كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ
4008 -
أجمع العلماءُ على أن البيِّنة على المدَّعي، واليمينَ على المُنْكِر، وفي حدِّ المدَّعي والمدَّعى عليه مذهبان مأخوذان من القولين إذا أسلم الزوجان, وقال الزوج: أسلمنا معًا، فالنكاح باقٍ، فقالت: بل (1) أسلمنا على التعاقب، فارتفع النكاح:
أحدهما: أنَّ المدَّعي: مَنْ يدَّعي أمرًا خفيًّا، والمدَّعى عليه: من يدَّعي أمرًا جليًّا، فعلى هذا: القولُ: قولُ المرأة؛ لأنَّ التساوقَ خفيٌّ، والتعاقبَ جليٌّ.
والثاني: المدَّعي: مَنْ يُخلَّى وسكوتَه، والمدَّعى عليه: من لا يُخلَّى وسكوتَه، فعلى هذا: القولُ قولُ الرجل؛ لأنَّ المرأةَ لو سكتت، دام النكاحُ، ولو سكت بعد دعواها، لم جصرك وسكوتَه، ولا خلافَ في قَبول قول المودعَ في ردِّ الوديعة وإن كان ما ادَّعاه خفيًّا؛ نظرًا إلى أمانته.
4009 -
فرع:
إذا ادَّعى السَّفِلةُ الخسيسُ على رجل عظيم القَدْر؛ كالمَلِك: أنَّه أقرضه مالًا، أو تزوَّج ابنته، أو استأجره لسياسة دوابِّه، ونحو ذلك، سُمعت دعواه1
اتِّفاقًا, وقال الإصطخريُ: لا تُسمع، وهذا وسواسٌ، لا تُشوَّش بمثله القواعدُ.
4010 -
فصل في تعارض بينِّة الداخل والخارج
الداخلُ: صاحبُ اليد، والخارجُ: مَنْ لا يدَ له، فمن ادَّعى دينًا أو عينًا بيد غيره، فالقولُ قولُ المدَّعى عليه مع يمينه؛ لرُجْحَان جانبه باليد والاستصحاب، فإن حلف، ثمَّ وجد المدَّعي بينة، قُدِّمت على يمينه، فإن كان للداخل بينة؛ فإن أقامها قبل أن يقيمَ الخارجُ بينته، لم تُسمع على المذهب الظاهر؛ إذ لا حاجةَ له إلى ادِّعاء الملك؛ فإنَّه يكفيه النفيُ والإنكار، وعلينا سلوكُ أقرب الطرق وأيسرِها في الخُصومات، والحلفُ أيسرُ من سماع البيِّنة المُحْوِجة إلى النظر في الجرح والتعديل.
وخرَّج ابن سُريج قولًا أنَّها تُسمع؛ دفعًا للحلف، ولتهمة الكذب، كما تُسمع بينة المودعَ على الردِّ والتلف وإن قُبل قولُه مع يمينه، لكنَّ الفرقَ أنَّ للمودعَ منصبَ المدَّعي، بخلاف الداخل، ولأنَّ المدَّعيَ 1 عقلًا ولغة: مَنْ يطلب شيئًا، والمدَّعى عليه: مَنْ تُربط به الدعوى، فينكرها، ولا يُتصوَّر في الداخل أن يقيمَ البينة من جهة كونه مدَّعىً عليه، فإنَّ البينة لا تُسمع على النفي، فإن أقام الخارجُ بينة، وعدَّلها سُمعت بيِّنة الداخل بالملك المطلق؛ لأنَّه صار مدَّعيًا، فأشبه الخارجَ، وأبعد مَنْ قال: لا تُسمع دعواه، وبيِّنته إلَّا أن يضيفَ الملكَ إلى سبب غير اليد؛ لجواز أن تكونَ يدُه معتَمَدًا للشاهد.
ولو أقام الخارجُ بينة، ولم يعدِّلها، فاقام الداخلُ البيَّنةَ، ففي سماعها خلافٌ مرتَّب على ما قبل إقامة بيِّنة الخارج، وهذا أولى بالسماع.
4011 -
فرع:
إذا لم يتوجَّه على الرجل دعوى، فأقام البيِّنة بملك في يده، وطلب تسجيلَه، لم تُسمع على الظاهر؛ إذ لا خصومةَ، وأبعد مَنْ سمعها لغرض الإسجال.
وإذا عُدِّلت بيِّنة الخارج، فسمعنا بيِّنةَ الداخل، فعدَّلها، فهل يحلف معها؛ فيه خلاف مبنى على الخلاف في الخارجَين إذا ادَّعيا دارًا بيد ثالث، وأقاما بيِّنتين، ففي سقوطهما قولان، فإن أسقطناهما ثَمَّ، فهاهنا وجهان:
أحدُهما: تُرجَّح بيِّنةُ الداخل بيده، [فلا يحلف] 1.
والثاني: تسقطان، فيحلف على نفي ما ادَّعاه الخارجُ.
وإن قلنا باستعمال بيِّنة الخارجين، فلا قرعةَ هاهنا، ولا وقفَ، ولا قسمةَ، فإن قلنا ثَمَّ بالوقف أو القسمة، رُجّح الداخلُ بيده، وإن قلنا بالقرعة، ثَمَّ، فهل يحلف معها؟ فيه قولان، فإن قلنا: يحلف ثَمَّ، فهل يحلف هاهنا، أو يكفيه الترجيحُ بيده؟ فيه طريقان، فإن قلنا: يحلف، حَلَف على إثبات الملك.
4012 - فرع: إذا حكمنا ببيِّنة الخارج، وأزلنا يدَ الداخل، فوجد بيِّنةً، فأقامها، فوجهان:
أحدُهما: [تُسمع، و] (1) تُرجَّح بيده السابقة إن أسندت البيِّنةُ الملكَ إلى وقت قيام يده، واستدامته إلى وقت الدعوى، وإن شهدت بملكٍ غير مستند، لم تُرجَّح؛ لأنَّها بينة خارج.
والثاني - وهو الظاهر عند القاضي -: لا تُسمعُ إلَّا أن تشهدَ بتملُّك من جهة خصمه، وكذلك لو شهدت بتلقِّي الملك من غير الخصم عند الإمام.
ولو حكم الحاكمُ بالملك، وإزالة اليد، ولم تزل يدُه حتَّى أقام البيِّنة؛ فإن سمعناها بعد زوال اليد، سُمعت هاهنا، وإن رددناها ثَمَّ، فهاهنا وجهان.
4013 -
فرع:
إذا أقام الخارجُ بينةً بالملك المطلق، فادَّعى الداخلُ أنَّه اشترى ذلك منه، فإن كانت بينته حاضرةً، لم تزل يدُه، بل تُسمع بينته، ونقدِّمها على بينة الخارج.
وقال القاضي: إن طلب الخارجُ تسليمَ العين، سُلِّمت إليه، ثمَّ ينشئ الداخلُ دعواه، ويقيم بينته، فإن قال: لا تزيلوا يدي، وأمهلوني ثلاثًا لأقيمَ البينة، لم يُمهل اتِّفاقًا.
ولو ادَّعى بألف، فقال خصمُه: أبرأني منه، فاحلف على نفي البراءة، لم يلزمه تسليمُ الألف حتَّى يحلفَ خصمه.
وقال القاضي: يُلزم بالتسليم، ثمَّ يفتتح الدعوى بعد ذلك، فإن كان المدَّعي وكيلًا لغائب في مكان شاسع، فادَّعى الخصمُ أنَّ الموكِّلَ قبض1
الألفَ، فلا تقفُ الخصومةُ إلى حضوره اتِّفاقًا.
4014 -
فرع:
إذا أقرَّ بملك مطلق أو مقيَّد بسبب، ثمَّ ادَّعى به على المقَرِّ له، لم تُسمع دعواه حتى يذكرَ أنَّه تلقَّاه منه، أو ممَّن تلقَّاه منه.
ولو انتزعت منه دار بينة، فادَّعى على المنتزع بالملك المطلق، فوجهان، والأكثرون على سماعها، ولو ادَّعى ذلك (1) أجنبيٌّ، سُمعت دعواه.
4015 -
فصل في تداعي الرجلين
2
إذا تنازع اثنان دارًا في أيديهما، كلُّ واحد منهما يدَّعيها، حلف كلُّ واحد على النفي في النصف الذي بيده، ونصَّ أنَّ المتبايعين يحلفان على النفي والإثبات، فقيل في المسألتين قولان:
إحداهما: يحلفان على النفي.
والثاني: يحلف كلُّ واحد منهما يمينًا جامعةً للنفي والإثبات، وقطع بعضُهم بتقرير النصَّين، والأصحُّ هاهنا: القطعُ بالحلف على النفي؛ لأنَّ المثبت في البيع في ضمن المنفي؛ لاتحاد العَقْد، ولأنّ المدَّعى به هاهنا ممتازٌ عن النصف الآخر.1
فإن قلنا بالأصحِّ، فهل يبدأ الحاكمُ بتحليف أحدِهما، أو يبدأ بالقرعة؟ فيه خلاف.
فإذا حلف البادئُ، حلف على النفي في النصف الذي بيده، ولا ينفي ملكَ صاحبه عن جميع الدار، فإنَّه مدَّعٍ في نصفها، والمدَّعي لا يحلف على النفي.
فإن حلفا، أُقرَّت يد كلِّ واحد منهما على النصف، وإن حلف الأوَّل، ونكل الثاني، فللأوَّل أن يحلفَ على إثبات الملك فيما بيد خصمه 1، فتُقَرُّ يده فيما حلف فيه على النفي، ويثبت ملكُه بالنسبة إلى خصمه فيما حَلَف عليه يمينَ الردِّ.
فإن أقام الثاني البيِّنة، سُمعت فيما نفاه الأوَّل، وقد لا تُسمع فيما نكل عنه إذا جعلنا يمينَ الردِّ كالإقرار.
وقال الأصحابُ: إذا حلف على النفي والإثبات، ثبت ملكُه في جميع الدار، وتقف يمينُ النفي على طلب الخَصْم، ولا يقف يمينُ الإثبات على الطلب؛ فإنَّ اليمين المتَّحدة يجوز أن تكون مطلوبةً من وجه، وغيرَ مطلوبة من وجه آخر.
فإن حلف المردودُ عليه بأنَّ الدار ملكي لا حقَّ فيها لخصمي 2، ولا ملكَ، لم يضرَّه إضافةُ النفي والإثبات إلى جميع الدار.
ومهما نكل أحدُهما، فحلف الآخرُ، تعدَّدت اليمينُ على أظهر الوجهين؛
لتغاير المقصودين.
فإن أقام أحدُهما بينةً، حُكم له بجميع الدار وإن كان داخلًا في نصفها للتبعيَّة، بخلاف الداخل في جميع الدار، وإن أقاما بينتين؛ فإن قلنا: لا تُسمع البيِّنة قبل الحاجة إليها، فعلى من ابتدأ بإقامتها إعادتُها في النصف الذي يُدَّعى به عليه إذا قامت بينة صاحبه.
4016 -
فصل في دعوى الخارجين على داخل
إذا ادَّعى اثنان دارًا بيد ثالث، كلُّ واحد منهما 1 يدَّعي جميعَها، وأقاما بيِّنتين، فقولان:
أصحُّهما: أنَّهما تسقطان، ويحلف الداخل.
والثاني: تُستعملان، وفيما تستعملان به أقوالٌ:
أحدُها: القرعةُ، فيُحكم بها لمَنْ خرجت قرعتُه إن حلف، وإن لم يحلف، فقولان.
والثاني: تُوقف إلى أن يصطلحا.
والثالث: يُقسم بينهما، فيُجعل لكلِّ واحد منهما نصفٌ شائع فيما يقبل الشركة؛ كالعبد والجوهرة.
وقولُ القرعة باطل، وأقربها قولُ الوقف، ولا تجري الأقوالُ إلَّا عند الإمكان، وهل هي اختلافٌ في الوجوب، أو الأَوْلى؛ فيه خلافٌ سنذكره.
فلو وقع ذلك في نكاح امرأة، فلا وقفَ ولا قسمةَ، وفي القرعة خلافٌ، وإن كان في عقد بيع، جرت الأقوالُ، [وغلط] 1 مَنْ منع الوقفَ؛ تعليلًا بأنَّ العقد لا يقبل الوقفَ، وهذا باطل؛ فإنَّ الوقفَ الممتنع أن يتوقفَ البيعُ على شرط قد تخلَّف عنه، بخلاف الوقف في الخُصومات.
وللتعارض صور:
الأولى: أن يمكن الصدقُ؛ مثل أن تُسمعَ إحدى البيِّنتين الوصيَّة بالدار لأحدهما، وتسمعَ الأخرى الوصيَّة للآخر، ولا تشعر واحدةٌ منهما بالوصيتين، فهاهنا قولا التهاتر والاستعمال، [وفي هذا نظر؛ فإنَّ تعاقبَ الوصيَّتين على عين واحدة موجبٌ للاشتراك عند الشافعيِّ] 2.
الثانية: أن يبعدَ صدقُهما؛ مثل أن تشهدَ كلُّ واحدة منهما لمُقِيمها أنَّه اشترى العين، ويتَّحد التاريخُ، أو تُسندَ كلُّ واحدة منهما النتاجَ إلى ملك المدَّعي.
الثالثة: أن يقطعَ بالتكاذب؛ كشهادة إحداهما بموت إنسان، وشهادة الأخرى أنَّها رأته في ذلك التاريخ، أو بعده حيًّا متصرِّفًا، ويقرب منه بيِّنة النتاج إذا شهدت بيِّنة كلِّ واحد منهما أنّ الدابَّةَ المدَّعاة نتُجت في ملكه، فإذا حصل التكاذبُ قطعًا، فطريقان:
إحداهما: القطعُ بالتهاتر.
والثانية: فيه القولان.
4017 -
فصل فيما تُرجَّح به إحدى البينتين
الشاهدُ والمرأتان مساويان للشاهدين اتِّفاقًا، ويُقدَّم الشاهدان على شاهد ويمين في أصحِّ القولين، وفي التقديم بالورع والتئبت، أو زيادة العدد، قولان:
القديمُ: الترجيحُ بذلك؛ اعتبارًا بالرواية.
والجديد: التساوي؛ لغلبة التعبُّد على الشهادة، بخلاف الرواية، ولذلك يقوم الواحدُ في الرواية مقامَ الجماعة بحفظه، وثقته، ولا تقوم الحجَّة بشاهد واحد.
فإن قلنا بالقديم، فكانت إحداهما شاهدين في أعلى مراتب الورع، والأخرى عشرة من أوساط العدول، فعلى الحاكم أن ينظرَ بينهما نظره في خبرين يُرويان بهذه الصفة، ولا يبعدُ في القديم تقديمُ رجلين على رجل وامرأتين؛ إذ يجوز الحلفُ مع الرجل، ولا يجوز مع المرأتين، وإذا قلنا بالقديم، فكان أحدُ الخصمين داخلًا، ومع الخارج ما يوجب الترجيحَ [على القديم] 1؛ كالكثرة، ومزيَّة الورع، فهل يترجَّح الداخل بيده، أو يستويان؟ فيه وجهان.
4018 -
فصل في الحلف على جَرح الشاهد، ونحوه
إذا قامت بيِّنة بحق؛ كالملك، فليس للخصم أن يحلِّف المدَّعيَ على ما قامت به البينة، وإن قال: ابتعته منه (1)؛ حلَّفه (2) على نفي البيع، وإن طلب يمينه على نفي العلم بجَرْح الشهود، ففي إجابته وجهان.
قال القاضي: يمكن بناؤهما على أصل ضابط لما يجري فيه الحلف، وهو أنَّا هل نشترط أن يدَّعي حقًّا، أو يكفيه أن يدَّعيَ ما لو أقرَّ به الخصمُ لنفعه ما لم يؤدِّ إلى فساد؛ كتحليف الشاهد والحاكم؟ فيه وجهان، فإذا ادَّعى أنَّه أقرَّ له بمال، ولم يدَّع استحقاقَه للمال، أو ادَّعى عليه بحق، فقال للمدَّعي: قد أقررتَ لي به، ولم يقل: هو ملكي، أو ادَّعى القاذفُ زنا المقذوف، أو ادَّعى مالًا، فقال الخصمُ: قد حلَّفتني مرَّة في هذه الدعوى، ففي الحلف في هذه الصورة الوجهان.
4019 -
فصل في الدعوى المطلقة
من ادَّعى مالًا عينًا، أو دينًا، لم يلزمه تفصيلُ الدعوى اتِّفاقًا، ولا خلافَ في اشتراط تفصيل دعوى القصاص بذكر كلِّ ما يقف عليه القصاصُ، ولا يجب التفصيلُ في البيع والشراء، ويجب في النكاح؛ لاختصاصه بالاحتياط، وأبعد مَنْ خرَّج قولًا في الشراء، وفي النكاح قولان مخرَّجان:12
أحدُهما: يكفي الإطلاق.
والثاني: إن ادَّعى العقدَ، وجب التفصيلُ، وإن قال: هذه زوجتي، كفاه الإطلاق، فإن شرطنا التفصيلَ في البيع والنكاح، لم يجب التعرُّض لنفي المفسدات اتِّفاقًا، كالخلوّ من الزوج والعدَّة ونحوهما.
وتفصيل النكاح بذكر الوليِّ، وشاهدي عدل، ورضا مَنْ يُعتبر رضاه.
وتفصيلُ البيع بأهليَّة العاقد، ورضا القابل، والثمن الصحيح.
وإن اكتفينا بالإطلاق، فلابدَّ من التقييد بالصحَّة على الأصحِّ، ولا سيَّما في النكاح.
ثمَّ الشهادة بيان للدعوى، فإن شرطنا تفصيلَ الدعوى، وجب تفصيلُ الشهادة، وإلَّا فلا.
4020 -
فصل في حكم يمين الردِّ
يمين الردِّ كالبيِّنة، أو كإقرار المدَّعى عليه؟ فيه قولان، فإذا ادَّعى نكاحَ امرأة؛ فإن قبلنا إقرارَها بالنكاح، سُمعت دعواه، وإن رددنا الإقرارَ، لم تُسمع إلَّا أن يُجعلَ يمينُ الردِّ كالبينة؛ إذ لا يلزمُ من ردّ الإقرار ردُّ الإنكار، فإن حلفت، انقطعت الخصومةُ، وإن نكلت، فحلف، ثبت النكاحُ، وليس له أن يحلفَ حتَّى تنكر، أو ينكر وكيلُها، وإن أقرَّت؛ فإن رددنا إقرارَها وجعلنا يمينَ الردّ كالبينة، فالوجه: أن يُجعلَ إقرارُها كسكوتها، فتحلف يمينَ الردِّ، ويثبت النكاح، وهذا في غاية البُعْد؛ لتفرُّعه على أصلين ضعيفين، هما
جعلُ اليمين كالبيِّنة، وردُّ الإقرار.
وإن ادَّعى اثنان عليها بالنِّكاح، فأقرَّت لأحدهما، وأنكرت الآخر؛ فإن نفذنا الإقرار، فنكلت عن اليمين للثاني، فحلف يمينَ الردِّ، فقد قال بعضُهم: إن جعلت يمين الردِّ كالبينة، سُلِّمت إلى الثاني، وهذا بعيدٌ، فإنَّها إنَّما تُجعل كالبينة في حقِّ المدَّعى عليه، فلا يبطل بها حقُّ الغير.
وإن ادَّعى عليه بقتل خطأ، فانكر ونكل، فحلف خصمُه، لزمته الديةُ، وأبعد مَنْ جعلها على العاقلة إذا جعلنا يمينَ الردِّ كالبيِّنة.
ولو ادَّعى نكاحًا، فأنكرت المرأةُ ونكلت، فحلف، فأقام آخرُ بيِّنةً على نكاحها، سُلِّمت إلى مُقِيم البينة, وقال أبو على: إن جعلنا يمينَ الردِّ كالبيِّنة، تعارضتا، وإن قلنا بالتهاتر، فهما على مجرَّد دعواهما، وإن قلنا بالاستعمال، فلا يجيء سوى قولِ القرعة، وهذا في غاية البُعْد؛ إذ لا وجهَ لمساواة اليمين لشهادة عدلين.
4021 -
فصل في دعوى المرأة بالنكاح
إذا ادَّعت المرأةُ بالنكاح؛ فإن ذكرت النفقةَ والمهرَ؛ لتثبتَهما، سُمعت الدعوى، وإن ادَّعت مجرَّد النكاح، فسكت الخصمُ، ففي سماع الدعوى والبينة وجهان، وإن أنكر؛ فإن قلنا: لا تُسمعُ إذا سكت، لم تُسمع إذا أنكر، وإن قلنا: تُسمع، ثَمَّ، فأنكر هاهنا بعد الدعوى، ولم نجعل إنكارَه طلاقًا، ففي بطلان الدعوى بانكاره وجهان، وأبعد مَنْ قال: إن أنكر العقدَ، لم تُسمع
البينة، وإن اعترف به، وزعم أنَّه خلا عن الوليِّ والشهود، سُمعت، وثبت النكاحُ بحقوقه حتى طلبُ القَسْم.
والخلافُ في سماع الدعوى مع إنكاره أصله أنَّ كلَّ مَنْ أنكر لنفسه حقًّا من ملك أو نكاح أو غيرهما، ثمَّ أقرَّ به، فهل يُقبل إقرارُه، أو يمتنع عليه إثباته؟ فيه خلافٌ، فإن قبلنا إقرارَه، وجوَّزنا له وطأها، وسمعنا دعواه، فأنكر (1)، لم تبطل دعواها بالإنكار، وتلزمه الحقوقُ الماليَّة، فلا يخلص منها إلَّا بالطلاق، وإن رددنا إقرارَه، لم يثبت النكاحُ في حقِّه، وفي حقوقها الماليَّة تردُّد، واحتمال.
4022 -
فرع:
إذا لم يقرَّ بعد الإنكار، أو أقرَّ، ورددنا الإقرارَ، فليس لها طلبُ القَسْم، وإن أقرَّ بعد الإنكار، وقبلنا إقرارَه، ففي طلب القَسْم مع إصراره على ادِّعاء التحريم احتمالٌ.
4023 -
فصل فيمَن ادَّعى ملكًا، فشهدت البينةُ بالملك مع السبب
إذا ادَّعى الملكَ مطلقًا، فشهدت البيِّنة به، وبسببه، ثبت الملكُ اتِّفاقًا؛ فإن السببَ تابعٌ غير مقصود، فإن صدَّقَ البينةَ على السبب، فالوجهُ أنَّه لا يثبت إلَّا أن تُعادَ الشهادة به، وإن ادَّعى الملكَ مضافًا إلى سبب، فشهدت البيِّنةُ1
بملك مطلق، ثبت الملكُ، وإن أضافه (1) إلى سبب آخر، لم يثبت الملكُ على أظهر الوجهين.
4024 -
فائدة:
إذا صحَّحنا كفالةَ البدن، فهي كالحقوق الماليَّة في الدعوى والحلف والنكول والردِّ.
4025 -
فصل في التعارض في الكراء
إذا ادَّعى [أنَّه اكترى] 2 دارًا بعشرة، فقال الخصمُ: بل أكريتُكَ بيتًا منها بعشرة، تحالفا كالمتبايعين، فإذا حلفا، لم يُقرع بينهما، وبهذا يضعف قولُ القرعة؛ إذ لا فرقَ بين تعارض يمينين، وتعارض بينتين، وإن أقاما بيِّنتين، تعارضتا، وأبعد مَنْ قدَّم بيّنة المدَّعي؛ لاشتمالها على الزيادة، وهذا باطلٌ؛ فإنَّ الترجيحَ إنَّما يحصل بما يزيد في ظهور صدق البيِّنة دون زيادة المشهود به، ولأنَّهما لو تحالفا، لم نحكم لمدَّعي الزيادة، فإن قلنا بالتعارض؛ فإن أسقطناهما، تحالفا، وترادَّا، وإن استعملناهما، فلا وقفَ ولا قسمةَ؛ فإنَّ الوقفَ يفوِّت المنافعَ، والقسمة لا تجري إلَّا في شيء متَّحد تصحُّ الشركةُ فيه، ويدَّعي كلُّ واحد منهما جميعَه، وهل يجوز من يرى الوقفَ أو القسمةَ أن يعدل إلى قول القُرعة عند تعذَّر الوقف والقسمة؛ فيه خلافٌ مأخذُه أنَّ1
الخلافَ في الاستعمال خلافٌ في الوجوب، أو الأَوْلى، فإن جحاه خلافًا في الوجوب، فتعذَّر الاستعمالُ على بعض الأقوال، سقطت البيِّنتان، فيتحالفان هاهنا، ويترادَّان، وإن جعلناه خلافًا في الأولى، فتعذَّر بعضُ الأقوال عنْدَ من يختاره، عدل إلى غيره من أقوال الاستعمال.
وإن قال: أكريتك البيت بعشرين، فقال: بل أكريتني الدارَ بعشرة، [وأقاما بيِّنتين] (1)؛ فإن قلنا بالتهاتر، تحالفا، وإن قلنا بالاستعمال، جرى قولُ القرعة، وغلط مَنْ أوجب العشرينَ؛ عملًا بقول المُكري، وأثبت الإجارةَ في الدار؛ عملًا بقول المكتري، وهذا باطلٌ، وعر الفقه وشرفُه في حصره على [مسالكه] (2) في كل واقعة.
4026 -
فصل فيمن ادُّعِي عليه بعين فأقرَّ بها لحاضر
إذا ادُّعِي عليه بعين، فأقرَّ بها لحاضر عيَّنه، أحضره الحاكمُ وراجعه، وله حالان: إحداهما: أن يُصدِّق المقرَّ له، فتنصرف الخصومة في العين إليه، وتنقطع عن المقِرِّ؛ فإنَّها لا تدور إلَّا بين متنازعين، وهو لا يدَّعي حقًّا في الدار، وهل للمدَّعي تحليفُ المقرِّ ليغرِّمه قيمةَ العين؟ فيه قولان مأخوذان من قول غُرْم الحيلولة، فإن قلنا بالغُرْم، حلَّفه، وإلَّا فلا، فإن قلنا: يحلِّفه؛ فإن حلف، يخلص، وإن نكل، فحلف خصمُه، استحقَّ قيمةَ العين، وأبعد مَنْ12
قال: إذا جعلنا يمينَ الردِّ كالبينة، سُلّمت العين 1 إليه، ثمَّ لا يغرم قيمتَها للمقَرِّ له على الأصحِّ؛ إذ لا يلزمه أن يحلفَ.
الحالة الثانية: أن يكذِّب المقَرُّ له، ففي العين أوجهٌ:
أحدها: تُسلَّم إلى المدَّعي، وهذا باطل؛ إذ لا يدَ له، ولا بينة، ولا إقرار.
والثاني: ينزعها الحاكمُ، ويحفظها إلى أن يتبيَّن أمرها، وفي تحليف المقرِّ للتغريم الخلافُ، وإن رجع عن الإقرار، لم يُقبل رجوعُه.
والثالث: تُقَرُّ بيد المقِرِّ، فإن رجع عن الإقرار، ففي نفوذ الرجوع خلافٌ، فإن نفَّذْناه، فللمدَّعي تحليفُه، وإن أبطلناه، ففي تحليفه للغرم القولان.
والخلافُ في رجوعه مبنيٌّ على أنَّ المقَرَّ له لو كذَّبه، ثمَّ صدَّقه، نفذ تصديقُه إن توافقا عليه، وإن لم يوافقه المقرُّ، فوجهان يجريان في كلِّ من قال قولًا يتضمَّن نفيَ الملك عنه، ولم يثبت لغيره حقُّا، ثمَّ رجع، ففي نفوذ رجوعه الوجهان، فإذا رجع المقِرُّ، فإن أبطلنا رجوعَ المقَرِّ له، لم ينفذ رجوعُ المقِرِّ، وإن نفَّذنا رجوعَ المقَرِّ له، ففي رجوع المقِرِّ مع إصرار المقَرِّ له على التكذيب، أو موته على التكذيب 2 الوجهان؛ لأنَّه نفى الملكَ عن نفسه بإقراره، فأشبه رجوعَ المقَرِّ له بعد التكذيب، فإن نفَذنا رجوعَ المقِرِّ، فقال المقَرُّ له: قد صدقت في إقرارك لي، وكذبت في رجوعك، ففي قَبول ذلك
منه تردُّد، وميلُ القاضي إلى أنَّه لا يُقبل.
والخلافُ في رجوع المقَرِّ له مأخوذ من أنَّ الوكيلَ لو ردَّ الوكالة، وقلنا: لا يُشترط فيها القَبولُ، فلا يجوز له التصرُّفُ بعد الردِّ إلَّا بتوكيل جديد، فيشبه ردُّ الإقرار ردَّ الوكالة من وجه، ويُفرَّق بينهما بأنَّها عقد، فيبطل بالردِّ، بخلاف الإقرار.
4027 -
فصل فيمن ادُّعي عليه بعين فأقرَّ بها لغائب
إذا ادُّعي عليه بعين، فأقرَّ بها لغائب عيَّنه، فالأصحُّ - وهو قول العراقتين -: أنَّا نقف الخصومةَ إلى أن يحضرَ الغائبُ، ولا يحلف المقرُّ على نفي التسليم، وفي تحليفه للغُرْم القولان.
وقال أبو محمَّد وبعضُ الأصحاب: يحلف على نفي تسليم العين، فإن نكل، فحلف المدَّعي تسلُّمَها، فإن حضر الغائبُ، وصدَّق المقِرَّ، انتزعها، ويستأنف الخصومة بينه وبين المدَّعي، فإن أقام المدَّعي بينة؛ فإن قلنا بقول أبي محمَّد، حُكم له بالدار من غير يمين؛ لأنَّه حكمٌ على المقرِّ، وهو حاضر، وإن قلنا بقول العراقيين، فالأصحُّ أنَّه لا يُحكم له حتَّى يحلف؛ لأنَّه قضاء على غائب، فإن أقام المقرُّ بيِّنة تشهد بأنَّ الملكَ للغائب؛ فإن لم يكن وكيلًا عنه، ففيها أوجه:
أحدها: تُسمع، وهو قول العراقيِّين والمحقِّقين، وفائدتُها انصرافُ الخصومة والحلف عن الداخل، ولا يثبت بها ملكُ الغائب، فإن أقام المدَّعي
بيِّنة، قُدِّمت على بيِّنة المقِرِّ، وانتزع العين، وإن لم يُقِم بينة، وطلب تحليفَ المقرّ لأجل الغُرْم، لم يكن له ذلك اتِّفاقًا؛ لأنَّ الخصومةَ اندفعت عن المقرِّ بإقامته البينة.
والثاني: لا تُسمع؛ لعدم النيابة.
والثالث: لا تُسمع إلَّا أن تكونَ يدُه عن وديعة أو عارية، فإن قلنا: لا تُسمع، فكانت يدُه عن رهن أو إجارة، ففي سماعها وجهان، لأنَّه ادَّعى حقًّا لو ثبت لدافع به المدَّعي، وفي طريقة العراق وجهٌ بعيدٌ أنَّه يثبت ملك الغائب؛ تبعًا للرهن والإجارة، ويُقدَّم على بيِّنة المدَّعي، وإذا حَكَم ببينة المدَّعي، كتب في سِجِلِّه: فإذا رجع الغائبُ، فهو على حجَّته، وإن لم يقم الداخل بينة، فرجع الغائبُ، سُلّمت الدارُ إليه، وسُمعت بينته، وجُعل صاحبَ اليد، فتُرجَّح بينته اتفاقًا، وكذا إن أقام المدَّعي بينة، فرجع الغائبُ، وأقام البيِّنة، فإنَّا نُرجِّحها اتِّفاقًا؛ لأنَّه كان معذورًا بالغَيبة، ولا تكفيه بينة المقرِّ؛ لأنَّها سُمعت؛ لتصرفَ عنه الخصومة والحلف، ولا بدَّ من إثباته الملك ببينة المقرِّ، أو بغيرها.
4028 -
فرع:
إذا ادُّعي عليه بعين، فأقرَّ بها لحاضر أو غائب، فخاصم المدَّعي المقَرَّ له، فأقام المقَرُّ له البيِّنة على ملك العين، فلا يمينَ على المقِرِّ، ولا غُرْمَ؛ لأنَّ الحيلولةَ حصلت بالبينة.
4029 -
فصل فيمن ادُّعي عليه بعين، فنفاها عن نفسه
إذا ادُّعي عليه بعين، فقال: ليست لي، أو هي لرجل لا أسمِّيه، أو لرجل لا أعرفه، وقد نسيت اسمَه، وعينَه، فالمذهبُ: أنَّه يحلف، ولا تنصرفُ الخصومةُ عنه، فإن حلف، تخلَّص، وإن نكل، حلف المدَّعي واستحقَّ، وإن أقام بيِّنة، حكم بها عليه، وأبعد مَنْ قال: تُنزع وتُحفظ حفظَ المال الضائع، فعلى هذا في حلفه للغُرْم قولان، والانتزاعُ متَّجه إذا قال: هي لرجل لا أعرفه، وقد نسيتُ اسمَه.
ولو أقرَّ لصبيٍّ، أو مجنون، صحَّ إقرارُه، وانصرفت الخصومةُ إلى وليِّهما، فإن آل الأمرُ إلى تحليف الطفل، وقف الحلفُ إلى بلوغه، وفي حلف المقرِّ للغرم الخلافُ، وإذا أقرَّ لمجهول، أو قال: ليست العين لي، ثمَّ رجع، ففي قَبول رجوعه وجهان.
وإن قال: هي وقفٌ على ابني، أو على الفقراء، حُكم بالوقف، فإن أقام المدَّعي بينة، حُكم بها، وفي الحلف للتغريم خلافٌ، لأنَّ التداركَ في الوقف ممكنٌ بقيام البيِّنة.
4030 -
فرع:
إذا أقام بينة أنَّ زيدًا أقرَّ له بدار، فأقام آخرُ بيِّنةً أنَّ زيدًا غصب منه الدارَ، قُدِّمت بينة الغصب، ولا غرم على المقرِّ؛ لاختصاص الغُرْم بما إذا وقعت الحيلولةُ بالإقرار، ثمَّ أقرَّ بعد ذلك لآخر.
4031 -
باب الدعوى في الميراث
إذا مات نصرانيٌّ عن ابنين مسلم ونصرانيٍّ، فادَّعى المسلمُ أنَّه مات مسلمًا، ليرثه، وادَّعى النصرانيُّ أنَّه مات نصرانيًّا، صُدِّق النصرانيُّ بيمينه، وإن أقام أحدُهما بيِّنة، حُكم له، وإن أقاما بينتين، قُدِّمت بينة المسلم؛ فإنَّ القاعدةَ تقديمُ البيّنة الناقلة على المستصحِبة؛ لزيادة علمها، ولهذا لو أقام بيّنة أنَّه ورث دارًا عن أبيه، فأقامت زوجةُ الأب بيِّنة أنَّ الأبَ باعها منها، أو أصدقها إيَّاها، قُدِّمت بيِّنتُها.
وإن قامت بينة المسلم أنَّه نطق بالإسلام، ومات عقيبه، وبينة النصراني أنَّه نطق بالنصرانية، ومات عقيبها، تعارضتا، فإن أسقطناهما، فالقولُ قول النصرانيِّ، وإن استعملناهما، جرت الأقوالُ الثلاثة.
وقال أبو إسحاق المروزيُّ: لا يجيء قولُ القسمة؛ فإنَّ الإرثَ لا يقسم بين مسلم، وكافر، وهذا لا يصحُّ، فإنَّ القسمةَ تعتمد تساوي المتداعيين، وإمكان الشركة في المدَّعى به؛ لا أنَّ الاستحقاقَ ينقسم.
وإن جهل دِينَ الأب، فأقام المسلمُ بينة أنَّه مات مسلمًا، وأقام النصرانيُّ بينة أنَّه مات نصرانيًّا، فالقولُ في التهاتر والاستعمال كما تقدَّم، فإن لم تكن بينة، فالتركة كدار تنازعها اثنان، وهي في أيديهما، فإن كانت في يد أحدهما،
فالقولُ قولُه عند القاضي، وهذا وهمٌ من الناقل إذا اعترفا بأنَّ المالَ مخلَّف عن الأب.
وإن قال المسلم: لم يزل أبونا مسلمًا حتَّى مات مسلمًا، فمن ضرورة ذلك رِدَّة أخيه، فلا يُقبل قولُه في الردّة، وأبعد مَنْ رجَّح بيِّنة المسلم بالدار؛ فإنَّ الدارَ إنَّما تؤثِّر في اللقيط، وإذا حُكم بالتهاتر أو الاستعمال في شيء من هذه الصور، فالنصُّ أنَّا نغسِّل الميتَ ونصلّي عليه، وفيه احتمال، ولا سيَّما إذا عُرف أنَّه نصرانيٌّ، ووقع التعارضُ في آخر كلمة نطق بها.
4032 -
فصل في تنارع الوارثين في دِين أحدهما
إذا مات نصرانيٌّ عن ابنين أحدُهما مسلم باتّفاقهما، فادَّعى الآخر أنَّه أسلم قبل موت الأب ليشاركه في الإرث، فقال: بل أسلمتُ بعد موته، فهو كاختلاف الزوجين في الرجعة، وانقضاء العدَّة، فإن اتَّفقا على إسلامه في رمضان، فقال: مات أبي في شوَّال، فقال أخوه: بل مات في شعبان، فالقول قول النصرانيِّ، فإن كان لأحدهما بينةٌ، حُكم له، وإن أقاما بيِّنتين، قُدِّمت بينةُ المسلم عند الأصحاب؛ لأنَّها ناقلة من الحياة إلى الموت, وقال الإمام: تتعارضان.
وإن اتَّفقا على موته في رمضان، فقال النصرانيُّ: أسلمتُ في شعبان، فقال المسلم: بل في شوَّال، فالقول قول المسلم، فإن كان لأحدهما بينة، حُكم له، وإن أقاما بينِّتين، قُدِّمت بيّنة النصرانيِّ؛ لنقلها.
ولو ترك الرجلُ زوجةً مسلمة، وأخًا مسلمًا، وابنين كافرين، وتنازعوا في دينه؛ فإن عُرف دينُه، فالقولُ قول المستصِحب لدينه، وإن لم يُعرف دينه، وأقاما بينتين، تعارضتا، فإن لم تكن بينة، فالتركة بين الفريقين إن كانت بأيديهما، وكذا إن كانت بيد أحدهما، خلافًا للقاضي، فإن انتهى التفريعُ إلى القسمة، جُعل النصفُ للابنين، والنصفُ الآخر للزوجة منه الربع، وللأخ ما بقي.
وإن مات عن ابنين مسلمين، وأبوين كافرين، فقال الأبوان: مات كافرًا، وقال الابنان: مات مسلمًا، فإن اتَّفقوا على كفره في الأصل، فالقولُ قولُ الأبوين، وإن اختلفوا في أصل دينه، فوجهان:
أحدهما: القولُ قول الابنين؛ لظاهر الدار.
والثاني: القولُ قول الأبوين؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الميِّت على دينهما.
4033 -
فصل في دعوى الإرث
إذا ادَّعى أنَّه وارثُ إنسان، ولا وارثَ له سواه، فله أحوال: الأولى: أن يدَّعيَ الإرثَ بالبنوَّة، وانحصار الإرث فيه، فيشهد بذلك عدلان من أهل الخبرة الباطنة بحال الميت؛ بحيث يعلمان سفرَه وحضره، ومشهدَه ومغيبه، وقد 1 اطَّلعا على بواطن أمره، وشُعَب نسبه وتزوُّجه، فيُسلَّم إليه الإرث، وغلط مَنْ شرط في حصر الورثة، والعُسْرة ثلاثةَ عدول،
ولعلَّه جعله احتياطًا من غير وجوب.
فإن علم الحاكمُ أنَّهما خالطاه سفرًا وحضرًا، لم يبحث عن خبرتهما، وإن لم يعلم ذلك، راجعهما، وعرَّفهما أنَّ الشهادةَ بحصر الورثة تعتمد الخبرةَ الباطنة، فإن ذكرا أنَّهما خبيران به، قُبل قولهما، ولا فرقَ بين أن يقولا: لا نعلم له وارثًا سواه، أو يقولا: لا وارثَ له سواه.
وإن أثبت أنه ابن وارث، ولم يثبت الحصرَ، لم يُدفع إليه شيءٌ حتَّى يبحثَ الحاكمُ عن حال الميت؛ بأن يبعث مَنْ ينادي في كلّ قطر يُتوهَّم انتشارُ الميت إليه بأنَّ فلانًا مات، فهل تعرفون له وارثًا، فإنّنَا على قسمة ميراثه، فإن لم يظهر وارث آخر (1)، سُلِّم الإرثُ إليه.
الثانية: أن يكون عَصَبة؛ كالعمِّ والأخ، فإن أثبت الحصرَ ببيِّنة، سُلِّم الإرثُ إليه، وكذا إن ثبت ببحث الحاكم على الأصحِّ.
الثالثة: أن يكون صاحبَ فرض يمكن ضبط أقلِّ نصيبه؛ كالزوج والزوجة، فيُدفع إليه القدرُ المستيقَن على أقلِّ درجات العَوْل، فيُدفع إلى الزوجة ربعُ الثمن عائلًا إن لم يثبت الحصر، وإن ثبت الحصرُ ببينة؛ مثل إن أثبتت الزوجةُ أنَّه لا ولدَ (2) للميت، ولا زوجة أخرى، فيُكْمِل نصيبهَا، وإن ثبت الحصرُ ببحث الحاكم، تمَّم نصيبهَا على الأصحِّ.
4034 -
فرع:
إذا أثبت الحصرُ في الابن، أو في العصبة ببيِّنة، أو دفعنا المستيقنَ إلى12
ذي الفرض، لم يطالب بكفيل، وكذا إن ثبت الحصرُ ببحث الحاكم على أقيس القولين، وفيمن يُحجب حَجْبَ الحرمان؛ كالأخ والعمِّ طريقان:
إحداهما: يُطالبان بالكفيل.
والثانية: فيه القولان.
4035 -
فرع:
إذا شهد عدلان بالبنوَّة أو الأُخوَّة، ولم يتعرَّضا لكونه وارثًا، فبحث الحاكمُ، فلم يجد وارثًا غيرَه، سَلَّم الإرثَ إلى الابن، وفي الأخ وجهان، وقال العراقيُّون: لا يُسلِّم إلى الأخ اتِّفاقًا.
4036 - فرع: ماتت امرأة وابنها، ولها أخٌ وزوج يزعم أنَّها ماتت أوَّلًا، فورثها الابن، ثمَّ مات، فورثه، والأخُ يقول: مات الابن أوَّلًا، فورثت منه أمُّه، ثمَّ ماتت، فورثتها أنا وأنت، فإن توقَّعنا معرفةَ التاريخ، توقَّفنا وبحثنا، ويتَّصل ذلك بأقوال العلماء في توريث الغَرْقى، وإن يئِسْنا من معرفة التاريخ، لم نورِّث ميتًا من ميِّت، بل نجعل تركةَ الابن لأبيه، وتركةَ المرأة للأخ والزوج.
4037 - فرع: قال الشافعيُّ - رضي الله عنه -: إذا ادَّعى أنَّ أباه خلَّف له هذه الدارَ له ولأخ غائب، وأقام البينةَ، أخذ نصيبَه، وانتزع الحاكمُ نصيبَ الغائب وأكراه، فإذا حضر، سلَّمه إليه مع ما حصل من الكراء، ولو ادَّعى أنه اشترى دارًا هو وزيدٌ الغائب، وأقام البينة، أخذ نصيبَه، وترك نصيبَ زيد بيد المدَّعى عليه، فإذا حضر،
فلابدَّ أن يستأنفَ الدعوى، ويقيم البيِّنة، فإنَّ الإرثَ إذا ثبت لواحد، لم يتبعَّض، بخلاف الشراء.
4038 -
باب الدعوى في وقت قبل وقت
إذا تداعى اثنان دارًا بيد ثالث، وأقاما بيِّنتين؛ فإن اتَّحد تاريخُهما، أو كانتا مطلقتين، تعارضتا، وفيهما القولان، وإن تقدَّم تاريخُ إحداهما؛ مثل أن تشهدَ إحداهما بالملك من سنة، و [تشهد] (1) الأخرى بالملك من سنتين، أو وقع مثلُ ذلك في نكاح امرأة، أو تشهد إحداهما بالملك، والأخرى بأوَّلية النتاج في ملكه، فهل يرجَّح تقدُّم التاريخ أو يتعارضان؟ فيه قولان اتَّفق الأصحابُ على إجرائهما في مسألة النتاج، وإن أطلقت إحداهما، وأرَّخت الأخرى، فإن لم نرجِّح بقِدَم التاريخ، تعارضتا، وإن رجَّحنا به، فهل تقدَّم المؤرَّخة، أو يتعارضان؟ فيه وجهان.
4039 -
فرع:
إذا اختصَّ أحدُهما باليد، والآخر بقدم التاريخ، [فإن أثبت الداخلُ أنَّها انتقلت إليه من الخارج، أو أثبت أنَّها في ملكه في الحال، حُكم له بالملك، وإن لم يثبت ذلك] 2؛ فإن لم نرجِّح بقِدَم التاريخ، قُدِّم صاحبُ اليد، وإن رجَّحنا به، فهل نُرجِّح به هاهنا، أو باليد، أو يتعارضان؟ فيه ثلاثةُ أوجه.1
وإن كانت إحداهما مطلقةً، والأخرى مؤرَّخة؛ فإن كان التاريخُ مع الداخل، قُدِّم، وإن كان مع الخارج؛ فإن قلنا بالتعارض في الخارجين، قُدِّم صاحبُ اليد، وإن قدَّمنا المؤرَّخةَ في الخارجين، ففيمن نقدِّم هاهنا الأوجهُ الثلاثة.
4040 -
فصل في الشهادة بيد سابقة، أو ملك سابق
إذا ادَّعى أنَّ هذه الدارَ كانت ملكَه أمس؛ فإن لم يدَّعِ ملكَها في الحال، فلا نعرف 1 خلافًا في بطلان دعواه، وإن ادَّعى الملكَ أو اليدَ في الحال، فشهدت البيِّنة بأنَّه كان في ملكه، أو في يده بالأمس؛ [فإن أثبت الداخلُ أنها انتقلت إليه من الخارج، أو أثبت أنها ملكُه في الحال، حكم له بالملك، وإن لم يثبت ذلك] 2؛ فإن قلنا: لا يرجَّح بقدم التاريخ، فلا أثرَ للشهادة بملك سابق، وإن رجَّحنا بقدم التاريخ، فأصحُّ القولين أنَّ ملك الخارج ويده لا يثبتان، وأثبتهما في القديم.
وإن ادَّعى ملكًا، وأقام بيِّنة بأنَّ الداخلَ أقرَّ له بالملك في تاريخ سابق، أو بأنَّه اشترى ذلك منه بتاريخ سابق، ولم تتعرَّض البينة لإثبات الملك في الحال، حُكم ببيِّنته؛ لقوَّة البيع، والإقرار؛ فإنَّهما ينقلان الملكَ قطعًا، فيثبت
حكمُهما في المستقبل.
ومعتمد بينة الملك الظنُّ والحسبان، وأبعد مَنْ خرَّجه على القولين؛ تعليلًا بأنَّ الشهادةَ بتقدُّم سبب الملك كالشهادة بتقدُّم الملك، فإن قلنا بالمذهب، فادَّعى دارًا بيد رجل لم يسبق منه بيعٌ ولا إقرار، فقال الداخلُ: كانت الدار ملكك أمسِ، فهل يكون قوله كالشهادة بملك متقدِّم، أو كإقرار مطلق تشهد به البينة؟ فيه وجهان.
4041 -
فائدة:
قال الأصحابُ: إذا وقف الشاهدُ على الأسباب المجوِّزة للشهادة بالملك، وطال الزمنُ، ولم يعلم زوال الملك، فله الشهادةُ بالملك الناجز؛ بناءً على الاستصحاب، ولم يشترطوا أن يقترنَ بذلك الزمن [أكثرُ من] 1 خبرة باطنة تطلع الشاهدَ على دوام الملك؛ فإنَّ ذلك لو شُرط، لتعذَّر إثباتُ الأملاك عند تطاول الأزمان، فإنَّا لا نعني بالخبرة الباطنة ألَّا يفارقَه في يوم أو أيَّام، فإذا فارقه في هذه الأيَّام، أمكن أن يزيلَ الملكَ فيها، ولا عبرةَ بهذا الإمكان.
ولو شهد عند الحاكم أنَّه تحقَّق الأسبابَ المجوِّزة للشهادة بالملك، وقال: لا أعلم له مزيلًا، لم يثبت الملكُ بذلك، خلافًا للقاضي، كما لا يثبت الرضاعُ بذكر أسبابه المجوِّزة للشهادة به، وفرَّق القاضي بأنَّ الملك يثبت بالظنِّ، بخلاف الرضاع؛ فإنَّ أماراته قاطعة.
ولو شهد بالسبب، وقال: لا أدري أزال الملكُ أم لا، وأبدى ذلك إبداءَ
مرتاب غير معتضد بالاستصحاب، فلا يثبت الملكُ بوفاق القاضي، ويُخرَّج من كلامه أنَّ البينة لو شهدت بملك متقدِّم، ولم تظهر رَيْبًا ولا تعرُّضًا لما يشعرُ بالاستصحاب، ولم تقل: لا أعلمُ مزيلًا، خُرِّج على القولين، ولا تكون كالشهادة بالملك الناجز.
4042 -
فصل في وقت ثبوت الملك المطلق
إذا قامت البيِّنةُ بملك مطلق، ثبت الملكُ قُبيل قيامها بلحظة لطيفة لا تدرك بالحسِّ، فإن شهدت بملك شاة قد نُتِجت قبيل الشهادة، أو شهدت بشجرة عليها ثمرة، ولم تتعرَّض للثمرة، لم يُحكم له بالنتاج، ولا بالثمرة، وإن علقت الشاةُ بعد قيام البينة، ووضعت قبل التزكية، ثمَّ زُكِّيت البينة، فالنتاجُ للمدَّعي.
وإن شهدت بدابَّة حامل، ولم تتعرَّض للحمل، ثبت الملكُ في الدابَّة والحَمْلِ؛ كالشراء، وفيه احتمالٌ بعيد.
ولو اشترى شيئًا، فاستُحِقَّ من يده بعد زمن طويل، أو اشتراه وباعه، أو وهبه، فاستُحِقَّ من يد المشتري أو المتَّهب، فله الرجوعُ بالثمن على البائع، ويَرُدُّ على المشتري الثاني ما أخذه منه؛ إذ يجبُ تصديق بينة الاستحقاق، ويلزم مَنْ صدَّقها انتقالُ ملك المبيع إلى المستحِقِّ، وليس انتقاله من البائع الأوَّل أولى من انتقاله ممَّن بعده، فلا يأخذ البائعُ الثمنَ بمجرَّد احتمال مع مَسِيسِ الحاجة إلى مثل ذلك في العُهْدة، فإن ادَّعى البائعُ أنَّ المشتريَ نقل
الملكَ إلى المستحِقِّ، فالقولُ قول المشتري؛ إذ لا يمكنه أن يثبتَ عدمَ تصرُّف نفسه.
4043 -
باب الدعوى على كتاب أبي حنيفة
1
إذا ادَّعى أنَّه اشترى ثوبًا من زيد بمئة [دفعها إليه] 2، فادَّعى آخر أنَّه اشترى ذلك الثوبَ من زيد بمئة دفعها إليه، وأقاما بيِّنتين؛ فإن تقدَّم تاريخُ إحداهما، قُدِّمت على المذهب؛ فإنَّ الشراءَ حجَّة في المستقبل، وإن اتَّحد التاريخُ تعارضتا.
فإن قلنا بالتهاتر، فالقولُ قول زيد مع يمينه، وإن قلنا بالاستعمال، ففيه الأقوال, وقال الربيع: إذا لم نقل بالتهاتر، انفسخ العقدان، وهو بعيدٌ مزيَّف.
فإن قلنا بالقرعة، سُلِّم الثوبُ إلى مَنْ خرجت قرعتُه، وبرئ من الثمن، ورجع صاحبُه بالثمن على زيد.
وإن قلنا بالوقف، انتُزع الثمنان وعدِّلا، وانتُزع الثوبُ ووُقِف بينهما إلى الاصطلاح.
وإن قلنا بالقسمة، جُعل الثوبُ بينهما نصفين، ورجع كلُّ واحد منهما
بنصف الثمن، وثبت له 1 الخيار، فإن أجاز أحدُهما العقدَ، فللآخر أن يفسخَ ويرجع بالثمن، فإن طلب الأوَّلُ أن يُرَدَّ إليه النصف الذي فسخ فيه الثاني، لم نجبه إلى ذلك، وإن فسخ الأوَّل، فطلب الثاني جميعَ الثوب، ففي إجابته وجهان.
وقال الإمام: إن فسخ الأوَّلُ، سُلِّم الثوبُ إلى الثاني اتفاقًا، وإن أجاز فسخ الثاني، ففي ردِّ النصف الآخر إلى المجيز وجهان، فمن فسخ منهما، رجع بالثمن، ومَنْ أجاز، رجع بالنصف، ومَنْ أخذ الثوبَ، فقد استوفى حقَّه، وإن كانت البيِّنتان مطلَقَتَين؛ فإن قلنا بالتهاتُر عند تحقُّق التناقض، ففي التهاتر هاهنا وجهان، فإن قلنا: لا تتهاتران، فوجهان:
أحدُهما: تسقطان في رقبة الثوب، ويُلزم زيد بردِّ الثمنين؛ إذ لا تناقضَ فيهما بين البيِّنتين، فيكون استعمالًا من وجه، وتهاترًا من وجه.
والوجه الثاني: إجراء أقوال الاستعمال، وخالف أبو محمَّد في قول القرعة؛ ظنًّا منه أنها تميَّز الصادقةُ من الكاذبة، فإذا أمكن صدقُهما، فلا معنى للقرعة، وهذا وهم؛ فإنَّ القرعةَ لا تميِّز صادقًا من كاذب، وقد تخرج للكاذب، وإنَّما تجري لتمييز شخصين مستويين ظاهرًا في سبب الاستحقاق.
وإن ادَّعى دارًا بيد زيد، وزعم أنَّها ملكُه اشتراها من عمرو، فادَّعى آخرُ أنَّها ملكُه اشتراها من بكر، وأقاما بيِّنتين؛ فإن أثبت كلُّ واحد منهما ملكَ البائع حال العقد، تعارضت البيِّنتان.
وإن ادَّعى أنَّه اشترى الدارَ من داخل، لم يُشرط أن يقولَ: بعتُها وأنت
تملكها، فإنَّ ذلك لا يشرط إلَّا إذا كان البائعُ غيرَ داخل، فإذا أثبت الشراءَ، وأثبت ملكَ البائع ببيِّنة الشراء، أو بغيرها، ثبت ملكُ البائع، وإن لم يأذن له في إثباته.
ولو كان بيد زيد ثوبٌ، فادَّعى عليه إنسانٌ أنَّه اشترى منه ذلك الثوبَ بمئة، وطالبه بها، وادَّعى آخرُ أنَّه باعه ذلك الثوبَ بمئة، وطالبه بها، أُقِرَّ الثوبُ بيد زيد، وللبيِّنتين حالان:
إحداهما: أن تكونا مطلقتين، فيلزمه الثمنان على الأصحِّ؛ لانتفاء التهاتر، وبه قطع الإمامُ، وأبعد مَنْ خرَّج قولي التهاتر والاستعمال، فإن قلنا بالتهاتر، سقط الثمنان، وإن قلنا بالاستعمال، فوجهان:
أحدُهما: يلزمه الثمنان.
والثاني: التخريجُ على الأقوال، فإن قلنا بالقرعة، فخرجت لأحدهما، فاز بالثمن، وخاب الآخر، وإن قلنا بالوقف، وقفت الخصومةُ، وإن قلنا بالقسمة، أخذ كلُّ واحد نصفَ ثمنه.
الحال الثانية: أن يتَّحد التاريخ؛ مثل 1 أن توقِّت كلُّ واحدة لفظ الشراء ببدوِّ أوَّل قرص الشمس من يوم معلوم، فتتعارضان، فنُجري قولي التهاتر والاستعمال، وهذا التوقيتُ ممَّا لا يدركه الحسُّ، بل هو كقولنا: فعل متَّحد، وجوهر فرْد، ولو صحَّ ذلك، فشهدت بينة بإقرار في وقت معيَّن، فأقام المقِرُّ بينة بأنَّه كان يُسبي في ذلك الوقت، لتعارضت البينتان؛ إذ لا يتصور اجتماع كلامين في وقت واحد.
وقد اختلف الأصحابُ إذا شهدت بينة بقول أو فعل في وقت معيَّن، فشهدت بينة بعدم ذلك الفعل أو القول في ذلك الوقت، ففي سماع بينة النفي إذا أمكن إسنادها (1) إلى علم وجهان، والأكثرون على أنَّها لا تُسمع، وقد يعتضد قولُ من يسمعها بأنَّ يقيدَ الشاهدُ شهادتَه بما يناقض الفعل، أو القول؛ مثل أن يقول: كان ساكتًا عن الفعل في ذلك الوقت، أو ساكتًا عن القول، فإن أخذ الأصحابُ التناقضَ من العلم بانتفاء أحد الكلامين على ما قدَّمنا الخلافَ فيه، فهذا متصوَّر، ثمَّ تُقيَّد الشهادةُ بإثبات ما تشهد به، ونفي ما عداه في ذلك الوقت؛ فإنَّ الكلامين يتناقضان كما يتناقض الصمتُ والكلام، ويمكن أن يُراقبَ الإنسانُ بحيث يعلم أنَّه ليس بقائل، ولا سيَّما إذا كان القولُ مجهورًا متعلِّقًا بمخاطب يحضر، والعلمُ بحضوره كالعلم بغَيْبته.
4044 -
فصل في الاختلاف في العتق والبيع
إذا كان بيد إنسان عبدٌ يدَّعي أنَّه أعتقه، ويدَّعي آخرُ أنَّه ابتاعه منه، وأقاما بينتين، قُدِّم أسبقُهما تاريخًا، فإن اتَّحد التاريخُ، أو كانتا مطلقتين، فعلى قولي التهاتر، والاستعمال، وقيل: لا يجري التهاترُ في المطلقتين، فإن قلنا بالتهاتر، فالقولُ قول السيِّد مع يمينه، وإن قلنا بالاستعمال، ففيه الأقوال، وتتأكَّد القرعةُ هاهنا لأجل العتق، وإن قلنا بالقسمة، عتق نصفهُ، وحُكم بالنصف الآخر للمشتري، ولا يسري عند الأصحاب؛ لأنَّه قهريٌّ،1
وفيه قول أنَّه يسري؛ لشهادة البيِّنة باختياره للعتق.
وقال المزنيُّ: تُقدَّم بينة العبد؛ لأنَّه في يد نفسه، وهذا لا يصحُّ، فإنَّه لا يصيرُ في يد نفسه إلَّا بعد العتق.
4045 -
فصل في الشهادة بالولادة في الملك
إذا كان بيد رجل جارية، فشهدت بيِّنة لآخر بأنَّ الجاريةَ بنتُ أمته عَلِقت بها في ملكه وولدتها في ملكه، فقد قال المعظم: يُحكم له بالجارية، وهو خطأ, وقالوا: لو شهدت بأنَّها بنتُ أمته، لم تُسمع على الجديد، وخرَّجوا من القديم قولًا في السماع؛ إذ الغالبُ أنَّ ولد الأمة ملك للسيِّد، والأملاك يُكتفى فيها بالظواهر، وهذا زللٌ لا يجوز عدُّه من المذهب، والمسلكُ الحقُّ: أنَّه إن أقام البيِّنة بأنَّها في ملكه في الحال، وأسندت الملكَ إلى الولادة، ثبت الملكُ، وإن شهدت بأنَّها بنتُ أمته، ولم تتعرَّض للملك في الحال، لم تُسمع دعواه، ولا بينته؛ فإنَّ أمتَه قد تلد ولدًا في غير ملكه، وفي غير يده.
وإن قال: ولدَتْها في ملكي؛ فإن فسَّر ذلك بأنَّها ولدتها وهي في ملكه، وأقام البينة بذلك، فعلى القولين في الشهادة بملك متقدِّم، وإن فسَّره بكون الجارية في ملكه، فقد ادَّعى ملكًا قديمًا في الجارية، ويدًا سابقة في الولد، ففي ثبوت اليد على الولد القولان في الشهادة بالملك المتقدِّم؛ لإمكان أن يكونَ الولدُ لغيره بوصيَّة، أو يكون حرًّا، ويحتمل إذا ادَّعى ملكَ الأمِّ، أو كان ثابتًا لا نزاعَ فيه أن يُلحقَ بمَن ادَّعى جاريةً حاملًا، فإنَّه يُجعل مدَّعيًا
للحمل، لكن الفرق أنَّ الحملَ مقصودٌ بالدعوى هاهنا، تابعٌ ثَمَّ، فإن جعلناه مدَّعيًا لملك الحمل، خُرِّج على القولين في الملك المتقدِّم.
4046 -
فصل في الاختلاف في الحرية الأصليَّة
إذا كان بيد إنسان رجل يصرِّفه كيف يشاء، ويستصغره استصغارَ الأرقَّاء بحيث يغلب على الظنِّ أنَّ الأحرارَ لا يُستصغرون كذلك، فقال: أنت ملكي، فقال: بل أنا حرُّ الأصل، فالقولُ قوله مع يمينه اتِّفاقًا؛ فإنَّ الأصلَ والغالبَ في الناس الحريةُ.
وإن تداولته الأيدي، وجرى عليه البيعُ والشراء؛ فإن باعه، فإن كان مدَّعيًا للحرِّية، لم يصحَّ البيعُ، وإن كان مقرًّا بالرقِّ، صحَّ، وإن كان ساكتًا، فوجهان، بخلاف ما أصله الملكُ، فإنَّا نكتفي في شرائه بظاهر اليد، فلو فاجأنا مَنْ يبيع شيئًا في يده، أو ادَّعى عليه به فإنَّا ننفذ بيعَه، ونجعل القول قولَه، فكانت يدُ الداخل كافيةً في الشراء.
وإن كان بيده صغيرٌ يتصرَّف فيه؛ فادَّعى رقَّه؛ فإن لم يكن له نطق، ولم يعقل عقلَ مثله، قُبل قولُه، وإن عقل عقلَ مثله، فوجهان بناهما القفال على الخلاف في إسلام الصبيان، فإن قلنا: لا يُقبل، أو كان لا يعقل عقلَ مثله، فبلغ، وادَّعى حريةَ الأصل، فالقولُ قولُه على أقيس الوجهين 1؛ كمن وصف الكفرَ بعدما حُكم بإسلامه بالدار.
وإن لم يدَّع رقَّه، ولم يتصرَّف فيه تصرُّفًا يستدعي الملكَ، فهل يكون تصرُّفه فيه، ويدُه كدعواه رقَّه؟ فيه وجهان، فإن لم يُجعل كدعوى الرقِّ، فادعى الحريةَ بعدما بلغ، قُبل قولُه اتِّفاقًا.
4047 -
فصل فيمن ادَّعى دارًا فادَّعى آخرُ بعضَها
إذا ادَّعى دارًا بيد إنسان، فادَّعى آخرُ نصفَها، وأقاما بيِّنتين، تعارضتا في النصف، فإن قلنا بالتهاتر، سقطت البيِّنتان في أحد النصفين، وفي سقوط بيِّنة مدَّعي الكلِّ في النصف الآخر قولا تبعيض الشهادة، فإن بعَّضناها، ثبت له النصفُ، وإن قلنا بالاستعمال، وقلنا بالقرعة، فخرجت لمدَّعي الكلِّ سُلِّمت إليه الدار، وإن خرجت لمدَّعي النصف، أخذ كلُّ واحد منهما نصفَ الدار، وإن قلنا بالوقف، دُفع النصفُ إلى مدَّعي الكلِّ، ووُقف النصفُ الآخر حتَّى يصطلحا، وإن قلنا بالقسمة، فالربعُ لمدَّعي النصف، ولمدَّعي الكلِّ ثلاثةُ الأرباع.
4048 -
فرع:
إذا أقرَّ الداخلُ لأحدهما قبل إقامة البيِّنة، صارت اليدُ للمقرِّ له، وانتقلت الخصومةُ إليه، وإن أقرَّ بعد قيام البيِّنتين؛ فإن قلنا: بالتهاتر، دُفعت إلى المقرِّ له، وإن قلنا بالاستعمال، فهل تترجَّح بيِّنة المقرِّ له بالإقرار، أو تجري الأقوال؟ فيه وجهان.
4049 -
فصل في تداعي أرباب اليد
إذا كان في يد ثلاثة دار يدَّعي أحدُهم نصفَها، والثاني ثلثها، والثالث سدسَها، وأقاموا بيِّنات، حُكم لمدِّعي الثلث بالثلث، ولمدَّعي السدس بالسدس، ولمدَّعي النصف بالثلث، فإن أقرَّ له مستحقُّ السدس بالسدس الآخر، أخذه، وإن أقرَّ به لغائب، فهل يُسلَّم إلى مدعي النصف؛ (لإقامته البيِّنة) (1)، أو يُسلَّم إليه نصفُ السدس؟ فيه وجهان، أحسنُهما: أنه يأخذ نصفَ السدس؛ لأنَّه ادَّعى سدسًا شائعًا على صاحب الثلث والسدس، فلا يُقبل قولُه على صاحب الثلث؛ لأجل يده، والسدس الآخر لا يدَّعيه صاحب اليد، فيُسلَّم إليه نصفه.
4050 -
فصل فيمن أقرَّ بالغصب من أحد رجلين
إذا قال: غصبتُ هذا من أحد هذين؛ انتُزع منه اتِّفاقًا، ولم ينفذ رجوعُه، ولكلِّ واحد أن ينفردَ بمخاصمته، ويطلب يمينَه، وهل يحلف على البتِّ أو نفي العلم؟ فيه قولان مأخذُهما أنَّه لو نكل في حقِّهما، فحلفا، فهل يغرم لكلِّ واحد نصفَ القيمة؟ فيه قولان، فإن قلنا: لا يغرم، حلف على نفي العلم، كما لو أقرَّ لأحدهما بوديعة، [فإنَّهما مشتركان] 2 في انتفاء الضمان.
وقال الإمامُ: يحلف على البتِّ.
وإن قلنا: لا يغرم، طردًا لقاعدة الأيمان، وإن قلنا: يغرم، حلف لكلِّ واحد على البتِّ أنِّي ما غصبتُ منك،1
فإن نكل، رُدَّت اليمينُ على الخصم، وهذا مشكلٌ؛ فإنَّه حمل على يمين كاذبة، ولأنَّه لو حلف للأوَّل على البتِّ، وجب أن يتعيَّن الثاني؛ فإنَّ تعيينَ المبهم مقبولٌ.
والوجه: أن يُفرَّع على الحلف على العلم، فإن حلف أو نكل، فحلفا أو نكلا، فهل تُقسم العينُ بينهما، أو توقف حتَّى يصطلحا؟ فيه وجهان؛ فإنَّ الخصومةَ متساوية، والخصمان متساويان، وإذا حلفا، لم يقرع بينهما؛ فإنَّ القرعة إنَّما تجري عند انتهاء الحجَّة، والبينة متوقَّعة بعد الأيمان على أنَّ قولَ القرعة باطلٌ بكلِّ حال.
4051 -
فرع:
إذا قال: غصبتُ هذا من واحد من الناس، فهل يُنزع؛ ليحفظَ حفظَ المال الضائع؟ فيه وجهان، فإن قال: غلطت في إقراري؛ فإن قلنا: يُنزع، لم يُقبل رجوعُه، وإن قلنا: لا يُنزع، فلا أثرَ لإقراره، ولا لرجوعه.
4052 -
فصل فيمن استولد أمة ثمَّ أقرَّ برقِّها
إذا ادَّعى جاريةً بيد إنسان، فنكل عن اليمين، فحلف المدَّعي يمينَ الردِّ، وتسلَّمها، وأولدها ولدًا يلحق في الحكم، ثمَّ أكذب نفسَه، لم تبطل حرية الولد، ولا الاستيلاد، وللمدَّعي عليه مهرُها، وقيمتُها، وقيمةُ ولدها، فإن صدَّقته الجاريةُ على الرجوع، لم تبطل حريةُ الولد اتِّفاقًا، ولا الاستيلادُ على الأصحِّ.