يزيد على مزايلة الولد، فقيمةُ الولد خارجة عن الرهن، ولا حقَّ للمرتهن بسبب نقص الجارية؛ لاندراج الأرش تحت القيمة الخارجة عن الرهن.
1532 -
فصل في إقرار المرتهن بالجناية ورهن المسلم من الكافر
يَحْرُم رهن المصحف من الكافر؛ فإِن رهنه أو رهن منه عبدًا مسلمًا فتفصيلُه كتفصيل البيع، والرهن أولى بالجواز، وإِذا مُنع الحربيُّ من شراء السلاح ففي صحَّة رهنه منه وجهان، ويجوز بيع السلاح ورهنه من الذمِّيِّ.
وإِذا أقرَّ المرتهن بالجناية، وأكذبه الراهن، فالقولُ قولُه مع يمينه، فإِن بِيع العبد في الرهن وسُلِّم الثمن إِلى المرتهن، لم يكن للمقَرِّ له أن يطالب المرتهن بشيء؛ لأنَّا إِن نفَّذنا بيع الجاني فلا حقَّ للمجْنيِّ عليه في ثمنه اتِّفاقًا (1)، وإِن منعناه فالبيع باطل، والثمن باقٍ على ملك المشتري.
1533 -
فصل في انفراد أحد العدلين بحفظ الرهن
إِذا فُوِّض إِليهما الحفظ مطلقًا، فانفرد به أحدهما، فوجهان: أحدهما: لا يجوز، كنظيره في الوصيَّة، فعلى هذا: إِن سلَّمه أحدهما إِلى الآخر فكلاهما متعدٍّ ضامن.1
والثاني: يجوز؛ اعتمادًا على العرف في ذلك؛ فإِنَّ الحفظ لا يتأتَّى منهما على الدوام، بخلاف التصرُّف بالوصيّة؛ فإِنَّه يندر، فشُرط أن يَصْدر عن رأيهما، فإِن اقتسماه لينفرد كلُّ واحد بحفظ حصَّته لم يجز إِن منعنا الانفراد، وإِن جوَّزناه فوجهان؛ إِذ لا عرف في مثل ذلك.
وقال الإِمام: إِن أَمْكَنَ الاشتراك في الحفظ فلا عدول عنه، وإِن تعذَّر فللقاضي القسمة إِن رأى ذلك.
1534 -
فرع:
إِذا أذن للعدل في بيع الرهن، فأتلفه أجنبيٌّ، لم يجز للعدل أن يقبض القيمة ولا أن يبيعها إِلا بإِذن جديد، خلافًا لابن سريج في القبض، فإِنَّه أجازه في المثليَّات، ولا وجه لما قال، ولا فرق بين المتقوِّم والمثليِّ.
1535 -
باب الرهن والحميل في البيع
يجوز أن يشرط في البيع الوثائق الثلاث، وهي الرهن، والشهادة، والضمان؛ بشرط تعيين الرهن والضامن، وفي تعيين مَن يعدَّلُ الرهنُ على يده وجهان، فإِن قلنا: لا يُشترط، فتراضيا بيد المرتهن أو غيرَه، جاز، وإِن تنازعا سلَّمه القاضي إِلى عدل، وقطع ما بينهما من الخصام، فإِن امتنع البائع من قبض الرهن: فهل يُجبَر عليه، أو يَحْكُم القاضي بإِبطال تخيُّره؟ فيه وجهان.
وإِن امتنع المشتري من الرهن، أو امتنع الكفيل من الضمان، يُخيَّر البائع، فإِن أجاز لزم العقد، ولا خيار للمشتري.
ولا يُشترطُ تعيين الشهود؛ إِذ لا يتعلَّق بهم القصود 1؛ إِذ الغَرَضُ إِشهاد عدول على البيع، أو الإِقرار به، فإِنْ عيَّنهم ففي التَّعيُّن وجهان، فإِن قلنا: يتعيَّنون، فلم يتحمَّلوا، ثبت الخيار، وإِن قلنا: لا يتعيَّنون، صحَّ البيع اتّفاقًا 2.
فإِن شرط رهنًا مجهولًا، أو كفيلًا غير معيَّن، بطل الشرط، وفي بطلان البيع قولان.
1536 -
فرع:
إِذا وجد بالرهن عيبًا قديمًا فله أن يردَّه، ثمَّ يفسخَ البيع، فإِن لم يَعرف العيبَ حتى تلف الرهن بعد اللزوم فلا أرش له، وفي تخيُّره وجهان، وإِن تنازعا في قدم العيب فالقولُ قول الراهن عند الإِمكان، وأيُّهما كذَّبه العيان رُدَّ قوله.
1537 - فرع: إِذا كان الرهن مستعارًا من اثنين، وقلنا: ينفكُّ نصيب أحدهما بأداء ما يخصُّه من الدَّين، فلا خيار للبائع إِن علم بذلك، وإِن جهل فوجهان، وقطع أبو محمَّد وابنه بثبوت الخيار، وإِن علم الاستعارة، وجهل تعدُّد المُعير ففيه احتمال؛ إِذ الغالب ائحاد السادة، والوجهُ: القطعُ بإِثبات الخيار.
1538 -
فصل في اشتراط رهن المبيع بالثمن
إِذا شرط ذلك؛ فإِن بدأنا في التسليم بالبائع، أو أجبرناهما، أو قلنا: لا يجبران، بطل البيع، وإِن بدأنا بالمشتري ففي صحَّة الشرط والبيع وجهان، فإِن قلنا: يصحُّ، فوفى به، كان رهنًا عند البائع، ولا يزول ضمان البيع إِلا بالقبض، ولا يُتصوَّر سقوط الدين بتلف الرهن إِلا في هذه الصورة.
1539 - فرع: إِذا قال المشتري: أزيدُك في الرهن، فزِدْني في الأجل، لم تلحق هذه الزيادة، فإِن أطلق الرهن بعد ذلك صحَّ، ولم يزدد الأجل، وإن شرط
الزيادة في عقد الرهن لم يصحَّ الرهن.
1540 -
فرع:
إِذا كان الرهن بيد الراهن، فزعم أنَّه ألزم الرهن بالتسليم إِلى العدل، ثمّ استردَّه للانتفاع، أُخذ بإِقراره في لزوم الرهن، ولا عهدة على العدل عند الاستحقاق، كما لو اعترف بأنَّ الوكيل باع من زيد، فأنكر الوكيل البيع، فإِنَّ المِلْكَ يثبت لزيد، ولا عهدة على الوكيل، ولا ضمان.
1541 -
فصل في الاختلاف
إِذا اختلفا في قَدْرِ الدِّين، أو في جنسه، أو في قَدْرِ الرهن، أو قَبْضِه، فالقولُ قول الراهن، ولو كان الدين ألفًا، فقال المرتهن: رهنتني عبدك الذي قيمته ألفٌ.
وقال الراهن: بل رهنتك العبدَ الذي قيمتُه خمسُ مئة، فالقول قول الراهن، خلافًا لمالك.
وإِن اختلفا في قدر الرهن المشروط في البيع، أو في جنسه، أو في إِيقاع عقده، تَحَالفا، وفُسِخَا البيع، على ما تقدَّم في اختلاف المتبايعين.
وإِن اتَّفقا على الرهن والإِقباض، ثم اختلفا في فسخ الرهنِ، فالقولُ قول المرتهن.
وإِن ادَّعى رجل على اثنين أنَّهما رهناه عبدهما؛ فإِن صدَّقاه ثبت الرهن، وإِن كذَّباه صُدِّقا بيمينهما، وإِن صدَّقَه أحدهما دون الآخر كان نصيبه رهنًا، وله أن يشهد على شريكه.
وإِن ادَّعى اثنان على رجل أنَّه رهنهما عبده، فصدَّق أحدَهما دون الآخر، ففي قبول شهادة المصدِّق وجهان أصلُهما: ما لو ادَّعيا على شخص هبةً لازمة، فصدَّق أحدَهما، فهل يشاركه المكذَّب فيما أخذ؟ فيه وجهان يجريان في كلِّ مِلْكٍ وحقٍّ يُتَلَقَّى من عقد واحد على الشياع؛ فإِن قلنا بالمشاركة رُدَّت الشهادة، وإِلّا فلا.
وإِن ادَّعى زيدٌ وعمروٌ على خالدٍ وَبكرٍ أنَّهما رهناهما عبدهما، فكذَّب خالدٌ زيدًا وصدَّق عمرًا، وكذَّبَ بكرٌ عمرًا وصدَّق زيدًا، فقد أقرَّ كلُّ واحد منهما بنصف نصيبه، وهو ربع العبد.
1542 -
فصل في الاختلاف في النيّة في الدّيون
إِذا كان لرجل على آخر درهمان بأحدهما رهن، فدفع إِليه درهمًا، ثمَّ ادَّعى أنَّه قصد به فكَّ الرهن، أو أنَّه وزَّعه على الدرهمين، وادَّعى المرتهن خلاف ذلك، فالقولُ قول الراهن؛ لأنَّ الاعتبار في الدَّين بقصد الدافع وإِن لم يقصد القابضُ شيئًا، حتَّى لو ظنَّ أنَّه وديعةٌ برئ الدافع على ما ذكره الأصحاب، وفيه نظر؛ إِذ القبضُ مملِّك، فإِن لم يقترن به لفظٌ يدلُّ على المِلْك فلا يَبعُد اشتراطُ علامة تدلُّ على ذلك.
وإِن قال: دفعتُ الدرهم عن الدين، ولم يقصد شيئًا، فهل يتوزَّع عليهما، أو يملك صرفه إِلى ما شاء من تخصيص أو توزيع؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا بالصرف، فصَرْفُه إِلى ما به الرهن انفكَّ الرهن، وإِن قلنا بالتوزيع، تَوَزَّع المقبوض على قدر الدينين إِن تفاوتا.
ولو أقرض الكافر كافرًا، أو باعه درهمًا بدرهمين، فأدَّى أحدهما، ثم أسلما، فإِن زعم الدافع أنَّ المؤدَّى هو الأصل سقط حقُّه من الربح، وإِن زعم أنَّ المؤدَّى هو الربح طالب بالأصل، وإِن أطلق: فهل يتوزَّع، أو يصرفه إِلى ما يشاء من تخصيص أو توزيع؟ فيه الوجهان.
وإِن وكَّل رجلان رجلًا في قبض درهمين لهما على رجل، فأخذ منه درهمًا روجع الدافع؛ فإِن اعترف بأنَّه قصدَ أحد الموكِّلَين فقد برئ من ديَنه، وإِن قال: لم أقصد شيئًا، ففي التوزيع والصرفِ إِلى من يشاء الوجهان.
وإِذا عيَّن الدافع جهةً بلفظه، ثمَّ رجع، لم يُقبل رجوعه.
ولو قال الدافع: خذ هذا الدرهم، وادفعه إِلى موكِّلك فلان، فهل يتضمَّن ذلك انعزاله عن القبض؟ فيه وجهان، والأَفقُه أنَّه ينعزل؛ ليكون قوله: ادفعه إِلى موكِّلك، مفيدًا، وسواءٌ صرَّح الوكيل بقبول التوكيل أو لم يصرِّح؛ فإِنْ تلف الدرهم في يد الوكيل ففي البراءة منه الوجهان.
1543 -
فصل في الاختلاف في إقباض الرهن
إِذا كان الرهن بيد المرتهن، فادَّعى القبض عن الرهن، وادَّعى الراهن الغصب، صُدِّق الراهن بيمينه على الأصحِّ.
وإِن قال الراهن: أعرتُكه، أو: أودعتُه عندك، أو: اكتريتَه ممَّن أكرَيتُه منه، فوجهان.
وإِذا أثبتنا حقَّ الحبس للبائع ففي بطلانه بالإِعارة من المشتري وجهان،
وفي الإِيداع وجهان مرتَّبان، وأيُّهما أولى بالبطلان؟ فيه مذهبان.
فإِن كان المبيع بيد المشتري، فادعى الإِقباض، وادَّعى البائع الغصب، فإِن سقط الثمن عن ذمَّته، أو كان مؤجَّلًا، لم يُسمع تنازعُهما؛ لوجوب التسليم بكلِّ حال، وإِن كان حالًّا باقيًا فالقولُ قول البائع على الأصحّ.
وإِن ادَّعى البائع الإِعارة أو الإِيداع، فإِن قلنا ببطلان الحبس فلا معنى للنزاع، وإِن قلنا: لا يبطل، ففيه كصورة الرهن وجهان.
وعلى الجملة: حقُّ الحبس ضعيف؛ ولذلك يُجعل إِتلاف المشتري قبضًا، ولا يلزمه دفع القيمة لتحبس على الثمن، وأبعدَ مَن لم يجعله قبضًا، وأوجب دفع القيمة ليحبس على الثمن.
1544 -
فروع متفرِّقة:
إِذا قال: رهنتك هذا بدَينك.
فقال: بل بعتنيه بالدَّين.
فالقولُ قول الراهن اتِّفاقًا، ولا نحكم (1) ببيع ولا رهن.
وإِن قال: بعتكه بدينك.
فقال: بل رَهَنْتَنيه به.
حلف كلٌّ منهما على نفي ما ادُّعيَ عليه، ولا يُحكم ببيع ولا رهن.
1545 -
فرع:
إِذا قبض العدل ثمن الرهن بالإِذن، وادَّعى تسليمه إِلى المرتهن، فأنكر، فالقولُ قول المرتهن، وله أن يطالب الراهن بالدين، والعدلَ ببدل الرهن؛ فإِن أخذ البدل لم يرجع به العدل على أحد؛ لأنَّه مظلوم بزعمه،1
فلا يرجع على غير ظالمه.
1546 -
فرع:
إِذا ادَّعى على اثنين أنَّهما رهناه عبدهما، فأنكر كلُّ واحد منهما في حقِّ نفسه، وشهد على صاحبه؛ فإِن حلف مع كلٍّ منهما ثبت حقُّه عليهما.
وقال أبو حامد: ينبغي ألا تُقبل شهادتهما؛ لاعترافه بكذبهما في إِنكارهما، فكيف تُقبل الشهادة لمن كذَّب شاهده؟ وفيما ذكره نظر؛ لاحتمال أنَّهما نسيا أو غفلا، فلا ينبغي أن يبادَرَ بالتفسيق مع وجود احتمالات لا فِسْقَ فيها.
1547 - فرع: إِذا مات المرتهن والرهنُ بيده، فللراهن ألَّا يرضى بيد وارثه، وإِن ساوى المورِّث في العدالة، فيسلِّمه الحاكم إِلى عدل، وقيل: لا يُزيل يد الوارث، بل يضمُّ إِليها يدًا أخرى إِن طلب الراهن.
1548 - فرع: إِذا ردَّ العدلُ الرهن على العاقدين، فامتنعا، أجبرهما الحاكم على أخذه، وليس له التسليمُ إِلى الحاكم مع حضورهما؛ فإِن سلَّمه ضمن، ولا يجوز للحاكم أخذُه إِن عَلِمَ حضورَهما، وإِن غابا لم يجز للحاكم أخذُه إِلا إذا كانا على مسافة القصر، وللإِمام تردُّد فيما زاد على مسافة العَدْوَى 1 ونقص عن
مسافة القصر.
1549 -
فصل في انتفاع الراهن بالمرهون
منافع الرهن للراهن لا تُعطَّل عليه، وليس له إِزالة يد المرتهن للانتفاع إِن اشتهر بالخيانة، وإِن لم يشتهر فقولان:
أحدهما: ليس له ذلك، فيستكسِبُ الرهنَ في يد المرتهن، ولا مبالاة بما يتعطَّل من منافعه.
والثاني وهو الأصحُّ: أنَّه يأخذ الرهن لينتفع به نهارًا، ثم يردُّه ليلًا، فإِن وثق به الراهن سلَّمه إِليه، وإِن لم يثق به كلَّفه الإِشهاد في كلِّ أخذٍ واسترداد، إِلا أن يكون مشهورًا بالعدالة، ففي تكليفه الإِشهادَ وجهان.
ولا خلاف أنَّ يد البائع لا تُزال لانتفاع المشتري إِذا أثبتنا حقَّ الحبس، وهل يُستكسَبُ في يد البائع، أو تُعطَّلُ منافعه؟ فيه وجهان.
وليس للراهن أن يسافر بالرهن اتِّفاقًا، وللسيِّد أن يسافر بالأمة المزوَّجة، وللزوج أن يسافر بزوجته الحرَّة، ولا مبالاة بما يتعطَّل على الحرَّة، وزوجِ الأمة.
1550 -
فصل في فوائد المرهون
لا حكم للزيادة المتَّصلة إِلا في الصَّداق، ولا يتعلَّق الرهن بما يحدث من الزيادات المنفصلة بعد الرهن، كالثمار والألبان، وللحمل أحوال:
إحداها: أن يكون موجودًا عند الرهن والبيع في الدَّين، فلا حكم له كالزيادة المتصلة.
الثانيه: أن يحدث بعد الرهن، وينفصلَ قبل البيع، فلا يتعلَّق به الارتهان.
وفي ولد المدبَّرة والمكاتبة قولان، وفي ولد الجارية المنذورِ عتقُها، والشاةِ المنذورِ التضحيةُ بها، طريقان:
إحداهما: القطع بأنَّه كأمِّه.
والثانية: فيه القولان.
وولد المغصوبة كأمِّه في الضمان، وفي ولد العارية والمَسُومة 1 وجهان:
أحدهما: يُضمن ضمانَ أمِّه.
والثاني: أنَّه كثوب تُلقيه الريح إِلى دار إنسان.
وفي ولد الوديعة وجهان:
أحدهما: أنَّه كأمِّه تُحفظ بغير إِذنٍ جديد.
والثاني: أنَّه كالثوب الملقَى بالريح، لا يُحفظ إِلّا بإِذن جديد، وهذا يلتفت على أن الإِيداع عقد أم لا؟ فإِن جُعل عقدًا، فشُرط فيه شرطٌ فاسد كالنفقة على المستودع، فهو كالثوب لا يحفظ إِلا بإِذن جديد، وإِن لم يُجعل عقدًا جاز الحفظ بالإِذن الأوّل، ولا خلاف أنَّ الولد الحادث بعد لزوم البيع
لا يُحبس على الثمن كأمِّه وكلُّ تصرُّف استُحِقَّ به المِلك بحيث يمتنع زواله، كالإِيلاد، وقوله: جعلتُ هذه الشاة أضحيةً، فالولد فيه ملحَق بأمِّه.
الثالثة: أن يوجد الحمل عند العقد، وينفصل عند البيع، ففي تعلُّق الرهن به قولان مأخوذان من أن الحمل: هل يُعرف؟ فإِن قلنا: يُعرف، تعلَّق به الرهن، وإِلا فلا، وقال أبو محمد: إِن قلنا: يُعرف، ففي تعلُّق الرهن به قولان؛ لضعف الرهن عن الاستتباع.
الرابعة: أن يوجد عند البيع، ويُفقد عند الرهن، ففي التعلُّق قولان، فإِن قلنا بنفي التعلُّق لم يَجُزِ البيع حتَّى ينفصل، فيُباع مع أمّه؛ إِذ لا يجوز الإِفراد على المذهب، وفي اللبن الحاصل عند العقد طريقان:
إِحداهما: أنَّه كالحمل.
والثانية: القطع بخروجه عن الرهن؛ لأنَّه مقطوع بوجوده.
وإِذا وجد الثمر عند الرهن والبيع؛ فإِن لم يكن مأبورًا فطريقان:
إحداهما: أنَّه كالحمل.
والثانية: فيه قولان.
وإِن وُجد عند الرهن، وأبِّر قبل البيع، ففي إِلحاقه بالحمل طريقان:
إحداهما: نفي التعلُّق قولًا واحدًا؛ لجواز إِفراده بالتصرُّف.
وأمَّا الصوف الموجود عند الرهن فلا يدخل فيه على الأصحِّ، ونقل الربيع أنَّه يدخل، وقيل: يدخل، إِلا أن يكون مستجَزًّا، فلا يدخل، فإِن قلنا: يدخل، تعلَّقَ الرهن بتلك الجزَّة بعد الجَزِّ.
وأمَّا الأغصان فتدخل في الرهن، إِلا ما يُعتاد قطعه وإِخلافُه من موضع القطع كأغصان الخِلاَف؛ فإِنَّه مُلْحَقٌ بالأصواف.
ولا يدخل من الأوراق ما يُعتاد قطعه؛ كأوراق الفرصاد؛ لأنَّها كالثمر المأبور، وما لا يقطع، ولكن ينتثر في الخريف، فالمذهب: دخوله في الرهن، فإِذا سقط فالرهنُ متعلِّق به كأنقاض الدار، وقيل: إِذا انتثر أو نُثِر لم يتعلَّق الرهن به.
والاعتبار في جميع ما ذكرناه بحال العقد، فالحادثُ قبل القبض كالحادث بعده، وأبعدَ مَن اعْتَبَرَ وقتَ القبض.
1551 -
فصل فيما يجوز من الانتفاع وما لا يجوز
للراهن أن ينتفع بما لا ينقصُ القيمة، كالسُّكنى والركوب والاستخدام، ولا يجوز بما ينقصُها، كوطء مَن يُخشى عُلُوقها، وفيمن لا يُخشى كالصغيرة والآيسة وجهان أشهرهما: المنع.
ولا يَقطع سلعة يُخشى سريانُها إِلى عضو أو نفس.
ولا يُمنع من التعهُّد بما يجلب نفعًا أو يدفع ضرًّا، كتبزيغ الدوابِّ وتوديجها، والفصدِ والحجامة والختان، وأبعدَ مَن منع الختان عند مقاربة الحلول.
وأمَّا الزرع: فإِنْ نَقَصَ قيمة الأرض لإِضعافها -كالذرة- منع، وإِن لم ينقص نقصًا معتبَرًا؛ فإِن كان ممَّا يُحصد قبل الحلول جاز، وإِلا فلا، وخرَّج
الربيع قولًا: أنَّه يجوز، فإِن وفت الأرض بالدين عند المحلِّ، وإِلا قُلع، وقد ذكرنا مثله في إِنشاء الغراس.
وأمَّا الإِجارة: فتجوز إِن ساوى أجَلُها أجلَ الدين، أو نقصَ عنه، وإِن زاد أو كان الدين حالًّا لم يجز بوفاق الربيع؛ لأنَّها إِذا صحَّت لزمت.
ولا يُمنع من إِنزاء الفحل إِلا أن تَنْقصَ القيمةُ.
والإِنزاء على الأنثى إن نقص القيمة منع، وإِن لم ينقص؛ فإِن جوَّزنا بيعها مع الحمل الحادث جاز، وإِلا فلا.
وكلُّ تصرُّف منعناه -كالوطء وغيره- فهو جائزٌ بإِذن المرتهن.
1552 -
فصل في رهن الجواري
يجوز رهن الجواري، وقيل: يمتنع رهن الحِسَان منهنَّ إِلّا من ذي مَحْرَم، وعلى المذهب لا تُسلَّم إِلى المرتهن إِن لم يُؤْمَن جانبه، بل تُوضع على يد امرأة أو عدل لا يتطرَّق إِليه إمكانُ إِلمامٍ بها، فإِن كان المرتهن محفوفًا بأقاربه وأهله في دارٍ بحيث تَزَعُه الحشمةُ من الإِلمام بين أظهُرهم فلا بأس.
1553 -
فصل في مؤونة الرهن
النصُّ الذي قطع به العراقيُّون: أنَّ المؤن الراتبة على الراهن، فإِن امتنع عن شيء منها أُجبر، خلافًا للمراوزة، فإِنَّهم لم يُلزموه المؤونة، وقالوا: إِن امتنع من الإِنفاق على الحيوان باع الحاكم جزءًا منه، وأنفقه عليه، وعلى
هذا: إِنْ خِيف عليه أن تأكله النفقة أُلحق بما يَفسد قبل الأجل، وإِن خيف أن تأكل النفقة بعضه انقدح بيع الجميع؛ دفعًا لعيب التشقيص.
والبيت الذي يُحفظ فيه الرهن كالمؤن، فلا يلزم المرتهن اتِّفاقًا.
1554 -
باب رهن الرجلين الشيء الواحد من الرجل الواحد
إِذا رهنا عبدهما من رجل، فبرئ من دين أحدهما، انفكَّ نصيبه من الرهن، وكذلك لو رهن عبدًا من رجلين، ثم برئ من دين أحدهما، انفكَّ نصيبه سواءٌ اتَّحدت الجهة أو تعدَّدت، وغَلِطَ مَن قال: لا ينفكُّ عند اتِّحاد الجهة، كإِتلاف ثوب لهما، أو شرائه منهما.
وإِن استعار عبدًا من رجل، فرهنه من اثنين، ثم برئ من دين أحدهما، انفكَّ نصيبه من الرهن، وإِن استعار من اثنين، فرهن من اثنين، ثم برئ من أحد الدينين، انفكَّ ما يخصُّه من الرهن موزَّعًا على المالكين، وإِنَّما انفكَّ في هذه الصور؛ لتعدُّد الدَّين.
فإنْ تعدَّدَ المالك، واتَّحد الدين والدائن والمدين، مثل أن استعار من رجلين، فرهن من واحد بدين متَّحد، ثمَّ أدَّى نصف الدَّين؛ فإِن قصد فكَّ نصيب أحدهما ففي انفكاكه قولان؛ إِذ لا تعدُّد في الدَّين؛ وإِن قصد التوزيع على النصيبين لا ينفكُّ شيء من الرهن.
وللشافعيِّ نصٌّ غريب بعيد: أن الرهن لا ينفكُّ في نصيب أحد الشريكين إِلا إِذا عَلم المرتهن أنَّه استعارةٌ من اثنين، ولا وجه لذلك؛ لأنَّ سبب الانفكاك تعدُّد الدين، وذلك لا يختلف بالعلم والجهل.
ولو استعار عبدين لرجلين قيمتُهما سواءٌ، فرهنهما من واحد بدَين متَّحد، ثم أدَّى نصفه قاصدًا لفكِّ أحد النصيبين؛ فإِن كانا مشتركين في العبدين ففيه القولان، وإِن انفرد كلُّ واحد منهما بعبد فطريقان:
أصحُّهما: طرد القولين؛ لاتِّحاد الدَّين.
والثانية: الجزم بالانفكاك؛ لتميُّز العبدين.
ولو أذن أحد الشريكين للآخر في رهن حصَّته من العبد، فرهن الجميعَ من واحد بِدَين واحد، ثمّ أدَّى نصفه قاصدًا لفَكِّ أحد النصيبين، ففيه القولان.
وإِن وكَّلا رجلًا لرهن (1) عبدهما من رجل، فأدَّى دَينَ أحدهما، انفكَّ نصيبه، وغلط مَن طرد القولين؛ لأنَّ الدَّين هاهنا متعدِّد، فلا تبقى حصَّة أحدهما رهنًا بدين الآخر.
1555 -
فصل في قسمة الرهن
إِذا انفكَّت حصَّة أحد الشريكين من الرهن، فطلب القسمة، فإِن جعلناها إِفرازًا جاز اقتسام الرهن، وفي اشتراط مراجعة المرتهن فيه وجهان، وإِن جُعلت بيعًا امتنعت قسمة الرهن، ولا يُخرَّج على الخلاف في قسمة الأوقاف.
والقسمة ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يعتمد مَحْض الجزئية، كالمتماثلات.1
الثاني: ما يعتمد الجزئية، وتعديلَ القيمة؛ كالدُّور والأقرحة 1.
الثالث: ما يعتمد مجرد التعديل، كاقتسام عبدين على أن ينفرد كلُّ واحد بعبد، وكوضع القسمة على أن ينفرد أحدهما بعبدٍ والآخرُ بدارٍ أو بستانٍ أو شيءٍ من المنقولات.
ويُجبَر على النوعين الأوَّلين، ولكن حقَّ على الطالب أن يراجع شريكه، فإِن أبى رَفَعَ الأمر إِلى الحاكم، وفي الإِجبار على الأخير قولان، والأوَّلان بَيع أو إِفراز؟ فيه قولان، وفي الثالث طريقان:
إحداهما: القطع بأنَّه بيع.
والثانية: فيه القولان.
وإِذا طلب الشريك قسمة الإِجبار لزم الحاكمَ مراجعةُ شريكه؛ فإِن أجاب تعاطى القسمة بنفسه، وإِن امتنع وجب الإِجبار، فإِن كان المقسوم رهنًا فليراجع الشريك، وفي مراجعة المرتهن الوجهان، فإِن روجعا، فامتنعا لزم الإِجبار.
ولو رهنا عبدين قيمتُهما واحدة، فانفكَّ نصيب أحدهما، فطلب قسمةَ التعديل لينفرد بأحدهما؛ فإِن جُعلت بيعًا فلا إِجبار، وإِن رضي المرتهن، وأجزنا نقل الوثيقة؛ إِذ لا خلاف أن النقل لا يجوز بصيغة البيع.
وإِن جعلت إِفرازًا ومنعنا الإِجبار، فاقتسم الشريكان، ففي مراجعة
المرتهن وجهان مرتَبان، وأَولى بالمراجعة؛ لأنَّ الإِجبار ثَمَّ أوهنَ حقَّه، فلم يراجع، بخلاف قسمة الاختيار.
1556 -
فصل فيمن أقرَّ أنَّه رهن من رجل ثم من آخر
إِذا رهن عبده من زيد، ولم يُقبضه، ثمَّ رهنه من عمرو، وأقبضه، لزم الثاني، وانفسخ الأوَّل.
وإِن أقرَّ أنَّه رهنه من زيد، ولم يتعرَّض للقبض، ثم أقرَّ بأنَّه رهن من عمرو، وأقبض، سلَّم الرهن إِلى عمرو.
وإِن أقرَّ لهما متعاقبين بالرهن والإِقباض، سلَّم إِلى الأوَّل، وهل يَغْرمُ للثاني قيمة الحيلولة؟ فيه قولان.
وإِن قال: رهنتُ من زيد، وأقبضتُه بعدما كنتُ رهنتُ من عمرو وأقبضتُه، فإلى أيِّهما يسلَّم؟ فيه قولان مأخذهما: أنَّ الاعتبار بأوّل الكلام أو بآخره.
1557 -
فصل فيمن أقرَّ لرجلين بالرهن والإقباض
إِذا ادَّعى كلُّ واحد من رجلين على شخص أنَّه رهنه عبده وأقبضه، ثمّ انتزعه وسلَّمه إِلى صاحبه، ولم تكن بيِّنةٌ، فللرهن أحوال: الأولى: أن يكون بيد المالك أو نائبه، فإِن كذَّبهما صدِّق بيمينه، وإِن صدَّق أحدهما، وكذَّب الآخر، سلِّم الرهن إِلى المصدَّق، وفي تحليفه
للآخر قولان مأخذُهما قولا غرم الحيلولة، فإِن قلنا: يغرم القيمة، حلف، وإِلا فلا، فإِن قلنا: يحلف، فحلف، لم يغرم، وإِن نكل رُدَّت اليمين على المدَّعي، فإِن نكل فلا غرم، وإِن حلف وجب الغرم، وقيل: إِن جعلنا يمين الردَّ كالبينة سلِّم الرهن إِلى الحالف، وفي التغريم للمصدِّق طريقان:
إحداهما: لا يجب؛ لأنَّ النُّكول لا يشبه الإِقرار.
والثانية: فيه القولان، وهذه طريقةٌ في غاية الضعف؛ لأنَّ يمين الردِّ إِنَّما يُجعل كالبيِّنة في حقِّ المتداعيين خاصَّةً.
وإِن صدَّقهما فيما ادَّعياه، وقال: لا أعرف السابق؛ فإِن اعترفا بجهله بالسبق فلا خصومةَ لهما معه، ويبقى النزاع بينهما، ولكلِّ واحد تحليفُ صاحبه، فإِن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قُضي للحالف، وإِن تحالفا، أو تناكلا، انفسخ الرهن عند الأصحاب؛ لتعذُّر إِمضائه، وخرَّجه أبو محمَّد على اختلاف المتبايعين في الفسخ والانفساخ، وفي نفوذه في الظاهر والباطن، وفيمن يتولَّاه، وطَرَدَ هذا في كلِّ عقد يفسخ بسبب الإِشكال.
وقال الإِمام: إِن قلنا بالفسخ، فلا يتولَّاه إِلا الحاكم.
وإِن ادَّعيا أنَّ الراهن عالمٌ بالسابق منهما، صُدِّق بيمينه أنَّه لا يعلم، فإِن نكل في حقِّهما فهو كاعترافهما بجهله، فيبقى النزاع بينهما، وإِن حلف لهما على نفي العلم فثلاثة أوجه:
أحدها: الفسخ أو الانفساخ.
والثاني: يقسم بينهما نصفين، وهو بعيد؛ إِذ العقد لا يقبل الانقسام، وخرَّجه القاضي على ما إِذا نكل في حقِّهما؛ إِذ لا فارق.
والثالث، وهو الأصحُّ: أنَّهما يتنازعان إِذا حلف، فإِن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قُضي للحالف، وإِن تحالفا، أو تناكلا، فالفسخ أو الانفساخ أو القسمة.
وإِن أقرَّ بسبق أحدهما قُبل، وفي حلفه للآخر القولان، فإِن قلنا: يحلف، فحلف، انقطع الخصام، وإِن نكل رُدَّت اليمين على خصمه، فإِن حلف انقطع الخصام، وإن نكل فثلاثة طرق:
أصحُّها: غرم القيمة للحالف.
والثانية: فيه وجهان: أحدهما: الانفساخ.
والثاني: الاقتسام.
والثالثة: تجب القيمة إِن جُعلت يمين الردِّ كالإِقرار، وإن جُعلت كالبيِّنة سلِّم الرهن إِلى الحالف، وبطل الإِقرار.
الثانية 1: أن يكون الرهن في يد أحدهما، فإِن صدَّقه أُقرَّ في يده، وإِن صدَّق الخارج، واعترف بجريان الرهنين، ففي ترجيح اليد على الإِقرار قولان، أصحُّهما: أنَّها لا ترجَّح، فنسلِّم الرهن إِلى المقَرِّ له بالسبق، واختار المزنيُّ الترجيح، فإِن قلنا بالترجيح فلابدَّ من يمين صاحب اليد.
الثالثة: أن يكون بأيديهما، فإِن صدَّق أحدهما أُقرَّ في يده إِن رجَّحنا الإِقرار، وإِن رجَّحنا اليدَ جُعل بينهما نصفين، ولا يجري الخلاف في الترجيح باليد إِلا عند الاعتراف بوقوع الرهنين، ولا نعرف خلافًا: أن ذا اليد إِذا ادَّعى على المالك الرهنَ والإِقباض، فأكذبه في الرهن، أنَّ القول قول المالك.
1558 -
فرع للمزنيِّ:
إِذا كان الرهن بيد أحدهما فقال: قبضته أنا وصاحبي، ولكنِّي سبقته بالقبض، نُزع منه وسُلِّم إِلى صاحبه؛ لاعترافه بتقدُّم يد صاحبه على يده المشاهَدة.
وقال القفَّال: إِن اعترف أنَّهما لم يقبضاه إِلا دفعةً واحدة، فالجواب كما قال المزنيُّ، وإِن قال: سبقته باليد فغصبه منِّي، ثمّ انتزعته منه، فإنَّا نُقرُّه في يده.
والذي ذكره المُزنيُّ أوجَه ممَّا ذكره القفَّال.
1559 -
باب الرهن يجمع شيئين
إِذا باع الشجر أو رهنه، أو باع الجدران أو البنيان أو رهنهما، ففي دخول الأساس والمغارس في العقد ثلاثة أوجه؛ في الثالث: يدخلان في البيع دون الرهن؛ فإِن أدخلنا الأسَّ والمغرس في البيع مَلَكَهما المشتري، وإِن قلنا: لا يدخلان، فليس للبائع القلعُ إن لم يبذل الأرش، وإِن بذله فوجهان، وإِن كان بين الأشجار بياضٌ لم يدخل في العقد، فإِن كان ممَّا يُفرَد بالانتفاع لم يدخل في العقد، وإِن لم يمكن الانتفاع به إِلا تبعًا للأشجار، فلا يلحق بالمغارس على أصحِّ الوجهين.
1560 -
فصل في رهن الثمار
إِذا رهن الثمر المُزْهي على الشجر؛ فإن كان ممَّا يُجفَّف جاز رهنه بالحالِّ والمؤجَّل، وإِن كان ممَّا لا يُجفَّف؛ فإِنْ رهنه بالحالِّ جاز 1، وإِن رهنه بمؤجَّل؛ فإِن كان ممَّا يفسد قبل المحلِّ فحكمُه حكمُ ما يَسرع إِليه الفساد، وإِن كان ممَّا لا يفسد قبل الأجل صحَّ الرهن.
وإِن رهنه قبل الزهو؛ فإِن أطلق والدينُ حالٌّ فقد ألحقه أبو محمد والإِمام برهن ما يَفسد، وذكر غيرُهما قولين، والفرقُ بينه وبين البيع: أنَّ العادة في البيع تنقية الثمار، فإِن قلنا بالصحَّة فلها معنيان:
أحدهما: تنزيل الحلول منزلة شرط القطع.
والثاني: أنَّا لا نحتاط للرهن احتياطَ البيع؛ لأنَّه تبعٌ غير مقصود.
وإِن كان مؤجَّلًا بأجل يتقدَّم على الزهو فله حالان:
إحداهما: أنَّ يَشْرطَ أنَّ يُباع بشرط القطع، فقولان مرتَّبان مأخذُهما المعنيان، فإِن جعلناه كالبيع صار كما لو باع الثمر قبل الزهو بشرط القطع بعد يوم، فإِنَّه يَفسد؛ لاشتراط التنقية وإِنْ قرب الزمان.
الثانية: أنَّ يُطْلِقَ، فقولان مرتَّبان، وأولى بالبطلان، وقطع صاحب "التقريب" بالبطلان.
وإِن رهنه بدينٍ يتأخَّر أجلُه عن الزَّهو، فقد جعل أبو عليِّ الزهوَ عند المحِلِّ كشرط القطع عند المحلِّ فيما لا يُزْهي إِلا بعد المحلِّ.
وإِن رهن الثمر مع الشجر سقط اشتراط القطع كالبيع، فإِن كان ممَّا يفسد قبل المحلِّ فحيث يفسد يُخرَّج رهن الشجر على تفريق الصفقة.
ومن ألحق رهن الثمر قبل الزهو بما يفسد -وإِن كان فسادُه لا يُتَوقَّع إِلا من جهة العاهات- فإِنَّه يُفصِّل الأمر في الثمار، ويُخرِّج الشجر على التفريق حيث يفسد رهن الثمار.
1561 -
فصل في اختلاط المرهون بغيره
اختلاط الثمار بعد لزوم الرهن كاختلاطها في البيع قبل القبض؛ فإِن قلنا: لا ينفسخ الرهن بذلك، فوقع قبل اللزوم، فالمذهبُ الانفساخ، وأبعدَ مَن ألحقه بانقلاب العصير، لأنَّه متوقَّع التخلُّل، بخلاف تميُّز الثمار.
1562 -
فصل في رهن الزرع
للزرع حالان:
إحداهما: أنَّ يكون مُخْلِفًا كالقُرط، فإِن رهنه بمؤجَّلٍ لم يصحَّ إِلا بشرط القطع، وحكمُه بعد القطع حكمُ ما يفسد، وإِن رهنه بحالٍّ ففيه كالثمر قبل الزهو قولان.
الثانية: ألّا يكون مُخْلفًا، فإِن لم ينجُ من العاهة ففي إِلحاقه بالمُخْلِفِ وجهان مأخذُهما: أنَّه لو اشتراه فهل يملك عروقَه؟ فيه وجهان، فإِن قلنا: لا يملكها، التحقت زيادتُه بزيادة القرط، وحكمُها حكمُ اختلاط الرهن بغيره، وإِن قلنا: يملكها، التحقت الزيادة بكُبْر الثمر المتعرِّض للعاهة، فيفرَّق بين أنَّ يَشْرطَ القطعَ وبين ألا يَشْرطه.
1563 -
باب ما يفسد الرهن من الشرط
كلُّ شرط وافق مقتضى العقد أكَّده، وكلُّ شرط قدح في مقصوده أفسده قولًا واحدًا، كقوله: بشرط ألا تتوثَّق به، أو: لا يُباع في دَينك، أو: لا تُقدَّم به على الغرماء 1، فإِن شَرَط هذا الرهنَ في بيعٍ ففي فساد البيع قولان يجريان في اشتراط رهن الخمر والخنزير.
وكلُّ شرط لا يقتضيه الرهن، ولا يقدح في مقصوده، كاشتراط الزوائد والمنافع للمرتهن، فالشرط فاسد، وفي فساد الرهن قولان، فإِن شُرط في بيعٍ بطل البيع والرهنُ قولًا واحدًا، لأنَّ الزوائد مضمومة إِلى الثمن، فيصير مجهولًا.
وإِن رهن حيوانًا على أنَّ يكون ما ينتجه رهنًا عند النتاج، فسد الشرط، وفيه قول: أنَّه يصحُّ، ويتعلَّق الرهن بالنتاج؛ لأنَّ الرهن إِنَّما لم يَسْرِ إِلى النتاج؛ لضعفه، فإِذا نصَّ عليه سرى، وعلى هذا: لو شرط السراية إِلى العقر والأكساب، ففيه تردُّد، والظاهر أنَّه لا يسري، لأنَّها ليست من أجزاء الرهن.
1564 -
فصل فيمن اقترض بشرط أنَّ يرتهن بالقرض وبدين آخر رهنًا
إِذا قال: أقرضتك درهمًا على أنَّ ترهنني به وبالدرهم الذي عليك عبدًا، بطل القرض، وكذلك لو قال المقترض: أقرضني درهمًا على أنَّ أرهنك به وبالدرهم القديم، وقيل: يصحُّ، قال الإِمام: إِن شرطنا القبول باللفظ فسد القرض، وإِن لم نشرطه ففيه احتمال.
فإِن رهن العبد بالدرهمين؛ فإِن كان الثاني باقيًا لم يصحَّ الرهن به، وفي الدرهم القديم قولا تفريقِ الصفقة، وأولى بالصحَّة؛ إِذ العلَّة المعتمدة في البيع جهالةُ الثمن، فإِن قلنا: يصحُّ؛ فجميعُ العبد رهن بالدرهم القديم، وإِن تلف الدرهم الثاني في يد المقترض قبل الرهن، صحَّ الرهن بالدرهمين.
1565 -
فرع:
إِذا رهن بالألف القديم ظنًّا أنَّه يلزمه الوفاءُ بالشرط صحَّ، خلافًا للقاضي؛ فإِنه أبطله، كما لو أدَّى دَيْنًا بظنِّه، ثمَّ بان براءتُه منه، ولو شرط في البيع بيعًا، ثم عقد البيعَ المشروط على ظنِّ الوجوب، صحَّ على ما قطع به أبو محمد والإِمام، وقياسُ القاضي: البطلان.
وإِن باع ما ظنَّه خمرًا، فبان خلًّا، صحَّ على قياس أبي محمد، وفيه على قياس القاضي غموض، وإِن شرط في القرض رهنًا ينتفع به المقرض بطل القرض والرهن.
1566 -
فصل في رهن ما في الأوعية مع الأوعية وبدونها
إِذا قال: رهنتُك ما في هذا الحُقِّ، أو: ما في هذه الخريطة؛ فإِن كان معلومًا مرئيًّا صحَّ، وإِلا خُرِّج على رهن الغائب، وإِن رهن الوعاء بما فيه؛ فإِن كان معلومًا صحَّ رهنُهما، وإِن كان مجهولًا، وأفسدنا رهنَه؛ فإِن كان الوعاء غيرَ متموَّل بطل رهنه، وإِن كان متموَّلًا لا يُقصد رهن مثله فقد قيل: يبطل؛ لأنَّه غير مقصود، وقيل بالتخريج على تفريق الصفقة، وإِن رهن الوعاء دون ما فيه صحَّ إِن كان له قيمة، وإِن لم يكن مقصودًا، وإِن قال: رهنتك الحُقَّ أو الخريطة، ولم يتعرَّض لما فيهما؛ فإِن كانا مقصودين صحَّ رهنهما دون ما اشتملا عليه، وإِن كانا متموَّلين غيرَ مقصودين فوجهان:
أحدهما: يصحُّ فيهما خاصَّةً.
والثاني: يصحُّ فيهما، وفيما اشتملا عليه؛ نظرًا إِلى العرف.
وحكمُ البيع في جميع ما ذكرناه حكم الرهن حرفًا بحرف.
1567 -
باب الرهن غير مضمون
الرهن أمانة في يد المرتهن أو يد العدل، ولا يسقط بتلفه شيء من الدَّيْن؛ فإِن شرط ضمانه فسد الشرط والرهن، وبقيت الأمانة؛ لأنَّ كلَّ ما كان أمانة إِذا صحَّ فهو أمانةٌ إذا فسد من غير استثناءٍ.
وإِن رهن عبدًا، وشرط أنَّه إِن لم يفكَّ الرهن في شهر فهو مبيع عند المرتهن بعد الشهر، بقيت الأمانة إِلى انسلاخ الشهر، فإِذا انسلخ ضمنه سواءٌ أمسكه بنيَّة البيع أو الرهن، وأبعد مَن أسقط الضمان إِذا أمسكه على قصد الارتهان؛ لأنَّ يد الرهن مقيَّدة بالشهر.
1568 -
فصل في الاختلاف في ردِّ الأمانات
إِذا ادَّعى الأمين ردَّ الأمانة على المؤتمن، فإِن كانت وديعةً أو وكالةً في البيع بغير جُعْل صُدِّق الأمين بيمينه، وفيما عداهما طريقان:
إحداهما للمراوزة: أنَّ كلَّ أمينٍ لا يضمن إِذا لم يقصِّر، فالقولُ قوله في الردِّ.
والثانية للعراقيّين: لا يُقبل قول المرتهن والمستأجر في الردِّ، وفي عامل القراض والوكيل بالجعل وجهان، والطريقة الأُولى أصحُّ.
1569 -
فرع:
إِذا دفع الغاصب المغصوبَ إِلى إِنسان بإِيداعٍ أو إِيجارٍ أو رهنٍ، والقابضُ يظنُّ المِلْكَ للغاصب، ففي تضمين القابض طريقان:
إحداهما: يضمن، وعلى الغاصب قرار الضمان.
والثانية، وهي عراقيَّة: في تضمينه وجهان، فإِن ضمَّنَّاه ففي قرار الضمان عليه وجهان؛ إِذ التلف في اليد كالإِتلاف، فإِن قرَّرنا الضمان عليه، فضمن الغاصب، رجع على القابض بالضمان.
1570 -
فروع متفرِّقة:
الأوَّل: إِذا رهن أحدُ الشريكين نصيبه من بيت معيَّن من الدار المشتركة جاز على الأصحِّ، وقيل: لا يجوز؛ لاحتمالِ أنَّ يقع بالقسمة في نصيب الشريك الآخر، فيبطل الرهن، وعلى الأصحِّ: إِذا جوَّزنا قسمة الرهن، فحصل البيت للشريك، فهل يلزم الراهنَ قيمةُ البيت لتُرهَن مكانَه؟ فيه تردُّدٌ من جهةِ أنَّه حصل على بدله، ولكنَّه لم يفرِّط في فواته.
1571 - فرع:
إِذا اشترى شيئًا بدرهم، فأدَّاه عنه إِنسان تبرُّعًا، برئ منه وإِن لم يأذن في الدفع؛ فإِنْ بان بطلانُ البيع رجع المتبرِّع بالدرهم، وإِن ردَّ المبيع بعيب، فهل يُردُّ الدرهم على المتبرِّع أو على المشتري؟ فيه وجهان يجريان فيمن تبرَّع بالصداق، ثم رجع شطره بالطلاق، فهل يرجع إليه أو إِلى الزوج؟ فيه الوجهان.
وإِن صالحَ الأجنبيُّ البائعَ عن الثمن بَعْرضٍ، جاز على المذهب؛ لأنَّه
فداء، وقيل: لا يجوز؛ لأنَّ بذل العِوَض يقتضي دخول المعوَّض في ملك الباذل.
1572 -
فرع:
إِذا دفع الراهنُ الرهنَ إِلى المرتهن، وقال: خذه وديعة من غير إِلزام للرهن، لم يلزم الرهن بذلك، وإِن أطلق التسليم، ثم ادَّعى الإِيداع، وقال المرتهن: بل قصدتَ إِقباضَ الرهن، ففي المصدَّق بيمينه وجهان.
1573 - فرع: إِذا غصب المرتهن الرهن من العدل ضمنه، وبرئ بِرَدِّه إِليه، وقيل: لا يبرأ، ولا يجوز للعدل أخذه، وكذلك حكمُ الموح.
1574 - فرع:
إِذا شرط للمرتهن أنَّ يغرس الأرض المرهونة بعد شهر، فهي أمانةٌ قبل انسلاخ الشهر، فإِذا انسلخ، وأخذ في الانتفاع، فهو مستعير ضامن، وإن غرس قبل الشهر قلع مجَّانًا.
وإِن قال: رهنتُكها، فإِذا مضى شهر فهي مبيعة منك، فغرس بعد الشهر، فالنصُّ أنَّه إِن علم بطلان البيع قلع غرسه مجَّانًا، وإِن ظنَّ الصحَّة لم يُقلع إِلا كما يُقلع غرس المستعير.
1575 -
فصل في تعلُّق الدَّيْن بالتركة
إِذا مات المدين تعلَّق الدين بتركته كتعلُّق الرهن عند الإِمام، وكتعلُّق
الجناية برقبة العبد عند العراقيِّين، فإِن تصرَّف الوارث ففي نفوذ تصرُّفاته قولان تفريعهما كتفريع القولين في التصرُّف في العبد الجاني، واختيارَ المراوزة هاهنا البطلان، فإِن باعه الوارث، وقلنا: يصحُّ البيع؛ فإِن أدَّى الدينَ من جهةٍ أخرى استمرَّ البيع، وإِلا فسخ، وإِن منعنا التصرُّف لم ينفذ إِن كان الدين مساويًا للتركة أو أكثر، وكذلك إِن نقص على المذهب، وقيل: يصحُّ إِلى أنَّ يساوي قدر التركة، فيمتنع.
ولو تصرَّف الوارث، ولا دين، ثم رُدَّ عليه عبدٌ باعه المورِّث بالعيب، فهل يتبيَّن فساد تصرُّفه؟ فيه وجهان؛ نظرًا إِلى تقدير المسبَّبِ عند وجود السبب، فإِن نفَّذنا التصرُّف، فأدَّى الثمنَ، استمرَّ العقد، وإِن امتنع: فهل له الفسخُ، أو يلزمه أداء الثمن؟ فيه وجهان.
وإِن تردَّى حيوان في بئر حفرها المورِّث وجب الضمان، وفي تبيُّن فساد التصرُّفات وجهان مرتَّبان، وأولى بالصحَّة، والله تعالى أعلم.
الغاية في اختصار النهاية
تأليف سلطان العلماء العز بن عبد السلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (المتوفى سنة 660 هجرية)
تحقيق إياد خالد الطباع
[المجلد الرابع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْغَايَة فِي اخْتِصَار النِّهَايَة (4)
طبعة خَاصَّة الْكتاب طبع على نَفَقَة وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية وَهُوَ يوزع مجَّانا وَلَا يجوز بَيْعه turathuna@islam.gov.qa إدارة الشؤون الإسلامية ص. ب: 422
الطبعة الأولى 1437 هـ - 2016 م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار النَّوَادِر
قَامَت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج الفني والطباعة دَار النَّوَادِر لبنان - بيروت ص. ب: 14/ 4462 هَاتِف: 009611652528 فاكس: 009611652529 E-mail: info@daralnawader.com Website: www.daralnawader.com