذلك أُلحق بالسَّرقة.
3591 -
فصل في قتل الأسرى
إذا رأى الإمامُ قتلَ الأسرى، فشكَّ في بلوغ بعضهم، فإن نبتت لحيتُه، أو شعرُ إبطه، أو خَشُنَ شعرُ شاربه، قتله، ولم يكشف عن مؤتزره، فإن لم يكن كذلك، كشف عن مؤتزره، فإن أنبت، قتله، وإن لم يُنْبِتْ، تركه، ولا عبرةَ بالصُّدْغ المعدود من شعر الرأس، وكذلك اخضرارُ الشارب عند الإِمام، فإن شاهدنا الإنبات، فقال: استعجلته بالمعالجة؛ فإن جعلنا الإنباتَ بلوغًا، قتلناه، وإن جعلناه دليلَ البلوغ، حلَّفناه، ولم نقتله.
3592 -
فصل في وجوب المصابرة وجواز الفرار
إذا التقى الصفَّان، وقابل كلَّ مسلم كافرٌ أو كافران؛ فإن كان مع المسلمين عُدَّة وسلاح 1، فالفرارُ كبيرةٌ، وإن اختصَّ الكفَّار بالسلاح؛ فإن لم يكن في الملتقى حجارةٌ، جاز الفرارُ، وإن كان فيه حجارة، فأوجه، ثالثُها:
إن كان معهم مقاليع، حرم الفرارُ، والَّا فلا.
ولو علم المسلمون أنَّهم يُقتلون من غير نكاية في العدوِّ، جاز الفرارُ اتِّفاقًا، ووجب، وإذا جوَّزنا الفرارَ؛ فإن غلب على الظنّ أنَّهم يغلبوننا، استُحبَّ الفرار، وإن لم يغلب ذلك على الظنِّ، فالمصابرةُ أولى من الفرار، ومتى جاز الفرارُ؛ فإن كان في الثبوت هلاكٌ من غير نكاية، وجب الفرار، وإن لم يبعد الظفَرُ، ولو قُتلنا لكان يعد نكايةً ظاهرة، ففي وجوب الفرار وجهان.
3593 -
فرع:
إذا زاد الكفرةُ على ضعف المسلمين؛ فإن لم يغلب على الظنِّ أنَّهم الغالبون، جاز الفرارُ، وإن غلب على الظنِّ أنَّهم مغلوبون؛ بأن كانوا ضعفاء، ونحن أبطالٌ، فالظاهر تحريمُ الفرار، وأبعد مَنْ أجاز لمئة من الأبطال أن يفرُّوا من مئتين وواحد من ضعفة الكفَّار، وهل يجوز لمئة (1) من ضعفائنا أن يفرُّوا من مئتين من أبطال الكفار؟ فيه وجهان، ومَنْ يُجْري الخلافَ في الصورتين يعلِّل بأنَّ الاعتبارَ بما يغلب، أو بمجرَّد العدد.
3594 -
فصل في التحيُّز إلى فئة (2) والتحرُّف للقتال
إذا حرم الفرارُ فلا بأسَ بالتحيُّز إلى فئة مسلمة، ولا بالتحرُّف للقتال، فالتحرفُ: كالخروج من المضيق إلى السعة، أو التحوُّل من اليمين إلى الشمال؛ لما تقتضيه مصلحةُ التجاول في القتال، والتحيُّز: أن يتَّصل بفئة ناويًا12
للاستنجاد بهم، والعود إلى القتال.
فإن قربت الفئةُ بحيث يمكن أن يدركوا القتالَ الذي تُحيِّز منه، جاز، وإن بَعُدت، فوجهان، والأكثرون على الجواز، وإن كانت الفئةُ على غاية البعد بشرط أن ينويَ العَودَ إن وجد الأعوان، فإذا تحيَّز، لم يلزمه التجميعُ والاستنجاد، فإن اتَّفق جمع يغزون، ففي وجوب العَوْد احتمال.
والفرارُ المحرَّم أن يفرَّ على قصد ألَّا يعودَ، ولا يلزمه العَوْدُ اتِّفاقًا، ولا يجوزُ للإمام إلزامُه به، ولا يلزم من تجويز التحيُّز إلى الفئة البعيدة وقوعُ ذلك من جميع الغزاة؛ فإنَّ التحيُّزَ على عزم العَوْد جزمًا لا يُتصوَّر في العادة أن يقعَ من جميع الأجناد، فيجعل العزمُ على العود بدلًا من المُصابرة في حقِّ الآحاد.
وإن شرطنا قُرْبَ الفئة، فلم توجد فئةٌ قريبة، وجبت المصابرةُ، وشرط الإمامُ أن يستشعرَ المتحيِّزُ من المسلمين عَجْزًا مُحْوِجًا إلى الاستنجاد.
وإن جوَّزنا التحيُّزَ إلى فئة بعيدة، فغلب على الظن أنَّ التحيُّز يُقِلُّ 1 الجندَ، لم يجز التحيُّز.
وإذا ولَّى المتحيِّزُ، فانهزم الكفرةُ قبل انفصاله من جند الإِسلام، أُسهم له، وإن انهزموا بعد انفصاله، فوجهان، وقال الإِمام: إن تحيَّز إلى فئة بعيدة، لم يُسهَم له، وإن تحيَّز إلى فئة 2 قريبة، ففيه الوجهان.
3595 -
فصل في تترُّس الكفَّار بالنساء والصبيان
قتل النساء والصبيان حرامٌ إلَّا أن يقاتلوا، أو يتعلَّق بقتلهم غرضٌ ظاهر في القتال، فإذا وجد الغرضُ، فلنا حالان:
إحداهما: ألا يُقصد النساء، والصبيان، بل يقصد الحصونُ بالأسباب العامَّة؛ كنصب المجانيق، والإغراق، والإحراق، فإن تعذَّر الفتحُ بدون ذلك، أو أمكن ولكن بعد طول وعُسْر، جاز ذلك من غير كراهة.
الثانية: أن يُقصدَ قتل النساء والصِّبيان بأعيانهم إذا تترَّس بهم الكفَّار، فإن كان الكفَّار مُقْبلين على القتال، قصدناهم بالسلاح، ولا يُبالَى بإصابة النساء والصبيان.
وإن لم يقاتلوا, ولم يمكن قتلُهم إلَّا بقصد الترسة؛ فإن خفنا أمرًا مكروهًا، وجب قتلُ النساء والصبيان، وإن لم نخف ذلك، فقتلُهم حرام أو مكروه أو مباح؟ فيه ثلاثةُ أقوال؛ فإن قلنا: يُكره فتيسَّر فتحُ القلعة بغير هذه الأسباب، لم يحرم نصبُ المنجنيق، وفي كراهته خلاف، ولعلَّ الأوجهَ الكراهةُ، وذكر في "التقريب" في جواز قصدهم مع إمكان الفتح دون قتلهم قَصْدًا قولين، فحصل طريقان:
إحداهما: إجراء القولين مع إمكان الفتح.
والثانية: إجراؤهما مع تعذُّر الفتح، والطريقان متباعدتان.
3596 -
فصل في تترُّس الكفَّار بأسرى المسلمين
إذا تترَّس الكفار بأسرانا في قلعة، ولم يمكن الفتحُ إلَّا بالأسباب العامَّة؛
فإن علمنا أنَّها تصيبُ المسلمين، لم يجز نصبُها، وإن غلب على الظنِّ أنَّها لا تصيبهم؛ لتمكُّنهم من الاحتراز، ففي نصب المنجنيق قولان، وإن تترسوا بهم، فإن لم يقاتلوا، أو أمكن قتلُهم من غير إصابة المسلمين، فُعل ذلك بالسيف والسِّنان وغيرهما, ولا يجوزُ بالرمي؛ إذ لا يُوثَق به، وربما أصاب المسلم.
وإن قاتلوا وعَلم قِرْنُ المتترِّس أنّه يُقتل إن لم يقتل الترسَ، لم يجز له قتلُ الترس، فإن قتله، ففيه وفي المسلم إذا أكرهه حربيٌّ على قتل مسلم طريقان:
إحداهما: يجب القصاصُ اتِّفاقًا.
وأصحُّهما: التخريجُ على القولين في المكْرَه؛ هذا إذا لم يلتق الزحفان، فإن التقى الصفان، ولم يمكن المقاومةُ إلَّا بإصابة الترس، ففي جوازها للعراقيِّين وجهان خصَّهما الإِمام بأن يُخافَ اصطلام الجند، وأن يختلَّ باصطلامهم ركنٌ عظيم؛ فإن حفظَ الكلِّيات أولى من حفظ الجزئيَّات، فإن كان الغزاةُ محصورين؛ لا ينخرم باصطلامهم ركنٌ عظيم، لم يجز قصد الترسة.
3597 -
فصل فيمن أصاب مسلمًا في صف الكفَّار
إذا رمى إلى الصفِّ، فأصاب مسلمًا؛ فإن لم يعلم أنَّ فيهم مسلمًا, ولم يقصده بالرمي، وجبت الكفَّارةُ وحدها، وإن علم فيهم مسلمًا، فقصده على ظنِّ أنَّه كافرٌ، وجبت الكفَّارة والدِّية اتِّفاقًا، وإن وُجد العلمُ دون القصد، أو
القصدُ دون العلم، وجبت الكفَّارة، وفي الدية قولان.
وكلُّ من قتل كُفْأَه عمدًا، فانتفى القصاصُ؛ لجهله أو ظنِّه، فالدية في ماله، أو على عاقلته؟ فيه قولان.
3598 -
فصل في قطع النخيل وإحراق الأموال
يجوز قطعُ نخيلهم، وإحراقُ أموالهم إذا بَعُدَ الرجاءُ في الظفَر بها، وإن رجونا ذلك، لم يجز القطعُ، ولا الإحراقُ، ويحتمل أن يُكرهَ، [أو أن] (1) يرجعَ إلى رأي الإمام، فلا يُخالَف فيما يراه صوابًا.
فإن حُزْنا البهائمَ والأموال والنساء والأطفال، فأدركونا، وعلمنا أنَّهم ينتزعونها منا، جاز قطعُ النخل، وإحراقُ الأموال، ولا يجوز قتلُ النساء والبهائم المحترمة، والأطفال، ويجوز عَقْرُ الخيل تحت الكفَّار.
3599 -
فصل في قتل مَنْ لا يُقاتل
اختلف قولُ الشافعيِّ في جواز قتل مَنْ لا يقاتل؛ كالزَّمِنِ 2، والأجير، والحرَّاث: المشتغل بالحرث، وأصحاب الصوامع والدَّيْر، والرُّهبان، والشيخ1
الذي لا بطشَ له 1 ولا رأيَ، وإن كان للشيخ رأيٌ قُتل، وأبعد مَنْ طرد فيه القولين، فإن حضر الوقعةَ، فدبَّر الجندَ، أو كان أهلًا لتدبيرهم، قُتل، وإن حضر، ولا بطشَ له، ولا رأي، احتُمل أن يُقتل، واحتُمل إجراء القولين، فإن أجزنا قتلَ هؤلاء، جاز اغتنامُ أموالهم، وإرقاقُ أطفالهم ونسائهم، وإن منعنا قتلَهم، فهل يرقُّون بالأَسْر، أو يرقُّهم الإِمام، أو لا يرقُّون، ولا يُسترقُّون؟ فيه [ثلاثةُ] 2 أوجه، أبعدُها آخرها، فإن أجرينا عليهم الرقَّ، سَبَيْنَا النساءَ والأطفال، وإن قلنا: لا يجري، فالأصحُّ: أنَّا نغنم الأموالَ كما نغنم أموالَ النساء والأطفال، وفي نسائهم وأطفالهم أقوال:
أصحُّها: أنَّهم يُسْبَون.
[والثاني: تُسبى النساء] 3.
والثالث: تُسبى النساءُ دون الأطفال، وذكر أبو محمد في السُّوقة الذين لا يقاتلون، ولا يتعاطون السلاحَ طريقين:
إحداهما: يقتلون.
والثانية: فيهم القولان، ولم يذكر ذلك أحدٌ من الأئمَّة، فإنَّ المنعَ من قتلهم، واغتنام أموالهم قريبٌ من خَرْق الإجماع.
3600 -
فصل في إرقاق (1) زوجة المسلم والذمِّيِّ وعتيقهما
إذا سُبِي الزوجان الحربيَّان، أو أحدُهما، انفسخ نكاحُهما اتِّفاقًا، فإن كانا رقيقين مسلمين، أو كافرين، لم ينفسخ النكاحُ على الأصحِّ.
وإن سُبيت زوجةُ المسلم، ففي إرقاقها وجهان؛ ولا يجوز إرقاقُ عتيق المسلم عند الأكثرين، وأبعد مَنْ أجراه على الوجهين، فإن جوَّزنا سَبْيَ الزوجة، جاز إرقاقُها عقيب النكاح؛ لأنَّ النكاحَ ليس بأمان من الزوج؛ فإنَّ القصدَ به الاستمتاعُ دون الأمان، فإذا رقَّت انفسخ النكاحُ على الأصحِّ، وإن أسلمت في العدَّة؛ إذ يستحيلُ بقاءُ نكاح المسلم على أمة كتابيَّة، وإن سبينا زوجة ذمِّيٍّ أو عتيقَه، رقَّت الزوجةُ، وفي العتيق وجهان.
3601 -
فرع:
إذا كان في الغنائم شيءٌ مأجور من مسلم مُلك بالحيازة، ولم تنفسخ الإجارة اتِّفاقًا, ولا يبعد أن تنفسخَ إذا قلنا: ينفسخ نكاحُ الرقيقين.
3602 -
فصل في أمان الآحاد
لا يصحُّ الأمانُ العامُّ إلَّا من الولاة، ويصحُّ الأمانُ الخاصُّ من كلِّ مَنْ يصحُّ منه الجهادُ بنفسه، أو ماله، وهو كلُّ مكلَّف مسلم، فيصحُّ أمان الزَّمِن والشيخ والمرأة، والعبد بغير إذن السيِّد؛ فإنَّه من أهل القتال؛ إذ لو أمكنه رميُ كافر من شاهق، وهو متردِّد في حاجات السيد، جاز، ولا يصحُّ أمانُ1
مجنون، ولا صبيٍّ وإن كان مميِّزًا، وأبعد مَنْ نفَّذ أمانَ المميِّز.
وإن أسر الكافرُ مسلمًا، فأمَّنه المسلمُ الأسير 1، لم ينفذ على المذهب، وإن أمَّن كافرًا آخرَ، فإن أُكره، لم يصحَّ، وإن اختار، ففي نفوذه على المسلمين وجهان، فإن قلنا: لا ينفذ، ففي نفوذه على الأسير وجهان، وإن أمَّن نسوةً من الرقِّ، ففي الصحَّة خلاف مبنيٌّ على الخلاف في عصمتهِنَّ عن الرقِّ بما يبذُلْنه من المال.
ولا يجوز الأمانُ سنة، ويجوز أربعةَ أشهر، وفيما بينهما قولان، ولا فرق بين أن يكونَ المسلمون أقوياءَ أو ضُعَفاءَ.
وشرطُ الأمان ألَّا يضرَّ بالمسلمين، ولا يُشترط مصلحتُهم فيه 2، ولا يُكلَّف المؤمنُ إظهارَ غرضه في الأمان، ولا يصحُّ الأمان لطليعة، ولا لجاسوس، والوجه: جوازُ اغتيالهما؛ لجنايتهما بدخول دار الإِسلام.
ولو أمَّن آحادًا على طرق الغزاة ومنازلهم، فاحتاج الجندُ لذلك إلى حمل العلف 3 والزاد، ولولا الأمانُ لأخذ الغزاةُ أطعمةَ الكفَّار، لم يصحَّ الأمانُ عند جماعة من الأصحاب؛ لما فيه من الإضرار.
ولا يصحُّ الأمانُ إلَّا أن يعلمَ به الكافر، ويقبلَه، ويصحُّ بكل لفظ يشعر به، وكذلك الإشارةُ المفهمة اتِّفاقًا مع قدرة المشير على العبارة، فإن أمَّنه، فلم يعلم بأمانه، فله ولغيره قتلُه وإرقاقه، وإن علم بالأمان؛ فإن ردَّه، لم
ينعقد، وإن قبله بلفظ أو إشارة، أو ظهرت منه مخايلُ القَبول، انعقد، فإن قال للمسلم بعد القَبول: خُذْ حذرك؛ فإنِّي لا أؤمِّنك، كان ذلك ردًّا للأمان، فإنَّه لا يصحُّ من أحد الطرفين، وإن علم بالأمان، فلم يقبله، ولم يردُّه، ففي انعقاده تردُّد، والظاهر: أنَّه لا ينعقد.
وإذا صحَّ، كان جائزًا في حقِّ الكافر، لازمًا في حقِّ المسلم، إلَّا أن يخافَ خيانة الكافر، فله نبذُه إليه.
ولو أشار مسلمٌ من الصفِّ إلى كافر، فانحاز إلى المسلمين؛ بناءً على الإشارة؛ فإن قال المسلمُ: أردت الأمانَ، وقال الكافر: [فهمت الأمانَ، انعقد، وإن قال المسلم: ما أردت الأمان، وقال الكافر] (1): ما فهمته، جاز قتلُه وإرقاقه، وإن قال المسلم: ما أردت الأمانَ، وقال الكافر: فهمتُ الأمان، لم نتعرض له حتَّى يبلغ مأمنَه، وإن قال المسلم: أردت الأمان، وقال الكافر: ما فهمتُه، فحكمه حكمُ الأسير في القتل والإرقاق وغيرهما.
ولا يصحُّ أمانُ الآحاد إلَّا لعدد محصور لا يتعطَّل بمثله الغزوُ في بعض الجهات، فلو أمَّن أهلَ ناحية لم يصحَّ، لما فيه من تعطيل شعار الدين، وكسب المسلمين، فمتى ظهر بسبب الأمان نقصٌ محسوس، لم يصحَّ، فلو أمَّن مئةُ ألف مسلم مئةَ ألف كافر؛ كلُّ واحد لواحد، فإن ظهر بذلك نقصٌ محسوس، لم يصحَّ، وقد يختلف ذلك بأن يكونوا في قطر أو أقطار.
3603 -
فرع:
إذا قُتل الكافر بعد الأمان، فالوجه القطعُ بأنَّه يُضمن بما يُضمن به1
المعاهد، ولا ضمانَ بقتل النساء والصبيان، وليس للآحاد المنُّ على الأسرى؛ لتعلُّق الحقوق بهم، ولو دخلت طائفةٌ دارَ الحرب، فأسروا منها رجالًا، لم يكن لهم المَنُّ عليهم؛ لأنَّ الإمامَ قد يرى إرقاقَهم، فيجب فيهم الخمس.
3604 -
فرع:
إذا صحَّ الأمانُ، ثبت من الطرفين، فيصير المسلمُ آمنًا من الكافر، والكافرُ آمنًا من أهل الإِسلام، فإن خصَّ الأمان برقبته، صحَّ اتِّفاقًا، وامتنع قتلهُ وإرقاقه، ولا يتعدَّى الأمان إلى ماله ونسائه وأطفاله، بخلاف عَقْد الذمَّة.
وإن أطلق الأمان، لم يدخل فيه ما غاب من أمواله، وأمَّا ما حضر منها (1)؛ فإن شرط دخولُه في الأمان، دخل فيه، وإن لم يُشرط، لم يدخل على الأصحِّ، وقيل: يدخل؛ إذ يبعدُ سلبُ ثيابه التي هو لابسُها، فكذلك ما حضر معه من المال، وكذلك الحكمُ في الزوجات، والأطفال.
3605 -
فصل في الجُعالة لمن يدلُّ على القلاع
يُشترط في جُعالة المسلمين أن يكونَ الجُعْلُ معلومًا مقدورًا على تسليمه، مملوكًا للجاعل، فإن عُقدت على خلاف ذلك، لم تصحَّ اتِّفاقًا، فإن عمل استحقَّ أجرةَ المثل، ومتى صحَّ المسمَّى، لم يُستَحقَّ إلَّا بإكمال العمل، فإن تلف الجعلُ قبل العمل؛ فإن علم بالتلف، لم يستحقَّ شيئًا، وإن لم يعلم، رجع بأُجرة المِثْل، وإن تلف بعد العمل؛ فإن تلف قبل أن يطلبَه، فهل يرجعُ1
بالقيمة أو أجرة المثل؟ فيه قولان؛ كالصَّدَاق، ولا يبعد القطعُ بإيجاب الأجرة؛ فإنَّ الجعلَ ركنٌ في الجعالة، بخلاف الصداق، وإن طلبه، فمنعه الجاعلُ منه؛ فإن قلنا بضمان اليد، وجبت القيمةُ، وإن قلنا بضمان العَقْد، فقد جعل القاضي المنعَ كالإتلاف، فإن ألحقنا الإتلافَ بالآفة السماوية، رجع بأجرة المثل، وإن جعلناه كإتلاف الأجنبيِّ، يُخيَّر بين الإجازة والفسخ.
ولو قبض البائعُ الثمنَ، فطُولب بالمبيع، فمنعه تعدِّيًّا، فتلف، ففي إلحاقه بإتلافه احتمال.
وإذا قال الحربيُّ في دار الحرب: أدلكم على قلعة فيها أموالٌ على أن تعطوني منها الجاريةَ الفلانية إذا فُتحت، صحَّ اتّفاقًا، وإن جرت هذه الجعالةُ مع مسلم؛ فإن منعنا استئجارَه على الجهاد، لم تصحَّ؛ لأنَّ دلالته ضَرْبٌ من الجهاد، فلا يستحقُّ الجاريةَ، ولا أجرةَ المثل، وإن أجزنا استئجارَه على الجهاد، لم تصحَّ الجعالةُ على الأصحِّ؛ فإن الجاريةَ غيرُ مملوكة، ولا مقدور عليها, ولا معلومة، وقيل: تصحُّ كما في الكافر.
وإذا حضرنا القلعةَ بدلالة الكافر، فلم يتَّفق الفتحُ؛ فإن كان قد قال: إن فتحتموها، فلي الجاريةُ الفلانيَّة، فلا شيءَ له، وكذا إن أطلق على الأصحِّ، وقيل: يستحق أجرةَ المثل.
وقال الإِمام: إن تعذَّر القتالُ في الصورتين بحيث لا يمكن فتحُها إلَّا نادرًا، فلا شيءَ له؛ فإنه لم يدلَّ على ممكن، وإن كان الفتحُ ممكنًا؛ فإن لم نقاتل، ففي وجوب الأجرة احتمال، وإن قاتلنا؛ فإن قلنا: لا أجرةَ له إذا لم
نقاتل، فلا أجرةَ له إذا قاتلنا، وإن أوجبنا الأجرةَ من غير قتال؛ فإن 1 يئسنا بعد بَذْل الجهد في القتال، فلا شيءَ له، وإن لم نيئس، فتركنا القتالَ تبرُّمًا، أو لأمر ينزعجُ له الجندُ، فهذا موضع الخلاف.
وإن وقع الفتحُ سُلِّمت إليه الجارية، فإن لم يجدها؛ لكونها ماتت عند الجعالة، أو لم يخلقها الله، أو لأنَّه أخطأ في ظنِّه أنَّها في القلعة، فلا شيءَ له عند الأئمّة، وإن ماتت بعد الجعالة، ففي الغُرْم أقوال، ثالثُها: إن ماتت بعد الظفَر، وجب الغرمُ، وإلَّا فلا.
وقال الإِمام: إن تمكَّنَّا من تسلِّيمها بعد الفتح، فلم نسلِّمها حتَّى ماتت، وجب الغرمُ، وإن لم يمكن التسليمُ، ففي الغرم تردُّد، فإن أوجبنا الغرمَ إذا ماتت قبل الظفَر، فالواجبُ قيمتها، أو أجرةُ المثل؟ فيه القولان، وإن طلبها بعد التمكُّن من التسليم، فلم نسلِّمها حتَّى ماتت، فهو كتلف الجُعْل بعد المطالبة والمنع، وإن أسلمت قبل الظفَر، أو بعده، وجب الغرمُ عند المحقِّقين، وأبعد مَنْ ألحق الإِسلامَ بالموت.
وإذا وجبت الأجرةُ، أو القيمةُ، فهي من رأس الغنيمة، أو من 2 مال المصالح؟ فيه وجهان، وإذا لم نجد في القلعة سوى الجارية، فهل تُسلَّم إليه؟ فيه وجهان، وقال الإِمام: إن تملَّكنا القلعةَ، واستمَّرت عليها أيدينا، سلَّمناها، وإن لم يمكن ذلك؛ لإحاطة الكفَّار بها، وتعذُّر تخليف جماعة يحفظونها، ففيه الخلاف؛ لأنَّ فائدةَ الفتح تعودُ على العِلْج خاصَّة، وإن حاولنا الفتحَ،
فلم يتَّفق، أو استنفرنا أمرٌ، وقلنا: يبطل حقُّه منها، فاتَّفق رجوعنا إلى القلعة، وفتحها، ففي استحقاقه الجارية وجهان، وقال الإمام: إن وقع ذلك بناءً على دلالته، [ظهر استحقاقُه للجارية، وإن لم يبتنِ على دلالته] (1)، ففيه الخلاف، ولعلَّ الأصحِّ أنّه لا يستحقُّها؛ لأنَّ العرفَ يقيِّد الإطلاقَ بالفتح المتَّصل بالدلالة، وإن فتحها طائفةٌ لم يكونوا في المعاملة، لم يستحقها اتِّفاقًا، وإِن فتحوها بدلالتنا المبنيَّة على دلالته، وإن جاوزنا القلعةَ، ثمَّ رددنا إليها بعضَ من كان معنا وقت الجعالة؛ فإن فتحوها على القُرْب، كان كما لو أقمنا عليها، ففتحناها، وإن بَعُدْنا عنها بحيث يبعدُ الرجوعُ إليها (2) بدون الدلالة، فدلَّ العِلْجُ عليها، فهو كما لو رجعنا إليها.
3606 -
فرع:
إذا صالحنا أهلَ القلعة على أمان صاحبها، وأمان أهله، فظهر أنَّ الجاريةَ من أهله، قلنا له: قد شرطنا هذه الجاريةَ لفلان، فإن سلَّمتها، أعطيناك قيمتَها، فإن أبى، قلنا للعلج: قد صالحناه على أمان أهله، والجاريةُ منهم، فإن رضيتَ بالقيمة، أعطيناكها، فإن أبى قيل لصاحب القلعة: إمَّا أن تسلِّمها، أو تعود حربًا، فنردَّك إلى القلعة، ونغلق بابها، وتعود حربًا، [ثمَّ نقاتله] 3؛ فإن فتحنا القلعةَ، سُلِّمت الجاريةُ إلى العلج، وإِن لم نفتح، فعلى التفاصيل السابقة.12
واستنبط الأصحابُ من هذه المسألة صحَّةَ الجعالة مع الجهالة بالجعل، والعجز عن تسليمه، وصحَّة الأمان مع الجهل بعدد الآمنين، وأنَّ الصلحَ إذا عارضه ما يمنع من إمضائه، جاز نَبْذُه، وقالوا: لو أمَّن عددًا معلومًا من جماعة، وجُعل التعيينُ إلى إنسان، جاز.
صالح عمرُ أهل قلعة (1) على أمان مئة، فعيَّنهم صاحبُ القلعة، فعرض عليه الإسلام، فأبى (2)، فضرب عنقَه (3).
3607 -
فصل في إجراء أحكام الإسلام في دار الحرب
الأدب ألَّا يغزوَ أحدٌ إلا بإذن الإمام؛ فإن دخل جماعةٌ دارَ الحرب بغير إذنه، وجب تخميسُ ما يغنمونه وإِن لم تكن لهم شوكةٌ، وإن دخلوا خُفيةً، فسرقوا شيئًا فهو لهم، وأبعد مَنْ أوجب تخميسَه؛ فإنَّه مقصودٌ لا يسقط بالإعراض، بخلاف الغنائم.
وأحكامُ الإسلام كلُّها جاريةٌ على المسلمين في دار الحرب، فمن فعل فيها ما يوجب حدًّا أو غُرْمًا أو قَوَدًا، لزمه ذلك، وإن قتل مسلمًا لم يهاجر، وجبت الديةُ، أو القصاصُ.123
ولا تحرم إقامةُ الحدود في دار الحرب، وفي الكراهة نصَّان جعلهما بعضُهم قولين، وقال آخرون: لا يُكره إلَّا أن يُخافَ فتنة؛ مثل أن يكون المحدودُ سيِّدًا يُخاف انفلالُه، وانفلالُ قومه، فإن غلب ذلك على الظنِّ، فالظاهرُ عند الإمام التحريم.
3608 -
باب ما أحرزه المشركون من أموال المسلمين
إذا استولى الكفار على أموالنا، وأحرزوها بدار الحرب، [لم يملكوها] (1)، فإن استرددناها وجب ردُّها على مُلَّاكها، فإن ظهر أمرُها بعد القسمة، نُقضت القسمةُ، فإن تعذَّر نقضها، عُوِّض مَنْ وقعت في حصَّته من مال المصالح، ولا يُخرَّج على الخلاف في الرَّضْخ.
3609 -
فصل في الحربيِّ يُوْدعنا مالَه لمَّ ينقض العهدَ
إذا دخل إلينا 2 حربيٌّ، فأودعنا مالَه، أو ثبت له في ذممنا قروضٌ وأثمان، فلحقَ بدار الحرب؛ فإن لم ينقض العهدَ، وخرج بإذن الإمام؛ ليقضي شغلًا، ثمَّ يعود، فالأمانُ باقٍ على أمواله ما دام حيًّا، وإِن خرج ناقضًا للأمان، ففي انتقاضه في أمواله أوجهٌ، ثالثها: إن ثبت مقصودًا لم ينتقض، وإِن ثبت غيرَ مقصود، انتقض، فإن قلنا بالانتقاض، صار فيئًا، وإن قلنا: لا ينتقض، فرجع؛ ليأخذَه بغير أمان، جاز؛ كما يجوزُ الدخولُ للسفارة، أو سماع الذكر1
من غير أمان بشرط أن يعجِّلَ أغراضَه، ولا يزيدَ على ما يقع به الاستردادُ، ولا يأخذ البعضَ؛ ليعود بسبب الباقي من غير أمان، فإن خالف شيئًا من ذلك، جاز قتلُه وإرقاقه، وإِن تعذَّر عليه أخذُه، فانقلب، وعاد بغير أمان، جاز.
ولو نبذ المستأمنُ العهدَ، وأخذ أموالَه فالأمانُ باقٍ عليها حتَّى يبلغ المأمن، ويُحتمل تخريجُها على الأوجه الثلاثة؛ فإنَّه في نفسه كالخارج عن الأمان، ولذلك لا يجوز له العودُ إلَّا لإذن، فإذا لحق بدار الحرب، ففي ماله الخلاف، فإن مات في دار الحرب؛ فإن جُعل مالُه فيئًا في الحياة، فهو فيءٌ في الممات، وإِن رُدَّ عليه في الحياة، فهو بعد الموت فيءٌ، أو لورثته؟ فيه قولان.
وإِن مات على العهد في دار الحرب، فالمذهبُ أنَّ مالَه لورثته، وقيل فيه القولان.
ولو أُسر، أو استرقَّ؛ فإن قلنا: لا ينتقضُ الأمان إذا لم يسترقَّ، فهاهنا قولان:
أقيسهما: أنَّه يصير فيئًا.
والثاني: يُوقَف؛ فإن عتق، أخذه، وإِن مات رقيقًا، فقولان:
أحدُهما: يُردُّ إلى ورثته، ولا يُدفع إليهم ما دام حيًّا؛ لتوقُّع عتقِه، فإذا مات، فهل يستندُ الإرثُ إلى ما قبيل الرق؟ فيه احتمالان منقدحان؛ فإنَّ الرقَّ يزيلُ الملكَ، ويقطع النكاحَ، فيشبه الموتَ، ويُحتمل ألَّا يُحكم بكونه إرثًا، بل يُصرف إلى الأخصِّ به يوم الموت، كما ينتقل ما يستحقُّه العبدُ من التعزير إلى سيِّده بموته، وقال أبو محمَّد: إذا أرققنا عبد الذمِّيِّ، فمات رقيقًا، فلا