الغاية في اختصار النهايةصفحات 265-305

كِتابُ الزَّكَاةِ

657 -

الزكاةُ واجبة بالإِجماع، وتتعلَّق بالذمَّة في الفطرة، وبالقيمة في التجارة، وبالعين في النبات والنَّعَم والنقدين، والنعمُ: الإِبلُ والبقر والغنم. والنباتُ: كلُّ مدَّخرٍ مُقتاتٌ.

658 -

فصل في بيان نُصُب الإبل

أوَّلُها خمس، وفيه شاة، وفي عَشرٍ شاتان، وفي خمسَ عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنتُ مَخاض، وفي ستٍّ وثلاثين بنت لَبون، وفي ستٍّ وأربعين حِقَّة، وفي إِحدى وستِّين جَذَعة، وفي ستِّ وسبعين بنتا لبون، وفي إِحدى وتسعين حِقَّتان، وفي مئة وإِحدى وعشرين ثلاثُ بنات لبون، ثمَّ تستقرُّ الأوقاص والنُّصُب على عَشْرٍ عَشْرٍ؛ ففي كلِّ أربعين بنتُ لبون، وفي كلِّ خمسين حِقَّة.
وهل يتعلَّق الفرضُ بالبعير الزائد على المئة والعشرين، أو يستقرُّ الحساب بجزء من بعير؛ فيه وجهان، وأبو حنيفة يستأنفُ الفريضةَ بعد المئة والعشرين في كلِّ خمسٍ شاةٌ إِلى بنت المخاض، وأبعد ابن خيران، فخيَّر بين المذهبين.

ولِبنتِ المخاض سنةٌ، ولبنت اللبون سنتان، وللحِقَّة ثلاث، وللجذعة أربع، وللثَّنِيَّة خمس، وليست من فرائض الزكاة، وإِن أجزأت عمَّا دونها، ولابدَّ في هذه الأسنان من الطعن في السنة التي تليهنَّ.

659 -

فصل في إِخراج البعير عن خمس من الإِبل

إِذا أخرج عن الخمس بعيرًا؛ كبنت المخاض، أجزأه، ولا يُشترط أن يساويَها في القيمة على الأصحِّ؛ لأنَّ المجزئَ عن الكثير مجزئٌ عن القليل، وهل يُحكم بفرضيَّة البعير أو بفرضيَّة خُمُسه بشرط التبرُّع بباقيه؟ فيه خلافٌ كالخلاف في مسح جميع الرأس، وشبَّهه العراقيُّون بما لو لزمته التضحية بشاة، فضحَّى عنها ببدنةٍ، ففي فرضيَّة ما زاد على سُبُعِها وجهان، ولا يصحُّ هذا التشبيه؛ لأنَّه لو اقتصر على سُبُع البدنة، لأجزأه عن شاة، ولو اقتصر على خُمُس البعير، لم يجزه، وبهذا أيضًا يفارق مسحَ الرأس، فإِن قلنا: الفرضُ خمسُه أجزأه عن عشرة وعشرين وخمسة عشر، وإِن فرضنا جميعَه، فليخرج عن العشرة بعيرين أو بعيرًا وشاة، وقطع الإِمام بإِجزائه عن الجميع بطريق الفحوى.

660 -

فصل في صفة الشاة المُخرجة عن الإِبل

يُشترط فيها السلامة من العيوب، وأن تكونَ جذعةً أو ثنيَّة، وفي الجذع والثنيِّ وجهان يجريان في شاتي الجُبْران، ويجزئه ما يقع عليه الاسمُ

من ضأن أو معز؛ كشاة المناسك والضحايا، واعتبرها العراقيُّون بغالب غنم البلد كالفطرة، وغلط مَن اعتبرها بغنم صاحب الإِبل.

661 -

فصل في إِخراج ابن اللَّبون عن بنت مخاض

إِذا لم يكن في إِبله بنتُ مخاض، أو كانت ولكنَّها لا تجزئُ؛ لِعَيبها، أجزأه ابن اللبون وإِن كان خنثى، وغلط من منع من إجزاء الخنثى؛ فإِن كانت بنت المخاض كريمةً لا تؤخذ إِلا بالتبرُّع، لم يجزه ابن اللبون على المذهب، وأجازه العراقيُّون، وإِن فقَدَهما جميعًا يخيَّر في شرائهما على النصِّ، وقيل: يجب شراءُ بنت المخاض.

662 -

فرع:

لو أخرج حَقًّا عن بنت لبون، ففيه تردُّد لصاحب "التقريب"، والمنع أليقُ بمذهب الشافعيِّ.

663 -

فصل في الجُبْران

الجُبْران مختصٌّ بالإِبل اتِّفاقًا؛ فمن لزمه بنتُ لبون وهي عنده أجزأه عنها حِقَّة بغير جبران، وليس له أن يطلبَ معها الجُبْران، ولا أن يُخرج بنتَ مخاض مع الجبران.
وإِن فقد بنت اللبون وأمكنه شراؤها، فأخرج الحِقَّة ليأخذ الجبران، أو أخرج بنتَ مخاض مع الجُبْران أجزأه.

وإِن كان عنده حِقَّة وجذعة، فأخرج الجذعة [عن بنت اللبون] (1) ليأخذ جبرانًا، جاز، وإِن طلب جُبرانين لم يجز، خلافًا للقفَّال.
وإِن لزمته بنتُ لَبون ولا حِقَّة عنده، وعنده بنت مخاض وجذعة، فأخرج بنتَ المخاض مع الجبران، أو أخرج الجذعة وطلب جبرانًا جاز، وإِن طلب جبرانين عن الجذعة جاز عند القفَّال، وعند غيره وجهان.
وإِن لزمته حِقَّة أو بنت لبون، وليستا عنده، فأخرج عن الحِقَّة بنت مخاض مع جبرانين، أو أخرج عن بنت اللبون جذعة؛ ليأخذ جبرانين، جاز اتِّفاقًا؛ إِذ كلُّ مَرْتبة في الصعود والنزول مقابَلَة بجبران.
وإِن أخرج ثنيَّة عن الجذعة أجزأته، وإِن طلب الجبران، فوجهان.
وإِن أخرج فصيلًا وجبرانًا عن بنت مخاض، فلا تجزئه اتِّفاقًا.

664 -

فصل في صفة الجُبْران

وهو شاتان سليمتان أو عشرون درهمًا من النقرة، وكذلك دراهم الشريعة حيث وردت، ولا تجزئه شاة وعشرة دراهم، كما لا يجزئه في الكفارة أن يطعمَ خمسةً ويكسوَ خمسة، وإِن لزمه جبرانان، فأخرج عن أحدهما شاتين، وعن الآخر عشرين درهمًا، أجزأه؛ كما لو أطعم عشَرةً عن كفَّارة، وكسا عشَرةً عن أخرى.
1

665 -

فصل فيمن له الخيار في الجُبْران

المذهبُ أنَّ الخيارَ بين الشاتين والعشرين درهمًا إلى المُعْطي.
وقيل: في وجوب الأغبط قولان، كما في اجتماع الحِقَاق وبنات اللبون، والأصحُّ أنَّ خيارَ الصعود والنزول إِلى ربِّ المال؛ فإِن خيَّرنا المالكَ لم يلزمه رعايةُ الأغبط، وإِن خيَّرنا الساعيَ لزمه ذلك اتِّفاقًا، فإِن استويا فالأظهرُ اتِّباع ربِّ المال.

666 -

فرع:

لو لزمته بنتُ لبون عن إبله المعيبةِ، فلم يكن عنده، فأخرج بنتَ مخاض معيبةً مع الجبران، جاز، وليس له أن يخرجَ الحِقَّة ويأخذ الجبران؛ لأنَّه قد تساوي قيمة الحِقَّة المعيبة، فلا خيارَ له في هذه الصورة، وإِن خيَّرنا الساعيَ، فرأى الغبطة في ذلك جاز، ومهما اختار ربُّ المال الأغبطَ، فلا خلاف إِذن.

667 -

فصل في فريضة المئتين من الإِبل

إِذا كانت إِبلُه مئتين، فله أحوال: إحداهما: أن يخرج الأفضلَ للمساكين من أربع حِقاق، أو خمس بنات لبون، فيجزئه، وفيه قول مزيَّف: أنَّه يتعيَّن الحِقاق.
الثانية: أن يوجد السِّنَّان في ماله، فيلزمه أفضلُهما، وقيل: يتخيَّر كتخيُّرِه في الجُبْران، وعلى المذهب: لو تعمَّد الساعي 1 أخذَ المفضول لم

يجزه، ولزم ردُّه، وإِن اجتهد فأخطأ، ففي الإجزاء ثلاثةُ أوجه؛ ثالثها: إِن دفعه إِلى الفقراء، أجزأه، وإِن لم يدفعه، لم يجزه، فإِن قلنا: يجزئه، فهل على المالك جبرُ النقص؟ فيه وجهان؛ فإِن أوجبناه، فهل يجبُ شراء شِقْصٍ، أو يجزئه الدراهم أو الدنانير؟ فيه وجهان، فإِن ألزمناه الشراءَ، فهل يلزمه من الفاضل أو المفضول، أو يتخيَّر بينهما؟ فيه ثلاثة أوجه؛ فإِن جوَّزنا إِخراجَ الدراهم، أجزأه الشِّقْصُ، وفيه نظرٌ؛ لأجل عيب التشقيص، وإِن أوجبنا الشِّقْصَ، فلم يجده، قُبلت الدراهم على رأي صاحب "التقريب"، وردَّدَ قولَه في غير هذه الصورة إِذا لزمه شقصٌ من بعير، وأشار إِلى التوقُّف حتَّى يجد شِقصًا من بعير، ولا يعتدُّ بما ذكره.
وإِن لزمه شاة عن خمس من الإِبل، فلم يجدها أصلًا، أُخذت قيمتها بتقدير وجودها اتِّفاقًا؛ لأنَّها ليست من جنس المال، فأجزأت قيمتها عند الضرورة.
الثالثة: ألَّا يوجدَ في ماله إِلا أحدُ السِّنَّين، أو وجدهما وأحدُهما مَعيب؛ فإِنَّا نأخذ الموجودَ السليم، وإِن كان مفضولًا، ولا جبرانَ اتِّفاقًا.
الرابعة: ألَّا يوجدا في ماله، فيلزمه شراءُ أحدِهما، وفي تعيُّن الأفضل للشراء وجهان.
الخامسة: أن يكون في ماله أربعُ حِقاق وأربعُ بنات لبون، فيجزئه الحِقاق وإِن كانت مفضولة، بخلاف ما لو وجد بنتَ المخاض في خمس وعشرين، فلا يجزئه ابن اللبون وإِن كان أفضلَ.

668 -

فصل في الجبران عند فقد السِّنَّين

إِذا فقَد الحِقاق وبنات اللبون، فقَدَّر بنات اللبون أصلًا، وأخرج خمسَ بنات مخاض وخمس جبرانات، أو قَدَّر الحِقاق أصلًا، فأخرج أربع جذاع؛ ليأخذ أربع جبرانات، فله ذلك، والخلاف في الخيرة في الجبران كما تقدَّم، وإِن قَدَّر الحقاقَ أصلًا؛ ليخرجَ أربعَ بنات مخاض وثماني جبرانات، أو قدر بنات اللبون أصلًا، فأخرج خمسَ جذاع؛ ليأخذ عشر جبرانات، لم يجز؛ لأنَّه جاوز سنًّا هو فرضُ ماله، بخلاف ما لو أخرج الجذعة عن بنت اللبون؛ فإِنَّ الحِقَّة ليست فرضَ ماله، وإِن وجد حقَّة وأربع بنات لبون، فأخرج بنات اللبون والحقَّة؛ ليأخذَ الجبران، جاز، وإِن أخرج الحقَّة وثلاث بنات لبون مع ثلاث جبرانات أجزأه على المذهب، وقيل: لا يجزئه؛ لأنَّه ترك بنت اللبون وهي من الأصول، ولا يجزئه حقَّتان وابنتا لبون ونصف.

669 -

فرع:

لو أخرج عن أربع مئة ثمانيَ حِقاق، أو عشرَ بنات لبون، أجزأه، وإِن أخرج أربعَ حقاق وخمسَ بنات لبون، فوجهان يجزئان في كلِّ عدد يشتمل على أربعينات وخمسينات بحيث يخرج منه الحقاقُ وبناتُ اللبون من غير تشقيص.

670 -

فصل فيما يجب به الزكاةُ وتجويز تأخيرها

إِذا حال الحَول وهو متمكِّن من أداء الزكاة، وجبت على الفور، فإِن

أخَّرها بغير عُذْر، ضمن.
وتجب بإِمكان الأداء على القديم، وبِحَوَلان الحَول على الجديد، فإِن تلِفَ المالُ قبل الإِمكان، فلا ضمان؛ إِمَّا لسقوطها على الجديد، أو لأنَّها لم تجب على القديم، فإِن مضت أحوالٌ قبل الإِمكان مع نماء المال، وارتفاق المالك، فلا يجوز أن يُعتقدَ أنَّ زكاةَ تلك الأحوال لا تجب إِلَّا أن يُعسِر ارتفاقُ المالك بغصب أو ضلال، ففيه خلاف.
ويعتبر ابتداء الحول الثاني من مُنقَرَض الحول الأوَّل، ولا يتوقَّف على الإِمكان، والمراد بالإِمكان تصوُّر الأداء دون حيازة الفضائل التي يأتي ذكرها.
وما حصل من النتاج بعد الحَول وقبل الإِمكان، فهو محسوبٌ من الحول الثاني.
وتفريقُ المالك لزكاة الأموال الباطنة أَولى من صَرْفها إِلى الإِمام على رأي، وفي وجوب صرف زكاة الأموال الظاهرة إِلى الإِمام قولان؛ فإِن أوجبنا ذلك، فحضر الفقراء دون الوالي، فلا إِمكان، وإِن لم نوجبه، فالمذهب أنّ الصرفَ إِلى الوالي أفضل، فإِن حضر الفقراء دون الوالي فأخَّر ليدفع [الزكاة] 1 إِليه، أو حضر الوالي، فأخَّر زكاةَ الباطنة؛ ليفرقها بنفسه، أو أخَّرها؛ لحضور جار أو قريب، أو مضطر شديد الفاقة، ففي جواز ذلك وجهان خصَّهما الإِمام بما إِذا لم يظهر ضرُّ الحاضرين وشِدَّة فاقتِهم، وقال: إِذا أخَّر للتروِّي في استحقاق الحاضرين؛ لارتيابه في ذلك، فهذا عذر وجهًا

واحدًا، فإِن أخر لهذه الأسباب، فتلف المال فقد قال الأصحابُ: إِن منعنا التأخير ضمن، وإِلا فلا، وقال الإِمام: إِن جوزنا التأخير، ففي الضمان وجهان؛ نظرًا إِلى سلامة العاقبة.

671 -

فصل في تعلق الزكاة بالأوقاص

الزكاة متعلقةٌ بالنصاب دون الوَقَص على الجديد، وبهما على القديم، وعلَّقها الإِمامُ بهما، ورَدَّ الخلاف إِلى أنَّ الوقصَ هل هو وقاية للنصاب؛ كربح القِراض أم لا؟ وقال الأصحابُ: لو ملك نصابين، انحصر واجبُ كلِّ نصاب فيه، وقطع الإِمامُ بخلاف هذا، وعلَّق الواجبَ بجميع المال؛ بدليل التراجع بين الخليطين.
فإِذا تلف بعيرٌ من خمس بعد الحول وقبل الإِمكان؛ فإِن علَّقنا الزكاةَ بالإِمكان، فلا زكاةَ عليه، وإِن علَّقناها بالحول، سقط خمسٌ الشاة ولزم باقيها، وإِن تلف أربعٌ من تسع؛ فإن حصرنا الزكاةَ في النصاب لزمه شاةٌ، وإِن علَّقناها بالنصاب والوقص وقلنا: يجب بالإِمكان لزمه شاة، وإِن قلنا: يجب بالحَوْل لزمه خمسةُ أتساع شاة، وإِن تلف خمسٌ من تسع؛ فإن قلنا: يجب بالإِمكان، سقطت الزكاة، وإِن قلنا: يجب بالحول؛ فإِن علَّقناها بالوقَص، لزمه أربعةُ أتساع شاة، وإِن حصرناها في النصاب لزمه أربعةُ أخماس شاة.

672 -

فصل في إِخراج المَعِيب

ولا تجزئ المعيبةُ عن الصِّحاح وإِن زادت قيمتُها على صحيحة، ولا عمَّا فيه صحيحة واحدة؛ لأنَّ الخبيثَ لا يزكِّي الطيِّب؛ فإِن كانت تلك الصحيحةُ كريمةً، لم يجب دفعُها، ويجب شراءُ صحيحة تناسبُ قيمةَ ماله.
ولو لزمته شاةٌ من أربعين نصفُها صحاح قيمةُ كلِّ واحدة (1) منهنَّ عشرون، ونصفها مِراضٌ قيمةُ كلِّ واحدة منهنَّ عشرة، لزمه شراءُ صحيحة بنصف قيمة معيبة، ونصف قيمة صحيحة، وذلك خمسة عشر، وإِن لم يكن في المال إِلا صحيحةٌ، ولزمه فرضان، فلا يجزئه معيبتان، ويجزئه معيبة وصحيحة، وأبعد من أوجب صحيحتين؛ ظنًّا أنَّ المخرج يزكِّي بعضُه بعضًا، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المُخرجَ يزكِّي الباقيَ، ولا يزكي بعضُه بعضًا.
وإِن كان المالُ كلُّه مَعيبًا، أجزأه المَعيبُ، فإِن كان بعضُه أردأَ من بعض، لزمه الوسطُ، ولا يلزم إِخراج أقلِّه عيبًا، ويحتمل أن يتعيَّن ذلك كما يتعين السليمُ؛ لقربه منه، ويدلُّ عليه قولُ الشافعيِّ رحمه الله: لزمه خَيرُ المَعيب، إِلا أنَّ الأصحابَ حملوا النصَّ على الوسط دون الأفضل؛ لما فيه من الإِجحاف بربِّ المال.

673 -

فرع:

لو كان عنده خمس وعشرون كلُّها معيبة، فيها ابنتا مخاض، أحدُهما أجودُ مالِه، فله إِخراج الوسط، وللعراقيِّين وجهٌ أنَّ للساعي المطالبةَ بالأجود؛1

لأنَّ كلَّ واحدة منهما فرضُ ماله، فأشبه اجتماعَ الحِقاق وبنات اللبون.

674 -

فرع:

لا تجزئ شاةٌ معيبةٌ عن خمس من الإِبل معيبةٌ، ولا عمَّا يخرجه من جُبْران المال المعيب، والمراد بالعيب كلُّ عيبٍ يردُّ به المبيع، فتجزئ الحرقاء والشرقاء، وأبعد مَن ألحق بذلك العيوبَ المانعة من إجزاء التضحية.

675 -

فصل في تلف الزكاة في يد الساعي

إِذا دفع الزكاةَ إِلى وكيله، فلا يبرأ منها إِلا بوصولها إِلى أربابها؛ فإِنْ صَرَف زكاةَ الأموال الظاهرة إِلى الساعي، وأوجبنا ذلك، فقد برئ وإِن لم تصل إِلى أربابها، وإِن لم نوجبه، ففي إِلحاقه بالوكيل وجهان، فإِن فرَّط الساعي في حبسها عن أربابها، ضمِنها، وإِن كان مشغولًا بجبايتها وجمعها، فلا ضمان؛ إِذ لا يلزمُه تفرقةُ كلِّ قليل وكثير يحصل 1 تحت يده.

676 - فرع: الإِمام الجائرُ كالوكيل إِن قلنا: ينعزل، بالفسق، وإِن قلنا: لا ينعزل، وأوجبنا الصرفَ إِلى الأئمة، فهو كإِمام عَدْلٍ، وإِن لم نوجبه فدفعها مختارًا، ولم تصل إِلى أربابها، فلا يبرأ على الظاهر.

677 -

باب زكاة البقر

أوَّل نُصُب البقر ثلاثون، وفيها تَبيعٌ، وفي أربعين مُسِنَّة، وفي ستِّين تبيعان، وبها يستقرُّ الحسابُ على عشرٍ عشرٍ، ففي كلِّ ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنَّة، واجتماع المسنَّات والأتبعة في مئة وعشرين كاجتماع الحِقاق وبنات اللبون في مئتين من الإِبل حرفًا حرفًا 1، إِلا أنَّه لا جُبْرانَ في زكاة البقر، وإِن أخرج عن التبيع مسنًّا أو تبيعة، أجزأه.
وللمسنَّة سنتان، وللتبيع سنة، وأبعد من قال: هو العِجْل الذي يتبع أمَّه، أو الذي بدا قرنُه فتبع أُذنَه، والخلاف في ذلك كالخلاف في سِنِّ الجذعة.

678 -

باب زكاة الغنم

أول نصبها أربعون، وفيها شاة، وفي مئة وإِحدى وعشرين شاتان، وفي مئتين وواحدة ثلاث شياه، وفي أربع مئة أربع، ثمَّ يستقرُّ الحساب، ففي كلِّ مئة شاة.

679 -

صفة الشاة المخرجة عن الغنم:

وهي جذعة من الضأن، أو ثنيَّة من المعْز.
وللثنيّة سنتان، وللجذعة سنة، وأبعد من قال: ستةُ أشهر، ومن قال: ما بين ثمانية إِلى عشرة، وقيل: إِن الجذعة من الضأن تحمل، ولا تحمل من المعز إِلا الثنيَّة، ولذلك قوبلت بها.

680 -

فصل في إِخراج الذكور

إِذا كانت الإِبلُ أو البقر أو الغنم إِناثًا، أو بعضُها إِناثًا، فلا يجزئ فيها إِلا الإِناثُ، إِلا أن يكونَ فرضُها تبيعًا أو ابنَ لبون، وإِن كان الكلُّ ذكورًا، ففي إِجزاء الذكر أوجه: أحدها: يجزئ، فيؤخذ عن خمس وعشرين من الإِبل ابن مخاض،

وعن ستٍّ وثلاثين ابن لبون؛ كيلا يستويَ القليلُ والكثير.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنَّ الشرعَ إِنَّما ورد بالأنثى.
والثالث وهو المذهب: أنَّه يجزئ في البقر والغنم والإِبل إِلا في صورة ابن اللبون؛ فإِنَّ أخذَه عن خمس وعشرين وستٍّ وثلاثين تسويةٌ بين القليل والكثير، إِلا أنَّ من أجاز الذكرَ يقول: لا يؤخذُ ابن اللبون عن خمس وعشرين إِلا إِذا كان فيها إِناثٌ، فلا يؤدِّي أخذُه إِلى التسوية، وعلى الجملة فالذكورة عيبٌ أو أشدُّ من العيب؛ لأنَّ المعيبةَ مجزئة عن المعيب، وفي إِجزاء الذكر عن الذكور اختلافٌ.

681 -

فصل في الصِّغار من الغنم

ويزكِّي النتاجَ بحول الأمَّهات بشرط أن يملكَها بالنتاج دون غيره من الأسباب، وأن تكونَ الأمَّهات نصابًا، وأن يحدثَ قبل انقضاء الحول، فإِذا ملك مئتين من الغنم، فنُتِجت سخلةٌ قبل الحَول بيوم لزمه ثلاثُ شياه، ولو ماتت الأمَّهات والسِّخالُ نصابٌ، وجبت فيها الزكاة إِذا تمَّ حَولُ الأمَّهات، وأبعد من شَرَط أن يبقى من الكبار نصابٌ، ولو ملك أربعين سخلةً بغير النتاج انعقد عليها الحولُ، وأخرج منها جذعةً على رأس الحول.

682 -

فصل في إِخراج الصغار

إِذا كان في المال كبيرة أو كبار، فلا تجزئه الصغيرةُ؛ إِلحاقًا للصِّغَر

بالعيب، وإِن كان كلُّه صغارًا، وهو ما نقص عن السنِّ المجزئ؛ كالسخال والعجاجيل والفُصلان، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجزئ إِلا كبيرةٌ، وهو قول قديم بعيد؛ لأنَّ الجَذَعةَ أو الثنيَّة قد تبلغ قيمتُها قيمةَ أربعين سخلة.
والثاني: تجزئ؛ لأنَّها بصفة ماله، وهذا ضعيف؛ لأنَّه يؤدِّي إِلى التسوية في كثير من الصور، بخلاف أخذ الذكر؛ فإِنَّه لا يقع إِلا في صورة ابن اللبون، وقد ذكرنا أنَّه لا يؤخذ عن خمس وعشرين إِلا ابن مخاض.
والثالث: وهو الأصحُّ أنْ يؤخذَ من الغنم والإِبل والبقر إِلا أن يؤدِّي إِلى تسوية القليل بالكثير 1، فلا يؤخذَ، فإِن أوجبنا الكبيرةَ أخذنا جذعةً مقاربة لقيمة سخلة، ولا يُشترط التساوي في القيمة؛ لتعذُّره غالبًا، فإِن لم نجد جذعةً مقاربة، فلا صائرَ إِلى أخذ القيمة، وإِن وجدنا جذعة تساوي السخلة في القيمة لسبب شرف جنس السخلة، فما أراهم يتجاوزون الجنسَ الشريف، وفي ذلك احتمال.
وإِنْ جوَّزنا أخذَ الفصلان، أُخذ أحدها عند تساوي أسنانها، وإِن تفاوتت وجب أخذُ الأكبر عن الأكثر، ولا يؤخذ عن خمس وعشرين، بل يُنظر إلى الأسنان عند وجودها، وكما أن بنتَ المخاض مجزئة عن خمس وعشرين من الثنايا أو الجذاع، فلينظر إِلى مثل ذلك في الفُصْلان.

683 -

فصل فيما يُؤخذ عند اختلاف النوع

إِذا اختلفت الأنواعُ؛ كالضأن والمعْز، فهل يُؤخذ من الأغلب أو بالقسط؟ فيه قولان، فإِن اعتبرنا الأغلبَ، فاستويا فهو كاجتماع الحِقاق وبنات اللبون، وإِن غلب أحدُهما، أُخذت منه فريضةٌ تجزئ لو كان المال كلُّه من نوعها، وإِن قسَّطْنا، فلا تجزئ الأشقاصُ اتِّفاقًا وإِن وافقه الساعي، بل يُؤخذ بالقيمة.
فإِذا ملك عشرين من المعز قيمةُ كلِّ واحدة درهمان، وعشرين من الضأن قيمةُ كلِّ واحدة أربعةُ دراهم، لزمه أن يشتريَ بنصف قيمتها - وهو ثلاثة دراهم - جذعةً من الضأن، أو ثنيَّة من المعز، ولو ملك عشرًا أرحبية وعشرًا مهريَّة وخمسًا مُجيديَّة (1)، قوَّمنا خمسي بنت مخاض أرحبية، وخمسي مهريَّة وخمس مُجيدية، واشترى بذلك بنتَ مخاض من أحد هذه الأصناف.

684 -

فصل في إِخراج الأفضل عن الأدنى

وإِذا تمحَّضت الأنواعُ، فالأفضل مجزئٌ عن الأدنى، ولا عكسَ، فتجزئ الضانية عن المعز، ولا يجزئ الماعزةُ عن الضأن 2، ولو أخرج عن ضأن وسط ثنيَّة من المعز شريفة مساوية لجذعة من ضأنه، أجزأته عند الإِمام؛ لأنَّ المعزَ قد تجزئ عن الضأن عند تنوُّع المال، بخلاف ما لو أُخذ1

عن السليم مَعيبة تساوي قيمةَ سليمة.
ولو سَمن مالُه في المرعى، لزمه إِخراجُ سمينة، ولا يلزمه الماخضُ وإِن كان المال كلُّه مواخضَ، وليس الحمل بعيب إِلا في بنات آدم.

685 -

فصل في أخذ الكرائم

ولا تُؤخذ كرائمُ الأموال؛ كالرُّبَّى (1) والأكولة والماخض؛ فإِن تبرَّع بها رَبُّ المال قُبلت، وأبعد من قال: لا تقبل؛ للنهي عن أخذ الكرائم (2)، وكذلك أبعد من لم يقبل الربَّى القريبة العهد بالولادة؛ لهزالها؛ إِذ قد لا تكون كذلك، وإِنما يكون الهزالُ عيبًا إِذا كان ظاهرًا بيِّنًا.

686 -

فصل في إِخراج الأشقاص

إِذا تفرَّق النصابُ لو أخرج نصفي شاتين عن شاة من غير ضرورة، فلا يجزئه اتِّفاقًا، وإِذا منعنا نَقْلَ الصدقة، فمَلَك أربعين شاة بكل بلدة عشرون، فالأصحُّ منعُ التبعيض، فيُخرج شاة بأيِّ البلدين شاء؛ خوفًا من التبعيض، أو لأنَّ المالك واحد، وعُلْقَتُه مضافة إِلى البلدين، ويُبنى على ذلك ما لو ملك أربع مئة بأربعة بلاد، فلا يجوزُ النقل إِن علَّلنا بالتبعيض، وإِن علَّلنا بتعدُّد العُلْقة، فلا يتعدَّى البلاد الأربعة، بل يتخيَّر؛ إِن شاء جمعَ الشياه الأربع12

في بلدةٍ أو بلدتين أو كما شاء.
واستبعد الإِمامُ التعليل بتعدُّد العُلَق، وقطع بمنع النقل فيما لو تفرَّق نصابٌ من العُروض على بلدين؛ إِذ لا وَقْعَ لتبعُّض (1) الدراهم، ولذلك اختصَّ الوقَصُ بالحيوان دون الدراهم.
الطريقة الثانية: يلزمه أن يُخرجَ بكلِّ واحدة من البلدتين نصفَ شاة، فإِن تعذَّر أُخذت قيمة شاة، ولا يجزئه قيمةُ نصفي شاة.

687 -

فصل فيما يُقبل من دعوى ربِّ المال

إِذا طلب الساعي زكاةَ الأموال الظاهرة، فادَّعى ذو اليد أنَّها وديعةٌ لمسلم أو ذمِّيٍّ، أو أنَّ حولَها لم يتمَّ، أو أنَّه قطع الحول ثمَّ استأنفه، أو أنَّه أدَّى الزكاة إِلى ساعٍ آخرَ، قُبل قولُه في ذلك كلِّه، وأمَّا تحليفهُ: فله أحوال: الأول: أن يدَّعيَ ما لا يخالفه الظاهر؛ كقوله: لم يَحُلِ الحولُ، أو لم تنتج في الحول الماضي؛ فإِن لم يتَّهِمْه الساعي لعدالته، فلا يحلفه.
الثانية: أن يدَّعي ما يخالف الظاهر؛ كاستيداع المال، وتأدية الزكاة، وقطع الحول؛ فإِن اتُّهم حُلِّف، وإِن لم يُتَّهم لعدالته، فوجهان.
الثالثة: ألَّا يكون عدلًا عند الساعي، ولا يكذِّبه الظاهر؛ فلا يُحلَّف عند العراقيِّين، ويُحلَّف عند بعفض الأصحاب، وحيث حلَّفناه، فيمينه مستحبَّة أو مستحقَّة؟ فيه وجهان.1

فإِن أحببناها، فلا أثر لِنُكوله عنها.
قال الإِمام: وينبغي للسلطان ألَّا يجزمَ أمره بها؛ لأنَّ المالكَ قد يعتقدُ إِلزامَه بها.

688 -

فصل في نُكول ربِّ المال

إِذا أوجبنا اليمينَ، فحَلَف، سقطت الطَّلِبةُ، وإِن نكل، ففي القضاء بنكوله ثلاثةُ أوجه، أعدلُها: أنَّا لا نقضي بذلك إِلا إِذا تَصَوَّر بصورة مدَّعٍ؛ كقوله: أدَّيت الزكاة، أو قطعت حولها، فإِن لم يُقْضَ بنكوله، فالمذهب أنَّه يُطلَق، وقيل: يُحبس حتَّى يحلف أو يعترف؛ لتظهرَ فائدةُ الإِيجاب.
واستبعد الإِمامُ القضاءَ بالنكول، وقطع بأنَّا لا نوجبُ اليمينَ إِلا إِذا قضينا بالنكول؛ إظهارًا لفائدة الإِيجاب.

689 -

فصل في ردِّ اليمين على الفقراء إِذا نكَل ربُّ المال

إِذا نكَل ربُّ المال وتعيَّن الفقراء، ومنعنا النقلَ، فلهم الحَلِف على قول كثير من أصحابنا، وقيل: لا يحلفون؛ لأنَّ تعيُّنَهم عارضٌ، وأصل استحقاق الزكاة بالصفات دون الأعيان.
قال الإِمامُ: ولا يُردُّ اليمين إِلا بعد دعواهم، وسماعُ الدعوى مبنيٌّ على الردِّ، وقد قال الأئمَّة: يُورَث عنهم حِصَصهم، ومقتضى هذا أن يصحَّ اعتياضُهم عن الزكاة وإِبراؤهم منها، وأنَّ من افتقر من غيرهم بعد تعيُّنهم،

فلا يساهمهم، ويُحتمل ألَّا يجوز الإِبراء ولا الاعتياضُ؛ وفاء بالتعبُّد، كما لا توجد القيم، وأن يجوزَ حرمانهُم ودفع الزكاة لمن افتقر بعدهم، ومقتضى ردِّ اليمين انقطاعُ طلِبَةِ السلطان، كسائر الحقوق المتعيِّن أربابُها، ويُحتمل ألَّا ينقطع إِذا أوجبنا صرفَ زكاة الأموال الظاهرة إِليه؛ ليرى رأيه في المساواة والمفاضلة من غير تَشَهٍّ.
لكن قال أبو محمَّد: إِذا تعيَّنوا وانحصروا وجبَ استيعابهُم، والمساواةُ بينهم، وإِنَّما يجوز الاقتصارُ على ثلاثة مع المفاضلة حيث لا ينحصرون، وهذا حسنٌ إِن قلنا بردِّ اليمين، ويبعد وجوبُ التسوية مع التفاوت في الحاجة.

690 -

فصل في زكاة الضالِّ والمغصوب

إِذا ضلَّ المال أو غصب، وتعذَّر انتزاعُه أو جحد ولا بيِّنةَ، ففيه ثلاثة طرق: إِحداها: القطعُ بوجوب الزكاة؛ تنزيلًا لامتناع التصرُّف منزلةَ مَرَض الماشية، وانقطاعِ فوائدها.
والثانية: في الوجوب قولان مطلقان.
والثالثة: إن عاد بفوائده، أو تمكَّن من المطالبة بقيمة فوائده، أو فات من الفوائد ما كان يفوتُ في يد المالك، وجبت الزكاةُ قولًا واحدًا، وإِن لم يكن شيء من ذلك، أو عاد ببعض الفوائد، فقولان؛ فإِن أوجبنا الزكاةَ فقد اتَّفقوا على أنَّه لا يجِب تعجيلُها حتَّى تعودَ إِليه، فيزكِّيها لما

مضى من أحوالها، وهذا يقتضي سقوطَها إِذا تلف المال قبل وصوله إِليه.

691 -

فرع:

لو طرأ الغصبُ ثمَّ زال، فالوجهُ استئناف الحَول؛ اعتبارًا بزوال الملك ونية الاقتناء والعلف المؤثِّر؛ فإِنَّ الاستئنافَ يجب عند زوال هذه الأسباب قولًا واحدًا.

692 -

فصل في فطرة المغصوب والآبق، وتزكية المبيع قبل القبض

فطرةُ العبد المغصوب كزكاة المال المغصوب، أو يجب قولًا واحدًا؟ فيه طريقان، والآبق كالمغصوب على الظاهر من كلام العراقيِّين؛ بخلاف الزوجة الناشزة؛ لأنَّ الفطرةَ تابعة للنفقة، والنشوز يسقطها بخلاف الإباق، وهذا يقتضي أن يجوزَ للآبق أن يأكلَ من مال سيِّده في إِباقه، وفيه نظر، والمبيع قبل القبض كالمغصوب عند بعضهم، وقطع في "التقريب" بوجوب زكاته؛ لقدرته على التصرف فيه بتسلمه وتسليم ثمنه، وقال القفَّال: لا يجب؛ لامتناع التصرُّف، وضَعْف المِلك.

693 - فرع: لو حُبس عن ماله وعَسُرَ تصرفُه فيه؛ لعدم المعامل، ولم يوضع على المال يدٌ، فقد قطعوا بوجوب الزكاة تنبيهًا ورمزًا.

694 -

فصل في وجوب الزكاة على المرتدِّ

إِذا وجبت الزكاة في الإِسلام، فلا يسقطها الردَّة، وإِن مضى في الردَّة أحوال، ففي زوال مِلكه أقوال، فتجب الزكاةُ إِن بَقَّيْنا ملكَه، ويسقط إِن أزلناه، وتُوقَف إِن وقَفْناه؛ فإِن أوجبناها لزم تعجيلُها، فإِذا أسلم احتمل وجوبُ الإِعادة وجهين؛ كأخذ الزكاة من الممتنع إِذا لم ينوِ؛ إِذ لا فرقَ بين الامتناع من النيَّة وبين تركها بالردَّة، وقال في "التقريب": لا يبعد أنْ أقول (1): الردَّة تنافي أداءَ الزكاة دون وجوبها، فلا يُؤدِّي عنه ما دام مرتدًّا، فإِذا أسلم أُدِّيَت، فإِن مات مرتدًّا سقطت في أحكام الدنيا، ولا يسقط عقابُها في العُقْبى؛ لأنَّها عبادة مَحْضة تفتقر إِلى النيَّة، ولا تلزم الكافر الأصليَّ، بخلاف الكفارة.

695 -

فصل في المتولِّد من النَّعَم وغيرها

ولا زكاةَ في المتولِّد بين 2 الظباء والغنم، سواءٌ كانت الفحولُ من الظباء أو الغنم.
1

696 -

باب صدقة الخُلَطاء

مالُ الخليطين كمالِ الواحد في أصل الزكاة وقدرِها وأخذِها؛ فلو تخالطا بعشرين عشرين من كلِّ واحد منهما، أو أربعين أربعين، لزمهما شاةٌ واحدة، ولو تخالط عشْرة بأربعين أربعين، فأربع شياه.
والخلطة ضربان (1): مجاورةٌ وإِشاعة، ويُشترط للمجاورة اجتماعُ المالين في المَرَاح والمرعى، والمَسْرح والمشرع.
ولو اختلطت الماشيةُ بغير قصد المالك، أو تفرَّقت، أو اختصَّ أحدُهما برعاة أو فُحول للنزوان على غنمه؛ بحيث يمنعها من صاحبه، فوجهان، والأظهر أنَّ الاختصاصَ بالمِحْلَب لا يؤثِّر؛ فإِن شُرِط فالأصحُّ أنَّه لا يُشترط خلط الألبان، ولا يُشترط اتِّفاق الحولين، خلافًا لابن سُريج، ويُشترط كونُ الخليطين من أهل الزكاة، فلا يصحُّ خلطة ذمِّيٍّ ولا مكاتَب.

697 -

فصل في الرجوع والتراجع بين الخليطين

إِذا اقتضى الحالُ أن يأخذ الساعي الزكاةَ بنفسه، فله أخذُها من عرض1

المال، ثمَّ يثبت الرجوعُ أو التراجع، فإِذا أخذ شاةً عن أربعين، أجزأت عنهما، ورجع مالكُها على الآخر بنصف قيمتها، وليس له أن يرجعَ بنصف شاة؛ كما لو قال لغير الخليط: أدِّ زكاتي بشرط الرجوع؛ فإِنه يرجع عليه بقيمة الحيوان، بخلاف ما لو أتلف النصابَ بعد التمكُّن؛ فإِن الشاة باقية في ذمَّته، فإِن كان المال سبعين من البقر، فأخذ مُسنَّة من مالك الثلاثين، وتبيعًا من مالك الأربعين، رجع صاحبُ الأربعين بثلاثة أسباع تَبِيع، وصاحب الثلاثين بأربعة أسباع مسنَّة، ولو عكس، لرجع مالكُ الأربعين بثلاثة أسباع مسنة، ومالكُ الثلاثين بأربعة أسباع تبيع، ولو أخذهما من مالك الثلاثين، رجع بأربعة أسباعهما.
ولو كان المال أربع مئة شاة، فأخذ من كلِّ واحد شاتين، تراجعا بقيمة نصفي شاتين، إِلا أنَّ تراجعَهما لا يفيد؛ لتساوي قيمة الشاة المجزئة، فيجري في ذلك وفيما يتَّفق فيه قيمةُ المسنَّة والتبيع أقوالُ التقاصِّ، ولو كان لأحدهما مئةُ بعير، وللآخر ثمانون، فالواجب حقتان وابنتا لبون، فإن أخذ الحِقَّتين من مالك المئة، وبنتي اللبون من الآخر، رجع مالكُ المئة بأربعة أتساع حقَّتين، وصاحب الثمانين بخمسة أتساع بنتي لبون، وقد أخطأ من قال: لو لزمهما شاتان، فأخذ من كلِّ واحد شاة، فلا تراجعَ.
وقال أبو إسحاق المروزيُّ: إِذا أمكنه أخذُ شاة من كلِّ واحد منهما فليس له أخذ الشاتين من أحدهما حتَّى يحتاج إِلى الرجوع، وقياس ذلك إِذا أمكن أخذ المسنَّة من مالك الأربعين، والتبيعِ من صاحب الثلاثين لزمه ذلك، ولا تراجعَ، وهذه هَفْوة لا تُعدُّ من المذهب.

698 -

فرع:

لو أخذ أكولةً أو رُبَّى، فلا يرجع إِلا بنصف جذعة من الضأن؛ لأنَّه مظلوم بالصفة، فلا يرجع على غير ظالمه.

699 - فرع: لا تراجعَ في خلطه الإِشاعة إِلا أن تكونَ الزكاةُ غيرَ مجانسة للمال؛ كالشياة في الإبل، فيثبتُ الرجوعُ إِن أخذها من أحدهما، والتراجع إِن أخذها منهما، ثم تجري أقوالُ التقاصِّ.

700 -

فصل

في الخلطة في غير النَّعم: وفي الزروع والثمار أقوال: أحدها: يثبت فيهما الخلطتان.
والثاني: لا يثبتان؛ إِذ لا يفيدان رِفقًا بالملَّاك، بخلاف خلطة النعم، فإنَّها تفيدُ الرفقَ بالمُلَّاك تارةً، وبالمساكين أخرى.
والثالث: تثبت الإِشاعةُ دون المجاورة، والمجاورة: أن يتجاور أو يتَّحد الناطور والنهر، وما يُقدَّر اتِّحاده من المرافق، ولعلَّها تثبت وإِن تخلَّلهما بستان إِذا اتَّحدت المُؤن والناطور، ولا يبعد أن يُشترطَ اشتمال الحائط على الأرضين، أو وقوعُهما متجاورتين بحيث لا تتميَّز إِحداهُما عن الأخرى بعلامة في تعدُّد الملكين، ولم يتعرَّضوا لتفصيل ذلك، ولا تثبت المجاورةُ

في النقدين وعُروض التجارة، وفي الإِشاعة قولان، وأبعد مَنْ أثبت المجاورةَ عند اتِّحاد الحانوت والخازن.

701 -

فصل في الاختلاط والانفراد مع اتِّحاد الحول

إِذا اتَّفق تاريخُ الحول؛ فإن اختلطا في جميعه زكيا للخلطة، وإِن انفردا في أوَّله؛ بأن ملكا غُرَّةَ المحرَّم، وخلطا غُرَّة صَفَر زكَّيا للخلطة فيما عدا الحول الأوَّل، وفي الحول الأوَّل قولان، الجديدُ تغليبُ الانفراد؛ لأنَّه الأصل، والقديمُ تغليبُ الاختلاط؛ نظرًا إِلى وقت الوجوب.
وإن اختلف التاريخ، فملك أحدُهما في المحرَّم، والآخرُ في صفر، واختلطا في ربيع، ففيما يلزم كلَّ واحد عند تمام حوله القولان، ثمَّ يزكِّيان للخلطة بعد ذلك، وقال ابن سُريج: يزكِّيان للانفراد أبدًا؛ لأنَّ اتِّفاق الحول شرطٌ في الخلطة عنده.
وإن ملك أحدُهما في المحرَّم أربعين، والآخرُ في صفر عشرين، وكما ملكها خلطها، فعلى صاحب الأربعين في الحول الأوّل شاة على الجديد، وثلثا شاة على القديم، وعلى الثاني إِذا تمَّ حولُه ثلثُ شاة على القولين، وعلى رأي ابن سُريج يلزم الأوّلَ زكاةُ الانفراد أبدًا، ولا شيء على الثاني.
ولو ملك الواحدُ أربعين في المحرَّم، وأربعين في صفر، فعليه في الحول الأوَّل شاة على الجديد، ونصفٌ على القديم، وعلى رأي ابن سُريج يلزمه عن كلِّ أربعين شاةٌ أبدًا.

ولو ملك أحدُهما أربعين في المحرَّم، والآخر أربعين في صفر، وخلطها حين ملكها فعلى الأوّل إِذا تمَّ حولُه شاة في الجديد، ونصف في القديم، فإذا تمَّ حول الثاني، فعليه نصفٌ في الجديد، وقيل: يلزمه شاة على الجديد؛ لأن صاحبه لم ينتفع بخلطته، ومبنى الخلطة على التساوي، ولا حاصل لهذا، ولا يخفى تفريعُ القديم، ورأيِ ابن سُريج.
ولو ملك الواحد أربعين في المحرَّم، وأربعين في صفر، وأربعين في ربيع، فعلى القديم في كل أربعين إِذا تمَّ حولُها ثلثُ شاة، وعلى الجديد في الأولى شاة، وفي الثانية نصف، وفي الثالثة ثلث، وعلى الوجه الضعيف يجبُ في كلِّ أربعين شاة، وعلى رأي ابن سُريج في كلِّ أربعين شاة أبدًا.

702 -

فصل فيمن خالط ببعض ماله، وانفرد بالباقي

إِذا خالط ببعض ماله، وانفرد بباقيه، فالاعتبار بخلطة الملك أو العين؟ فيه قولان، فلو ملك ستِّين، فخلط عشرين منها بعشرين لمن لا يملك سواها، واتَّحد تاريخُ الحولين؛ فإِن قلنا بخلطة الملك، لزمهما شاةٌ؛ ربُعُها على صاحب العشرين، وباقيها على الآخر، وإن قلنا بخلطة العين، فعلى صاحب العشرين نصفُ شاة؛ إِذ لا يُعتبر ما انفرد به خليطةً، وأما صاحب الستِّين فهو مخالط ومنفرد، فهل يُجمع له الحكمان؟ فيه وجهان.
فإِن قلنا: لا يجمعان، فظاهر المذهب أنَّه يلزمه شاة؛ تغليبًا للانفراد، وقيل: يلزمه ثلاثة أرباع شاة؛ تغليبًا للاختلاط.

وإِن قلنا: يجمعان، فوجهان: أحدُهما: يؤخد من المنفرد بحسابه، ومن المختلط بحسابه، فنقدِّره منفردًا بالستين، وحضة الأربعين منها ثلثا شاة، ونقدِّر في العشرين كأنَّه خالط بالستِّين، فصار المجموعُ ثمانين؛ حصَّةُ العشرين منها ربع شاة، فذلك شاة إِلا نصف سدس.
والثاني: يؤخذ من المنفرد بحسابه ثلثا شاة، ويجب عليه في العشرين مثلُ ما يجب على شريكه، وهو نصفُ شاة؛ تسويةً بينهما، فذلك شاة وسدس، وأبعد من ألزمه بشاة ونصف؛ لأنَّه قدره منفردًا بالأربعين، ومختلطًا بالعشرين، ولا تفريعَ على هذا.

703 -

فصل فيما إِذا اختلطا وانفرد كلُّ واحد ببعض ماله

وإن خلطا عشرين بعشرين، وانفرد كلُّ واحد بأربعين؛ فإِن قلنا بخلطة الملك، فعليهما شاةٌ واحدة، وإن قلنا بخلطة العين، ففيما يلزم كلَّ واحد منهما الأوجهُ الأربعة: أحدها: شاة؛ تغليبًا للانفراد.
والثاني: نصف؛ تغليبًا؛ للاختلاط.
والثالث: في الأربعين ثلثا شاة، وفي العشرين ربع شاة، فذلك شاة إِلا نصف سدس؛ عملًا بالحسابين.
والرابع: في الأربعين ثلثان، وفي العشرين نصف، فذلك شاة وسدس.

704 -

فصل فيما يجب على خليط الخليط، وفيه صور

الأول: إِذا خالط زيدًا بعشرين، وعَمرًا بعشرين، ولا ملكَ لهم سوى ذلك؛ فإِن قلنا بخلطة الملك، فعلى صاحب الأربعين نصفُ شاة، وأما خليطاه: فمالُ كلّ واحد منهما مضمومٌ إِليه، وفي ضمِّه إِلى صاحب العشرين وجهان؛ فإِن ضممناه إِليه، فعلى كلِّ واحد منهما ربع شاة، وإِن لم نضمَّه إِليه، فثلث شاة، وإن قلنا بخلطة العين، فعلى كلِّ واحد من صاحبي العشرين نصفُ شاة، وعلى صاحب الأربعين شاة إِن غلبنا الانفرادَ، ولا وجهَ له في هذه الصورة وأمثالها، ونصف إِن غلَّبنا الاختلاط، وهو الأصحُّ هاهنا، وثلثا شاة على الأخذ بالحسابين، وشاة على وجه التسوية، فتعود الأوجه إِلى ثلاثة: شاة، أو نصف، أو ثلثان.
الصورة الثانية: إِذا ملك خمسة وعشرين بعيرًا، فخلط كلَّ خمسة منها بخمسة لرجل لا يملك غيرَها؛ فإِن قلنا بخلطة الملك، فعليه نصف حِقَّة، وعلى كلِّ خليط سدسُ بنت مخاض إِن لم نضمَّه إِلى خُلَطاء الخليط 1، وعشر حقة إِن ضممناه.
وإِن قلنا بخلطة العين، فعلى كلِّ واحد من أصحاب الخمس شاة، وأمَّا صاحب الخمس والعشرين: فعليه بنتُ مخاض إِن غلَّبنا الانفراد، ولا وجهَ له، ونصف حِقَّة إِن غلَّبنا الاختلاط، وخمسة أسداس بنت مخاض على الأخذ بالحسابين، وخمس شياه على وجه التسوية، بينه وبين خليطه،

فحصل أربعة أوجه.
الصورة الثالثة: لو ملك عشرة أبعرة، فخلط كلَّ خمسة منها بخمسة عشر لمن لا يملك غيرها؛ فإِن قلنا بخلطة الملك، فعليه ربع بنت لبون؛ لأنَّ المال أربعون، وعلى كلِّ واحد من خليطيه ثلاثةُ أخماس بنت مخاض إِن لم نضمَّه إِلى خليط خليطه، وثلاثة أثمان بنت لبون إِن ضممناه إِليه.
وإن قلنا بخلطة العين، فعلى كل واحد من خليطيه ثلاث شياه؛ نظرًا إِلى ما وقعت فيه الخلطة، وأمَّا صاحبُ العشرة: فعليه شاتان إِن غلَّبنا الانفرادَ ولا وجهَ له، وربع بنت لبون إِن غلَّبنا الخلطةَ، وخُمسا بنت مخاض على الأخذ بالحسابين، وشاتان على وجه التسوية.

705 -

فرع:

لو خلط خمسة عشرَ من خمسة وستِّين من الغنم بخمسة عشر لمن لا يملك غيرَها؛ فإِن قلنا بخلطة العين، لم تصحَّ هذه الخلطةُ، وإِن قلنا بخلطة الملك، فوجهان: أحدهما: لا يصحُّ؛ لأنَّ المنفرد إِنَّما يتبع المختلط إِذا كان نصابًا.
والثاني: يصحُّ فيلزمها شاة؛ ثُمُنُها ونصفُ ثُمُنِها على صاحب الخمسة عشر، والباقي على خليطه.

706 -

باب من تجب عليه الصدقة

يشترط فيه الإِسلامُ، وكمالُ الملك دون التكليف، فتجب في مال الصبي والمجنون، ولا تجب على المكاتَب؛ لنقصان ملكه؛ وإِن ملك عبدَه مالًا؛ فإِن قلنا: لا يملك، فزكاته على السيِّد، وإِن قلنا: يملك، فلا زكاةَ على واحد منهما، وأبعد من أوجبها على السيّد؛ لقدرته على التصرف بنقض الملك، وأنَّه لا ينتهي إِلى اللزوم، ولذلك ينقلب بالعتق إِلى السيِّد، بخلاف ملك المكاتَب، فإِنَّه يستقرُّ بالعتق ولا يتصرَّف فيه السيِّد، وإِن كان بعضه حرًّا، لزمه الزكاةُ فيما ملكه بنصفه الحرّ، خلافًا للعراقيّين، كما تلزمه كفارة الموسرين، خلافًا للمزني.

707 -

باب الوقت الذي تحِلُّ فيه الصدقة

إِذا رأى الوالي جبايةَ الصدقات، فليبعث لذلك الأُمناءَ الكُفاة؛ فإِن لم يتَّفق في أحوالها فليعيِّن شهرًا من السنة لإِيصالها، فإِن تقدَّم وجوبُ الزكاة، انتظر بها قدومَ السُّعاة، وإن تأخَّر وجوبُها استُحِبَّ لأربابها تعجيلُها؛ ترفيهًا للسعاة عن العود لتحصيلها، ولا يُكلَّف أربابها ردَّها إِلى القرى، ولا السعاةُ تتبُّعَها إِلى المرعى، بل تردُّ إِلى مَنْهل قريب من المرعى والقرى، فإِن رام عدَّها، ردَّها إِلى مضيق، وأخرجها منه؛ ليكونَ أيسرَ لعدِّها.

708 -

باب تعجيل الصدقة

إِذا تعلَّق الحق الماليُّ بسببين مقصودين؛ كالكفارة والزكاة (1)، جاز تقديمُه على أحدهما، ولا يجوز أن يُقدَّم عليهما، فإِذا انعقد الحولُ على نصاب، جاز تقديمُ زكاته على الحول، ولا يجوز قبل تمام النصاب، ولا قبل الإسامة؛ لعدم انعقاد الحول، وإِن عجَّل لسنتين فما فوقهما، أجزأه عن الأولى، وفيما بعدها وجهان.
ولو ملك مئة وعشرين من الغنم، فعجَّل شاتين لتوقُّع سخلة، فنُتِجت في الحول، أجزأته إحداهما، وأما الثانية؛ فإِن جوَّزنا التعجيلَ لعامين، أجزأته، وإن منعناه، فوجهان؛ لجريان السخلة في حول الأمَّهات.
ويجوز تعجيلُ الفطرة بدخول رمضان.

709 -

فصل في تعجيل العُشر

لا يجوز تعجيلُ العشر قبل نبات الزرع وبُدوِّ الثمار، وإن تَتمَّر الرطب وتزبَّب العنب، لم يجز التأخيرُ.1

وإِن أفرك الحبُّ ولم يُنَقَّ، جاز الإِخراجُ على المذهب، وأبعد من منع ذلك إِلى أن ينقَّى تعليلًا بتعذُّر معرفة النصاب، ولا وجهَ له إِلا إِذا لم يقطع بوجود النصاب في السنابل، وإِن اشتدَّ الحَبُّ ولم يُفْرِكْ، أو أزهت الثمارُ ولم تجفف، جاز الإِخراج على الأصحِّ؛ لوجوب العشر بذلك.
وفيما بين نبات الزرع إِلى اشتداد الحبِّ، وبين طلوع الثمرة إِلى الزهوِّ ثلاثة أوجه؛ يجوز في الثالث التقديمُ عن الثمرة دون الحبِّ، وهو بعيد.

710 -

فصل فيما يشترط لإجزاء المعجَّل

يُشترط أهليّة القابض عند القبض وعند الحَول، ولا يُشترط فيما بينهما على الأصحِّ، فلو قبضها وهو غنيٌّ أو مرتدٌّ أو صادفه الحولُ ميتًا أو مرتدًّا أو غنيًّا بغير ما قبضه، أو نقص النصاب نقصًا يمنع الوجوبَ، أو مات المالكُ أو ارتدَّ وقلنا: الرِّدَّة تمنع الوجوبَ، فلا يقع المعجَّل زكاةً.

711 -

فصل في حكم الرجوع بالمعجَّل

إِذا قال: هذه زكاتي المعجَّلة؛ فإِن أجزأت وإلا فهي نافلة، فلا رجوعَ وإن لم تقع عن الزكاة.
وإن قيَّد بالتعجيل والرجوع، فخرجت عن الإجزاء، رجع اتِّفاقًا.
وإن قيَّد بالتعجيل، ولم يتعرَّض للرجوع، أو علمه القابض، رجع على الأصحِّ.

وإِن لم يكن شيء من ذلك، ثمَّ بان تعجيلُها وأنَّها لم تقع موقعها، فثلاثةُ أوجه؛ في الثالث يثبت الرجوعُ فيما سلَّمه السلطان إِلى المسكين، دون ما سلَّمه المالك.
وإن قيَّد بالصدقة المفروضة ففي إِلحاقها بالمقيَّد بالتعجيل طريقان؛ فإِن فرَّقْنا بين التقييد والإِطلاق، فاختلفا في ذلك، ففيمن يقبل قولُه وجهان.

712 -

فرع:

إِذا أتلف المالَ قبل الحول قصدًا، ففي رجوعه حيث يثبت الرجوع وجهان.

713 - فرع: لا تفتقر الزكاةُ عند أدائها إلى لفظ؛ كالديون، بخلاف المنائح والهبات، ورمزوا إِلى تردُّد في صدقة التطوُّع، والظاهرُ الذي عليه عمل الكافَّة أنَّه لا حاجةَ إِلى اللفظ.

714 -

فصل في الرجوع بالزيادات وأَرْش النقصان

1 ويرجع في العين بزيادتها المتَّصلة، وفي المنفصلة وأَرْش نقصان الصفة وجهان مبنيَّان على أنَّا هل نتبيَّن أنَّ المِلكَ لم يحصل، أو حصل ثمَّ انقطع باستحقاق الرجوع؟ واستشهد القفَّال لسقوط الأَرْش بما لو ردَّ المبيعَ بالعيب بعد تعيُّب الثمن في يد البائع، فإِنَّه يرجعُ بالثمن دون أَرْشه، وهذا بعيدٌ،

ولو رجع الوالدُ في هبة الولد ناقصةً، لم يرجع عليه بالأَرْش؛ لأنَّه لا يضمن الجملةَ، فلا يضمن الصفةَ.
قال الإِمام: ولا يتوقَّف الرجوعُ على إِنشائه الرجوعَ، بل ينقطع المِلكُ عند سبب الرجوع، أو نتبيَّن أنَّه لم يحصل.
والزياداتُ المنفصلة بعد حقِّ الرجوع للراجع، وكذلك أَرْشُ النقص وضمانُ العين عند الإِمام؛ اعتبارًا بتلفها قبل ثبوت الرجوع، فإِنَّه يضمنها بقيمتها، والاعتبار بيوم تلفها أو بيوم قبضها؟ فيه وجهان، وينقدح التضمينُ بأقصى القيمة من حين القبض إِلى التلف؛ بناءً على التبيُّن.
ومهما ثبت الرجوعُ فقد حوَّم في "التقريب" على تقديرين لم يصرح بهما الأصحابُ: أحدهما: أنَّا نتبيَّن أنَّ المِلكَ لم يحصل، وعلى هذا تنقض تصرُّفات الفقير في العين.
والثاني: أنَّ المعجَّل مردَّد بين وقوعه زكاةً إِن لم يثبت الرجوع، أو قرضًا إِن أثبتناه.
فإِن أراد الفقيرُ إِبدالَ العين مع وجودها، فليس له ذلك على التبيُّن، وعلى التشبيه بالقرض ابتُني على أن القرضَ يُملك بالقبض أو التصرف؟ فإِن ملَّكناه بالقبض، فله الإِبدال، وإن ملَّكناه بالتصرف، فليس له ذلك ما لم يتصرف.
ومهما قدَّرنا القرض فالوجه القطعُ بضمان النقص، وكذلك الظاهر ثبوتُه على قول التبين وكذلك الزوائدُ مبنية على زوائد القرض إِذا قبضه

وتصرف فيه بعد حصول الزوائد؛ فإِن ملكناه بالقبض، فالزوائدُ له، وإن ملكناه بالتصرف، انقدح أن تكونَ الزوائدُ للمقرض، وأن تكون للمقترض؛ إِسنادًا للملك إِلى حال القبض.

715 -

فصل في نقصان النصاب بسبب التعجيل

إِذا عجَّل شاةً من أربعين، جاز ويُقدَّر بقاؤها على مِلكه، أو يُلحَق حالُ التعجيل بحال الوجوب رُخصةً؛ فإن لم تقع الشاةُ عن الزكاة، فلا زكاةَ على المعجَّل حيث لا يثبت الرجوع، وإِن أثبتناه، فوجهان؛ بناءً على التبيُّن، وانقطاع الملك بعد حصوله.
وقال الإِمام تفريعًا على التبيُّن: يجوز أن يلتفتَ في الشاة المعجلة على المغصوب والمجحود، وذكر العراقيُّون وجهًا ثالثًا فرَّقوا فيه بين الماشية وغيرها من جهة أن الماشيةَ إِذا كانت دينًا، فلا زكاة فيها؛ لعدم سَوْمها، ولا وجهَ لما ذكروه؛ لأنَّه إِن فُرض عند التلف، فلا وجهَ للتردُّد فيه مع القطع بأنَّ الزكاةَ لا تجبُ في الدين إِذا كان ماشيةً، نعم إِن قدَّرنا القرضَ، فهل يطالب بالشاة أو بدلها؟ فيه خلافٌ كبدل القرض.

716 -

فرع:

إِذا أعتق المريضُ عبدًا بقيمة الثلث، ثمّ وهبه جاريةً وسلَّمها فاستولدها، ثم مات الواهبُ، وردَّ الوارث الزيادة على الثلث نفذ العتق؛ لتقدُّمه، وبطلت الهبةُ، ويأخذ الجارية وولدها رقيقًا إِن أعْلَقَها الواطئ عالمًا بحقيقة الحال وحكمها، بخلاف زوائد الزكاة المعجَّلة، والفرقُ: أنَّ المِلك في

الوصيَّة مبنيٌّ على التبيُّن، وإِن تسلَّط المتهبُ على التصرُّفات المفتقرة إِلى تمام الملك، فإِنَّما كان ذلك؛ لأنَّ الأصلَ دوامُ الحياة.

717 -

فصل في إجزاء المعجَّل عن الوارث

وإِذا عجَّل الزكاة، ثمَّ مات، ففي انقطاع الحول بالموت قولان؛ الجديدُ أنَّه ينقطع، فلا يجزئ المعجلُ عن الوارث، ويُحتمل تخريجُه على وجهين كالتعجيل لعامين، والقديم: أنَّ الوارثَ يبني على حوله، فيجزئ عنه المعجَّلُ إِذا اتَّحد الوارثُ، أو تعدَّد حيث تثبت الخلطةُ، وحيث لا تثبت، أو اقتسموا، ونَقَصت الحصصُ عن النُّصُب، فلا تجزئ؛ لانقطاع الحول، ويُحتمل ألَّا ينقطعَ، ونقدِّرهم كشخص واحد.

718 -

فصل في الرجوع بما يخرج عن الغائب إِذا لم يقع المَوقعَ

إِذا أخرج الزكاةَ عن ماله الغائب، وذكر ذلك للفقير؛ فإِن كان سالمًا، أجزأه، وإِن بان تلفُه عند الأداء، فتفصيلُ رجوعه هاهنا كتفصيله في الزكاة المعجَّلة من غير فرق.
ولو نوى الزكاةَ إِن كان سالمًا، والنفلَ إِن كان تالفًا، فكان تالفًا أجزأه عن النفل اتِّفاقًا، وكذلك لو قال: هذه زكاتي المعجَّلة؛ فإِن لم تقع فنافلةٌ، أجزأته عن النفل إِذا لم تقع زكاةً.

719 -

فصل في استقراض الإمام للمساكين

من توكَّل باقتراض أو ابتياع؛ فإِن صرَّح بإِضافة العقد إِلى الموكِّل، فلا يُطالَب بالعِوض، كما لا يُطالب بالمهر إِذا توكَّل في قَبول النكاح، وإن لم يصرِّح بذلك، وعَلِمه المُقرِضُ أو البائع، طُولب بالثمن على المذهب، وفي عِوض القرض وجهان؛ فإِن قلنا: لا يُطالب، فلا يضمن إِذا تلف المَرضُ في يده، وإن قلنا: يُطالب، فله الرجوعُ على الموكِّل، والإِمامُ كالوكيل فيما يقترضه للمساكين بإِذنهم، وإن اقترض بغير إِذنهم لحاجتهم؛ فإِن كانوا أطفالًا لا وليَّ لهم، وقع القرضُ لهم، وإن كانوا أهلَ رشد، وقع القرضُ عن الإِمام؛ فإِن دفعه إِليهم، فقد تصدَّق بطائفة من ماله، وقيل: تقع عن الفقراء، فيطالَب به من تسلَّمه منهم من الإِمام، وفي مطالبة الإِمام الوجهان.

720 -

فرع:

إِذا اقترض للفقراء بسؤالهم، فحُكْمه حكمُ الوكيل، وإِن سأله المُلَّاك أن يدفعَ إِلى المساكين شيئًا على جهة القرض، وقصدوا استيفاءَه من الزكاة عند حلولها، فلا مطالبةَ على الإِمام، وإِن سألوه جميعًا، فعلى أيِّهما يُحمل؟ فيه وجهان.

721 - فرع: إِذا حلَّت الزكاةُ قضي منها قرضُ الفقراء إِلا أن يخرجوا عن استحقاقها، فلو حلَّت صدقةُ زيد والفقيرُ أهلٌ لها، فارتدَّ أو استغنى، فحلَّت صدقةُ عمرو قضي دينُه من صدقة زيد دون عمرو إِذا انحصر المستحقُّون ومنعنا النقل.

جارٍ التحميل