الغاية في اختصار النهايةكتاب الشفعة

كتاب الشفعة

1970 -

لا شفعة إِلا في العقار وتوابعه، كالأبنية والأشجار؛ فإِن أفردهما بالبيع فلا شفعة فيهما على المذهب، وقيل: إِن منعنا الشفعة فيما لا يقسم 1 فلا شفعة فيهما، وإِن أثبتناها، أو فُرِضَ جدارٌ عريض يَقبل القسمة، أو سقفٌ يقبلها، ففيه قولان.

ولا تجب الشفعةُ إِلا في سهمٍ شائع من عقار قابل لقسمة الإِجبار، فلا شفعة للشريك في الممرِّ والمسيل وغيرهما من حقوق الأملاك، ومال ابن سُريج إِلى إِثباتها للجار، ولو قضى حنفيٌّ لشافعيٍّ بشفعة الجار، فلا اعتراض عليه في الظاهر، وفي الحِلِّ باطنًا وجهان يجريان في نظائر ذلك، كتوريثِ ذوي الأرحام.
ولا إِجبار على قسمة ما لا ينفع بعد الاقتسام كالقنوات والآبار، وإِن بقي انتفاعٌ ففي شرطه أوجه: أحدها: بقاء الانتفاع القديم بأن يُتَّخذ من حصص الحمَّام حمَّامات، ومن الرَّحى أرْحِيةً.
والثاني: ألَّا يتفاحش نقص القيمة، فإِن نقصت الحصص من خمسين

إِلى ثلاثين فلا إِجبار.
والثالث: بقاء أصل الانتفاع؛ كاتِّخاذ المساكن من الرحى والحمام.
والمذهب الأوَّل، وعليه التفريعُ، فلو ملكا حُجرةً لأحدهما عشرُها، ولو قُسمت لكان الكثير مسكنًا، وخَرَج القليل عن الصلاحية للسكنى، فإِن طلب القسمة صاحبُ العشر فلا إِجبار، وإِن طلبها مالك الكثير فوجهان، فعلى هذا إِن بِيع القليل فلا شفعة فيه، وإِن بيع الكثير فوجهان.

1971 -

فصل فيما يؤخذ به الشقص

لا شفعة إِلا فيما مُلك بمعاوضة، فيأخذ الشفيع الشقص ببذْل عِوَضه 1؛ إِن كان مثليًّا فبمثله قدرًا ووصفًا، وإِن كان متقوِّمًا فبقيمته يوم الشراء، فإِن كان الشقص أُجرةً، أو صَداقًا، أو بدلًا في خُلعٍ أو صلحٍ عن دمِ عمدٍ، أخذه الشفيع بأجرةِ المثل، وصَداقِ المثل، وديةِ الدم.
ولو أصدقها دراهم، وعوَّضها عنها شقصًا، أُخذ بمثل الدراهم.
وإِن كان الثمن مئةً منًّا من حنطة، كِيلَ وأُخذ الشقص بمثله كيلًا، ولا يجوز أخذه بالوزن خلافًا للقاضي، فإِن أتلف الثمن أخذ المثل بالكيل، فإِن تعذَّرت معرفةُ المِثْلِ أُلحق بالثمن المجهول.
ولو أقرض الحنطة وزنًا لم يجز خلافًا للقاضي.
ولو أقرض دراهم مجهولةً لم يصحَّ اتِّفاقًا، إِلا أن يشرط أن يتعرَّف

قَدْرَها قبل تفويتها، فيجوز على الأصحِّ.

1972 -

فرع:

إِذا كان الثمن مشاهَدًا مجهول القدر، كحفنة دراهم، أو صُبرةٍ مجهولة؛ فإِنْ تمكَّن الشفيع من معرفته أُخذ به، وإِن عَسُرَ ذلك؛ فإِن تصادقا على جهالته فلا شفعة، وإِن ادَّعى المشتري الجهالةَ أو النسيان بعد المعرفة، وأكذبه الشفيع فله حالان: إِحداهما: أن يدَّعي وقوع البيع بألفٍ مثلًا، فالذي يقتضيه النصُّ تحليفَ المشتري على نفي العلم، فإِن نكل حلف الشفيع على البتِّ، وقُضي له، وقال ابن سريج: يُحلَّف المشتري على البتِّ، فإِن أصرَّ على نفي العلم جُعل ناكلًا، وحلف الشفيع وقُضي له، كما لو ادَّعى مالًا على إِنسان من قرض أو إِتلاف أو غيرهما من الأسباب، فقال: لا أدري، فلا يكفي جوابه بذلك، وإِن أصرَّ عليه جُعل ناكلًا، لكنَّ الفرق: أنَّ الشفيع لا يدَّعي استحقاق ما عيَّنه من الثمن، وإِنَّما يدَّعي استحقاق الشقص مستندًا إِلى بيعٍ عُقِد بالثمن المعيَّن.
الثانية: أن يقول الشفيع: اشتريتُ بثمن معلوم لا أعرفه، فلا تُسمع دعواه على النصِّ، وقال ابن سُريج: يُقال للشفيع: خمِّن قَدْرًا وادَّع به، ولا يُقنع من المشتري بنفي العلم؛ فإِن أصرَّ عليه حُكم بنكوله، وإِن حلف على البتِّ قيل للشفيع: إِن أردت الشقص فزد في الثمن، وحلِّف المشتري على البتِّ، ولا يزال كذلك حتى يدَّعي قدرًا ينكل عنه المشتري، فيحلف عليه الشفيع، ويأخذ الشقص، وهذا ضعيف؛ لِمَا فيه من تجويز يمينٍ

لا مستَنَدَ لها

1973 -

فصل في وقت الشُّفعة

الشفعة على الفور أو التراخي؟ فيه قولان، فإِن قلنا بتراخيها ففي تأبُّدها قولان، فإِن قلنا: تتأبَّد، فهل تَبطل بدلالة الإِبطال، أو يُشترط التصريح بالإِبطال؟ فيه قولان، وإِن قلنا: لا تتأبَّد، فقولان: أصحُّهما: أنَّها تتقدَّر بثلاثة أيَّام.
والثاني: تتقدَّر بما يُعدُّ الشفيع في مثله متروِّيًا.
والمذهب: أنَّها على الفور، كخيار الخُلْف والعيب، وأمَّا قتلُ المرتدِّ وتاركِ الصلاة، ونفيُ الولد باللِّعان، وتطليقُ المولَى، وفسخُ النكاح بالإِعسار، فهل يثبت على الفور، أو يتقدَّر بثلاثة أيَّام؟ فيه قولان.
فإِن قلنا بالتأبيد، فللمشتري أن يرفع الشفيع إِلى الحاكم؛ ليُلزمه بالأخذ أو الإِبطال، وفيه قولٌ أنَّه لا يملك ذلك؛ اعتبارًا بحقِّ القصاص.
فإِن أبطلناه بدلائل الإِبطال كالعلامات، فقال: بِعْنِيه بكذا، أو: هبنيه، فهو دلالةٌ عند الأكثرين، وإِن قال: بعه - أو: هبه - ممَّن شئتَ، فهو دلالة عند الإِمام، ولو أخَّر الطلب، أو رأى المشتري يتصرَّف بالغرس والبناء، فسكت، لم تبطل الشفعة اتِّفاقًا.
وإِن قدَّرناها بثلاثة أيَّام، فوجد فيها دلائل الإِبطال، فالأشبهُ أنَّها تبطل، ويُحتمل أن يُشترط التصريح.

وإِن فرَّعنا على الفور، بطلت بكلِّ ما ينافي البِدار، كالتقصير والتأخير، ويُرجع في الفور إِلى العادة على قول الاكثرين، فإِذا لم يصدر منه ما يدلُّ على التواني فحقُّه باقٍ، فإِن كان في شغل فأكمله؛ كالأكل وصلاة النافلة والاستحمام، فلا بأس، وإِن وصل شغلًا بشغلٍ بطل حقُّه إِلا من ضرورة مُرْهِقة، وأبعدَ مَن قال: يلزمه الطلب، كما علم، وأن يقطع الأكل والتنفُّل والاستحمام.
فإذا بادر بمطالبة المشتري، أو ترك مطالبة المشتري وابتدر بالرفع إِلى الحاكم، أو وكَّل في ذلك على الفور، أو تعذَّر طلبُها بنفسه وبوكيله، أو كان محبوسًا بظلم، فشفعتُه باقية، وإِن عجز عن الطلب بنفسه، وقدر على ابتدار التوكيل، فوجهان؛ لِمَا في التوكيل من تحمُّل المنَّة، أو بذل الأجرة، واختار الإِمام ابتدارَ التوكيل ما لم يكن بذلُ مالٍ؛ لخفة المنَّة في ذلك.
وإِن حبس بحقٍّ يقدر على أدائه بطل حقُّه، وإِن كان غائبًا لزمه ابتدار السفر إِلى المشتري بنفسه، أو توكيلُه إن كان السفر آمنًا، فإِن ظفر بالمشتري قبل المسافرة طالبه على الفور، ولا يؤخِّر الطلب إِلى بلد الشقص، وإِن عجز الحاضر بخوفٍ أو مرض، أو تعذَّر سفر الغائب لعدم الرفاق، ففي وجوب الإشهاد على الطلب قولان، ظاهر المذهب: أنَّه يجب، وإِن ابتدر السفر ففي الإِشهاد قولان مرتَّبان، وأولى بألا يُشرط.
وإِن قدر الحاضر على الطلب، وقلنا: لا يَقْطَعُ الأشغال، كالأكل ونحوه، فالظاهرُ سقوط الإِشهاد، وإِذا تعذَّر الإِشهاد ولم يلزمه التلفُّظُ بأنَّه على الطلب، وإِن اطَّلع المشتري على عيب، ففي اشتراط تلفُّظه بالفسخ

قبل لقاء البائع وجهان.

1974 -

فرع:

يُستحبُّ للشريك ألا يبيع حتى يعرض الشقص على شريكه، فإِن عرضه، فزهد فيه، لم تبطل شفعته بذلك، وإِن ضمن الثمن أو دَرَكَه، أو ضمن درك المبيع، وقلنا بالفور، لم تسقط شفعتُه، وإِن توكَّل في بيع الشقص أو شرائه ففي بطلانها وجهان.

1975 -

فصل فيمن أخَّر لسبب ثمّ بان خلافه

إِذا أخَّر، ثم طلب، سُئل عن سبب التأخير؛ فإِن قال: لم أعلم بالشراء، فالقول قوله مع يمينه، وإِن قال: لم أصدِّق المخبِر؛ فإِن أخبره عدلان، أو تواتر الخبر، لم يُقبل قوله، وفي العدل الواحد وجهان، وإِن كان المخبِر صبيًّا أو كافرًا أو عبدًا لم يسقط حقُّه، وألحقه الإِمام بالرواية، فقَبِلَ فيه قولَ الواحد العبد.
وإِن أُخبر بأمر، فتوانى أو عفا، ثمَّ بان خلافه، سقط حقُّه إِلّا أن يكون له غرض ظاهر، فإِن أُخبر أن الثمن ألف، فبان أقلَّ، أو أُخبر بألف صحاح أو حالٍّ، فبان مكسَّرًا أو مؤجَّلًا، لم تبطل شفعته، وإِن أُخبر بأنَّ المشتري زَيدٌ، فبان غيرَه، أو بأنَّ النصف بِيعَ بمئة، فبان أنَّ الكلَّ بمئة، أو بأنَّ الكلَّ بمئة، فبان النصفُ بخمسين أو بالعكس، أو بمئة دينار، فبان بألف درهم، لم تبطل شفعته.

ولو أخبر بألف مكسَّر، فبان بألفٍ صحاح، أو بمئة، فظهر بمئتين، أو بمؤجَّلٍ فبان بالحالِّ، بطلت الشفعة.
وإِن أخبر بألف درهم فبان بمئة دينار، فحقُّه باقٍ عند القاضي، وأسقطه الإمام من جهةِ أنَّ الألف في الغالب أقلُّ من مئة دينار.
وإِن أُخبر بألفي درهم، فبان بمئة دينار تساوي الألفين، ففيه احتمال.

1976 -

فصل في التسليم على المشتري وسؤاله عن الثمن

ولا تبطل الشفعة بتسليم الشفيع على المشتري قبل الطلب إِلا إِذا شرطنا قطع الأشغال، فلا يَبعد الإِبطال، وإِن قال: بارك الله لك في صفقة يمينك، يعني: في الشقص، فحقُّه باقٍ عند العراقيِّين، وقياسُ المراوزة الإِبطال.
وإِن جهل قَدْرَ الثمن، فقال: بكم اشتريت؟ سقطت عند العراقيِّين، وقياسُ المراوزة بقاؤها.
وإِن سأل عنه مع معرفةِ قَدْرِه، ففيه احتمال، وقد ذُكر في موضع آخر أنَّه إِذا قال: بكم اشتريتَ؟ أو: لقد اشتريت رخيصًا، بطل حقُّه عند الأصحاب، خلافًا للقاضي في الصورة الأولى، وإن قلنا بالتراخي لم يبطل بالسلام، ولا بالبحث عن الثمن، وما أشبههما.
ولو قال: بارك الله لك في صفقة يمينك، لم يبطل عند العراقيِّين، وقياسُ المراوزة: تخريجه على الخلاف في أدلَّة الرضا.

1977 -

فرع:

إِذا أخَّر ثمَّ ادَّعى الجهل بالفور؛ فإِن كان لائقًا بحاله صُدِّق بيمينه.

1978 -

فصل فيما يُملك به الشقص

لا خلاف أنَّ مِلْكَ الشقص لا يقف على عقد، ولا على رضا المشتري، وأنَّه يُملك بتسليم البدل إِلى المشتري، أو بأن يرضى المشتري بتسليم الشقص راضيًا بذمَّة الشفيع، فإِن رضي بذلك ولكن لم يسلِّمه حصل المِلْكُ على الأصحِّ، وقيل: لا يحصل إِلا بالقبض، ولا نشترط في الرضا إِيجابًا وقبولًا، بل تكفي 1 مقابلة الرضا بالرضا، ولو ظهرت مخائل الرضا في مقابلةِ رضا المشتري كفى.
وإِن طلب الشفعة، فحكم له القاضي، ففي حصول المِلْكِ وجهان؛ فإِن قلنا: يحصل، ففي حصوله بالإِشهاد على الطلب وجهان، وإِذا حصل الملك بتسليم الثمن، أو بدفع الشقص برضا المشتري فلا خيار للمشتري، وفي خيار الشفيع في مجلس التسليم وجهان؛ فإِن قلنا بالخيار انقطع إِن فارق الشفيعُ المجلس، وِإن فارقه المشتري فوجهان.
قال الإِمام: إِذا أثبتنا الخيار، وقلنا: إِنَّه لا ينتقل ملك المتبايعين، فينبغي ألا يحصل ملك الشفيع إِلا بانقضاء الخيار، وإِن قلنا: يَمْلِكُ بالقضاء أو الإِشهاد، فأخَّر دفْعَ العوض، انتقض مِلْكه، وفي توقُّف انتقاضه على

الرفع إِلى الحاكم وجهان، وإِن قلنا: لا يحصل الملك بالإِشهاد والقضاء، فالأصحُّ أنَّا لا نشرط 1 من الفور في تأدية الثمن ما نشرطه 2 في طلب الشفعة، ويكفيه أن يشتغل بالتأدية اشتغالًا لا يُعدُّ مثلُه متوانيًا، وضبطه الأصحاب بكلِّ اشتغالٍ لا يوجب الحبس في الديون، فإِن طال بحيث يثبت الحبس بمثله في الدَّين، لم يُحتمل، وإِن اسْتَمْهَلَ لبيع العقار؛ فإِن لم يكن مرغوبًا فيه سقطت الشفعة، وإِن كان مرغوبًا، ولكن تباطأ بيعه، فإِنَّه يُحبس بمثله في الدين، وفي سقوط الشفعة احتمال، وهذا كلُّه تفريع على الفور، وللمشتري أن يحبس الشقص إِلى قبض العوض اتِّفاقًا، فإِن ملكه برضا المشتري، ثم تنازعا في البداية، خُرِّج على أقوال البداية في البيع، ويُجعل الشفيع بمنزلة المشتري، والمشتري بمنزلة البائع.

1979 -

فرع:

إِذا تملَّك ببذْل العوض، ثمَّ بان استحقاق العوض، فقد بان أنَّ الملك غير حاصل، وإنْ ردَّ العِوضَ بعيبٍ، ففي تبيُّن عدم حصول الملك احتمال.

1980 - فرع: إِذا حكمنا بالملك بالقضاء أو الإِشهاد، فتأخَّر حقُّ المشتري، فله نقضُ المِلْك، وكذلك للشفيع نقضُه على 3 مدلول كلام الأصحاب، خلافًا

لصاحب "التقريب" وأبي محمد، وليس للشفيع النقضُ إِذا تملَّك بتسليم الثمن، أو برضا المشتري وانقضاء الخيار.

1981 -

فرع:

إِذا أشهد على الطلب، لم ينفذ تصرُّف المشتري اتِّفاقًا، وقال الإِمام: إِن أثبتنا المِلْكَ لم ينفذ، وإِن لم نثبته فالظاهر النفوذ، ثمَّ ينقضه الشفيع إِن أراد.

1982 - فرع: إِذا ملك الشقص بتسليم الثمن، فإِنْ قَبَضَه نفذ تصرُّفُه فيه، وإِن لم يقبضه فوجهان، وإِن أثبتنا الملك بالقضاء أو الإِشهاد لم ينفذ تصرُّفه اتِّفاقًا، وإِن ملك برضا المشتري فالظاهر منعُ التصرُّف إِلى أن يقبض العوض.
هذا إِن أثبتنا للمشتري حقَّ الحبس.

1983 -

فصل في اختلاف الشفيع والمشتري

إِذا طلب الشفعة، فأنكر المشتري مِلْكه، أو اعترف بالملك وأنكر الشراء، حَلَف 1 على نفي العلم بالملك ونفي الشراء، وإِن اختلفا في قدر الثمن ولا بيِّنةَ، أو تعارضت بيِّنتاهما وقلنا بالتهاتُر، فالقولُ قول المشتري مع يمينه، وإِن شهد البائع للمشتري لم يُقبل قبل قبض الثمن ولا بعده، وإِن شهد للشفيع بعد قبض الثمن لم يُقبل، وفيما قبل قبضه وجهان من جهةِ أنَّه ينقض

حقَّه، فانتفت التهمة بذلك، وإِن صدَّق المشتري الشفيعَ في كلِّ ما ادَّعاه، وادَّعى عليه ما يُسقط الشفعة - كالتقصير وغيره - فالقولُ قول الشفيع.

1984 -

فصل في ردِّ الشقص بالعيب ورجوع نصفه بالطلاق

إِذا طلب المشتري ردِّ الشِّقصِ بالعيب، ورضي الشفيع بأخذه معيبًا، فأيُّهما يُقدَّم؟ فيه قولان، وإِن ردَّه في غيبة الشفيع نفذ ردُّه؛ فإِن حضر الشفيع، وطلب الشفعة، لم يكن له ذلك إِن قدَّمنا المشتري عليه، وإِن قدَّمناه على المشتري ففي بطلان شفعته وجهان؛ فإِن قلنا: لا تبطل، فهل ينفسخ الردُّ أو يتبيَّن بطلانه؟ فيه وجهان.
وإِن أصدق زوجته شقصًا، وطلَّقها قبل الدخول مع مطالبة الشفيع، ففي تقديم حقِّ الزوج على حقِّ الشفيع وجهان يجريان فيما إِذا طلب الشفيع الأخذ، وطلب البائع الرجوع بإِفلاس المشتري؛ فإِن قدَّمنا حق الشفيع: فهل يختصُّ البائع بالثمن، أو يتضارب فيه الغرماء؟ فعلى وجهين، وإِن طلَّقها في غيبة الشفيع رجع إِليه نصف الشقص؛ فإِن حضر الشفيع مطالبًا، ففي إِلحاقه بمسألة الردِّ بالعيب وجهان؛ فإِن قلنا: لا يلحق، بطلت الشفعة فيما أخذه الزوج.
وإِن تقايل المشتري والبائع قبل عفو الشفيع؛ فإِن جُعلت الإقالة فسخًا فهو كطلب الشفعة بعد الردِّ بالعيب، وإِن جُعلت بيعًا لم تبطل الشفعة، وللشفيع أن يفسخ الإِقالة، ويأخذ من المشتري.

وإِن تقايلا بعد العفو؛ فإِن جُعلت الإِقالة بيعًا أُخذ الشقص من البائع الأوَّل، وإِن جُعلت فسخًا فلا شفعة اتِّفاقًا، فإِنَّ الشفعة لا تثبت بالفسخ.

1985 -

فصل في الثمن المؤجَّل

إِذا كان الثمن مؤجَّلًا ففيما يُؤخذ به الشقص أقوال: أحدها، وهو المذهب: أنَّه يتخيَّر بين الأخذ بمثل الثمن حالًّا، وبين أن يصبر إِلى حلول الأجل، وهل يلزمُه الإِشعار بالطلب على الفور؟ فيه وجهان.
وإِن مات الشفيع لم يحلَّ الأجل، وإِن مات المشتري حلَّ ما عليه، وللشفيع التأخيرُ إِلى الأجل، وينفِّذ تصرُّفات المشتري، ولا ينقضها الشفيع إِلا أن ينقد الثمن، أو يحلَّ الأجل.
والقول الثاني: يأخذ بسلعة تساوي الثمن؛ فإِن كان المؤجَّل ألفًا، والعَرْض يساوي الألف مؤجَّلًا، وخمسَ مِئة حالًّا، أخذ بعَرْضٍ يساوي خمسَ مِئة، فإِن تأخَّر الطلب حتَّى حلَّ الأجلُ أخذ بالسلعة المساوية للخمس مئة.
والقول الثالث: أنَّه يأخذ بثمن مؤجَّل، فيَلْزمه مبادرةُ الطلب، وفي اشتراط ثقته وملاءته وجهان؛ فإِن لم نشرطهما 1 سُلِّم إِليه الشقص، وإِن شرطناهما، فتعذَّر، لم يدفع إِليه الشقص إِلا بكفيلٍ ثقةٍ مليءٍ، وأيُّهما مات حلَّ دينه.

1986 -

فصل في إِرث الشفعة وتوزيعها على الشركاء

وتوزَّع الشفعة على الأنصباء على الجديد، وعلى الرؤوس في القديم، وحق الشفعة موروثٌ؛ فإِن ورث رجلان دارًا عن أبيهما، فمات أحدهما عن ابنين، فمات أحد الابنين عن ابنين، فباعا حصَّتهما، فالشفعة لعمِّهما، وإِن باع أحدهما حصَّته، فهل ينفرد أخوه بالشفعة، أو يشاركه العمُّ؟ فيه قولان، والجديدُ: أنَّهما يشتركان، وعلى القديم: لو عفا أحد الحافدين عن الشفعة ففي ثبوتها للعمِّ وجهان.
ولو ملَّك داره من اثنين، فباع أحدهما نصيبه من رجلين، فباع أحد الرجلين نصيبه من زيد، فهل ينفرد مَن في درجته بالشفعة؟ فيه القولان.
وإِن ملك ثلاثةٌ دارًا، فملَّك أحدُهم حصَّتَه لزيد 1، ثم باع الآخران حصَّتهما، ثبتت الشفعة لزيد، وإِن باع أحدُهما حصَّتَه ففي اختصاص شريكه بالشفعة القولان، وتفريعُ هذه الصور كتفريع مسألة الحافدين.
وإِن مات عن دارٍ وبنتين وأختين، فباعت إِحدى الأختين نصيبها، وقلنا بالقديم، فالظاهر أنَّ الشفعة بين الجميع، ويُحتمل أن تختصَّ بها الأخت؛ لاتِّحاد الجهة، وإِن مات عن بنات وأخوات وزوجات، فباعت إِحدى الزوجات نصيبها، فحكمُه ما ذكرتُه الآن.
وإِذا مات الشفيع عن ابن وبنت وزوجة، فهل تثبت لهم الشفعةُ على أنصبائهم، أو تُخرَّج على القولين؟ فيه طريقان مبنيَّان على أنَّهم: هل يأخذون

الشفعة لأنفسهم، أو للميِّت ثم يرثونها؟ فإِن قلنا: يأخذون للميت، وُزِّعت على الأنصباء، وإِن عفا بعضهم عن حقِّه فهو كعفو الشفيع عن بعض حقِّه، وإِن قلنا: يأخذون لأنفسهم، ففيه القولان، وعفوُ أحدهم عن حقِّه كعفو بعض الشركاء.

1987 - فصل إِذا باع أحد الشريكين ثلث نصيبه من زيد، ثم باع ثلثيه منه أو من غيره، فشفعةُ الثلث لشريكه القديم، وهل يشاركه مشتري الثلث في شفعة الثلثين؟ فيه طريقان: إِحداهما: لا يشاركه إن لم يعفُ عن شفعة الثلث، وكذلك إِن عفا على الأصحِّ.
والثانية: يزاحمه إِن عفا عن شفعة الثلث بعد بيع الثلثين، وإِن أخذ الثلث فلا يشاركه على أظهر الوجهين؛ اعتبارًا بما لو باع نصيبه قبل العلم بالشفعة؛ فإِنَّ في سقوطها قولين، ولو باعه بعد العلم لبطلت اتِّفاقًا، وإِن قلنا بالتراخي وشرطنا التصريح بالإِبطال، ولا خلاف في المشاركة إِذا عفا عن الثلث قبل بيع الثلثين.

1988 -

فصل

في العفو عن الشفعة إِذا عفا الشفيع عن بعض نصيبه؛ فإِن قلنا بالتراخي، فالمذهبُ سقوط

شفعته في الكلِّ، وقيل: لا يسقط شيء، وقيل: يسقط ما أسقطه، ويأخذ الباقي إِن رضي المشتري، وإِن قلنا بالفور، فأَسْقطَ البعضَ مع مبادرة الطلب: فهل تسقط، أو تجري على الخلاف؟ فيه طريقان.
وإِن عفا أحد الشفيعين عن حقِّه: فهل تسقطُ شفعتُهما، أو لا تسقط شفعةُ واحدٍ منهما، أو يسقطُ نصيبُ العافي وللآخَرِ أن يأخذ بقَدْرِ حصَّته، أو يسقط نصيب العافي ويأخذُ الآخر الحصتين؟ فيه أربعة أوجه، والمذهب آخرها، فيتخيَّر الشريك بين أن يأخذ الكلَّ أو يعفوَ عنه.
وعلى هذا لو مات الشفيع عن ولدين، فعفا أحدهما عن نصيبه؛ فإِن قلنا: إِنَّه يأخذ لمورثه، كان عفوه كعفو الشفيع عن بعض نصيبه، وإِن قلنا: يأخذ لنفسه، كان كعفو بعض الشفعاء عن نصيبه.
وإِن باع بعضُ الشركاء بعضَ نصيبه، لم يساهم شركاؤه في شفعةِ ما باعه، وإِن باع نصيبه من بعض الشركاء، فالشفعةُ بين المشتري وبين الباقين، وقال ابن سُريج: لا شفعةَ له، وعلى المذهب: لو عفا المشتري عن حصَّته من الشفعة، لم يصحَّ على المذهب، بخلاف عفو بعض الشفعاء.

1989 -

فصل في غيبة الشفعاء أو بعضهم

إِذا كان العقار لأربعةٍ أرباعًا، فباع أحدهم نصيبه، فالثلاثة بالخيار بين الأخذ والترك، فإِنْ عفا أحدهم فللآخَرَينِ أخذُ الجميع على المذهب، فإِن حضر واحد وغاب اثنان فللحاضر أن يأخذ الجميعَ أو يتركَ؛ فإِن حضر آخَرُ شاطره بشطر الثمن، وإِن حضر الثالثُ أخذ من كلِّ واحد منهما ثلث ما في

يده بحصَّته من الثمن، وكانت الغلَّات والمنافع قبل المشاطرة للأوَّل، وبعد المشاطرة بينه وبين المُشاطِر، ثم تصير أثلاثًا بأخذ الثالث، فإِن حضر الثالث فوجد أحدهما: فهل يأخذ منه ثلثَ ما في يده، أو شطرَه؟ فيه وجهان، ولو قال الأوَّل: أنا آخُذُ نصيبي وأتوقَّف في البقية خوفًا أن تنقضه على أصحابي، لم يُجِبْه إِلى ذلك، وفي بطلان شفعته على قول الفور بهذا التوقُّف وجهان، فإِن أبطلناها كان توقُّفه كعفوه عن نصيبه، فيُقسم الشقصُ بين صاحبيه شطرين، وإِن قلنا: لا تبطل، فحضر صاحباه، اقتسموا الشقص أثلاثًا.
ولو أخذ الأوَّلُ الشقص، فحضر الثاني وطلب الثلث، وتوقَّف فيما بقي خوفًا من النقض، فإِن جعلنا التوقُّف تقصيرًا بطل حقُّه، وكان الشقص بين صاحبيه نصفين، وإِن عذرناه بالتوقُف اقتسموا الشفعة إِذا حضر الثالث أثلاثًا، وقال ابن سريج: يستحقُّ الثالث ثلثَ ما في يد الثاني؛ لأنَّ عفوه شائع في الجميع، فيُطلب أقلُّ عدد [له ثلثٌ و] (1) لثلثهِ ثلثٌ، وهو تسعة؛ ستةٌ للأوَّل، وثلاثةٌ للثاني، فيُؤخذ من الثاني سهمٌ يُضمُّ إِلى الستِّة، فلا تنقسم عليه وعلى الأوَّل، فيضرب رؤوسهما في تسعة، فيبلغ ثمانية عشر؛ للثاني أربعة، ولكلِّ واحد من صاحبيه سبعة.

1990 -

فصل في انهدام الشقص وتعيُّبه

إِذا تزلزلت الدار، أو تكسَّرت الجذوع، أو تفطَّرت الجدران من غير1

انهدام، تخيَّر الشفيع بين الترك والأخذ بجميع الثمن، وإِن انهدم السقف أو شيء من الجدران، فللأنقاض حالان: إِحداهما: أن تتلف؛ فإِن جعلنا أجزاء الدار كالأوصاف، فللشفيع أن يترك، أو يأخذَ بكلِّ الثمن، كما لو تلفت أجزاء الدار المبيعة أو بعضها عند البائع، فإِن المشتري يتخيَّر بين الفسخ والأخذ بجميع الثمن، وإِن جعلنا الأنقاض كأحد العبدين أخذ ما بقي بحصَّته من الثمن.
الحال الثانية: أن تبقى الأنقاض، ففي أخذها بالشفعة قولان، من جهة أنَّها منقولة، ولكن تعلَّقت بها الشفعةُ قبل الانهدام، فإِن قلنا: يأخذها، تخيَّر بين الترك والأخذ بجميع الثمن؛ لأن الانهدام عيب، وإِن منعنا أخذ الأنقاض؛ فإِن جُعلت كأحد العبدين أخذ ما بقي بحصَّته من الثمن، وإِن جُعلت كالصفات استقرَّ ملك المشتري عليها، وهل يأخذ ما بقي بحصَّته أو بتمام الثمن؟ فيه وجهان أقيسُهما: الأخذ بالتمام، وإِن تلفت الأنقاض بإِتلاف أجنبيٍّ؛ فإِن جُعلت للشفيع أخذ بجميع الثمن، وطالب المتلِف بالقيمة، وإِن جُعلت للمشتري طالب بقيمتها، وهل يأخذ الشفيع ما بقي بحصَّته أو بالتمام؟ فيه الوجهان.

1991 -

فصل في بناء المشتري وغراسه

إِذا زرع المشتري أو غرس أو بنى؛ فإِن كان بغير إِذنٍ قلع مجَّانًا؛ وإِن كان بعد قسمةٍ صحيحةٍ كان كالمستعير مع المعير من غيرِ فَرْقٍ، فإِن بقي الزرع بعد الأخذ بالشفعة فلا أجرة للشفيع؛ لأنَّ المشتري زرع في ملكه،

وفي نظيره في العارية خلاف، وأشار في "التقريب" إِلى إِجراء الخلاف في ثبوت الأجرة للشفيع، واستبعد المزنيُّ والإِمام تصوير هذه المسألة من جهةِ أنَّ القسمة إِذا صحَّت فينبغي أن تبطل الشفعة؛ لأنَّه لو أخذ لأخذ ملكًا مجاورًا، ولا شفعة لجار، ولأنَّ علَّة الشفعة دفعُ ضرر المداخلة أو مؤونة القسمة، وقد انتفيا بالمقاسمة، وإِن فسدت القسمة فينبغي أن نقلع الغرس، فإِن القسمة غير مصرِّحة بالإِذن فيه، بخلاف العارية، وينبغي إِذا صحَّت القسمة أن تُخرَّج الشفعة على القولين في بيع الشفيع نصيبَه قبل العلم بالشفعة، وقد صوَّر الأصحاب لصحَّة القسمة مع بقاء الشفعة صورًا: الأولى: أن يُخْبَرَ الشفيعُ بالشراء بثمن، فيرغب عن الشفعة، فيقاسمه المشتري، ثمَّ يظهر أن الثمن أقلُّ ممَّا أُخبر به.
الثانية: أن يخبره بأنَّه اتَّهب الشقص، فيقاسمه اعتمادًا على قوله، ثمَّ يظهر كذبه.
الثالثة: أن يوكِّل مَن يقاسم الشريك، ومن يشتري منه، فيقاسمه الوكيل في غيبة الموكِّل.
ولو وكَّل في القسمة بعد العلم بالشفعة بطلت شفعته، وإِن علَّق العفوَ عن الشفعة على الشراء لم ينفذ عفوه.
الرابعة: أن يرفع المشتري الأمر إِلى الحاكم، ويطلب القسمة، فينصب الحاكم من يقسم عن الغائب، وليس للحاكم أن يأخذ بالشفعة لغائبٍ، كما لا يستحدِثُ له مِلْكًا.
الخامسة: أن يوكِّل المشتري البائعَ في القسمة، فيقاسِم البائعُ الشفيعَ على جهلٍ بثبوت الشفعة، فيصحُّ الاقتسامُ في هذه الصور، ولا تَبطل الشفعة؛

لأنَّها قد ثبتت، فجاز استدامتُها بعد المجاورة إِذا حصلت المجاورة بسبب التغرير.

1992 -

فصل في الزيادات الحادثة عند المشتري

الزيادة المتِّصلة كبُسُوق النخل وكبر الوديِّ (1) مأخوذةٌ بالشفعة بثمن العقد وإِن حصلت بتنمية المشتري، ولا حقَّ للشفيع في زيادةِ منفصلة؛ كالثمرة الحادثة بعد الشراء إِذا جذَّها المشتري أو أبَّرها (2)، أو كانت عند الشراء مأبورةً أو غيرَ مأبورة لكنْ أُبِّرت قبل الأخذ بالشفعة، وإِن كانت عند الأخذ مستترةً لم تُؤخذ في أصحِّ القولين؛ لأنَّها منقولة، والقولان جاريان في نظير هذا من الردِّ بالعيب ورجوع الواهب والبائع عند الفلس.
وتندرج الثمرة المستترة في الهبة وعقود المعاوضات؛ كالبيع والإِجارة والأصداق، فإِن بقيت مستترةً إِلى الردَّ بالعيب، أو رجوعِ البائع أو الواهبِ، انقلبت إِلى البائع والواهب، وفي أخذها بالشفعة قولان؛ لأنَّها منقولة.

1993 -

فصل في ثبوت الشفعة في الحمَّام والرحى والبئر

المذهب: أنَّه لا شفعة إِلا فيما يقبل قسمة الإِجبار، ولا إِجبار إِلا إِذا بقي جنس الانتفاع القديم على الأصحِّ، بأن يُتَّخذ من الحمَّام حمَّاماتٌ، ومن12

الرحى أرحيةٌ، ومن البئر آبارٌ، ومن الطريق طرقٌ، ومن المسكن مساكنُ، وأبَعدَ مَن اكتفى بأصل الانتفاع.
ومن راعى تفاحُشَ نقصان القيمة؛ فإِن كانت البئر واسعةً يمكنُ قسمتُها ببئرين، ثبتت فيها الشفعة، وإِن تعذَّر ذلك فلا شفعة على الأصحِّ، إِلا أن يُباع شقصٌ منها مع شقص من المزارع التي تسقيها، ففي ثبوت الشفعة فيها تبعًا وجهان، وإِن بيع شقص منها مع شقص من حريمها فوجهان، واستبعد الإِمام ذلك من جهة أنّ الحريم تابع، فلا ينقلب متبوعًا، وقال: لعل المراد بالحريم المزارعُ.
وأمَّا الحمَّام؛ فإِنْ أَمْكَن جعلُها حمَّامين من غير تفاحُشٍ في نقص القيمة ففيها الشفعةُ، وإِلا خُرِّجت على الخلاف.
وأمَّا الرحى؛ فإِن أمكنَ أنْ يُتَّخذ فيها حجران دائران ففيها الشفعة، وإِلا فعلى الخلاف، فإِن كان فيها حجر واحد، وأَمْكَنَ اتِّخاذُ آخر أُجبر على القسمة، وثبتت الشفعة، كما أنَّ حصص الدار قد تفتقر إِلى إِحداث مرافق، ولا تخرج بذلك عن قبول قسمة الإِجبار.

1994 -

فرع:

إِذا كان بينهما أرض فيها أشجارٌ لأحدهما، أو دارٌ عليها غرفةٌ لأحدهما، فباع مالك الشجر والغرفة نصيبه من الأرض والدار مع الغرفة والأشجار، فلا شفعة في الغرفة والأشجار، خلافًا للقفَّال؛ فإِنَّه أثبت الشفعة بهذا الاتِّصال؛ لزيادته على اتِّصال الجوار، وإِذا كان في الشقص شجر أُخذ بالشفعة تبعًا، وكذا أصول البقول المُخْلِفةُ عند أبي عليٍّ، وفيما ذكره نظر.

1995 -

فرع:

إِذا اشتملت الصفقة على منقولٍ وشقصٍ أُخذ الشقصُ بما يخصُّه من الثمن حالَ العقد، وهذا متِّجهٌ إِن نقلنا الملك بالعقد، وإِن نقلناه بانقضاء الخيار احتُمل اعتبار القيمة بيوم الانتقال.

1996 -

فصل في ثبوت الشفعة في الطرق

لا تَثبت الشفعة في الطريق النافذ؛ لأنَّه غير مملوك، والطريق المنسدُّ مِلْكٌ لأربابه، فمن أطلق بيعَ دارٍ من أهل السكَّة دخل الممرُّ في البيع تبعًا، ولا شفعةَ في الدار لأرباب السكِّة، وتثبت لهم الشفعة في الممرِّ إِنْ أَمْكَنَ المشتري إِحداثُ ممرٍّ من جهة أخرى، وإِن لم يُمْكِنْه ففي ثبوت الشفعة في الممرِّ وجهان؛ فإِن أثبتناها فهل يبقى له حقُّ العبور؟ فيه وجهان، وإِن أمكنه إِحداثُ ممرٍّ، لكن بمشقَّةٍ ومؤونةٍ، ففيه الوجهان عند أبي محمد، وينبغي أن تُقابل المؤونة بثمن الممرِّ، فإِن كانت أكثر منه ففيه الوجهان، وإِن ساوته أو نقصت عنه فلا شفعة.

1997 -

فصل في ثبوت الشفعة للطفل

للأب والقيِّم والوصيِّ أن يأخذوا للطفل بالشفعة في الحال التي يُشترى له في مثلها العقار؛ فإِن كان الحظُّ في الأخذ حَرُمَ الترك، ولم يسقط بالتقصير والعفو، وإِن تركها الوليُّ والحظُّ في أخذها؛ فإِن علم الحاكم بذلك لزمه

الأخذُ، فإِن بلغ الطفل قبل الأخذ، واستقلَّ، فله الأخذُ.
وإِن كانت المصلحة في الترك حرم الأخذ، ولم ينفذ، وكذلك لا يثبت بعد البلوغ على الأصحِّ.
وإِن ظفر الوليُّ بشراء ما فيه غبطةٌ لزمه ذلك عند الأكثرين، وقيل: لا يلزمه؛ لأن الشفعة تضييع حقٍّ محصَّل، بخلاف الشراء.
ويُشترط فيما يُعاوِض عليه الوليُّ أن يكون فيه مصلحةٌ ناجزةٌ أو متوقَّعة، فلا يصحُّ تصرُّفُه الذي لا ينفع ولا يضرُّ.

1998 -

فصل في ثبوت الشفعة في زمن الخيار

إِذا كان للبائع خيار فلا شفعة، وإِن اختصَّ المشتري بالخيار، فالأصحُّ انتقالُ المِلْكِ إِليه، فإِن قلنا: لا ينتقل، فلا شفعة على الأصحِّ، وإِن نقلناه فطريقان: إِحداهما: لا تثبت.
والثانية: في الثبوت قولان، كالقولين إِذا طلب الشفيع الأخذ، وطلب المشتري الردَّ بالعيب.
فإِن قلنا: لا تثبت؛ فإِن فسخ المشتري البيع سقطت الشفعة، وإن ألزمه ثبتت عند الإِلزام، وإِن قلنا: يأخذ، فأخذ، انقطع خيار المشتري، ولا خيرة للشفيع.

1999 -

فصل في عهدة الشقص وعهدته على المشتري

ويلزمُ الشفيعَ تسليمُ الثمن إِلى المشتري، سواءٌ قبض البائع الثمن أم لم يقبضه، وسواءٌ قبض المشتري الشقص أم لا، فإِن كان الشقصُ بيد البائع، فقال الشفيع: لا أنقد الثمن حتى ينقده المشتري، فإِن أَمْكنَ توفيرُ الثمن على البائع وإِلزامُه بتسليم الشقص، فلينقد الشفيعُ ما عليه، ثم يُلزم المشتري بتسليم الثمن، وأن يسلِّم الشقص إِلى الشفيع، وإِن حضر البائع وكان الشقص بيده، ولكن تعذَّر قبضه في الحال، لم يُلْزَم الشفيعُ بتوفير الثمن، ولا تبطل الشفعة بهذا التأخير.
وقال ابن سريج: عهدةُ الشفيع على البائع، وعلى الشفيع تسليمُ الثمن إِلى البائع؛ فإِن قبضه البائع من المشتري، ردَّه عليه وأخذه من الشفيع؛ فإِن كان عبدًا أخذ قيمته من الشفيع.
ولا يُعدُّ هذا من المذهب.
وعلى الأصحِّ: لو دفع الشفيع الثمن إِلى البائع بغير إِذن المشتري برئ المشتري، ولا يأخذ الشقصَ إِلا بثمنٍ آخَرَ، وإِن قال للبائع: خذ الثمن لأتملَّك الشقص بالشفعة، فله استرجاعُه منه، وإِن دفعه بإِذن المشتري فهو كما لو دفعه المشتري، وإِن قال لأجنبيٍّ: اقضِ ما عليَّ، ففي رجوعه وجهان، وإِن قال ها هنا: أدِّ ما للبائع عليَّ، رجع، وقيل: فيه الوجهان.

2000 -

فرع:

إِذا اعترف الشريك بأنَّه باع الشقص من زيد، فأكذبه، ففي ثبوت الشُّفعة وجهان، فإِن قلنا: لا تثبت، فالقولُ قولُ زيد مع يمينه، وإِن قلنا: تثبت،

سُلِّم الثمن إِلى البائع، فإِن صدَّقه المشتري بعد ذلك لم يَمْلِكْ تغريمَ الشفيع، وقيل: لا يُسلَّم الثمن إِلى البائع، بل يُرفع إِلى الحاكم لينصب من يقبضه عن المشتري، ثم يسلِّمه إِلى البائع، وهذا لا يصحُّ؛ فإِن القاضي لا ينصب إِلا عمَّن لا يستقلُّ بطلب حقِّه، كالصبيِّ والمجنون والميت والغائب.
وإِن أقرَّ الشريك بالبيع، وقَبْضِ الثمن، وقلنا: تثبت الشفعة إِذا لم يقرَّ بقبضه، فها هنا وجهان؛ فإِن أثبتناها ففيما يُفعل بالثمن وجهان: أحدهما: يأخذه الحاكم ليحفظه على المشتري.
والثاني: يأخذ الشفيع الشقصَ، ويبقى الثمن في ذمَّته إِلى أن يصدِّقه المشتري.

2001 -

فصل في الردِّ بالعيب

إِذا كان الثمن عبدًا معيبًا، فردَّه البائع بالعيب بعد الأخذ بالشفعة، فله أن يرجع بقيمة الشقص، كما لو باع داره، فباعها المشتري بيعًا لازمًا، فردِّ ثمنها المعيَّن بالعيب؛ فإِنَّه يرجع بقيمة الدار، وفي الشفعة قولٌ بعيدٌ: أنَّ المشتريَ يردُّ على الشفيع ما بذل، ويستردُّ الشقص، ثم يردُّه على البائع؛ فإِن غاب المشتري لم يملك الردَّ على الشفيع، بل يُرفع الأمر إِلى الحاكم ليقبض العبد ويبيعه، ثم يردَّ على الشفيع ما بذل، فإِنْ لم يفِ الثمنُ بما بذل، قال للبائع: إِن تبرَّعتَ بإِكمال ما بذله الشفيع رددتُ عليك الشقص، وإِلا فلا، فإِن قلنا بالمذهب، فكانت قيمةُ الشقص أكثر ممَّا بذله الشفيع، لم يرجع المشتري عليه بالزيادة على أصحِّ القولين، وإِن نقصت قيمة الشقص عمَّا بذله الشفيع،

ففي رجوعه على المشتري بما نقص وجهان، فإِن عاد الشقص إِلى ملك المشتري لم يكن له ردُّه على البائع، وليس للبائع إِجبارُه على الردِّ.

2002 -

فرع:

إِذا أراد البائع ردَّ الثمن بالعيب، وأراد الشفيع الأخذ، فطريقان: إحداهما: البائع أولى.
والثانية: التخريج على القولين إِذا طلب الشفيعُ الأخذ وطلبَ المشتري الردَّ بالعيب.
وإِن ظهر ما بذله الشفيع مستحَقًّا لزمه إِبدالُه، والقول قوله في الجهل بالاستحقاق، ولا تبطل الشفعة بذلك، فإِن كان قد تملَّك ببذل الثمن، فهل يتبيَّن أنَّ مِلْكه لم يحصل؟ فيه وجهان، فإِن قلنا بحصوله طُولب بالثمن، وإِن قلنا بعدم الحصول فليوفِّر الثمن الآن.
وإِن علم الشفيع عند الأخذ أنَّ ما بذله مستحَقٌّ، ففي بطلان الشفعة وجهان، فإِن قلنا: لا تبطل، ففي التبيُّن وجهان مرتَّبان.
هذا إِن كان زيفًا أو مستحَقًّا، وإِن ظهر به عيب يجوز الرضا بمثله لم تَبطل الشفعةُ، وإِن علم بالعيب عند الأخذ؛ فإِن ردَّه بذلك العيب لم يبطل الملك على الأصحِّ.
وقال القاضي: إِن ظهر الثمن مستحَقًّا أو رديء الجنس، لم تسقط الشفعة، إِلّا أن يقول عند الأخذ: تملَّكت الشقص بهذا الثمن، ففي سقوط الشفعة وجهان.
وإِن اطَّلع المشتري على عيب قديم، فامتنع الردُّ لعيب حادث، فأخذ

الأرشَ، وجب حَطُّه عن الشفيع اتِّفاقًا، وإِن أَمْكَنَ الردُّ، فصالَحَ عن الأرش، وقلنا: يصحُّ، ففي الحطِّ عن الشفيع وجهان، وإِن رضي البائع بعيب الثمن، فللشفيع أن يأخذ بقيمته معيبًا، وغلط من قال: يأخذ بقيمة السليم.

2003 -

فرع:

إِذا بنى الشفيع وغرس على ما تقدَّم تصويره، ثم استُحِقَّ الشقصُ، فقلع غرسَه وبناءَه، رجع على المشتري بما بذل، وحكمُه معه في الرجوع كحكم المشتري من الغاصب وفاقًا وخلافًا، وقد ذكرنا في رجوعه بأرش الغرس والبناء وجهين، وقطع القاضي بالرجوع، وبه أفتى أبو محمد؛ إِذ الشفيعُ مع المشتري بمنزلة المشتري مع البائع.
فإِن جهلا عيب الشقص ردَّه الشفيع على المشتري، ثم يردُّه المشتري على البائع، وإِن علمه المشتري عند البيع، والشفيع عند الأخذ، لم يردَّه واحد منهما، وإِن جهله المشتري، وعلمه الشفيع فلا ردِّ للشفيع على المشتري، ولا أرش للمشتري على البائع.
وإِن اشترى بشرط البراءة، فاطَّلع على عيب، فمنعناه من الردِّ به، فللشفيع أن يردَّه بذلك العيب.

2004 -

فصل فيما يَلْحَقُ الشفيعَ من الحطِّ وما لا يلحقه

إِذا حطَّ البائع الثمن عن المشتري أو بعضَه، فإِن كان بعد اللزوم لم يَلْحَقِ الشفيعَ، وإِن كان قبل اللزوم؛ فإِن حطَّ البعض ففي صحَّته طريقان:

إحداهما: يصحُّ على الأصحِّ.
والثانية: يُبنى على أقوال المِلْك، فإِن نقلنا المبيع إِلى المشتري فقد انتقل الثمن إِلى البائع، فيصحُّ إِبراؤه منه، ويُحتمل أن يُخرَّج على إِعتاق المشتري في مدَّة الخيار، فإِن نفَّذنا الإِبراء، فحطَّ البعضَ، ففي صحَّة الحطِّ وإِلحاقِهِ بالعقد وجهان، وإِن بقَّينا مِلْكَ المشتري على الثمن، ففي صحَّة الحطِّ وجهان، فإِن قلنا: يصحُّ، لَحِقَ بالعقد على الأصحِّ، ولا يَلْحَقُ الشفيعَ من الحطِّ إِلا ما لحق بالعقد، وإِن حطَّ الجميع، فإِن جعلناه كالحطِّ بعد اللزوم لم يلحق الشفيع، وإِن ألحقنا حطَّ البعض بالعقد بطل البيع إِذا حطَّ الكلَّ، وفي انعقاده هبةً وجهان، فإِن قلنا: لا ينعقد هبةً، فهل يُضمن ضمان البيع الفاسد، أو يكون أمانة؟ فيه وجهان.

2005 -

فرع:

من ادُّعيَ عليه بشفعة، فأجاب بنفي الشراء أو بنفي لزوم التسليم، وحلف على ذلك، كفاه، فإِن أُقيمت عليه البيِّنة؛ فإِن صدَّقها أخذ الثمن من الشفيع، وإِن أصرَّ على الإِنكار ففيما يُفعل بالثمن ثلاثةُ أوجهِ تجري في نظائره: أحدها: يجري على قبوله أو الإِبراء منه.
والثاني: يُترك في ذمَّة الشفيع إِلى أن يصدِّقه المشتري.
والثالث: يضعه السلطان مع الأموال المشْكِلة، ثم يرى رأيَه فيه.

2006 -

فصل في تفريق الأخذ بالشفعة

ليس للشفيع أن يأخذ بعض الشقص، كما لا يردُّ بعضَه بالعيب، فإِن اشترى اثنان من واحد [شقصًا، فللشفيع] (1) أَخْذُ نصيبِ أحدِهما اتِّفاقًا؛ إِذ لا تبعيض على واحد منهما.
وإِن اشترى شقصًا من واحد في صفقتين، فله أخذُ إِحدى الصفقتين، وإِن اشترى من اثنين فالأصحُّ أنَّ له أخذَ نصيب أحد البائعين.
وإِن مَلَكَا دارين، فباع أحدهما نصيبه من الدارين، فللآخر أخذُ الحصَّتين، وكذلك أخذُ إحداهما على أحد الوجهين، ومأخذ الوجهين من تفريق الصفقة في الدوام.
وإِن اشترى اثنان شقصين (2) من اثنين من دارين، ففيه ضروبٌ من التفريق؛ إِن شاء الشفيع أخذ الشقصين (3)، أو نصفَ كلِّ واحد منهما من واحد، أو نصفَ أحدهما من أحدهما، والنصفَ الآخر من الآخر، أو نصفَ شقصٍ من واحد، ونصفَ الآخَرِ من الثاني.

2007 -

فروع متفرقة:

الأول: إِذا كان بيدهما دار يدَّعي كلُّ واحد منهما أنَّه السابق بالشراء، وادَّعى على صاحبه بالشفعة، فهما خصومتان، مَن ابتدر منهما بالدعوى123

فُصلت خصومته، ثم استُؤنفت خصومة صاحبه، فإِن تساوقا، وادَّعيا معًا، لم يمكِّنا من ذلك؛ فإِن تنازعا في البداية قُدِّم بالقرعة، والقول قول من يدَّعي عليه السبق مع يمينه من غير بتٍّ؛ فإِن حلفا تُركت الدار بأيديهما، وإِن نكل السابق حلف صاحبه، واستحقَّ، ثم لا تُسمع دعوى الناكل بعد ذلك.
فهاتان خصومتان اكتفي بانتهاء إحداهما؛ لإِيجاد متعلَّقِهما.
فإِن أقام أحدهما بيِّنة حُكم له، وإِن أقاما بيِّنتين، فشهدتا بشرائهما في يوم واحد، فلا فائدة لهما؛ إِذ لا بيان فيهما؛ فإِن عيَّنتا وقتًا متَّحدًا قُبلتا، ولا شفعة لواحد منهما، وقيل: يتعارضان، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ التعارض لا يثبت إِلا إِذا تعرَّضت البيِّنة لمقصود مقيمها، وإِن شهدت كلُّ واحدة منهما بالسبق تعارضتا، وسقطتا على الأصحِّ، فإِن قلنا: لا يسقطان، فهل يُقرع بينهما، أو تُوقف الشفعة؟ فيه قولان، ولا يجيء قول القسمة؛ إِذ لا فائدة فيه ها هنا.
الثاني: إِذا شهد شفيعان على عفو الثالث، فإِن شهدا بعد إِظهار العفو عن حقِّهما قُبلت شهادتهما، وإِن كانت شهادتهما قبل العفو لم تُقبل، فإِنْ عَفَوَا، ثمَّ أعاداها لم تُقبل.
الثالث: إِذا تصالحا بالشقص عن أرشِ شجَّةٍ ماليَّة، فإِن كان الأرش نقدًا معلومًا صحَّ الصلح، وأخذ الشفيع الشقص بأرش الشجَّة، وإِن كان من الإِبل؛ فإِنْ جَهِلا حكم الشرع في الوصف والسنِّ والقدْر والتغليظ والتخفيف، لم يصحَّ، وإِنْ عَلِما ذلك فوجهان؛ فإِن قلنا: يصحُّ، ففي ثبوت الشفعة لأجل الجهالة وجهان، فإِن أثبتناها أُخذ الشقص بقيمة ما يجزئ مثلُه في الديات.

وإِن كانت الشجَّة موجبةً للقصاص والأرشُ من الإِبل، فإِن أوجبنا أحد الأمرين ففي صحَّة الصلح الوجهان، وإِن أوجبنا القَوَد؛ فإِن قلنا: العفو المطلق يوجب المال، ففيه الوجهان، وإِن قلنا: لا يوجب المال، فطريقان: إحداهما: الصحَّة؛ لأنَّ العوض يقابِلُ القصاص، وهو معلوم.
والثانية: فيه الوجهان.
ومأخذ الخلاف: أنَّ العوض يقابل القصاصَ أو الأرشَ الذي يتضمَّنه العفو؟ ولذلك كان في الصلح عن قصاص النفس بمئتين من الإِبل وجهان؛ فإِنَّ من استحقَّ مئةً دينًا لم يجز أن يأخذ عنها مئتين بصفتها، كما لا تُؤخذ عشرة دراهم عن خمسة، فإِن نفَّذنا الصلح في هذه الصور ففي ثبوت الشفعة الوجهان.
الرابع: إِذا كان ثمن الشقص خمرًا فلا شفعة، وإِن كان المتبايعان والشفيع من أهل الذمَّة، وإِن تحاكموا إِلينا أسقطنا الشفعة، وإِن عقدوا عقودًا فاسدة فيما بينهم تاركناهم، وإِن دفع الذمِّيُّ دراهم في جزية أو معاملة، وذكر أنَّها من ثمن خمرٍ أو خنزيرٍ، وقد يتحقَّق ذلك، ففي جواز أخذها وجهان، وتثبت الشفعة للذمِّيِّ على المسلم، وللمسلم على الذمِّيِّ.
الخامس: إِذا باع في مرض موته شقصًا يساوي ألفين بألفٍ، والشفيعُ وارث، ففيه خمسة أوجه: أقربها: أنَّه يأخذ الشقص بألف.
والثاني: يبطل البيع.

والثالث: يصحُّ، ولا تثبت الشفعة.
والرابع: يصحُّ في نصف الشقص بألفٍ، وللمشتري الخيار، فإِن اختار الفسخ، واختار الشفيع الأخذ، ففي الأولى وجهان.
والخامس: يأخذ نصف الشقص بألف، ويبقى نصفُه للمشتري.
السادس: إِذا شهد البائع على عفو الشفيع؛ فإِن كان قَبْلَ قبض الثمن لم يُقبل، وإِن كان بعده فوجهان، وإِنَّما لم يُقبل قبل قبض الثمن؛ لبقاء عُلْقة الرجوع بسبب الإِفلاس.
السابع: إِذا كان الشقص بيد الشفيع، فأقام بيِّنة بالأخذ بالشفعة، وأقام المشتري بيِّنة بالعفو، فأيُّهما أولى؟ فيه وجهان، واختار الإِمام تقديم بيِّنة المشتري.
الثامن: للعبد المأذون أن يأخذ بالشفعة؛ لأنَّه يُعدُّ من التجارة، ويسقط بعفو السيِّد، فإِن كان على العبد دينٌ وفي العفو غبنٌ، ردَّ العفو إِلا أن يغرم القَدْرَ المحطوط.
التاسع: إِذا غاب أحد الشريكين، فوجد الآخر حصَّته بيدِ مَن يتصَّرف فيها، ويزعم أنَّه اشتراها من الغائب، جاز أن يشتريها منه اتِّفاقًا، وكذلك يأخذها بالشفعة على الأظهر، فإِذا قدم الغائب فهو على حجَّته من الإِقرار أو الإِنكار، وعن ابن سريج: أنَّه لا يأخذ بالشفعة قهرًا، وهل يأخذها بالتراضي؟ فيه خلاف، وطرد الإِمام هذا القول على بُعْدِه في كلِّ تصرُّفٍ يقف على المِلْك؛ كالبيع والهبة والرهن، فإِن قلنا: لا يؤخذ بالشفعة، بعث الحاكم

إِلى بلد الغائب من يبحث عن إِقراره، فإِن ثبت عنده بطريقة 1 قضى بالشفعة، ولا تُزال يد مدَّعي الشراء؛ فإنَّا نرى الأيدي تتبدَّل، ولا يُتعرَّض لها، ولا لانتفاع أربابها، وهذا مُجمَع عليه.
العاشر: لا يتوقَّف ثبوت الشفعة على رؤية الشفيعِ الشقصَ، وفي توقُّف الأخذ على الرؤية قولا بيعٍ الغائب؛ فإِن منعناه لم يملكه قبل الرؤية وإِن بذل الثمن، وعلى المشتري تمكينُه من الرؤية، وإِن أجزنا بيع الغائب ملك ببذل 2 الثمن، وفي ثبوت خيار الرؤية خلاف، كخيار المجلس، وقطع الإِمام بالإِثبات، فإِن أثبتناه فللمشتري الامتناع من تسليم الشقص حتى يراه الشفيع، فإِنَّه لو أخذ الثمن لم يثق به، وفيه احتمال، وإِن كان الشقص معيبًا لم يُمنع المشتري من القبض قبل رؤية العيب؛ لأنَّ ذكره للعيب كافٍ.
الحادي عشر: إِذا باع حصَّته بعد العلم بالشفعة بطلت، وإِن باع بعضها فوجهان، وإِن باع قبل العلم بالشفعة فقولان.
الثاني عشر: تثبت الشفعة للعبد إِذا ملَّكناه بالتمليك، وفيه احتمال؛ إِذ المِلْكُ الضعيف لا تُؤخذ به الشفعة عند كثير من الأصحاب، فإِن أثبتناها فلا بدَّ من إِذن السيِّد في الأخذ على الأقيس.
الثالث عشر: إِذا شهد لمكاتَبه بشراء شقصٍ فيه شفعةٌ له قُبِلَ عند أبي محمد، وهذا غلط؛ لأنَّ شهادته لمكاتبه مردودة، بل إِن شهد بمجرَّد الشراء عند دعوى المشتري ففيه احتمال؛ فإِن أثبتناه ففي ثبوت الشفعة تبعًا

احتمالٌ، كما يثبت شوَّال على وجهٍ بشهادة واحدٍ بهلال رمضان، وكذا شهادة الولد للوالد 1. الرابع عشر: إِذا اشترى العاملُ شقصًا للقِراض ولا ربح، لم يأخذه المالك بالشفعة، خلافًا لابن سريجٍ.
الخامس عشر: إِذا كان في الأرض زرع للمشتري على ما سبق تصويره، جاز تأخير الأخذ إِلى الحصاد، وإِن كان على الشجر ثمرٌ لا يُؤخذ بالشفعة، ففي التأخير إِلى الجداد وجهان، ويتَّجه إِلزامُه بتعجيل الطلب في صورة الزرع مع تأخير الثمن إِلى الحصاد.
السادس عشر: إِذا باع المشتري الشقص بيعًا لازمًا، أو وهبه وأقبضه، أو وقفه وقفًا يلزم مثلُه، فللشفيع نقضُه؛ فإِن نقض البيع أخذ الشقص بثمن العقد الأوَّل، وإِن أجازه أخذ بثمن العقد الثاني، وقال أبو إسحاق المروزيُّ: ليس له نقضُ البيع، بل يأخذ بثمن العقد الثاني، وعلى قياسه: هل يملك نقض الوقف والهبة؟ فيه وجهان، وقد حُكي عنه: أنَّه لا يأخذ بواحد من البيعين، ولا وجه لذلك في البيع الثاني.
السابع عشر: إِذا ادَّعى المشتري عفو الشفيعين، صُدِّقا بأيمانهما، فإِن نكلا حَلف وقُضي له، وإِن حلف أحدُهما ونكل الآخر، لم يُردَّ اليمينُ على المشتري؛ لأنَّ عفو الناكل لو ثبت لانقلبت حصَّته إِلى شريكه، فلا يستفيد بثمن الردِّ شيئًا، ولا يُحكم للحالف بجميع الشفعة، بل يكون بينهما، وإِن

ادَّعى الحالف على الناكل العفوَ حلف على ذلك، فإِنْ نكل حلف شريكه، وأخذ الجميع، وإِن ادَّعى على أحدهما في غيبة الآخر، فأنكر ونكل، لم تُردَّ اليمين على المشتري على أقيس الوجهين.
الثامن عشر: إِذا مات وعليه دين مستغرِق، فالأصحُّ الجديد: أنَّ الدين لا يمنع ملك الوارث على التركة، ونصَّ في القديم على المنع، فيستمرُّ ملك الميت على التركة حتى يوفَّى الدينُ، فإِن كان الدينُ أقلَّ من قيمة التركة، فهل يمنع بحسابه، أو يُمنع ملكَ الجميع؟ فيه وجهان، فإِذا خلَّف دارًا قيمتها ألفان، وعليه ألف، فبِيع نصفُها في الدَّين، فلا شفعة للوارث على الجديد، وإِن منعنا الملك مع نقصان الدَّين فلا شفعة، وإِن ملَّكناه ما زاد على الدَّين ثبتت الشفعة، فإِن كان للوارث في الدار شريك قديم، والدين مستغرقٌ، فلا شفعة إِلا على القديم.
التاسع عشر: إِذا كان الأب أو الوصيُّ شريكًا للطفل، فباع نصيبَ الطفل، ثبتت الشفعة للأب دون الوصيِّ اتفاقًا، وإِن اشتريا شقصًا للطفل فلهما أخذه بالشفعة.
العشرون: إِذا أزلنا مِلْكَ المرتدِّ، فكان الشفيعُ مرتدًّا عند الشراء، فلا شفعة له، وإِن ارتدَّ بعد ثبوتها سقطت على الظاهر، كما لو أزال ملكه، ويُحتمل ألا تسقط؛ لأنَّه لم يقصد إِزالة الملك.
الحادي والعشرون: لا يجوز أخذُ العوض عن حقِّ الشفعة وحدِّ القذف ومقاعد الأسواق، خلافًا لأبي إسحاق.

2008 -

فصل في الحيل الدافعة للشفعة

من الحيل ما يسقط الشفعة، كجهالة الثمن، ومنها ما يرغِّب عن أخذها مع ثبوتها، فمن ذلك: أن يشتري الشقص بأضعاف ثمنه 1، ثمَّ يُبْرِئه البائع ممَّا زاد عن القيمة، أو يعتاض عنه بقدر قيمته.
ومنها: أن يبيع من البائع عَرْضًا قيمتُه مئة بمئتين، ثم يعتاض الشقصَ عن المئتين.
ومنها: أن يتَّهب تسعة أعشار الشقص، ثم يشتري العُشر بقيمة الجميع.
وفي هذه الصور تغريرٌ ظاهر 2.

جارٍ التحميل