الغاية في اختصار النهايةصفحات 380-398

3812 -

باب مَنْ حلف على غريمه: لا يفارقه حتَّى يستوفي حقه

إذا حلف: لا يفارق غريمَه حتَّى يستوفيَ حقَّه، ففارقه الغريمُ فطريقان: إحداهما: إن أمكنته مساوقتُه، حنث، وإن لم تمكن، فقولان.
والثانية: لا يحنث؛ لأنَّه حلف على فعل نفسه، وسواء هرب الغريمُ، أو انطلق على هِينته، والحالفُ واقفٌ في مكانه، فعلى هذه الطريقة: لو حلف وهما ماشيان، فوقف الحالفُ، وذهب الغريمُ، حنث عند القاضي، وخالفه الإمام.
وإن قال: لا نتناظر، فلا بدَّ من مناظرتهما، وإن قال: لا نفترق، أو قال: لا أفترق أنا وأنت، فأيُّهما فارق، حصل الحنثُ، وأبعد مَنْ قال: إذا فارقه الغريمُ، لم يحنث، وإن ألزمه الحاكمُ بالفراق؛ لإعسار الغريم، فقولان، وإن علم بعُسْرته، أو فلَّسَه الحاكمُ، فاختار مفارقتَه؛ لما أوجبه الله تعالى من إنظار المُعْسر، حنث.
ولو قبض حقَّه، وفارق، ثمَّ ظهر مستحقًّا، أو زيوفًا؛ فإن كان عالمًا بذلك حنث، وإن كان جاهلًا، فقولان، وإن اعتاض، ثمَّ فارق، حنث اتِّفاقًا.
وإن أبرأه عنه، أو عن بعضه، حنث؛ لتسبُّبه إلى تفويت البرِّ، وإن قال: لأقضينَّه غدًا، فقضاه أو بعضَه قبل الغد، حنث.

وإن أبرأه؛ فإن شرطنا القبولَ، فقبل، حنث اتّفاقًا، وإن لم نشرط القبولَ، ففي الحِنْث قولان.

3813 -

باب مَنْ حلف على امرأته: لا تخرج إلَّا بإذنه

إذا قال: إن خرجت إلَّا بإذني، أو بغير إذني، فأنت طالق، فخرجت مرَّة بالإذن، انحلَّت اليمينُ، فإن خرجت بعد ذلك بغير إذن، لم يحنث، وتوجيهُ هذا عَسِرٌ، وانفرد أبو محمَّد بحكاية قول مخرَّج منقاس كان يفتي به أنّها لا تنحلُّ بذلك.
وقد قال الأصحابُ: إذا قال: إن دخلت الدارَ لابسةَ حريرٍ، فأنت طالق، فدخلتها غيرَ لابسةٍ للحرير، ثمَّ دخلتها لابسةً للحرير، طلَقت، ولا فرق بين المسألتين قطعًا.
وإن قال: إن دخلت إلَّا بإذني، فأنت طالق، فأذن لها، وهي لا تعلمُ، لم تطلق على الأظهر، وخرَّجه بعضُهم على الخلاف في عَزْل الوكيل.

3814 -

فصل في الحلف على العُقود

إذا حلف على عَقْد؛ كالبيع والشراء، والإجارة، والنكاح، فلا يتعلَّق البرُّ والحنثُ إلَّا بالصحيح اتّفاقًا.
وإن قال أحدُ الزوجين: لا أبيعُ مالَ زوجي بغير إذنه، أو قال: لأبيعنَّ مالَ زوجي بغير إذنه، فباعه بغير إذنه، لم يحنث، وفيه وجهٌ بعيدٌ محمول

على ترك التبسُّط في مال المحلوف عليه.
وإن قال: لا أبيعُ الخمرَ، فباعها، لم يحنث، وإن قال: لأبيعنَّ الخمر، فباعها لم يبرَّ، خلافًا للمزنيِّ.
وإن قال: لأبيعنَّ مالَ فلان، فباعه بغير إذنه، لم يحنث إلَّا على وجه 1 بعيد، وهو في الخمر أظهرُ.
وإن قال: لا أبيع بيعًا فاسدًا، أو لا أشتري شراءً فاسدًا، فاشترى، أو باع على الفساد، وجب القطعُ بالحنث.

3815 -

باب جامع الأيمان

إذا حلف لا يأكلُ الرؤوسَ، لم يحنث برؤوس السمك والطير على المذهب، وفيهما قول غريب، فإن قلنا بالمذهب، ففيما يحنثُ به أوجه: أحدُها: رؤوس النعم أين كان الحالفُ.
والثاني: لا يحنث إلَّا برؤوس الغنم.
والثالث -وهو الأعدل-: إن كان في موضع يُعتاد فيه إفرادُ شيء من الرؤوس بالأكل، حنث، وإن كان ببلدة أو قرية لا يُعتاد فيها إفرادُ تلك الرؤوس بالأكل، فوجهان مأخذُهما الوجهان في القرويِّ إذا حلف: لا يدخل بيتًا، فدخل بيتًا من شعر.

3816 -

فصل في الحلف على الأكل والشرب والذوق

إذا حلف على اللحم، لم يحنث بلحم السمك وإن عمَّ وجودُه؛ فإنَّه لا يُسمَّى لحمًا على الإطلاق، وإن حلف على البيض، حنث بكلِّ ما يفارق بائضَه؛ كبيض البطِّ والإوزِّ والدجاج، ولا يحنثُ ببيض السمك، ولا بما يفارق البائضَ ولا يفرد في العادة؛ كبيض العصافير والحمام، ورمز بعضُهم إلى أنَّه يحنث بكلِّ ما يفارق البائضَ.

وإن حلف على الأكل، لم يحنث بالشرب، وإن حلف على الشرب، لم يحنث بالأكل، فإن تناولهما لفظٌ واحد؛ كقوله: لا أَطْعَم كذا، أو لا أتناوله، حنث إن أكله، أو شربه.
وإن قال: لا آكل السويق، فاسْتفَّه، أو لتَّه بالسمن أو الماء، ولم يصر مائعًا، فتناوله أكلة أكلة، حنث.
وإن صار مائعًا، فتحسَّاه، لم يحنث، وإن خثر بحيث يمكنُ تحسِّيه، وتعاطيه بالملاعق، احتُمل أن يجعلَ تحسِّيه شربًا، واحتُمل أن يتناولَه اسمُ الأكل والشرب.
[ولو قال بالفارسية: نخورم، تناول الأكل والشرب] 1. وإن حلف: لا يذوق شيئًا، فأكله، أو شربه، أو وجد طعمَه ومجَّه على وجه لا يفطر به الصائمُ، حنث على الأصحّ، وإن أدرك طعمَه، وازدرد القدرَ الذي يزدرده الذائقُ، لم يحنث، ويحنث بذلك إن حلف على الذوق.
وإن حلف: لا يأكل السكَّر، أو الفانيذ، فجعل شيئًا منهما في فيه، فذاب فابتلعه، حنث عند الأكثرين، وقيل: لا يحنث؛ فإنَّ الأكلَ لا يتحقَّق إلَّا فيما يُردَّد، ويُزْدَرَد، ويُبلع، ولو مضغه، فانماع، فابتلعه، ففيه الخلاف، وأولى بالحنث؛ لأجل المضغ.
وإن قال: لا آكلُ العنبَ والرمَّان، فشرب ماءَهما، لم يحنث، وإن جعلهما في فيه، وامتصَّ ماءهما، وطرح الثُّفْلَ، لم يحنث عند القاضي،

ويحتمل أن يلحقَ بنظيره من الفانيذ؛ فإنَّ من فعل ذلك قِيل في العُرْف: أكل العنب والرمَّان، ولا صائرَ إلى أنَّ ذلك ليس بأكل، ولا شرب، ولو قيل به، لكان قولًا.
وإذا حلف على الأكل، حنث بقليله وكثيره، وما يتجرَّعه الذائقُ، فهو خارج عن حدِّ الأكل والشرب، فتُعتبر القلَّةُ والكثرة فيما زاد عليه، ثم يُحتمل أن يخرجَ قدرُ الذوق عن الأكل والشرب، ويحتمل أن يقال: إن قصد الذوقَ، فهو ذائق (1) ليس بآكل، ولا شارب، وإن قصد الأكلَ أو الشربَ دون إدراك الطعم، فهو آكل، أو شارب، ولا عبرةَ بالقصد فيما إذا (2) زاد على قَدْر الذوق.

3817 -

فصل فيمَنْ حلف: لا يأكل شيئًا، فأكله مختلطًا بغيره

إذا حلف على جنس، فاختلط بغيره؛ فإن استُهلك بحيث لا يظهر أثرُه للحِسِّ، لم يحنث بأكله، ولا شربه، وإن بقي طعمُه، أو لونُه، وتجدَّد للمختلط اسمٌ آخر لا تُفرد أركانه به، ففي حِنْثه بأكله أو شربه وجهان، وإن امتاز في الحسِّ، حنث على المذهب، خلافًا للإصطخريِّ، فإذا حلف: لا يأكل السمنَ، فتحسَّاه مائعًا، لم يحنث وإن أكله جامدًا، أو ابتلعه، حنث؛12

فإنَّا لا نشترط في الأكل المضغَ والترديد، [وإن عصده مع الدقيق] (1)؛ فإن لم يحسَّ بجرمه، ولا طعمه، ولا لونه، لم يحنث، وإن بقي الطعمُ، أو اللون، فعلى الوجهين، وإن امتاز على العصيدة (2) في الحسِّ، أو أكله كذلك مع الخبز، حنث، وقال الإِصطخريُّ: لا يحنث؛ فإنَّ الأكل إذا أُضيف إلى جنس، اقتضى ذلك إفرادَه بالأكل، وهذا باطل؛ فإنَّ السمنَ لا يُؤكل إلَّا كذلك.
وإن حلف: لا يأكل الخلَّ، فغمس فيه الخبزَ، وأكله، حنث؛ فإنَّ الخبزَ إذا تشرَّبه تناوله اسمُ الأكل، وإن اتَّخذ منه سِكباجًا (3)، لم يحنث بأكلها على النصّ، فحمله بعضُهم على ظاهره، وقال المعظمُ: إن ظهر طعمُه في المرقة، حنث.

3818 -

فصل في الحلف على اللحم والشحم واللبن

إذا حلف على الشحم، حنث بما على الثَّرْب 4 والكُلى والأمعاء،123

ولا يحنث بالألية على الطريقة المرضيَّة، ولا بسمن اللحم على الأصحِّ، وهو الأبيضُ الذي يعلو اللحمَ، وقد يتخلَّله، وقال أبو زيد: السمن لحمٌ في حقّ العجمي، شحم في حقِّ العربيِّ، ولا يخفى التفصيلُ إذا اختلف عرفُ اللغة، وعرفُ أهل القرى إذا استعمل القرويُّ لغةَ العرب.
ولو قال: بيه نخورم، كان حلفًا على الشحم لا يدخل فيه سمنُ اللحم، وإن حلف على اللحم، حنث بالأحمر، وكذا سمن اللحم على الأصحِّ، ولا يحنث بالشحم اتّفاقًا، وفي الكرش والكبد والرئة والأمعاء والطحال خلافٌ، والمذهبُ: أنَّه لا يحنث بذلك، ولا يحنث بالقلب عند العراقيين، وعند المراوزة وجهان طردهما الإمامُ في الكُلْية.
وإن حلف على اللبَن، حنث بالرائب، وإن صار قارًا، ولا يحنث بالسمن، وكذا الزبدُ على المذهب، وفي المَخيض المُنتزع الزُّبد وجهان.
[وإن حلف على السمن، أو الزبد، لم يحنث باللبن على المذهب، وإن حلف على الزبد، لم يحنث بالسمن] (1)، وإن حلف على السمن، لم يحنث بشيء من الأدهان، وكذا لا يحنث بالزُّبد على المذهب.
وإن حلف على الدهن، ففي الحنث بالسمن تردُّد للقاضي، واختار الإمام أنَّه لا يحنث.
وإن قال: روغن نخورم، تناول السمنَ والأدهان.

3819 -

فرع للقاضي:

إذا حلف على الجوز، حنث بجوزنا، وبالهنديِّ، وإن حلف على1

التمر، لم يحنث بالهندي، وإن حلف على لحم البقر، حنث ببقر الوحش، وإن حلف: لا يركب حمارًا، فركب حمارَ الوحش، فوجهان.

3820 -

فصل في الحلف على الكلام

إذا حلف: لا يكلِّم فلانًا، فزجره عقيبَ اليمين، حنث، وإن أفهمه معنى الكلام بكتابةٍ، أو رمز، أو إشارة، لم يحنث في أصحِّ القولين، وعلى هذا: لو وقع ذلك بين الخُرس، فالوجه القطعُ بعدم الحنث، ولا تنقطع الهجرةُ المحرَّمة بالكتابة، ولا بالسبِّ والفحش، وكلِّ ما يُوغِر الصدر.
وإن حلف ليهجرنَّه، ثمَّ كاتبه، لم يحنث اتِّفاقًا.
وإن حلف: لا يتكلَّم، فأنشد شعرًا، أو ردَّده، حنث، ولا يحنث بالتسبيح والتهليل وقراءة القرآن، وفيه احتمالٌ.

3821 -

فصل فيمَنْ حلف: لا يرى منكرًا إلَّا رفعه إلى الحاكم

إذا قال: لا أرى منكرًا إلَّا رفعته إلى القاضي فلان، فرفعه إليه في ولايته على الفور، أو التراخي برَّ، فإن مات الحاكمُ قبل الرفع؛ فإن كان قد تمكَّن من الرفع، حنث، وإن لم يتمكَّن، فقولان، وإن بادر بالرفع، فمات الحاكمُ قبل وصوله إليه، فقد قيل: لا يحنث قطعًا، وقيل: فيه القولان.
وإن رآه بعد العَزْل، فرفعه؛ فإن كان قد نوى التخصيصَ بحال الولاية، أو نوى عمومَ الأحوال، اتُّبعت نيَّتُه اتِّفاقًا، وإن أطلق، ولم يرفعه مع الإمكان،

فقولان، فإن قلنا: لا يحنث؛ فلو رآه قبل العزل، فلم يرفعه حتَّى عُزل، ثمَّ ولّي، فرفعه، لم يحنث، فعلى هذا: لا نقطعُ بحِنْثه إذا عُزل ونحن نتوقَّع ولايته.
وإن قال: لا أرى منكرًا إلَّا رفعته إلى قاضٍ، لم يتعَّين لذلك أحدٌ من القضاة، ولا نظرَ إلى موت أحد (من القضاة) (1)، ولا عَزْله.
وإن قال: إلَّا رفعته إلى القاضي، ففي تعيُّن الحاكم الموجود وقتَ اليمين وجهان؛ لتردُّد الألف واللام بين العهد والاستغراق، والحملُ على الاستغراق أَوْلى.

3822 -

فرع:

إذا رأى الحاكمُ المنكرَ؛ فإن رآه الحالفُ معه، بَعُد أن يُقال: يرفعه إليه، وإن انفرد الحاكمُ بالرؤية، أو رفعه إليه غيرُ الحالف، فرآه الحالفُ، ففي الرفع وجهان، فإن قلنا: لا يرفع، كان كمن قال: لأشربنَّ ماءَ هذه الإداوة، ولا ماءَ فيها.

3823 -

فصل في الحلف على المال

إذا حلف: لا مالَ له، حنث بكلِّ متموَّل قابل للتصرُّفات المفتقرة إلى الملك، فيدخل في ذلك ثيابُه، ومدبَّره، والديون وإن كانت مؤجَّلة على معسِر أو مماطِل، وأبعد مَنْ قال: لا يحنث بالمؤجَّل؛ بناء على أنَّه لا يملكه1

قبل الأجل، ولا يختصُّ بأموال الزكاة، ولا يحنث بالمنافع اتِّفاقًا إلَّا أن ينويَها، ويحنث بالآبق اتِّفاقًا، وفي المكاتَب وأمّ الولد أوجهٌ ثالثُها: يحنث بأمِّ الولد، ولا يحنث بالمكاتب، ولا يحنث بما وُقف عليه، إن قلنا: لا يملكه، وإن قلنا: يملكه، فوجهان.

3824 -

فصل فيمَنْ حلف: ليضربنَّ عبدَه مئةَ سوط

إذا حلف: ليضربنَّه مئةَ خشبة، فضربه بشمراخ عليه مئةُ قضيب، برَّ اتِّفاقًا وإن كانت الشماريخُ دقاقًا، ويكفي ما يقعُ عليه اسمُ الضرب مع أدنى تأثُّر، ولا يكفي الوضعُ، ولا يُشترط التجريدُ، ولا الإيلامُ الناجع، فإن كان عليه لباسٌ لا يمنع [التأثّر، برَّ] 1، وكذلك إذا حلف: لا يضرب زيدًا، فضربه بيده أو بآلة مع وجود الحائل.
وإن قال: لأضربنَّه ضربًا شديدًا، فلا بدَّ من إيلام ناجع يُسمَّى شديدًا، ويختلف ذلك باختلاف حال المضروب، فإن أصابت القضبانُ بدنَ المضروب؛ لانبساطها، برَّ، وإن أصابه بعضُها؛ فإن لم تنكبس عليها الأعالي، وتثقلها، لم يَبَرَّ، وإن انكبست، وثقلت، فوجهان، فإن قلنا: يبرُّ، فشك في التثقيل والكبس، أو قلنا: لا يبرُّ إلَّا لإصابة الجميع، فشكَّ في ذلك، برَّ على النص.
وإن قال: لا أدخلُ الدارَ إلَّا أن يشاءَ زيد، فدخلها، ومات زيد، وشككنا في مشيئته، حنث على النصِّ، وقيل: فيهما قولان بالنقل والتخريج،

وفرَّق بعضُهم بأنَّ الضربَ إذا تحقَّق، فالظاهرُ حصولُ الانكباس، وليس معنا ظاهرٌ تستند إليه مشيئةُ زيد، وقال الإمام: إن وقع الضربُ على وجه يغلب على الظنِّ حصولُ المقصود، برَّ وإلَّا فلا.
وإن حلف: ليضربنه مئةَ سوط، فضربه بالشِّمراخ المذكور، لم يبرَّ عند الجمهور، وقيل: يبرُّ، وإن ضَعُفت القضبان، وعلى الأصحِّ: لا يبرُّ إلَّا بما يُسمَّى سوطًا، فإن ضربه بمئة سوط مجموعة، كان كالضرب بالشِّمراخ، فيبرُّ إن أصابه الكلُّ، وإن أصابه البعضُ؛ فإن لم ينكبس، لم يبرَّ، وإن انكبست، فوجهان، وإن قال: لأضربنَّه مئةَ ضربة، لم يبرَّ إلا بضربات متوالية على العادة؛ ضربةً بعد ضربة إلى إتمام المئة، وقيل: لو ضربه بسياط مجموعة، أجزأه.

3825 -

فصل في الحلف على الهبة

إذا حلف: لا يهبُ، حنث بالنحلة، والصدقة، والعُمرى، والرُّقْبى، ولا يحنث بالعارية ولا بالوقف إن قلنا: لا يملكه الموقوفُ عليه، وإن قلنا: يملكه، حنث، وفيه احتمالٌ؛ إذ لا يُسمَّى هبةً في العُرْف ولا في اللغة.
وإن أضافه فلم يأكل، أو أكل، وقلنا: لا يملك، لم يحنث، وإن قلنا: يملك، وجب القطعُ بأنَّه لا يحنث، وفيه احتمال.
وإن وهبه، فقَبِل وقبض، حنث، وإن قبل ولم يقبض، فوجهان، وقال العراقيون: يحنث اتِّفاقًا، وإن وهبه فلم يقبل، لم يحنث على المذهب، وفي طريقة العراق: يحنث على وجه بعيد يطَّرد في كلِّ عقد يفتقر إلى القَبول.

وإن حلف: لا يتصدَّق عليه، فوهبه، ولم يقصد التقرُّب، لم يحنث على الأصحِّ؛ فإنَّ الصدقةَ ليست هبةً؛ بدليل أنَّها تحرم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتحلُّ له الهبات.

3826 -

فرع:

إذا ملَّك عبدَه دابَّة، فاختصَّ بها، فحلف حالفٌ: لا يركب دابَّة العبد، فركبها؛ فإن قلنا: يملكها، حنث، وإن قلنا: لا يملكها، فالمذهب: أنَّه لا يحنث إلَّا أن ينويَ إضافةَ الاختصاص، وإن خصَّ دابَّة نفسه بجلٍّ أو سرج، ثمَّ حلف: لا يبيعُ سرجَها، أو جلَّها، فباعه حنث؛ إذ لا يُتوقَع لها ملك.

3827 -

فصل في يمين اللِّجاج

النذر أقسام: أحدُها: نذر التبرُّر، وهو ما عُلِّق على حصول نعمة، أو دفع نقمة؛ مثل أن يقول؛ إن شفى الله مريضي، أو ردَّ غائبي، فلله عليَّ صدقةٌ، أو صلاة، فإذا وجد الشرط، لزمه ما نذر، وإن قال: إن شفى الله مريضي، فعليَّ صدقة، أو صلاة، ولم يقل: فلله عليَّ، لزمه ذلك على الأصحِّ.
الثاني: أن يقول: لله عليَّ عتقٌ، أو صلاة مثلًا، ولا يعلِّقه على شيء، ففي وجوبه قولان، فإن قلنا: يجب، فقال: عليَّ كذا، فهو كنذر التبرُّر عند الإمام، فيلزمه على الأصحِّ.
الثالث: أن يقصدَ بالنذر أن يمنعَ نفسَه من إقدام أو إحجام؛ مثل أن

يقول: إن قمت فلله (1) عليَّ صدقةٌ، أو صيام، فهل يلزمه ذلك، أو كفَّارة يمين، أو يتخير بينهما؟ فيه ثلاثةُ أقوال، أظهرُها وجوبُ الكفَّارة، وسُمِّيت يمينَ اللجاج؛ لغلبة وقوعها في اللجاج، ويمينَ الغَلَق؛ لأنَّه أغلق بها بابَ الإقدام والإحجام، فإن أوجبنا الكفَّارة، فوفى بنذره (2)، لم تسقط الكفَّارة، وغلط مَنْ أسقطها.
وإن قال: إن فعلتُ كذا، فلله عليَّ عشرُ حجج، كفاه كفَّارة واحدة اتِّفاقًا، وإن التزم أنواعًا من القُرَب؛ مثل أن يقول: إن فعلتُ كذا، فلله عليَّ حجٌّ، وعتق، وصدقةٌ، وصيامٌ، كفاه كفَّارة واحدة، وفيه احتمال.

3828 -

فصل في التباس نذر التبرر بنذر اللِّجاج

قد يلتبس نذرُ التبرُّر بنذر اللِّجاج في الواجب والمباح والحرام، ويُرجع في ذلك إلى قصده، فإن قصد التقرُّب، لزمه ما نذره اتِّفاقًا، وإن قصد المنعَ، ففيه الأقوال.
فالواجبُ مثل أن يقولَ: إن صلَّيت الظهرَ، فلله عليَّ كذا، فإن قصد بذلك الشكر على التوفيق لصلاة الظهر لزمه ما نذر، وإن قصد المنع، ففيه الأقوال.
والحرامُ مثل أن يقول: إن لم أشرب الخمرَ، فلله عليَّ كذا، فإن قصد12

الشكرَ على العصمة من شرب الخمر، لزمه ما نذر، وإن قصد الحثَّ على الشرب، ففيه الأقوال، وإن قال: إن شربت الخمرَ، (فلله عليَّ) (1) كذا، فهذا لجاج لا يُتصوَّر فيه التبرُّر.
والمباح أن يقول: إن أكلتُ هذا الرغيفَ، فلله عليَّ كذا، فإن قصد الشكرَ، على قوَّته على أكله، لزمه ما نذر، وإن قصد المنعَ من الأكل، ففيه الأقوال، وإن قال: إن لم آكله، فلله عليَّ كذا، فإن قصد الشكرَ على كسر الشهوة، لزمه ما نذر، وإن قصد الحثَّ على الأكل، ففيه الأقوال.
وإن قال: إن دخلت نيسابورَ، فلله عليَّ كذا، فعلى طريقة القاضي: إن قصد الشكرَ، لزمه ما نذر، وإن قصد المنعَ، ففيه الأقوال، وقالت طائفة: لا يلزمه ذلك، وخصَّصت التبرُّر بما يظهر كونه مقصودًا، أو يكون على غرر في الحصول، فلا يحصل عندهم التبرُّر شكرًا للنعم المعتادة؛ كما لا يشرع لها سجودُ الشكر، وطريقةُ القاضي أفقهُ، فمتى أمكن القصدُ إلى مقابلة شيء من النعم بالشكر كان تبرُّرًا.

3829 -

فرع:

إذا قال ابتداءً: مالي صدقة، أو قال: مالي في سبيل الله، لغا كلامُه عند القاضي؛ [فإنه لم يأت بعبارة ملزمة، وقيل: يُحمل على النذر المطلَق، فيكون في وجوبه قولان، وأبعد مَنْ قال: يصيرُ صدقةَ، وفي سبيل الله، كما لو قال: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً، وإن قال: إن دخلتُ الدارَ، فمالي صدقة،1

لغا عند القاضي] (1)، وكان على رأيٍ تعليقًا لإيقاع كونه صدقةً، وكان لجاجًا على رأي آخر.

3830 -

فصل في فروع مفرَّقة

الأوَّل: إذا قال: إن فعلت كذا، فلله عليَّ نذر، فإن أوجبنا الكفَّارة في اللجاج؛ لزمه كفَّارةُ يمين، وإن أوجبنا الوفاءَ، لزمه أن ينذرَ أيَّ قربة شاء، ويوفي بها.
وإن قال: إن دخلتُ الدارَ، فعليَّ يمين، لم يلزمه شيءٌ على الأصحِّ، وقيل: تجب عليه 2 كفَّارة يمين.
وقال الإمام: ينبغي أن يُجعل كنايةً؛ لأنَّه صرَّح بالالتزام، بخلاف الكنايات في سائر الأيمان، وإن قال: إن دخلتُ الدارَ، فعليَّ كفَّارة يمين؛ فإن دخل لزمه كفَّارة يمين، وهل هي كفَّارة، أو وفاء بالنذر؟ فعلى أقوال نذر اللجاج.
الثاني: إذا قال: لا أصلِّي، فأَحْرمَ بها، حنث على المذهب، وإن أبطلها، وقيل: لا يحنث حتَّى يتحلَّلَ عن صلاة صحيحة أقلُّها ركعة، فإذا تحلَّل، فهل يحنث بالتحلُّل، أو يتبيَّن أنَّه حنث عند الإحرام؟ فيه وجهان، وهذا الخلافُ جارٍ في الصيام.1

الثالث 1: إذا حلف على الثمار، حنث بالرَّطْب دون اليابس، وإن حلف على الفاكهة، حنث بالرطب، واليابس، والعنب، والرمَّان، ولا يحنث بالقثَّاء، وفي البطِّيخ تردُّد، وإن كان يتعاطى اللُّبوبَ؛ كَلُبِّ الفستق، وما يُعتاد أكله منها، ففيه تردُّد للإمام.
الرابع: إذا قال: لا أحمل خشبةً، فحملها مع آخر، أو قال: لا آكل هذه الرمَّانة، فأكلها إلَّا حبة، أو قال: لا آكل هذا الرغيفَ، فترك منه فتاتًا محسوسًا لا يبعد ممَّن يريد الاستيعابَ جمعُه وأكله، لم يحنث، وإن لم يمكن جمع لبابه، ولم يعتده مَنْ يقصد الاستيعابَ، فلا عبرةَ به، وإن تمكَّن من جمعه، فلم يجمعه؛ لعُسْره، لم يحنث عند أبي محمَّد، وفيه نظر؛ لأنَّه يعد آكلَ رغيف.
الخامس: إذا قال: لأثنينَّ على الله بأحسن الثناء، فالبرُّ أن يقول: لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وإن قال: لأحمدنَّ الله بمجامع الحمد، فقد قيل: البرُّ بأن يقول: الحمدُ لله حمدًا يوافي نعمَه، ويكافئ مزيدَه؛ فإنَّ آدمَ قال لجبريل: علِّمْني مجامعَ الحمد، فعلَّمه ذلك 2.

السادس: إذا قال: لا آكلُ الرطب حنث بأكل المصنَّف 1، خلافًا للإصطخريِّ.
السابع: إذا حلف لا يأكل اللحمَ، حنث بالميتة على أقيس الوجهين، [وإن حلف: لا يأكل الميتةَ، فأكل سمكةً، فوجهان] 2، وإن حلف على الدم، لم يحنث بالكبد والطحال، وإن حلف: لا يشمُّ الريحانَ، حنث بالفارسيِّ، وهو الضَّيْمَران، وهو (الشَّاهسْفَرَم) 3، وإن حلف على الورد، حنث بالورد المعروف دون سائر الأزهار، وإن حلف: لا يشمُّ البنفسجَ، فشمَّ دهنَه، وأدرك ريحه، لم يحنث، وأبعد مَنْ حنَّثه، ولم يطرد ذلك في بقية الأدهان، وإن حلف: لا يشمُّ المسكَ، فأدرك ريحَه من ثوب غيره، لم يحنث.

جارٍ التحميل