كِتَابُ النَّذرِ
كِتَابُ النَّذرِ
3831 -
النذرُ مُلزم بالإجماع، فإن عُلِّق على دفع نقمة، أو جَلْب نعمة، وجب، وإن لم يُعلَّق، فقولان، وإن كان لجاجًا، ففي موجبه ثلاثةُ أقوال، فمَنْ نذر قولًا، أو فعلًا، فله أحوال:
الأولى: أن يكون عبادةً حقيقية مقصودةً، فتجب، وقال أبو محمَّد: لا يجب بالنذر إلَّا ما يجب بأصل الشرع؛ كالصوم والصلاة، فإن نذر تجديدَ الوضوء، لم يلزمه؛ لأنَّ الوضوءَ على الطهارة لا يجب بأصل الشرع، ولا وجهَ لما ذكره، وقد أُبطل عليه بالاعتكاف، فأجاب بأنَّ الوقوفَ بعرفة واجبٌ بأصل الشرع، وهو من جنس الاعتكاف.
الثاني: القُرَب التي لا تتمحَّض عبادةً؛ كزيارة القادم، وعيادة المريض، وإفشاء السلام، فتجب على الأصحِّ؛ لاتِّفاقهم على وجوب الجهاد بالنذر، وإن نذر عيادةَ زيد، فعاده ناسيًا لنذره، ففي براءته من النذر بغير قصد تردُّدٌ.
الثالث: الصفاتُ المستحبَّة في العبادات؛ مثل أن ينذر عبادةً، ويصفها بصفة تُستحبُّ 1 فيها، مثل أن ينذرَ الحجَّ ماشيًا على قولنا: إنَّ المشيَ أفضلُ من الركوب، أو ينذر صلاةً مطوَّلة بالقراءة، أو بالركوع، أو السجود، فيلزمه
ذلك، وإن أفرد الصفةَ بالنذر فيما يجب بأصل الشرع؛ كتطويل صلاة الفرض، والمشي في حجِّ الفرض، ففي وجوبه وجهان.
الرابع: المباحُ الذي يمكن أن يصيرَ قربةً بالقصد؛ كالأكل للتقوِّي على العبادة، والنوم للنشاط، وحضور القلب في التهجُّد، فلا يجب بالنذر اتِّفاقًا، ومَنْ نذر مباحًا؛ كدخول الدار، أو محرَّمًا؛ كذبح ولده، أو شرب الخمر، وصوم أيَّام الحيض؛ فإن جعلناه كنايةً في اليمين، لم تجب الكفَّارة حتَّى يحنث، وقال القاضي: إن نذر مباحًا، وجبت الكفَّارة، وإن نذر معصيةً، فوجهان، وأوجب الكفَّارةَ بنفس النذر من غير حِنْث.
الخامس: أن ينذرَ ما يؤدِّي إلى إبطال الرخص 1؛ مثل أن ينذر الصومَ في المرض، أو السفر، أو إتمامَ الصلاة في السفر، أو القيامَ حيث يجوز له القعودُ، فلا يلزمه ذلك عند القاضي، وإن نذر الصلاةَ في الجماعة لزمه؛ لأنَّها صفة عبادة، وإن نذر النوافلَ الراتبة، لزمته على أظهر الوجهين، ولا يجب الانكفافُ بالنذر قطُّ، فمَنْ نذر تركَ مكروه، لم يلزمه تركُه.
السادس: أن ينذرَ ما هو فرضُ كفاية، فإن كان أداؤه مفتقرًا إلى مال، وركوب مشقَّة، وقطع شُقَّة؛ كالجهاد، وتجهيز الموتى، لزمه ذلك، وإن لم يتعلَّق به بذلُ مال؛ كالأمر بالمعروف، والصلاة على ميت، لزمه ذلك على الأظهر، ومن نذر الجهادَ في جهة معيَّنة، فجاهد في غيرها، ففي إجزائه أوجه: أحدُها: لا يجزئه.
والثاني: يجزئه وإن كانت الجهةُ الثانية أقلَّ مؤونة، وأقربَ مسافة وأسهل.
والثالثُ: لا تتعيَّن تلك الجهة، فإن جاهد فيها، أو في مثلها، أجزأه.
3832 -
فرع:
إذا علَّق النذرَ على مشيئة الله تعالى، لم ينعقد، وإن علَّقه على مشيئة زيد، فشاء زيدٌ، لم يصحَّ عند القاضي، وخالفه الإمامُ؛ إذ لا فرقَ بين مشيئته وقدومه.
3833 -
فصل فيمَنْ نذر التضحية بمكَّة أو بغيرها من البلاد
من نذر سَوقَ أضحية إلى الحرم، أو سوقَ بدنة أو بقرة، وذكر ما يُشعر بالتقرُّب، وجب إيصالُها إلى الحرم، وذبحُها فيه اتِّفاقًا، فإن قيِّد تفرقةَ اللحم بالحرم، تقيَّدت به اتِّفاقًا، وكذا إن أطلق على الأصحِّ، وإن ذكر ما لا يُشعِر بالتقرُّب؛ مثل أن قال: لله عليَّ أن أذبح بمكِّة، أو أنحرَ بها، فهو كما لو ذكر لفظ القربة عند الأكثرين، وقيل: لا يلزمه شيءٌ، وإن نذر أن يضحِّيَ بالبصرة، ويفرِّقَ اللحمَ بها، لزمه النحرُ والتفرقةُ، فإن فرَّق اللحمَ بغير البصرة؛ فإن أجزنا نقلَ الصدقات، جاز، وإن منعناه، فوجهان؛ لتصريحه بالالتزام.
وهذا الخلافُ جارٍ فيمن عيَّن الفقراءَ لصدقة، فإن جوَّزنا نقلَ اللحم، لم يجب الذبحُ بالبصرة، وإن منعنا النقلَ، ففي تعيُّن البصرة للذبح وجهان، فإن قلنا: لا يتعيَّن، فذَبَح بمكان آخر، ونقل اللحمَ إليها غضًّا طريًّا، وفرَّقه، أجزأه.
وإن نذر التضحيةَ بالبصرة، ولم يتعرَّض للتفرقة؛ فإن منعنا النقلَ إذا
التزم التفرقةَ بالبصرة، ففي منعه هاهنا وجهان، فإن منعناه، ففي تعيُّن البصرة للذبح الوجهان.
3834 -
فصل في نذر الهدايا والضحايا
إذا قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ ببدنة، لزمه التضحيةُ ببعير، فإن ضحَّى ببقرة، أو بسبعٍ من الغنم؛ فإن لم يجد البعيرَ، جاز، وإن وجده، فقولان، [وأبعد مَنْ قال: إن وجده، لم يجز، وإن فقده، فقولان] 1، فإن قلنا: تجزئه البقرةُ، [أو السبع] 2 من الغنم، لم نشرط أن يساويَ البدنةَ في القيمة، وأبعد مَن شرط التساوي في القيمة، وقال: لو ذبح شاةً بقيمة البدنة، أجزأته، ويلزمه أن يطردَ ذلك في المعيبة.
ومَنْ نذر التصدقَ بدراهم، لم يجزئه التصدُّقُ بجنس آخر.
وإن قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ ببقرة، أو بعير، أو شاة، فلا يجزئه إلَّا ما يجزئ في الضحايا، فلا يجزئ الفَصِيلُ، والحُوار، وأبعد مَنْ لم يشترط السنَّ، والسلامةَ من العيب، وقيل: إنْ ذكر البدنةَ، فلا بدَّ من السنِّ، والسلامة، وإن ذكر البقرةَ، والبعيرَ، والشاةَ، فلا يُشترط السنُّ، والسلامة، ويجزئُ الحقُّ، وابنُ اللبون، وابنُ المخاض؛ فإنَّ المتَبَعَ الاسمُ في كلِّ جنس، ولا يُؤخذ الفحلُ إن ذكر البقرةَ، والشاةَ اتِّباعًا للاسم، وعلى الأصحِّ: يجب
التنزيلُ على ما يقتضيه الشرعُ في الضحايا؛ فإنَّه لو نذر صلاةً، لم يجزئه الدعاء، فكذلك هاهنا لا عبرةَ بالاسم المُعارض لعرف الشرع.
وإن قال: لله عليَّ هديٌ؛ فقولان:
أحدُهما: يلزمه أضحية يبلِّغها إلى الحرم، وأبعد مَنْ أشار إلى أنَّ تبليغَها إلى الحرم غيرُ واجب.
والثاني: يلزمه أقلُّ ما يتموَّل من أصناف الأموال، ثمَّ (لا يجب تبليغه) (1) إلى الحرم، خلافًا لأبي محمَّد، وإن نذر أن يهدي ظبيةً ويبلِّغها إلى مكَّة لزمه ذلك، وكذلك كلُّ قربة ماليَّة يضيفها إلى مكَّة، ولا يذبح الظبية عند المحقِّقين؛ إذ لا قربةَ في ذبحها مع أنَّه ينقص قيمتها، وكذلك ما عدا النعمَ من الحيوان، وإن قال: لله عليَّ أن أهديَ بعيرًا؛ فإن جوَّزنا المعيبَ، وأوجبنا التبليغَ، لم يذبحه على الأصحِّ، وقيل: يذبحه؛ نظرًا إلى جنسه.
3835 -
فصل فيمَنْ نذر نقلَ شيء إلى مكَّة
إذا أشار إلى شيء من صنوف المال 2، وقال: لله عليَّ أن أُهديَ هذا، وأوجبنا التبليغ؛ فإن تعذَّر نقلُه؛ كالعقار، أو عَسُر نقلُه؛ كحجر الرَّحا، باعه، وتصدَّق بثمنه بمكة، وإن كان ممَّا ينقل مثلُه، نَقَلَه، وتصدَّق به بمكَّة، وليس له أن يبيعَه، ويتصدَّق بثمنه، فإن عَسُر عليه التصدُّق به، فهو كمَنْ لزمه زكاة،1
وعسر عليه التصدُّق بها، فتُجمع لذلك جمعًا يقبضونه بأنفسهم، أو وكيلهم، فإن نوى صرفَ شيء من ذلك في ستر الكعبة، أو طيبها، لزمه، وهذا يدلُّ على وجوب القُربات التي ليست عباداتٍ بالنذر، فإن كان ثوبًا يصلح لستر الكعبة، فنوى التصدُّقَ به، أو أطلق، لزمه التصدُّق به، وأبعد مَنْ أوجب صرفَه إلى الستر عند الإطلاق.
وإن نذر تطييبَ المسجدين، أو غيرهما من المساجد، ففي وجوبه تردُّد للإمام؛ إذ لا يبعدُ اختصاصُ الكعبة ومسجدها بذلك.
3836 -
فرع:
إذا نذر الاعتكافَ في المسجد الحرام، أو التصدُّق بمكَّة، تعين ذلك اتِّفاقًا، وإن نذر الصوم بمكِّة، لم يتعيَّن، وأبعد مَنْ قال: [تتعيَّن للصوم] (1)، وفي غيره من القربات خلافٌ.
3837 -
فصل فيما يجب بالنذر المطلق
إذا أطلق النذرَ، فهل يلزمُه أقل الواجبات، أو أقلُّ المندوبات؟ فيه قولان، أظهرُهما: وجوب أقلِّ المندوبات، فمَنْ نذر صلاةً، فصلى ركعةً واحدة قاعدًا مع قدرته على القيام؛ فإن نزَّلنا النذر؛ على الندب، أجزأته، وإن نزَّلناه على الوجوب، فلا بدَّ من ركعتين مع القيام، وإن نذر صومًا، أجزأه يومٌ، فإن نواه نهارًا؛ فإن نزلناه على الواجب، لم يجزئه، وإن نزَّلناه على1
الندب؛ فإن جعلناه صائمًا من حينَ نوى، أجزأه، وإن قال: لله عليَّ صومُ يوم، فنوى نهارًا، ونزَّلناه على الندب؛ فإن جعلناه صائمًا من أوَّل النهار، أجزأه، وإن جعلناه صائمًا من حينَ نوى، لم يجزئه، وإن نذر صدقةً، لزمه أقلُّ ما يُسمَّى صدقة، ولا يتعيَّن لذلك جنسُ مال الزكاة، ولا قدرها اتِّفاقًا، وهذا يقوِّي التنزيلَ على الندب، وإن نذر اعتكافًا، نزل على أقلِّ الدرجات؛ فإن جعلنا الحصولَ في المسجد من غير لُبْث اعتكافًا، ففي إجزائه هاهنا احتمال؛ لأنَّ اللفظَ مشعرٌ باللبث.
3838 -
فصل فيمَنْ نذر الحجَّ أو العمرة ماشيًا أو راكبًا
إذا قال: لله عليَّ أن أمشيَ إلى بيت الله حاجًّا، أو أحجَّ ماشيًا، أو نذر ذلك في العمرة؛ فإن جعلنا الركوبَ أفضلَ، لم يجب المشيُ، وإن جعلنا المشيَ أفضل، لزمه أن يمشيَ في العمرة إلى التحلُّل، وهل يمشي في الحجِّ إلى التحلُّل الأوَّل، أو الثاني؟ فيه وجهان، وإن نذر أن يمشيَ من وطنه إلى الفراغ من النسك، ففي وجوبه فيما قبل الإحرام وجهان، فإن أوجبناه، فقال: لله عليَّ أن أحجَّ ماشيًا، أو أمشي حاجًّا، ففي وجوب المشي قبل الإحرام وجهان، وقيل: إن قال: أمشي حاجًّا، لزمه قبل الإحرام، وإن قال: أحجُّ ماشيًا، لم يلزمه قبل الإحرام، وهذا بعيدٌ؛ إذ لا فرقَ بينهما في اللسان.
وإذا أوجبنا المشيَ في الحجِّ، فركب؛ لعذر، أجزأه اتِّفاقًا، وإن ركب لغير عذر، ففي الإجزاء قولان، والأكثرون على الإجزاء، فإن قلنا: لا يجزئه، فلا يُتصوَّر أن يسبقَ النفلُ الفرضَ من الحُرِّ المكلَّف إلَّا في هذه الصورة، ولو
مشى في بعض الطريق، وركب في بعضها، ففي المشي في القضاء قولان:
أحدُهما: يلزمه المشيُ في جميع القضاء.
والثاني: يلزمه أن يمشيَ حيث ركب، وله أن يركبَ حيث مشى، وهذا بعيدٌ، وهو ظاهر النصِّ، وإذا أحرم بالحجِّ، ثمَّ فاته، أو أفسده، ففي وجوب المشي في بقيَّتِه وجهان، وإن قال: لله عليَّ أن أحجَّ راكبًا؛ فان جعلنا المشيَ أفضلَ، لم يجب الركوبُ، وإن جعلنا الركوبَ أفضل، لزمه، وكان تفريعه كتفريع نذر المشي.
3839 -
فصل فيمَنْ نذر إتيانَ المساجد
إذا نذر إتيانَ مسجد غير المساجد الثلاثة، لم يلزمه؛ فإنْ شدَّ إليه رحلَه، لم يُكره، وتردَّد أبو محمَّد في التحريم والكراهة.
وإن نذر إتيانَ مسجد المدينة، أو المسجد الأقصى، ففي وجوبه قولان، فإن أوجبناه، ففي الاكتفاء به وجهان، فإن قلنا: يُكتفى به، فأتى بابَ المسجد، ثمَّ انصرف، فينبغي ألَّا يجزئَه حتَّى يدخل، وإن قلنا: لا يكتفى به، وهو الأصحُّ، ففيما يلزمه أوجهٌ:
أحدُها: يلزمه اعتكافُ لحظة.
والثاني: صلاةٌ صحيحة، فإن أتى بركعة واحدة، احتُمل أن يجزئه 1 اتِّفاقًا؛ لأئها غيرُ مقصودة بالنذر، واحتُمل التخريجُ على القولين في التنزيل
على أقلِّ الندب، أو أقلِّ الواجب.
والثالث: يتخيَّر بين الصلاة، والاعتكاف.
وفي مسجد المدينة وجهٌ رابع: أنَّه يكفيه زيارةُ قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقياسُ هذا أنه لو تصدَّق فيه، أو صام يومًا، أجزأه، ويمكن أن يُفرَّق بأنَّ المَزورَ في رقعة المسجد.
وإن نذر المشيَ في الإتيان، ففي وجوبه وجهان كالمشي قبل الإحرام.
3840 -
فصل فيمن نذر الصلاةَ في المساجد
إذا نذر الصلاةَ في أحد المسجدين، لزمه ذلك قولًا واحدًا، وقيل: يُخرَّج على قولي وجوب الإتيان، فإن أوجبنا الصلاةَ هاهنا، لزمته إذا نذر مجرَّدَ الإتيان، وإن نذر صلاة في مسجد المدينة، فصلاها في غير المساجد الثلاث، لم تجزئه، وإن صلَّاها في المسجد الحرام، أجزأته على الأصحِّ، وإن صلَّاها في الأقصى، فوجهان، وإن صلَّى في غير المساجد الثلاث ألفَ صلاة بدلًا عن صلاة مسجد المدينة، أو نذر ألفَ صلاة، فصلى في مسجد المدينة صلاة واحدة، لم تجزئه؛ فإنَّ فضيلةَ العدد لا تُقابَل بفضيلة الصفة، وإن نذر الصلاةَ بالمسجد الحرام، لم تسقط بمسجد المدينة.
3841 -
فصل في نذر إتيان الحرم
إذا نذر إتيانَ الحرم؛ فإن جعلنا دخولَه موجبًا للنسك، ونزَّلنا النذرَ على
الواجب، لزمه حجٌّ أو عمرة، وإن قلنا: الدخولُ لا يوجب النسكَ، ونزَّلنا النذرَ على الندب، فهو كنذر إتيان المسجدين، فإن قلنا: يجب مع ضمِّ قربة إليه، فالقربةُ صلاة أو نسكٌ، أو يتخيَّر بينهما؟ فيه ثلاثةُ أوجه، ولا يتَّجه تعيُّن الاعتكاف؛ لعدم اختصاصه، ولا يبعد الاكتفاءُ بمجرَّد الطواف، وأن يتخيَّر بين النسك، والصلاة، والطواف، والاعتكاف.
وإن نذر إتيانَ موضع من الحرم لا نسكَ فيه؛ كدار أبي جهل، أو نذر أن يضربَ بثوبه حطيمَ الكعبة، فهو كنذر إتيان الحرم، وإن نذر إتيانَ عرفة، لم يلزمه شيءٌ عند الأصحاب؛ إذ لا قربةَ في وقوف الحلال، وللقاضي فيه جوابان:
أحدُهما: يلزمه الحجُّ.
والثاني: إن خطر له حضورُها في يوم عرفة، لزمه الحضورُ، وإلَّا فلا شيءَ عليه:
قال الإمام: إن عبَّر بذلك عن التزام الحجِّ، لزمه الحجُّ، وإن لم يخطر له الحجُّ، ففيه اختلاف للقاضي والأصحاب، ولا فرق في هذه المسائل بين أن ينذرَ المشيَ أو الإتيانَ، أو الذهاب.
3842 -
فرع:
إذا نذر إتيانَ بيت الله، لم يلزمه شيء على الأصحِّ، وقيل: يُحمل على إتيان الكعبة، وإن نذر الصلاةَ في الكعبة، فصلى في أقطار المسجد، أجزأه عند أبي محمَّد.
3843 -
فصل فيمَنْ نذر الصومَ أو الحجَّ في وقت معيَّن
إذا نذر الصومَ في وقت معيَّن، أو نذر الحجَّ في سنة معيَّنة، فقولان:
أحدُهما: لا يتعيَّن الوقتُ لذلك، فيجوز التقديمُ والتأخير ويقع أداءً.
والثاني -وهو الأصحُّ-: أنَّه يتعيَّن، فإنْ قدَّمه، لم يجزئه، وإن أخَّره، وقع قضاء، ولا يثبت له خواصُّ رمضان، فإن صامه عن قضاء، أو نذر، أجزأه، ولا تجب الكفَّارة بإفساده بالجماع.
فإن عيَّن شهرًا، فأفسد يومًا منه بغير عُذْر؛ فإن قلنا: يتعيَّن؛ فإن لم يقيِّده بالتتابع، لم يفسد ما مضى، وإن قَيَّده، فوجهان، فإن قلنا: يفسد، لزمه صومُ شهر متتابعًا.
وإن عيَّن للصوم مكانًا، لم يتعَّين، وإن نذر صومَ أيَّام، وقيَّدها بالتفريق، لم يجب التفريقُ على الأصحِّ، ولا يُخرَّج على القولين في تعيين الزمان؛ فإنَّه غيرُ مقصود بالنذر هاهنا.
وإن نذر صومَ سنة أو أشهر، أو أيَّام، تخيَّر بين التتابع، والتفريق.
وإن نذر صومًا متتابعًا، لزمه، فإن فرَّقه بعذر، أو غير عذر، كان كتفريق صوم الظهار في محالِّ الخلاف والوفاق.
وإن نذر صومَ سنة معيَّنة، جاز له الفطرُ بالسفر والمرض والحيض، ويقضي أيَّامَ الس
فر ع
لى الظاهر، وفي أيَّام المرض والحيض قولان، ولا يقضي العيدين وأيَّام التشريق ورمضان.
[وإن نذر صومَ سنة ولم يعيِّن، صام اثني عشر شهرًا بالهلال، فإن
افتتحها بالمحرَّم، قضى العيدين، وأيَّام التشريق، ورمضان] (1)، وغلط من قال: لا يجب قضاءُ ذلك.
3844 -
فرع:
إذا نذر الحجَّ في سنة معينة، وقلنا: يتعيَّن، فأحرم في تلك السنة، ثمَّ تحلَّل بالإحصار، أو تعذَّر عليه أن يُحرمَ بسبب الإحصار، أو بمرض، أو عدم استطاعة، لم يلزمه القضاءُ على المذهب، وقيل: يجب القضاءُ إذا تعذَّر بغير الإحصار.
3845 - فرع:
إذا صام تطوُّعًا، ثمَّ نذر إتمامَ ذلك اليوم، لزمه اتِّفاقًا، وإن أصبح ممسكًا فنذر صومَ بقية اليوم؛ فإن نزَّلنا النذرَ على الواجب، لم ينعقد نذرُه، وإن نزَّلناه على الندب، انعقد، ولزمه صومُ بقيَّة اليوم، وصحَّح الإمام الإيجابَ في بقيَّة اليوم، وخصَّ القولين بالنذر المطلق.
وقد قال الأصحابُ: لو نذر أن يصلِّيَ ركعةً واحدة، أو نذر أن يصلِّي قاعدًا، فلا يلزمه ركعتان، ولا القيام، وخرَّجه الإمامُ على القولين، فإن منعنا صومَ بعض يوم، فقال: لله عليَّ أن أصومَ بعضَ يوم، أو لله عليَّ أن أركعَ أو أسجد؛ ففي صحَّة نذره وجهان، فإن قلنا: يصحُّ كان كمَنْ نذر صلاة، ويلزمه صومُ يوم بنيَّة من الليل.
وقال الإمامُ: إذا نذر صومَ يوم، لم يكفه النيَّة نهارًا؛ وإن قلنا: إنَّه صائم1
من أوَّل النهار، وقد قدَّمنا ما يخالف ما ذكره، وإن نذر ركوعًا مفردًا، أو سجودًا لا سببَ له، لم يلزمه الركوعُ، وكذا السجودُ إذا قلنا: لا يسجد بغير سبب.
3846 -
فصل فيمَنْ نذر صومَ اليوم الذي يَقْدَم فيه فلان
إذا نذر ذلك، فقدم فلان ليلًا، لم يلزمه شيء، وإن قدم نهارًا، لم يمكن الوفاءُ في ذلك اليوم اتِّفاقًا، وفي القضاء قولان مأخذُهما أنَّ الوجوبَ يستند إلى وقت القدوم، أو إلى أوّل اليوم؟ فإن أسندناه إلى وقت القدوم، لم يجب القضاء؛ لأنَّه التزم إيقاعَ صوم يوم في بعضه، والمستحيل لا يلزم بالنذر؛ كمن نذر الحجَّ في سنة معيَّنة، وبينه وبين عرفة يومٌ واحد، والمسافة ألفُ فرسخ، وإن أسندناه إلى أوَّل النهار فبيَّت النيَّة على وعد يثق به في القدوم، ففي إجزاء صومه عن النذر وجهان.
وإن قال لأمته: أنت حرَّة يوم يقدَم فلان، أو قال لزوجته: أنت طالق يوم يقدَم فلان، فقدم نهارًا، فهل يقع العتقُ والطلاقُ حالَ القدوم، أو بتبيُّن وقوعه من أوَّل النهار؛ فيه القولان.
وإن نذر صومَ يوم القدوم أبدًا، لزمه ذلك في المستقبل، وفي يوم القُدوم الخلافُ، فإنْ عيَّنَّا الزمانَ، أو نذر صومَ الأثانين، وعيَّنا الزمان، فصادف تلك الأيَّام عذرٌ، أو عيدٌ، أو حيضٌ لا يغلب وقوعُه فيها، ففي وجوب القضاء وجهان يجريان في كلِّ ما يُتردَّد في وقوعه، فإن كان حيضُها عشرةَ أيَّام، لم يجب القضاءُ على المذهب، ولا يقضي أربع أثانين عن رمضان، وفي الخامس
الوجهان، فإن لزمه صومُ شهرين عن كفَّارة، وجب (1) صومُهما، ويلزمه قضاءُ أثانينهما، ولو وجب صومُ الكفَّارة، ثمَّ نذر صومَ الأثانين، فصام الشهرين، لم يجب قضاءُ (2) الأثانين على الأصحِّ.
3847 -
فصل في فروع مفرَّقة
من نذر صومَ يوم العيد، أو أيَّام الحيض، لم يصحَّ نذرُه، ومن نذر صومَ يوم الشكِّ، أو الصلاةَ في أوقات الكراهة، فوجهان، ومن نذر صومَ الدهر، لزمه إلَّا في العيدين، وأيَّام التشريق، ورمضان، فإن أفطر لعذر، فلا فديةَ عليه، ولا قضاءَ؛ كمن أفطر في رمضانَ بعذر، فدام عذرُه إلى الموت، وإن أفطر لغير عذر، لم يُتصوَّر قضاؤُه، فليبادر إلى إخراج الفدية؛ فإنَّ صومَ النذر يُقابَل بما يُقابَل به 3 صومُ رمضان على المذهب الظاهر، فإن جوَّزنا للوليِّ أن يصومَ عن الميت، فالظاهر أنَّه يصوم عنه هاهنا في حياته، ويُحتمل ألَّا يجوزَ؛ فإنَّه قد يطرأ عذرٌ يبيح الفطرَ، فيوقع فيه القضاء، وإن ترك يومًا بغير عُذْر، [ثم قضاه] 4، فالوجهُ تصحيحُ القضاء، وإلزامُ الفدية عن الأداء.12