الغاية في اختصار النهايةصفحات 212-234

ثبت الألف أو الخمس مئة.
ولو ادَّعى ألفًا، فشهد به أحدهما، وشهد الآخر بألفين، رُدَّت شهادته بالألف الزائد، فإِن كذبه المدَّعي فيه ففي قبول شهادته في الألف المدَّعَى به قولًا تبعيضِ الشهادة، وإِن صدَّقه فهل يصير مجروحًا في الألف الزائد على الخصوص؟ فيه وجهان يجريان في كلِّ شهادة تقدَّمت الدعوى.
والقياسُ: أَنَّه لا يصير مجروحًا بذلك؛ لضعف تُهَمَةِ المبادرة؛ فإِن أثبتنا الجَرْحَ فلا يتعدَّى إِلى غير تلك الواقعة من الشهادات، وفي تأبُّده وجهان: أحدهما: التأبُّد؛ كالفاسق إِذا رُدَّت شهادته، فأعادها بعد التعديل.
والثَّاني: يستمرُّ الجَرْحُ إِلى أن يستبرئ، وتزولَ عنه تهمة المبادرة.
وإِن لم نُثبت (1) الجرح ففي قبول شهادته في الألف المدَّعى به طريقان: إحداهما: التخريج على التبعيض.
والثانية: القطع بالقبول؛ لأنَّ تهمة المبادرة ضعيفة، فلا تمنع القبول في غير محلِّها، كما لو أتى بلفظ الشهادة في غير مجلس الحكم.

1865 -

فرع:

لو ادَّعى بالألفين ثانيًا، فأعاد الشهادة بهما؛ فإِن لم نثبت الجرح قُبلت شهادته، وإن أثبتناه رُدَّت في الألف الزائد، وفي الألف الآخر قولًا التبعيضِ؛ فإِن قلنا بالتبعيض ثبت الألف، وإِن منعنا التبعيض فلابدَّ من إِعادة الشهادة1

بالألف المدَّعى، ولا يُشترط إِعادة الدعوى على الأصحِّ.

1866 -

فصل فيما يلفَّق من الشهادات وما لا يلفَّق

إِذا ادَّعى عليه بألفٍ ثمنًا، فأنكر واعترف بألفٍ قرضًا، ففي ثبوت ألف وجهان، والأكثرون على الإِثبات.
ولو ادَّعى بألفٍ ثمنًا، فشهد شاهداه -أو أحدهما- بألفٍ قرضًا، لم يثبت شيء.
وإِن شهد أحدهما بطلاقٍ في شعبان، والآخَرُ بطلاقٍ في رمضان، لم تُلفِّق الشهادتان.
ولو شهد أحدهما أنَّه أقرَّ في شعبان بغصبِ مكانٍ معيَّن، وشهد الآخر أنَّه أقرَّ في رمضان بغصبِ ذلك المكان، تلفَّقت الشهادتان.
هذا هو النصُّ، وعليه الجمهور، وخرَّج بعضهم مسألة الغصب والطلاق على قولين، ولا يتَّجه التخريج في الطلاق وإِن اتَّجه في الإِقرار؛ لأنَّ لفظ الإِقرار لو أتى به في يومين لم يتعدَّد الحق، ولو أتى بلفظ الطلاق في يومين لتعدَّد الطلاق.
والذي نقله المعتَبرون: أنَّ المشهود به إِذا تعدَّد أو اختلف بالزمان أو المكان؛ فإِن كان إِقرارًا واتَّحد المقَرُّ به، تلفَّقت الشهادتان، وإن كان إِنشاء كالبيع والإِتلاف والطلاق، فلا تلفيق، فلو شهد أحدهما أنَّه أقرَّ بألف في شعبان، والآخر أَنَّه أقر بألف في رمضان، أو شهد أحدهما أنَّه أقرَّ بالعربيَّة

بألف أو بقذف، وشهد الآخر أنَّه أقرَّ بالعجمية بألف أو بقذف، ثبت الألف والقذف، وتلفَّقت الشهادتان.
ولو شهد أحدهما بألفٍ ثمنًا لبيع أنشأه في شعبان، وشهد الآخر بألفٍ ثمنًا لبيع أنشأه في رمضان، أو شهد أحدهما أنَّه قذف بالعربيَّة، والآخر أنَّه قذف بالعجميّة، أو شهد أحدهما بقذفٍ يومَ السبت، والآخر بقذفٍ يومَ الأحد، أو شهد أحدهما بقذف بالشام، والآخر بقذفٍ في العراق، لم تتلفَّق الشهادتان.

1867 -

فروع:

الأوّل: إِذا شهد أحدهما على إِقراره بقذفِ عربى، والآخر على الإِقرار بقذفِ عجمي، ثبت القذف عند الأصحاب، وخالفهم القاضي وأبو محمد؛ إِذ المقَرِّ به مختلِف.
الثاني: لو شهد أحدهما أنَّه أقرَّ بألفٍ ثمنًا، والآخر أنَّه أقرَّ بألفٍ قرضًا، فقد حكى القاضي ثبوتَ الألف، وهذه هفوة قطع الإِمام بخلافها؛ لتعدّد المقَرِّ به، ولذلك لو شهد على كلِّ واحدة من هاتين الجهتين شاهدان، أو أقرَّ بذلك عند الحاكم، للزمه ألفان.
الثالث: إِذا ادَّعى بألف مطلق، فشهد به أحدهما، وشهد الآخر بألف من قرض، ففي ثبوت الألف خلاف، والأظهر الإِثبات.
الرابع: إِذا ادَّعى المِلْكَ، فشهد اثنان على إِقرار المدَّعى عليه بالملك، ثبت الملك وإِن لم يُتعرض في الدعوى للإِقرار، وأبعدَ مَن شَرَطَ دعوى الإِقرار، وإِن ادَّعى الملك، ولم يتعرَّض للإِقرار، فأقرَّ له به عند الحاكم،

ثبت المِلْكُ اتفاقًا، وإن ادَّعى أنَّ حاكمًا حكم له بالدار، أو أنَّ عدلين شهدا له بها عند بعض الحكَّام؛ فإِن أضاف إلى ذلك دعوى المِلْكِ سُمعت دعواه، وإِلا فلا، ولو ادَّعى الملكَ والإقرار سُمعت دعواه، وإن جرد الدعوى بالإِقرار لم تُسمع على الأظهر.
الخامس: إِذا ادَّعى الملْكَ، فشهد به أحدهما، وشهد الآخر على الاِقرار به، فلا تلفيقَ على الأظهر، وأبعدَ مَن لفَّق؛ لاجتماعهما على المقصود.

1868 -

فصل في تبعيض الإقرار

إِذا أتى بلفظِ ملزمِ بتقديرِ الاقتصارِ عليه، ثم عقَبه بما ينافيه، فله حالان: إحداهما: أن يتضمَّن الإِسقاط، وفيه صور: الأولى: أن يستند إِلى واقعةِ يَخْفَى حكمُها على بعض النَّاس، كقوله: له عليَّ ألف من ثمن خمرٍ أو خنزيرٍ أو ضمانِ بشرط الخيار، ففي لزوم الألف قولان، ويتَّجه أن يُفرَّق بين العالِم والجاهل، ولم يصِرْ إِليه أحد من الأصحاب.
الثانية: أن يستند إِلى واقعةِ لا يخفى حكمُها على أحد، كقوله: عليَّ ألف قضيتُه، فهل يلزمه، أو يُخرَّج على الخلاف؟ فيه طريقان.
الثالثة: أن يُعدَّ مُطلِقه هازلًا، كقوله: عليَّ ألفٌ إِلا ألفًا، أو: له عليَّ ألفٌ لا شيء له عليَّ، فيلزمه الألف.
الرابعة: أن يقول: لك عليَّ ألف إِن شاء الله، أو: إِن شئت، فلا يلزمه

شيء عند الأصحاب، وخرّج صاحب "التقريب" التعليقَ بمشيئة الله على القولين، وقال الإِمام: التعليق بمشيئة العباد أولى بالخلاف؛ لأنَّ التفويض إِلى مشيئة الله معتاد، بخلاف التفويض إِلى مشيئة العباد.

1869 -

فرع:

إِذا قال: بعتك إِن شئت، فقال: قبلتُ، انعقد البيع على أحد الوجهين، وهو اختيار القاضي؛ إِذ البيع مفوَّض إِلى مشيئة القابل.
ولو قال: اشتريتُ ثوبك بدرهم، فقال: بعتكه إِن شئت، فإِن لم يجدِّد القبول لم ينعقد، وكذلك إِن جدَّده على قياس القاضي؛ إِذ يبعد حمل المشيئة على طلب القبول مع تقدُّمه، وإِذا تعذَّر ذلك صار تعليقًا للبيع.
الخامسة: أن يقول: لك هذه الدار عارِيَّة، أو: هبةً عارِيَّةً، فيُحمل على العارِية والهبة على النصِّ، وقولِ الأكثرين، وخرَّجه في "التقريب" على القولين؛ فإِن ادَّعى أنَّه لم يقبض الهبة فالقولُ قوله في نفي القبض.
الحال الثانية: ألا يتضمَّن الإِسقاط، وفيه صور: الأولى: أن يعلِّقه على تسليم مبيع، كقوله: له عليَّ ألفٌ من ثمن هذا العبد، أو من ثمن عبد؛ فإِن سلَّم العبدَ سلَّمتُ الألف، فهل يُقبل أو يجري على القولين؟ فيه طريقان.
الثانية: أن يقرَّ بمال ويصفه بوصف، فيلزمه مع الوصف، كقوله: له عليّ ألف مكسَّرة، فيلزمه المكسَّرة.
الثالثة: أن يقول: له عليَّ ألف مؤجَّل، فيلزمه الألف، وأمَّا الأجل؛ فإِن لم يذكر سبب الدين، أو ذكر سببًا يَقبل الحلول والتأجيل، فهل يثبت الأجل

أو يُخرَّج على القولين؟ فيه طريقان، وإِن ذكر سببًا يقبل أحد الأمرين؛ فإن لم يقبل التأجيل -كالقرض- سقط الأجل، وإِن لم يقبل الحلول كدية الخطأ؛ فإِن صدَّر الإِقرار بالأجل ثبت، وإِن عقَّبه به فهل يثبت أو يخرَّج على الطريقين في التأجيل؟ فيه خلاف، والمحقِّقون على الإِثبات، ولو أطلق الإِقرار، ثم فسَّره بالمؤجل، أو أضافه إِلى الخمر بعد طول الفصل، لم يُقبل.

1870 -

فصل في تعليق الإقرار وفيمن أقرَّ بغير لغته

إِذا علق الإِقرار على شرط لم يصحَّ؛ فإِذا قال: إِذا جاء رأس الشهر فلك عليَّ ألفٌ، لم يلزمه اتِّفافا؛ لأنَّ هذا اللفظ وإِن تردَّد بين التعليق والوصيَّة والتأجيل، فلا يجب شيء بالاحتمال، وإِن فَسَّر بأجل، أو وصية، أُمِر 1 بدفعها عند رأس الشهر، قُبل.
وإِن قال: له عليَّ ألفٌ إِذا جاء رأس الشهر؛ فإِن فسَّره بالتعليق، فعلى قولي تبعيض الإِقرار، وإِن فسَّره بالتأجيل، فعلى طريقي الوصف بالتأجيل.
وإِن أقرَّ عربيّ بالعجميَّة، أو عجميٌّ بالعربيَّة، صحَّ؛ فإِن قال: لُقّنْت كلمة لا أفهمها، قُبِل قوله إِلا أن يكذِّبه الحال، وكذلك حكمُ العقود والحلول والطلاق وأشباهها.

1871 -

فصل في الشهادة بالإقرار من غير تعرُّض لشروطه

إِذا شهد عدلان على تجريح أو إِكراه لم تُقبل الشهادة إِلا مفصَّلة، وإن شهدا على الإِقرار بمال، ولم يتعرَّضا لشروط الإِقرار، كالعقل والبلوغ والحريّة والرشد والطواعية والصحَّة؛ إِن كان الإِقرار للوارث على قولٍ فالمذهب القبول؛ إِذ الظاهر من العدل الخبير بالشرائط أنَّه لا يشهد إِلا عند اجتماعها، وفيه قولٌ: أنَّه يُشترط ذكر الحرِّيَّة، فخصَّه بعضهم بها، وأجراه آخرون في الجميع، وهو القياس.
فإن قبلنا الإِطلاق، فإن كان الشاهد عدلًا خبيرًا بالشرائط فللحاكم الاستفصال، ولا يلزم الشاهدَ التفصيلُ على الظاهر من كلام الأصحاب، وإن كان جاهلًا بالشرائط، أو شكَّ الحاكم في ذلك، وجب الاستفصال، فإِذا استُفْصِل ففي وجوب التفصيل وجهان، فإِن تعذَّر الاستفصالُ بموت أو غَيبة امتنع الحكم بشهادته، وإن استفصل الحاكم عن الزمان والمكان لم يَجِبِ التفصيل اتفاقًا؛ لأنَّ الجهل بهما لا يقدح في الشهادة، بخلاف الجهل بشرائط الإقرار.

1872 -

فرع:

إِذا كانت الشهادة مطلقة، فادَّعى المُقِرُّ فواتَ شيء من شرائط الإِقرار؛ فإِن ظهر صدقُه قُبل قوله مع يمينه، وإن لم يظهر فالقولُ قول خصمه مع يمينه، فإذا ادَّعى أنَّه كان صبيًّا أو مجنونًا أو مكرهًا عند الإِقرار، فإِنْ أَمْكَن صدقُه وعُهدت له حال جنون، أو ظهرت له أمارةُ الإِكراه بأن كان في قيد

المقَرِّ له وحبْسِه، فالقولُ قوله مع يمينه، وإِن كان في قيد زيد والإِقرارُ لعمرو لم يكن ذلك أمارةً للإِكراه، وإِن لم يُعهد جنونه، أو لم تظهر أمارات الإِكراه، فالقول قول خصمه مع يمينه.
وإن قامت البينة بشيء من شرائط الإِقرار، كالبلوغ والعقل والاختيار، لم يُقبل قوله وإِن عُهد جنونه وظهرت أمارات الإِكراه؛ لأنَّ الشهادات مقدَّمةٌ على الأمارات، ولو قامت البينة بأنَّه أقرَّ طائعًا، فأقام بينة بالاِكراه، قُدمت على بينة الطواعية؛ لمعارضتها لبينة الطواعية، أو لخفاء أسباب الإِكراه.

1873 -

فرع:

إِذا ثبت الإكراه بالحبس والتضييق، فقال: كذبتُ في الإِقرار مع علمي بأني لو لم أُقرَّ لأطلقوني عن قربٍ، لم يؤاخذ بالإِقرار عند صاحب "التقريب"؛ لأنَّ الإِكراه محقَّق فلا يسقط بظن الإطلاق، وفيما ذكره احتمال.

1874 -

فصل في الإقرار بالبلوغ

إِذا أقرَّ بالبلوغ بالاحتلام قُبل في سنِّ الإِمكان، وهو تسع سنين في الجواري، وعشر في الغلمان، ولا يحلَّف على ذلك؛ لأنَّه إِن صَدَق فلا يمين على صادق، وإِن كَذَب فلا يمين على صبى، وفي تحليفه إِذا عُلم بلوغه احتمال عند الإِمام، والظاهر: أنَّه لا يحلف؛ لأنَّا حكمنا بنفوذ قوله، فلا يحلف بعد طول الزمان.
ولو ادَّعى البلوغ بالسن لم يُقبل؛ لإِمكان إِقامة البينة على ذلك،

بخلاف الاحتلام؛ فإِن كان غريبًا خاملًا (1) ففي إِلحاق ذلك بالاحتلام احتمالٌ عند الإِمام، ولا يمتنع التعلُّقُ ها هنا بالإِنبات، ولا يتعلَّق بالإِنبات في دعوى الاحتلام بحال خلافها.

1875 -

فصل في الإقرار بالديون والأعيان

يصحُّ الإِقرار بأعيان الأملاك، ولا يفيد إِلا ممَّن ظهر ملكه أو يده بأسبابهما المعتبرة فيهما، ويستحيل أن يستمرَّ الملك إِلى حين الإِقرار، فإِن شهد اثنان على إِقراره بدار، وشهدا أنَّها كانت في ملكه إِلى وقت الإِقرار، فالشهادة باطلة.
قلتُ: ينبغي أن يختصَّ البطلان بالاستمرار إِلى الإِقرار دون إِثبات الملك قبل الإِقرار، فإِنَّه ينبغي أن يُخرَّج على الخلاف في تبعيض الشهادة.
وإِن قال: هذه الدار لفلان، وكانت ملكي إِلى أن أقررتُ بها، صحَّ الإِقرار، ولزمه تسليم الدار.
ولو قال: هذه الدار لي وملكي، وقد صارت الآن لفلان، أو قال: داري هذه أو ثوبي الذي أملكه لفلان، لم يصحَّ الإِقرار.
ومن أقرَّ بدين في ذمَّة غيره، فإِن أمكن أن يكون نائبًا في سببه صحَّ إِقراره، وإِن لم يمكن النيابة فيه، كالصداق إِذا أقرَّت به المرأة، وبدل الخلع1

إِذا أقرَّ به الزوج، لم يُقبل إِقرارهما بأصله، وإِن أقرَّا بانتقاله ففي نفوذ الإِقرار قولان مأخوذان من القولين في جواز بيعه؛ إِذ لا محمل له سواه.
قلت: ينبغي أن يحمل على الحوالة، فيصحُّ قولًا واحدًا.

1876 -

فصل في الإقرار بأحد العبدين أو لأحد رجلين

إِذا قال: أحد هذين العبدين لك، أو قال: هذا العبد لأحد هذين الرجلين، صحَّ الإِقرار: وأُخذ بالبيان؛ فإِن مات قبل البيان قام الوارث مقامه.
وإِذا أقرَّ لأحدهما، ثمَّ قال: لا أعرف المالك منكما، فإِن صدَّقاه وُقف العبد بينهما، وإِن كذَّباه حلف لكل واحد منهما على نفي العلم، وإِن عيَّنه لأحدهما قُضي له به؛ فإِن طلب الآخَرُ يمينه؛ فإِن أوجبنا الغُرم بالحيلولة حلف، وإن لم نوجبه لم يحلف على المذهب، وغلط من قال: يحلف إِذا جعلنا يمين الردِّ كالبيِّنة، فإِن نكل رُدَّت اليمين على خصمه، فإِن حلف سُلِّم العبد إِليه، وهل يغرم للآخر؟ فيه طريقان: إحداهما: لا يغرم؛ لأنَّه لم يجر منه سوى النكول.
والثانية: فيه القولان.
وكلُّ ذلك غلط؛ لأنَّ يمين الردِّ لا يُجعل كالبيِّنة في حقِّ ثالثٍ لا يتعلَّق به الخصام.

1877 -

فصل في الإقرار للعبد والدابَّة

إِذا قال: لهذا العبد عليَّ ألف درهم، لزمه الألف للسيِّد؛ حملًا على المعاملة، وإِن قال: لحمارك على ألف، لم يصحَّ الإِقرار.
ولو قال: عليَّ ألف بسبب هذا الحمار، وجب الألف للمالك؛ حملًا على الاستئجار، وفي هذا نظر؛ لاحتمال تقدُّم الإِجارة على تملُّكه للحمار.

1878 -

فصل في بعض ألفاظ الإقرار

إِذا قال: له عليَّ مئة درهم عددًا، لزمه مئة وازنة صحاح؛ فإِن أتى بثمانين أو خمسين من الصحاح وزنهُا مئة، قُبلت على الأصحِّ، وأبعدَ مَن أوجب مئة وزنُ كلِّ واحد منها درهم، وعلى الأصحّ لو جاء بدرهم وزنه مئة، أو درهمين وزنهما مئة، ففيه تردُّدٌ لأبي محمد، وإِن قيَّد دراهم المعاملات بالعدد، مثل إِن قال: بعتك بمئة درهم عددًا، لزمه مئة من الصحاح الوازنة الجارية في العادة، وإِن قال: له على مئة عدد من الدراهم، لزمه مئة عدد، وإِن لم تكن وازنة.
وإِن قال: له عليَّ درهم في عشرة؛ فإِن أراد ضرب الحساب لزمه عشرة، وإِن أراد: مع عشرة، لزمه أحد عشر، وإِن أراد: في عشرة لي، أو أطلق، لزمه درهم.
وإن ادَّعى عليه بدراهم، فقال: زِنْ، أو: زِنْه، أو: خذ، أو: خُذه،

لم يلزمه؛ لإمكان حمل ذلك على الاستهزاء، وأبعدَ مَن أوجب ذلك إِذا قال: زنه أو خذه.
وإِن قال: عليَّ درهم أو دينار، لزمه أحدهما، وأُخذ بالبيان، وأبعدَ مَن قال: لا يلزمه شيء.

1879 -

فرع للقاضي:

إِذا قال: لك علي شيء، فقال: ليس لي عليك شيء، إِنَّما لي عليك ألف درهم، لم تُسمع دعواه بالألف؛ لإِبرائه السابق.
ولو قال: لك عليَّ درهم، فقال: ليس لي عليك درهم ولا دانق، إِنَّما لي عليك ألف درهم، سُمعت الدعوى بالألف؛ إِذ يَحْسُنُ أن يقال: ليس حقي عليك درهم ولا دانق، وإِنَّما هو ألف.

1880 -

باب إِقرار الوارث للوارث

من أقرَّ على نفسه بنسب، فإِن أمكن صدقه -بأن يُمْكِنَ أن يولد مثل المقَرِّ به للمُقِرّ، وألّا يَشْتهِرَ نسبه بغير المقِرّ- لَحِقَه، وإِلّا فلا، فلو قدِم من الروم امرأة ذات ولد، فاستلحقه رجلٌ من أهل بلادنا؛ فإِن أمكن اجتماعهما بمسافرة أحدهما إِلى الآخر خفيةً أو جهرةً لَحِقه ولدها، وإِن لم يمكن ذلك؛ بأن شاهدناه منذ نشأ في بلادنا، وعلمنا أنَّها لم تَقْدَمْ إِلى بلادنا، لم نلُحقه.
ومن انتسب إِلى بالغ ببنوَّة أو أبوَّة؛ فإِن صدَّقه ثبت النسب، وإِن كذَّبه، فالقولُ قول المكذِّب مع يمينه.
وإِن استلحق صغيرًا لحقه، وتوارثا؛ فإِن كذَّبه بعد البلوغ فوجهان يلتفتان 1 إلى 2 القولين في اللقيط إِذا كفر بعد أن حُكم بإسلامه بالدار.
وإِن استلحق ميتًا، فإِن كان صغيرًا لحقه وورثه، وإِن كان كبيرًا فوجهان، ووجه المنع: أنَّه متَّهم بترك استلحاقه في الحال التي يمكن فيها التصديق، ولكنَّ التهم لا عبرة بها في الأنساب، ولذلك لو كان مستلحِق الصَّغيرِ الغنيّ فقيرًا، فإِنَّه يلحقه وتلزمه نفقتُه.

وإِن استلحق مجنونًا؛ فإِن كان قد بلغ وهو مجنون لحق، وإِن جُنَّ بعد البلوغ فوجهان.

1881 -

فصل في الإقرار على المورِّث بالنسب

إِذا أقرَّ على ميت بنسب؛ فإِن كان مستغرِقًا لإِرثه، والمقَرُّ به لا يحجبه حجبَ الحرمان، ثبت النسب والإِرث، وسواءٌ أقرَّ بالنسب على أبيه أو جدّه أو أخيه إِذا لم يكن له وارث سواه.
وإِن أقرَّت البنت، فإِن كانت مستغرِقةً للإِرث بالنسب والولاء ثبت النسب والميراث، وإِن لم تستغرق، ولكن صدَّقها الإمام، فوجهان مأخذُهما: أنَّ الترك الصائرة إِلى بيت المال هل تثبت لها حقيقة الميراث؟ ولذلك اختلفوا في الاقتصاص ممَّن قتل مَن لا وارث له سوى بيتِ المال، ولا تثبت أحكام الإِرث للفيء اتِّفاقًا.

1882 -

فرع:

إِذا تعدَّد الورثة فلا بدَّ من إِقرار الجميع، وأبعدَ مَن لم يشترط إِقرار الزوجين، ومن لم يشترط إِقرار الموالي، ولا يعتبر إِقرار المحجوب بالأشخاص أو الأوصاف.

1883 - فرع: إِذا أقرَّ الابن المشهورُ النسبِ بابنٍ آخر، فأنكر المقَرُّ له بنوَّة المقرّ فأوجه: أحدها: يثبت النسبان.

والثَّاني: يثبت نسب المقِرِّ وحدَه؛ لاعتراف المنكِر بخروج المقِرِّ عن أهليَّة الإِقرار.
والثالث: يثبت نسب المنكِر، ويندفع نسب المقِرِّ إِلَّا أن يقيم البيِّنة بذلك، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المسألة مفروضة في مشهور النسب.

1884 -

فرع:

لو أقرَّ الابن المشهور لاثنين بالبنوَّة، فكذب أحدُهما الآخر، ففي ثبوت نسبهما وجهان.

1885 -

فصل في إِقرار بعض الورثة بالنسب

إِذا أقرَّ أحد الاثنين لثالث بالبنوَّة، وأنكر الآخر، لم يثبت النسب؛ فإِن كان المقَرُّ به عبدًا للمورِّث ففي عتق نصيب المقِرِّ وجهان، وإن كان أنثى حَرُمَت على المقرِّ، وقال القاضي: إِن كانت مجهولةَ النسب حرمت عليه، وإن كانت معروفة النسب فوجهان، وهل يشارك المُقَرُّ به المقِر في الإرث؟ فيه طريقان: إحداهما: لا يشاركه ظاهرًا ولا باطنًا إِن لم يكن على بصيرة في الإِقرار، وإِن كان على بصيرة بأن شاهَدَ ولادته، ففي المشاركة في الباطن وجهان.
والطريقة الثانية: في المشاركة وجهان: أحدهما، وهو ظاهر المذهب: لا يشاركه؛ لأنَّ الإِرث تابع للنسب، فإِذا لم يثبت الأصل لم يثبت التابع، ولكن يلزم على هذا مسائل:

منها: تحريم المناكحة.
ومنها: العتق على أحد الوجهين.
ومنها: أنَّ مَن أقرَّ بضمان عن زيد، فأنكر زيد الدَّيْن، وحلف، فالأصحُّ مطالبة الكفيل بالضمان.
ومنها: أنَّ من ادَّعت نكاح رجل، فقال: ما نكحتها قطُّ، ففي تحريم النكاح عليها وجهان.
ومنها: أنَّ الزوجة لو ادَّعت الإِصابة قبل الطلاق، وأنكر الزوج، ففي وجوب العِدَّة عليها وجهان.
وقد فرَّقوا: بأنَّ هذه الأحكام مقصودة، بخلاف الإِرث، فإِنَّه تابع للأنساب، ولذلك لو أقرَّ لامرأة بالنسب، فأكذبته، حرم النكاح، ولم يثبت النسب.
والوجه الثاني: أنَّه يشاركه في الإِرث، فإِن كان المقِرُّ مجبَرًا على قسمة الإِرث فوجهان: أحدهما: يشاركه بنصف ما في يده.
والثَّاني: يشاركه بالثُّلث، وهو الأظهر، وطريقه: أن يقدَّر أنَّهما أقرا بنسبه، فالمسألة من ثلاثة، ويقدر أنَّهما أنكراه، فالمسألة من اثنين، فنضرب مسألة الإِقرار في مسألة الإِنكار، فتبلغ ستَّة، فندفع إِلى المكذِّب حصته من مسألة الإِنكار، وهو ثلاثة، وندفع إِلى المصدِّق حصَّته من مسألة الإِقرار، وهي سهمان، فيبقى السدس للمقَرِّ به، وإِن اختار المقِرُّ القسمة مع

علمه بنسب الثالث، دفع إِليه ثلث التركة ممَّا في يده؛ لاعتدائه بتسليم نصف سهمه إِلى المنكِر، وإِن لم يعلم بالنسب حتَّى اقتسما، فهو كاختيار القسمة أو الإِجبار عليها؟ فيه وجهان؛ إِذ الجهالةُ لا تؤثّر في تفويت الأموال.
وإِن

فرَّع

نا على المذهب الظاهر، فنفينا النسب والميراث، فأقرَّ أحدهما بزوجيَّة امرأة للمورِّث، وأنكر الآخر، فلا إِرث لها على الأصحّ.
ولو أقرَّ أحدهما بنسب، وأنكر الآخر، ثمَّ مات المكذِّب، ولم يخلّف سوى المصدّق، ففي ثبوت النسب الآن وجهان، وسواء أعاد الإِقرار بعد موت أخيه أو لم يُعِدْه، وإِن خلَّف المنكر ابنًا، فوافق عمَّه، ثبت النسب على المذهب، وقال القاضي: يُحتمل تخريجه على الخلاف فيما إِذا أقرَّ الوارث بنسب نفاه مورثه باللعان، ويمكن الفرق بأن العار يلحق في مسألة اللعان، بخلاف ما نحن فيه.
ولو مات عن ابنين، فمات أحدهما، ثم أقرَّ الآخر بثالث، لحق وورث؛ لاستغراق المقِرِّ للميراث.
ولو كان أحدهما صغيرًا، فأقرَّ الكبير بنسب؛ فإِن مات الصَّغير قبل البلوغ، ولا وارث له سوى الكبير، استقرَّ الإِقرار، وإِن بقي حيًا فقد قيل: يثبت النسب ويتوارثان؛ فإِن كذَّب بعد البلوغ فقد بأن البطلان، وقال الإِمام: هذا تناقض، وينبغي أن يُتوقَّف في النسب والتوارث إِلى البيان.

1886 - فرع: لو أقرَّ المستغرق بمن لو ثبت نسبه لحجب المقِرَّ حجْبَ حرمان، كالأخ يقرُّ بابني لأخيه، يثبت نسبه عند الأكثرين، وفيه وجه: أنَّه لا يثبت،

فإِن أثبتناه ففي الإِرث خلاف، واختار في "التقريب" التوريث.

1887 -

فصل فيمن استلحق أحد ابني أمتيه

من كان له أمتان عزبتان لهما ولدان، فقال: أحدهما ولدي، ثبت نسب أحدهما وحرّيَّته، وأُخذ بالبيان؛ فإِن بيَّن بحيث يثبت استيلاد الأمة، أو قال: استولدتها بشبهة، ثم ملكتها، فلا ولاء على الولد، وإِن قال: استولدتها بنكاح، ثم اشتريتها، يثبت الولاء على الولد، وإِن اقتصر على قوله: هذا ولدي منها، ففي ثبوت الاستيلاد وجهان؛ فإِن أثبتناه فلا ولاء على الولد، وإِن لم نثبته فعليه الولاء.
وإِذا تعيَّن أحدهما، وثبت استيلاد أمّه، فادَّعت الأخرى الاستيلاد وحرّيةَ ابنها، أو ادَّعى ذلك ولدُها، فالقولُ قول السيّد مع يمينه؛ فإِن نكل رُدَّت اليمين على المدَّعي منهما، فإِن حلف الولد فالولدان حرَّان نسيبان.
وإِن مات السيِّد قبل البيان قام الوارث مقامه، وكان بيانه كبيانه في النسب والحرّية والولاء والاستيلاد.
فإِن قال الوارث: لا أعرف، عُرِض الولدان على قائف قد رأى السيِّدَ، فإِن أَلحق أحدَهما ألحق وعتق، وفي ثبوت الاستيلاد والولاء الوجهان فيما إِذا اقتصر على قوله: هذا ولدي منها.
ولا يُرجع إِلى القائف مع وجود من يُعتمد عليه في البيان.
فإِن لم نجد قائفًا، أو وجدناه فغلط، وعسر التمسك بقوله، أُقرع بين

الولدين؛ فمن خرجت قرعته عتق ولم يلحق؛ إِذ لا مدخل للقرعة في الأنساب.
فإِن كان إِقرار السيّد لا يقتضي ثبوت الاستيلاد، فالمذهبُ أنَّا لا نحكم بعتق أمّ من خرجت قرعته، بل يُقرع بينها وبين الأخرى، وتعتق مَن خرجت قرعتها، وفيه وجه: أنَّها تعتق من غير إِقراع، والأصحُّ أنا نوقف ميراث ابنٍ من الابنين، وأبعدَ مَن منع الوقف، وهو باطل بمن طلَّق إِحدى امرأتيه على الإبهام.

1888 -

فرع:

إِذا تعيَّن نسب أحدهما، ولم يثبت لأمّه الاستيلاد، فإِنَّه يرث بعضها بموت أبيه، فتعتق عليه من غير سراية.

1889 -

فصل فيمن استلحق أحد أولاد أمته

نقدّم على ذلك: أنَّ ولد المستولَدةِ من نكاح أو سفاح لاحقٌ بها في أحكامها 1، فيعتق بموت سيّدها.
وأنّ من ادَّعى استبراء أمِّ ولده وحلف، فأتت بولد يمكن أن تعلق به بعد الاستبراء، ففي لحاقه به وجهان.
وأنَّ الراهن لو أولد المرهونة فلم نثبت 2 الاستيلاد، فبِيعت في الدَّين، ثم ولدت بعد البيع من نكاح أو سفاح، ثم ملكها الراهن مع أولادها، ففي

ثبوت الاستيلاد طريقان: إحداهما: التخريج على الخلاف فيمن أولد أمة بشبهةٍ ثم ملكها.
والثانية، وهي أصح: القطع بثبوت الاستيلاد؛ لأنَّها كانت في ملكه عند الوطء، وهل يثبت لأولادها حكم الاستيلاد تبعًا؟ فيه وجهان، ولو ملكهم دونها لم يثبت لهم حكم الاستيلاد.
فإذا عُرفت هذه الأصول؛ فلو كان لأمته ثلاثة أولاد، فقال: أحدهم ولدي، وصرَّح مع ذلك بما يثبت الاستيلاد، لزمه البيان، فإِن عيَّن الأصغر لَحِقَ وعَتَقَ، والآخران رقيقان، وإِن عيَّن الأوسط لَحِقَ وعَتَقَ والأكبر رقيق، وأمَّا الأصغر، فإن لم يدَّع السيّد الاستبراء، أو ادَّعاه وقلنا باللحاق، فإنه يعتق ويلحق؛ لثبوت الفراش، وإن قلنا: لا يلحق؛ فإِن أثبتنا لأولاد المرهونة حكم الاستيلاد في الصورة السابقة، ثبت للأصغر ها هنا حكم الاستيلاد، وإِن لم نثبت لأولاد المرهونة حكم الاستيلاد؛ فإن صرَّح السيّد بوقوع الصورة المذكورة في الرهن لم يثبت للأصغر حكم الاستيلاد؛ وإن أطلق فوجهان: أحدهما: الثبوت؛ لندرة وقوع صورة الرهن.
والثَّاني: لا يثبت؛ لاحتمال وقوعها، والإِقرارُ يُعتبر فيه اليقين.
وإن عين الأكبر عتق ولحق، وكان حكم الآخَرَيْنِ كحكم الأصغر إِذا عين الأوسط.

1890 -

فرع:

لو مات السيِّد، وتعذَّر الرجوع إِلى الوارث والقائف، أُقرع بين الثلاثة،

فمن خرجت قرعته عتق ولم يلحق، وقال المزنيُّ: يخرج الأصغر من القرعة؛ لأنَّ حريته ثابتة بالنسب أو بالاستيلاد، وهذا لا يتَّجه إِن نزَّلنا الواقعة على صورة الرهن، ولم نثبت لأولاد المرهونة حكم الاستيلاد، وإِن نزَّلناها على غير صورة الرهن، لم يصحَّ أيضًا؛ لأنَّ فائدة إِدخاله في القرعة الاقتصار على حريته إِن خرجت قرعته، ولأنَّ الإِقراع لا يجري إِلا بين عدد يتيقَّن أنَّ أحدهم حرٌّ، وإذا خرج الأصغر من الإقراع لم يتيقَّن الحرية بين الآخَرَيْن.

1891 -

فرع:

لو كان مع الثلاثة ابن مشهور النسب بالسيِّد، ففي وقف إِرث أحد الثلاثة خلاف، وظاهر النصّ أنَّه لا يوقف، ويأخذه المعروف، ولا يخرَّج إِلا على التنزيل على صورة الرهن، أو على الوجه البعيد في أنَّا لا نقف الإِرث عند إشكال النسب، فإِن وقفناه فقد قال المزنيُّ: يُدفع إِلى المعروف ربع الميراث، والربع إِلى الأصغر، ويقف النصف بينهم.
ولا يتَّجه هذا إِلَّا إِذا لم يدَّع الاستبراء، أو ادَّعاه وقلنا: لا يرتفع الفراش بذلك.

1892 -

فصل في الدعوى بالميراث

إِذا ادَّعى إِرثًا لم تُسمع دعواه ولا بيّنته إِلا أن يبيّن سبب الإِرث، فإِنْ بيَّن السبب، وأثبته بالبيِّنة، لم يَكْفِه ذلك حتَّى تشهد البيِّنة بأنَّه وارث؛ لأنَّ الإِرث قد يمتنع بالرقِّ والقتلِ واختلافِ الدِّين.

وقال الإِمام: إِن ظهرت حرية الميت وإِسلامُه لم يبعد الحكم بالتوريث، ولا ينظر إِلى إِمكان القتل.
وإذا ثبت السببُ واستحقاق الإِرث؛ فإِن كان ذا فرض لا يُحْجَبُ حَجْبَ الحرمان دُفع إِليه المستيقَن، وهو فرض عائل على أقصى درجات العول، فيُدفع إِلى الأمّ سدسٌ عائل من عشرة إِن أمكن أن تكون الصورة كذلك، ويوقف بقية الفرض إِلى البيان، وإِن لم يكن الوارث كذلك؛ فإِن أثبت انحصار الإِرث فيه بشهادة عدلين يشهدان أنَّهما لا يعلمان للميِّت وارثا سواه، أو أنَّه لا وارث سواه، فإِنَّه يستحقُّ الإِرث، ولا يطالَب بكفيل.
ويُشترط أن يكون الشاهدان خبيرين بباطن حال الميت، بأن يكونا قد عاشرا الميت في عمره، في حضره وسفره، وسرّه وعلنه، بحيث إنَّه لو نكح أو تسرَّى لعلما ذلك، فإِن عرفهما الحاكم بهذه الخبرة، أو أخبراه بذلك مع شهادتهما، أو قَبْلها أو بعدها، أجزأ ذلك.
وإِن لم يثبت انحصار الإرث لم يُدفع إليه شيء حتَّى يبحث الحاكم عن مواضع نهضات الميت، وجهات أسفاره، ويبعث إِلى ثقات من أهل تلك الجهات يأمرهم بإِشاعة موت المورِّث حتَّى لو كان له وارث آخر لظهر، فإذا مضت مدَّة يغلب على الظنّ أنَّه لو كان وارثٌ لظهر، فللوارث حالان: إحداهما: ألا يُحجب حجب الحرمان، كالابن، فيُسلَّم إِليه الميراث بلا خلاف، وهل تجب مطالبته بكفيل أو تستحبّ؟ فيه وجهان.
الثانية: أن يكون ممَّن يُحجب حجب الحرمان كالأخ، ففي تسليم الإِرث إِليه وجهان يجريان في تسليم الموقوف من سهام ذوي الفروض،

فإِن قلنا بالتسليم ففي التكفيل وجهان مرتَّبان على من لا يُحجب بحال، وأولى بالإِيجاب.

جارٍ التحميل