كِتَابُ الظِّهَار
كِتَابُ الظِّهَار
2814 -
كلُّ مَن لحقها الطلاق صحَّ الظهارُ منها، وإِن كانت صغيرةً أو مجنونةً أو رجعيَّةً، وكلُّ مَن صحَّ طلاقُه صحَّ ظهارُه وإيلاؤه، إلّا الإيلاءُ في حقِّ المجبوب والرتقاء على الأصحِّ، ومَن لا يصحُّ طلاقُه لا يصحُّ ظهارُه ولا إيلاؤه.
والسكرانُ إن كان بحيث يخاطَب ويُجيبُ صحَّ ظهاره على الأصحِّ، وإِن خرج عن هذه الحالِ لم يصحَّ شيءٌ من تصرُّفه على الأصحِّ.
2815 -
فرع:
يصحُّ ظهارُ الذمِّيِّ، ويكفِّر بالعتق والإطعام دون الصيام، فإنْ ورث عبدًا مسلمًا، أو أسلم عنده، أو نفَّذنا شراءَه المسْلِمَ، أو استدعاه لعِتْقِه، فلْيُعْتِقْ، وإِن لم يكن شيءٌ من ذلك مع يساره فليس له الإطعامُ عند القاضي؛ لأنَّ الكفر ليس بعذرٍ في ترك الصيام، وفيما ذكره احتمال.
2816 - فرع: إذا ظاهر المرتدَّة بعد الدخول، فإن أسلمت في العدَّة صحَّ الظهار، وإلّا فلا.
2817 -
فصل في شراء الزوجة بعد الظهار
إذا حَرُمَتِ الزوجةُ بظهارٍ أو لعانٍ، أو بثلاثِ طلقات، فاشتراها الزوج، لم تحلَّ له على المذهب، وقيل: تحلُّ، وهذا بعيدٌ في اللِّعان إن جوَّزنا لعان الأَمَةِ، وحرَّمناها على التأبيد.
ولو اشتراها بعد الظهار وأعتقها، ثم نكحها قبل التكفير، صحَّ النكاح، ولم تحلَّ له اتِّفاقًا، ولو اشتراها عَقيب الظهار، ففي كون الشراء عودًا وجهان، فإنْ جعلناه عودًا، لم تحِلَّ على الأصحِّ، وإِن لم نجعله عودًا حلَّتْ بمِلْكِ اليمين؛ لأنَّ الشراء مناقضٌ للعود من جهةِ أنَّه قاطعٌ للنكاح.
2818 -
فصل في ألفاظ الظهار
الظهار: أن يشبِّه الزوجة بظهر أمه، فيقول: أنت عليَّ، أو: منِّي، أو: معي، كظهر أمِّي، أو: أنتِ كظهر أمِّي.
وإِن شبَّهها بغير الظهر كاليد والرجل والبطن صحَّ على أصحِّ القولين، وعلى القديم: لا يصحُّ؛ لأنَّه خلافُ عادةِ الجاهلية، فإن قلنا بالأصحِّ، فشبَّهها بعضوٍ يُشْعِرُ بالكرامة كالعين والروح؛ فإنْ أراد الكرامة قُبل، وإِن أراد الظِّهار صحَّ، وإِن أطلق فوجهان، والرأسُ كالعين أو اليد؟ فيه خلافٌ، والفرجُ كاليد أو الظهر؟ فيه طريقان.
وإِن شبَّهها بمحارم النسب صحَّ على الأصحِّ، والجدَّاتُ كالأمِّ عند الأكثرين، وقيل: كمحارم النسب.
وفي محارم الرضاع أقوال؛ ثالثها: إن لم يُعْهَد تحليلهنَّ له صحَّ الظهار، وإلّا فلا.
ومحارمُ الصهر: كمحارم الرضاع، أو لا يصحُّ التشبيه بهنَّ؟ فيه طريقان.
وإِن شبَّهها بظهر أبيه، أو بمُلاعَنَتِه، أو بمَن تحريمُها مؤقَّت كالمطلَّقة ثلاثًا، لم يصحَّ اتِّفاقًا؛ لانتفاء المَحْرَميَّة، وخروجِ الأب عن مَظِنَّة الاستحلال.
2819 -
فرع:
إن قال: أنت كأمِّي؛ فإن نوى الكرامةَ أو الظهار قُبل، وإِن أطلق فوجهان، وهذا مخالفٌ للأصول؛ فإنَّه إذا شبَّه ببعض الأمِّ صحَّ، وإِن شبَّه بالجميع ففيه الخلاف.
وإِن قال: لا أجامع فرْجَكِ، أو: لا أُولج ذَكَري فيه، صحَّ الإيلاء.
وإِن قال: لا أجامع بعضك، بطل عند صاحب "التلخيص"، وصحَّ عند أبي عليٍّ إن نوى بالبعض الفرجَ.
وإِن قال: لا أجامعُ نصفك، بطل عند أبي عليٍّ، وقال الإمام: إن أراد النصفَ الأسفل فهو كالإضافة إلى البعض، وإِن قصد الإشاعةَ فليس بصريحٍ، وفي كونه كنايةً احتمالٌ.
ولو قال: زنى دبركِ، أو: فرجُك، كان صريحًا في القذف، وإِن قال: زنى بدنُكِ، فوجهان، وإِن قال: زنى بدني، لم يكن صريحًا في الإقرار عند أبي عليٍّ، وخرَّجه الإمام على الخلاف.
2820 - فرع: يجوز تعليق الظِّهار بالإغرار؛ فإن علَّقه بصفةٍ، فوُجدت في نكاحٍ
آخر، فعلى قولي عَود الحنث، وإِن علَّق طلاقَ أجنبيَّةٍ، أو ظهارَها، أو الإيلاءَ منها، على نكاحها، فنكحها، لم يصحَّ إلّا على قولٍ غريبٍ بعيدٍ.
2821 -
فصل فيمن قال: أنت طالقٌ كظهر أمِّي
إذا قال: أنت طالقٌ كظهر أمِّي، طَلَقَتْ، وصار لفظُ الظِّهار كنايةً فيه، فإن نواه؛ فإن كان الطلاق رجعيًّا صحَّ الظهار، وإلا فلا، فإنْ راجَعَ بعد ذلك، أو ظاهَرَ من رجعيّةٍ، ثم راجعها، ففي كون الرجعة عودًا وجهان، وإِن بانت عقيب الظهار، فنكحها، ففي كون النكاح عودًا وجهان مرتَّبان، وأولى بنفي العود؛ لانقطاع النكاح.
2822 -
فصل فيمن قال: أنت عليَّ حرام، ونوى الظهار أو غيره
إذا قال: أنت عليَّ حرام، ونوى الظهار أو الطلاق، قُبل، وإِن نوى تحريمَ عينها لزمته الكفَّارةُ، وأَبعدَ مَن قال: لا تجبُ حتى يجامع، وقال: إن مضت أربعةُ أشهرٍ ففي جعله مُوْليًا وجهان.
وإِن نوى الإيلاءَ لم يصحَّ، وفيه وجهٌ غريبٌ.
وإِن نوى الظهارَ والطلاق معًا لم يقعا اتِّفاقًا، وهل يقع الطلاقُ لقوَّته، أو يتخيَّر بينهما؟ فيه وجهان.
وإِن نواهما على التعاقُبِ مع مساوقةِ لفظه، ففي إلحاقه بما لو نواهما
وجهان، فإن قلنا: لا يُلحق به، فإن قدَّم نيَّة الظهار صحَّ، ووقع الطلاقُ عقيبه، وانتفى العود، وإِن قدَّم نيّة الطلاق وقع، فإن كان رجعيًّا صحَّ الظهار، وإِن كان بائنًا لم يصحَّ.
وبنى الإمامُ هذا على أنَّ نيّة الطلاق إذا اقترنت بأوّلِ لفظِ الكناية دون آخِرِه، أو بآخره دون أوَّله، ففي وقوع الطلاق وجهان، فإن قلنا: لا يقع، فينبغي ألَّا يقع هاهنا طلاقٌ ولا ظهارٌ؛ لأنَّ نيَّة كلِّ واحد منهما لم تقترن بجميع اللفظ.
2823 -
فصل فيمن قال: أنت عليَّ حرام كظهر أمِّي
إذا قال هذا فله أحوال:
الأولى: أن ينويَ بالتحريم الطلاق، فيقع، ولا يصحُّ الظهار، وفيه قولٌ: أنّه يصحُّ الظهار؛ لصريح لفظه، ولا يقع الطلاق.
الثانية: أن ينويَ بالتحريم الظهارَ والطلاقَ، فلا يقعان، وهل يقع الطلاق، أو الظهار، أو يتخيَّر؟ فيه ثلاثة أوجه.
الثالثة: أن ينويَ بلفظ التحريمِ الطلاقَ، وبلفظِ الظهارِ الظهارَ، فيقع الطلاق على الأصحِّ، فإن كان رجعيًّا نفذ الظهار، ولا يثبت العودُ حتى يَرْتَجع، وأَبعدَ مَن أبطل الظهار تعليلًا بأنَّ لفظه غير مستقلٍّ، فلا يَصْلُح للكناية.
الرابعة: أن ينوي بالتحريم تحريمَ عينها، فإن جعلناه صريحًا في الكفَّارة وجبت الكفارة، وبطل الظهار، وكذا إن جعلناه كنايةً على المذهب، وإِن قلنا بالقولِ البعيد صحَّ الظِّهار، ولم تجب الكفَّارة.
الخامسة: أن يُطْلِقَ لفظ التحريم، ويقول: أنت عليَّ كظهر أمِّي، فإن جعلناه صريحًا في إيجاب الكفَّارة وجبت، وإِن جعلناه كنايةً صحَّ الظهار، ولغا لفظ التحريم، ولو قال: أردتُ بذلك طلاقًا، بل ظهارًا، صار مقِرًّا بهما عند الأصحاب، وقال أبو عليٍّ: ينبغي أن يُلحق بما لو نواهما معًا بلفظ التحريم.
2824 -
فرع:
إذا ظاهر من واحدة، وقال لأخرى: أشركتُكِ معها، أو: أنتِ شريكتُها، أو: أنت كهي؛ فإن لم ينوِ الظهار فليس بشيء، وإِن نواه فقولان مأخوذان من أنَّ الغالب على الظهار حكمُ الطلاق، أو الأيمان؟.
2825 -
فصل في الظهار من نسوة
إذا قال لأربع: أنتنَّ عليَّ كظهر أمِّي، وعقَّب ذلك بالطلاق، فلا عود، وإِن عاد لزمته أربعُ كفَّاراتٍ في أصحِّ القولين، فإن أوجبنا كفَّارةً واحدةً، فمات ثلاثٌ منهنَّ، أو طلَّقهنَّ عَقيب الظهار وعاد في ظهار الرابعة، وجبت الكفَّارة، وإِن غلَّبنا حكم الأيمان.
وإِن أوجبنا أربعَ كفَّارات، فتعقَّبَ الظهارَ موتُ إحداهنَّ أو طلاقُها، فلا كفَّارة عليه بسببها.
وإِن ظاهَرَ من كلِّ واحدةٍ منهنَّ بكلمةٍ على التواصُل، لزمه أربعُ كفَّاراتٍ إن عاد في ظهار الرابعة، وثلاثٌ إن لم يَعُدْ.
2826 -
فرع:
إذا قال: حرَّمتكنَّ، ونوى تحريم أعيانِهِنَّ، ففي تعدُّد الكفَّارة القولان.
2827 -
فصل في تكرير لفظ الظهار
إذا كرَّر لفظ الظهار في امرأة؛ فإن كان على التواصل، فإن نوى التأكيد قُبل، وتجب الكفَّارة وإن عاد بعد اللفظ الآخر، وإن لم يَعُدْ بعده لم تجب على المذهب، وأَبعد مَن جعل الاشتغال بالتأكيد عودًا.
وإن نوى تجديد الظِّهار بكلِّ كلمةٍ، تعدَّد الظهار بتعدُّد الكلم، وأبعدَ مَن خرَّجه على القولين في ظهار الأربع، فإن قلنا بالتعدُّد؛ فإن عاد بعد الكلمة الأخيرة وجبت كفَّاراتٌ بعدد الكلمات، وإن لم يَعُدْ بعد الأخيرة تعدَّدت الكفَّارات بعدد الكلم السابقات، وإن أطلق: فهل يُحمل على التأكيد، أو التجديد؟ فيه قولان.
وإن تقطَّع الكلمُ تقطُّعًا يمنع من التأكيد المعتاد فطريقان:
إحداهما للعراقيّين: إنْ تخلَّل التكفيرُ بين كلِّ كلمتين تعدَّدَ الظهار، وإن لم يتخلَّل فقولان أصحُّهما التعدُّد.
والثانية للمراوزة: إنْ قَصَدَ الاستئناف تعدَّد بعدد الكلمات، وإن أطلق فالوجهُ حملُه على الاستئناف، فإن قال: قصدتُ ما تقدَّم، لم يُقبل إن غلَّبنا حكم الطلاق، وإن غلَّبنا حكم الأيمان كان كتكرير لفظ الإيلاء مع طول الزمان.
2828 -
فصل في تعليق الظهار بالظهار
إذا قال: إن تظاهرْتُ من حفصةَ فعمرةُ عليَّ كظهر أمِّي، فظاهَرَ من حفصة، أو قال: إن تظاهرتُ من إحداكما فالأخرى عليَّ كظهر أمِّي، فظاهر من إحداهما، صحَّ الظهارُ فيهما.
ولو سمَّى أجنبيَّةً، وقال: إن تظاهرتُ من فلانةَ فأنت عليَّ كظهر أمِّي، ثم نكحها فظاهَرَها، صحَّ الظهار فيهما، وإن ظاهرها قبل النكاح لم يصحَّ ظهارُ الزوجة إلا أن يقصد التعليق على مجرَّد لفظ الظهار، فإنَّ ألفاظ العقود والحلول والظهار والتعليقات محمولةٌ على ما يصحُّ دون مجرَّد اللفظ.
وإن قال: إن تظهَّرْتُ من فلانةَ أجنبيّةً، أو: وهي أجنبيّةٌ، فأنت عليَّ كظهر أمِّي، فنكحها، وظاهرها، لم يصحَّ الظهارُ في القديمة، وإن ظاهر الأجنبيَّةَ قبل نكاحها صحَّ ظهارُ القديمة إن قصد التعليقَ على مجرَّد اللفظ، وإن لم يقصده لم يصحَّ، خلافًا للمزنيِّ وبعض الأصحاب.
وإن قال: إن تظاهرتُ من فلانةَ الأجنبيّةِ فأنتِ عليَّ كظهر أمِّي، فنكحها وظاهرها، صحَّ ظهارها، وفي ظهار القديمة خلافٌ مأخذُه: أنَّ الألف واللام للتعريف، أو الشرط؟.
2829 -
باب ما يوجب علي المتظاهر الكفّارة
إذا صحَّ الظهارُ جاز إمساكُ الزوجة، ولم يجب الطلاق، فإن عاد وجبت الكفَّارة، وحَرُمَ الوطءُ حتَّى يكفر بعتقٍ أو صومٍ أو طعامٍ، وفي تحريم سائرِ ضروبِ الاستمتاع كالقُبَلِ والعناق قولان؛ قال الإمام: لا يحرم شيءٌ من ذلك حتى تجب الكفَّارة، ووجوبُها بالعود.
فإن أجزنا الاستمتاعَ فله أن يستمتعَ وإن أفضى إلى الإنزال، وفيما بين السرَّة والركبة تردُّدٌ واحتمال؛ إذ ليس فيه خوفُ أذى، بخلاف الاستمتاع بذلك من الحائض.
ويَحْرمُ بالإحرام التقاءُ البشرتين بكل حال، ويَحْرمُ بالصوم الوطءُ، وكلّ ما يُخاف منه الإنزالُ، فإنْ أُمن الإنزال جاز الاستمتاع، وأَبعدَ مَن قال: لا يجوزُ إلا إذا انتفى عنه الالتذاذُ.
وتَحْرُمُ أنواع الاستمتاع بكلِّ سببٍ يؤثِّر في المِلْكِ، كالطلاق، وبكلِّ ما يُوجب الاستبراءَ عن الغير، كالعدَّة عن الأجنبيِّ في صلب النكاح، وبكلِّ ما يَحِلُّ لغير المالك، كتزويج الأمة، وكذلك المستبرأةُ التي لو ظهر أنَّها مستولَدةٌ لحرمت.
2830 -
فصل في بيان العود
في الظهار المطْلَق تستقرُّ الكفَّارة بالعود، وهو أن يمسكها في الظهار المطْلَق زمانًا يتمكَّن فيه من الطلاق، وقال في القديم: هو الوطءُ، ثم رجع عنه، فإنْ أبانها بعد وجوب الكفَّارة، ثم نكحها، لم تحلَّ له حتى يكفِّر وإن قلنا: لا يعود الحنث.
وإن مات أحدهما عقيب الظهار، أو جُنَّ الزوج، أو طلَّق، لم يثبت العود، فإن راجَعَ كانت الرجعةُ عودًا على الأظهر، وإن أفاق لم تكن الإفاقة عودًا، وغلط مَن ألحقها بالرجعة، فإنْ لم نجعل الرجعةَ عودًا، فأمسكها بعد الرجعة زمانًا يتَّسع للطلاق، صار عائدًا، وإن أبانها عقيب الرجعة لم يصر عائدًا إلّا إذا جعلنا الرجعة عودًا.
2831 -
فرع:
لو عقَّب الظهار بإبانةٍ أو طلاقٍ رجعيٍّ، فانقضت العدَّة، ثم نكحها، ففي عود التحريم والكفَّارة قولا عودِ الحنث.
2832 - فرع: إذا مضى بعد العود أربعةُ أشهر فلم يكفِّر، لم يُطالب بالفيئة على المذهب، وفيه شيءٌ بعيدٌ ذكره أبو عليٍّ.
2833 - فرع: إذا قال: إن لم أتزوَّج عليكِ فأنتِ عليَّ كظهر أمِّي، فمات ولم يتزوَّج، صار قُبيل الموت مُظاهِرًا غيرَ عائدٍ، وغلط مَن جعله عائدًا.
2834 -
فرع:
إذا شهد بشهادات اللعان، ثم ظاهر وعقَّب الظهار بكلمة اللعن، فليس بعائد.
ولو ظاهر، ثم عقَّب الظهار بشهادات اللعان، لم يَصِرْ عائدًا، خلافًا لابن الحدَّاد؛ لأنَّه متسبِّبٌ إلى الفراق.
ولو قذف عقيبَ الظهار، واشتغل بالرفع إلى الحاكم ليلاعِنَ من غير تقصير، ففي عوده وإن بقي أيّامًا وجهان.
وألزم الأصحابُ ابن الحدَّاد صورتين:
إحداهما: إذا قال عقيب الظهار: يا زينبُ أنتِ طالق، فيُحتمل أن يُمنع ذلك، ويُحتمل أن يُفرَّق بأنَّ مقصود النداء الطلاقُ.
الثانية: إذا اشتراها عقيب الظِّهار، ولم نجعل الشراء عودًا، وكذلك لو اشتغل بأسباب الشراء، وقال الإمام: إن تيسَّرت أسباب الشراء ففيه خلافُ ابن الحدَّاد، وإن تعسَّرت كان عائدًا.
2835 - فرع: إذا علَّق الطلاق بدخول الدار، ثمَّ ظاهر، واشتغل بأسباب الدخول، ففي كونه عودًا وجهان، ولو ظاهر، وعقَّب الظهار بتعليق الطلاق على دخول الدار، صار عائدًا.
2836 -
فصل في العود في الظهار المؤقت
إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمِّي سنةً، أو يومًا، ففي صحَّة ظهاره قولان،
وقال الإمام: إن قلنا بالقديم لم يصحَّ، وإن قلنا بالجديد فقولان مأخذُهما: تغليبُ الطلاق أو الأيمان؛ فإن صحَّحناه ففي تأبُّده وجهان، فإنْ أبَّدْناه كان عودُه كعود المُطْلَق 1 وإن وقَّتْناه فوجهان:
أحدهما: أنَّه كالمُطْلَق.
والثاني، وهو النصُّ: أنَّه الجماع، فعلى هذا يكون نفسُ الجماع عودًا.
وقال الصيدلانيُّ: بل يتبيَّن أنَّه بالجماع صار عائدًا بالإمساك عقيب الظهار، فيَحْرمُ عليه ذلك الجماع، كما لو قال: إن وطئتكِ فأنت طالقٌ قبل الجماع، وعلى قول غيره: إن اقتصر على تغييب الحشفة جاز على الأصحِّ، كمن علَّق الطلاق بالجماع، وإن غيَّب بعض الحشفة لم يثبت لذلك حكمُ الجماع.
2837 -
فرع:
إذا عاد بالجماع أو بالإمساك، فالأصحُّ وجوب كفَّارة الظهار، وقيل: بل تجب كفَّارةُ يمينٍ.
2838 - فرع: إذا قلنا: العودُ هو الإمساك، فطلَّق عقيب الظهار، ثم راجع، فإن وقعت الرجعةُ بعد المدَّة لم يكن عودًا؛ لانقضاء مدَّة الظهار، وإن وقعت في المدَّة فوجهان.
2839 -
فرع:
إذا أقَّت بخمسة أشهر، فمضت أربعةٌ قبل الوطء، فإن جعلنا العودَ بالإمساك لم يكن مُوْليًا، وكذلك إن جعلناه بالوطء، وفيه وجهٌ بعيدٌ.
2840 - فرع: إذا رأينا توقيت الظِّهار، فقال: أنت عليَّ حرامٌ سنةً، أو: يومًا، ثبت حكم التحريم على الأصحِّ، وقيل: لا يثبت؛ لأنَّه ورد مطلقًا.
2841 -
باب عتق الرقبة المؤمنة في الظِّهار
إيمانُ العتيق وسلامتُه من العيوب شرطٌ في جميع الكفَّارات، وكفَّارة الظهار مرتَّبة بالعتق، ثم الصوم، ثم الطعام.
ولو نذر عِتْقَ كافرٍ أو مَعِيْبٍ، معيَّنٍ أو في الذمَّة، لزمه الوفاء، وإن أطلق ففي إجزاء الكافر والمَعيب قولان مأخذُهما: أنّ النذر المطلَق مُنَزَّلٌ على أقلِّ الواجبات، أو أقلِّ القربات؟ فيه قولان.
2842 -
فصل فيما يصحُّ به الإسلام
ويصحُّ إسلام كلِّ مكلَّفٍ مختارٍ، فإن أُكره، فإن كان حربيًّا صحَّ إسلامه، وإن كان ذِمِّيًّا فوجهان، ولا حكم لألفاظ المجنون.
ولا يصحُّ إسلام الصبيِّ على المذهب.
وإنْ لَفَظَ الأعجميُّ بالإسلام، فإنْ عَلِمْنا أنَّه يَعْرِفُ معناه صحَّ، وإلا فلا.
ومن أتى بالشهادتين، وتبرَّأ من كلِّ ملَّة تخالفُ الإسلام، صحَّ إسلامه، وكذا إن لم يتبرَّأ على الأصحِّ، ولا يلزمُه أن يُعْرِبَ عن جميع قواعد العقائد اتِّفاقًا؛ لأنَّ التوحيد متضمِّنٌ لصفات الإله، والشهادةُ بالرسالة تتضمَّن تصديقَ
الرسول في جميع ما قال، فإنْ أبى بإحدى الشهادتين، فإن كانت على وفق ملَّته لم يصحَّ إسلامه، كمَن قال: محمد رسول الله، وهو يعتقد اختصاصَ رسالته بالعرب، وإن كانت على خلافِ ملَّته، كاعتراف اليهوديِّ أو النصرانيِّ برسالة محمدٍ، أو اعترافِ الوثنيِّ أو المعطلِ بالتوحيد، ففي صحَّة إسلامه طريقان:
إحداهما: لا تصحُّ حتى يأتي بالشهادتين.
والثانية للمحقِّقين: يُحكم بإسلامه، فإن امتنع من الشهادة الأخرى كان مرتدًّا، فعلى هذا: لو اعترف اليهوديُّ أو النصرانيُّ بصلاةٍ مِن صلاتنا، أو حكمٍ يختصُّ بملَّتنا ممَّا لو جحده مسلمٌ لكفر به، ففي الحكم بإسلامه وجهان:
أحدهما للمحقِّقين: يُحكم به، فإن امتنع من التصديق ببقيَّة الأحكام كان مرتدًّا (1).
2843 -
فرع:
يصحُّ إسلام الأخرس بالإشارة، وأَبعدَ مَن شَرَطَ إقامةَ صلاةٍ.
1
2844 -
باب ما يجزئ من الرقاب وما لا يجزئ
لا يجزئُ إعتاق المكاتَب؛ لأنه ناقصُ الرقِّ أو ناقصُ العتق، فإنَّه في حكم الإبراء، أو لأنَّ عتقه واقعٌ عن الكتابة، فلا يتأدَّى به حقَّان، فإن كانت الكتابةُ فاسدةً، وقلنا: لا يَسْتَتْبعُ الأكسابَ والأولاد، فإن علَّلنا بنقصِ الرقِّ أو نقصِ العتق أجزأ، وإلأ فلا.
ولا تُجْزِئُ أمُّ الولد إلا إذا جوَّزنا بيعَها.
ويُجزئُ المرهونُ والجاني إن نفَّذنا عتقهما، وكذا الغائبُ إن تواصلت أخباره، وإن غلب على الظنِّ هلاكُه؛ لانقطاع خبره، فقولان، فإن قلنا: يُجزئ، فأعتقه، جاز له الوطءُ في الظِّهار، وإن قلنا: لا يجزئ، فظهرت حياتُه، تبيَّن إجزاؤه.
ويُجزيء المغصوبُ بيد ظالمٍ لا يغالَب، وأَبعدَ مَن منع.
وإن اشترى مَن يعتق عليه بنيَّة الكفَّارة، صحَّ الشراء، ونفذ العتقُ ولم يُجْزِئه.
ومَن اشترى قريبه مَلَكَه ثم عَتَقَ، وإن اشترى نفسَه فهل يملكُها ثم يَعْتِقُ، أو يَعتقُ على ملكِ البائع؟ فيه خلافٌ يبتني عليه ثبوتُ الولاء.
2845 -
فصل في عتق الأشقاص
إذا ملك المُعْسِرُ نصفَ عبدين، فأعتقهما عن الكفَّارة، ففي الإجزاء أوجُهٌ؛ ثالثها: إن كان باقيهما حرًّا أجزأا، وإلّا فلا.
وإن أعتق وهو موسرٌ شقصًا من عبد مشترَك، وقلنا بتعجيل السِّراية، فإن نوى عتقَ الجميع عن الكفَّارة، ولَفَظَ بذلك، أجزأه، وكذلك إن لم يتلفَّظ على الأصحِّ، وإن نوى نصيبه وحده لم يُجْزِئْه الجميعُ اتّفاقًا، كمن أعتق نصفَ عبدٍ يملكُه عن الكفَّارة، وإن علَّقنا السِّراية بأداء القيمة، فإن نوى عتقَ نصيبه حين أعتق، فلمَّا أدَّى القيمة نوى حصَّة شريكه، أجزأه اتّفاقًا، كمن علَّق عتق الكفَّارة بدخول الدار، وأبعد أبو حامد، فشرط أن ينوي عتقَ الجميع حالَ إعتاق نصيبه، وإن نوى عتق الجميع حين أعتق وعزبت النيّة عند أداء القيمة، ففي إجزاء النيَّة السابقة وجهان، فإنَّ تقديم النيَّة لا يجوزُ مع الإمكان.
ولو أعتق عبدين كاملين، ونوى التكفير بنصفهما، فوجهان.
ولو لزمه كفَّارتان، فقال: أَعتَقْتُهما عن كفَّارتيَّ النصفَ من كلِّ واحدٍ منهما عن كفَّارةٍ، أجزأه على النصّ، وفيه دليلُ على إجزاء العتق في نصف عبدين.
وقيل: يُجزئ هاهنا، وإن مُنع ثَمَّ؛ لأنَّ القصد حصولُ عتق العبدين عن كفَّارتين.
ولو قال: أعتقتُهما عن كفَّارتيَّ أجزأه، وهل ينصرف إلى كلِّ كفَّارةٍ عتقٌ، أو يتوزَّعان؟ فيه وجهان؛ أظهرهما: أنَّه يقع عن كلِّ كفَّارةٍ عبدٌ.
2846 -
فصل في استدعاء العتق
إذا قال: أعتِقْ مستولَدَتَك بألفٍ، فأعتقها، عَتَقَتْ على المالك، واستَحَقَّ الألفَ فداءً، كخلع الأجنبيّ.
وإن قال: أَعْتِقْ عبدك عنِّي بألفٍ، فأعتقه، عَتَقَ على الطالب، ولزمه الألفُ.
وإن قال: أَعْتِقْه عنِّي، فأعتقه، عَتَقَ عن الطالب، ولم يلزمه شيءٌ، وذكر في "التقريب" في وجوب القيمة وجهين.
وقال الإمام: إن كان العتقُ المطلوب عن كفَّارةٍ ففيه الوجهان، كنظيره فيمن قال: اقْضِ دَيني، ولا يُخرَّج على ثواب الهبة المطلَقة، وإن كان عتقَ تبرُّعٍ فينبغي أن يُخرَّج على الخلاف في ثواب الهبات.
ومتى وقع العتقُ عن الطالب مَلَكَه، فإن كان بغير عوضٍ حُمل على الهبة، كمن اتَّهب عبدًا، وأعتقه قبل القبض بإذن الواهب، فإنَّه يَعْتِقُ على المتَّهب، وهل يحصلُ المِلْكُ مع طلب العتق، أو مع شروع المالك في لفظ العتق، أو عقيب لفظ العتق ثُم تترتَّب الحريةُ عليه، أو مع آخرِ لفظِ العتق ثم تترتَّب الحرية عليه، أو تقع الحرية والملكُ معًا عند أبي إسحاق؟ فيه خمسةُ أوجهٍ.
ولا يتَّجه الأوّل ولا الثاني، وقولُ أبي إسحاق هفوةٌ، والرابع والخامس مبنيَّان على أنَّ الطلاق والعتق: هل يقعان مع آخر لفظهما، أو يتعقبانه؟ وفيه وجهان.
ولو قال: أعتِقْ عبدك عن نفسك ولك عليَّ ألفٌ، فأعتقه، ففي وجوب
الألف وجهان، فإن قلنا: لا يجبُ، عَتَق عن المالك، وكذا إن أوجبناه على الأصحِّ.
ولو قال: أعتِقْ مستَوْلَدَتَك عنّي ولك ألفٌ، فأعتقها، لم يستحقَّ الألف؛ لتعذُّرِ نقل المِلْكِ، وفيه وجهٌ بعيد.
ولو قال: طلِّقْ زوجتك عنِّي ولك عليَّ ألفٌ، فأجابه، فالوجهُ لزوم الألف؛ إلغاءً لقوله: عنِّي، أو حملًا على معنى: لأَجْلي.
ولو قال: أَعْتِقْ عبدك ولك علئ ألفٌ؛ فإن قلنا: لا يجبُ العوض إذا قال: أعتقه عن نفسك، فالأصحّ أنَّه يُلحق بما لو قال: أعتقه عن نفسك، وقيل: يُلحق بما لو قال: أعتقه عنِّي، وإن قلنا: يجب العوضُ إذا قال: أعتقه عن نفسك، ورأينا إيقاعَ العتق عن المالك، فهل يقع هاهنا عنه، أو عن الطالب؛ فيه وجهان.
ولو قال: أعتقه عن كفَّارتي، وذكر عوضًا أو أطلق، فأعتقه، أجزأ عن الكفَّارة.
ولو قال: أعتقه عن نفسك ولك عليَّ ألف، فاعتقه عن كفَّارة نفسه، لم يُجزئه وإن قلنا: لا يستحقُّ الألف، فإنَّه لم يُخْلِص العِتْقَ لله -عز وجل-.
ولو قال الطالب: قل: إذا جاء الغدُ فعبدي هذا حرٌّ عنك بألف، فأجابه، فحُكْمُه حكم نظيره من الخلع، فيَعْتِقُ عن الطالب، ويقع تعليقُ الملك تبعًا للعتق، وهل تجبُ الألفُ أو القيمةُ؟ فيه خلاف.
وإن قال: أعتقه عنِّي على خمر، فأجاب، عتق عن الطالب اتِّفاقًا، فإنَّ العتق إذا قُوبل بالعوض الفاسد إيجابًا وقبولًا نفذ الطلاق.
2847 -
فرع:
قال الأصحاب: إذا قال: أعتقْهُ غدًا ولك ألفٌ، فأعتقه من الغد، عتق على الطالب، ولزمه الألفُ، وهذا مستدرَك عند صاحب "التقريب" والإمام؛ فإنَّ طَلَبَ العتق بالعوض مقتضٍ لاتِّصال الجواب، فليُلحق بنظيره من الخلع.
2848 -
فصل في النيَّة في الكفَّارات
تُشترط النيَّة في جميع الكفَّارات، ولا يُشترط تعيينُ السبب اختلفَ الجنسُ أو اتَّحد، فمَن لَزِمَه عتقٌ يجهل أنَّه عن قتلٍ، أو وطءٍ في الصوم، أو يمينٍ، أو ظهارٍ، أو لزمه عن ذلك صومٌ، أو طعامٌ، فنوى العتقَ عمَّا عليه، أو نوى الصوم أو الإطعام عمَّا لزمه، أجزأه.
ولو لزمه عتقٌ يَجهل كونَه عن كفَّارةٍ أو نذرٍ، فنوى العتقَ عمَّا لزمه، أجزأه عند القاضي، والظنُّ أنَّه يطَّرد ذلك في صوم النذر مع صوم الكفَّارة، وفيما قاله احتمال.
ولو لزمه صومٌ عن كفَّارة، وعتقٌ عن أخرى، وطعامٌ عن ثالثةٍ، فأطعم وأعتق وصام بنيَّة الكفّارة، أجزأه إذا لم يعيِّن، وانصرف كلُّ واجبٍ إلى جهته.
ولو أطعم مئةً وعشرين مدًّا عن كفَّارتين، أو صام أربعةَ أشهرٍ ولم يعيِّن، أجزأه.
ولو صام شهرًا عن كفَّارة، ونوى بالثاني كفَّارةَ أخرى، لم يجزئه
الأوّل؛ لانقطاع التتابع.
ولو أطعم مدًّا عن كفَّارة، ومدًّا عن أخرى، وهكذا إلى مئةٍ وعشرين مدًّا، أجزأه؛ إذ لا تتابُع في الإطعام.
2849 -
فرع:
إذا لزمه كفَّارةُ قتْلٍ، فنوى التكفيرَ مطلقًا، أجزأه، ولو حسِبَها كفَّارةَ ظهار فنواها، ثم تبيَّن أنَّها كفَّارةُ قتلٍ، لم يجزئه؛ فإنَّه إذا عيَّن السبب فلا بدَّ من إصابته، فإنَّ مِن شَرْطِ الواجب أن يندرج تحت إطلاق النيَّة.
2850 - فرع:
يكفِّر الكافر الأصليُّ بالعتق والطعام دون الصيام، وإن ارتدَّ بعد وجوب الكفَّارة، فإن بقَّينا مِلْكَه كفَّرَ بالعتق والطعام، وإن أزلناه: فهل يبقى عليه قَدْرُ الكفَّارة من العتق أو الطعام؟ فيه وجهان.
ويُبَقَّى قَدْرُ ديونه اتّفاقًا، وقال الإصطخريّ: لا يُبقَّى مِلْكُه على قدر الدَّين.
فإنْ أراد بذلك الدَّينَ الواجبَ قبل الردَّة، فقد خالَفَ الناس، وإن أراد به ما يجبُ بعد الردَّة فلا يجوزُ خلافه.
وفي "التقريب" وجهٌ: أنَّا لا نُخرِجُ من ماله إلا أقلَّ واجبٍ في الكفَّارة.
ولعلَّه يريدُ به الكفَّارة المخيَّرة.
2851 -
باب ما يجزئ من العتق في الرقاب الواجبة
يُشترط في الرقبة المعتَقَة في جميع الكفَّارات: السلامةُ من كلِّ عيبٍ يَنْقُص العملَ نقصًا ظاهرًا، ولا عبرةَ بعيبٍ يُثبت الخيار في البيع إذا لم يضرَّ بالعمل إضرارًا بيِّنًا، فلا يجزئ الأعمى، ولا مقطوعُ إحدى اليدين أو إحدى الرجلين، ولا من قُطعت إبهامه أو مُسَبِّحتُه أو وسطاه أو الخنصر والبنصر من إحدى اليدين، فإن قُطعت أصابع الرجلين أجزأه اتّفاقًا.
وإن قطعت الخنصر من يد، والبنصرُ من أخرى، أو كان به عيبٌ يَنْقص الماليَّةَ دون العمل، أو ينقصُ العمل نقصًا يسيرًا؛ كالعَوَر والحَوَل والبَرَص والبَهَق والخَرَق وضَعْف الرأي والقَرَع والوَكَع والكَوَع، أجزأ، ولا بأس بقطع الأَنْمَلَة إلا من الإبهام، وقطعُ أَنْمَلَتين من كلِّ إصبع كقطع تلك الإصبع، وفي قطع الأنامل العليا من جميع الأصابع نظرٌ وتأمُّلٌ.
2852 -
فرع:
لا يجزئ المجنون، فإن تقطَّع الجنونُ أجزأ على النصِّ، وقال الإمام: إن كانت أوقاتُ الجنون أكثرَ فما أظنُّ الشافعيَّ يُجيز ذلك، وإن استويا ففيه احتمالٌ.
2853 -
فرع:
المرضُ المانع من العمل إن رُجي زواله أجزأ، فإن مات منه ففيه تردُّدٌ، والظاهرُ الإجزاءُ، وإن كان مأيوسَ الزوال؛ فإن مات منه لم يُجزئ، وإن برئ فالظاهرُ الاجزاءُ، وفي الأخرس طرقٌ:
إحداهن: لا يُجزئ إلَّا من يُفْهِم بإشارته.
والثانية: الإجزاء، إلا أن يَجمع الخَرَسَ والصَّمَمَ.
والثالثة: قولان يجريان في الأصمِّ الأصلخ، والأصحُّ الإجزاء.
2854 - فرع: يجزئ الطفلُ ابن يوم، وإن أعتق حَمْلًا وقلنا: إنَّه يُعرف، فلا يُجزئه قبل الوضع اتِّفاقا، فإن انفصل حيًّا، وعلمنا أنَّ العتق صادف حياتَه، فظاهرُ كلام المراوزة: أنَّه لا يجزئ، وأشار العراقيُّون إلى تردُّدٍ واحتمال.
2855 -
باب من له الكفارة بالصوم
إذا فقد الرقبةَ وثمنَها، أو وجدها مع احتياجه إلى خدمتها؛ لمروءةٍ تَنْقُصُ بخدمته لنفسه، أو زمانةٍ أو مرضٍ، أو وجد مسكنًا بقَدْرِ حاجته، فله أن يصوم، وإن كان له مالٌ لا يخرجه عن حدِّ المسكنة، أو مَلَك مالًا لو اشترى منه الرقبة لصار إلى حدِّ المسكنة، فله أن يصوم على قياس قول الأصحاب؛ فإنَّ التضرُّر بهذا أشدُّ من التضرُّر بترك المروءة التي يَرْجع معظمُها إلى رعونات النفوس.
2856 -
فرع:
إذا كان المسكن متَّسعًا يكفي بعضُه للسكن، وتحصُلُ الرقبة بباقيه، لم يَصُم، وإن كان له عبدٌ نفيسٌ يحتاج إليه لضرورةٍ أو مروءةٍ، أو مسكنٌ نفيسٌ بقَدْرِ الحاجة، ولو باع العبدَ والمسكنَ لحَصَلَ بثمن العبد عبدٌ للخدمة وعبدٌ للكفَّارة، وبثمن المسكنِ عبدٌ للكفَّارة ومسكن في محلَّةٍ أخرى؛ فإن لم يألفهما لقُرْبِ عهدهما لم يصم، وإن أَلِفَهما صام على أظهر الوجهين.
2857 - فرع: إذا غاب مالُه لم يَصم في كفَّارةٍ مرتبة، وفي كفَّارة الظهار مع كونها مرتَّبةً وجهان؛ لتضرُّره بتأخُّر الغشيان.
والصومُ شهران هلاليَّان متتابعان، وإن عمَّهما النقصان؛ فإن انكسر الأوَّلُ أكمل ثلاثين من الثالث، وأجزأه الثاني إن كمل، وكذا إن نقص على الأصحِّ، ولا تجب نيَّةُ التتابع، أو تجب في الليلة الأولى، أو في جميع الليالي؟ فيه أوجهٌ أصحُّها: أوَّلها.
وإن أفطر بإغماءٍ أو سفرٍ أو مرضٍ يُباح بمثلهما الفطرُ في رمضان جاز، وفي انقطاع التتابع بالمرض والإغماء قولان، وفي السفر قولان مرتَّبان أظهرهما الانقطاعُ، ولا ينقطع بالحيض.
ولو نسي النيَّة في اليوم الأخير، أو تعمَّد إفساده، لم يجز الماضي عن الكفَّارة، وهل يَبْطُلُ أو ينقلبُ نفلًا؟ فيه قولان يجريان في كلِّ عبادة مفروضةٍ يفتقر فرضُها إلى شرطٍ لا يفتقرُ إليه نفلُها.
وقال الإمام: يُحتمل أن يُلحق نسيانُ النيّة بالأعذار، لكنْ قطع الأصحاب بالبطلان من جهةِ أنَّ النسيان لا يؤثِّر في ترك المأمورات.
ولو أفطر في صوم الكفَّارة بغير عذرٍ بَعُد جوازُ ذلك، وإن ترك النيَّة لغير عذرٍ: فهل يُمنع لِمَا فيه من إبطال الفرض السابق، أو يجوز لتراخي الكفَّارة؟ فيه احتمال.
2858 -
فصل في بيان وقت اليسار والإعسار في الكفَّارات
إذا كان موسرًا عند وجوب الكفَّارة المرتَّبة، معسِرًا عند أدائها، أو بالعكس، فالاعتبارُ بحالِ الوجوب، أو الأداء، أو بأغلظهما؟ فيه أقوالٌ.
فإن اعتبرنا حال الوجوب، فكان موسرًا عنده مُعْسِرًا عند الأداء، لم يبرأ إلا بالعتق، وإنْ أَعْسَر بعد ذلك لم يُجْزِه، وإن كان معسرًا عند الوجوب لزمه الصوم، فإن كان عبدًا، فكفَّر بالعتق بعدما عتق، أجزأه على الأصحِّ، وقيل: لا يجزئه؛ لأنَّه لم يكن مُتَصَوَّرًا منه عند الوجوب، وإن كان حرًّا مُعْسِرًا، فكفَّر بالعتق بعد اليسار، أجزأه، وأَبعدَ مَن خرَّجه على الخلافِ في العبد.
ولو صام المعسر، ثمَّ وجد الرقبةَ في أثناء الصوم، أجزأه الصوم، خلافًا للمزنيِّ وبعض الأصحاب.
وإن اعتبرنا حالَ الأداء، نظر إلى صفته حالَ تعاطي التكفير، فإن صام لإعساره، ثم وجد الرقبة، لم يلزمه عتقُها.
وإن اعتبرنا الأغلظ، فاقترن اليسارُ بحال الوجوب أو الأداء لم يبرأ إلا بالعتق، وإن اقترن بهما الإعسارُ وتخلَّلهما يسارٌ، كفَّر كفَّارة المعسر؛ إذ لا أثر لليسار إلا في حال الوجوب، أو في حال تعاطي الأداء.
2859 -
باب الكفارة بالطعام
إذا عجز مَنْ فرضُه الصومُ بِهَرَمٍ أو مرض يُباحُ بمثلهما الفطرُ في رمضان، فله أن يُطعم، وكذا إن سافر سفرًا يُباح بمثله الفطرُ في رمضان، ولم يَشترط الأصحاب ملازمةَ المرض بحيث يَبْعُدُ في الظنِّ زوالُه، وهذا مشكِلٌ في السفر، وأمَّا المرض؛ فإنْ توقَّع بقاءَه شهرين، أجزأه الإطعامُ وإن شفي بعد الإطعام عن قُرْبٍ، ولو طرأ مرضٌ يُعلم زواله بعد يومٍ أو يومين، فإنَّه يبيح الفطر، ولا يجوزُ الإطعام عند الإمام.
ولو أفرطتْ به الغلمةُ لم يُفْطِرْ في رمضان اتِّفاقًا، وهل يُطعم في الكفَّارات؟ فيه وجهان.
والطعامُ: ستُّون مُدًّا بمدِّ رسول الله -صلي الله عليه وسلم- من الطعام المجزئ في الفطرة لستِّين مسكينًا ممَّن يجوز للمكفِّر صرفُ زكاته إليهم، ويُشترط التمليكُ في ذلك، وألَّا ينقصوا عن ستِّين، فإن دفع ستِّين مدًّا إلى مسكينٍ واحد في ستِّين يومًا، أو غدَّى الستِّين وعشَّاهم بذلك، لم يُجْزِئه، ولو قال لهم: خذوا هذا الطعام، فأخذوه، وجَهِلَ ما صار إلى كلِّ واحد منهم، لم يُجزئه إلا مدٌّ واحد.
2860 -
فرع:
إذا قال: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ عليَّ كظهرِ أمِّي، أو: إن دخلتِ الدار
فوالله لا أضربُك، ثم كفَّر قبل الضرب، وقبل دخول الدار، لم يجزئه على الأصحِّ، وكذا لو قال: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ عليَّ كظهر أمِّي، ثم قال: إن دخلتِ الدار فعبدي حرٌّ عن ذلك الظهار، ثمَّ أعتقه عن الكفَّارة قبل دخول الدار.