كتاب الصلاة
236 -
الصلواتُ المفروضات خمسٌ، والوسطى: صلاةُ الصبح، ويدخل وقتُ الظهر بالزوال، وهو انحطاطُ الشمس عن منتهى ارتفاعها، ويظهر ذلك بزيادة الظل بعد نقصانه، ويخرج وقتُها بمصير ظلّ الشيء مثلَه من أول الزيادة دون أول الظل، ويدخل وقتُ العصر بانقضاء وقت الظهر، وينتهي بغروب الشمس على المذهب.
237 -
فصل في بيان وقت الاختيار والجواز
يمتدُّ وقتُ الاختيار إلى بيان جبريل، وهو في الظهر إِلى آخر وقتها، وفي العصر إِلى مصير ظل [الشيء] 1 مثليه 2، وفي الفجر إلى الإِسفار، وفي
العشاء إِلى ثلث الليل الأول، لبيان جبريل على قول، وإلى نصفه على قول آخر.
ووقتُ الجواز: ما زاد على بيان جبريل، وهو في العصر إلى الغروب، وفي العشاء إِلى طلوع الفجر الصادق، وفي الصبح إلى طلوع الشمس.
وقيل: لا تزاد هذه الأوقات على بيان جبريل، وقيل: بزيادة وقت العصر والصبح دون العشاء، وكلاهما بعيدٌ؛ إِذ صحَّ عن رسول الله: "أنَّ مَنْ أدرك رَكْعةً من العصر قبل الغروب، ومن الصبح قبل الطلوع فقد أدركهما 1 2 " ولا نعلمُ خلافًا أنَّ الحائضَ لو طهرت قبل الفجر بمقدار ركعة، لو جبت عليها العشاءُ.
= حين أفطر الصائم، ثمَّ صلَّى العشاء حين غاب الشفق ثمّ صلّى الصبح حين حرمَ الطعامُ والشرابُ على الصائم، ثمّ صلَّى المرَّة الأخرى الظهرَ حين كان كلُّ شيء قدر ظِلِّه قدر العصر بالأمس، ثم صلَّى العصر حين كان ظلُّ كل شيء مثليْهِ ثمّ صلّى المغرب بقدر الوقت الأوَّل لم يؤخّرها، ثم صلّى العشاء الآخرةَ حين ذهب ثلثُ الليل ثم صلَّى الصبح حين أسفَر ثمَّ التفتَ فقال: يا محمدُ هذا وقتُ الأنبياء من قبلك، والوقتُ فيما بين هذين الوقتين".
قال الشافعي - رضي الله عنه -: "وبهذا نأخذُ، وهذه المواقيتُ في الحضر".
قال الترمذي: "هذا حديث حسنٌ صحيح".
238 -
فصل في بيان وقت الفضيلة والمبادرة
وفي وقت الفضيلة والمبادرة أوجهٌ:
أحدها: أنه ينتهي إلى نصف الوقت مع انقسامه إلى الفاضل والأفضل.
والثاني: أنه أول جزء من الوقت؛ بحيث ينطبقُ التكبيرُ عليه، بأن تُقدَّم الأسبابُ قبل الوقت، ثم يتحرم بالصلاة عقيبَ دخوله، ولو تيمم بعد الوقت لفاته ذلك، والأول: ضعيفٌ، والثاني: غُلوٌّ وسرف.
والثالث وهو أقرب: أنَّ المبادرةَ تحصل بأن يتشمَّرَ لأسباب الصلاة عقيبَ الوقت؛ كالطهارة، والأذان، والإِقامة، والستارة، وكذلك السنن التي شُرعت قبل الفرائض مع الاقتصاد في ذلك كله، بحيث لا يعدُّ المكلف مؤخرًا للصلاة، ولا متوانيًا، وناقش أبو محمد 1 في التَّستُّر؛ لأنه لا يختصُّ بالصلاة، ولا وجهَ لمناقشته في ذلك.
ولا بأس بشغل خفيف؛ كأكل لُقَم، وكلام غير طويل.
وإذا انقسم وقتُ المبادرة إلى الفاضل والأفضل، فليس مَنْ قدَّم الطهارة على الوقت، أو ترك الأذانَ والإقامة والستر بحائزٍ للأفضل في ذلك، واختار أبو محمد أنَّ وقت الفضيلة يمتدُّ إلى النصف من بيان جبريل.
وللعصر خمسةُ أوقات: وقتُ الفضيلة، وهو الأول، والاختيار: إلى بيان جبريل، والجواز: إلى الاصفرار، والكراهية: مع الاصفرار والجمع.
وللظهر ثلاثةُ أوقات: الفضيلة، والاختيار، والجمع.
239 -
فصل في بيان وقت المغرب
يدخل وقتُ المغرب بغروب الشمس، فإن أشكل عُرف بإِقبال الظلام من المشرق، وفي امتداده إلى مغيب الشفق الأحمر قولان، فان قلنا: لا يمتذُ فإنَّه ينتهي بمُضِيِّ زمان يتسع لخمس ركعات مع الأذان والإِقامة والطهارة وغير ذلك مما ذكرناه في وقت المبادرة، ولا يعتبر في ذلك التطبيقُ على أول الوقت، ولا الامتداد إلى نصفه، ورأى الإِمام أنَّ وقتَ المغرب أضيقُ من وقت المبادرة قليلًا.
240 -
فرع:
إِذا صلَّى في الوقت ركعةً يدرك بمثلها الجمعةُ، وأتمَّ صلاتَه بعد الوقت، فهي قضاء أو أداء، أو يتوزع عليها القضاء والأداء؟ فيه ثلاثةُ أوجه، وإن أتى في الوقت بما يُدرك بمثله الصلاة 1، ففيه الأوجه الثلاثة عند أبي محمد، فإِن قلنا بالأداء، حرم التأخيرُ إِلى هذا الوقت عند الأِمام، وتردَّد فيه أبو محمد، وإن جعلناها أو بعضَها قضاءً، حرم تأخيرُها، ومع ذلك تصحُّ بنيَّة الأداء، وقال الإِمامُ: إِن علم أنَّ الوقت لا يسعُها لم تجزه بنية الأداء، كما لو أنشاها بعد الوقت ناويًا للأداء، وإن وقع بعضُ الصلاة خارجَ الوقت بسبب تطويلها، أو لأنه ظنَّ أنَّ ما بقي من الوقت يسعُها أجزأته بنية الأداء.
وإن ضَيَّقنا وقتَ المغرب ففي تضييق استدامتها وجهان، فإن لم نضيِّقها فاستدامها إِلى مغيب الشفق، فهي أداءٌ وجهًا واحدًا، وإن ضيقنا فأخرج بعضَها عما ذكرناه، ففيه الأوجه الثلاثة، وقيل: إن جوَّزنا إيقاعَ بعض الصلوات خارجَ الوقت، ففي المغرب وجهان، وهذا غلط؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قرأ فيها (الأعرافَ) (1)، والتوسعة لائقة باستدامتها، لأنَّ وقتها غيرُ محدود ولا مضبوط.
241 -
فرع:
إذا ضيقنا وقتَ المغرب، فمضى بعد الغروب ما وصفناه، فالسنةُ بعد الفريضة محبوبةٌ مؤداة.
قال الإمام: إن وقعت خارج الوقت، فليست كالسنن الراتبة، بل هي التي تسمى صلاةَ الأوَّابين (2)، وإن وقعت في الوقت فهي سنة المغرب.
242 -
فصل في بيان وقت العشاء والصبح
يدخل وقتُ العشاء بمغيب حُمْرة الشفق وصفرته، وينقضي بطلوع الفجر الصادق، وبه يدخل وقتُ الصبح، ويخرج بطلوع الشمس، ولا حكمَ للفجر الكاذب، وهو الذي يبدو مستطيلًا ثم ينمحق.12
243 -
أذان الصبح قبل الفجر:
وإِذا تقدم الأذان على الوقت، فلا يصحُّ إلا في الصبح؛ فإِنه يؤذَّن لها بعد نصف الليل على وجه، وبعد خروج وقت اختيار العشاء على آخر، وفي جميع الليل على ثالث لا يعتدُّ به، وفي السحر قريبًا من الفجر على رابع؛ إذ كان يؤذَّن لها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشتاء لسُبُع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سبع (1)، وقدَّره الإِمامُ بما يتأهب الناسُ فيه للصلاة أولَ الوقت.
وينبغي أن يكونَ للمسجد مؤذنان، يؤذن أحدُهما قبل الفجر والآخرُ بعده، فإِن لم يكن إِلا واحد أذَّن مرَّة قبل الفجر، وأُخرى بعده، وعلى أيتهما اقتصر جاز، والاقتصارُ على ما بعد الفجر أولى، ولا تجزئ الإِقامةُ إِلا بعد الفجر.
244 -
فصل في الاجتهاد في الأوقات
ويجتهد في الأوقات مَنْ لا يقدرُ على اليقين، وكذلك القادرُ على قول الجمهور، قال أبو محمد: فإِن أصاب الوقتَ أو ما بعده أجزأه، وفيما قبله قولان؛ كما في صوم رمضان.1
245 -
فرع:
قال أبو محمد: إِذا ظهر الفجرُ، فإِنَّا نعلم أنَّه طلع قبل ظهوره، فإذا وقعت الصلاةُ بعد طلوعه وقبل ظهوره، فقد تقدمت على وقتها شرعًا.
246 -
فصل في بيان ما تدرك به الصلوات
كلُّ مَنْ لا تلزمه الصلاةُ من صبيٍّ، أو مجنون، أو مُغْمًى عليه، أو كافر، أو حائض، أو نفساء، إِذا أدرك من آخر الوقت ما يتسعُ لركعة، لزمته الصلاةُ، وفيما يتسع لتكبيرة قولان، وفيما دون التكبيرة تردُّد.
قال أبو محمد: يشترط في الركعة أقلُّ ما يجزئ، وقال مرة: يكفي الإِحرامُ والركوع من غير قراءة، كركعة المسبوق، وفيه بُعْد.
وإن أدرك من وقت العصر ما يتسع لخمس ركعات، فقد أدرك الظهرَ والعصر، وفي إِدراكهما بما تدرك به العصر من ركعة أو تكبيرة قولان، فإِن قلنا: لا يدركهما بذلك، فلا بدَّ من أربع لأحدِهما مع زيادة ركعة أو تكبيرة للأخرى، وأصحُّ القولين: أنَّ الأربعَ في مقابلة الظهر، وأنَّ وقتَ الطهارة لا يشترط في الإِدراك، فيدرك الظهر والعصر فيما يتسع لركعة أو تكبيرة، أو أربع ركعات مع تكبيرة، أو خمس ركعات؟ فيه أربعة أقوال، يضمُّ إِلى كلِّ واحد منها طهارة، فتصير ثمانية أقوال تجري فيما يدرك به المغرب والعشاء، وقولان آخران مبنيان على أنَّ الركعات الأربع في مقابلة الصلاة الأولى:
أحدهما: يدركهما بثلاث ركعات مع تكبيرة.
والثاني: بأربع ركعات، ويضم إلى كل واحد منهما طهارة، فتصير اثني عشر قولًا.
قال الإِمامُ: ينبغي أن يشترطَ مكان الأربع ركعتان؛ اعتبارًا بالقصر، وقد أشار أبو بكر إلى ذلك؛ لأنه ذكر أنَّ وقتَ الظهر في الجمع وقتٌ للعصر، إِلا أربعَ ركعات من أول وقت الظهر، ثم قال أبو بكر: إِلا قدر ركعتين؛ اعتبارًا بالقصر، ووقت العصر ووقت الظهر إن لم نوجب ترتيبَ الجمع، وإن أوجبناه فجميعُ وقت العصر وقتٌ للظهر إِلا قدرَ أربع ركعات من آخر وقت العصر، واعتبره أبو بكر بركعتين.
247 -
فصل في إدراك أول الوقت
إِذا أدرك من أول وقت الظهر ما لا يسعُها، فلا تلزمه، وألحقه أبو يحيى البلخي 1 بإدراك آخر وقت العصر في اعتبار ركعة أو تكبيرة، وفي إِدراك العصر بما يدرك به الظهر، وهذا لا يصح؛ لأنَّه لو شرع فيها لم يتمكن من إِتمامها، بخلاف إدراك آخر الوقت، ولو كان في آخر الوقت لا يتمكن من إتمامها؛ كما لو أفاق قُبيل الغروب، ثم كان مع الغروب، فحكم ذلك حكمُ إِدراك أول الوقت، وتجب الصلاةُ بأول الوقت وجوبًا موسعًا، فلو
أخرها، فمات في وسط الوقت، فالمذهبُ أنه لا يعصي، ولو مات بعد استطاعة الحج، فالمذهب أنه يعصي، ولا قضاءَ على مجنون ولا مغمىً عليه، قلت الصلوات أو كثرت.
248 -
باب صفة (1) الأذان
قيل: الأذانُ فرض كفاية، والمذهب أنَّه سُنَّة، إن عطَّله أهلُ ناحية لم يُقاتَلوا، وقيل: يُنذرون، فإِن أصرُّوا قُوتلوا، وقيل: أذانُ الجمعة فرض كفاية، فإن أتى به بين يديِ الخطيب، سَقَط، وإن لم يُؤتَ به بين يديه، فوجهان، ولا يسقط بأذانٍ لغير الجمعة.
فإِن قلنا: إِنه فرض كفاية، فالأصحُّ أنه يجبُ في كلِّ يوم وليلة مرَّةً واحدة، فإِن بلَّغه أهلَ البلدةِ رجل أو رجال، سقط فرضُه عن الباقين.
249 -
[و] القيامُ واستقبال القبلة مستحبَّانِ في الأذان، وقيل: يشترطان، ولا يستدير في الحيعلتين، بل يُستحبُّ أن يلتفتَ عن يمينه كالتفات المُسلِّم من الصلاة، فيقول: (حيَّ على الصلاة) مرَّتين، ثمَّ كذلك عن يساره، ويقول: (حيَّ على الفلاح) مرَّتين، وقيل: يوزِّع الحيعلتين على الجهتين، وقيل: لا يلتفت في الإِقامة.
250 -
فصل في الترجيع
الترجيعُ مأمورٌ به في الأذان، وهو أن يأتيَ بالشهادتين بعد التكبيرات1
الأُوَل مرَّتين مرَّتين خافضًا من صوته، ثمَّ يرفع بهما صوتَه على حدّ الأذان، فيكون الأذان تسعَ عشْرةَ كلمةً (1)، وليس الترجيعُ رُكنًا على الأصحِّ، وإنْ شَرَعْنا التثويبَ (2)، فليس بركنٍ وجهًا واحدًا، وفيه احتمالٌ من جهة أنَّه مجهورٌ به كسائر كلمات الأذان.
قال أبو محمد: ينبغي أن يُسمعَ الترجيعَ مَنْ قَرُبَ منه، أو أهْلَ المسجد المقتصِدِ إِن كان واقفًا عليهم، وقال الإِمام: يحتمِل أن يقتصرَ على إِسماع نفسه؛ كقراءة الصلاة السرِّيَّة.
251 -
فصل في أذان المنفرد والمرأة
الغرض من الأذان: الإِعلامُ بدخول الوقت، والدعاءُ إِلى الصلاة، ومِن الإقامة: إِعلامُ مَنْ حَضَرَ أو قَرُبَ مكانُه بقيام الصلاة، فإِنْ تجرَّد الأذان والإِقامة عمَّا ذكرناه، ففيهما التفصيل والخلافُ الذي يأتي ذكرُه.
فَمَن حضر الجماعةَ في المسجد بالأذان الراتب والإِقامة، فلا يؤذِّن ولا يقيم، فإن أُقيم في هذا المسجد جماعة أخرى، ففي الأذان لها قولان،12
فإن قلنا: يؤذَّن، فينبغي أن لا يرفعَ صوته بالأذان على حدِّ أذان الإِعلام.
ومَنْ لَزِم رَحْلَه وبلَغَه النداء (1) العامُّ، أذَّن على الأصحِّ، ومَنِ انفرد ولم يبلُغْه الأذان، أذَّن وأقام على المذهب، ويقتصر على الإقامة على قول قديم، وقيل: إِن رجا حضورَ جماعة أذَّن وإلا فلا.
قال الإِمام: إن رجا حضورَ جماعة فلا ينبغي أن يكونَ فيه خلاف، فإن قلنا: يؤذِّنُ رَفَع صوته على الظاهر، وقيل: إن رجا حضور جمعٍ رَفَع وإِلَّا فلا، ويحرم على المرأة أن ترفعَ صوتَها بالأذان، ولا يُعتدّ بأذانها للرِّجال (2) اتِّفاقًا، وفي أذانها وإقامتها ثلاثة أقوال: أحدها: يشرعان، والثاني: لا يشرعان، والثالث- وهو ظاهر النصِّ-: أنها تقتصر على الإِقامة، وقطع العراقيُّون بأنَّها لا تؤذِّن.
252 -
رفع الصوت بالأذان:
لا بدَّ في أذان الإِعلام 3 مِن رفع الصوت، والمنفرد الذي يرجو حضورَ جماعة مأمورٌ برفع الصوت، ومَنْ لا يرجو أو لم تبلغه دعوةٌ، ففي رفع صوته خلاف، وإِن بلغته الدعوةُ فصلَّى في رَحْله ولم يقصِد حضورَ طائفة، ففيه خلاف، وهو أولى بأن لا يرفعَ، وحيث قلنا: لا يرفع، فلا يكره له الرفعُ، بل هو أولى قطعًا، وإنما الخلافُ في صحَّة الأذان بدونه، وحيث قلنا: يؤذِّن، فالإِقامة أولى، وحيث قلنا: لا يؤذِّن ففي الإِقامة وجهان، إِلا إِذا حضر12
الجماعةَ بالنداء العام، فإِنه لا يقيم وجهًا واحدًا.
فيحصل من هذا أن أذانَ الإعلام مشروعٌ مجهور به، وما لا إِعلامَ فيه ففي شَرْعه خلاف، فإنْ شَرَعْناه، فهل يجهر به تشبيهًا بأذان الإِعلام؟ فيه وجهان: أما رفع الصوت في أذان الإِعلام: فهو أن يبلغَ جيران المسجد، وحَدَّه الإِمامُ بأن يبلغَ جمعًا وسطًا ممن يحضر المسجدَ، فإِن بلغت أصواتُ المؤذِّنين أهلَ البلد؛ لكثرة عددهم، لا لرفع أصواتهم، ففيه احتمال.
هذا في أذان الإِعلام، فأمَّا مَنْ أذَّن وأقام لنفسه: فليرفعْ صوتَه إِلى حدٍّ يتنبَّه به مَنْ حضر، أو كان على حدِّه وإِن لم يحضر.
253 -
أذان الجنب والمحدث:
يستحبُّ أن يؤذِّن ويقيمَ على طهارة، فإِن خالف صحَّ أذانُه وإقامته مع الكراهية، والكراهية في الجنابة والإِقامة أعظمُ.
254 -
الكلام في الأذان:
إِذا قطع وِلاءَ الأذان بسكوت طويل، ففي بطلانه قولان مرتَبان على الطهارة، والأذان أولى بالإِبطال 1، وإن قطعه بكلام طويل مجهورٍ 2 به على حدِّ الأذان، فقولان مرتبان على السكوت، وأولى بالبطلان 3؛ لما فيه من الإلباس، فإن قلنا: لا يبطل بنى على أذانه، وفي بناء غيره قولان، وإن
تكلَّم بكلام يسير لم يرفع به صوتَه على حدِّ الأذان، لم يبطل اتِّفاقًا، وإن رفعه على حدِّ الأذان، فلا يبطل، وتردَّد فيه أبو محمد؛ لما فيه من الإِلباس.
وإنْ أذَّن واحد وأقام غيرُه جاز، وأبعدَ مَنْ بناه على ما لو خطب للجمعَة [واحد] (1)، وأمَّ آخرُ.
255 -
الرِّدَة في الأذان:
إِذا ارتدَّ في أثناء الأذان لم يُعتدَّ بما يفعلُه في الردَّة، وإِن لم يأتِ بشيء وعاد على قُرْب لا ينقطع بمثله الولاءُ، فلا يبطل ما مضى على أصحّ القولين؛ لأنَّ الأذانَ لا يفتقر إِلى نية تربطه حتَّى تُفسدَها الردَّةُ.
وإِن طال الزمانُ ثم عاود الإسلامَ: فإِن أبطلنا الأذان بالتفريق، فهذا أولى، وإِلا فقولان.
256 -
الأذان للفوائت:
إِذا قضى فائتةً أذَّن وأقام في القديم، واقتصر على الإِقامة في الجديد، وفي "الإِملاء": إِنْ رَجا جماعةً أذَّن وأقام، وإِلَّا اقتصر على الإِقامة.
وإِنْ والى قضاءَ فوائتَ أقام لكلِّ واحدة منهنَ، ولا يؤذَن لغير الأُولى قولًا واحدًا، وفي الأولى الأقوالُ الثلاثة، وإِنْ والى بين الأداء والقضاء في وقت الأداء، فإنْ قدَّم الأداء أذَّن له وأقام، ولا يؤذِّن للقضاء، وإنْ قدَّم القضاءَ بأذان لم يؤذِّن للأداء بعدَه، وإِن اقتصر على الإِقامة للقضاء أذَّن للأداء بعده، ولا يتوالى أذانان إِلا فيما إِذا قضى صلاةً، وقلنا: يؤذّن لها ثم يعقبها دخولُ1
الوقت، فإِنَّه يؤذِّن لصلاة الوقت.
257 -
فصل في الأذان لجمع الصلاتين
ويؤذِّن في جمع التقديم لأُولاهما، ويقيم لكلِّ واحدة منهما، وأمَّا جمع التأخير: فإِن أوجبنا فيه الترتيب والوِلاء، فلا يؤذِّن للعصر، وفي الظهر الأقوالُ الثلاثة؛ لأنَّها قد خرجت عن وقتها المعتاد، والأذان إِنَّما شُرع للوقت المعتاد.
وعند الإِمام يؤذِّن قبل الظهر؛ إِمَّا لأنَّ الظهر مؤدَّاةٌ، وإِمَّا لدخول وقت العصر، ولا يضرُّ تقدمُ الظهر عليها؛ كمن يؤذِّن لصلاة ثمَّ يقدِّم عليها نوافلَ أو غيرَها، وإنْ قدَّم العصرَ على الظهر فقد أساء، وصارت الظهرُ قضاءً في حكم صلاة أُخرجتْ عن وقتها لغير عُذْر، ولا يصير العصرُ بذلك قضاء؛ لأنها واقعة في وقتها، وقيل: يصير قضاء؛ لأنها أُخرجت عن وقتها الموظف لها في الجمع، وهو بعيد.
هذا إِذا أوجبنا الوِلاء والترتيب، وإِن لم نوجبهما فصلاة الظهر مقضيَّة، فإن قدَّمها ففيها الأقوالُ الثلاثة، فإِن أذَّن لها فلا يؤذِّن بعدها للعصر، وإِن قلنا: لا يؤذِّن لها، أقام لها، ثم أذَّن للعصر، وإِن قدَّم العصرَ أذَّن لها وأقام، واقتصر في الظهر على الإِقامة.
258 -
فصل في إِجابة المؤذن
يُستحبُّ لمن سمع الأذانَ أو الإِقامة أن يجيبَ بمثل كلماتهما 1، إِلا في الحَيْعلتين، فإنَّه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله 2، ورمز صاحب "التقريب" إِلى أنَّه لا يجيبُ من الإِقامة إِلا كلمةَ الإِقامة، ويقول في التثويب: صدقتَ وبرِرت 3، وفي كلمة الإِقامة: اللهمَّ أقِمْها وأدِمْها 4، واجعلني من صالحي أهلِها، ويقول بعد الفراغ من الأذان: اللهم ربَّ هذه الدعوةِ التامَّة، والصلاة القائمة، آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، والدرجة الرفيعةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته 5.
فإنْ سمعه في أثناء الصلاة، فلا يجيبه في أثناء الفاتحة؛ لئلَّا ينقطعَ وِلاؤُها، واختَلَف نصُّه فيما وراء ذلك، فقيل قولان:
أحدُهما: الإِجابة أولى.
والثاني: تركها أولى.
وقيل: لا يُستحبُّ قولًا واحدًا، وفي كراهيتها قولان، وقيل: بإباحتها
من غير كراهيَة، ولا استحباب، فإن لم يجبه في الصلاة أجابه عند التحلُّل، وإن طال الفصلُ، وهذا كترك سجدة التلاوة ثم استدراكِها.
259 -
فصل في صفة الإقامة
وفي الإِقامة ثلاثةُ أقوال: أشهرها وأصحُّها أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إِله إِلا الله، أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاة، قد قامتِ الصلاة 1، الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إِلَّا الله.
والقول الثاني: أن يقول: الله أكبر، أشهد أن لا إِله إِلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامتِ الصلاة، الله أكبر، لا إِله إِلا الله.
والقول الثالث: مثل الثاني، إِلا أنه يشفع التكبيرَ في صدر الإِقامة.
260 -
التثويب في الصبح مكروه في الجديد، محبوبٌ في القديم، وقطع بعضُهم باستحبابه؛ لأنه صحَّ أن أبا محذورة كان يثوِّب 2، والشافعيُّ مذهبُه الحديث، قال أصحابنا: كلُّ مسألة فيها قولان: قديم وجديد، فالجديدُ: أصحُّ إِلا ثلاثَ مسائلَ، أحدُهن: مسألة التثويب، والتثويبُ: أن يقولَ بعد الحيعلة: (الصلاة خير من النوم) مرتين.
261 -
فصل في مسائل متفرقة
ترك الأذان في السفر أخفُّ منه في الحَضر، وينبغي أن يكونَ المؤذِّن ثقةً عدلًا؛ لإِشرافه على الناس، وأن يكون صيِّتًا حسنَ الصوت، وأن يرتِّل الأذانَ، ويُدرجَ الإِقامة، مع البيان والاقتصاد فيهما.
262 -
والأذان أفضل من الإمامة على أحد الوجهين، وقطع أبو محمَّد بتفضيل الإِمامة، وينبغي أن يرتَّبَ للمسجد الكبير المطروق مؤذِّنان، فإن كثُروا لم يُستحبَّ تراسلُهم في الأذان، فإِنِ اتَّسع الوقتُ ترتَّبوا، وإِن ضاق تفرَّقوا في المسجد، وانفرد كلُّ واحدٌ بأذان، ولا يقيم في المسجد إِلا واحدٌ منهم، وولاية الإِقامة لمن سبق بالأذان، فإِن تقدَّم غيرُه بالإِقامة أجزأتْ على الأصحِّ، وإِن أذَّنوا معًا وتشاحُّوا في الإِقامة، أُقرِع بينَهم.
ووقت الأذان مفوَّضٌ إِلى نظر المؤذِّن العَدْل العالم، ولا يقيمُ إِلا بمراجعة الإِمام، فإِن أقام بغير مراجعةٍ، ففي صِحَّة الإِقامة تردُّد.
263 -
فصل في الاستئجار على الأذان
يجوز للإِمام ولنائبه أن يستأجرَ على الأذان، وكذلك يجوز للآحاد على الأصحِّ، فإِن وجد الإِمامُ متطوِّعًا، لم يبذل الأجرةَ من بيت المال، وإن لم يجد استأجر مَن يقوم بالإِبلاغ واحدًا كان أو أكثرَ، فإن حصل الإِبلاغُ بواحد لم يجز الزيادةُ على النص، وأجازها ابن سريج، وأجازها الإِمام إِذا اتَّسع المالُ اتِّساعًا لا يؤثِّر فيه مثلُ هذا، وقال: لو أراد الإِمام أن يجعل في المسجد
الكبير مؤذِّنين بالأجرة، فإن احتاج إِلى صرف المال إِلى واجب أو مُهمٍّ مَرْتبتُه كمرتبة أصلِ التبليغ، لم يجز له ذلك إِذا ضاق المال عنهما، وإِن تعارض في نظره الادِّخارُ والصرف إِلى التتمَّات والتكمِلات ففي هذا احتمال، والنصّ عندَه محمولٌ على هذه الصورة، وإن وجد متطوِّعًا حسنَ الصوت، وأجيرًا حسنَ الصوت رقيقَه، لم يجز الإِجارة عند أبي محمَّد، وألحقها الإِمام بالمؤذِّن الثاني في المسجد الكبير.
264 -
فصل في المبادرة والإبراد بالظهر
مبادرة الصلوات في أوائل أوقاتها أفضلُ من تأخيرها، إِلا العشاء، فإِنَّ تأخيرها إلى نصف الليل أفضلُ من ابتدارها على أحد القولين، والإِبرادُ بالظهر سنَّة في شِدَّة الحرِّ، وقيل: رخصة، وتختصُّ بالبلاد الحارَّة، وأجراه أبو محمَّد في المعتدِلة، وفي جريانه في الجمعة والمسجد الكبير المطروق وجهان؛ والأصحُّ أنَّه لا يجري في حقِّ من يصلِّي في بيته، أو يمشي إِلى المساجد في كِنٍّ 1، وقيل: إِنَّه يعُمُّ الناسَ أين كانوا، وحَدُّه أن يظهر للأشخاص فَيْءٌ يمشي المصلون فيه إِلى المساجد، وقدَّره أبو علي بنصف المِثل الأول.
265 -
باب استقبال القبلة، وأن لا فَرض إِلا الخَمْس
لا يجبُ بأصل الشرع إِلا الصلواتُ الخمس، والوتر ليس بواجب، واستقبالُ القبلة شرط لصحَّة الصلوات عند الإِمكان إِلا في النافلة في السفر الطويل للراكب والماشي، وفي المنذورة قولان، والأصحُّ المنعُ في صلاة الجنازة إِلا أن يصلِّيَها قائمَا، فيجوز عند الإِمام، فإِنَّ تنفَّل المقيم في تصرُّفاته راكبًا أو ماشيًا لم يجز، وأجازه الإصطخريُّ، وكان يتنفَّل على دابَّته في حارات بغدادَ، وأجازه القفَّال بشرطِ الاستقبال في جميع الصلاة، ولو تنفَّل المقيمُ على دابَّة واقفةٍ مستقبِلًا ومتمِّمًا لركوعه وسجوده، جاز عند الصيدلانيِّ.
ولا تصحُّ الفريضةُ على دابَّة واقفة، ولا بعير معقول، ولا سرير يحمله الرجالُ، ومنعها الإِمام في أُرجوحة معلَّقة بالحِبال، وإن كان موفيًا بالركوع والسجود والاستقبال، ويصحُّ على الأَسِرَّة والسُّفُن الجارية، وفي جوازها للمقيم المتردِّد على الزوارِق الجارية تردُّد واحتمال، وأجازوها في زورق مشدود وإنْ تحرَّك تصعُّدًا وتسفُّلًا إِذا لم تكثُر حركاتُه.
266 -
فصل فيما يلزم الراكبَ من الاستقبال
إِذا ركب في مرقد يمكنه استقبالُ القبلة في جميع الصلاة، لَزِمه ذلك، وإن كان على ظهر دابَّة، فقد اختَلَف نصُّه في الاستقبال عند الإِحرام، وفيه أربعة أوجه:
أحدها: لا يجبُ بحال.
والثاني: يجب إن كان عِنانُ الدابَّة أو زِمامُها بيده، وإِن كانت مقطرة (1) وعَسُر الاستقبال، لم يجب.
والثالث: يلزمه ذلك بكلِّ حال.
والرابع: يجب إِلَّا أن يكونَ وجهُ الدابَّة إِلى صَوْب سفره، فلا يجب، والظاهر وجوبُه إِذا تيسَّر، فإن أوجبناه عند الإِحرام، ففي وجوبه عند السلام وجهان.
267 -
فصل في كيفيَّة صلاة الراكب
إِذا ركب في مرقد متمكِّنًا من إِتمام الركوع والسجود أتمَّهما، فإن اقتصر على الإِيماء، فهو كقاعد يتمكن من إِتمام الركوع والسجود، والمذهب أنَّه لا يصحُّ تنفُّلُه، ولا تنفُّلُ المضطجع القادر على القعود، وإن لم يتمكَّن؛ لكونه على رَحْل أو سَرْج، أومأ بهما، ويخفِضُ سجودَه عن ركوعه، وألزمه الإمامُ أن يميِّزَ بينهما عند الإِمكان، وتردَّد في إِلزامه بما يمكنه من الانحناء،1
واختار أن ينحنيَ كانحناء الراكع على الأرض، ولا يلزمه الانحناءُ إِلى حَدِّ السجود على الأرض مع تمكُّنه من ذلك؛ لأنَّ جماحَ الدابة غيرُ مأمون، فربما وقع في بعض ما يحاذر، ولو قيل: ينحني إِلى حدٍّ لا يتوقَّع فيه ذلك في أحوال الغفلات، لم يبعد.
268 -
فصل في كيفية صلاة الماشي
النصُّ أنهّ لا يمشي إِلا في حال القراءة، ويركع ويسجد، ويقعد مستقرًّا مستقبلًا عند الإِحرام والركوع والسجود إِلى أنْ يسلِّم، وظاهر ما نقله الصيدلانيُّ: أنَّه يركع ويسجد على الأرض، ويمشي في مكان القعود؛ إِبدالًا للقيام عن القعود، وخَرَّج ابن سُريج قولًا: أنه يومئ بالركوع والسجود سائرًا في صَوْب سفره، واستقبالُه عند الإِحرام كاستقبال من بيده الزمام، فإِن أوجبناه عند الإِحرام، فعند السلام وجهان، وإِذا صار إِلى القعود لم يومئ إِليه، بل يومئ بالسجود، ثم يعتدل قائمًا ويتشهد في قيامه، وفي هذا تفصيلٌ نذكره في العاجز عن حركات الصلاة المفروضة، هل يلزمه تمثيلُ صور أركانها في قلبه؟
269 -
فرع:
يشترط طهارةُ ما يلاقي بدنَ المتنفِّل وثيابه من السَّرْج وغيره، ولو أوطأ فرسَه نجاسةً فلا بأس، وإِن وطئ الماشي نجاسةً رَطْبة عمدًا أو سهوًا بَطلت صلاتُه، وكذلك لو تعمَّد المشيَ في نجاسة يابسة عند الإِمام، وإن لم يجد عنها مصرِفًا، ففيه احتمال.
قال: ولا يلزمه رعايةُ التصوُّن من النجاسات؛
إِذ لا تنفكُّ عنها الطرُقات.
270 -
فصل في الإقامة في أثناء الصلاة
إِذا أتى بلدة (1) أو قرية، فنوى المقام (2) بها مدَّةً لا تَقْطع رُخَصَ السفَر، فله إِتمامُ الصلاة على دابَّته، وإِن تردَّد لحاجته في النزول كان تردُّده كذهابه في صَوْب سفره في كيفية الصلاة وسقوط الاستقبال.
قال أبو بكر: ولو وقف على الدابَّة لمَّا انتهى إلى المنزل، فله أن يصلِّيَ إِلى صَوْب سفره، وإِن كان نزولُه لا يقطعه عن شيء من مأربه، ولو بادر الركوبَ قبل ارتحال الرفقة، فله الصلاةُ واقفًا مومئًا، ورأى الإِمامُ إِلزامَ الواقف بالاستقبال؛ اعتبارًا بمن كان في مرقده، وبمن بيده الزِّمام، وإِن نوى الإِقامةَ القاطعة للرُّخص، وقلنا: لا يتنفَّل المقيم على دابته فلينزِلْ نزولًا لا يبلغ حدَّ الفعل الكثير، ولْيُتِمَّ صلاتَه مستقبلًا ومتممًا للأركان، ولو تنفَّل على الأرض، ثم ركب في أثناء الصلاة، جاز عند الإِمام.
271 -
فصل في الاستقبال في المسجد الحرام
مدارُ الاستقبال على التسمية والإِطلاق، فمن وقع عليه اسمُ مُستقبلٍ، صحَّت صلاتُه، ومن لا فلا، وقد يختلف في ذلك؛ للاختلاف في الاسم،12
فمَنْ كان بالمسجد الحرام فلْيُعايِنِ الكعبةَ، فإِنْ قرُب منها استقبلها استقبالًا محسوسًا، فإِن خرج عنها ببعض بدنه، فوجهان.
وتصِحُّ صلاةُ الصفِّ الطويل في أقصى المسجد، وكذلك الصلاةُ على أبي قُبَيس؛ لوقوع الاسم، ولو اقترب ذلك الصفُّ من الكعبة، لَخَرج أكثرُهم عن المحاذاة، فلا تصحُّ صلاتهم؛ إِذ لا تسميةَ.
272 - الصلاة على ظهر الكعبة: لا تصح
ُّ الصلاة على ظهر الكعبة،
فإِن كان عليها بناء كارتفاع مُؤْخِرة الرَّحْل، وهي قريبٌ من ثلثي ذراع، صحَّت الصلاةُ على الأظهر، وشرط بعضُهم أن يكونَ البِناءُ على قَدْر قامة المصلِّي؛ كيلا يخرجَ معظمُ بدنه عن الاستقبال، وكذلك لو استقبل خشبةً يخرج من جانبيها بعضُ بدنه، فقد خرَّجه الإمام على ما لو خرج ببعض بدنه عن الاستقبال.
وإِن صَلَّى إلى شيء منضود بين يديه لم يجز، وكذلك المغروز من الخشب على الأصحِّ.
273 -
الصلاة في الكعبة:
وإن صلَّى في الكعبة إِلى بعض جُدْرانها أو سواريها أو بابها وهو مردود، صحَّ، وإن كان مفتوحًا والعتبةُ كمُؤخرة الرَّحل، جاز على الأظهر.
وإن انهدمت فالصلاة في عَرْصتها كالصلاة على سطحها في البناء والمنضود والمغروز، وأجازها ابن سريج وإن لم يستقبل شيئًا من بنائها؛ اعتبارًا بما لو صلَّى إِلى العَرْصة خارجًا منها، فإِنه يصحُّ، والذي ذكره يجري في الصلاة على سطحها.
وإِن استقبل شجرةً في العرْصة، أو نزل في حفرة عمقها كمُؤْخِرة الرحل، فحكمُه حكمُ المستقبِل لما شَخَص من بنائها، وإِن علا في العَرْصة حشيشٌ، فلا حكم له.
274 -
فصل في استقبال المكِّي
نصَّ الشافعيُّ أنَّ من سَهُل عليه معاينةُ الكعبة على سهْلٍ أو جبل، لزمه ذلك، ونصَّ أنَّ من كان بمكَّة بمكان لا يُرى منه البيتُ، لم يجزْ له تركُ الاجتهاد بكلِّ ما يدلّ على الكعبة، وحمَلَهما العراقيُّون على حالين، فمن بدت له الكعبةُ من موقفه بيُسر وسهولة، لزمَتْه المعاينة، وإِن حال بينه وبينها جبلٌ أو جدار أو غيرُهما، لم تلزمه المعاينة، فاشترطوا العِيان عند إِمكانه، وقالوا: لو بنى بينه وبينها حائلًا من غير حاجة، لم تصحَّ صلاتُه؛ لتفريطه.
وقال الإِمام: إِن بُني المحرابُ على العِيان، فلا بأسَ بإِثبات الحاجز، وكذلك إِن وقف في عَرْصة دارٍ بُني محرابُها على العِيان.
وإِن بُني محرابها على الأدِلَّة، أو وقف في بيت لا محراب فيه؛ اعتمادًا على الأدلَّة، جاز عند العراقيِّين، ولا يُكلَّف صعودَ السطح؛ ليتمكن من العيان، واستبعد الإِمامُ الاجتهادَ بمكَّة مع ابتناء الأمر في أوله على العِيان.
ولا يجوز لمن عاينَ مِحرابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجتهدَ في تيامن ولا تياسر، ولا يجتهد مَن رأى محرابَ بلدةٍ أو قرية مطروقةٍ لم يشتهر فيه مطعَن، والمذهب أنه يجتهدُ في التيامن والتياسر، وقيل: لا يجوز.
275 -
فصل فيمَنْ يجوز له التقليدُ في القبلة
يجوز التقليدُ في القبلة لكلِّ من لا يُتصوَّر منه الاجتهادُ؛ كالأعمى، ولا يجوز لبصير عارف بالأدلَّة متمكِّنٍ من الاجتهاد، فلو اجتهد فتحيَّر، وانحسم نظرُه، لم يقلّد مع اتِّساع الوقت، وفي ضيقه وجهان، فإِن قلنا: يقلِّد، فلا قضاءَ، وإن قلنا: لا يقلِّد، صلَّى على حسَب حاله عند أبي محمَّد، ويُحتمَل أن يصلِّيَ بالتقليد؛ لأنه بدلٌ عن الاجتهاد عند تعذُّره؛ كالتيمُّم في الحَضَر عند تعذُّر الماء، وفي القضاء خلافٌ كالخلاف فيمن تيمَّم بعُذْرٍ نادرٍ لا يدوم.
وإِن علم أن نظرَه لا ينتهي في الوقت، فهو كالتناوب على بئر أو ثوب يُصلَّى عليه وفيه.
وأمَّا البصير الجاهل بالأدلة: فهل يلزمه إِذا سافر أن يتعلَّم من أدلَّة القِبلة ما يستقل به؟ فيه وجهان؟ فإِن قلنا: لا يجب، قلَّد ولا قضاء، وإن قلنا: يجب، لزمه القضاءُ، وهل يصلِّي على حسَب حاله، أو يصلي بالتقليد؟ فيه التردُّد المذكور.
276 -
فصل فيمَن يجوزُ تقليدُه
شرط المقلَّد هاهنا كشرط المفتي، إِلا أنَّ العلمَ المشروط هاهنا معرفةُ أدلَّة القبلة، فلا يُقلَّد كافرٌ ولا فاسقٌ ولا صبيٌّ 1 وإن كان مجتهدًا.
وإِن أُخبر عن علاماتِ القبلة المحسوسة لزمه قَبولُ الخبر وإِن كان مجتهدًا.
ويُشترط في المخبِر ما يُشترط في رواية الأخبار؛ من الإِسلام والعدالة، وفي الصبيِّ الذي ليس بعَرِم (1) ولا كذاب خلافٌ.
277 -
فصل في تيقُّن الخطأ من جهة إِلى أخرى
إِذا تيقَّن الخطأ بعد الصلاة، ففي وجوب القضاء قولان إِن عرف جهةَ الصواب، وإِن جهلها، فقولان مرتَّبان عند أبي محمد، وأَولى بسقوط القضاء؛ إِذ لا يأمن في القضاء مثلَ ما وقع في الأداء، كما لو أخطأ الحاجُّ بالوقوف في العاشر، وهذا الترتيبُ غلط؛ لأنه يُمكِنه أنْ يصبرَ إِلى أن يأمنَ في القضاء مثلَ ما وقع في الأداء، بخلاف خطأ الحاجِّ.
وإن تبيَّن له أنَّه أصاب، أو لم يتبيَّن شيء، أو غلب على ظنِّه بالاجتهاد أنه أخطأ، فلا قضاء عليه.
ولو اجتهد في وقت الصلاة، فأخطأ بالتأخير أجزأته، وإن أخطأ بالتقديم لزمته الإِعادةُ إِن كان الوقتُ باقيًا، وكذلك إِن فات الوقت عند الأصحاب، وخرجه أبو محمَّد على القولين في الخطأ بتقديم الصوم، وعند الإِمام إِن أمكنه الصبرُ إلى دَرْك اليقين، فأخطأ بالتقديم، لزمه القضاءُ.1
وإن كان محبوسًا لا يمكنه دَرْكُ اليقين، ففيه القولان، والقياسُ إجراء القولين في كلِّ ما يتطرق إِليه الاجتهادُ من شرائط الصلاة؛ كالثياب الطاهرة والنجسة، فيشترط في قولٍ إِصابةُ المقصود، وفي آخرَ بذْلُ المجهود.
278 -
تيقُّن الخطأ في أثناء الصلاة:
إِذا تيقَّن خطأَه في أثناء صلاته، وعرف الصوابَ؛ وإن أوجبنا القضاءَ بتيقُّن الخطأ بعد الصلاة، بَطلَت صلاتُه هاهنا، وإن لم نوجبْه ففي بطلان صلاته قولان؛ فإِن قلنا: لا تبطل، انحرف إِلى القبلة وأتمَّ صلاته.
وإن تيقَّن الخطأ ولم يعرف الصوابَ؛ فإن تعذرت عليه معرفتُه، بَطَلت صلاتُه، وإن أمكن إِدراكُه بالاجتهاد، فقولان مرتَّبان على ما لو عرف الصوابَ والخطأ معًا، وهاهنا أولى بالبطلان.
فإِن قلنا: لا تبطل؛ فإِن أتى بركن قبل ظهور الصواب، بطلت صلاتُه، وإِن لم يأتِ بركن، فعلى رأي الإِمام تبطل إِن طال الزمان، وإن قَصُر، فوجهان؛ اعتبارًا بصَرْف المصلِّي عن القبلة، وعلى رأي أبي محمد لا تبطل إِن قَصُر الزمان، وإن طال، فوجهان؛ اعتبارًا بما لو شكَّ في نيَّة الصلاة، ولم يأت بركن.
279 -
تغيُّر الاجتهاد في أثناء الصلاة:
إِذا ظهر له بالاجتهاد أنَّه أخطأ، فلا يستمرُّ على الجهة الأولى، وفي بطلان صلاته قولان؛ فإن قلنا: لا تبطل، فظهر له الخطأ والصوابُ معًا، تحول إِلى جهة الصواب، وبنى على صلاته، واِن لم يظهر له الصوابُ، بطلت صلاتُه إِن تعذَّرت عليه معرفتُه وطال الأمر، وإن تمكَّن من إِدراكه بالاجتهاد؛
فإن أتى بركن قبل العثور على الصواب، بطلت صلاتُه، وإن لم يأت بركن، فاعتباره بالصرف عن القبلة، أو بالشك في النيَّة على ما تقدَّم؛ فإن ظهرت إِصابته في اجتهاده الأول، فقد وافق الإِمام على إِلحاقه بالشكِّ في النيَّة.
280 -
فصل في بيان الخطأ في الجهة الواحدة
كلُّ صَوبٍ لو تحرَّف إِليه المصلِّي لقطع الماهرُ بأدلَّة الكعبة بأنَّه خارجٌ (1) عن اسم الاستقبال؛ فليس بجهة الكعبة، وكلُّ صَوْب لو مال إِليه لم يقطع عليه الماهرُ بالخروج عن اسم الاستقبال، فهو جهة الكعبة، وهل يتصور تيقُّن الخطأ في الجهة الواحدة؟ فيه وجهان يعبر عنهما بأنَّ مطلوبَ المجتهد عينُ الكعبة أو جهتها، وقد تقدم بيانُ الجهة، وعبَّر الإِمام عن معنى الجهة والعين بأن قال: قد يغلب على ظنِّ الماهر أنَّ بعض مواقف الجهة أسَدُّ من بعض، فهل يجب طلبُ الأَسَدِّ في الظنِّ؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجب؛ كما لا يلزم الواقفَ في أقصى المسجد أن يتناهى في الاستداد.
والثاني: يجب؛ لأنَّ الواقفَ في المسجد يعلم أنَّه بالتحرُّف اليسير لا يخرج عنِ الاسم، والبعيدُ على خطر من ذلك.
281 -
فرع:
لو أدَّى اجتهادُ رجلين إلى جهتين، لم يَقْتدِ أحدُهما بالآخر، وإن1
اختلفا في التيامن والتياسر، جاز إِن قلنا: المطلوبُ جهة الكعبة، ولم يجزْ إِن قلنا: المطلوبُ عينها.
282 -
فرع:
لو صلَّى إِلى جهة بالاجتهاد، ثم تغيَّر اجتهادُه من غير قطعٍ؛ فإِنَّه يصلِّي إِلى الجهة الثانية، وكذلك ما زاد عليها، فلو صلَّى أربعَ صلوات إِلى أربع جهات بأربع اجتهادات، وقلنا: تجب الإِعادةُ على من تيقَّن الخطأ، فالنصُّ أنَّه لا يلزمه إِعادةُ شيء من الأربع، وقيل: يجب إِعادتُهنَّ، وقيل: تجب إِعادةُ ما سوى الأخيرة، والأول أصحُّ، والثالث بعيدٌ؛ لأنه نقضٌ للاجتهاد بالاجتهاد.
283 - فرع: لو دخل وقتُ صلاة أخرى، واجتهادُه الأول باقٍ، ففي وجوب إِعادة الاجتهاد وجهان يجريان في الفتوى وطلب الماء.
284 - فرع:
إِذا تحرَّم المقلِّد بالصلاة، فقال له مجتهد: أخطأ بك فلانٌ، والقبلة في هذه الجهة؛ فإِن علمه المصلِّي مثلَ الأول أو دونه، استمرَّ على صلاته، وإِن رآه أعلمَ منه، فهو كتغيُّر الاجتهاد في الصلاة، وإِن قطع الثاني بخطأ الأوَّل، أو أخبر عن محسوس؛ بأن قال: الشمسُ وراءك، والأعمى يعلم أنَّ الشمس في جهة القبلة، لزمه الأخذُ بقوله، وإِن قطعا جميعًا، ولم يكن الثاني أعلمَ من الأول استمرَّ على صلاته.
ومن أحرم باجتهاد نفسه، ثمّ عمِيَ، فأخبره مجتهدٌ أعلمُ منه أنه
مخطئ، استمرَّ على صلاته.
وإن أحرم الأعمى بالتقليد، ثم أبصر في الصلاة مع معرفةٍ (1) بالأدلة، فلا يستمرُّ على التقليد، وحكمه حكمُ مَنْ تغيَّر اجتهادُه في الصلاة.
285 -
بلوغ الصبي في أثناء الصلاة:
إِذا بلغ الصبيُّ بالسِّن في إِحدى الصلوات الخمس، أو صلى في أوَّل الوقت، وبلغ في آخره، ففيه ثلاث طرق:
إِحداهن: تلزمه الإِعادةُ، سواء بقي من الوقت ما يتَسع لإعادتها أو لم يبقَ، وإن بلغ وهو صائم في رمضان لزمه القضاء.
والثانية: إِن بقي من الوقت ما يتَّسع لإِعادتها وجبت، وإِلا فلا، وإن بلغ في الصوم فلا قضاء.
والثالثة: وهي طريقة القفَّال وأصحابِه: لا تلزمه الإِعادة، ويلزمه إِتمامُها إِذا بلغ فيها، وإن بلغ في الصوم فلا قضاء؛ إِمَّا لوقوعه عن الفرض كما في الصلاة، وإمَّا لأنَّه لم يدرك ما يتسع للصوم، فيه وجهان يظهر أثرُهما في وجوب القضاء لو بلغ مفطِرًا في يومٍ من رمضان.
ولو صلى الظهرَ يومَ الجمعة، ثم بلغ قبل فوات الجمعة، فلا تلزمه الجمعةُ خلافًا لابن الحَدَّاد، والنصُّ الظاهر أنَّ الإِعادةَ لا تجب، وهل الأَوْلى إِتمامُها، أو قلبُها نفلًا، أو يجب إِتمامها؟ فيه الخلافُ المذكور في رؤية المتيمِّم الماءَ في أثناء الصلاة، والله تعالى أعلم.
1
286 -
باب صفة الصلاة
النيَّة واجبةٌ في الصلاة بإِجماع العلماء، ومحلُّها القلب؛ لأنَّها قصدٌ وإرادة، وتُسمَّى قصدًا إِن تعلَّقت بحالٍ، وعَزْمًا إِن تعلقت بمستقبل، ولا يُتصور تعلُّقُها بماضٍ.
وشرطها العلمُ بصفات المنْويِّ؛ ليتوجَّهَ إِليه بصفاته، وغلط من أوجب التلفُّظَ بها قبل التكبير؛ فإِن تقدَّمت على الإِحرام، أو تأخَّرت عنه، فلا يُعتدُّ بها، وإِن اقترنت به، فثلاثة أوجه:
أحدُها: يجب بَسْطُها على التكبير من أوله إِلى آخره؛ لأنَّ انعقادَ الصلاة بالتكبير، فيجبُ اقترانُ قصدها بعقدها.
والثاني: يجب تقديمُها على التكبير، فإِذا تمَّتْ قَرَنهَا بأوله، ولو قرنها بأَوَّله من غير تقديم لم يجزْ؛ لأنه يخلو أوَّلُه عن نيَّةٍ تامَّةٍ.
والثالث: يتخيَّر بين البَسْط والتقديم، وهو مذهبُ العراقيِّين.
وزعم الإمامُ أنَّ النيَّة لا يتصوَّر بسطُها، وقال: لم يتفطَّن لحقيقة النيَّة أحدٌ من الفقهاء إِلا القفَّال؛ إِذ قال: النيّه تقع في لحظة لا يتصوَّر بَسْطُها، وعلى قوله مَن شرط التقديم، فلا يقدَّم النيَّة، وإنَّما يقدَّم العلمُ بصفات المنويِّ، فإِذا حصل أوقَع النيةَ مع أوَّل التكبير في لحظة، وكذلك لا تنبسط
إِلا العلومُ بصفات المنويِّ، ويقدم حضورها (1) مع آخرِ التكبير، وتُقرن النيَّة بآخر التكبير، فحمل الخلاف على أنَّ النيَّة تقع في أوَّل التكبير أو في آخره، أو يتخيَّر بين الأمرين، والتقديمُ والبسطُ للعلوم دون النيَّة، والذي ذكره بعيدٌ في الفقه والتحقيق؛ أمَّا من جهة الفقه: فلأنَّه على قول البسط يجوز خُلوُّ أول التكبير عن النيّة، ومن شأن النيّة أن تُقرن بأول العبادة، وليس له أن يحكمَ بعطف حكم النيَّه على أول العبادة، كما في صوم التطوع على وجه؛ لأن الصومَ استُثني لحاجة لا تحقُّقَ لها هاهنا، وظاهر كلام الشافعيِّ يُشعرُ ببسط النيَّة؛ إِذ قال: ينوي مع التكبير، لا قبله، ولا بعده.
ومن أين له أنَّ الفقهاءَ على كثرتهم واختلاف قرائحِهم لم يتفطَّنوا لحقيقة النيَّة.
وأمَّا من جهة التحقيق: فلا مانعَ من بسط النيَّة إِلا كونُها عَرَضًا فردًا، والعَرَضُ الفردُ لا يتصوَّر بسطه، وذلك لازمٌ له في أنواع العلم والذِّكر؛ لأنها أعراضٌ لا يمكن بسطُ الفرد منها؛ فإن عنى ببسط العلوم تواليَ الأمثال، فذلك جوابُنا في بسط النية؛ إِذ لا معنى لبسط العَرَض واستمرارِه إِلا توالي أمثاله.
287 -
التفريع:
إِذا أوجبنا التقديمَ، فهل يجب استدامةُ النيَّة إِلى فراغ التكبير؟ فيه وجهان، وتأوَّل الإِمامُ استدامتَها باستدامة ذكرِها، وذكرُها أن يعلم أنَّها وقعت، وإِنَّما شَرَطنا التقديمَ؛ بناءً على العادة، ولو تُصوِّر اقترانُ العلم والنيَّة بأوَّلِ التكبير لأجزأه، وعلى قول البسط: لو فرغ التكبيرُ قبل تمام النيَّة1
لم يُجْزه، وإِن تمَّت قبل نجاز (1) التكبير، فوجهان:
أحدهما: لا تجزيه ما لم يبسطها عليه من أوَّله إِلى آخره.
والثاني: تكفيه استدامةُ ذكرها إِلى آخر التكبير، والإِمام تأوَّل بسطَ النيّة ببسط العلم، كما تقدَّم، واختار بعد ذلك أن يكتفى بنيَّةٍ تعدُّ مقرونةً بعَقْد الصلاة؛ لأنَ ما ذكره الفقهاء لا يدخلُ تحت القُدرة البشريَّة، ولم يؤاخذِ السلفُ بأمثال هذا.
288 -
فصل في كيفيّة النيَّة في الفرائض المؤدَّاة
يجب على الناوي أن يُميِّزَ الأداءَ عن القضاء، والظهرَ عمّا سواها، وفي تقيِيدها بالفرضيَّة وإضافتها إِلى الله تعالى وجهان.
قال العراقيُّون: إِذا نوى حجًّا أو عمرة أو طهارة أو زكاة أو كفارةً، فلا يجب ذكر الفرضيَّة، وإِن أعتق أو ذكرَ الصدقة، فلا بدَّ من ذكر الفرضيَّة؛ ليقعَ العِتقُ عن الكفَّارة، والصدقةُ عن الزكاة، وإِن ذكر الطهرَ أو صوم رمضان، فوجهان.
ويذكر في السنن الراتبة الأداءَ، ويميِّزها عن غيرها، وفي الإضافة إِلى الله تعالى الوجهان.
1
289 -
فصل في قطع النية في الصلاة
إِذا نوى الخروج من الصلاة أو تردَّد في الخروج والاستمرار بطلت صلاته، وكذلك إِن نوى في الركعة الأولى أن يخرجَ في الركعة الثانية، ودلَّ كلامُ أبي عليٍّ على أنَّها لا تبطل في الحال، فإِن رفض عزمَه قبل الغاية المضروبة، صحَّت صلاتُه، وهو بعيد.
وإِن علَّق نيَّةَ الخروج بما يمكن وقوعُه في الصلاة؛ كدخول إِنسان، ففي بطلان صلاته في الحال وجهان، أَقْيَسُهما البطلان، فإِن قلنا: لا تبطل، فوجدت الصفة، ففي البطلان خلافٌ، وعند الإِمام تبيَّن عند الصفة بطلانُ الصلاة عند التعليق (1)، ولا يبطل الحجُّ بنيَّة الخروج، وإِن علَّق نيّة الخروج في الصوم، فلا يبطل وجهًا واحدًا، وفي جزمها وجهان.
290 -
فائدة:
ولا تبطل الصلاةُ بالوسواس في التردُّد؛ لأنَّ الوسواسَ في الشيء هو تقديرُه لو وقع كيف يكون، وكذلك قد يقدِّرُ الشركَ بالله مع ركونه إِلى معتقَده، ولا يكون بذلك كافرًا، والله تعالى أعلم.
291 -
فصل في الشك في نيّة الصلاة؛ هل وقعت أم لا؟
إِذا شكَّ أنوى 2 أم لا، أو شكَّ في شروط نيَّته، ثم ذكر أنَّه أتى بذلك،1
فإِن مضى في الشكِّ ركنٌ لا تجوزُ زيادتُه في الصلاة، بطلت صلاتُه، وإن لم يمضِ ركنٌ حتى ذكر النيَّة أو شروطَها، لم تبطل إِن قَصُر الزمان، صماِن طال، فوجهان.
فإن وقع ذلك في الركوع وزال على القُرْب، فلا تبطل صلاتُه إِلا أن يرفعَ رأسَه قبل زواله.
وإِن أوقع شيئًا من الفاتحة في حال الشكِّ؛ فاِن أعاده بعد التذكُر صحَّت صلاته، وإلا فلا.
والضابط: أنَّ ما يفعله مع الشكِّ لا يعتدُّ به؛ فإِن كان المبتلَى بذلك جاهلًا، فقد يُعذَر على ما سنذكره.
292 -
فرع:
إِذا شكَّ في النيَّة أو في شرطها، فكبَّر ثانيةً على الصفة المشروعة، فعلى تقدير انعقاد الصلاة بالتكبيرة الأولى تبطل، ولا تنعقدُ بالتكبيرة الثانية؛ لأنَّها تضمَّنت حلًّا وعقدًا، فالرأيُ له أن يقطعَ الصلاة بسبب من الأسباب، ثم يكبِّر بعد ذلك، فإن نوى قَطْعَها بتكبيرة ثانية، ثم نوى عَقْدَها بثالثة، انعقدت بالثالثة؛ لتجرُّدها عن نيِّة الحَلِّ، وقال الإِمامُ: لا تنعقد إِلا إِذا علم أنَّ الثانيةَ لا يجوز أن تكون عاقدةً، وأما إِذا جوَّز الانعقادَ بالثانية بناءً على أن الأولى، لم تصحَّ، فلا تنعقدُ الصلاةُ بالثالثة؛ لأنها تضمَّنت في قصده الحَل والعقد.
ولو نوى قبل التكبيرة الثانية أن يأتيَ بها على قصد التحلُّل، فقد بناه أبو علي 1 على تعليق الخروج بأمر مستقبل، فإِن أبطلنا صلاتَه في الحال
بطلت الصلاة هاهنا بالقَصْد، وتصحُّ التكبيرة الثانية؛ لتجرُّدها عن الحَلِّ، وعلى رأي الإِمام: إِن اعتقد أن الحَلَّ يحصل بالتكبيرة الثانية، فلا تنعقدُ صلاتُه، وإن قلنا: لا تبطل صلاةُ المعلِّق في الحال، فلا تنعقدُ الصلاةُ بالتكبيرة الثانية؛ لتضمُّنها العقدَ والحَلَّ، وهذا يُشعِر بأن مَن علَّق الخروجَ على ما يتحقَّق في الصلاة، ففي بطلان صلاته في الحال خلافٌ، وهو ضعيفٌ؛ لأن الصلاةَ إِذا بطلت بالتردُّد في الخروج، فما الظنُّ بجَزْم الخروج في ثاني الحال؟ !
293 -
فصل فيمن نوى الفرض حيث (1) لا يحصل
إِذا تحرم بالظهر قبل الزوال، أو أوقع المسبوقُ بعضَ تكبيرة الإِحرام بعد مفارقة القيام، أو صلى الفرضَ قاعدًا مع القدرة على القيام، فلا يحصل له الفرض، وهل تنعقد صلاته نفلًا؟ فيه قولان.
وكذلك لو قلب الظهرَ عصرًا، أو العصرَ ظهرًا، أو تمكن القاعدُ في الفرض من القيام، فلم يقُمْ بطلت الفريضةُ التي قَلَبها، ولا تحصل له الثانية، وفي بقاء صلاته نفلًا قولان يجريان في كل صورة يأتي فيها بما ينافي الفرضَ، ولا ينافي النفلَ، ويجوز للمفترض أن يقلبَ صلاتَه نفلًا بأسباب يأتي ذكرُها.1
= الحسين بن شعيب بن محمد، أبو علي المَرْوَزِيّ السنجي، له كتب منها "شرح المختصر" الذي سَمّاه إمام الحرمين بالمذهب الكبير، توفي سنة (427 هـ).
294 -
فرع:
نيَّة القدوة مع نيَّة الصلاة؛ فإن نواها بعد التكبيرة فهو منفردٌ نوى الاقتداء.
295 -
فصل في التكبير للإحرام
ولا تنعقدُ الصلاة إِلا بقوله: الله أكبر، أو الله الأكبر، فإِن أتى باسمٍ آخرَ، أو صفة غير الكبرياء؛ كقوله: الله أجلُّ أو أعظم؛ لم تنعقد صلاتُه، ولو قال: الله الجليل أكبر؛ فوجهان، ولو قال: الأكبر الله، أو أكبر الله، لم يجز على الأصحِّ، ومنع أبو محمد من إِجراء الخلاف في قوله: أكبر الله.
296 - فرع: لو ساوق المأمومُ إِمامَه في تكبيرة الإِحرام، أو أتى بها في أثناء تكبيرة الإمام، لم تنعقد صلاتُه.
297 - فرع: من أدرك ركوعَ الاِمام فليكبِّر للإِحرام قائمًا، ثم يكبِّر للركوع، فإن اقتصر على واحدة ينوي بها الإِحرامَ دون الركوع، أجزأته، وإِن نواهما أو نوى الركوع وحدَه، لم تجزه، وإن أطلق فوجهان، والمنقول عن "الأم" أنَّها لا تجزي.
298 -
فصل في العاجز عن لفظ التكبير
العاجز عن لفظ التكبير، وحديثُ العهد بالإِسلام إِذا لم يطاوعْه لسانُه إِلا بتمرين ومقاساة يلزمه الإِتيانُ بمعنى التكبير بلسانه، ولا يقوم ذكرٌ آخرُ مقامَه، والعاجزُ عن الفاتحة يأتي بالأذكار، وإِن أتى بمعنى الفاتحة لم يُعتدَّ به؛ لأنَّ الترجمةَ لا تحيط بلُطْف معاني اللفظ المعجز ودقائقه، ولو أبدل الفاتحةَ بتفسير آيات مشتملة على أذكار وثناء منتظم، أجزأه عند الإِمام، ولا يجزئه إِن اشتملت على الأحكام والأخبار.
299 -
فرع:
يجب على من أسلم المسارعةُ إِلى تعلُّم أركان الصلاة وشرائطها، فإِن لم يتعلَّم التكبير؛ لتقصيره، لم تصحَّ صلاته.
ومن قَطَنَ باديةً لا ماء بها، فله التيمُّم، ولا يلزمه الانتقالُ إِلى مظانِّ الماء وإن لم يلقَ بالانتقال عُسْرًا.
ومن أسلم بمكان لا يجد فيه من يعلِّمه التكبيرَ أو القراءةَ، لزمه الانتقالُ لتعلُّمهما، وقيل: لا يلزمه ذلك؛ اعتبارًا بقاطن البادية؛ إذ الأذكارُ والترجمةُ بدلٌ عن التكبير والقراءة، كما أنَّ الترابَ بدلٌ عن الماء، وهذا ضعيف.
300 -
فصل في رفع اليدين في الإحرام
السنَّة أن يرفعَ يديه مع تكبيرة الإِحرام على سجيَّتِهما منشورتي