لو قصده، لم تصحَّ صلاته؛ لخروجه عن هيئات المصلِّين، وأنكره الإِمام، وقال: لا نعرف خلافًا أنَّ الساهيَ اللاهيَ النَّازق الملتفِت يمينًا وشمالًا المقتصِرَ على الفرائض دون ما عداها لا تبطل صلاتُه في ظاهر الأمر مع خروجه عن هيئات المصلِّين.
445 -
باب صلاة الإمام قائمًا بقعود وقاعدًا بقيام
من عجَز عن القيام صلى قاعدًا؛ فإِن كان إِمامًا، فالأَولى أن يستخلفَ، فإِن أمَّ قاعدًا، جاز، ويقتدي به القادرون قيامًا.
قال الشافعي: وعلى الآباء والأمَّهات أن يُعلِّموا صبيانهَم الصلاةَ؛ لقوله عليه السلام: "مُرُوهم بها وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشر" 1.
خصَّ الضربَ بالعشر؛ لاحتمالهم له، أو لإِمكان أنَّهم بلغوا وكتموا 2.
446 -
باب اختلاف نية الإمام والمأموم
لا بأسَ باختلاف نيَّة الإمام والمأموم، فيقتدي القاضي بالمؤدِّي، والمؤدِّي بالقاضي، والمفترِض بالمتنفل، والمتنفلُ بالمفترِض، وإِن كان إِمامُ الجمعة صبيًّا أو متنفلًا، فقولان.
اختلافُ الصلاتين في النظم يشترط اتِّفاق الصلاتين في الأفعال الظاهرة، فإِن اختلف وضعُهما، وكان الإِمام في صلاة خسوف، أو جنازة والمأمومُ في غيرهما، لم يجز على الأصحِّ، ومن أجازه قال: يقوم في الاقتداء بالجنازة ما دام الإمام قائمًا، ولا يتابعه في التكبيرات، ولا فيما يتخلَّلها من الأذكار؛ فإِذا تحلَّل الإِمامُ، جرى على ترتيب صلاته، وكذلك قال: إِن كان الإِمامُ في الكسوف ركع بركوعه الأوَّل، وانتظره راكعًا إِلى أن يركعَ الركوع الثاني، ثمَّ يعتدل معه، وليس له أن يتابعَه في ركوعيه، ولا أن ينتظره في الاعتدال؛ = لأنّه إضرار غيرُ مفيد".
ويقول في "قواعد الأحكام" (1/ 121): "إذا كان الصبي لا يصلحه إلا الضرب المبرِّح فهل يجوز ضربه تحصيلًا لمصلحة تأديبه؟ قلنا لا يجوز ذلك... وإنّما جاز لكونه وسيلة إلى مصلحة التأديب، فإذا لم يحصل التأديب سقط الضرب الخفيف كما يسقط الضرب الشديد؛ لأنّ الوسائل تسقط بسقوط المقاصد".
لأنَّه ركن قصير.
447 -
فصل في تفاوت الصلاتين في عدد الركعات
إِذا تفاوت عددُ الركعات؛ فإِن كانت صلاةُ المأموم أكثرَ؛ كالرباعية خلف المغرب، صحَّ الاقتداء، ويتابع الإِمام في التشهُّد الأخير كالمسبوق، وإِن كانت صلاةُ المأموم أقلَّ، جاز على الأصحّ، فإِذا صلَّى الصبحَ خلف الرباعية، وتشهَّد مع الإِمام، فلا يقوم مع الإِمام، بل يتخيَّر؛ إِن شاء تحلَّل؛ لأنَّه معذور، وإِن شاء انتظره حتى يسلّم معه؛ فإِن سها في حال الانتظار، فسنذكره في (صلاة الخوف).
وإِن كانت الصلاةُ مغربًا، فلا يقوم مع الإِمام إِلى الرابعة، بل يجلس متشهّدًا، وليس له انتظارُ الإِمام على ظاهر المذهب؛ لأنَّه فارقه بجلوسه، فلا ينتظره بعد مفارقته، وليس له أن يتابعَ فيما بقي من صلاة الإِمام بخلاف المسبوق؛ لأنّ المتابعةَ إِنَّما تُحتمل فيما دون الركعة، فامَّا في ركعة كاملة أو ركعتين، فلا.
448 -
فصل في انتظار الداخل
إِذا أحسَّ الإِمامُ بداخل - وهو قائم أو ساجد -، فلا ينتظره، وكذلك إِن كان راكعًا على أصحّ القولين، وأجراهما بعضُهم في القيام والسجود، والأظهر أنَّ القولين في الكراهية، وقيل: في البطلان.
فإن قلنا: لا يكره، ففي استحبابه تردُّد لأبي محمَّد، وقال الإِمام: لا يُستحبُّ لأن تحصيلَ الركعة للاحق يعارضُه تطويلُها على السابق، وشَرَط الصيدلانيُّ في الخلاف أن لا يطوِّلَ على السابقين، وضبطه الإِمام بالتطويل الذي لو وُزِّع على جميع الصلاة، لظهر تطويلُها للحِسِّ؛ فإِن طوَّل على السابقين، امتنع على قول الصيدلانيِّ وجهًا واحدًا، ومع ذلك فلا قطعَ ببطلان الصلاة.
وكلُّ تطويلٍ لو وُزِّع على الصلاة لم يظهر به طولُها في الحسِّ، ففيه الخلاف، ومقتضى ما ذكره الصيدلانيُّ أنَّه لو طوَّل مرَّةً أو مرَّتين، ففيه القولان، وإِن انتظر في كل ركوع، فقد يُقطع بالمنع إِذا كان المجموعُ كإفراط التطويل في ركوع واحد.
449 -
فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به
كل مَنْ صحَّتْ صلاتُه بغير إِعادة صحَّت إِمامتُه، إِلا المرأةَ والخنثى والأميَّ، وأبعد من قال: لا تقتدي طاهرةٌ بمستحاضة، فيقتدي المتوضِّئُ والكاسي بالمتيمِّم والعاري اللَّذَين لا يقضيان، ولا يأتمُ مَن لا يعيد بمن يلزمه الإِعادة، فلا يقتدي المتوضِّئُ ولا المتيمِّم بمن لا يجد ماءً ولا ترابًا إِذا ألزمناه الإِعادة، ومن لا يجد ماءً ولا ترابًا، هل يقتدي بمثله؟ فيه تردُّد لأبي محمَّد، وأمَّا المرأة والخنثى، فتقتدي بهما النساءُ دونَ الرجال والخَنَاثَى، فإِن اقتدى الخُنثى بامرأة، ثمَّ بان أنَّه امرأة، أو اقتدى رجلٌ بخنثى ثم بان أنَّه رجل، ففي سقوط القضاء قولان.
450 -
فرع:
إِذا اجتمع نساء في دار، فالسنَّة أن يقتدين بإحداهنَّ، وتقف وسطهن، وصلاة الشابَّة في بيتها أَوْلى من اقتدائها في المسجد، فإِن صلَّت إِلى جنب الاِمام [في المسجد] 1، فقد أساءت من وجوه، وتصحُّ صلاتُها وصلاةُ الإِمام.
وإِن تشبَّهت العجوزُ بالشابَّة، كره لها الخروجُ إِلى المسجد، وإِن خرجت مبتذلةً، لم يكره، وتكون صلاتُها في بيتها كصلاتها في المسجد لا فضلَ لإِحدى الجهتين على الأخرى.
451 - فرع: يجوز اقتداءُ البصير بالأعمى، وليس أحدُهما أَوْلى بالإِمامة من الآخر عند الشافعي.
452 - فرع:
يجوز الاقتداءُ بالمنفرد وإِن لم ينوِ إمامةَ أحد، ولا يصحُ الاقتداءُ بالمأموم اتفاقًا، وتبطل صلاة المقتدي به، وإِن اقتدى بمن يشكُّ في اقتدائه لم تصحَّ قدوته، فإن بان أنَّه غيرُ مقتدٍ، ففي وجوب القضاء قولان كالقولين فيمن اقتدى بخنثى، ثمَّ بان أنَّه رجل.
وإِن صلَّى اثنان يَظنُّ كل واحدٍ منهما أنَّه إِمام للآخر، صحَّت صلاتهما، وإِن أشكل على كلِّ واحد منهما هل هو إِمام للآخر أم مقتدٍ به؟ لم تصحَّ
صلاةُ واحد منهما؛ لأنَّه لا يدري أيتابع أم يَستقِل؟
453 -
فرع:
الأَولى (1) بالمقتدي أن لا يُعيِّن إِمامَه في نيَّته، بل ينوي الاقتداءَ بالإِمام الحاضر، فلو نوى الاقتداءَ بزيدٍ؛ فإِن أصاب فذاك، وإِن أخطأ أو صلَّى على زيد، فبان أن الميِّت غيرُه، فالذي ذكره الأئمةُ بطلانُ صلاته.
وهذا مشكِلٌ فإِنَّه إِذا ربط نيَّة القدوة بالحاضر معتقدًا أنَّه زيد، فبان أنَّه عمرو، فقد اجتمع في نيَّته تعيينٌ وخطأ في الاسم، فيظهر أن يُعتبرَ تعيينهُ وإِشارته، ويسقطَ خطؤه، وقد يَعِنُّ للناظر تخريجُ هذا على الخلاف فيمن قال: بعتك هذا الفرس، فإِذا هو حمار.
454 -
فائدة:
إِذا اقتدى النساءُ برجل لم يُشترط في ذلك أن ينويَ الإِمامُ إِمامتهنَ.
455 -
فصل في الاقتداء بالأمي
أما الأُمِّيُ: فيقتدي به الأميُّ، وفي القارئ ثلاثة أقوال: يمتنع 2 في الثالث في الجهريَّة دون السِّريِّة، واختار المزنيُّ الجوازَ؛ اعتبارًا باقتداء المتوضئ بالمتيمِّم، والقائم بالقاعد والمومئ، والجديدُ المنع، فلا يقتدي من1
يلحَن في النصف الأوَّل [من الفاتحة] (1) بمَن يلحنُ في النصف الأخير (2).
456 -
فرع:
لو بان الإِمامُ في السرّيَّة أمِّيًّا فهو كما لو بان جُنُبًا؛ إِذ لا يجب البحثُ عن قراءته، وإن أسرَّ الإِمامُ في الجهريَّة، ففي وجوب البحث عن قراءته وجهان.
457 -
فصل في بيان الأُمِّي
الأُمِّيُّ: من لا يحسنُ الفاتحةَ، أو لا يطاوعه لسانُه على الصواب، بل يُحيل كلمة منها، ومن يردِّد الحرفَ ثمَّ ينطق به؛ كالتمتام الذي يردَّد التاء، والفَأْفاء الذي يردِّد الفاء، فقراءته صحيحةٌ، وليس بأمِّيٍّ؛ لأنَّه أتى بالمقصود، وزاد زيادة وهو مغلوب عليها.
وإِن كان يحسن الفاتحةَ، ويلحن في غيرها، فلا يضرُّ لحنه إِذا عجَز عن تقويم لسانه، وفيه نظر؛ إِذ لا يبعدُ أن يمنعَ من قراءة ما يلحن فيه؛ لأنَّه بمثابة كلمة ليست من القرآن.
ومن قدَر على قراءة الفاتحة فقصَّر، فلا تصحُّ صلاتُه في نفسه.
12
458 -
فصل في اقتداء المنفرد وانفراد المقتدي
إِذا أحرم منفردًا، ثم اقتدى، ففي جواز ذلك في الركعة الأولى قولان، وفيما بعدها طريقان، والجديدُ منع الاقتداء، وجوازُ الاستخلاف مع كونه ابتداءَ اقتداء لم يكن عند العقد.
وإِن انفرد المقتدي ببقيَّة صلاته، فثلاثة أقوال: يُفرَّق في الثالث بين المعذور وغيره، والمذهبُ جوازُ ذلك للمعذور، وألحق الإمامُ الأعذارَ هاهنا بالأعذار في ترك الجماعة وما في معناها.
459 -
فصل في إدراك الركوع وبعض القيام
إِذا أدرك الإِمامَ راكعًا فركع معه، أو أدركه مرتفعًا عن الركوع غيرَ مجاوِزٍ لأقلِّه، فقد أدرك الركعةَ.
وإِن شكَّ في مفارقة الإِمام للركوع، ففي الإِدراك وجهان؛ لتقابل الأصلين.
وإِن أدركه في الاعتدال تابعه في ذلك، ولا يحسبُ من أصل صلاته.
وإِن أدركه قائمًا، فأمكنه قراءةُ الفاتحة والركوع معه، فذاك، وإِن علم أنَّه لو أتمَّ الفاتحةَ لركع، فهل يُتِمُّها أو يركع معه؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحُّها: أنَّه إِن بادر القراءةَ، ولم يشتغل عنها بافتتاح ولا تعوُّذ، ففيه الخلاف، وإِن اشتغل بهما فقد قصَّر، فلْيقرأْ بقدرِ تقصيرِه، والذي لا يُفَصِّل يقول: لا يلزمُ المسبوقَ مبادرةُ القراءة، بل يجري على هيئته، كما لو قدَر
على مبادرة التكبير، فقصَّر فيه مع حضوره؛ فإِنه يدرك الركعةَ وفاقًا، والأصحُّ التفصيل؛ لأنَّه بالإِحرام قد التزم القدوةَ، فيلزمه الاشتغالُ بالأهمِّ، وهو الأركانُ، بخلاف ما قبل الإِحرام.
ولو سبَّح وتعوَّذ، وأطال السكوتَ، فلا يُعتقد في تقصيره خلافٌ.
460 -
التفريع:
إِذا قلنا: يركع فقرأ، وأدرك ركوعَ الإِمام، فذاك، وإِن أدركه بعد الركوع، فقد فاتته الركعةُ، ثمَّ ينظر؛ فإن سبقه الإِمامُ بركنين بطلت صلاتُه، وإِن سبقه بركن؛ بأن أدركه في اعتداله؛ فإِن لم تبطل صلاةُ غير المسبوق بمثل هذا، ففي البطلان هاهنا وجهان من جهة أنَّه تخلَّف عن الإِمام بما فاتت به الركعةُ، فأشبه تخلُّفَه بركعة، فإن قلنا: لا تبطل، فلا يركع، بل يتابع الإِمام، فيهوي معه إِلى السجود، ولا تحسبُ له هذه الركعة.
وإن فرَّعنا على أنَّه يتمُّ القراءةَ؛ فاتمَّها؛ فإن أدركه راكعًا، فذاك، وإِن أدركه معتدلًا، فلا يتابعه، بل يركع ويعتدل، وتُحسبُ له هذه الركعةُ؛ لأنَّه معذورٌ في تخلُّفه.
وإِن سبقه الإِمامُ بأركان؛ فإن فرَّعنا على التفصيل؛ فإن لم يقصِّر، فهل يقرأ أو يركع؟ فيه الوجهان، وإِن قصَّر، قرأ من الفاتحة بقدر تقصيره، فإِن رفع الإِمام من الركوع، فتفريعُه كتفريع ما لو أمرناه بالركوع، فقرأ حتى فاته الركوع.
461 -
فصل في إِدراك تكبيرة الإِمام
لإِدراك إِحرام الإِمام فضلٌ، وفيما يُدرَك به أربعة أوجه:
أحدُها: بقيام الركعة الأولى.
والثاني: بقيامها، أو ركوعها.
والثالث: بركوعها إِلا أن يشتغل بأمر دنيوي.
والرابع: يدركها بحضور إِحرام الإِمام، وتعقيبه بالإِحرام، وهو الأظهر عند الإِمام.
462 -
فصل في التقدُّم والتأخُّر على الإمام
تقدُّم الإِمامِ بركنين مبطلٌ لصلاة المأموم، وبركن واحد وجهان، [فإِذا ركع الإِمامُ واعتدل وسجد، والمأمومُ قائم بطلت صلاتُه، وإِن أدركه في اعتداله، ففيه وجهان] (1) بناهما بعضهُم على أنَّ الاعتدالَ ركنٌ مقصود أم لا؟ فإِن جُعل مقصودم، أبطل صلاتَه، وإِلا فلا تبطل ما لم يسجد، واستبعد الإِمامُ هذا البناء، وقال: إِنْ شرطنا السبقَ بركنين، بطلت (2) صلاتُه بهويِّه إِلى السجود وإن لم يلابسْه، والتقدُّم بالسجود كالتقدم بالركوع إِلا أنَّ الأكثرين على أنَّ الجلسةَ ركنٌ طويل.
463 -
فرع:
إِذا سارع الإمامُ، وجاوز عادتَه، فسُبِق بركنين، فوجهان؛ إِذ لا تقصيرَ، وتقدُّم المأموم كتقدم الإِمام في الخلاف والوفاق، وأبعد أبو محمَّد، فأبطل12
بالتقدُّم إِلى الركن وإن أدركه فيه الإِمام.
464 -
فصل في التقدُّم في الموقف
شرط الاقتداء الشعورُ بصلاة الإِمام، ولا بأس بمساواته في الموقف، والتأخُّر قليلًا أفضلُ، والتقدُّم مفسدٌ على الجديد.
465 -
فرع:
لو أحاطوا بالكعبة، واقتدوا بإِمام المقام، أو صلَّوا فيها مقابِلِي الإِمامِ، صحَّ إِلا أنَّ منْ تقدَّم على الإِمام في جهته لا تصحُّ صلاته، وفي غير جهته وجهان.
466 -
الاقتداء في المسجد:
إِذا اقتدى في المسجد صحَّت صلاتُه، ولا نظرَ إِلى الارتفاع والانخفاض، ولا إِلى بُعْد المسافة، واختلاف الأبنية، فلو وقف الإِمامُ في المقصورة، والمأمومُ في بئر في المسجد، أو فصل بينهما نهرٌ لا يخيض، فلا بأس.
وإِن وقفا في مسجدين بينهما باب لافظ 1، كالجوامع جاز وإن كانت الأبوابُ مردودةً أو مغلقةً، وأبعد من منع في المُغلقة، وقال: إِن كان الحائلُ بينهما مشبكًّا لا يمنع الرؤية، فوجهان، وقطع الإِمامُ بالجواز إِذا كانا
في حكم المسجد الواحد.
467 -
الاقتداء في المَوَات المشترك في الصحراء:
إِذا تواصلت الصفوفُ في الموات المشترك على مِيلٍ أو أكثر، صحَّ الاقتداءُ، فإن تقطعت الصفوف، أو انقطع المأمومُ عن الإِمام جاز، إِن قربت المسافةُ، وامتنع إِن بَعُدت، وقيل: تعتبَر المسافةُ بين المنقطع وبين الإِمام، والمسافة القريبة ثلاثُ مئة ذراع، والأصحُّ أن ذلك تقريب.
468 -
فرع:
لو فصل بينهما نهرٌ مُخِيض أو غير مُخِيض، وعليه جسرٌ، فلا بأس، وإِن لم يكن جسرٌ، وكان بينهما شارعٌ، جاز على المذهب، وفيهما منع لا يتَّجه في الشارع إِلا أن يغلبَ طروقُه.
الاقتداء في الساحات المملوكة كالاقتداء في الموات على المذهب، وأبعد من شرط (1) اتِّصالَ الصفوف، وعلى الأصحِّ: لو وقف الإِمامُ في ساحة زيد، والمامومُ في ساحة عمرو، فوجهان.
469 -
الاقتداء في الأبنية المملوكة:
إِذا وقفا في ملك أو رباط أو مدرسة أو دار موقوفة؛ فإِن ضمَّهما بناءٌ واحد، فالمذهبُ أنَّه كالموات، وإن وقفا في بناءين، فكان الإِمام في صُفَّةٍ، والمأموم في مرقد على جانبها، فاتَّصل صفُّ المرقد بصفِّ الصفة، أو بواقف على باب المرقد، صح اقتداؤُهم واقتداءُ من يصلِّي وراءَ الصفِّ في المرقد،1
دون من يصلِّي أمامَه؛ فإِنْ خلا على العتبة موضعٌ يتَّسع لواحدٍ، فلا تصحُ صلاةُ أهل المرقد، وإِن لم تتَّسع لواحد فوجهان، وعند الإِمام لا يضرُّ خُلوُّ ما يتَّسع للواحد إِذا كان الصفُّ متَّحدًا في العُرْف.
وإِن تخلَّلهم موقفٌ لا يظهر إِلا بالتضامِّ، فلا ينبغي أن يُختلفَ فيه.
وإِن وقف المأمومُ في بناء وراء الصفة؛ كالعَرْصة، فإن لم تتَّصل الصفوفُ، لم يجز، وإِن تواصلت، جاز على الأصحِّ، ونعني باتِّصال الصفَّين أن يكون بينهما قريبٌ من ثلاثة أذرع، وباتِّصال الصفِّ تلاصقَ المناكب.
وإِن اختلفت المواقفُ ارتفاعًا وانخفاضًا، فالشرط أن يلاقيَ رأسُ المستقبل قدمَ المستعلي، وقيل: ركبتَه، وقد نتساهل في قِصَر قامة الصبيِّ وفيما زاد بين الصفَّين على ثلاثة أذرع إِذا كانت الزيادةُ لا تظهر إِلا بالذَّرْع.
470 -
الاقتداء في المواضع المختلِفة الأحكامِ في أمر الوقوف:
يُعتبر في البِقاع المختلفة الأحكام أضيقُها حكمًا، فوقوفُ الإِمام في المسجد والمأموم في ملك، كوقوفهما في بناءين مملوكين؛ اعتبارًا بالملك، فإن كان البيتُ على جانب المسجد، فلابدَّ من اتصال الصفِّ، وإِن كان وراءه، فلابدَّ من اتصال الصفوف.
واتصالُ سطح داره بسطح المسجد كاتصال الساحة المملوكة بالمسجد أو بأرض مُباحة، وإِن وقف الإِمامُ في المسجد، والمأمومُ وراءه، أو على أحد جانبيه في موات أو شارع عامٍّ، جاز في قريب المسافة دون بعيدها؛ اعتبارًا بالمَوات؛ لأنَّه الأضيقُ، وتعتبر المسافة من آخر حدود المسجد أو
من آخر واقفٍ؟ فيه وجهان يجريان في تقدُّم الإِمام على المسجد، ووقوف المأموم فيه؛ فإِن حال بينهما جدرانُ المسجد، أو أبوابه المغلقة، فالأصحُّ عند الإِمام الجواز، وعند غيره المنعُ؛ فإِن فرَّعنا على المنع، فكان الجدار مُشبَّكًا لا يمنع رؤيةَ أهل المسجد، فوجهان.
ولو وقف صفٌّ بحذاء الباب المفتوح، صحَّت صلاتُهم وصلاةُ من وراءَهم بشرط القُرْب، ولا تصخُ صلاة من تقدَّمهم إِلى الجدار.
471 -
الاقتداء في السفن:
وقوفُهما في السفينة تحتَ السقف كوقوفهما في دار مملوكة، وإِن كانت مكشوفةً، فالبحر كمُباح الأرض، والسُّفُن كصفائح مبسوطة على الأرض، ولا أثر لتلك الصفائح، وإِن وقفا تحت سقفَي سفينتين لم تصحَّ، كما لو وقفا في بيتين في الصحراء، وإِن كانتا مكشوفتين جاز عند قرب المسافة، وشرط الإصطخريُّ أن يُشدَّا بحيث يؤمن تقدُّم سفينةِ المأموم على سفينة الإِمام، وهو بعيدٌ.
472 -
باب صفة الأئمة
إِذا اجتمع من يصلح للإِمامة، قُدِّم بالقراءة، والفقه، ثم بالنسب والسنِّ، والأفقهُ أولى من الأقرأ، والأسنُّ أولى من النَّسيب على الجديد، ورأى أبو محمَّد تقديم الورِع على الفقيه، والإِمامُ يقدِّم الفقيهَ المستور على الورِع، والورعَ العالمَ بقدر الكفَاية على الفقيه الفاسق؛ إِذ لا يؤمن تهاونُ الفاسق بشرائط الصلاة.
والاعتبار بكبر السنِّ في الإِسلام، ولا تُشترط الشيخوخة، فيقدَّم ابن ثلاثين على ابن عشرين بالاتفاق، والاعتبار بنسب قريش، وفي الانتساب إِلى الصالحين والعلماء تردُّدٌ، والظاهر اعتبارُ الأنساب المعتبرة في كفاءة النكاح، وقياسُ المذهب أنَّ المُسِنَّ والقُرشيَّ المستورَين أولى من المشهور بالزهد والورع، وفيه احتمال، وممَّا يقدَّم به النظافةُ والنزاهةُ في الثياب، والطهارةُ.
473 -
فصل في التقديم بالسَّلطنة والمُلك
مالك الدار ومأذونُه أولى من غيرهما، إِلا السلطانَ ومن يقدِّمه، فإِنَّهما أولى من مالك الدار، ومن الأفقه والأقرأ في غير الدار.
والمُكتري أولى من المُكْرِي، والمستعيرُ أولى من غيره، والمُعير أولى منه إِن رجع، وإِن لم يرجع فعن القفَّال جوابان.
وإِن أسكن عبدَه دارًا فهو أولى من عبده، والعبدُ أولى من غيره.
والحاصل أنَّ التقديمَ بالسلطنة، ثمَّ بالمِلك، ثمَّ بالفقه والقراءة، ثم بالسنِّ والنسب، وفي الورع ما تقدَّم.
474 -
فرع:
يكره أن يَؤمَّ الرجلُ مَن يكره إِمامتَه، إِلا أن يقدِّمه السلطانُ، فلا يكره، وإِن كرهه البعض، فالاعتبارُ بالأكثر.
475 -
باب صلاة المسافر
القَصْرُ رخصة للآمِن والخائف إِذا بلغ السفرُ مرحلتين؛ ثمانيةً وأربعين ميلًا، والمرحلةُ ثمانية فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، إِلا أنَّ العزيمةَ أولى من الرخصة إِن لم يبلغ ثلاثَ مراحل، فإن بلغها فالصومُ أفضل من الفطر، وفي القَصْر والإِتمام قولان، وأخطأ من فضَّل القصرَ، وذكر في الفطر قولين.
476 -
فصل في بيان ابتداء السفر
أوَّلُ السفر مفارقةُ محلِّ الإِقامة، وذلك في البلد المُسوَّر المدرَّب بمفارقة دُروبه، وفي غيره بمفارقة عمرانه؛ فإن كان وراء العامر خرابٌ اندرست آثارُه، أو اتُّخِذ مزارعَ، أو سُوِّر على العامر دونه، فلا تجب مجاوزتُه، فإِن كان بالخراب 1 منازلُ ودورٌ، فاتُّخذ بساتينَ، فإِن كان المُلَّاك لا يأتونها إِلا لتفرُّجٍ 2 أو نقلِ ثمرِه، فلا تجبُ مجاوزتها؛ كالمزارع، وإِن كانوا يسكنونها أو ينتقلون إليها في بعض الفُصول، وجبت مجاوزتُها، وإِن لم يكن شيءٌ من ذلك، فلا تجب المجاوزةُ، إِلا أن يكونَ بعده عامرٌ معدود من البلد.
وقال أبو محمَّد: إِن بقيت آثارُ الأبنية، أو سُوِّر على العامر سورٌ، وعلى الخراب سور آخرُ، فلابدَّ من المجاوزة، ويشترطُ في القرية مجاوزةُ أبنيتها وبساتينها؛ لأنَّها معدودةٌ منها، ولا يشترط مفارقةُ المزارع بالاتفاق؛ لأنها ليست بمحلِّ سُكون.
477 -
فرع:
لو اتَّصلت أبنيةُ قريتين، وجبت مفارقتُهما على النصِّ، ولا يجب إن انفصلتا على التقارب، خلافًا لابن سُريج؛ إِذ لا ضابطَ للقرب، ولعلَّ ضبطه بما يقع بين محلَّتين متواليتين في بلدة.
ويشترط في البوادي مجاوزةُ الخيام والأخبية، والدِّمَن ومطارح التراب، ومواضع التردُّد، ومجالس المشورة، ولا تجبُ مجاوزةُ المَسْقى والمُحتَطَب إِلا أن يُعدُّوا نازلين عليه.
478 - فرع: قال الصيدلانيُّ: لو تفرَّقت الخيامُ؛ فإِن كانوا يسمرون في نادٍ، ويستعير بعضُهم من بعض، وجب مجاوزةُ الجميع، وإِلا فليفارقْ رَبُّ كلِّ خيمة خيمتَه وحريمَها المذكور في الخيام، ولا يجب مجاوزةُ عرض الوادي إِلا أن ينسبَ إِلى مخيَّمهم.
479 - فرع: لو رجع المسافرُ لأخذ شيء لم يَقْصُر بالبلد إِن كان وطنَه، وإِن كان غريبًا أقام به، قصر على الأصحِّ.
480 -
فصل في اشتراط قصد السفر الطويل
إِذا فارق وطنَه قصر بشرط أن يقصدَ سفرًا طويلًا، فلو خرج هائمًا أو لطلب آبق أو غريم لا يدري متى يلقاه، فلا يترخَّص بشيء من رُخَص السفر وإِن طال سفره ألفَ فرسخ.
وإِن خاض في السفر، ثمَّ عزم أنَّه يرجع متى لقي فلانًا، وإِن لم يلقه مضى إِلى مقصده، فقد قيل: لا يترخَّص، والمذهب أنَّه يترخَّص ما لم يَلْقَه؛ بناءً على قصده الأوَّل، فإِذا لقيه صار مقيمًا، وإِن نوى بلدتين يقيم بأولاهما أربعًا؛ فإن بلغت كلتا المسافتين مرحلتين مرحلتين ترخَّص، وإِن لم تبلغ كلُّ واحدة منهما مرحلتين، فلا يترخَّص، وإِن نوى مرحلتين ثمَّ قصد في وسط الطريق إقامة أربع، فالنصُّ أنَّه يترخَّص فيما بقي إلى مقصده؛ اعتبارًا بقصده الأوَّل وقيل: لا يترخَّص من حين نوى الإِقامة؛ لقُرْب المسافة.
481 -
فصل في ترخُّص من نوى إِقامة ثلاثة أيام
إِذا أتى بلدةً أو قرية، فنوى أن يقيمَ بها ثلاثة أيَّام بلياليهنَّ غيرَ يومَيِ النزول والرحيل، فله حكم المسافرين، ونعني باليومين بقيَّةَ الليل أو النهار؛ لاشتغاله فيهما بالحَطِّ والترحال، فإِن وصل قبل الغروب 1 بحيث يقعُ 2 بعضُ شغله في الليل، حُسبت الليلة مع بقيَّة النهار على رأي الإِمام، وإِن
نوى إِقامةَ ثلاثة ليلام ولحظةً، انقطع سفرُه كما نوى، فلا يترخَّص بشيء من رُخَص السفر.
482 -
فصل في ترخُّص من أقام لشغل يتوقَّع نجازَه
روى ابن عباس أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقام بسبب الجهاد ثمانية عشَر يومًا يقصر الصلاةَ 1، وروى عمران بن حصين سبعة عشر 2، وروى جابر عشرين 3، فمن أقام لشغل يتوقَّع نجازَه في كلِّ حين، ويُجَوِّز تأخرَه؛ فإن كان جهادًا أو حصارًا، ترخَّص في المُدَّة المأثورة، وقد اختلفوا في الروايات الثلاث، فقيل: ثلاثةُ أقوال، وقيل: بالاعتماد على رواية ابن عباس، وتُحمل رواية جابر على أنَّه حسَب يومي الدخول والخروج، وهل يقتصر على هذه المدَّة، أو يترخَّص ما استمرَّت حاله 4؟ فيه قولان.
وإِن أقام لشغلٍ آخرَ، كالتجارة، ترخَّص ثلاثًا، وفيما جاوزها إِلى ثمانية
عشر قولان، وقد خرَّجوا في الغازي قولًا من التاجر أنَّه لا يقصرُ وراء الثلاث، وفي التاجر قولًا من الغازي أنَّه يقصر أبدًا؛ فإِن قلنا: يقصران ثمانية عشر، فجزما بإِقامتها، أو علما أنَّ شغلَهما لا ينتجزُ إِلا بإِقامتها، ففي ترخُّصهما قولان، واستبعد الإِمامُ جزمَ الإِقامة من جهة أنَّه إِن علم أنَّ شغلَه يستمرُّ ثمانيةَ عشر، فهي الصورة الثانية، ولا يُتصوَّر الجزمُ على تقدير بقاء الشغل مع الشكِّ في بقائه، وإِن أريد بالجزم أنَّه يقيم هذه المدَّة وإِن انقضى شغلُه قبلها، فالوجهُ القطع بأنَّه لا يترخَّص وإِن دام شغلُه؛ لأنَّه جزم الإِقامة لغير شغل.
ثمَّ قد يجرُّ تفريعُ الأقوال الضعيفة إِلى خلاف الإِجماع؛ إِذ ينتظمُ ممَّا ذكرناه أنَّ من علم أنَّ تجارته لا تنقضي في أقلَّ من سنة، فإِنَّه يقيم فيها ويقصرُ، ولا سبيلَ إلى تجويز ذلك.
483 -
فرع:
إِذا نوى الإِقامةَ حيث يمكن، فلا ترخُّصَ، وإِن جرت إِقامته تعذُّرًا أو عسرًا، وإِن كان بمفازة لا يُتصوَّر فيها إِقامة، فوجهان:
أحدهما: لا ترخُّص (1)؛ لأنَّه قطع السفر، وتعرض للهلاك.
والثاني: يترخَّص؛ إِلغاءً لنيَّته؛ إِذ لا يمكنُ الوفاء بها.
484 -
فصل في السفر في أثناء الوقت
إِذا فاتت الصلاةُ في الحضر، فلا يقصر في السفر، خلافًا للمزنيِّ،1
وإِن سافر وقد بقي من الوقت ما يسعُ الصلاةَ قَصَر على النصِّ.
وإِن أدركت المرأةُ من أوَّل الوقت ما يسعُ الصلاةَ، ثمَّ حاضت لزمها القضاءُ على النصِّ، ففرَّق بعضُهم بأنَّه لا يمكنها الصلاةُ إِلا فيما طهرت فيه، فانحصر الوجوبُ فيه، بخلاف المسافر، وخرَّجها القيَّاسون على قولين:
أحدهما: يتمُّ المسافر، وتقضي الحائضُ؛ لأنَّ الصلاةَ وجبت عليهما بأوَّل الوقت.
والثاني: يقصر، ولا قضاءَ على الحائض، فإِنْ جوَّزنا القصر، فبقي ما لا يسع الفريضةَ، فطريقان:
أصحُّهما: أنَّه إِن بقي قدْر ركعة فما زاد، ففي القَصْر وجهان مبنيَّان على أنَّ الصلاة مقضيَّة أو مؤدَّاة، وإِن بقي قدْر تكبيرة، وقلنا: يقصر بقدر الركعة، فهاهنا وجهان من جهة أنَّ الركعة يُدرَك بها الجمعة، وهي على صورة المقصورة، بخلاف التكبيرة.
والطريقة الثانية: إِن بقي قدرُ ركعتين فما زاد، قصر، وإِلا فلا.
485 -
فرع:
لو مضى من أوَّل الوقت قدرُ ركعة، فسافر، وقلنا: لا يقصر وإِن بقي قدرُ الأربع، فينبغي أنَّ لا يقصرَ هاهنا.
486 -
فصل في قضاء فوائت الأسفار
إِذا فاتته صلاةُ سفر، فقضاها في ذلك السفر، ففي قصرها قولان، وإِن قضاها في الحضر فقولان مرتبان، وأولى الإِتمام، وإِن قضاها في سفرٍ
آخرَ؛ فإِنْ رتَّبنا ذلك على المسالة الأولى، فالإِتمام أولى، وإِن رتَّبناه على الثانية، فالقصر أولى، وإِن جمعنا الصورَ، ففيها أربعة أقوال.
487 -
فصل فيما يوجب على المسافر الإِتمامَ
إِذا اقتدى بمقيم أو بمسافرٍ صلاتُه تامَّة؛ كالصبح، لزمه الإِتمامُ، وإِن قصر الظهرَ خلف مَنْ يصلي الجمعة، فوجهان، وإِن اقتدى بمسافر متمٍّ ثمَّ أفسدها، أو أنشأها في الحضر، ثمَّ أفسدها، لزمه الإِتمامُ إِلا أنْ يظهرَ حدثُه، فلا يلزمه الإِتمام.
وإِن ظنَّ إِقامةَ الإِمام، ثمَّ بان سفرُه، لزمه الإِتمامُ محدثًا كان الإِمام أو متطهرًا، وإِن ظن سفرَ إِمامه، فظهر حدثُه، ثمَّ إِقامته، أو ظهرا معًا، قصر على المذهب، وإِن ظهرت إِقامتُه، ثمَّ حدثه، لزمهُ الإِتمامُ، كما لو اقتدى بمقيمٍ ثمَّ ظهر حدثه.
وإِن شكَّ في إِقامة الإِمام وسفره لزمه الإِتمامُ على المذهب، وفيه قول: أنَّه لا يلزمه إِذا بان سفرُه وقَصْرُه، وهو وجه ذكره في "التَّقريب".
وإِن شكَّ هل نوى إِمامُه المسافر القصرَ، فله القصرُ، إِذ يعسرُ الوقوفُ على نيَّته، بخلاف معرفة سفر الإِمام، فإِنَّ البحثَ عنها ممكن، ولأنَّ ذلك يؤدِّي إِلى منع الاقتداء في الأسفار، مع أنَّ الظَّاهر من حال المسافر القصرُ، فلا يضرُّ التردُّد مع الاعتماد على الظاهر؛ ولذلك لو أخرج الزكاةَ عن مال غائب على تقدير سلامته، أو نوى الصومَ ليلة الثلاثين من رمضان على تقدير أنَّه من رمضان، أو شكَّ المحدِثُ في الطهارة، فنوى رفعَ الحدث على تقديره،
ثمَّ ظهر ما قدَّره، فإِنَّ ذلك يجزئه، ولا يضرُّ تردُّده فيه، بخلاف ما لو زكَّى مالًا على تقدير أنَّه ورِثه، أو نوى صومَ الثلاثين من شعبان مقدِّرًا أنَّه من رمضان، فبان أنَّه من رمضان، أو شكَّ المتطهِّر في الحدث، فتوضَّأ، ثمَّ بان ما قدَّره، فلا يجزئه شيءٌ من ذلك.
488 -
فرع:
لو اقتدى المسبوقُ بمسافر، فأخبره أنَّه قاصرٌ، فله القصر، وإِن ذكر أنَّه متمٌّ، فإن كان عدلًا لزم الإِتمامُ، وإِن كان مستورًا أو غيرَ موثوقٍ به فوجهان.
489 - فرع: لو رَعَف إمامُ المسافرين فاستخلف مقيمًا، فالنصُّ وجوبُ الإِتمام على الراعف، وذلك محمولٌ على ما لو رجع واقتدى، ولذلك قال الشافعي: لأنَّه لم يُكمل واحدٌ منهم الصلاةَ حتى صار فيها في صلاة مقيم، وقيل: إِذا لم تبطل الصلاةُ بسبق الحدث لزم الإِتمامُ، وإِن لم يقتد بخليفته؛ لأنَّه اجتمع معه في صلاة واحدة، ولا يصحُّ هذا؛ لأنَّ الاستخلافَ باطل في القديم، وصلاةُ الراعف باطلة في الجديد.
490 -
فصل في وجوب نيَّة القصر
لا يجوز القصرُ إِلا بنيَّة مع الإِحرام، فإِن أطلق أو شك في ذلك لزمه الإِتمامُ، وإِن ذكر بعد ذلك أنَّه قاصر، سواء طالَ زمن الشكِّ أو قصر.
وإِن اقتدى بقاصر، فنوى الإِمامُ الإِتمامَ، أو قام إِلى ثالثة، فظنَّه المأموم متمًّا فعلى الماموم الإِتمام، وإِن علم أنَّه قام إِليها سهوًا، فلا يلزمه الإِتمام،
فإِن أراد الإِتمامَ، فليس له أنَّ يقتديَ بالإِمام في سهوه؛ لأنَّه خطأ ليس محسوبًا من الصلاة، وكذلك لو أدرك المسبوقُ رابعةَ الإِمام، فسها بخامسة، فلا يتابعه فيها، وإِن فعل بطلت صلاتُه؛ كما لو اقتدى بمحدِث.
491 -
فرع:
لو سها القاصرُ بثالثة ورابعة، ثمَّ نوى صرفَهما إِلى الإِتمام لزمه الإِتمام، فيأتي بركعتين، ويسجد للسهو، ولا تنصرفُ الزيادة إِلى الإِتمام؛ إِذ لا ينقلبُ الخطا صوابًا.
492 -
فصل في الإقامة في أثناء الصلاة
ومهما وقع شيءٌ من الصلاة في الإِقامة تعيَّن الإِتمامُ، فإِذا انتهت السفينةُ إِلى الحَضَر وهو في الصلاة، وجب الإِتمامُ وإِن لم ينوِه، وكذلك لو نوى إمامُه المسافر الإِتمامَ، لزمه الإِتمامُ وإِن لم ينوه؛ لأنَّ نيَّةَ القصر تتضمَّن الإِتمامَ؛ لأنَّه الأصل، فكأنَّه نوى القصرَ ما لم يَعرِض موجبٌ للإِتمام، ولذلك 1 لو نوى الإِتمامَ في أثنائها لزم وإِن لم ينوه مع الإِحرام، وإن نوى القصرَ، ثمَّ أتى بالأربع ولم ينو الإِتمامَ بطلت صلاتُه، إِلا أنْ يسهوَ بذلك، فليسجد للسهو، وقد ذكر الإِمامُ مسائلَ رآها من غير نقل، وهي: إِذا نوى المقيمُ الظهرَ ركعتين ولم يقصد الترخُّص، فلا تصحُّ صلاتُه، وإِن قصد الترخُّص ففيه احتمالٌ من جهة أنَّ نيَّة الترخص تتضمَّنُ الإِتمامَ،
ويظهر أنَّ لا يصحَّ؛ لأنَّه غيرُ معذور في نيَّته، بخلاف ما لو نوى القصرَ ظانًّا أنَّه مسافر، ثمَّ بانت إِقامتُه، فإِنَّه يتمُّ على الصحَّة بلا خلاف.
ولو نوى المسافر الجاهلُ برخصةِ القصرِ الظهرَ ركعتين، ففيه احتمال، وإِن علم الرخصةَ، فنوى ركعتين ولم يقصد الترخُّص، ولم ينفه، صحَّ، وإِن نفاه وجزم بالركعتين، ففيه احتمال.
493 -
فصل في تغيير القصد في السفر
إِذا قصد المسافر أنَّ يرجعَ إِلى وطنه؛ لشغل عرض له، فقد صار مقيمًا بمكانه، فلا يترخَّص ما لم يفارقْه سواءٌ جدَّد قصدَ الاستمرار على عزمه الأوَّل أم لا، فإِن رجع إِلى وطنه ترخَّص إِن طالت المسافة، وإِن قصُرت فلا يترخَّص حتى يخرجَ من وطنه، فيقصر حينئذ؛ فإِن أقام بعد خروجه بالمكان الذي رجع منه ترخَّص في مدَّة المسافر؛ لأنه لم يصِرْ بقصد الرجوع محلًّا للإقامة؛ مثال ذلك: لو قصد القدسَ من حمصَ فلمَّا صار بدمشقَ نوى الرجوع إِلى حمص أو التوجُّهَ إِلى صور، أو جدَّد قصدَه إِلى القدس، فلا يقصر بدمشقَ في مدَّة المسافرين، فإِذا فارقها إِلى إِحدى الجهات الثلاث، قَصَر؛ لطول المسافة، وإِن قصرت المسافةُ إِلى بعض الجهات دون بعض، قصر في طويل المسافة دون قصيرها 1.
494 -
فصل فيمن مرَّ بوطنه في أثناء أسفاره
نقل الصيدلانيُّ عن الشافعيِّ أنَّ المكِّيَّ لو خرج حاجًّا إِلى عرفة عازمًا على العود لطواف الوداع، والخروج إِلى سفر بعيد، فلا يقصر في حجِّه؛ لأنَّه ليس من سفره الذي قصده من مكَّة، ولو خرج إلى جُدَّةَ على أنَّ يعودَ إلى مكَّة، ويخرج إِلى سفر طويل قصر بجُدَّة في مدَّة المسافرين، وكذلك في ذهابه وإِيابه؛ لأنَّ مسيرتَها خمسون فرسخًا، وفي قصره بمكَّة في مدَّة المسافرين قولان يجريان في كلِّ عابر بوطنه في أثناء سفره، ولعلَّ الأقيسَ القصرُ، بِناءً على قصده؛ إِذ لو امتنع ذلك لوجب ألَّا يقصرَ عند خروجه منه إِذا قربت مسافتهُ من مقصده، وهذا وإِن كان قياسَ قولِ المنعِ فقد رأى الإِمام أنَّه لا سبيلَ إِلى التزامه ومهما بلغ السفر مرحلتين، فإِنَّه يقصر ذاهبًا وآيبًا، وظاهر نقل الصيدلانيِّ أنَّه يقصر بمقصده في مدَّة المسافرين، واستبعده الإِمام من جهة أنَّ سفره ينقطع على مقصده، فيكون إيابُه كسَفْرة جديدة؛ ولذلك لو كان سفرُه مرحلةً واحدة، فإِنَّه لا يقصر ذاهبًا ولا آيبًا، ولولا أنَّ الإِيابَ كابتداء السفر، لجاز له القصرُ؛ ضمًّا لمسافة الذهاب إِلى مرحلة الإِياب.
ولا وجهَ لما ذكره الإِمامُ 1؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ترخَّص بمكَّة وعرفةَ، وهما مقصدُه وغايةُ سفره، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان صدرًا من خلافته، وإِنَّما ينقطع السفرُ بالوصول إِلى المقصد إِذا لم ينوِ تواصلَ السفر، بخلاف ما لو نوى التواصلَ.
495 -
فصل في سفر المعصية وما لا غرضَ فيه
الرخصُ ثابتة للعاصي في سفره، دون العاصي بسفره، كالآبِق والعاقِّ، ولا خلافَ في تناوله الأطعمة المباحة، وفي أكله الميتةَ، ومسحِه يومًا وليلة، وقضاءِ ما أدَّاه بالتيمُّم وجهان.
ولو عصى بإِقامته، كالعبد يأمره سيِّده بالسفر، فيقيم بغير عُذْر ففي مسحه يومًا وليلة وجهان.
ولو تحرَّك المقيمُ في معصية لو مسح خفَّيه لاستعان على حركته، احتُمل ألَّا يترخَّص.
وإِن عصى ببقيَّة سفره، أو تاب ولم يغيِّر مقصدَه، فالاعتبار بقصده الأوَّل على النصِّ، وخرَّج ابن سُريج قولًا أنَّه يُجعل من حين غيَّرَ قصدَه كالمبتدئ بالسفر، وقطع به بعضُهم في صورة التوبة، ولا خلافَ في اعتبار قصده الطارئ في تبديل الجهة، أو تقصير السفر.
ولا يُشترط كونُ السفر طاعةً، بل يكفي نفيُ المعصية بشرط الغرض الصحيح.
فلا يترخَّص مَنْ يتنقل في البلاد لغير غرض معقول، وكذلك من لا يقصد إِلا رؤيةَ البلاد عند أبي محمَّد، وقد حرَّم الصيدلانيُّ إِتعابَ الأنفس والدوابِّ في سفر لا غرضَ فيه.
496 -
فرع:
إِذا بَعُدت إِحدى طريقيه، وقَرُبت الأخرى، فكانت مرحلةً واحدة،
فسلك البُعدى لغرضٍ ظاهر من أمن أو سهولة، ترخَّص وإِن كانت طيبةً نَزِهةً فقد تردَّد فيها أبو محمَّد، ولعلَّ الظاهر الجوازُ، وإن لم يكن غرضٌ، فقولان، ظاهرُ المذهب المنعُ، وبه قطع بعضُهم، وحَمَلَ أحدَ النصَّين على وجود الغرض، والآخرَ على عدمه، وقد اتَّفقوا على أنَّ السفرَ لو كان مرحلةً، فطوَّله بذهابه يَمْنةً ويسرة لغير فائدة، فإنَّه لا يقصر، وقال الصيدلانيُّ: مَنْ رَكَض دابَّته لغير رياضة أو أدب، فقد عصا بإِيذائها.
497 -
فرع:
لو ختن نفسَه؛ تعديًا، أو خلع قدمَه فصلَّى قاعدًا، أو استجهضت المرأة فنُفِست، فلا يجب قضاءُ الصلوات في الصور الثلاث على المذهب؛ لانقضاء المعصية، ولو أفطر يومًا من رمضان تعديًا (1)، ثم قضاه في السفر، ففي ترخُّصه بإِفطاره وجهان، ولو أفطر معذورًا لترخَّص.
498 -
فصل في الجمع بعُذْر السفر
يجوز الجمعُ بالسفر الطويل، وفي [السفر] 2 القصير قولان، وجمع التقديم بعرفة، والتأخير بمزدلفة مُعلَّلٌ بالسفر، أو باشتغاله بالنُّسك؛ فيه وجهان، فإِن علَّلناه بالنسك، جاز لكلِّ ناسك حتى العَرَفي بعرفة، والمزدَلِفي بمزدلفة، وإِن علَّلناه بالسفر، جاز لكلِّ من طال سفره، وفيمن قصُر سفر1
كالمكِّيِّ [بعرفة ومزدلفة] (1) والمزدلفيِّ بعرفة قولان، فلا يجمع العَرفيُّ بعرفة (2)، ولا المزدلفيِّ بمزدلفة، وفي جمع أحدهما بوطن الآخرِ القولان، ولا تعلُّقَ للجمع بالصبح، بل يختصُّ بالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء تقديمًا وتأخيرًا.
499 -
فصل في جمع التقديم
ويُشترط فيه الترتيبُ والموالاة بقَدْر الإِقامة ونيَّة الجمع، وخرجهما بعضُهم على الوجهين في نيَّة التمتُّع، ولا بأسَ بالكلام بينهما، وإِن نكسهما أو فرَّقهما بعذر أو غير عذر، بطلت العصرُ دون الظهر، وإِن رتَّبهما، ثمَّ بان فساد الظهر بطلت العصر اتفاقًا، ونصَّ على أنَّ النيَّة في جمع المطر مع إِحرام الأوَّل، وفي جمع السفر ما لم يتحلَّل منها، ففرق بعضُهم بأنَّ المطرَ لا يُشترط دوامُه، بخلاف السفر، والأصحُّ إِجراء قولين فيهما.
وإِن جوَّزْنا التأخيرَ عن الإِحرام؛ فلو قُرنت النيَّة بالسلام فوجهان، وقد خُرِّج قولٌ ثالث أنّها تجزئ ما لم يتحرَّم بالعصر، ولا تجزئ مع إِحرام العصر، ولا يبعدُ جوازُ ذلك، ولا تجزئُ بعد التحرُّم بالعصر.
12
500 -
فصل في جمع التأخير
إِذا جمع تأخيرًا ففي وجوب الترتيب والوِلاء وجهان.
فإِن لم نوجبْهما فلا تُشترط نيَّة الجمع وجهًا واحدًا، ولا تصيرُ الظهر مقضيَّةً على المذهب؛ بدليل أنَّه لا يجوز تأخيرُها عن وقت العصر، وأنَّ المعذورَ يدركها بإِدراك وقت العصر.
فإِن أوجبنا الترتيبَ والوِلاء، فأخلَّ بهما، أجزأته العصر؛ لوقوعها في وقتها، وصارت الظهرُ قضاءً لا تقصر إِن منعنا قصرَ الفوائت، ولكنَّها تجزئه بنيَّة الأداء، وقال الإِمام: إِنْ فرَّقهما بعذر أجزأت بنيَّة الأداء، وإِن لم يكن عذرٌ، ففيه احتمال، وخصَّ الصيدلانيُّ الخلافَ بالترتيب، واختاره الإِمامُ من جهة أنَّ الظهر إِذا وقعت أداءً، فكيف تنقلب قضاءً إلا بطريق الوقف، بخلاف الإِخلال بالترتيب.
فإن أوجبنا الترتيب دون الولاء، فلا تجب نيَّةُ الجمع، وإِن أوجبناهما وجبت، كما في جمع التقديم.
والإِخلال بنيَّة الجمع كالإِخلال بالولاء.
وإِذا جمعت العشاء إلى المغرب، وضيَّقنا وقتها، فيظهر أنَّ يلزمَه إِيقاعُهما فيما يحسب من وقت المغرب.
501 -
فصل في انقطاع السفر في أثناء الصلاة
ومهما أقام أو انتهى إلى موضع الإِقامة في أثناء الظهر أو قبل الإِحرام
بالعصر، فلا يجمعُ تقديمًا، وفي أثناء العصر وجهان، ولا تضرُّ الإِقامةُ بعد الغروب، وكذلك بعد الفراغ من العصر إِن قلنا: لا تبطلها الإِقامةُ في أثنائها، فإن أبطلناها، فوجهان، ووجهُ الإِبطال: التشبيهُ بالزكاة المعجَّلة.
502 -
فصل في الجمع بالمطر
يجوز الجمعُ بالمطر في الحَضَر تقديمًا، وفي التأخير وجهان، وقيل: يجوز التأخيرُ، وفي التقديم وجهان، وقطع الصيدلانيُّ بجواز التقديم ومنع التأخير، وفيه قولٌ غريب أنَّه يختصُّ بجمع العشاء مع المغرب تقديمًا، وهو بعيد.
ويُشترط وجودُ المطر عند الإِحرام بهما، ولا يُشترط عند التحلُّل من الأُولى، خلافًا لأبي زيد.
ولا بأس بانقطاع المطر في أثناء الظهر أو العصر، وغلِط من ألحق انقطاعَه في أثناء العصر أو بعدها بطريان الإِقامة؛ إِذ لا بأسَ به في أثناء الظهر اتفاقًا.
فإِنْ جَمَع في بيته، أو كان طريقُه إِلى المسجد في كِنٍّ، أو كان طريقُه مكشوفًا، فجمعوا في المسجد فُرادى، لم يجز على الأظهر؛ لأنَّ سببَ الجمع إِنَّما هو الاقتداء، وعلى المؤخِّر في السفر أو المطر أنَّ يقصدَ بتأخيره الجمعَ، فإن خالف فقد عصى، وتصير الأُولى قضاءً، وقال الإِمام: إِذا لم يشرط نيّة الجمع عند الصلاة، فلا يبعد أنَّ يجوزَ التأخيرُ بنفس السفر، وأن
يصيرَ الوقتُ مشترَكًا.
ولا يجمع بالوَحْل، وفي الثلج اختلافٌ.