فالمذهب أنَّه يبني على صلاته، ونصَّ الشافعيُّ على الاستئناف، وهو محمولٌ على ما لو ركب قبل تحقُّق الحاجة، وقال بعضُهم: تبطل إِن كثر فعلُه، وردَّه الإِمام؛ فإِنَّ الفعلَ الكثير يُحتمل لأجل الخوف، وقال بعضُهم: تبطل وإِن قلَّ عملُه؛ لأنَّ الركوبَ مخالِفٌ لهيئات الصلاة، وقد التزَمَها تامَّة بشروعه فيها، وهو باطل بالمرض في أثناء الصلاة، وإِن أمن الراكبُ، فَنَزَل، بنى إِن قلَّ فعله، وإِن كثر لأجل النزول، فوجهان.
564 -
فرع:
لو جلسوا في مَكْمَنٍ لو قاموا فيه لرآهم العدوُّ، وفسد كيدُهم وتدبيرهم، فقد أجاز بعضُهم أن يصلُّوا قعودًا؛ لأنَّ ذلك لا يندر في مكايد القتال.
565 -
باب من له أن يصليَ صلاةَ الخوف
كلُّ من خاف سببًا مهلِكًا؛ كالغرق والحَرْقِ والقتال الواجب والمباح، فله أن يصلِّيَ صلاَةَ الخوف، ولا إِعادةَ عليه، ولا يجوز في قتالِ محرَّم، ويجوز في مباحِ الهزيمةِ دون محرَّمِها.
ولو انهزم العدوُّ، وعلِمنا أنَّا لو أتْمَمْنا الصلاة لَفاتونا، فلا نصلِّي في آثارهم؛ إِذ لا خوفَ، ولو هرب المعسرُ خوفًا من الحبس، أو الجاني رجاءَ العفوِ، فلهما صلاة الخوف، واستبعده الإِمام في الجاني؛ لفراره من حقٍّ لازم، بخلاف المعسِر، وحيث عَذَرْنا الجانيَ بذلك، فلا يستمرُّ عذرُه على التأبيد، ولعلَّه يجوز في مدَّةٍ يفتر في مثلها غليلُ الطالب.
ولو غشيه سيلٌ لو صلَّى متمكِّنًا لأنقذ نفسَه دون ماله، ولو صلَّى مسرعًا لخلَّص نفسَه وماله، فله أن يصلِّيَ صلاةَ الخوف على أصحِّ القولين؛ لإِنقاذ ماله.
ويجوز القتالُ في الذبِّ عن المال، وخُرِّج فيه قولٌ من مسألة السيل: أنَّه لا يجوز بالقتل، ولا بما يؤدِّي إِليه، وقال المحقِّقون: لا خلافَ في جواز الذبِّ ولو بالقتل، وإِنَّما الخلافُ في الإِيماء بالصلاة؛ لأنَّ حرمتَها باقيةٌ وإِن سقطت حرمةُ الصائل، وفيه نظر؛ لأنَّ حرمةَ المصول عليه باقيةٌ،
وقد غرَّر بنفسه في دفعه.
566 -
فرع:
إِذا خاف الحاجُّ إِن قَصَد عرفةَ أن تفوتَه العشاءُ، وإِن صلَّاها أن تفوتَه عرفةُ، فهل يصلِّيها أو يأتي عرفةَ؟ فيه احتمالاتٌ ذكرها القفَّال: أحدها: يصلِّي.
والثاني: يأتي عرفة.
وقيل: يصلِّي ماشيًا صلاةَ خوف فوت الحجِّ، وهو أَوْجَهُ الاحتمالات.
567 - فرع: لو خشي أمرًا لو تحقَّق لأجاز صلاةَ الخوف، فصلَّى لأجله، ثمَّ ظهر خلاف ظنِّه، ففي بطلان صلاته قولان، ولعلَّ أصحَّهما البطلانُ؛ كمن رأى سوادَ إِبلٍ، فظنَّه عدوًّا، أو كان بينه وبين العدوِّ حِصْن يتحصَّن به، أو وادٍ، أو نهرٌ لا يخيض، فلم يره، ثم ظهر له بعد ذلك، ففيه القولان.
568 -
فصل في صلاة الخوف في دفع الصِّيال
إن صال 1 عليه مسلم في نفسه، ففي وجوب دفعه قولان، خصَّهما أبو محمَّد بالمكلَّف الذي يبوء بالإِثم، وأوجب دفعَ الصبيِّ والمجنون، وأجراهما الإِمام على القولين.
ويجب دفعُ السبع والكافر حربيًّا كان أو ذميًّا.
وحيث جوَّزنا الاستسلامَ، فلا يجوز إِذا أمكنه الهربُ أو التحصُّن بحصن؛ فإِن أمكنه ذلك، فأبى إِلا مصادمةَ الصائل، لم يجز ذلك عند الإِمام؛ لأنَّه لو هرب لتخلَّص وخلَّص الصائل، ولم يَفُتْه شيء، بخلاف الذبِّ عن المال.
وحيث أوجبنا الدفعَ، أو جوَّزنا الاستسلام، فله أن يصلِّي صلاةَ الخوف.
وذبُّه عن الحرم وعن دم غيره كَذبِّه عن دم نفسه في جميع ما ذكرت.
569 -
باب ما له لبسه وما ليس له
لبسُ الحرير وافتراشُه حرامٌ على الرجال دون النساء، وحرَّم عليهنَّ أبو محمَّد افتراشَه؛ لأنه سَرَف 1 مجاوِزٌ للحدِّ، فأشبه أوانيَ الذهب.
ويجوز أن يلبَسَه الصبيان، ومال أبو محمَّد إِلى منعه.
والقزُّ من الحرير بالاتِّفاق، وإِن نسُج الحريرُ مع غيره حَرُم إِن غَلَب، ولم يحرُم إِن غُلِب، وإِن استويا فوجهان.
وفيما تعتبر به الغلبةُ طريقان:
أصحُّهما: بالظهور، فيحلُّ الخزُّ الذي سَداه أبريسم؛ لأنَّه لا يظهر، ويحرم العتَابي؛ لظهور إبرَيْسَمِه.
والطريقة الثانية: أنَّ الاعتبارَ بالوزن والمقدار، ولو حشى جبَّته بالحرير، فلا بأس، وإِن بطَّنها به، لم يجز، وإِن جُعل بين البطانة والظهارة حريرٌ منسوج، جاز على الظاهر من كلامهم، وفيه احتمال، وكان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَرُّوج حرير 2، وفسَّره أبو محمَّد بالمُطَرَّفِ بالحرير؛ كالفِراء وغيرها، وجوَّز
التطريفَ المعتاد، فإِن انتهى إِلى السرف حَرُم، ولهذا التفاتٌ على تضبيب الإِناء إِلا أنَّ الحاجةَ لا تعتبر هاهنا؛ لأنّ أمرَ الحرير أهونُ، وإِن جاوز العادةَ في التطريف، ولم ينته إِلى السرف المحرَّم فقد تردَّد فيه الإِمام؛ لتردُّده في أنَّ الغالبَ على الحرير التحريمُ إِلى أن يظهرَ المحلِّل، أو التحليلُ إِلى أن يظهر المحرِّم، ويدلُّ على غلبة التحريم قولُه عليه السلام في الذهب والحرير: "هما حرامان على ذكور أمتي" (1).
570 -
فرع:
يجوز لبسُ الحرير للحِكَّة في السفر، وفي الحضر خلافٌ.1
= إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فَرُّوج حرير فلبسه فصلّى فيه، ثمَّ انصرف فنزعه نزعَا شديدًا كالكاره له، وقال: لا ينبغي هذا للمتقين"، قال ابن حجر في "فتح الباري" (1/ 485): "وظاهر هذا الحديث أن صلاته -صلى الله عليه وسلم- فيه كانت قبل تحريم لبس الحرير، ويدلُّ على ذلك حديثُ جابر عند مسلم بلفظ: "صلى في قباء ديباج ثم نزعه، وقال: نهاني جبريل"، ويدل عليه أيضًا مفهومُ قوله: "لا ينبغي هذا للمتقين"؛ لأنَّ المتقي وغيره في التحريم سواءً ويحتمل أن يراد بالمتقي المسلم؛ أي: المتقي للكفر، ويكون النهي سببَ النزع، ويكون ذلك ابتداء التحريم، وإذا تقرَّر هذا، فلا حجةَ فيه لمن أجاز الصلاة في ثياب الحرير؛ لكونه -صلى الله عليه وسلم-لم يُعِد تلك الصلاة؛ لأن تركَ إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده: فعند الجمهور تجزئ لكن مع التحريم، وعن مالك يعيد في الوقت، والله أعلم".
571 -
فرع:
لو فاجأته الحربُ، فلم يجد إِلا الحريرَ، فلا بأس بلُبْسه.
572 -
فصل في لبس الجلود النجسة، واستعمال النجاسات في الأرض وغيرها
لبس جلد الكلب والخنزير وإِلباسُهما الخيلَ حرامٌ، وفيما عداهما من الجلود النجسةِ الأعيانِ خلافٌ.
ولو ألبس كلبًا جلدَ كلب، جاز على الظاهر، وفيه نظر؛ لما في ذلك من اقتنائه وملابسته، وقال الصيدلانيُّ: ملابسةُ النجاسة لغير حاجة حرامٌ، وأجاز أبو محمَّد لبسَ الثوب النجس، ودلَّ كلامُ الصيدلانيِّ على أنَّ استعمالَ النجاسة في البدن لا يجوز في حال الاختيار، وفي غير البدن؛ كالاستصباح بالزيت النجس وجهان، ولا خلاف في جواز تزبيل الأرض؛ لأجل الحاجة 1، ولا يُشترط في ذلك الضرورةُ؛ لأنَّ الناسَ لم يزالوا على ذلك، وقد نقل عن الصحابة.