كتاب التفليس
1576 -
من لزمه دَين يزيد على ماله، وطلب غرماؤه الحَجْر، حَجَر عليه الحاكم، وصرف ماله في دينه.
وإِن ساوى الدينُ المال فوجهان، واختار الأئمَّة الحَجْر.
وإِن نقص الدين عن المال، وغلب على الظنِّ أنَّه سيزيد عليه؛ لقلة الدَّخْل وكثرة الخرج، فوجهان مرتَّبان، وأولى بالمنع.
ولا خلاف أنَّ الحاكم لا يَحْجُر بغير التماس.
وإِن انفرد المدين بالالتماس فوجهان، والأكثرون على الإِجابة، وإِن انفرد بعض الغرماء بالالتماس؛ فإِن كان دينه (1) قَدْرًا يُحْجَر بمثله حَجَر عليه، ثم يصير محجورًا في حقوق الغرماء، وإِن نقص دينه، وقلنا: لا حَجْر بالناقص، فهاهنا وجهان.
1577 -
فصل في الرجوع في المبيع بسبب الإفلاس
إِذا حُجر عليه وعنده مبيعٌ لم يؤدِّ من ثمنه شيئًا، فله أحوال:1
الأولى: أنَّ يستمر مِلْكُه عليه، ولا يتعلَّق به حقٌّ، فللبائع أنَّ يرجع فيه، وله أنَّ يضارب الغرماء بالثمن، ولا يَسقط رجوعه بأن يقدِّمَه الغرماء بالثمن؛ إِذ لا يلزمه تحمُّل مِنَّتهم، وقد يظهر غريمٌ غيرُهم يزاحمه في الثمن، وهل يثبت الرجوع على الفور أو التراخي؟ فيه وجهان؛ لتردُّده بين رجوع الواهب وخيار الخَلَف والعيب، ولا يمتنع باقيته بثلاثة أيَّام، كخيار العتيقة تحت العبد، فإِن اختار الرجوع، فقال: فسختُ العقد، انفسخ، وإِن قال: رددتُ الثمن أو فسخت العقد، ففيه فوجهان.
1578 -
فرع:
إِذا انقطع جنس الثمن، ومنعنا الاستبدال عنه، فحكمُه حكم انقطاع المسلَم فيه، وإِن تعذَّر قبضُه لامتناع المشتري ففي الفسخ وجهان، وظاهر المذهب أنَّه لا يثبت وإِن تعذَّر؛ لغيبته، فإن خلَّف وفاءً، وكان للبائع بيِّنةٌ، فلا فسخ، وإِن لم يكن شيء من ذلك ففيه الوجهان، ويثبت الرجوع في المبيع إِذا مات المشتري، أو حُجِر عليه بالإِفلاس.
1579 - فرع:
إِذا قلنا: لا يحلُّ الدَّين المؤجَّل بالفَلَس، اختصَّ أرباب الديون الحالَّة بالتضارب، فإِذا حلَّت الديون، فلا رجوع لأربابها على أرباب الديون الحالَّة بما تضاربوا فيه واقتسموه.
الثانية: أنَّ يكون تالفًا، فيضارب بثمنه دون قيمته، وقيل: إِن كانت القيمة أكثرَ ضارب بها، ولو باع عبدًا بجارية، وتقابضا، ثم تلف العبد، فردَّ الجاريةَ بعيبٍ، فهل يُقدَّم بقيمة العبد، أو يضارب بها؟ فيه وجهان من
جهة أنَّه قد دفع إِلى الغرماء ما يقابل القيمة، وهو الجارية.
الثالثة: أنَّ يجد المِلْكَ قد زال وعاد، فإِن عاد بجهةٍ لا عوض فيها، كالهبة والإِرث، ففي الرجوع وجهان، وإِن عاد ببيع: فهل يرجع فيه الثاني، أو الأوَّل، أو يستويان؟ فيه ثلاثةُ أوجهٍ أقيسُها أوَّلها، فإِن قلنا بالتسوية رجع كلُّ واحد بنصف المبيع، وضارب بنصف الثمن، فإِن عفا الأوَّل رجع الثاني وجهًا واحدًا، وإِن عفا الثاني ففي رجوع الأوَّل الوجهان في الزائل العائد.
الرابعة: أنَّ يجده وقد تعلَّق بعينه حقٌّ؛ كالجناية والرهن والكتابة، فلا فسخ له في الحال، فإِن صبر ليرجع بعد انفكاك الرهن والبراءةِ من الأرش فله ذلك، وإِن صبر حتى رقَّ المكاتَبُ، فقد خرَّجه بعضهم على الوجهين في الزائل العائد؛ لأن استقلال الكتابة ألحقه بالأحرار، وإِن تعلَّق الحقُّ بمنفعة المبيع -كالإِجارة والتزويج- رجع فيه في الحال، واستمرَّت الإِجارة والنكاح.
الخامسة: أنَّ يجده زائدًا؛ فإِن كانت الزيادة منفصلة رجع في الأصل، وصُرفت الزيادة إِلى الغرماء، وإِن كانت متَّصلة رجع فيها مع الأصل؛ إِذ لا حكم للمتَّصلة إِلا في الصَّداق عند التشطير 1 بالطلاق، فإِنَّ الزوج يرجع بنصف القيمة موسرةً كانت الزوجةُ أو معسرة، فإِن حُجِر عليها بالفلس: فهل يضارب بنصف القيمة، أو يرجع إِليه نصف الصداق ليخلص عن زحمة التضارب؟ فيه وجهان، وإِن ارتدَّت قبل الدخول فالأصحُّ أنَّه يرجع في الصداق مع الزيادة؛ لأنَّ جهات الردِّ ثلاثة:
أحدها: ما يقطع أصل السبب، كالفسخ، فلا يبقى معه عُلقة للمرجوع عليه.
الثاني: ما يهجم على قطع الملك، كرجوع الواهب، فهو في معنى الفسخ.
الثالث: رجوع الزوج في شطر الصداق، فإِنَّه ليس بفاسخ ولا هاجم؛ إِذ لا يُقصَد بالطلاق رجوع نصف الصداق، فقوي تعلَّق المرأة به، فلم يرجع في زيادته.
السادسة: أنَّ يجده ناقصًا، فإِن نقص شيء ممَّا يقابل بالثمن؛ كعبد من عبدين، وصاعٍ من صاعين، فيرجع فيما بقي، ويضارب بحصَّة ما تلف من الثمن، وإِن نقصت الصفات، كعَوَرِ العين، وشلل اليد؛ فإِن كان بآفة سماوية يُخيَّر 1 بين أنَّ يقنع به ناقصًا، وبين أنَّ يضارب بالثمن، وإِن كان بجناية أجنبيٍّ فالأرشُ المقدَّر للمشتري، فإِن رجع البائع دفع إِليه المشتري ما يقتضيه نقصُ القيمة من الثمن، فإذا كان المقدَّر نصف القيمة، والأرشُ ثلثَها رجع البائع بثلث الثمن، وإِن كان بجناية المشتري، فالأصحُّ أنَّه كالأجنبيِّ، وقيل: جنايتُه كجناية البائع قبل القبض، وفيها قولان:
أحدهما: أنَّها كالآفة.
والثاني: أنَّها كجناية الأجنبيِّ.
السابعة: أنَّ يجد الحنطة قد بُذِرَت، وصارت حبًّا، والبيضةَ فرْخًا،
والعصيرَ قد انقلب خمرًا، ثمَّ خلًّا، ففي الرجوع وجهان، فإِن أثبتناه جُعل ما زاد في البذر كالزيادات المتَّصلة، وإِن باع الزرع مع الأرض وهو بقْل، فصار حبًّا، فوجهان مرتبان على البذر، وأولى بالرجوع؛ لوقوع اسم الزرع على البقل والسنابل، ولا خلاف أنَّ الزرع والخلَّ والفرخ مِلْكٌ لمالك الأصل.
والضابط: أنّ كلَّ تغيُّر لا يزيل الاسم، ولا يقلب الجنس، فالرجوعُ ثابت معه، وكلَّ تغيّر يقلب الاسم والجنس، وكان المتغيِّر ناشئًا عن الأصل؛ كالبيض والبذر ينشأ عنهما الفرخُ والحبُّ، ففيه الخلاف، وكلَّ ما غيَّر الجنس دون الاسم، كالبقل يتسنبل، ففيه الخلاف المرتَّب.
1580 -
فصل في الرجوع في الشجر بعد فوات الثمر
إِذا اشترى النخل وثَمَرَه المأبور، ثمَّ تلف الثمر بعد القبض، فللبائع الرجوع في الشجر والمضاربةُ بما يخصُّ الثمر من الثمن.
فإِن كانت قيمة الشجر عشرةً، والثمرِ خمسةً، فلم يزيدا ولم ينقصا، رجع في الشجر، وضارب بثلث الثمن، فإِن زادت قيمة الثمر أو نقصت فالاعتبار بالأقلِّ من يومي العقد والقبض؛ لأنَّها إِن كانت عند القبض أكثرَ فالزيادة للمشتري، فلا يرجع البائع ببدلها وإِن كانت متَّصلة؛ لأنَّ الرجوع بالمتَّصلة إِنَّما يثبت لضرورة الرجوع في الأصل، وإِن كانت عند العقد أكثرَ فهي من ضمان البائع، فلا يُحسب على المشتري.
وفيه قول بعيد: أنَّ الاعتبار بيوم القبض؛ نظرًا إِلى أنَّ الزيادة المتَّصلة للبائع، فكذلك ما يقابلها.
وإِن اختلفت قيمة الشجر فوجهان:
أحدهما: الاعتبار بأكثر القيمتين.
والثاني: بالأقلِّ؛ لأنَّها إِن كانت عند العقد أقلَّ فقد رجع الشجر بزيادته إِلى البائع، فلا يُحسب عليه، بخلاف زيادة الثمر.
والضابط: أنَّ الزيادة المتَّصلة لا تُحسب في التوزيع بالنسبة إِلى التالف، وفي احتسابها بالنسبة إِلى الباقي الوجهان.
وإِن كان المبيع كلُّه باقيًا، رجع في الأصل مع الزيادة؛ لتعذُّر إِفراده بالرجوع دونها، ويتبيَّن ذلك بصور:
الأولى: أنَّ تختلف قيمة الثمر دون الشجر؛ بأن تكون قيمة الشجر عشرة، وتكون قيمة الثمر عند العقد خمسة، وعند القبض درهمين ونصفًا، فيضارب بخمس الثمن، ويرجع في الشجر بأربعة أخماس الثمن.
ولو كانت قيمة الثمر عند العقد خمسةً، وعند القبض عشرةً، ضارب بثلث الثمن.
الثانية: أن يختلف فيه الشجر دون الثمر، وتكونَ قيمة الشجر عند العقد عشرة، وعند القبض خمسة، فهل يضارب بثلث الثمن أو ربعه؟ فيه الوجهان.
وإِن كانت قيمته عند العقد عشرةً، وعند القبض عشرين، فهل يضارب
بالخمس أو الثلث؟ فيه الوجهان.
الثالثة: ألا تختلفَ قيمةُ الثمر، وهي خمسةٌ، ويكونَ الشجر عشرةً عند العقد، وخمسةً عند القبض، فيضارب بالثلث اتِّفاقا مع الخلاف في التعليل.
1581 -
فروع للإمام:
إِذا اعتبرنا في الثمر الأقلَّ، فاستوت القيمة عند القبض والعقد، ونقصت فيما بينهما؛ فإِن كان النقص بالسوق فلا اعتبار به، وإِن كان بعيب فالاعتبارُ بيوم العيب؛ لأنَّه مضمون على البائع، وما حدث بعده فهو للمشتري، فإِن رجعت القيمة إِلى ما كانت لزيادةِ صفةٍ في المبيع مع بقاء العيب فلا عبرةَ بالزيادة، كما لو تعيَّب المبيع قبل القبض، ثم ارتفعت قيمتُه بالسوق، أو بصفةٍ حادثة؛ فإِنَّ الخيار لا يسقط بذلك، ولو رجعت القيمة هاهنا إِلى ما كانت عليه لزوال العيب، فلا حكم لذلك العيب على الظاهر، فإِنَّ عيب المبيع لو زال قبل القبض لسقط الخيار، وفيه وجه: أنَّه لا يسقط.
1582 -
فرع:
نقصان الثمر في يد المشتري محسوب عليه.
1583 - فرع: إِذا اعتُبر في الشجر الأكثر، فكانت قيمته خمسة عند العقد، وعشرة عند القبض، وعشرين يوم الرجوع، فالاعتبارُ بيوم الرجوع، وكذا لو كانت عشرة عند العقد، وخمسة عشر عند القبض، وعشرة عند الرجوع، فالاعتبار بيوم الرجوع.
1584 -
فرع للأصحاب:
إِذا باع عبدين بعشرة، وقيمةُ أحدهما خمسةٌ، والآخَر عشرةٌ، فأقبضهما من غير تغيُّرٍ، استَحَقَّ العشرة، ولو أقبض الذي قيمته خمسةٌ، وتلف الآخر في يده، أو انحطَّت قيمته إِلى خمسة، فإِنَّه يستحقُّ ثلث الثمن؛ لأنَّ النقص محسوب عليه، ولو أقبضه بعد انحطاطه إِلى الخمسة، وتلف الآخر في يده، استحقَّ نصف الثمن؛ لأنَّه كان نصف المبيع عند القبض.
1585 -
فصل في الرجوع في الأرض بعد الزراعة وفي الأشجار بعد الإبار
إِذا زرع المشتري، أو حدثت ثمرة فأبَّرها، فللبائع الرجوعُ في الأرض والشجر، وعليه إِبقاءُ الزرع إِلى حصاده، والثمرِ إِلى جداده، ولا يستحقُّ الأجرة بسبب تَبْقِيَةِ الثمار، وكذلك الزرعُ على المشهور وقولِ الجمهور.
وفيه قولٌ مخرَّج: أنَّه يستحقُّ الأجرة لمدَّة بقاء الزرع.
والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ البيع لا يقتضي ضمان المنافع، بخلاف رجوع المؤجِّر في الأرض المأجورة المزروعة.
ومتى رجع البائع أو المؤاجر، لم يكن لهما قلعُ الزرع إِلا أن يكون لهما دينٌ على المفلس، فلهما أن يأخذاه بالقلع لأخذ 1 الدين، وللغرماء والمفلس أن يتَّفقوا على القلع أو التبقية إِلى الإِدراك.
وإِن طلب الغرماء القلع، وطلب المفلس الإِبقاء، أو طلب المفلس القلع، وطلب الغرماء الإِبقاء، أُجيب من يطلب القلع إِن كان للمقلوع قيمة.
وإِن طلب بعض الغرماء القلع، وامتنع المفلس وبقية الغرماء، فقد أوجب القاضي قلع الجميع؛ لأنَّا لا نعلم حصَّة طالب القلع، وقال الإِمام: يقلع ما يتيقَّن وجوب قلعه، وينزل ما يعلم زيادته على حصَّته، وفيما بينهما احتمالٌ من جهة تعارض حقِّه في القلع، وحقوق الغرماء في الإِبقاء.
وإِن طلب المفلسُ القلع، وطلب الغرماء الإِبقاء، وبذلوا مؤونة السقي والتعهُّد إِلى الإِدراك، فالأصحُّ وجوب القلع؛ لِمَا فيه من فكِّ الحجر، فإِن قال الغرماء: نحن نفكُّ الحجر، فلا تَقْلع.
فلا فائدة لكلامهم؛ لأنَّه يملك القلع قبل الفكِّ تعجيلًا للفك، وبعد الانفكاك بسبب الانطلاق (1)، وقال الإِمام: إِذا علم أنّ البيع والقسمة لا يقعان إِلّا في مدَّة يدرك الزرع فيها، فلا يُجاب المفلس إِلى القلع بحال؛ إِذ لا فائدة فيه، وللغرماء فائدةٌ في الإِبقاء؛ لِمَا فيه من الزيادة والنموِّ.
1586 -
فصل في الرجوع في الحامل وفي الثمار قبل الإبار وبعده
إِذا كان الحمل موجودًا عند الشراء والرجوع، أو كان الثمر غير مأبورٍ1
في الطرفين، رجع في الجارية مع حملها، وفي الشجرة مع ثمرها اتِّفاقًا.
وإِن حدث (1) الحمل أو الثمرُ بعد الشراء، ثم انفصلا قبل الرجوع، رجع في الجارية والشجر، ويضارب الغرماء في الولد والثمر.
وإِن وُجد الحمل عند الشراء، وانفصل قبل الرجوع، رجع في الأمّ (2)، وفي الولد قولان مأخذُهما: أنَّ الحمل هل يعرف أم لا؟
وإِن كان الطلع في كِمامه عند الشراء، بارزًا منها عند الرجوع، فقولان مرتَّبان على الحمل، وأولى بالرجوع؛ لأنَّه مقصود يجوز أنَّ يُفرد بالبيع على الظاهر.
وإِن حدث الحمل بعد الشراء، ورجع وهو مُجْتَنٌّ، فله ذلك على النصِّ، وخرَّجوا قولًا: أنَّه يرجع في الأمِّ دونه.
وإِن حدث الثمر بعد الشراء، فرجع وهو مأبور؛ فإِن قلنا: لا يرجع في الحمل في مثل هذه الصورة، فالثمر أَولى، وإِن قلنا: يرجع في الحمل، ففي الثمر قولان (3)؛ لأنّه مقصود.
1587 -
فرع:
إِذا استَحَقَّ الرجوعَ في الجارية دون الولد، ففي كيفيته وجهان: أحدهما: يبذل قيمة الولد ليأخذه مع أمِّه.123
والثاني: يُباعان، ويأخذ ما يخصُّ الأمَّ.
ولو استحقَّ الرجوعَ في الجارية دون الحمل، فلا وجه إِلا الصبر إِلى الوضع، فإِذا وضعته ففي كيفيَّة الرجوع الوجهان، ولا تقوَّم الجارية حائلًا وحاملًا؛ إِذ لا ثقة بالولد قبل الوضع.
1588 -
فصل في الاختلاف: هل وقع الرجوع قبل الإبار أو بعده
إِذا حدث الثمر بعد الشراء، فاراد الرجوع به؛ فإِن كان مأبورًا لم يرجع فيه اتِّفاقًا، وإِن كان غيرَ مأبورٍ رجع على الأظهر، فإِن قال البائع: رجعتُ قبل الإِبار، فله أحوال: الأولى: أنَّ يكذِّبه المشتري، ويقول: بل رجعتَ بعد الإِبار، فالقولُ قول المشتري مع يمينه على نفي العلم بالرجوع قبل الإِبار، فإِن حلف على نفي العلم، أو على البتِّ، انفصل الخصام، وتضارب الغرماء في الثمار، ولو اعترف البائع بجهل المشتري بوقت الرجوع، تضارب الغرماء في الثمار، ولا يمين على المشتري، وإِن نكل المشتري عن اليمين ففيمن يُردُّ عليه اليمين خلاف مبنيٌّ على أنَّ الوارث لو أقام شاهدًا بدينٍ للميت، ولم يحلف معه، ففي تحليف غرماء الميت قولان، ولو أقام المفلس شاهدًا بدين، ولم يحلف، ففي تحليف غرمائه طريقان: إحداهما: [تخرَّج المسألة على قولين كما تقدم في ورثة المديون والغرماء.
الطريقة الثانية 1]: القطع بأنَّهم لا يَحْلِفون؛ لأنَّ نكول المستحِقِّ يورِث تُهَمَةً في الحلف، بخلاف نكول الوارث فإِن المستحِقِّ هو الميت، ولم ينكل، فإِن حلَّفنا غرماء المفلس، يحلفوا على نفي العلم بالرجوع قبل الإِبار، فإِن نكلوا أو قلنا: لا يحلفون، رُدَّت اليمين على البائع، فإِن نكل تضاربوا في الثمار، وإِن حلف قُضي له بالثمار إِن جعلنا يمين الردّ كالبيِّنة، وإِن جعلناها كالإِقرار ففي قبول إِقرار المفلس في الحال قولان، فإِن قبلناه قُضي للبائع بالثمار، وإِن رددناه تضارب الغرماء في الثمار، ولا فائدة لليمين على هذا القول إِلا إِذا فَضَلت الثمار عن الديون، وانفك الحجر، فإِنَّها تُصرف إِلى البائع، وإِن طلب البائع يمين الغرماء على نفي العلم بتقدُّم الرجوع فطريقان:
إحداهما: القطع بأنَّهم يحلفون.
والثانية: فيه القولان.
ولو أقرَّ المفلس بدين، ورددنا إِقراره في الحال، ففي تحليف الغرماء هاتان الطريقتان، فإِن قلنا: يحلف الغرماء، فنكلوا، رُدَّت اليمين على البائع مرَّةً أخرى في هذه الخصومة الجديدة، فإِن حلف قُضي له بالثمار، والبناء في هذه الصورة على أنَّ اليمين المردودة كالبيِّنة، أو الإِقرار صحيح؟ بخلاف ما قدمناه في مسائل الرهن.
الحال الثانية: أنَّ يصدِّقه المشتري على الرجوع قبل الإِبار، ففي اعتبار تصديقه في الحال قولان، فإِن قلنا: لا يُعتبر، ففي حلف الغرماء الطريقتان.
الحال الثالثة: أنَّ يصدِّقه الغرماء، ويكذِّبه المشتري، فالقولُ قول
المشتري، فإِن حلف اختصَّ بالثمار، ولا يتضارب فيها الغرماء، ولا ينفذ تصرُّف المشتري فيها قبل الانطلاق؛ لاحتمال ظهور غريمٍ لا يوافق على التصديق.
فإِن طلب المفلسُ من الحاكم أن يقضي ديونه من الثمار مع ضيق المال عن وفاء الديون، فامتنع الغرماء من أخذها، ومن فكِّ الحجر، واعترفوا أنَّه لا مال له سوى الثمار، قيل لهم: إِمَّا أنَّ تُبْرئوه، وإِمَّا أن تقبضوا الثمار، فإِن أبوا أُجبِروا على القبض، فإِذا قبضوها برئ المفلس عن مقدارها من الدين، ولزمهم ردُّها كما أخذوها على البائع، وهذا كما لو جاء المكاتَب بالنجم، فزعم السيِّد أنَّه مغصوبٌ، فإِنَّه يُجبَر على قبضه، ولا يُقبَل قوله على المكاتب.
وإِن قال الغرماء: نحن نرضى بفكِّ الحجر عنه، ونعلم أنَّه لا مال له سوى الثمار، ففي إِجبارهم على القبض قولان مأخذُهما: أنَّ الحجر: هل ينفكُّ في مثل هذه الصورة، أو يتوقَّف على الفكِّ؟ فيه خلاف.
ثم يلحق ذلك بمن أتى بدين، فزعم الدائن أنَّه غصبٌ، فإِنَّه لا يُقبل قوله عليه، وهل يُجبَر على القبض؟ فيه القولان المعروفان في الإِجبار على القبض في الدين المؤجَّل والحالِّ.
الحال الرابعة: أن يصدِّقه المفلس وبعض الغرماء، ويكذِّبه الباقون، فينبغي للحاكم أنَّ يصرف الثمر إِلى المكذِّبين، ويصرف إِلى المصدِّقين غير الثمار من أموال المفلس، وهل يلزمه ذلك أو يُستحبُّ؟ فيه وجهان أصحُّهما الوجوب؛ دفعًا للإضرار، فلو كان له غريمان لكلِّ واحد عشرةٌ، وكانت قيمة
سائر الأموال عشرةً، وقيمةُ الثمار خمسةً، فصرف الخمسة إِلى المكذِّب، فهل يصرف إِليه ثلث العشرة أو نصفها؟ فيه وجهان أصحُّهما: أنَّه يصرف إِليه الثلث.
1589 -
فصل في الرجوع ببعض المبيع عند فوات البعض
إِذا اشترى عبدين، فتلف أحدهما في يده، فللبائع أن يرجع في الباقي، ويضاربَ بحصَّة التالف، فيُقوَّمان على ما ذكرناه في تقويم الثمار مع الأشجار إِذا ماتت الثمار.
وذكر صاحب "التقريب" والعراقيُّون قولًا: أنَّه يرجع في الباقي بجميع الثمن، كما يأخذ الباقي إِذا فرَّقنا الصفقة بجميع الثمن على قول.
وهذا ضعيفٌ جدًّا، وقد طردوه فيمن اشترى شِقْصًا وسيفًا، وقالوا: يأخذ الشفيع الشقصَ على قولٍ بجميع الثمن، وهذا قريبٌ من خرق الإِجماع.
1590 -
فرع:
إِذا أَقبض نصف الثمن، ثمَّ تلف أحد العبدين المبيعين، واتَّحدت قيمتُهما، فالنصُّ أنَّه يرجع في جميع الباقي، وينحصر الثمن المقبوض في الهالك؛ لأنَّ توثُّق البائع بالمبيع كتوثُّق المرتهن بالرهن، وخرَّجوا قولًا: أنَّه يرجع بنصف الباقي، ويضارب بنصف ثمن التالف.
1591 -
فصل في الرجوع بعد الغرس والبناء
إِذا غرس المشتري، أو بنى، ففي رجوع البائع أربعةُ أقوالٍ تجري
بتفاريعها في رجوع الواهب بعد الغرس والبناء:
أحدها: يرجع.
والثاني: لا يرجع.
والثالث: يرجع، كالرجوع في ثوب صبغه المشتري.
والرابع: إِن كانت قيمة الأرض أكثر من قيمة الغرس والبناء رجع، وإِن كانت أقلَّ لم يرجع، وهو 1 بعيد لا تفريع عليه.
فإِن قلنا: يرجع، فرجع، تخيَّر بين أنَّ يبذل قيمة الغرس والبناء ثابِتَين، وبين أنَّ يقلع ويضمن أرش النقص، وبين أنَّ يبقى بالأجرة فيما يُستقبَل، فإِن عيَّن خصلة من هذه الخصال، فامتنع الغرماء والمشتري، وعيَّنوا خصلة أخرى، فوجهان:
أحدهما: يقلع الغرس والبناء مجَّانًا، كما في العارية.
والثاني: يُجاب البائع إِلى ما اختاره، بخلاف العارية، فإِنَّها مبنيَّة على جواز الرجوع.
وإِن قلنا: يرجع كما يرجع في الثوب المصبوغ، فليس لأحدهما أن ينفرد ببيع حقِّه، فيُباعان، ويُصرَف إِلى كلِّ واحد منهما ثمن حقِّه على ما سنذكره في الثوب، وفي كيفيّة التقويم وجهان:
أحدهما: نقوِّم الأرض بيضاء، ثمّ نقوِّم مع الغرس والبناء، ونقسم الثمن على نسبة القيمتين.
والثاني: نقوِّمها بيضاء، ثم نقوّم الغرس والبناء مفرَدَين، ونقسم الثمن على هذه النسبة.
1592 -
فصل في إِفلاس المستأجر بأجرة المأجور
إِذا أفلس المستأجر بالأجرة فلا رجوع للمؤجِّر فيما مضى من المدَّة، وفي الباقي قولان:
أحدهما: لا يرجع، بل يضارب الغرماء، ويُكْرَى المأجورُ، وتُصرف أجرته إِلى الغرماء.
والثاني، وهو المذهب: أنَّه يرجع، فتُوزَّع القيمة على المنافع الماضية والباقية، ويضارب بحصَّةِ ما مضى، ويرجع فيما بقي؛ تنزيلًا لما فات من المنافع منزلةَ فوات بعض المبيع.
وإذا رجع والأرض مزروعة لم يملك القلع وإِن ضمن الأرش، وله أجرة المثل عمَّا يُستقبَل كاملةً لا يضارِبُ بها الغرماء؛ لأنَّها وجبت لإِصلاح المال.
فإِن كان للمؤجِّر دَين، فطلب القلع ليتعجَّل دينه، أو طلبه الغرماء، أُجيبوا إِلى ذلك، وإِن اتَّفقوا على الإِبقاء، وتطوَّعوا بالسقي والتعهُّد إِلى الإدراك فذاك، وإِن بذلوا المؤونة ليُقدَّموا بها، ورضي المفلس، وكان فيه مصلحةٌ، أُجيبوا إِليه، فإِن كان له غريمان قُدِّمت المؤونة على نسبة حقَّيهما، فإِن زاد دينهما على قدر المال، لم يظهر أثر التقديم إِلا أن يظهر غريم ثالث.
1593 -
فصل في الرجوع بعد اختلاط المبيع بغيره
إِذا خلطه بجنسه، كالزيت بالزيت، فإِن كان زيت المشتري أجودَ ففي الرجوع قولان، فإِن قلنا: يرجع، فهل يَقْسمان باعتبار القيمتين، أو يباعان ويوزَّع الثمن على قَدْر القيمتين؟ فيه قولان؛ أصحُّهما: أنَّهما يُباعان، ولا يُخرَّج القول الآخر إِلّا إِذا قلنا: القسمة إِفراز، وقلنا بالإِجبار على قسمة التعديل.
وإِن خلطه بمثله أو أردأ (1) منه رجع، وقيل: فيه القولان، فإِن قلنا: يرجع، قُسم بينهما على قَدْرِ حقَّيهما، ولا نظر إِلى القيمة، وخرَّجه ابن سُريج على القولين في أنَّهما يُباعان، ويقسمان الثمن باعتبار القيمة، أو يقتسمانهما على قدر القيمتين.
وإِن خلطه بغير جنسه، فإِن تميَّز في الجنس كالسَّوِيق يلتُّه بسَمْنٍ يظهر عليه، أو كسمن يُلتُّ بالسويق، أو ثوبِ يُصبغ، فلا خلاف في الرجوع على ما سنذكره في الثوب المصبوغ، وإِن لم يتميَّز في الجنس، كدهن البان أو الشيرج مع الزيت، فلا رجوع عند الجمهور، وقال الإِمام: إِذا رأينا بيع الزيتين، وتوزيع الثمن على القيمتين وجب طرد ذلك في الجنسين، وإِن قلنا: يقسمان باعتبار القيمة، احتُمل تخريجه على قسمة التعديل بين الأمتعة والدور، واحتُمل ألَّا يُخرَّج عليها، إِذ لا شيوع في الجنسين هاهنا.
1594 -
فرع للإمام:
إِذا انغمر أحد الزيتين بالآخر، وكان متموَّلًا؛ فإِن كان المغمور قدرًا1
يقع مثله بين الوزنين والكيلين، فللبائع أنَّ يرجع ويردَّ على المشتري حصَّته المغمورة، وإِن كان المبيع هو المغمور، فالظاهر نفي الرجوع، وإِن زاد المغمور على ما يقع بين الكيلين أو الوزنين، احتَمل أنَّ يُلحق بالصور السابقة، واحتَمل أنَّ يرتَّب عليها، ويكون أولى بالرجوع إِذا كان المبيع غامرًا، ويَمنع الرجوع إِذا كان مغمورًا.
1595 -
فصل في الرجوع بعد تغيُّر الصفات والأخلاق
إِذا صُبغ الثوب بصبغ يعسر تمييزه، فإِن لم تزد قيمة الثوب بذلك رجع فيه البائع، وإِن زادت صار المشتري شريكًا بالصبغ؛ لأنَّه عين مال، وإِن أحدث في العين صفة؛ كالطحن والقصارة، ففي إِلحاقه بالصبغ قولان يجريان في كلِّ صفة تحصل بفعلٍ يجوز الاستئجار عليه، بحيث تُعدُّ الصفة من آثار ذلك الفعل، ولا يجريان في كلِّ صفة كالسِّمَن والكُبْر، ولا في كلِّ فعلِ يجوز الاستئجار عليه، كحفظ الدوابِّ وسياستها؛ إِذ لابدَّ من ظهور الصفة على المحلِّ، كالقصارة والطحن، ويجريان فيما يتعلَّق بالأخلاق، كرياضة الدوابِّ وتعليم القراءة والصناعات، وأبعدَ مَن قال: لا يجريان في الأخلاق؛ إِذ لا ظهور لها في الحسِّ، فإِن جعلنا هذه الصفات آثارًا رجع البائع، ولا حقَّ فيها للمشتري، وإِن جعلناها أعيانًا فهي كصبغ الثوب، ولتِّ السَّويق بالسَّمن.
ولو تلف محلُّ العمل في يد الأجير في غير ما نحن فيه، مثل أنَّ تَلِفَ الثوب بعد القصارة، والحنطةُ بعد الطحن، فإِن جعلنا الآثار كالأعيان
سقطت الأجرة، وإِلا فلا.
ولو أراد الأجير حبس محلِّ الصنعة حتى يقبض الأجرة؛ جعلنا 1 للبائع حبس المبيع؛ فإِن جعلنا الآثار كالأعيان حُبس المحلُّ، وإِلا فلا، ويتبيَّن القولان في المفلس بصور:
الأولى: إِذا قصَر المشتري الثوبَ رجع فيه البائع على قول الأثر؛ اعتبارًا بالزيادة المتَّصلة، وعلى قول العين القِصارةُ كالصبغ: إِن لم تزد قيمة الثوب فاز به البائع، وإِن زادت صار المشتري شريكًا بقدر الزيادة، فيُباع الثوب، ويأخذان الثمن على قدر قيمة الثوب والقِصَارة، ويتضارب الغرماء في حصَّة القِصارة، وإِن زادت قيمة الثوب والقصارة بالسوق، أو نقصت، اشتركا في النقص والزيادة على قدر القيمتين، وأيُّهما زادت قيمته بالسوق اختصَّ بالزيادة، ولو وُجد راغب يشتريه بأكثر من قيمته وُزِّعت الزيادة على قَدْرِ القيمتين.
الثانية: إِذا استأجر المشتري للقصارة فاز البائع بالثوب على قول الأثر، وعلى قول العين: إِن لم يزد الثوب بسبب القصارة فاز به البائع، وإِن زاد بأن كانت قيمته عشرة، فصارت خمسة عشر لأجل القصارة، وكانت أجرة القصَّار درهمًا، فالذي ذكره الشافعيُّ وأصحابه: أنَّ البائع يقدَّم بعشرة والقصَّار بدرهم، ويتضارب الغرماء في أربعة.
ولو كانت الأجرة خمسة، والزيادة درهمًا، قدِّم البائع بعشرة، والأجير
بدرهم، وله مضاربة الغرماء بأربعة؛ لأنَّ القصارة ليست عينًا مملوكة قابلةً للتصرُّف؛ ولذلك لا يصير الغاصب بها شريكًا، وإِنَّما معنى قول العين: أنَّ القصَّار يتعلَّق بالقصارة تعلُّقَ المرتهن بالرهن، وكذلك يَحبس محلَّها كما يحبس المرتهن الرهنَ، وإِنَّما تسقط الأجرة بتلف المحلّ تحت يد الأجير؛ لأنَّا نقدِّر القصارة كجزء من العمل، فإِذا لم يصل إِلى يد المستأجر فكان عمله بعدُ في ضمانه.
1596 -
فرع:
لو كانت قيمة الثوب عشرة، فزادت بالقصارة خمسة، ثم بِيع الثوب بثلاثين، تضاعف حقُّ البائع والغرماء دون الأجرة، وغلط أبو محمد، فضعَّف حقَّ الأجير، ودفع إِليه درهمين، وإِلى الغرماء ثمانية.
1597 - فرع: غلط الأصحاب على قول العين، فقالوا: يفسخ القصَّار العقد، ويرجع إِلى القصارة؛ ظنًّا أنَّ القصارة ملكت منه، ثم رجعت إِليه بالفسخ، ولا يصحُّ ذلك؛ إِذ لا يستحقُّ القصارة بالغةً ما بلغت، وإِنَّما حقُّه في التوثُّق.
1598 -
فصل في الرجوع في الثوب بعد الصبغ
إِذا صبغ ثوبًا قيمته عشرة بصبغ قيمته خمسة، فكان مع الصبغ مساويًا للعشرة، رجع فيه البائع اتِّفاقًا، ولا حقَّ للمشتري ولا للغرماء في الصبغ؛ لأنَّه استهلك فصار كما لو صبغه بما لا يتموَّل، وإِن لم تزد قيمتها ولم
تنقص؛ بِيعْ الثوب، وأخذ البائع عشرة، والغرماء خمسة، وإِن صارت القيمة عشرين بسبب الصبغ، فعلى قول الأثر يأخذ البائع خمسة عشر والغرماءُ خمسة.
كذا ذكره أبو عليٍّ، ولو وُزِّعت الزيادة عليهما لاتِّصالها بهما لكان متَّجِهًا، وعلى قول العين يُقسم الثمن بين البائع وبين الغرماء نصفين، فإِن بِيع بثلاثين كانت الزيادة -وهي العشرة- بينهم نصفين.
ولو كانت قيمة الثوب عشرة، والصبغ درهمًا، فبلغ خمسة عشر لأجل الصبغة، فعلى قول الأثر: للغرماء درهم، وللبائع أربعة عشر، وعلى قول العين: للبائع عشرة، وللغرماء خمسة، فإِن بِيع بثلاثين، فإِن جعلنا الزيادة للمشتري، أخذ الغرماء عشرة، والبائع عشرين، وإِن جعلناها للبائع، أخذ الغرماء درهمين، والبائع ثمانية وعشرين؛ توزيعًا للزيادة على المبلغين.
1599 -
فرع:
إِذا رجع البائع، وكانت قيمة الثوب عشرة، وأجرة القصارة المسمَّاة درهمًا، فصارت القيمة خمسة عشر، فإِنَّ البائع يفوز بالثوب على قول الأثر، ويضارب الأجيرُ الغرماءَ بدرهم، وقال صاحب "التلخيص": تجب الأجرة على البائع إِذا رجع، وهذا غلط اتِّفاقًا 1.
1600 - فرع: اشترى عشرة أرطالِ عصيرٍ بعشرة دراهم، فاتَّخذها رُبًّا، فنقص بالغليان رطلان، فللبائع أنَّ يضارب بالثمن، وله أنَّ يرجع بالرُّبِّ، فإِن رجع، فإِن كانت
قيمة الرُّبِّ سبعةً ضارب بدرهمين، وغلط صاحب التلخيص فقال: يضارب بنقص القيمة، وهو ثلاثة، وإِن كانت قيمة الرُّبِّ عشرة فاز به البائع على قول الأثر، وضارب بدرهمين، وغلط صاحب "التلخيص" وبعض الأصحاب فقالا: لا يضارب بشيء، وعلى قول العين: فيما زاد بسبب الغليان وجهان:
أحدهما: أنَّه للبائع كالسِّمَنِ؛ إِذ لا يجوز الاستئجار على إِغلاء العشرة لتصير ثمانية، فإِنَّ ذلك لا ينضبط.
والثاني: أنَّ الزيادة للمشتري، ويجوز الاستئجار على الغليان، وإِن بلغ الرُّبُّ اثني عشر فاز به البائع على قول الأثر، وضارب بدرهمين، وغلط في "التلخيص" فقال: إِذا رجع غَرِمَ الزيادة على القيمة الأولى، وهي درهمان، ومذهبه في هذه المسائل هفوةٌ لا تُعدُّ من المذهب، وعلى قول العين: هل تكون الزيادة للبائع أو للمشتري؟ فيه الوجهان، فإِن جعلناها للمشتري فقد ضارب البائع بدرهمين، ثم يُصرف إِليه من ثمن الرُّبِّ ثمانية، وإِلى الغرماء أربعة.
1601 -
فصل في الحجر على أحد العاقدين في مدَّة الخيار
إِذا حُجر على المشتري بالفَلَس في مدَّة الخيار، ففسخ أو أجاز، فطريقان: إحداهما: ينفذ فسخه وإِجازته وإِن خالفا الغبطة؛ لاستنادهما إِلى العقد السابق على الحجر، وسواء ملَّكْناه المبيع أو بقَّيناه على البائع، ولا فرق في
ذلك بينه وبين البائع، ولو جُنَّ في زمن الخيار وجبت رعاية المصلحة في الفسخ والإِجازة.
الطريقة الثانية: التفريع على أقوال المِلْك، فإِن بقَّينا ملك البائع نفذ فسخ المشتري وإِجازتُه إِن وافقا الغبطة، وهذا متَّفق عليه، بخلاف ما لو باع شيئًا بعد الحجر، فوافق الغبطة، فإِنَّه لا ينفذ في الحال، وإِن خالف الغبطة في الفسخ أو الإِجازة نفذ الفسخ، وبطلت الإِجازة، لأنَّه أخرج الثمن عن ملكه بالإِجازة، ولم يخرج بالفسخ شيئًا، ولا تلزمه الإِجازة؛ لأنَّها اكتساب، وإِن نقلنا الملك إِلى المشتري، فخالف الغبطة بالفسخ أو الإِجازة، بطل الفسخ، ونفذت الإِجازة، وكذلك إن استويا في المصلحة.
وحاصل هذه الطريقة: أنَّا لا نُلزمه ردَّ شيء إِلى مِلْكه، ولا نجيز له إِخراج شيء من مِلْكه، على خلاف الغبطة.
1602 -
فرع:
إِذا اشترى الصحيح عبدًا بعشرة، وقيمتُه بتقدير السلامة 1 خمسةٌ، فاطَّلع في مرض موته على عيب ينقصه عشر القيمة، فله ردُّه وإِمساكه، ولا يلزمه الردُّ؛ لأنَّه اكتساب، فإِن اختار إِمساكه كان متبرِّعًا بعُشْر ثمنه دون عُشْر القيمة، فإِن مات فقد بان أنَّ الوارث مالكٌ لعشر الثمن إِذا لم يخرج من الثلث 2، ويُحتمل أن يتوقف الملك فيه على اختياره.
ولو كان الثمن جارية، جاز للبائع وطؤها بعد اطِّلاع البائع على عيب العبد؛ لأنَّ تعرُّض الجارية للردِّ كتعرُّض الجارية الموهوبة لرجوع الواهب، ولا فرق بين أنَّ يكون الثلث وافيًا بقدر التطوُّع أو ناقصًا عنه؛ لأنَّ المريض لو تبرَّع بجارية لا يملك غيرها جاز للمتَّهب وطؤها، بناءً على استمرار الحياة، فإِن مات الواهب بأن بطلان الملك في ثلثيها.
ولو اشترى عبدًا قيمته عشرةً بخمسة، واطَّلع على عيب ينقص عشر القيمة؛ فإِن ردَّه كان متبرّعًا بأربعة دراهم؛ لإِخراجه ما يقابلها عن ملكه، وإِن أمسكه لم يكن له ولا لوارثه أرش.
ولو اشترى للطفل عبدًا قيمته عشرةٌ بخمسة، واطَّلع على عيب ينقص عشر القيمة، فليس له ردٌّ ولا أرشٌ.
1603 -
فصل في الإفلاس بالمُسلَم فيه
إِذا أفلس المسلَم إِليه مع عموم المُسلَم فيه، فللمسلِم الرجوعُ في الثمن إِن كان باقيًا، سواءٌ تعيَّن بالعقد أو القبض، وإِن كان تالفًا لم ينفسخ العقد، والأصحُّ أنَّه لا يَفسخ؛ إِذ لا يخلص عن المضاربة، وإِن كان المسلَم فيه منقطعًا فسخ على الأصحِّ؛ لأنَّه يستفيد الوصول إِلى بعض حقِّه في الحال، ولأنَّ الانقطاع يثبت الخيار من غير إِفلاس، ولا يُشترط في الخيار الثابت في الإِطلاق غرض؛ ولذلك يُردُّ المبيع بالعيب على مفلس لا يقدِر على الثمن، وإِن اختار المسلِم المضاربة ضارب بقيمة المسلَم فيه إِن لم يكن نقدًا،
وليس له أخذ القيمة؛ لتحريم الاعتياض عن المسلَم فيه، ولا يملك القيمة، بل يشتري بها حصَّة من المسلَم فيه على صفته، كجزء من ثوب أو حيوان، فإِن انفكَّ الحجر، ثمَّ حدث له مال، فحجر عليه فيه، قوَّمنا المسلَم فيه مرَّةً أخرى، فإِن نقص عن القيمة الأولى أو زاد فالاعتبار بالقيمة الثانية، وأبعدَ مَن قال: إِذا نقصت القيمة الأخيرة اعتُبر بالقيمة الأولى.
وإِن أمكن تحصيل المسلَم فيه بحصَّته من المضاربة، أو بما دونها، فهل يُشترى له جميع حقِّه أو يستأنف المضاربة؟ فيه وجهان، والجمهور على أنَّا نشتري له جميع حقِّه؛ لأنَّ ما خصَّه قد صار كالمرهون بحقِّه، واخْتَصَّ (1) به.
1604 -
فصل في إِفلاس المؤجِّر
إِذا أفلس المؤجِّر؛ فإِن كانت الإجارة على العين -كالدار والدابَّة- لم تُفسخ الإِجارة لأجل الغرماء، بل يمتنع بيع المأجور على قول، ويُباع على القول الآخر، ولا مبالاة بنقصانه، فإِن انهدمت الدار بعد الإِطلاق، فللمستأجر الرجوع بأجرة ما بقي من المدَّة، وهل يضارب بها الغرماء كغريم يظهر؟ فيه وجهان من جهة استناد ذلك إِلى سبب سابق.
وإِن كانت الإِجارة على الذمَّة؛ كالتزام حمل قنطار إِلى مكان معيَّن، فإِن لم يدفع إِليه دابّة فله أنَّ يرجع في الأجرة إِن كانت باقية، وأن يضارب بأجرة المثل لما استحقَّه من المنفعة إِن كانت الأجرة تالفة، وهل يجوز له1
أخذ حصَّته من المضاربة؟ فيه وجهان مبنيَّان على أنَّ الإِجارة على الذمة سَلَم أم لا؟ والأصحُّ أنَّها سَلَم، فلا يجوز له أخذ الحصَّة، فإِن كان المقصود ممَّا لا يتبعَّض تبعُّضًا مفيدًا، كحمل المتاع إِلى بعض الطريق، أو حمل المستأجَرِ إِلى مهلكة، فلا وجه إِلا أنَّ تُفسخ الإِجارة، ويضارب ببدل الأجرة، وكذلك لو تعذَّر تحصيل جزء من الحيوان المسلَم فيه، فلا وجه إِلا الفسخ والمضاربة ببدل رأس المال، وإِن كان بعض المقصود مفيدًا كحمل بعض المشروط إِلى المكان المعيَّن، فإِنَّا نصرف حصَّة المضاربة إِليه، والضابط: أنَّ التبعيض إِن أفاد صُرفت الحصَّة إِليه، وإِن عسر ذلك أو تضمَّن نقصًا ثبت الخيار؛ إِذ لا سبيل إِلى تملُّك القيمة.
وإِن سلَّم إِليه دابَّة للحمل المشروط، ثمَّ حُجر عليه، فالمذهب أنَّ حكمها كحكم الدابَّة المتعيِّنة بالعقد، فليحُمِّلها ما شرط، وفيه وجه: أنَّها لا تتعيَّن، بدليلِ أنَّها لو تلفت لم تنفسخ الإِجارة بتلفها.
1605 -
فصل في فَلَس المستأجِر
إِذا أفلس المستأجر وعليه الأجرةُ؛ فإِن كانت الإجارة على العين فللمؤجِّر أنَّ يضارب بالأجرة، ولا تضيعُ المنفعة في بقيَّة المدَّة، فإِن كان المأجور فارغًا، أُجِّر وصُرفت أجرته إِلى الغرماء، وإِن اختار الفسخ جاز على المذهب، فيرجع فيما بقي من المنافع، ويضارب بأجرة ما مضى، فإِن رجع والأرض مزروعةٌ قدِّم بأجرة المثل لمدَّة بقاء الزرع، ولا يضارب بها
الغرماء؛ لأنَّها وجبت لإِصلاح المال.
وإِن كان المأجور دابَّة، فأفلس المستأجِرُ في الطريق، فللمؤجر أنَّ يفسخ، ولكن لا يضيِّعُ متاع المفلس، بل يُنقل إِلى مأمَن، ولا يجب نقله إِلى المقصد.
وإِن كانت الإِجارة على الذمَّة؛ فإن قُبضت الأجرة صرفت المنفعة في ديون الغرماء كسائر الأموال، وإِن لم تُقبض الأجرة، وجوَّزنا ذلك، فللمؤجِّر الفسخ؛ لأجل تعذُّر الأجرة.
1606 -
فصل في ظهور غريم بعد القسمة
المضاربة على أقدار الديون، فإِن ظهر غريم بدينٍ قديمٍ رجع على كلِّ واحد بما يخصُّه، ولا تُنقض القسمة، فإِن كان له غريمان، فاقتسما المال، ثم ظهر ثالثٌ بعد إِعسار أحدهما، فهل يرجع بثلث ما في يد الموسر أو بنصفه؟ فيه وجهان، والأكثرون على أنَّه يرجع بالنصف.
ولو ظهر وارث بعد قسمة التركة نُقضت القسمة، وإِن ظهر للميت غريمٌ لم تُنقض على أصحِّ القولين، ورجع على كلِّ واحد من الغرماء بما يخصُّه، ولا يَبْعُدُ إِجراء الخلاف في غريم المفلس.
1607 -
فصل في تعلُّق الحجر بما يحدث من المال
إِذا تجدَّد للمفلس مالٌ بهبةٍ أو وصيَّةٍ أو إِرثٍ أو شراءٍ، فالأصحُّ أنَّ
الحجر يتعلَّق به، وإِن أُطلق (1) وعليه بقيَّة من الديون، ثم أيسر، فطلب الغرماء الحجر عليه، أُجيبوا إِلى ذلك إِن زادت ديونهم على اليسار، وإِن ساوت أو نقصت ففيه الخلاف، فإِن تجدَّد له غرماء بعد الإطلاق تضاربوا مع الغرماء الأُوَل في المستفاد سواء تجدَّدوا قبل الاستفادة أو بعدها، وإِن ظهر له مال قديم، اختصَّ به الغرماء الأُوَلُ.
وإن تجدَّد دين في حال الحجر؛ فإِن لم يتعلَّق بمصلحة المال كقيم المتلفات، فلا مضاربة به، وإِن تعلَّق بمصلحة المال -كأجرة الدلَّال والكيَّال وغيرهما- قُدِّم من غير مضاربة.
1608 -
فصل في بيع أموال المفلس
لا يجب على الحاكم الإشهادُ على الحجر، لكن يُستحبُّ بيع المال بنفسه أو نائبه بشرط أنَّ يكون أمينًا كافيًا، ولا يفرِّط في البدار، فيبيع بالبخس، ولا يؤخر بعد الاحتياط اللائق بالحال، ويُباع كلُّ شيء في سوقه، ويُستحبُّ إِحضار المفلس موضع البيع؛ نفيًا للتهَمَة، ويؤخِّر بيع العقار، ويُبدأ بالحيوان، ثم بما يَسْرُعُ إِليه الفساد، فإِن طلب الغرماء المضاربة في كل ما يحصل أُجيبوا، وإِن رضوا بالصبر إِلى أنَّ تجتمع الأثمان جُمعت عند عدل، وإِن رأى القاضي إِقراضها من مليء وفيٍّ جاز.
ولا يلزم الغرماءَ إِثباتُ أن لا غريم سواهم، بخلاف الورثة في بعض1
الأحوال؛ لأنَّ إِظهار الحجر وإِشاعته يقوم مقام الحصر، وقال الإِمام: يلزمهم إِثبات الحصر حيث يلزم الورثة.
وليس للوكيل ولا لمن يبيع مال المفلس أنَّ يسلِّم المبيع قبل قبض الثمن، ولا يجيء فيه من أقوال البداية (1) إِلا قولان:
أحدهما: الإِجبار من الطرفين.
والثاني: البداية بالمشتري.
فإِن كان العاقدان وكيلين أُجبرا معًا، وسقط سائر الأقوال، فإِن بدأ الوكيل بالتسليم ضمن اتِّفاقًا؛ لتعدِّيه، وهل يضمن الثمن أو قيمةَ المبيع؟ فيه وجهان، وهذا تضمينٌ حائد عن قواعد الضمان، والأوجهُ ألا يضمَّن إِلا الأقلَّ من القيمة أو الثمن.
1609 -
فصل في تصرُّفات المفلس
كلُّ تصرُّفٍ تعلَّق بعين المال الذي حجر عليه فيه، كالعتق والكتابة والهبة والبيع، فلا ينفذ في الحال اتِّفاقًا، وهل يتوقَّف العتق على الإِطلاق أو يبطل من أصله؟ فيه قولان، وفي وقف الكتابة قولان مرتَّبان، وأولى بالبطلان، والهبة والبيع سِيَّان، وفيهما قولان مرتَّبان على الكتابة، وأولى بالبطلان؛ إِذ لا يحتملان التعليق بالإغرار.1
فإِن أبطلنا هذه التصرُّفات جاز التصرُّف في محالِّها، كسائر الأموال، وإِن وقفناها بدأنا ببيع غيرها من الأموال، فإِن انتهت الحاجة إِليها وجب أن نبدأ بالتصرُّف في أضعفها فأضعفِها، فنتصرَّف في الموهوب، ثمَّ في المبيع، ثمَّ في المكاتَب، ثمَّ في العتيق، فإِن تعذَّر بيع الأموال إلا بيعَ العتيق، فطلب الغرماء بيعه، ففي إِجابتهم إِليه احتمال، والظاهر الإجابةُ، وإِذا نُقل محلُّ التصرُّف عن الديون، وقلنا بالوقف، فقد بان نفوذُ التصرُّف من حين اللفظ.
1610 -
فرع:
إِذا حُجر على الواهب بالفَلَس، وقلنا: الهبةُ المطلَقة تقتضي الثواب؛ فإِن قدَّرنا الثواب بالقيمة لم يكن له الرضا بما دونها، ولا يلزمه قبولُ الزيادة عليها، وإِن جعلنا الثواب إِلى خِيَرَة المتَّهب، فله أن يقبل ما زاد على القيمة، أو نقص عنها، ولا يجب قبول الزيادة، كما لا يلزمه قبولُ الهبات والتبرُّعات.
1611 -
فصل فيما ينفذ من تصرُّفات المفلس
كلُّ تصرُّف لا يتعلَّق بالمال المحجور فيه فهو نافذ، كقبول الوصايا والهبات، والخُلعِ والطلاقِ والنكاحِ، والعفوِ عن القصاص، ونفي النَّسب باللعان، وإِثباتِهِ بالاستلحاق، وكذلك الشراءُ في الذمَّة على المذهب، وفيه قول: أنَّه لا يصحُّ، وعلى المذهب: أنَّه لا يؤدِّي الثمن من المال الذي تعلَّق به الحجر، وأمَّا أداؤه من ثمن المبيع فقد خرَّجه الإِمام على سريان الحجر إِلى ما يحدث من المال، وقد رمز الأصحاب إِلى وجهين:
أحدهما: أنَّ الغرماء يتضاربون في المبِيع، ويصير البائع بالثمن إِلى الإِطلاق (1).
والثاني: أنَّه يضاربهم في ثمن المبيع خاصَّة.
فإِن أراد البائع أنَّ يرجع في المبيع، فإِن علم بالفَلَس عند البيع لم يرجع على المذهب، وقيل: حكمه حكم البائع من العبد بغير إِذن السيِّد، وهذا لا يصحُّ؛ إِذ لا آخر للرقِّ، بخلاف الفلس، وإِن جهل الفلس عند البيع، فالظاهر أنَّه يرجع، وقيل: لا يرجع؛ إِذ لا خلاف أنَّ من اطَّلع على فلس المشتري المطلق فلا فسخ له ما لم يحجر عليه، وكذلك مَن سلَّم المبيع ظانًّا يسارَ المشتري، ثم ظهر إِعساره، فإِنَّه لا يفسخ قبل الحجر.
1612 -
فرع:
إِذا اشترى الرقيقَ بغير إِذن السيِّد، وقلنا: يصحُّ، فإنْ جهل البائع رقَّه عند البيع رجع اتِّفاقًا، وإِن علمه فوجهان.
1613 -
فصل في إِقرار المفلس
إِذا أقرَّ بعين، فأكذبه الغرماء، ففي نفوذ إِقراره في الحال قولان قديمان، فإِن قلنا: لا ينفذ، أُخذ به بعد الإِطلاق اتِّفاقًا؛ لأنَّ الإِقرار يقبل الوقف، بخلاف التصرُّفات؛ ولذلك 2 لو شهد بحرِّيَّة إِنسان، فرُدَّت شهادته،1
ثمّ اشتراه، فإِنَّه يعتق؛ مؤاخذةً بالإِقرار السابق.
وإِن أقرَّ بدين، فأكذبه الغرماء، فلا مضاربة به، ويؤخذ به بعد الإِطلاق اتِّفاقًا، وقال الأئمَّة: إِن قبلنا إِقراره بالعين في الحال ثبتت المضاربة بالدين المطلق؛ إِذ لا فارق؛ ولذلك (1) ينفذ إِقرار المريض بالأعيان وبالدين المستغرق.
1614 -
فصل في حكم الدين المؤجَّل عند الحجر بالفلس
تَحُلُّ الديون المؤجَّلة بالموت اتِّفاقًا، ولا تحل بالجنون على أصحِّ القولين، وفي حجر الفلس قولان مرتَّبان عند أبي محمد، وأولى بألا تحلَّ، وخصَّ الإِمام الخلاف بالفلس؛ إِذ يجوز لوليِّ المجنون أنَّ يتصرَّف له بدين مؤجَّل، فإِن قلنا: لا تحلُّ الديون بالفلس، فلا مضاربة لأربابها قبل المحلِّ اتِّفاقًا.
ولو اشترى بمؤجَّل، فحجر عليه، ثم حلَّ الأجل قبل الإطلاق، فللبائع أنَّ يرجع في المبيع على الأصحِّ، وإِن لم يحلَّ لم يرجع، بل يُباع المبيع، ويتضارب في ثمنه الغرماء، فإن لم يُصرف الثمن إِليهم حتى حلَّ الأجل، ففي رجوعه فيه تردُّد واحتمال، وأبعدَ مَن قال: يُعزل المبيع، فإِن حلَّ الأجل قبل الإِطلاق رجع فيه البائع، وإِن حلَّ بعد الإِطلاق فالظاهر أنَّه يرجع؛ لأنَّ عزل المبيع من آثار الحجر الأوَّل، وأبعد من قال: إِن كان معسرًا بعد الإِطلاق1
حجر عليه؛ ليرجع البائع في المبيع.
وإِن طلب أرباب الديون المؤجَّلة الحجر لم يُجابوا إِليه قبل الحلول، ويُجابون بعد الحلول اتِّفاقًا.
وإِن
فرَّع
نا على الحلول بالإِفلاس يضارب أرباب الدُّيون الحالَّة والمؤجَّلة في المال، وأبعد مَن وقف الحِصص المؤجَّلة إِلى الحلول (1)، ولا يجري هذا الوجه في الحلول بالموت.
وإِن حلَّ الثمن المؤجَّل بسبب الحجر رجع البائع في المبيع، وقيل: لا يرجع؛ لأنَّ التأجيل قطع تعلُّقه بالمبيع؛ ولذلك لا يحبسه على الثمن، وهذا لا يصحُّ؛ فإِنَّ من باع بحالٍّ وسلَّم المبيع فإِنَّ الحبس يبطل، وله أن يرجع عند الفلس.
ولو كانت الديون كلُّها مؤجَّلةً، فطلب أربابها الحجر، لم يجابوا على الأصحِّ.
1615 - فرع: إِذا نفَّذنا شراء العبد بغير إِذن السيِّد، فاشترى بمؤجَّل، فقد قطع أبو عليٍّ بأنَّ البائع لا يرجع قبل الأجل، ولا بعده، ويحتمل أنَّ يرجع بعد الأجل، كما لو باع بالحالِّ، وكما لو باع من الحرِّ بمؤجَّل فحلَّ، ثم حُجر عليه.
1616 -
فصل في الجناية على المفلس
إِذا جُني عليه أو على رقيقه فله أنَّ يقتصَّ، ولا يلزمه العفوُ، فإِن عفا1
على مال، أو كانت الجناية ماليَّة وقلنا: يسري الحجر إِلى المال الحادث، تعلَّق حقُّ الغرماء بالأرش.
وإِن جنى عبده تعلَّق الأرش برقبته مقدَّمًا على ديون الغرماء، فإِن فداه بشيء من المال الذي تعلَّق به الحجر، فحكمُ ذلك حكمُ التصرُّف في أعيان المال، وإِن رأى الحاكم المصلحة في الفداء فداه.
وإِن جنى المفلس جنايةً ماليَّةً، فلا مضاربة للمجنيِّ عليه فيما تعلَّق به الحجر.
1617 -
فصل في نفقة المفلس وأنَّه لا يلزمه الكسب لقضاء الديون
ليس على المدين أن يكتسب لوفاء الدين وإِنْ قدر على ذلك محجورًا كان أو مطلقًا، وليس للحاكم إِيجاره لوفاء الدين، وهل يؤجِّر أمَّ ولده وما هو وقْفٌ عليه؟ فيه وجهان من جهة أنَّ المنافع لا تُعدُّ مالًا؛ ولذلك لا يؤجَّر المفلس، فإِن أوجبنا الإيجار فالوجه أنَّ يوالي بين المُدَد إِلى وفاء الديون، وقياس هذا: بقاء الحجر إِلى وفاء الدين، وفيه بُعدٌ لا يخفى، وفي وجوب الاكتساب لنفقة العيال وجهان.
وعلى الحاكم أن ينفق على المفلس، وعلى مَن يلزمه نفقته من الأقارب والزوجات إِلى أن يقسم ماله، وفي يوم القسمة، ولا يزيد على ذلك، ويجري الحاكم في الإنفاق على ما كان يجري عليه المفلس، ولا ينفق إِلا
نفقة المُعْسِرين.
ويترك له من الثياب ما لا يَخرم مروءته، ويختلف ذلك باختلاف الرُّتَب، فيترك للعالم دَسْتُ (1) ثوب يليق به، ومن جملته الخفُّ والطيلسان عند كثير من الأصحاب، وفيهما نظر؛ لمجاوزتهما الاقتصاد، ولأنَّ المروءة لا تنخرم بتركهما، ولا نترك له دَسْتَ ثوبٍ يليق ببسطته وثروته، ونترك للسُّوقي والأتوني (2) ما يليق بهما، ومن تجمَّل في ثروته بما لا يليق به رُدَّ في الفلس إِلى ما يليق به، ومَن نزل في ثروته عمَّا يليق به رضينا له في الفلس بما رضي به لنفسه، ولا يُحطُّه عنه، ونترك له في الصيف ما يليق بالصيف، وإِن قُسم المال في الشتاء أُعطي ما يليق بالشتاء.
1618 -
فرع:
إِذا مات، أو مات له قريبٌ يلزمه نفقته، بُدئ بمؤونة تجهيزه ودفنه، وهل يكفَّن في ثوب أو ثلاثة؟ فيه وجهان، وأبعدَ أبو إسحاق فاكتفى بستر عورته، ولا خلاف أنَّا لا نكتفي بذلك في حياته، ولا بثوب واحد.
وإِن ماتت زوجته ففي مؤونة تجهيزها وجهان، كزوجة الموسر.
وإِذا كان ممَّن يُخدم، وله عبد قد أَلِفَه، فالنصُّ أنَّه يُباع في الدَّين، ولا يُباع في الكفَّارة، فقيل: [في المسألتين] 3 قولان نقلًا وتخريجًا،12
والمذهب: تقرير النصَّين، فيُباع في الدين دون الكفَّارة؛ لأنها حقٌّ لله عز وجل، ولها بدلٌ، بخلاف الدين.
فإِن قلنا: لا يُباع، فشرطُه: أنَّ يكون قريب القيمة لائقًا بالمُعْسِرين، وعلى هذا الوجه إِذا لم يكن [له] خادمٌ فالأصحُّ أنَّه يشتري، وحكم المسكن كحكم الخادم، وأولى بألا يُباع، ولاسيَّما في حقِّ الضعيف ذي العيال، وبيع المسكن في الكفَّارة المرتَّبة أبعدُ من بيع الخادم، والحاصل فيهما ثلاثة أوجه:
أحدها: يُبا عان.
والثاني: لا يُباعان.
والثالث: يُباع الخادم دون المسكن.
وكلُّ شيء نبقيه عليه، فإِنَّا نشتريه عند فقده؛ كالثياب وغيرها.
1619 -
فصل في دعوى الغرماء بدين للمفلس وحلفهم على حقوقه
إِذا ادَّعى الوارث دينًا لمورِّثه، وأقام شاهدًا، ولم يحلف، فالأصحُّ أنَّ غرماء الميت لا يحلفون، ولو أقام المفلس شاهدًا بدينٍ، ولم يحلف، ففي تحليف الغرماء طريقان؛ أصحُّهما: أنَّهم لا يحلفون؛ لأنَّ المستحِقَّ بطريق الأصالة قد نكل، فيبعُدُ التحليف بعد نكوله، بخلاف الوارث.
ولو ادَّعى الوارث أو المفلس ولا بيِّنة، فرُدَّت اليمين عليهما، فنكلا، ففي تحليف غرماء الميت القولان، وفي غرماء المفلس الطريقان.
قال الأصحاب: ليس للغرماء الابتداء بالدعوى وإِن قلنا: إِنَّهم يحلفون، وقال أبو محمَّد: إِن قلنا: يحلفون، سُمِعت دعواهم، وإِلَّا فلا، وهذا ممَّا انفرد به.
ولو ادَّعى الراهنُ الاستيلاد بإِذن المرتهن، وقلنا: لا ينفذ إِلا بإِذنه، ثم نكلا عن اليمين، فإِنَّ الجارية تحلف.
قطع به في الجديد والقديم؛ لأنَّ حقَّها يثبت ابتداءً، بخلاف الغرماء، فإنَّ الحقَّ يثبت لغيرهم، ثمَّ يصير إِليهم.
وإِن ادَّعت الجارية على السيِّد أنَّه أولدها؛ فإِن كان قد عرضها للبيع سُمعت الدعوى، وإِن لم يتعرَّض لذلك ففي سماع الدعوى مع سكوته تردُّدٌ واحتمال.
1620 -
فرع:
إِذا ادُّعي على المفلس بدين فالقولُ قولُه مع يمينه، فإِن حلف انقطع الخصام، وإِن نكل رُدَّت اليمين على المدَّير اتِّفاقًا، فإِن حلف ثبت الدين، وضارب الغرماءَ إِن جعلنا يمين الردِّ كالبيِّنة، وإِن جعلناها كالإِقرار، ورددنا إِقراره في الحال، طُولب بعد الأِطلاق.
1621 -
باب العهدة في مال المفلس
لا ضمان على الحاكم ولا العدل ولا الوصيِّ فيما يبيعونه بحكم الولاية، ولا فيما يقبضون من ثمنه إِذا مات بغير تفريط، فإِذا باع الحاكم شيئًا من مال المفلس، وقبض الثمن، ثم ظهر استحقاق المبيع، فإِن كان الثمن باقيًا رجع به المشتري، وإِن تلف في يد الغريم ضمنه، وإِن تلف في يد الحاكم لم يضمن، ويرجع المشتري على المفلس، وهل يضارب بما يخصُّه، أو يرجع بجميعه؟ فيه طريقان:
إحداهما: قولان.
والثانية: يرجع بالجميع؛ لتعلُّق ذلك بصلاح المال.
1622 -
باب حبس المفلس
إِذا ثبت الحقُّ، فإِن كان على معسرٍ أُنظِر، ولم يُتعرَّضْ له إِلى اليسار، وإِن امتنع من أداء الحقِّ مع القدرة فهو ظالم، فإِن ظفر الحاكم بماله ابتدر بيعه، وصرفه في دينه، ولا يحجر عليه؛ إِذ يجب على الولاة إِيفاءُ الحقوق وإِبقاؤها على المستحِقِّ على حسب الإِمكان.
وإِن لم يظهر للممتنع مال؛ فإِن أَشكل أمرُه حبسه، ولا يزيد على الحبس بتعزير ولا غيره، وعلى ذلك درج الأوَّلون.
وإِن عرف الحاكم ظُلْمَه بالامتناع مع القدرة ببيِّنةٍ أو إِقرار أو غيرهما حَبَسه وعزَّره، وكذلك يعزِّر كلَّ من ظهر عناده في أداء الحقوق.
والتعزير المتعلِّق بالنظر العامِّ مفوَّض إِلى رأي الإِمام من غير تخيُّر فيه، بل يجتهد، ويفعل الأقصد، ويختلف ذلك باختلاف الرُّتَب، فقد يحصل الغرض بمجرَّد الحبس، وقد لا يكترث المعاند بإِطالة الحبس، فيجري الحاكم على ما تقتضيه الحال، ولا يبلغ بالتعزير الحدَّ، وله أنَّ يعزِّر في الأوقات تعزيراتٍ يزيد مجموعها على الحدِّ، ولا يعزِّر ثانيًا حتى يبرأ من الأوَّل؛ لأنَّ الإِصرار على الامتناع كتعدد الجنايات في اقتضاء التعزيرات.