الغاية في اختصار النهايةصفحات 426-465

المحاباة على الأصحِّ، وقال أبو عليٍّ: لا تصحُّ، فيجب مهرُ المثل.

2104 -

فصل في الوصيَّة لمن بعضه حرٌّ وبعضه رقيق

إذا وصَّى لمن بعضُه حرٌّ وبعضُه رقيقٌ لأجنبيٍّ، أو وهبه شيئًا، فله حالان: إحداهما: ألا يكون بينه وبين مالك رقِّه مهايأة، فإن قَبِلَ بإذن السيِّد صحَّ قبوله، وإن قَبِلَ بغير إذنه فوجهان، فإن قلنا: لا يصحُّ، ففي صحَّته فيما يقابل نصْفه الحرَّ وجهان، فإنْ أذن له السيِّد في القبول بعد زمانٍ يقطع مثلُه القبولَ عن الإيجاب، فقيل: يصحُّ قبوله للوصيَّة دون الهبة.
ومتى قَبِلَ العبدُ الهبة بإذن السيِّد حصل المِلْكُ للسيِّد بغير واسطة، ولهذا لو أوصى لعبد نفسِه، أو عبدِ وارثه، كانت الوصيَّة للوارث.
وإن خوطب العبد بالهبة، فقبلها السيِّد، لم يصحَّ؛ فإنَّ قبوله لا ينتظِمُ مع الإيجاب، فإنْ قَبِلَهَا عن العبد ففي صحَّة القبول احتمال؛ فإنَّ قبول وارث الموصَى له صحيحٌ، وإن لم يكن الإيجاب معه؛ فإن قلنا: يصحُّ، فردَّ العبد الهبة لم ينفذ ردُّه، وإن ردَّ السيِّد الهبة عقيب الإيجاب، فقَبِلَها العبد؛ فإنْ شرطنا الإذن لم يصحَّ قبوله، وإن لم نشرطه، فنهاه السيّد عن القبول، فالظاهر عند الإمام صحَّةُ القبول، وحصولُ المِلْك للسيِّد، كما لو نهاه عن الخلع، فخالع بغير إذنه.
الحال الثانية: أن يكون بينهما مهايأة، فتدخل فيها الأكساب المعتادة،

كأجور الحِرَف والاحتطاب، فإن وقعت في نوبته اختصَّ بها اختصاصَ الأحرار، وإن وقعت في نوبة السيِّد اختصَّ بها اختصاصَ السيِّد بكسب عبده، وفي الأكساب النادرة - كالالتقاط وقبولِ الوصايا والهبات - وجهان: أحدهما: لا تدخل، فيشتركان فيها؛ لبُعد اندراج النادر في المهايأة، أو لأنَّ قبول الوصيَّة والهبة لا يفوت شيئا من المنافع، وموردُ المهاياة المنافعُ، فكأنَّها قسمةٌ للمنافع.
فإن قلنا: لا تدخل؛ فلو غلبت الهبات في بعض الجهات بحيث لا تُعدُّ نادرةً، ففي اندراجها في المهاياة وجهان مأخذُهما المعنيان.
وإن صرَّحا بإدخال الكسب النادر في المهايأة؛ فإن علَّلنا بالندور دخل، وإن علَّلنا بالقسمة لم يدخل.
ومتى أدرجنا الكسب النادر في المهايأة، فوقع في نوبة أحدهما، اختصَّ به.
والاعتبارُ في اللقطة بيوم الالتقاط، وفي الإيصاء: بوقت الوصيّة، أو بموت الموصي؟ فيه وجهان، فإن اعتبرنا يوم الموت؛ فإن قلنا: يملك بالموت حقيقةً أو تبيُّنًا، فالعبرة بيوم الموت، وإن قلنا: يملك بالقبول، فالعبرة بيوم الموت أو القبول؟ فيه وجهان.
ولو اتَّهب شيئًا في يوم السيِّد، وقبضه في يوم نفسه؛ فإن قلنا: يملك بالعقد، فالعبرة بيوم العقد، وإن قلنا: يملك بالقبض، فالعبرة بيوم القبض أو العقد؟ فيه وجهان.

2105 -

فصل فيمن أوصى لمن بعضه حرٌّ، وبعضه رقيقٌ لوارثِ الموصِي

إذا أوصى لمن بعضُه حرٌّ، وبعضُه رقيقٌ لوارثِ الموصِي، فكان بينهما مهاياةٌ، أو لم يكن، فكلُّ صورةٍ جعلنا فيها المِلْكَ للأجنبيِّ الذي يملك نصفَ العبد في المسألة السابقة فالوصيَّةُ هاهنا مردودةٌ؛ لأنَّها وصيَّة لوارثٍ، وكلُّ صورةٍ جعلنا الملك فيها لمَن رقَّ بعضُه في المسألة السابقة فالوصيَّة هاهنا له، وكلُّ مسألة جعلنا الوصيَّة بينهما في الصورة السابقة فهي [باطلة] 1 هاهنا عند أبي عليٍّ؛ إذ لا يمكن جعلها لبعضه الحرِّ، ولا قسمتُها على الحرِّيَّة والرقِّ، ولا يبعد أن يصحَّ ما يختصُّ بالعبد، ويَبْطُلَ ما يختصُّ بالوارث؛ لقبول الوصيَّة للتبعيض، بخلافِ توريث مَن بعضُه رقيقٌ، ولذلك تُبعَّض الوصيَّة الزائدة على الثلث.
ولو وُهب منه شيء، فقبل بعضَه، لم يصحَّ اتِّفاقًا، وإن وصَّى له بشيء، فقَبِلَ بعضَه، ففي الصحَّة احتمالٌ؛ فإنَّ الموصَى له لو مات، فقَبِلَ بعضُ ورثته وردَّ بعضهم، صحَّ الردُّ والقبول.
ولو قال: أوصيتُ لنصفك الحرِّ، أو: وهبت لنصفك الحرِّ، بطل الإيجاب؛ إذ لا يجوز توجيهه على بعض المخاطب، وذكر أبو على وجهًا: أنَّه يصحُّ، وقال الإمام: إن لم تكن مهايأةٌ، أو كانت؛ فإن لم نُدْرج فيها النادر لم يصحَّ، وإن أدرجناه؛ فإن وقع ذلك في نوبة السيِّد لم يصحَّ، وإن

وقع في نوبة العبد فوجهان.

2106 -

فصل فيمن أوصى لعبده برقبته أو بثلث ماله

إذا وصَّى لعبده القنِّ بثلث ماله؛ فإن نصَّ على إدراج ثلث الرقبة في الوصيَّة اندرج فيها، والأظهر: أنَّا نشرطُ قبوله في ثلث رقبته؛ فإن قَبِلَ عَتَقَ، ولم يَسْرِ؛ إذ لا سراية على ميِّت اتِّفاقًا، ويستحقُّ الثلث من جميع التركة، ولا يجوز صرف شيء من التركة إلى رقبته وإن وفى الثلثُ برقبته أو زاد، وتبطل الوصيَّة فيما يقابل الرقيق منه؛ لأنَّها للوارث، وما يقابل جزء الحرِّيَّة فلا تصحُّ الوصية به على ما ذكره أبو عليٍّ، وفيه الاحتمالُ الذي ذكره الإمام.
وإن لم يتعرَّض لإدراج الرقبة في الوصيَّة فوجهان: أحدهما: لا تندرج، كمن قال لوصيِّه: اصْرِفْ ثلثي إلى الفقراء، فكان الوصيُّ فقيرًا، فليس له أن يأخذ منه شيئًا؛ نظرًا إلى ما يُفهم منه في الإطلاق، فتبطل جميعُ الوصيَّة؛ لأنَّها للوارث.
والثاني: تندرج؛ لأنَّها من جملة ثلث المال، بخلاف الصرف إلى الفقراء؛ فإنَّه يقتضي قابضًا ومُقْبِضًا، فيعتق ثلثُه، وتكون الوصية بالباقي على ما تقدَّم.

2107 -

فرع:

إذا وصَّى بإعتاق عبده أُعتق، ولا يقف العِتْقُ على قبوله، ولا يرتدُّ بردِّه؛ لغلبة حقِّ الله في العتق.

وإن وصَّى له برقبته، ففي اشتراط القبول تردُّدٌ، والأوجه: اشتراطه.

2108 -

فصل يشتمل على فروع في العتق في المرض أو بعد الموت

الأوَّل: قال ابن الحدَّاد: إذا ملك نصفَ عبدين قيمةُ كلِّ واحد منهما ألفٌ، فأعتق نصيبه منهما، وكان ثلثُها ألفًا وخمسَ مئة، عتق نصيبه، وسرى بقدر خمسِ مئة؛ تكميلًا للثلث، وقال: إن أَوْصَى بتكميل عتقهما أُقرع بينهما، فمن خرجت قرعتُه أكمل عتقه سرايةً وتنجيزًا، وعتق نصفُ الآخر بالتنجيز.
فخرَّج بعض الأصحاب المسألتين على وجهين، وفرَّق بعضهم: بأنَّه إذا وصَّى بالتكميل فقد ظهر قصده للتكميل، ولا يتَّجه على المذهب إلا تكميل العتق في الصورتين؛ فإنَّ سراية العتق كإنشائه.
ولو قال: أعتقتُ العبدين، فقد نزَّله أبو عليٍّ منزلة الوصيَّة بإعتاقهما؛ لأنَّ إعتاقهما بلفظٍ واحد يظهر منه قصدُ التكميل، فإن لم يفِ الثلثُ بتكميل عتق أحدهما احتُمل أن يُوزَّع العتق عليهما؛ فإنَّ القرعة لا تقبل التكميل هاهنا.
ولو لم يخلِّف سوى ثلاثةِ أعبد قيمةُ كلِّ واحد ألف، وأوصى أن يُعتق من كلِّ واحد نصفُه؛ فإن أجاز الوارث فذاك، وإن ردَّ أُقرع بينهم، فإن خرجت الحرِّيَّة لاثنين أُعتق نصفهما، ورقَّ النصف الآخر مع جميع الثالث، ولا يُكَمَّلُ العتق في واحد منهم بالقرعة.

ولو قال: أَعْتِقوهم، أُقرع بينهم، وكُمِّل عتق أحدهم.
ولو نجَّز عتق نصف الثلاثة في المرض أُقرع بينهم، فمن خرجت قرعته عتق، ورقَّ صاحباه؛ لأنَّ إعتاق البعض كإعتاق الكلِّ.
وإن ملك عبدين قيمةُ كلِّ واحد منهما ألفٌ، ولا مال له سواهما، فقال: أعتقوا من هذا نصفَه، ومن الآخر ثلثَه، أُقرع بينهما؛ فإن خرجت قرعة صاحب النصف عتق نصفه وسدسُ الآخر، وإن خرجت لصاحب الثلث عتق ثلثهما.
وإن قال في مرض الموت: أعتقت نصف هذا، وثلثَ الآخر، أُقرع بينهما، فمن خرجت قرعته رقَّ ثلثه مع جميع الآخر.
الثاني: إذا وصَّى لإنسان بجزءٍ ممَّن يَعْتِقُ على وارثه ولا يَعْتِقُ عليه، مثل أن وصَّى لإنسانٍ بابن أخيه، فمات الموصِي، ثم الموصَى له، ثبت الخيارُ لأخيه بين الردِّ والقبول؛ فإنْ قَبِلَ عَتَقَ ذلك الجزء، وسرى إن قلنا: يملكه ابتداءً، وإن قلنا: يملكه الموصَى له، ثم يورَثُ عنه - وهو الأصحُّ - ففي سرايته وجهان.
الثالث: إذا أشار إلى حامل، وقال: أَعْتِقوها بعد موتي، أو: إذا متُّ فهي حرَّةٌ؛ فإن وفى الثلث بها وبحَمْلها، فأُعتقت، عَتَقَ حملُها على ما قطع به أبو عليٍّ؛ لشمول الاسم، كما في البيع، ولا سراية هاهنا، ويُحتمل ألا يَعْتِقَ بناءً على أنّه لا يدخل في الوصيَّة، ولا سرايةَ على ميِّتٍ.
وإن قال: أعتقوها دون حَمْلها، فأعتقناها، لم يَعْتِقِ الحملُ على الأصح، وقيل: يَعْتِقُ؛ لأنَّه كبعضِ أعضائها، فأَشْبهَ ما لو قال: أعتقوها إلا يدها.

ولو قال المريض: أنتِ أو حَمْلُكِ حرٌّ، والثلثُ وافٍ بهما، أُقرع بينهما بعد الموت؛ فإن خرجت قرعةُ الحمل عتق وحده؛ فإنَّ الأصحَّ: أنَّ عتق الحمل لا يسري إلى الحامل، وإن خرجت قرعة الأمِّ عتقت، ولم يَعْتِقِ الحمل على الأصحّ؛ فإنَّ ترديد العتق بينهما كاستثناء الحَمْل، وإن اتَّسع الثلث للحامل دون الحمل؛ فإن قلنا: لا يعتق إذا وسعهما الثلث، لم يعتق هاهنا، وإن قلنا: يعتق مع التصريح باستثنائه، فهاهنا وجهان: أحدهما: تَعْتِقُ وحدها.
والثاني: يَعْتِقُ منهما ما يَحْتمِلُه الثلثُ، بأن تُقوَّم حاملًا، ثم يُرقَّ 1 منهما ما يزيد على الثلث.
الرابع: إذا كان لأمة الرجل ابنان حرَّان، أحدُهما منه بوطءِ شبهةٍ أو ملْكٍ أو نكاحِ غرورٍ، والآخرُ من أجنبيٍّ، فأوصى بها لابنها من الأجنبيِّ، ثمَّ مات، فورثه ابنُها منه؛ فإن خرجت من الثلث؛ فإنْ قَبِلَها الموصَى له عتقت عليه، وإن ردَّها عتقت على ابنها الآخر، وإن ضاق الثلثُ عنها؛ فإن ردَّ الابنُ الوارثُ الوصيةَ، وقَبِلَها الآخَرُ فيما يَحتمِلُه الثلث، عتق ما يَحتمِلُه الثلث، على القابل، وعتق سائرها على ابنها الوارث، وإن أجاز الوصيَّة، وقَبِلها الموصَى له؛ فإن جعلنا الإجازة تنفيذًا عتقت على الموصَى له، وإن جعلناها ابتداءَ عطيَّة لم تصحَّ الإجازة؛ لأنَّ حقيقة هذا القول: أنَّ الزائد على الثلث ملكٌ للوارث، فيَعتِقُ عليه، ولا يمكنُ ابتداء العطيَّة في عتيقٍ.
الخامس: إذا كان لأمته ولدٌ حرٌّ من غيره، ولسيّده وارثٌ لا تَعتقُ عليه

الأمة، كالأخ، فأوصَى بالأمة لابنها، فقَبِلَ مع ضِيْقِ الثلث، وأعتق الوارثُ بقيَّتها، فلا سرايةَ من الجانبين عند ابن الحدَّاد، وهذه زلَّةٌ منه، وقال الأصحاب: إن أسندنا المِلْكَ إلى موت الموصي سَرَى عتقُ الابن؛ لتقدُّمه على إعتاق الوارث، وإن قلنا: يملك بالقبول، نَفَذَ عتق الوارث، وسرى إلى نصيب الوصيَّة، وغَرِمَ للابن قيمةَ قَدْرِ الوصيَّة، وهذا بِدْعٌ! إذ غُرمت له قيمة أمِّه، ولم تعتق عليه؛ فإنَّ قبوله صادف غرمَ القيمة، والقيمةُ لا تقبل العتق.
السادس: إذا وصَّى بنصف عبدٍ لأجنبيٍّ، وبالنصف الآخَرَ لمن يَعْتِقُ عليه العبدُ كابنِ العبد؛ فإن قَبِلًا معًا، أو سبق قبولُ الابن، عتق نصيبُ الابن، وسرى إلى نصيب الأجنبيِّ، وكان الغرمُ للأجنبيِّ إن قَبِلَ الوصيَّة، وللوارث إن ردَّها الأجنبيُّ، وإن سبق قبول الأجنبيِّ، فأعتق نصيبه، ثم قَبِلَ الابن؛ فإن قلنا: يملك عقيب القبول، نفذ عتقُ الأجنبي، وسرى إلى نصيب الابن، واستحقَّ الغرم، وإن قلنا: يملك بموت الموصي، فقد بأن أنَّ نصيبه عتق بعد الموت، وسرى إلى نصيب الأجنبى بوفاق ابن الحدَّاد، وهو خلاف زلَّته في المسألة السابقة.
السابع: إذا وصَّى بعبدٍ لأبيه أو ابنه الحرّ، فمات الموصي ثم الموصَى له قَبْلَ أن يَقْبَلَ، وترك ابنين، فقَبِلَا، فظاهر المذهب: أنَّ الملك يحصل للموصَى له، فيعتق عليه.
وأَبعدَ مَن قال: لا يصحُّ قبولُهما، ولا قبولُ أحدهما؛ تعليلًا بأنَّه لو صحَّ لثبت الولاء للميِّت قهرًا.
وعلى المذهب: لو قَبِلَ أحدُهما، وردَّ الآخرُ، فقد قال الأصحاب:

يعتق نصيب القابل على الميِّت، فإن كان بيده من التركة ما يوفي السراية عتق باقيه بالسراية عن الميِّت أيضًا، ولا عبرة بما في يد أخيه من التركة، والولاءُ بينهما؛ لأنَّه عتق على أبيهما، وأَبْعَدَ من خصَّ الولاء بالقابل.
وقال أبو عليٍّ: لا يسري بحال؛ إذ لا سرايةَ على ميِّت، ولا وجه إلا ما ذكره.

2109 -

فصل فيمن علَّق الوصيَّة على موته فقُتل

إذا علَّق الوصيَّة بموته، مثل أن قال: إذا متُّ فعبدي حرٌّ، أو: ادفعوا إلى فلان كذا، فقُتل، كان قتلُه كموته، ويجب طردُ ذلك في عاقبتي اليمين برًّا وحِنثًا؛ لأنَّ كل قتيل ميِّت.
وإن قال: إن متُّ من مرضي هذا فعبدي حرٌّ، أو: فأعطوا فلانًا كذا، فبريء ثمَّ مات بمرض آخر، بطلت الوصية، فإن قال الموصَى له: مات بذلك المرض، وقال الوارث: بل مات بمرضٍ آخر، فالمشهورُ الأصحُّ: أنَّ القول قول الوارث.

2110 -

فائدة:

إذا قَبِلَ الموصَى له الوصيَّة لم يتوقَّف الملك على القبض، فإن ردَّها بعد قبولها لم ينفذ ردُّه، وللعراقيِّين وجهٌ بعيد: أنَّه ينفذ، وهذا لا يصحُّ؛ فإن الملك الحاصل بالتبرُّعات لا يقبل الردَّ.

2111 -

باب نكاحة المريض

من نكح في مرض موته صحَّ نكاحه اتِّفاقًا، وورِثتْه المنكوحة.

2112 -

فصل فيما يلحق الميِّت ويقع عنه

إذا تصدَّق أجنبيٌّ أو وارث عن الميِّت، وقعت الصدقة عن الميِّت، ولحقت بعمله، واستَبْعَدَ الإمام ذلك من الأجنبيِّ، وقال: ينبغي أن تقع صدقة الوارث عن المتصدِّق، وينالَ الميِّتَ بركتُها، كما يقع الدعاء عبادة من الداعي، وينالُ الميِّتَ بركتُه.
قلت: الذي ذكره الأصحاب ظاهرُ السنَّة؛ إذ قال عليه السلام: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث" 1، فتقع الصدقة عن الميِّت، وللمتصدِّق ثوابُ برِّه للميِّت وإحسانِهِ إليه بالتصدُّق عنه، بخلافِ الدعاء؛ فإنَّه شفاعةٌ أجرُها للشافع، ومقصودُها للمشفوع له.
وإن أعتق عن الميّت وارث أو أجنبي؛ فإن لم يكن عليه عتقٌ لم يقع عنه اتِّفاقا؛ لأجل الولاء، وإن لزمته كفَّارةٌ بالعتق في صحَّته فالأصحُّ: أنَّها

دَين من رأس ماله، وعلى قولٍ مخرَّجٍ: من ثلثه إن أوصَى، وإن لم يوصِ فهي من الثلث على الأظهر، وقيل: تَسقط.
فإن قلنا بالأصحِّ، فكفَّر عنه الورثةُ أو بعضهم استبدادًا بالكسوة أو الطعام، وقع عنه اتّفاقًا وإن لم يخلِّف تركةً.
والأجنبيُّ كالوارث على المذهب الأصحّ؛ لأنَّ النيَّة قد تعذَّرت من الميِّت، فأشبه تكفيرَ الدَّين الذي لا يفتقِرُ إلى النيَّة، ولا يكفّر عنه أحد في حياته؛ لإمكان النيّة، وقيل: ليس للأجنبيِّ ذلك؛ إذ لا خلافة له، بخلاف الوارث.
وإن كانت الكفَّارة عتقًا، فإن تعيَّن؛ كعتق القتل، والظهار، والجماع في رمضان، وقع عتقُ الوارث عن الميِّت، والولاءُ للميِّت وإن لم يخلِّف تركةً، وعتقُ الأجنبيّ مرتَّبٌ على إطعامه، وأولى بالمنع من الإطعام؛ لأجل الولاء.
وإن كان العتق مخيَّرًا، كعتق كفَّارة اليمين؛ فإن لم يوصِ بالعتق، ففي إعتاق الوارث وجهان مشهوران؛ لأجل الولاء، وفي الأجنبيِّ خلاف مرتَّب على الوارث؛ لانتفاء الخلافة، أو على إطعام الأجنبيِّ؛ لأجل الولاء.
وإن وصَّى بالعتق في كفَّارة اليمين، نفذ إن وفى به الثلث، وإن ضاق عنه؛ فقد قال أبو محمد: يجب الإعتاق من رأس المال، ودلَّ كلام الأصحاب على أنَّ له حكمَ الوصيَّة، واختاره الإمام اعتبارًا بما لو عيَّن للعتق عبدًا شريفًا تحصل الكفاية بما دونه.

2113 -

فصل فيمن أوصى لزيد وللفقراء

إذا وصَّى لزيد وللفقراء ففيما يستحقُّه زيد طريقان: إحداهما: ثلاثة أقوال: أحدها: يستحقُّ النصف.
والثاني: الربع؛ لأنَّ أقلَّ الفقراء ثلاثة، وهو رابعهم.
والثالث: يستحقُّ نصيبَ فقير، وفيه وجهان: أسدُّهما: أنَّه يجوز أن يُعطى أقلَّ ما يُتَموَّل، كما يجوز في آحاد الفقراء.
وأبعدهما: أن يُنظر إلى من يتَّفق الصرفُ إليه من الفقراء، فيستحقُ الربع مع ثلاثة، والخُمسَ مع أربعة، والسدسَ مع خمسة، وجزءًا من أحدَ عشر مع العشرة، وإن جاز التفاوت بين الفقراء.
والطريقة الثانية، وهي ضعيفة: إن وصف زيدًا بالفقر، فقال: أوصيت لزيدٍ الفقير وللفقراء، ففيه الأقوال، وإن لم يتعرَّض لفقره: فهل يستحقُّ النصفَ أو الربع؟ فيه قولان.
وإن وصَّى لزيد ولقوم لا ينحصرون مع لزوم الصفة، كالعلويَّة والبَكريَّة؛ فإن قلنا: تصحُّ الوصيَّة لهم، فهو كما لو أوصى لزيد وللفقراء، وإن قلنا: لا تصحُّ، ففيما يستحقُّه زيد الطريقان على المذهب، وقيل: تبطل الوصيَّة إذا قلنا: يستحقُّ مثلَ ما يتَّفق صرفُه إلى واحد من الفقراء.
ولو أوصى بالثلث لزيدٍ وللملائكة، فهو كما لو أوصَى له وللبكريَّة، وقلنا بإبطال الوصيَّة للبكريَّة.

2114 -

فرع:

إذا وصَّى لزيد وللفقراء، وقلنا: يستحق الأقلَّ، فتقليلُ نصيبه وتكثيرُه إلى الوصى، وإن أوصى له وللبكريَّة، وأبطلنا الوصيَّة، فتقليل نصيبه وتكثيرُه إلى الوصيِّ أو إلى الوارث؟ فيه قولان، ولعلَّ الأصحَّ: أنَّه للوارث؛ فإنَّ الحقَّ له إذا بطلت الوصيَّة.
ولو أوصى لزيد ولجبريل، بطلت الوصيَّة في حق جبريل، وصحَّت في حق زيدٍ اتفاقًا؛ إذ لا جهالة في نصيبه.
وإن وصَّى بالثلث لزيد ولشيءٍ من الجمادات - كالريح والدار - فالأصحُّ: أنَّ لزيدٍ نصفَ الثلث، وقيل: يستحق الثلث.
ولو أوصى بالثلث لزيد ولدابَّةِ عمرٍو، كان النصف لزيد.

2115 -

فصل في الوصيَّة للكافر والقاتل

إذا وصَّى لقاتله صحَّ على أقيس القولين، وفي محلِّ القولين طريقان: إحداهما: إنْ قَتَلَه بعد الإيصاء ففيه القولان، وإن جرحه، فأوصى، ثمّ مات بالجرح، صحَّ الإيصاء اتِّفاقًا.
الثانية: إنْ جرحه بعد الوصيَّة بطلت، وإن أوصى بعد الجَرْحِ، ثم مات بالجُرْح، ففيه القولان، فإن قلنا: تصحُّ، فلا خيار للوارث، وإن قلنا: لا تصحُّ؛ فإن جعلنا الإجازة تنفيذًا ففي نفوذها بالإجازة وجهان، وإن جعلناها ابتداءَ عطيَّةٍ نفذت.

"إذا منعنا الوصيَّة للقاتل، فقتلت أمُّ الولد سيِّدَها، عتقت؛ لأنَّها تعتق من رأس المال.
وإن قتل المدبَّر سيِّده فوجهان: أحدهما: لا يعتق؛ فإنَّ التدبير وصيةٌ.
والثاني: يعتق؛ فإنَّ التدبير تعليق.
وإذا أبطلنا الوصيَّة للوارث، وأجزناها للقاتل، فأوصَى لوارثه، فقتله الموصَى له، صحَّت الوصيَّة له، وكان القتل سببًا لصحَّة الوصيَّة.
وإن وصَّى لحربيٍّ بسلاحٍ كان كبيعه منه، وإن أوصَى له بغير السلاح صحَّ اتِّفاقًا، وقال صاحب "التلخيص": لا يصحُّ؛ لانقطاع الموالاة، وقياسه: ألا تصحَّ هبة الحربيِّ، وقد نُقل عن الشافعيِّ إبطالُ الوصيَّة كما ذكره صاحب "التلخيص".
وتصحُّ الوصيَّة لأهل الذمَّة؛ لأنَّهم في معونتنا ونصرنا، ويلزمنا الذبُّ عنهم، فإذا أعنَّاهم بتعريض نفوسنا للهلاك جازت إعانتُهم بالمال.
والوصيَّة للمرتدِّ كالوصية للحربيِّ، وأولى بالصحَّة؛ لأنَّه في قبضتنا، فإن قلنا: يزول مِلْكُه، احتُمل أن يكون أولى بالبطلان.

2116 -

فصل في الوصيَّة للعبد

تصحُّ الوصيَّة للعبد اتفاقًا، فإن عتق في حياة الموصي، وقَبِلَ الوصيَّة بعد موته، حصل المِلْكُ له، وإن بقي رقيقًا إلى أنْ قَبِلَ الوصيَّة، حصل

الملك لسيِّده وقتَ القبول، فإن كان العبد مِلْكًا لوارث الموصي، فأعتقه بعد موت الموصي وقَبْلَ القبول، فقبل؛ فإن قلنا بتبيُّن استناد الملك إلى الموت بطلت الوصيَّة، وإن قلنا: يملك بالقبول، ملكها العتيق بقبوله.
ولو باعه الوارث بعد موت الموصي وقَبْلَ القبول، فقَبِلَ وهو في ملك المشتري؛ فإن قلنا بالوقف أو الإسناد لم يصحَّ القبول، وإن قلنا: يملك بالقبول، صحَّ، وحصل الملك للمشتري، وقد قطع الأصحاب بأنَّ مَن لا تصحُّ الوصية له، فلا تصحُّ لعبده إن بقي رقيقًا إلى وقت القبول.

2117 -

فرع:

هل يُشترط إذنُ السيِّد في قبول العبد الوصيّةَ؛ فيه خلاف، فإن لم نشرطه فلا أثر لردَّ السيّد، ولا لقبوله، وإن شرطناه، فأعرض العبد عن الوصيَّة، أو ردَّها، فقَبِلَها السيِّد، ففي صحَّة قبوله وجهان.

2118 - فرع: إذا جرح العبد رجلًا، فأوصَى له المجروح بشيء، صحَّ وإن منعنا الوصيَّة للقاتل؛ لأنَّ فائدة الوصية عائدة على سيِّده، وإذا جوَّزنا الوصيَّة للعبد القاتل، ومنعناها لعبد الوارث وعبد القاتل، فشرطُه أن يبقى على رقِّ ذلك السيّد، فلو عتق في حياة الموصي فقد صار هو الموصَى له؛ لرجوع الفائدة إليه، فإن كان فيه ما يمنع الوصيَّة بطلت، وإلا فالوصيَّة له.

2119 -

فصل في الوصيَّة للدابَّة

إذا وصَّى لدابَّة إنسان رُوجع، فإن قال: أردتُ تمليكها، بطل اتِّفاقًا،

وإن قال: أردتُ صرفه في حاجتها؛ من سقْيِها أو علفها، صحَّ، وإنْ أطلق لم يصحَّ.
ولو قال: وقفتُ هذا على المسجد، صحَّ، وصُرف في مصالحه عند الإمام؛ لعموم العرف بمثل ذلك، بخلاف الإضافة إلى الدابّة، وقال أبو عليٍّ: ينبغي أن يُراجَع، فإن قال: أردتُ الصرف في مصالح المسجد، صحَّ، وإن قال: أردت تمليك المسجد، أو: لم يكن لي نيَّة، بطل الوقف.
وإذا صحَّت الوصيَّة للدابَّة فلابدَّ من قبول مالكها، فإن ردَّها بطلت، وأبعدَ مَن قال: لا تقف على قبوله، ولا ترتدُّ بردَّته، وهذا يلزم منه تجويزُ الوقف على عبيد الإنسان ودوابِّه بغير إذنه.
فإن قلنا: تقف على قبوله، فقَبِلَ لم يملك الوصيَّة على الأظهر، وقيل: يملكها، ولا يلزمه صرفها في مصالح الدابَّة، فإن قلنا: لا يملكها، أنفقها الوصيُّ على الدابَّة، ولا يدفعها إلى مالكها، فإن لم يكن وصيّ فهل ينفقه الحاكم عليها؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا ينفقه، سلَّمه إلى المالك لينفقه عليها على حسب الإمكان، وليس له إبدالُه.
وإن وصَّى لعبد إنسان ملكه السيِّد اتِّفاقًا، ولا يلزمه صرفُه إلى العبد.

2120 -

فرع:

إذا مات إنسان، فدفع آخر إلى وارثه ثوبًا ليكفِّنَه فيه؛ فإن جعلنا كفن التركة ملكًا للوارث فقد جوَّز القفَّال هاهنا إبدال الكفن، وهو أبعدُ من مذهبه في إبدال وصيَّة الدابَّة؛ فإنَّ باذل الكفن لم يملِّكه من أحد، بل بذله ليُدرج فيه الميِّت.

2121 -

فرع:

إذا أوصى للدابَّة، ومات قبل البيان، رُوجِع وارثُه، فإن قال: نوى تمليك الدابَّة، بطلت الوصيَّة، وإن قال: نوى الصرف في مصالحها، صحَّت الوصيَّة، وإن قال: لا أعلم نيته، حلف على نفي العلم، وبطلت الوصيَّة.

2122 -

فصل فيمن تصحُّ وصيَّته

تصحُّ وصيَّة كلِّ مسلم بالغِ عاقلٍ حرٍّ، وفي وصيَّة الصبيِّ المميِّز وتدبيرِه قولان، وقطعوا بصحَّة وصية المحجور عليه بالسَّفَه؛ لصحَّة عبارته.
وإن وصَّى مكاتَبٌ أو قنٌّ؛ فإن ماتا على الرقِّ تبيَّن بطلان وصيَّتهما، وإن عتقا وتموَّلا فوجهان.
وإن أوصى الذمِّيُّ لشخص معيَّن صحَّ كالمُسْلِم، وإن وصَّى بما هو قربةٌ عندنا وعندهم، كعمارة المسجد الأقصى، فرُفع ذلك إلينا، أجزناه من ثُلثه، وأَلحق الشافعيُّ بذلك عمارة قبور الأنبياء، وألحق به أبو محمَّد عمارة قبور مشايخ الدين وعلماء المسلمين، وضبطه الإمام بكلِّ قبر يُتقرَّب بزيارته؛ فإنَّ عمارة نعشه لإدامة زيارته قربةٌ 1. وإن وصَّى بما هو قربةٌ عندنا دونهم، كعمارة مساجدنا، أُنفذت وصيَّته بشرطها في محلِّها.
وإن وصَّى بما هو قربةٌ عندهم، ومعصيةٌ عندنا، كعمارة البِيعَ والكنائس وبيوت النيران، ورُفعت إلينا، أبطلناها.

2123 -

باب الوصيَّة للقرابة

إذا قال: أوصيتُ لقرابتي، أو: لأقاربي، أو: لرحمي، أو: لأرحامي، أو: لذوي قرابتي، أو: لذوي رحمي فيختصُّ 1 ذلك بالبطن الأدنى الذي يُعرف به، ويُنسب إليه، مثل أن يوصي لقرابة رجل من بني شافع، فتختصُّ الوصيَّ ببني شافع دون بني عبد المطَّلب وبني عبد مناف وسائر بطون قريش وإن كان الشافعيُّ مطَّلبيًّا مَنافيًّا قُرشيًّا؛ فإنَّه إنَّما اشتَهر بشافعٍ، ولا ينتهي رهط الرجل إلى الخروج عن الحصر، كما ذكرناه في العلويَّة 2، فإن بلغت كثرتُهم مبلغ كثرة العلويَّة فقد اشتملوا على شُعَب، والموصي لقرابته من شعبةٍ من تلك الشُّعب يَشْتهِرُ بها.
وقال الأئمَّة: ما ذكره الشافعيُّ من الحمل على بني شافعٍ مختصٌّ بعهده القريبِ بأرومة شافع وجُرثومته، وقد انتشروا الآن، فلكلِّ منتسِبٍ إلى الأب العالي الشافعي 3 بطنٌ يخصُّه، وهم فصيلته التي تؤويه.

2124 -

فرع:

إذا كان الموصي عجميًّا دخل في اسم قرابته القرابةُ من قِبَلِ الأب، ومن قِبَلِ الأمِّ، وإن كان عربيًّا اختصَّ بقرابة الأب عند الجمهور، وقيل: يعمُّ الجهتين، واختاره الإمام.

2125 - فرع: إذا أطلق الوصيَّة للقرابة، دخل فيها مَن يَرِثُ ومَن لا يرث، فإنْ أبطلنا الوصيَّة للورثة فوجهان: أقيسُهما: أنَّا نبطل الوصيَّة فيما يخصُّ الوارث.
والثاني: تصحُّ في الجميع، ويستحقُّه من ليس بوارث.
وهل يدخل الأبوان وأولاد الصلب في لفظ القرابة؟ فيه خلاف، فإن قلنا: لا يدخلون، ففي الأجداد والجدَّات والأحفاد خلاف.

2126 - فرع: إذا قال: أوصيت لأقربهم رحمًا بي، فالوصيَّةُ للأقرب بأبيه وأمّه عربيًّا كان أو عجميًّا؛ لأنَّ الرحم يشمل الأبوين، ومقتضى هذا: إذا قال: أوصيت لأرحامي، أو: ذوي رحمي، أن يدخل فيه من يُدلي بالأمِّ.
ولو قال: أوصيت لأقرب قرابتي؛ فإن كان عربيًّا فلا عبرة بجانب الأمّ، ويدخل فيه الأولاد، والأبوان اتِّفاقًا.
وإن وصَّى لأقرب قرابات زيد، فالأقرب مَن قَربت درجتُه من زيد، أو قويت قرابتُه، ولا عبرةَ بإرثهم من زيد، ولا بالذكورة والأنوثة، فيستوي

أبو زيد وأمُّه، وابنه وابنته، وأَبعدَ مَن قدَّم الابن على الأب.
فإن اجتمعت البطون فلا خلاف أنَّا نقدِّم الأقرب فالأقرب، فنقدِّم الأولاد على الأحفاد، ونقدَّم مَن قرُب من أولاد البنات على مَن بعُد من أولاد البنين، ونقدِّم الأحفاد وإن سفلوا على الإخوة؛ لقوَّة القرابة، ونقدِّم المُدْلي بجهتين على المُدْلي بجهة، فيُقدَّم الأخ للأبوين على الأخ من أحدهما، وتقدَّم الأخت للأبوين على الأخت للأب، ويُسْوَّى بين الأخ للأب والأخ للأمّ، وبين بنت الأخ وابنُ الأخ؛ فإن العبرة بالدرجة والقوَّة، وقُربُ الدرجة مقدَّمٌ على القوَّة، فيُقدَّم ابن الأخ للأب على ابن ابن الأخ للأبوين؛ لاتّحاد الجهة، ويُقدَّم الإخوة ومَن بَعُدَ من بنيهم على الأعمام؛ لأنَّ جهة الأخوَّة مقدَّمةٌ على قرب الدرجة مع بُعْد الجهة، وفي الإخوة للأب أو للأبوين وبنيهما مع الجدّ قولان: أحدهما: التسوية.
وأظهرهما: تقديم الإخوة وبنيهم؛ لأنَّ مدار هذا البابِ على القرب دون قوَّة العصوبة، بخلاف الولاء.
ويُقدَّم الجدُّ على الإخوة للأمِّ اتِّفاقًا، وهل يُسوَّى بين أبي الأُمِّ والأخ للأمِّ، أو يُقدَّم الأخ للأمِّ؟ فيه قولان.
وإن اجتمع إخوةٌ متفرِّقون، أو أخواتٌ متفرِّقات، فالوصيَّةُ لمن يُدْلي بالأبوين بالسويَّة بين المذكور والإناث.
وإن اجتمع بنو إخوةٍ متفرِّقين وبنو أخوات متفرّقات، فالوصيَّة لبني الإخوة وبنات الأخوات للأبوين بالسويَّة.

ويُسوَّى بين الأعمام والعمَّات، وتجب التسوية بين الأعمام والأخوال.

2127 -

فرع:

إذا وصَّى لأقرب الناس به رحمًا، فكان الأقربُ وارثًا، وأبطلنا الوصيَّة للوارث، لم تُصرف الوصيَّة إلى مَن هو أبعدُ منه.

2128 - فرع: إذا وصَّى للأقربين، وذكر لفظًا يقتضي الجمع، وكان له ثلاثةٌ من البنين، وثلاثة من الحفدة، فالوصيَّة للبنين.
وإن كان له ابنٌ وحفيدان، فثلث الوصيَّة للابن، والباقي للحفيدين.
والضابط: أنَّا نصرف إلى الأقرب إذا وجدنا ثلاثةً منهم، فإنْ لم نجد الثلاثة صُرف إلى الموجود ما يخصُّه لو كانوا ثلاثة.
وإن وصَّى لذي قرابة فلان، وله قريبٌ واحد، فجميعُ الوصيَّة له اتفاقًا.
وإن قال: لأقارب فلان، أو: لذوي قرابته، أو: للأقربين، وله قريب واحد، فجميع الوصيَّة له؛ فإنَّ لفظ الجمع قد يُذكَر لبيان الجهة، وقيل: يُصرف إليه ثلث الوصيَّة.

2129 -

فصل في ألفاظ الوصايا

إذا وصَّى لآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهم بنو هاشم وبنو المطَّلب الذين 1 تَحْرمُ عليهم الزكاة.

وإن وصَّى لآل زيد، فوجهان يجريان في كلِّ لفظٍ مجمَلٍ متردِّدٍ بين احتمالات يَعْسُرُ جمعُها والتحكُّمُ بتعيين بعضها: أحدهما: تبطل؛ لتردُّدها بين أهله، وأهل دِينه، وأصحاب الموالاة.
والثاني: تصحُّ.
وهل يُجعل الآل كالقرابة؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يُجعلون كالقرابة، رُجع إلى الموصِي، فإن لم يكن فإلى الحاكم؛ ليتَّبع في ذلك رأيه في اجتهاده، ويرعَى الأصلحَ في جهات الاحتمالات، واستبعد الإمام الرجوعَ إلى الوصيِّ، وقال: هل يُرجع إلى الحاكم مع وجود الوصيِّ؟ فيه وجهان.
وإن وصَّى لأهل بيت زيدٍ، فأهلُه آله أو زوجته؟ فيه وجهان.
وإن وصَّى لأهله فالوصيَّة لزوجته، أو لمن يلزمه نفقته؟ فيه وجهان.
وإن وصَّى لأهل فلانةَ؛ فإن حملنا الأهل على الزوجة بطلت الوصيَّة هاهنا، وإن حملناها على مَن تجب نفقتُه، فهي هاهنا لمن تلزمُ المرأةَ نفقتُه.
وإن وصَّى لأَخْتان زيدٍ، فالوصيَّة لأزواج بناتِ زيدٍ، ولا تتعدَّى إلى أزواج العمَّات والخالات وسائرِ المحارم اتِّفاقًا، وفي أزواج إناث الأحفاد خلافٌ مأخذُه الخلافُ في دخولهم تحت لفظ الأولاد.

2130 -

فرع:

إذا طلَّق الختَن بنت زيد بعد الوصيَّة، فلا أثر لطلاقه إن كان رجعيًّا، وإن كان بائنًا، فمات الموصي وهي خليَّة، فلا وصيَّة لمن كان ختنًا عند الإيصاء، ويُحتمل تخريجه على الخلاف فيمن أقرَّ لوارث، فخرج عن الإرث، وإن كانت خاليةً عند الإيصاء ناكحة عند الموت فالوصيَّةُ لزوجها،

وإن كانت ناكحةً عند الموت عزبةً عند القبول، أو بالعكس؛ فإن قلنا: تُملك الوصيَّةُ بالموت، أو قلنا بالوقف، فالوصيَّة للزوج، وإن قلنا: تُملك بالقبول، فقَبِلَها الزوجُ، ففي استحقاقه الوصيَّةَ خلافٌ.
وإن وصَّى لأصهار فلان، أو لأحمائه، فالوصيَّةُ لأبي زوجته وأمِّها، وفي أجدادها وجدَّاتها خلاف.
فإن كان لزيدِ زوجاتٌ، فالوصيَّة لآبائهنَّ وأمَّهاتهنّ لا غير، فلا يدخل فيها أبو امرأة أبيه، ولا أبو امرأة ابنه.
وإن وصَّى لأمَّهات فلانٍ، فالوصيّةُ للجدَّات من قِبَلِ الأمِّ، ولا حقَّ فيها للجدَّات من قِبَلِ الأب على الأظهر.
وإن وصَّى لآبائه دخل فيه الأجداد من قِبَلِ الأب، وفي الأجداد من قِبَلِ الأُمِّ خلافٌ.
وإن وصَّى لأجداده أو جدَّاته دخل فيه الأجداد والجدَّات من الجهتين اتِّفاقًا وإن كنَّ ساقطاتٍ غيرَ وارثات.
وإن وصَّى لبني فلان؛ فإن كانوا محصورين اختصَّ بالذكور، وأَبعدَ مَن أدرج فيه البنات، وإن كانوا قبيلةً - كبني شافع - دخل فيه الإناثُ اتِّفاقًا، فتصحُّ الوصيَّة إنْ أَمْكَنَ حصرُهم، وإن لم يُمْكِنْ فقولان.
وإن وصَّى لأولاد زيدٍ دخل فيه المذكور والإناث، وفي الأحفاد خلافٌ، وظاهر النصِّ: أنَّهم لا يدخلون، فإن قلنا بالنصِّ، فقال: أوصيتُ لأولاد فلان، ولا أولادَ له، وله أحفادٌ، ففي استحقاقهم الوصيَّةَ وجهان، فإن قلنا: يدخلون، دخل فيه أولادُ البنين، وفي أولاد البنات وجهان.

وإن وصَّى لإخوة فلان؛ فإن كانوا ذكورًا فالوصيَّةُ لهم، وإن كنَّ إناثًا فلا شيء لهنَّ، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا فلا شيء للإناث على النصِّ.
وإن وصَّى لمولاه، وله عتيقٌ أو مُعْتِقٌ، فالوصيَّةُ له، ولا يدخل فيه مولى المحالفة، فإن كان له عتقاءُ فالوصيَّةُ لكلِّ مَن ثبت ولاؤه عليه؛ فرضًا كان عتقُه أو تطوُّعًا، وفي أمّ الولد والمدبَّر خلاف، وإن كان له عتيقٌ ومُعْتِقٌ فهل يُقسم بينهما، أو يُوقف حتَّى يصطلحا؟ فيه قولان، وقال أبو ثور 1: يُقرع بينهما، وقال أبو حنيفة: تبطل الوصيَّة.
وإن وصَّى لجيرانه فقد حدَّ العراقيُّون الجوار بأربعين دارًا من كلِّ جانب، والظاهر من مذهب الشافعيِّ: أنَّ الجار هو الملاصِقُ من جميع الجوانب، وفيمَن لا يلاصِقون ويجمعُهم دربٌ غيرُ نافذ وجهان، وفيمن يحاذي في السكَّة النافذة وجهان؛ فإن قلنا: يَستحقُّ، لم نَشْرط حقيقةَ المحاذاة، فإن انحرف قليلًا فلا بأس، وضبطه الإمام بأن تكون دارُه من دار الموصي بحيث يُتَوقَّع منها ضررُ الاطِّلاع، وهذا ينبِّه على التفرقة بين الطريق الضيِّق والمتَّسع، فلا يكون المحاذي جارًا عند اتِّساع الطريق، فحصل من الخلاف ثلاثةُ أوجه.
وإن وصَّى لصنفٍ من أصناف الزكاة، صُرف إليهم على ما سنصِفُهم

في قسْم الصدقات.
وإن وصَّى للفقراء والمساكين، وجب صرفُه إلى الصنفين، وإن وصَّى للفقراء جاز صرفه إلى المساكين، وكذلك عكسُه اتِّفاقًا في الصورتين.
وإن وصَّى للأرامل فالوصيَّةُ للبائنات عن أزواجهنَّ بموتِ أو غيرِه، فتصحُّ الوصيَّة لهنَّ وإن لم ينحصِرْنَ؛ حملًا على أقلِّ الجمع؛ لأن صفتهنَّ غيرُ لازمة، وفي اشتراط فقرهنَّ وجهان يجريان في كلِّ صفة تُشعر بضعفٍ في النفس، أو انقطاعِ كافلٍ، كاليتامى والأيامى والزَّمْنَى والأرامل والعميان، وظاهر النصِّ: الاشتراط، ولا يُشترط في الشيوخ والصبيان اتفاقًا.
وإن وصَّى للأيامى فالوصيَّة للأرامل وإن لم يتزوَّجن قط، بخلاف الأرامل، ولا فرق بين الثيِّب والأبكار.
وإن وصَّى لكلِّ ثيِّبٍ من بني بكر، اخْتَصَّتِ الوصيَّةُ بالنساء، وقيل: يدخل فيها مَن جامع من الرجال، وإن قال: لكل بكرٍ من بني فلان، اختصَّ بالنساء على الأصحِّ.
وإن وصَّى للأطفال أو الغلمان أو الصبيان، فالوصيَّةُ لمن لم يبلغ، والذراري كالصبيان على الأصحِّ، وقيل: لا يُشترط فيهم الصغَر، بل هم النسلُ كيف كانوا، ويندرج في لفظ الذرِّيَّة الأحفاد وإن لم ندرجهم في لفظ الأولاد.
وإن وصَّى للكهول أو الشيوخ أو الفتيان، رُجع 1 إلى ما يُفهَم من

ذلك عُرفًا في الجبلات 1 المختلفة على ما ذكره الأصحاب.
وقال أبو يوسف: البالغ فتىً إلى ثلاثين، ثم كهلًا إلى خمسين، ثم شيخًا إلى آخر عمره.
وقال محمد: يكون فتىً وشابًّا إلى أربعين، ثم كهلًا إلى الخمسين، ثم شيخًا إلى آخر عمره.
وإن وصَّى لأيتام بني فلان، سُوِّيَ بين المذكور والإناث ممَّن لم يبلغ، فلا، يُتْمَ بعد البلوغ اتِّفاقًا.
وهذه الأصنافُ إنْ أَمْكَنَ حصرُها صحَّ الإيصاء لها، وإن بَعُدَ إمكانُ الحصر فقولان.
وإن وصَّى لعقب زيد، فالوصيَّةُ للذكور والإناث من الأولاد والأحفاد وإن سفلوا، وأَبعد مَن قال: يُقدَّم الأقرب فالأقرب من الأولاد والأحفاد، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ العقب يتناول الجميع، فإن مات الموصي في حياة زيد بطلت الوصيَّةُ عند الجمهور؛ فإنَّ الحيَّ لا يعقبه أحد، وقال الإمام: لا تبطل؛ فإنَّ الأولاد يُسمَّون عقبًا في حياة أبيهم، ثم يُحتمل أن تُوقَف الوصيَّة إلى أن يموت زيد، فيتبيَّن مَن يعقبه.
وإن وصَّى لورثة زيد، فالوصيَّةُ لكلِّ مَن يرثه بنسبٍ أو سببٍ من المذكور والإناث، ويُسوَّى بينهم وإن تفاوتوا في الميراث، فإن مات الموصي في حياة زيد، بطلت الوصيَّة عند الأصحاب، ويُحتمل أن تُوقف إلى أن

يموت، فيتبيَّن مَن يرثه، فإن لم يترك زيدٌ وارثًا خاصًّا بطلت الوصيَّةُ، ولا يُقال: إنَّه أوصى للمسلمين، وإن خلَّف بنتًا واحدةً فهل تستحقُّ الوصيَّةَ أو نصفَها؟ فيه وجهان، فإن قلنا: تستحقُّ الجميع، استحقَّته وإن لم نقل بالردِّ.
وإن وصَّى لعصبة زيد، ثم مات في حياة زيد، فالوصيَّة لعصباته في حياته، وأَوْلاهم بالوصيَّة أَوْلاهم بالعصوبة على ما قاله الأصحاب؛ لأنَّ العصوبة تثبت للأقربين.
وإن وصَّى لعشيرة فلان فهم قرابتُه، وإن وصَّى لعترته فوجهان: أحدهما: أنَّهم ذريَّته.
قاله ثعلب وابنُ الأعرابيّ.
والثاني: عشيرته.
قاله القُتَيبيُّ.

2131 -

باب ما يكون رجوعًا في الوصيَّة

التبرُّعات ضربان: أحدهما: ما يتنجَّز في الحياة، كالصدقات والهبات المقبوضات، ومحاباة البيع والشراء والعتق والإبراء، فإن وقعت في الصحَّة فلا رجوع فيها؛ لأنَّها من رأس المال، وإن وقعت في مرض الموت حُسبت من الثلث، ولا رجوع للمتبرِّع في شيء منها، فإن علَّق العتق في الصحَّة، فوُجدت الصفة في مرض الموت، فالعبرةُ بوقت التعليق، أو بوقتِ وجود الصفة؟ فيه خلافٌ، وإذا وقع التبرُّع في مرض الموت، فلِلمتبرَّع عليه أن يتصرَّف فيه تصرُّفَ مِثْلِه كما يتصرَّف في تبرُّع الصحَّة، وإن كنَّا قد نتبيَّن انتقاض التصرُّفات فيما زاد على الثلث، أو في الجميع إن ظهر دَينٌ مستغرِقٌ.
الثاني: ما يُضاف إلى ما بعد الموت بإيصاء في الصحَّة، أو في مرض الموت، فيُحسب من الثلث، ويجوز للمتبرِّع الرجوعُ فيه، وفي الرجوع في التدبير بمجرَّد اللفظ من غير تصرُّفٍ قولان.

2132 -

فصل في بيان ما يكون رجوعًا في الوصيَّة

يصحُّ الرجوع في الوصايا بالصريح، وبما يتضمَّن الرجوع؛ فالصريحُ

كقوله: فسختُ هذه الوصيَّة، أو: رفعتُها، أو: أبطلْتُها، أو: قطعتها، ونحوِ ذلك، فإن قال: حرَّمت هذه العين على فلانٍ، فظاهرُ المذهب: أنَّه رجوع.
ولو قيل له: أوصيتَ لفلان؟ فقال: لا أدري، لم يكن رجوعًا، وإن قال: ما أوصيتُ، كان رجوعًا على النصِّ وقولِ الأصحاب، وفيه احتمال؛ فإنَّه قد ينكر ناسيًا للإيصاء، وليس الإخبار إنشاءً.
وأمَّا ما يتضمَّن الرجوع فضربان: أحدهما: التصرُّف القوليُّ المتضمِّن لقطع المِلْكِ؛ كالعتق والبيع اللازم، فإنَّه ينفذ متضمِّنًا للرجوع.
الثاني: ما لا يلزم، ويُشعر بقَصْدِ الرجوع، فيتضمَّن الرجوع، كما لو وكَّل في بيع العين الموصَى بها، أو عرضها على البيع، ولم يبعها، وفي الرهن وجهان، ولا فرق عند الإمام بين أن يُقبِضَ الرهن أو لا يُقبِضه، وإن وهب ولم يُقبِض كان رجوعًا، وفيه وجه لا يُعتدُّ به؛ [وإذا رأينا العرض على البيع رجوعًا] 1 فإن البيع بشرط الخيار رجوعٌ وإن فُسخ.
ومهما وقع من الموصي أمارةٌ ظاهرة في الرجوع ارتفعت الوصيَّة؛ فإنَّ الوصيَّة ضعيفةٌ لم يوجد فيها سوى الإيجاب، ولو تخلَّل بين الإيجاب والقبول في سائر العقود قاطعٌ لانقطع الإيجاب عن القبول.
ولا يصحُّ الرجوع في الهبة بالمخايل والعلامات؛ لأنَّ فسخَها تملُّكٌ

جديد، ورفعٌ لملكٍ مستقرٍّ، ولو عرض البائع المبيع على البيع في مدَّة الخيار، لم يكن فسخًا عند الإمام؛ لأنَّ البيع قد تمَّ بالإيجاب والقبول، ولو عرض الموصَى به على البيع، ثمّ قال: نسيت الإيصاء، فالظاهر: انقطاعُ الوصيّة ظاهرًا وباطنًا، وفيه احتمال.

2133 -

فصل فيمن أوصى لرجل بعين ثم أوصى بها لآخر

إذا وصَّى لزيد بعبد، ثم وصَّى به لعمرو؛ فإن لم يتعرَّض للوصيّة الأولى، كان العبدُ بينهما نصفين اتفاقًا؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما تصرُّفٌ بتمامه، فازدحما على قسمته، فإن ردَّ الثاني الوصيّة كان العبد بكماله للأوَّل، وكذلك حكمُ كلِّ وصيّة تقتضيها الزحمة؛ لأنَّ الازدحام أصلٌ في الوصايا، فصار قانونًا يُرجع إليه، وهذه حسيكةٌ في باب الرجوع؛ لأنَّ الوصيّة الثانية دليلٌ ظاهر على الرجوع عن الأولى، فهي أَوْلَى برفعها من المعاملات الضعيفة.
وإن ذَكَر في الوصيَّة الثانية لفظًا يدلُّ على الرجوع، مثل أن قال: العبد الذي أوصيت به لزيد قد وصَّيت به لعمرو، أو: جعلتُه لعمرو، أو: هو لعمرو، كان ذلك رجوعًا.

2134 -

فرع:

قال الأئمَّة: إذا وصَّى بعبد، ثم دبَّره ولم يتعرَّض للوصية الأولى، كان التدبير رجوعًا عنها؛ فإنَّ المقصود منه مخالفٌ لمقصود الوصيَّة، فظهر أنّه أراد به الرجوع، ولأنَّ وقوع العتق في المدبَّر يتقدَّم على قبول الوصيَّة.

وقال صاحب "التقريب": إن جعلنا التدبير وصيّةً، ففي كونه رجوعًا وجهان، وهو وجهٌ منقاس مخالفٌ لِمَا ذكره الأئمّة.
ولو دبَّر عبدًا، ثم أوصى به؛ فإن جعلنا التدبير وصيَّةً كان رجوعًا عند الأصحاب، وعند صاحب "التقريب" وجهان، وإن جعلناه تعليقًا بطلت الوصيَّة؛ فإنَّ التدبير لا يرتفع بالرجوع، والوصيَّةُ لا تنجِّز حقًّا، بخلافِ العتق المنجَّز، والبيعِ والهبة مع الإقباض.
وإن وصَّى لزيد بعبد، ثم قال: بيعوه بعد موتي، وتصدَّقوا بثمنه، كان رجوعًا.
ولو أوصى أن يُباع عبده، ويُتصدَّق بثمنه على الرقاب، ثمَّ أوصى بصرف ثمنه إلى الفقراء، قُسم الثمن بين الطائفتين نصفين.

2135 -

فصل فيما يتضمَّن الرجوع من الأفعال

إذا وصَّى بحنطةٍ ثم طحنها، أو بدقيقٍ ثم عجنه أو خبزه، أو بشاةٍ ثم ذبحها، أو بثوب ثم فصَّله وقطعه، كان رجوعًا؛ تعليلًا بزوالِ الاسم عند الأصحاب؛ فإنَّ زوالَه يجعل الموصَى به كالفائت المعدوم، وعلَّله الإمام بدلالته على قصد الموصي استعمالَ الموصَى به؛ فإن وصَّى بلحم ثم شواه، بطلت الوصيّةُ عند الإمام، ولا يَبْعُدُ بقاؤها عند الأصحاب؛ لبقاء الاسم، وإن وصَّى بخبز، ثم جعله فتيتًا، فوجهان للعراقيِّين؛ لبقاء الاسم.
وإن وصَّى بجارية أو عبدٍ، فاستخدمهما، أو زوَّج الجارية، لم يكن رجوعًا، وإن وطئها فأوجه:

أشهَرُها: أنَّه ليس برجوع إلا أن يُنزِلَ، فيكون رجوعًا؛ لدلالة الإنزال على قصد التسرِّي.
والثاني: ليس برجوع وإن أنزل، وهو بعيدٌ.
والثالث: أنَّه رجوع وإن عزل.
ومن حلف لا يتسرَّى، ففيما يحنث به أوجهٌ: أحدها: يحنث بمجرَّد الوطء.
والثاني: لا يحنث به إلا أن يُنزل.
والثالث، وهو ضعيف: لا يحنث إلا بأن يُفردَها عن خدم المهنة، ويحصِّنَها، ويُظْهِرَ أنَّه قصد الاستئثار بها، فيحنث حينئذٍ وإن لم يطأ.

2136 -

فرع:

إذا وصَّى بعين، ثم أحدث فيها زيادة؛ فإن بقي اسمها، مثل أن زاد في بناء الدار مع بقاء اسمها، لم يكن رجوعًا، وفي دخول الأعيان الزائدة في الوصيَّة خلافٌ تقدَّم، وإن زال الاسم بأن جعل الدار خانًا، كان رجوعًا عند الأصحاب، وعند الإمام فيه احتمالٌ.
وإن وصَّى بثوب مفصَّل، فخاطه، لم يكن رجوعًا، خلافًا للإمام.
وإن وصَّى بقطنٍ، فحشا به جبّةً لنفسه، فليس برجوعٍ عند الأصحاب، والأصحُّ عند الإمام: أنَّه رجوعٌ؛ لأنه 1 يفسد بالحشو، وتسقط قيمتُه

باتِّساخه، وبطلانِ معظم مقاصدِ القطن.
ولو أوصى بحنطة، ثم خلطها بحنطة لنفسه، كان رجوعًا.
ولو وهب حنطة، ثم خلطها قبل القبض، كان رجوعًا اتِّفاقًا؛ إذ يَعْسُرُ معه القبض.
ولو أوصى بمقدارٍ من صُبرةٍ معيَّنةٍ، مثل أن قال: أوصيتُ له بصاعٍ من حنطةِ هذا البيت، فخلطها بحنطةٍ أخرى؛ فإن كانت الحنطةُ الثانية أجودَ من الموصَى بها كان رجوعًا، وإن كانت مثلَها فليس برجوع اتِّفاقًا، وإن كانت دونها فوجهان، ويُحتمل أن يُجعل رجوعًا في الأحوال الثلاث؛ فإنَّه لو باع حنطةً، ثم خلطها بمثله، أو أجود، أو أردأ، لتَعذَّرَ بذلك التسليمُ، فأولى أن يُجعل ما تعذَّر به التسليم رجوعًا.

2137 -

باب في المرض الذي تجوز فيه العطية (1) ولا تجوز

إذا وقع التبرُّع في مرضٍ مَخُوفٍ؛ فإن برئ منه كان من رأس المال، وإن مات به كان من الثلث، والوصايا والتدبيرُ من الثلث وإن وقعا في الصحَّة.
والمخوف: ما لا يندر منه الهلاك.
ولا يُشترط أن يَنْدُرَ البرءُ منه، ولا أن ييأس المعالِج منه؛ فإنَّ البِرسام 2 مَخُوفٌ، ولا يندر البرءُ منه، فما ظهر توقُّعُ الموت منه فهو مَخُوفٌ، وما ندر ترتُّبُ الموت عليه فليس بمخوفٍ؛ إذ لا يُظنُ توقُّع الموت منه؛ فإن ترتَّب على مرض غير مخوفٍ؛ فإن عرفنا تجدُّدَ سببٍ مخوفٍ أحلنا الموت عليه، وكان التبرُّع الواقع في المرض الأوَّل من رأس المال، وإن مات بذلك المرض، ولم يتجدَّد سببٌ آخر، فقد يقع الغلط في المرض الأوّل من وجهين: أحدهما: ألا يكون من الجنس الذي ظنَّه الطبيب، فيتبيَّن أنّه مخوف؛ لترتُّب الموت عليه.1

الثاني: أن يقع الغلط لجهل الطبيب بقوَّة المريض الحاملة لذلك المرض، فيحصل الموت بذلك المرض؛ لضعف القوّة عن حمله من غير تجدُّد سبب آخر.
وإذا ترتَّب الموت على مرضٍ غير مخوفٍ؛ فإن قطع أهل البصر بتجدُّدِ مرضٍ في باطن الأعضاء الرئيسة كان تبرُّع المرض السابق من رأس المال، وإن قالوا: يمكن أن يتجدَّد مرضٌ آخر، وأن يموت بالمرض الأوّل؛ لضعف قواه عن حمله، وعسُر عليهم تمييز ذلك، فالظاهر: أنَّه مخوفٌ.
ويُحتمل أن يقال: الأصل الصحَّةُ إلى أن يظهر خلافها، وقد يقع مثل ذلك في سراية الجُرح إلى النفس لإيجاب القصاص وإسقاطه.
ومتى ترتَّب مرضٌ مخوفٌ على مرضٍ غير مخوف فإنَّا نراجع أهل البصر؛ فإن قالوا: يندر إفضاء الأوّل إلى الثاني، فليس الأوّل بمخوف، وإن قالوا: إنَّه يفضي إليه إفضاءً مظنونًا مخوفًا، فكلا المرضين مخوفٌ.
وإذا وقع المرض، ولم يظهر الخوف في أوَّله، فتزايد حتى قتل بالتزايد، ولم يحدث سببٌ آخر، فقد تبيَّن أنَّ أوّل المرض مخوفٌ، وذلك كالحمَّى؛ فإنَّها تنقسم إلى مخوفةٍ وغير مخوفةٍ، فإذا تبرَّع في ابتدائها قبل أن يعرف الطبيب أنَّها مخوفة، ثمّ تبيَّن أنَّها مخوفة، حُسب تبرُّعه من الثلث.

2138 -

فرع:

إذا ثبت أنَّ المرض مخوفٌ أو غيرُ مخوف، أُجري عليه حكمُه اللائقُ به، وإن أَشْكَلَ وتنازعوا، لم يَثبت كونُه مخوفًا إلا بعدلين عارفين مسلمين،

ولا يثبت برجل وامرأتين إلَّا أن يكون بامرأة حيث لا يطَّلع عليه الرجال غالبًا، فيثبت بأربع نسوة، أو برجلين، أو برجل وامرأتين.
فإن لم يكن المرض مخوفًا في جنسه، وأشكل على أهل الخبرة: هل وقع الموت بذلك المرض أو بمرض حادث (1)؟ وإن ثبت مرض اتَّفقوا على صفته، ورجع الكلام إلى أنَّه مخوف، ورجع النزاع إلى نسبة قوَّة المريض إلى ذلك المرض، فلا بدَّ من مراجعة خبير موثوق به، ولم يُلحقه الإمام بالشهادات، وشَرَطَ فيه ما يُشترط في التقويم وتعديل الأجزاء في القسمة، فأجراه على الخلاف في العدد ولفظ الشهادة.

2139 -

فرع:

قال المزنيُّ: السِّلُّ ليس بمخوفٍ، وهذا مدخولٌ لا يرتضيه أهل البصائر؛ فإنْ طَرَدَه في كلّ مرض ليس بحادٍّ، كالدقِّ والاستسقاء ونحوهما من العلل التي لا يَسْرُعُ برؤها ولا الهلاكُ بها، كان بعيدًا من تحقُّق الخوفِ.
والهرمُ لا يُلحق بالأمراض المزمنة.
وإذا لم يكن المرض المزمنُ حادًّا فعلاجُه ممكنٌ في طول المدَّة؛1

ليمتزج إمكانُ العلافي وطولُ المدَّة بقوَّة المريض، ويُحكم بحسب ذلك؛ فإن قال أهل البصر: الخوف غالبٌ، فالمرضُ مخوفٌ، ولا نظر إلى طول المدَّة وقِصرها.

2140 -

فرع:

من كان بقطرٍ فيه طاعونٌ عامٌّ ولم يصبه منه شيء، أو حضر الصفَّ وقد التحم الفريقان بالقتال، ولم يُجرح، أو كان في سفينة مشرفة على الغرق؛ لاغتلام البحر، وتلاطم أمواجه، ولم تنكسر السفينة، أو أسره كفَّار يقتلون الأسارى، فالنصُّ: إلحاق هذه الأحوال بالمرض المخوف، ولو قُدِّم ليُقتل قصاصًا، فليس تقديمُه لذلك بمخوفِ، ففرَّق بعض الأصحاب: بأنَّ الظاهر من المسلم العفوُ عن القصاص، بخلافِ تلك الأحوال، وذكر غيره في الجميع قولين يُنظر في أحدهما إلى تحقُّق الخوف، وفي الآخر إلى سلامة بدنه.

2141 - فرع: الطَّلْقُ مخوفٌ، والحبَلُ ليس بمخوفٍ؛ لأنَّ الحامل على الأحوال الصحيحة.

2142 - فرع: قال الأصحاب: الجوائفُ والجراحات الواصلة إلى العظم أو إلى مجتمع اللحم مخوفةٌ؛ فإن طردوا ذلك في كلِّ ما يوجب القصاص اتَّسق قياس البابين، وإن خصُّوه بما ذكروه -وهو ظاهر كلامهم- فالفرق أنَّ القصاص

شُرع صونًا للأنفس، فثبت بأسبابه المذكورة، وأمَّا الخوف في الأمراض فلا يتحقَّق ما لم يثبت الخوف.

2143 -

فرع:

إذا أقرَّ لأجنبيٍّ في مرض موته قُبل إقراره، وانفرد صاحب "التلخيص" بحكاية قولٍ بعيد: أنَّه يُحسب من الثلث كالتبرُّع؛ لئلا يُجعل ذريعةً إلى الزيادة على الثلث.

2144 - فرع: إذا اسْتَغْرقَ الجنونُ أو الإغماء وقتَ الصلاة، سقط قضاؤها وأداؤها، ويسقط قضاء رمضان بالجنون، ولا يسقط بالأغماء، وأَبعدَ مَن خرَّج قولًا من الإغماء إلى الجنون.

2145 - فرع: قال أبو عليِّ: إذا خشي المريض زيادةَ الوجع فله أن يُفْطِر في رمضان، وما جوَّز الفطرَ في رمضان جوَّز أن ينتقل به المُظاهِرُ 1 من الصوم إلى الإطعام مع تراخي الكفَّارة، وهذا ظاهر إن قلنا: الاعتبار بوقت الوجوب، وإن قلنا: الاعتبار بوقت الأداء، فأطعم وهو مريض؛ فإن دام المرض شهرين فالأمر كما قال أبو عليٍّ، وإن انقطع دونهما فالأظهر ما ذكره أبو عليٍّ، وفيه احتمالٌ، والله تعالى أعلم.
وقد أَسْقَطتُ من كتاب الوصايا المسائلَ المتعلِّقة بحساب الجبر

والمقابَلة؛ إذ لا يَحتمِلُ مثلَها هذا المختصرُ، والحمد لله على نعمه 1.

2146 -

باب الأوصياء

اتَّفقوا على جواز نصب الوصيِّ.
وشرطه: الإسلام، والتكليف، والحرِّيَّة، والعدالة، وفي البصر وجهان، وزاد الإمام الرشدَ؛ فإنَّ السفيه العدلَ لا يصلُح لتنفيذ وصيَّةٍ، ولا نظرٍ على طفل؛ لعدم استقلاله.
وتُعتبر هذه الشروط عند موت الموصي، أو عند الوصيَّة، أو مِن حين الوصيَّة إلى الموت؟ فيه ثلاثة أوجه أصحُّها الأوّل، وأبعدُها الآخِر.
فإن قَبِلَ الوصيُّ الوصيّةَ، أو ردَّها في حياة الموصي، فلا حكم لذلك على الوجه الأوَّل، وعلى الوجهين الآخَرينِ خلاف، والأصحُّ: أنَّه لا حكم لقبوله وردِّه، فإن صحَّحنا القبول لم نشرط اتِّصالَه بالوصيَّة اتِّفاقًا.
ولا يصحُّ الإيصاء إلى مكاتَب، ولا إيصاء مسليم إلى كافر، وتصحُّ وصيَّة 1 الكافر إلى المسلم، وكذا إلى الكافر على الأظهر، إلَّا أن يوصيَ إلى المسلم بشيء، فيبعد تصحيحُه.

جارٍ التحميل